«بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠١٦

الحديث رقم ٣٠١٦ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يعذب بعذاب الله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: إن وجدتم…

«بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا.»

سند حديث: ٣٠١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ…

٣٠١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: إن وجدتم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ثُمَّ قَال: (بَابُ قَتْلِ النِّسَاءِ فِي الْحَرْبِ)، وَأَوْرَدَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ، بِلَفْظِ: فَنَهَى.

وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي مُسْنَدِهِ بِهَذَا السِّيَاقِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَةَ وَقَالَ: نَعَمْ وَعَلَى هَذَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ فِيهِ: إِنَّ مَنْ قَالَ لِشَيْخِهِ حَدَّثَكُمْ فُلَانٌ، فَسَكَتَ، جَازَ ذَلِكَ مَعَ الْقَرِينَةِ، لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الْأُخْرَى أَنَّهُ لَمْ يَسْكُتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَحْكَامُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَقَالَ: هُمَا لِمَنْ غَلَبَ.

١٤٩ - بَاب لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ

٣٠١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا.

٣٠١٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قال النبي : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".

[الحديث ٣٠١٧ - طرفه في: ٦٩٢٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ) هَكَذَا بَتَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِوُضُوحِ دَلِيلِهَا عِنْدَهُ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنِ التَّحْرِيقُ طَرِيقًا إِلَى الْغَلَبَةِ عَلَى الْكُفَّارِ حَالَ الْحَرْبِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ بُكَيْرٍ) بِمُوَحَّدَةٍ وَكَافٍ مُصَغَّرٌ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي بُكَيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ فَأَفَادَ نِسْبَتَهُ وَتَصْرِيحَهُ بِالتَّحْدِيثِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنِ اللَّيْثِ لَيْسَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِ عَنْ بُكَيْرٍ، وَمَضَى قَبْلَ أَبْوَابٍ مُعَلَّقًا، وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَرَوَاهُ فِي السِّيرَةِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرٍ فَأَدْخَلَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَجُلًا، وَهُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الدَّوْسِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَنَقَلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رِوَايَةَ اللَّيْثِ أَصَحُّ، وَسُلَيْمَانُ قَدْ صَحَّ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَعْنِي: وَهُوَ غَيْرُ مُدَلِّسٍ، فَتَكُونُ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ.

قَوْلُهُ: (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا) زَادَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ سَرِيَّةً أَنَا فِيهَا قُلْتُ: وَكَانَ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ. هَكَذَا بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَلِكَ رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ مُرْسَلًا، وَسَمَّاهُ: هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: إِنْ وَجَدْتُمْ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَالرَّجُلَ الَّذِي سَبَقَ مِنْهُ إِلَى

زَيْنَبَ مَا سَبَقَ، فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ يَعْنِي زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَانَ زَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ لَمَّا أَسَرَهُ الصَّحَابَةُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ النَّبِيُّ مِنَ الْمَدِينَةِ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَهِّزَ لَهُ لِبِنْتِهِ زَيْنَبَ فَجَهَّزَهَا، فَتَبِعَهَا هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَرَفِيقُهُ فَنَخَسَا بَعِيرَهَا فَأُسْقِطَتْ وَمَرِضَتْ مِنْ ذَلِكَ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: وَكَانَا نَخَسَا بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ: أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ أَصَابَ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ بِشَيْءٍ وَهِيَ فِي خِدْرِهَا فَأُسْقِطَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ سَرِيَّةً فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمُوهُ فَاجْعَلُوهُ بَيْنَ حُزْمَتَيْ حَطَبٍ ثُمَّ أَشْعِلُوا فِيهِ النَّارَ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ، الْحَدِيثَ، فَكَأَنَّ إِفْرَادَ هَبَّارٍ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ وَالْآخَرُ كَانَ تَبَعًا لَهُ.

وَسَمَّى ابْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ الرَّجُلَ الْآخَرَ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ هِشَامٍ فِي زَوَائِدِ السِّيرَةِ عَلَيْهِ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ مُسْنَدِ الْبَزَّارِ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ فَلَعَلَّهُ تَصَحَّفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَافِعٌ، كَذَلِكَ هُوَ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ ابْنُ بَشْكُوَالٍ مِنْ مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ كَذَلِكَ.

قُلْتُ: وَقَدْ أَسْلَمَ هَبَّارٌ هَذَا، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ الْمَذْكُورَةِ: فَلَمْ تُصِبْهُ السَّرِيَّةُ وَأَصَابَهُ الْإِسْلَامُ فَهَاجَرَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ إِسْلَامِهِ، وَلَهُ حَدِيثٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَآخَرُ عِنْدَ ابْنِ مَنْدَهْ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ رِوَايَةً فِي قِصَّةٍ جَرَتْ لَهُ مَعَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ، وَعَاشَ هَبَّارٌ هَذَا إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ. وَلَمْ أَقِفْ لِرَفِيقِهِ عَلَى ذِكْرٍ فِي الصَّحَابَةِ فَلَعَلَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: فَأَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ: فَلَمَّا وَدَّعَنَا وَفِي رِوَايَةِ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ: فَوَلَّيْتُ فَنَادَانِي فَرَجَعْتُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ) هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ: وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ، وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي التَّحْرِيقِ: فَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرٍ أَوْ فِي حَالِ مُقَاتَلَةٍ أَوْ كَانَ قِصَاصًا، وَأَجَازَهُ عَلِيٌّ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَغَيْرُهُمَا، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِصَاصِ قَرِيبًا. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: لَيْسَ هَذَا النَّهْيُ عَلَى التَّحْرِيمِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّحْرِيقِ فِعْلُ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ سَمَلَ النَّبِيُّ أَعْيُنَ الْعُرَنِيِّينَ بِالْحَدِيدِ الْمَحْمِيِّ، وَقَدْ حَرَقَ أَبُو بَكْرٍ الْبُغَاةَ بِالنَّارِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، وَحَرَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالنَّارِ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ يُجِيزُونَ تَحْرِيقَ الْحُصُونِ وَالْمَرَاكِبَ عَلَى أَهْلِهَا، قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ: لَا حُجَّةَ فِيمَا ذُكِرَ لِلْجَوَازِ، لِأَنَّ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ كَانَتْ قِصَاصًا أَوْ مَنْسُوخَةً كَمَا تَقَدَّمَ.

وَتَجْوِيزُ الصَّحَابِيِّ مُعَارَضٌ بِمَنْعِ صَحَابِيٍّ آخَرَ، وَقِصَّةُ الْحُصُونِ وَالْمَرَاكِبِ مُقَيَّدَةٌ بِالضَّرُورَةِ إِلَى ذَلِكَ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلظَّفَرِ بِالْعَدُوِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُمْ نِسَاءٌ وَلَا صِبْيَانٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَظَاهِرُ النَّهْيِ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وَهُوَ نَسْخٌ لِأَمْرِهِ الْمُتَقَدِّمِ سَوَاءٌ كَانَ بِوَحْيٍ إِلَيْهِ أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ قَصَدَ إِلَى ذَلِكَ فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي التَّدْخِينِ، وَفِي الْقِصَاصِ بِالنَّارِ.

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْحُكْمِ بِالشَّيْءِ اجْتِهَادًا ثُمَّ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَاسْتِحْبَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ عِنْدَ الْحُكْمِ لِرَفْعِ الْإِلْبَاسِ وَالِاسْتِنَابَةِ فِي الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا، وَأَنَّ طُولَ الزَّمَانِ لَا يَرْفَعُ الْعُقُوبَةَ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّهَا. وَفِيهِ كَرَاهَةُ قَتْلِ

مِثْلِ الْبُرْغُوثِ بِالنَّارِ. وَفِيهِ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ اتِّفَاقٌ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَوْدِيعِ الْمُسَافِرِ لِأَكَابِرِ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَتَوْدِيعُ أَصْحَابِهِ لَهُ أَيْضًا. وَفِيهِ جَوَازُ نَسْخِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهِ أَوْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ اتِّفَاقٌ إِلَّا عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَيْرُ الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْأُصُولِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالنَّاسِخِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ. وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ إِنْ تَمَكَّنُوا مِنَ الْعِلْمِ بِهِ ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِمِ اتِّفَاقًا، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ، وَقِيلَ: يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ نَائِمًا وَلَكِنَّهُ مَعْذُورٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ) صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بِتَحْدِيثِ أَيُّوبَ لَهُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (إنَّ عَلِيًّا حَرَقَ قَوْمًا) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ الْمَذْكُورَةِ: أَنَّ عَلِيًّا أَحْرَقَ الْمُرْتَدِّينَ يَعْنِي الزَّنَادِقَةَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، وَأَيُّوبَ، وَعَمَّارًا الدُّهْنِيَّ، اجْتَمَعُوا فَتَذَّكَّرُوا الَّذِينَ حَرَّقَهُمْ عَلِيٌّ، فَقَالَ أَيُّوبُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ عَمَّارٌ: لَمْ يَحْرِقْهُمْ، وَلَكِنْ حَفَرَ لَهُمْ حَفَائِرَ وَخَرَقَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ دَخَّنَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَالَ الشَّاعِرُ:

لِتَرْمِ بِيَ الْمَنَايَا حَيْثُ شَاءَتْ … إِذَا لَمْ تَرْمِ بِي فِي الْحُفْرَتَيْنِ

إِذَا مَا أَجَّجُوا حَطَبًا وَنَارًا … هُنَاكَ الْمَوْتُ نَقْدًا غَيْرُ دَيْنِ

انْتَهَى. وَكَأَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ أَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ فِي إِنْكَارِهِ أَصْلَ التَّحْرِيقِ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَاهِرٍ الْمُخْلِصِ: حَدَّثَنَا لُوَيْنٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَذَكَرَهُ عَنْ أَيُّوبَ وَحْدَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَنْ عَمَّارٍ وَحْدَهُ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: أَوْقَدْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قَنْبَرًا فَظَهَرَ بِهَذَا صِحَّةُ مَا كُنْتُ ظَنَنْتُهُ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ فِي آخِرِ الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِقَوْمٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةِ وَمَعَهُمْ كُتُبٌ، فَأَمَرَ بِنَارٍ فَأُجِّجَتْ ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ وَكُتُبَهُمْ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ نَاسٌ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فِي السِّرِّ وَيَأْخُذُونَ الْعَطَاءَ، فَأَتَى بِهِمْ عَلِيٌّ فَوَضَعَهُمْ فِي السِّجْنِ وَاسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالُوا: اقْتُلْهُمْ، فَقَالَ: لَا بَلْ أَصْنَعُ بِهِمْ كَمَا صُنِعَ بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ، فَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ) هَذَا أَصْرَحُ فِي النَّهْيِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَزَادَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ فِي آخِرِهِ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٥٠ - بَاب ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ - حتى يَغْلِبَ فِي الْأَرْضِ - ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فَدَاءً) فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ، وَسَتَأْتِي مَوْصُولَةً مُطَوَّلَةً فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا هُنَا قَوْلُهُ فِيهِ: إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ التَّقْسِيمَ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْأَمْرَ فِي أَسْرَى الْكَفَرَةِ مِنَ الرِّجَالِ إِلَى الْإِمَامِ، يَفْعَلُ

مَا هُوَ الْأَحَظُّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمُجَاهِدٌ وَطَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْفِدَاءِ مِنْ أُسَارَى الْكُفَّارِ أَصْلًا. وَعَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ: لَا تُقْتَلُ الْأُسَارَى، بَلْ يُتَخَيَّرُ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ. وَعَنْ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِغَيْرِ فِدَاءٍ. وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ: لَا يَجُوزُ الْمَنُّ أَصْلًا لَا بِفِدَاءٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، فَيُرَدُّ الْأَسِيرُ حَرْبِيًّا. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَظَاهِرُ الْآيَةِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ، لَكِنْ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ ذِكْرُ الْقَتْلِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِّيُّ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِكَرَاهَةِ فِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الْآيَةَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ حِلِّ الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ إِبَاحَةِ الْغَنِيمَةِ فَلَا كَرَاهَةَ انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ اخْتِلَافًا: أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَرْجَحُ؟ مَا أَشَارَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَخْذِ الْفِدَاءِ، أَوْ مَا أَشَارَ بِهِ عُمَرُ مِنَ الْقَتْلِ؟ فَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ رَأْيَ عُمَرَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِمَا فِي الْقِصَّةِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ : أَبْكِي لِمَا عُرِضَ عَلَى أَصْحَابِكَ مِنَ الْعَذَابِ لِأَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ. وَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَالُ حِينَئِذٍ، وَلِمُوَافَقَةِ رَأْيِهِ الْكِتَابَ الَّذِي سَبَقَ، وَلِمُوَافَقَةِ حَدِيثِ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي وَلِحُصُولِ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ بَعْدُ مِنْ دُخُولِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَالصُّحْبَةِ وَمَنْ وُلِدَ لَهُمْ مَنْ كَانَ وَمَنْ تَجَدَّدَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ. وَحَمَلُوا التَّهْدِيدَ بِالْعَذَابِ عَلَى مَنِ اخْتَارَ الْفِدَاءَ، فَيَحْصُلُ عَرَضُ الدُّنْيَا مُجَرَّدًا وَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ. وَحَدِيثُ عُمَرَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مُطَوَّلًا وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ - يَعْنِي: يَغْلِبَ فِي الْأَرْضِ - ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الْآيَةَ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَكَرِيمَةَ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ، وَتَفْسِيرُ يُثْخِنَ بِمَعْنَى يَغْلِبَ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَيُبَالِغَ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: الْإِثْخَانُ الْقَتْلُ، وَقِيلَ: الْمُبَالَغَةُ فِيهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: حَتَّى يَتَمَكَّنَ فِي الْأَرْضِ. وَأَصْلُ الْإِثْخَانِ فِي اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ مَنَعَ أَخْذَ الْفِدَاءِ مِنْ أُسَارَى الْكُفَّارِ، وَحُجَّتُهُمْ مِنْهَا أَنَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ إِطْلَاقَ أَسْرَى كُفَّارِ بَدْرٍ عَلَى مَالٍ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ بَعْدُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قَالَ: فَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بَلْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا نَسْخَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ بَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَمِلَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ كُلُّهَا فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ: فَقَتَلَ بَعْضَ الْكُفَّارِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفَدَى بَعْضًا، وَمَنَّ عَلَى بَعْضٍ. وَكَذَا قَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَمَنَّ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وَغَيْرَهُ بِمَكَّةَ وَمَنَّ عَلَى سَائِرِهِمْ. وَسَبَى هَوَازِنَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ. وَمَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ؛ فَدَلَّ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ إِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ.

وَمُحَصِّلُ أَحْوَالِهِمْ تَخْيِيرُ الْإِمَامِ بَعْدَ الْأَسْرِ بَيْنَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ، لِمَنْ شُرِعَ أَخْذُهَا مِنْهُ، أَوِ الْقَتْلِ أَوْ الِاسْتِرْقَاقِ أَوِ الْمَنِّ بِلَا عِوَضٍ أَوْ بِعِوَضٍ، هَذَا فِي الرِّجَالِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَيُرَقُّونَ بِنَفْسِ الْأَسْرِ، وَيَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْأَسِيرَةِ الْكَافِرَةِ بِأَسِيرٍ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلَمَةٍ عِنْدَ الْكُفَّارِ. وَلَوْ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ زَالَ الْقَتْلُ اتِّفَاقًا، وَهَلْ يَصِيرُ رَقِيقًا أَوْ تَبْقَى بَقِيَّةُ الْخِصَالِ؟ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.

١٥١ - بَاب هَلْ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَقْتُلَ وَيَخْدَعَ الَّذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنْ الْكَفَرَةِ؟

فِيهِ الْمِسْوَرُ عَنْ النَّبِيِّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ثُمَّ قَال: (بَابُ قَتْلِ النِّسَاءِ فِي الْحَرْبِ)، وَأَوْرَدَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ، بِلَفْظِ: فَنَهَى.

وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي مُسْنَدِهِ بِهَذَا السِّيَاقِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَةَ وَقَالَ: نَعَمْ وَعَلَى هَذَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ فِيهِ: إِنَّ مَنْ قَالَ لِشَيْخِهِ حَدَّثَكُمْ فُلَانٌ، فَسَكَتَ، جَازَ ذَلِكَ مَعَ الْقَرِينَةِ، لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الْأُخْرَى أَنَّهُ لَمْ يَسْكُتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَحْكَامُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَقَالَ: هُمَا لِمَنْ غَلَبَ.

١٤٩ - بَاب لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ

٣٠١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا.

٣٠١٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قال النبي : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".

[الحديث ٣٠١٧ - طرفه في: ٦٩٢٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ) هَكَذَا بَتَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِوُضُوحِ دَلِيلِهَا عِنْدَهُ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنِ التَّحْرِيقُ طَرِيقًا إِلَى الْغَلَبَةِ عَلَى الْكُفَّارِ حَالَ الْحَرْبِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ بُكَيْرٍ) بِمُوَحَّدَةٍ وَكَافٍ مُصَغَّرٌ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي بُكَيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ فَأَفَادَ نِسْبَتَهُ وَتَصْرِيحَهُ بِالتَّحْدِيثِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنِ اللَّيْثِ لَيْسَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِ عَنْ بُكَيْرٍ، وَمَضَى قَبْلَ أَبْوَابٍ مُعَلَّقًا، وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَرَوَاهُ فِي السِّيرَةِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرٍ فَأَدْخَلَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَجُلًا، وَهُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الدَّوْسِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَنَقَلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رِوَايَةَ اللَّيْثِ أَصَحُّ، وَسُلَيْمَانُ قَدْ صَحَّ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَعْنِي: وَهُوَ غَيْرُ مُدَلِّسٍ، فَتَكُونُ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ.

قَوْلُهُ: (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا) زَادَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ سَرِيَّةً أَنَا فِيهَا قُلْتُ: وَكَانَ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ. هَكَذَا بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَلِكَ رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ مُرْسَلًا، وَسَمَّاهُ: هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: إِنْ وَجَدْتُمْ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَالرَّجُلَ الَّذِي سَبَقَ مِنْهُ إِلَى

زَيْنَبَ مَا سَبَقَ، فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ يَعْنِي زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَانَ زَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ لَمَّا أَسَرَهُ الصَّحَابَةُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ النَّبِيُّ مِنَ الْمَدِينَةِ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَهِّزَ لَهُ لِبِنْتِهِ زَيْنَبَ فَجَهَّزَهَا، فَتَبِعَهَا هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَرَفِيقُهُ فَنَخَسَا بَعِيرَهَا فَأُسْقِطَتْ وَمَرِضَتْ مِنْ ذَلِكَ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: وَكَانَا نَخَسَا بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ: أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ أَصَابَ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ بِشَيْءٍ وَهِيَ فِي خِدْرِهَا فَأُسْقِطَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ سَرِيَّةً فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمُوهُ فَاجْعَلُوهُ بَيْنَ حُزْمَتَيْ حَطَبٍ ثُمَّ أَشْعِلُوا فِيهِ النَّارَ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ، الْحَدِيثَ، فَكَأَنَّ إِفْرَادَ هَبَّارٍ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ وَالْآخَرُ كَانَ تَبَعًا لَهُ.

وَسَمَّى ابْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ الرَّجُلَ الْآخَرَ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ هِشَامٍ فِي زَوَائِدِ السِّيرَةِ عَلَيْهِ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ مُسْنَدِ الْبَزَّارِ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ فَلَعَلَّهُ تَصَحَّفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَافِعٌ، كَذَلِكَ هُوَ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ ابْنُ بَشْكُوَالٍ مِنْ مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ كَذَلِكَ.

قُلْتُ: وَقَدْ أَسْلَمَ هَبَّارٌ هَذَا، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ الْمَذْكُورَةِ: فَلَمْ تُصِبْهُ السَّرِيَّةُ وَأَصَابَهُ الْإِسْلَامُ فَهَاجَرَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ إِسْلَامِهِ، وَلَهُ حَدِيثٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَآخَرُ عِنْدَ ابْنِ مَنْدَهْ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ رِوَايَةً فِي قِصَّةٍ جَرَتْ لَهُ مَعَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ، وَعَاشَ هَبَّارٌ هَذَا إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ. وَلَمْ أَقِفْ لِرَفِيقِهِ عَلَى ذِكْرٍ فِي الصَّحَابَةِ فَلَعَلَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: فَأَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ: فَلَمَّا وَدَّعَنَا وَفِي رِوَايَةِ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ: فَوَلَّيْتُ فَنَادَانِي فَرَجَعْتُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ) هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ: وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ، وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي التَّحْرِيقِ: فَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرٍ أَوْ فِي حَالِ مُقَاتَلَةٍ أَوْ كَانَ قِصَاصًا، وَأَجَازَهُ عَلِيٌّ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَغَيْرُهُمَا، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِصَاصِ قَرِيبًا. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: لَيْسَ هَذَا النَّهْيُ عَلَى التَّحْرِيمِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّحْرِيقِ فِعْلُ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ سَمَلَ النَّبِيُّ أَعْيُنَ الْعُرَنِيِّينَ بِالْحَدِيدِ الْمَحْمِيِّ، وَقَدْ حَرَقَ أَبُو بَكْرٍ الْبُغَاةَ بِالنَّارِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، وَحَرَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالنَّارِ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ يُجِيزُونَ تَحْرِيقَ الْحُصُونِ وَالْمَرَاكِبَ عَلَى أَهْلِهَا، قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ: لَا حُجَّةَ فِيمَا ذُكِرَ لِلْجَوَازِ، لِأَنَّ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ كَانَتْ قِصَاصًا أَوْ مَنْسُوخَةً كَمَا تَقَدَّمَ.

وَتَجْوِيزُ الصَّحَابِيِّ مُعَارَضٌ بِمَنْعِ صَحَابِيٍّ آخَرَ، وَقِصَّةُ الْحُصُونِ وَالْمَرَاكِبِ مُقَيَّدَةٌ بِالضَّرُورَةِ إِلَى ذَلِكَ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلظَّفَرِ بِالْعَدُوِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُمْ نِسَاءٌ وَلَا صِبْيَانٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَظَاهِرُ النَّهْيِ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وَهُوَ نَسْخٌ لِأَمْرِهِ الْمُتَقَدِّمِ سَوَاءٌ كَانَ بِوَحْيٍ إِلَيْهِ أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ قَصَدَ إِلَى ذَلِكَ فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي التَّدْخِينِ، وَفِي الْقِصَاصِ بِالنَّارِ.

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْحُكْمِ بِالشَّيْءِ اجْتِهَادًا ثُمَّ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَاسْتِحْبَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ عِنْدَ الْحُكْمِ لِرَفْعِ الْإِلْبَاسِ وَالِاسْتِنَابَةِ فِي الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا، وَأَنَّ طُولَ الزَّمَانِ لَا يَرْفَعُ الْعُقُوبَةَ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّهَا. وَفِيهِ كَرَاهَةُ قَتْلِ

مِثْلِ الْبُرْغُوثِ بِالنَّارِ. وَفِيهِ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ اتِّفَاقٌ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَوْدِيعِ الْمُسَافِرِ لِأَكَابِرِ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَتَوْدِيعُ أَصْحَابِهِ لَهُ أَيْضًا. وَفِيهِ جَوَازُ نَسْخِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهِ أَوْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ اتِّفَاقٌ إِلَّا عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَيْرُ الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْأُصُولِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالنَّاسِخِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ. وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ إِنْ تَمَكَّنُوا مِنَ الْعِلْمِ بِهِ ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِمِ اتِّفَاقًا، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ، وَقِيلَ: يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ نَائِمًا وَلَكِنَّهُ مَعْذُورٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ) صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بِتَحْدِيثِ أَيُّوبَ لَهُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (إنَّ عَلِيًّا حَرَقَ قَوْمًا) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ الْمَذْكُورَةِ: أَنَّ عَلِيًّا أَحْرَقَ الْمُرْتَدِّينَ يَعْنِي الزَّنَادِقَةَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، وَأَيُّوبَ، وَعَمَّارًا الدُّهْنِيَّ، اجْتَمَعُوا فَتَذَّكَّرُوا الَّذِينَ حَرَّقَهُمْ عَلِيٌّ، فَقَالَ أَيُّوبُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ عَمَّارٌ: لَمْ يَحْرِقْهُمْ، وَلَكِنْ حَفَرَ لَهُمْ حَفَائِرَ وَخَرَقَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ دَخَّنَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَالَ الشَّاعِرُ:

لِتَرْمِ بِيَ الْمَنَايَا حَيْثُ شَاءَتْ … إِذَا لَمْ تَرْمِ بِي فِي الْحُفْرَتَيْنِ

إِذَا مَا أَجَّجُوا حَطَبًا وَنَارًا … هُنَاكَ الْمَوْتُ نَقْدًا غَيْرُ دَيْنِ

انْتَهَى. وَكَأَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ أَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ فِي إِنْكَارِهِ أَصْلَ التَّحْرِيقِ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَاهِرٍ الْمُخْلِصِ: حَدَّثَنَا لُوَيْنٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَذَكَرَهُ عَنْ أَيُّوبَ وَحْدَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَنْ عَمَّارٍ وَحْدَهُ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: أَوْقَدْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قَنْبَرًا فَظَهَرَ بِهَذَا صِحَّةُ مَا كُنْتُ ظَنَنْتُهُ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ فِي آخِرِ الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِقَوْمٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةِ وَمَعَهُمْ كُتُبٌ، فَأَمَرَ بِنَارٍ فَأُجِّجَتْ ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ وَكُتُبَهُمْ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ نَاسٌ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فِي السِّرِّ وَيَأْخُذُونَ الْعَطَاءَ، فَأَتَى بِهِمْ عَلِيٌّ فَوَضَعَهُمْ فِي السِّجْنِ وَاسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالُوا: اقْتُلْهُمْ، فَقَالَ: لَا بَلْ أَصْنَعُ بِهِمْ كَمَا صُنِعَ بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ، فَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ) هَذَا أَصْرَحُ فِي النَّهْيِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَزَادَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ فِي آخِرِهِ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٥٠ - بَاب ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ - حتى يَغْلِبَ فِي الْأَرْضِ - ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فَدَاءً) فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ، وَسَتَأْتِي مَوْصُولَةً مُطَوَّلَةً فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا هُنَا قَوْلُهُ فِيهِ: إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ التَّقْسِيمَ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْأَمْرَ فِي أَسْرَى الْكَفَرَةِ مِنَ الرِّجَالِ إِلَى الْإِمَامِ، يَفْعَلُ

مَا هُوَ الْأَحَظُّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمُجَاهِدٌ وَطَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْفِدَاءِ مِنْ أُسَارَى الْكُفَّارِ أَصْلًا. وَعَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ: لَا تُقْتَلُ الْأُسَارَى، بَلْ يُتَخَيَّرُ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ. وَعَنْ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِغَيْرِ فِدَاءٍ. وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ: لَا يَجُوزُ الْمَنُّ أَصْلًا لَا بِفِدَاءٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، فَيُرَدُّ الْأَسِيرُ حَرْبِيًّا. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَظَاهِرُ الْآيَةِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ، لَكِنْ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ ذِكْرُ الْقَتْلِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِّيُّ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِكَرَاهَةِ فِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الْآيَةَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ حِلِّ الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ إِبَاحَةِ الْغَنِيمَةِ فَلَا كَرَاهَةَ انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ اخْتِلَافًا: أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَرْجَحُ؟ مَا أَشَارَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَخْذِ الْفِدَاءِ، أَوْ مَا أَشَارَ بِهِ عُمَرُ مِنَ الْقَتْلِ؟ فَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ رَأْيَ عُمَرَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِمَا فِي الْقِصَّةِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ : أَبْكِي لِمَا عُرِضَ عَلَى أَصْحَابِكَ مِنَ الْعَذَابِ لِأَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ. وَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَالُ حِينَئِذٍ، وَلِمُوَافَقَةِ رَأْيِهِ الْكِتَابَ الَّذِي سَبَقَ، وَلِمُوَافَقَةِ حَدِيثِ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي وَلِحُصُولِ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ بَعْدُ مِنْ دُخُولِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَالصُّحْبَةِ وَمَنْ وُلِدَ لَهُمْ مَنْ كَانَ وَمَنْ تَجَدَّدَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ. وَحَمَلُوا التَّهْدِيدَ بِالْعَذَابِ عَلَى مَنِ اخْتَارَ الْفِدَاءَ، فَيَحْصُلُ عَرَضُ الدُّنْيَا مُجَرَّدًا وَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ. وَحَدِيثُ عُمَرَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مُطَوَّلًا وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ - يَعْنِي: يَغْلِبَ فِي الْأَرْضِ - ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الْآيَةَ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَكَرِيمَةَ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ، وَتَفْسِيرُ يُثْخِنَ بِمَعْنَى يَغْلِبَ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَيُبَالِغَ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: الْإِثْخَانُ الْقَتْلُ، وَقِيلَ: الْمُبَالَغَةُ فِيهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: حَتَّى يَتَمَكَّنَ فِي الْأَرْضِ. وَأَصْلُ الْإِثْخَانِ فِي اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ مَنَعَ أَخْذَ الْفِدَاءِ مِنْ أُسَارَى الْكُفَّارِ، وَحُجَّتُهُمْ مِنْهَا أَنَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ إِطْلَاقَ أَسْرَى كُفَّارِ بَدْرٍ عَلَى مَالٍ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ بَعْدُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قَالَ: فَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بَلْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا نَسْخَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ بَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَمِلَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ كُلُّهَا فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ: فَقَتَلَ بَعْضَ الْكُفَّارِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفَدَى بَعْضًا، وَمَنَّ عَلَى بَعْضٍ. وَكَذَا قَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَمَنَّ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ وَغَيْرَهُ بِمَكَّةَ وَمَنَّ عَلَى سَائِرِهِمْ. وَسَبَى هَوَازِنَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ. وَمَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ؛ فَدَلَّ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ إِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ.

وَمُحَصِّلُ أَحْوَالِهِمْ تَخْيِيرُ الْإِمَامِ بَعْدَ الْأَسْرِ بَيْنَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ، لِمَنْ شُرِعَ أَخْذُهَا مِنْهُ، أَوِ الْقَتْلِ أَوْ الِاسْتِرْقَاقِ أَوِ الْمَنِّ بِلَا عِوَضٍ أَوْ بِعِوَضٍ، هَذَا فِي الرِّجَالِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَيُرَقُّونَ بِنَفْسِ الْأَسْرِ، وَيَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْأَسِيرَةِ الْكَافِرَةِ بِأَسِيرٍ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلَمَةٍ عِنْدَ الْكُفَّارِ. وَلَوْ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ زَالَ الْقَتْلُ اتِّفَاقًا، وَهَلْ يَصِيرُ رَقِيقًا أَوْ تَبْقَى بَقِيَّةُ الْخِصَالِ؟ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.

١٥١ - بَاب هَلْ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَقْتُلَ وَيَخْدَعَ الَّذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنْ الْكَفَرَةِ؟

فِيهِ الْمِسْوَرُ عَنْ النَّبِيِّ

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 4 صفر
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله