«خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ مَخَارِجِهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٥٧٤

الحديث رقم ٣٥٧٤ من كتاب «كتاب المناقب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب علامات النبوة في الإسلام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٥٧٤ في صحيح البخاري

«خَرَجَ النَّبِيُّ فِي بَعْضِ مَخَارِجِهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَانْطَلَقُوا يَسِيرُونَ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً يَتَوَضَّؤُونَ فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ مَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ عَلَى الْقَدَحِ ثُمَّ قَالَ قُومُوا فَتَوَضَّؤُوا فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ حَتَّى بَلَغُوا فِيمَا يُرِيدُونَ مِنَ الْوَضُوءِ وَكَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ.»

إسناد حديث رقم ٣٥٧٤ من صحيح البخاري

٣٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُبَارَكٍ حَدَّثَنَا حَزْمٌ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٥٧٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُبَارَكٍ، حَدَّثَنَا حَزْمٌ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ فِي بَعْضِ مَخَارِجِهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْطَلَقُوا يَسِيرُونَ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً يَتَوَضَّئُونَ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ عَلَى الْقَدَحِ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَتَوَضَّئُوا، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ حَتَّى بَلَغُوا فِيمَا يُرِيدُونَ مِنْ الْوَضُوءِ، وَكَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ.

٣٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ مِنْ الْمَسْجِدِ يَتَوَضَّأُ وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فَصَغُرَ الْمِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَضَمَّ أَصَابِعَهُ فَوَضَعَهَا فِي الْمِخْضَبِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ جَمِيعًا قُلْتُ: كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: ثَمَانُونَ رَجُلًا.

٣٥٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ، فَتَوَضَّأَ فَجَهِشَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ، وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.

٣٥٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ فَجَهِشَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ مَا لَكُمْ قَالُوا لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلَا نَشْرَبُ إِلاَّ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا قُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً".

[الحديث ٣٥٧٦ - أطرافه في: ٤١٥٢، ٤١٥٣، ٤١٥٤، ٤٨٤٠، ٥٦٣٩]

٣٥٧٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً فَجَلَسَ النَّبِيُّ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي الْبِئْرِ فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا وَرَوَتْ أَوْ صَدَرَتْ رَكَائِبُنَا".

[الحديث ٣٥٧٧ - طرفاه في: ٤١٥٠، ٤١٥١]

قَوْلُهُ: (بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ) الْعَلَامَاتُ جَمْعُ عَلَامَةٍ، وَعَبَّرَ بِهَا الْمُصَنِّفُ لِكَوْنِ مَا يُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ أَعَمَّ مِنَ الْمُعْجِزَةِ وَالْكَرَامَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُعْجِزَةَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَتَحَدَّى النَّبِيُّ مَنْ يُكَذِّبُهُ بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَلِكَ أَتُصَدِّقُ بِأَنِّي صَادِقٌ؟ أَوْ يَقُولُ مَنْ يَتَحَدَّاهُ: لَا أُصَدِّقُكَ حَتَّى تَفْعَلَ كَذَا. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَحَدَّى بِهِ مِمَّا يَعْجَزُ عَنْهُ الْبَشَرُ فِي الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ.

وَقَدْ وَقَعَ النَّوْعَانِ لِلنَّبِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ، وَسُمِّيَتِ الْمُعْجِزَةُ

لِعَجْزِ مَنْ يَقَعُ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ عَنْ مُعَارَضَتِهَا، وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ، أَوْ هِيَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ.

وَأَشْهَرُ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ تَحَدَّى بِهِ الْعَرَبَ - وَهُمْ أَفْصَحُ النَّاسِ لِسَانًا وَأَشَدُّهُمُ اقْتِدَارًا عَلَى الْكَلَامِ - بِأَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَصَدِّهِمْ عَنْهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَقْصَرُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فَكُلُّ قُرْآنٍ مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى كَانَ قَدْرَ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ سَوَاءٌ كَانَ آيَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ بَعْضَ آيَةٍ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا تَحَدَّاهُمْ بِهِ، وَعَلَى هَذَا فَتَصِلُ مُعْجِزَاتُ الْقُرْآنِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ إِلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ جِدًّا.

وَوُجُوهُ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ مِنْ جِهَةِ حُسْنِ تَأْلِيفِهِ وَالْتِئَامِ كَلِمَاتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَإِيجَازِهِ فِي مَقَامِ الْإِيجَازِ، وَبَلَاغَتُهُ ظَاهِرَةٌ جِدًّا مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ نَظْمِهِ وَغَرَابَةِ أُسْلُوبِهِ، مَعَ كَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ قَوَاعِدِ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، هَذَا إِلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ مِمَّا وَقَعَ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَفْرَادٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ اجْتَمَعَ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا أَخَذَ عَنْهُمْ، وَبِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي زَمَنِهِ وَبَعْدَهُ، هَذَا مَعَ الْهَيْبَةِ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ وَالْخَشْيَةِ الَّتِي تَلْحَقُ سَامِعَهُ وَعَدَمِ دُخُولِ الْمَلَالِ وَالسَّآمَةِ عَلَى قَارِئِهِ وَسَامِعِهِ، مَعَ تَيَسُّرِ حِفْظِهِ لِمُتَعَلِّمِيهِ وَتَسْهِيلِ سَرْدِهِ لِتَالِيهِ، وَلَا يُنْكِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ مُعْظَمَ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ الْقُرْآنُ.

وَمِنْ أَظْهَرِ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ إِبْقَاؤُهُ مَعَ اسْتِمْرَارِ الْإِعْجَازِ، وَأَشْهَرُ ذَلِكَ تَحَدِّيهِ الْيَهُودَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَلَمْ يَقَعْ مِمَّنْ سَلَفَ مِنْهُمْ وَلَا خَلَفَ مَنْ تَصَدَّى لِذَلِكَ وَلَا أَقْدَمَ، مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لِهَذَا الدِّينِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى إِفْسَادِهِ وَالصَّدِّ عَنْهُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَوْضَحُ مُعْجِزَةٍ.

وَأَمَّا مَا عَدَا الْقُرْآنَ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَنُطْقِ الْجَمَادِ، فَمِنْهُ مَا وَقَعَ التَّحَدِّي بِهِ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ دَالًّا عَلَى صِدْقِهِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ تَحَدٍّ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى يَدِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، كَمَا يُقْطَعُ بِوُجُودِ جُودِ حَاتِمٍ وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْرَادُ ذَلِكَ ظَنِّيَّةً وَرَدَتْ مَوْرِدَ الْآحَادِ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ النَّبَوِيَّةِ قَدِ اشْتَهَرَ وَانْتَشَرَ وَرَوَاهُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ، وَأَفَادَ الْكَثِيرُ مِنْهُ الْقَطْعَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْآثَارِ، وَالْعِنَايَةِ بِالسِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ إِلَى هَذِهِ الرُّتْبَةِ لِعَدَمِ عِنَايَتِهِمْ بِذَلِكَ، بَلْ لَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ غَالِبَ هَذِهِ الْوَقَائِعِ مُفِيدَةٌ لِلْقَطْعِ بِطَرِيقٍ نَظَرِيٍّ لِمَا كَانَ مُسْتَبْعَدًا وَهُوَ أَنَّهُ لَا مِرْيَةَ أَنَّ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ قَدْ حَدَّثُوا بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مُخَالَفَةُ الرَّاوِي فِيمَا حَكَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ فِيمَا هُنَالِكَ، فَيَكُونُ السَّاكِتُ مِنْهُمْ كَالنَّاطِقِ ; لِأَنَّ مَجْمُوعَهُمْ مَحْفُوظٌ مِنَ الْإِغْضَاءِ عَلَى الْبَاطِلِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُوجَدَ مِنْ بَعْضِهِمْ إِنْكَارٌ أَوْ طَعْنٌ عَلَى بَعْضِ مَنْ رَوَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفٍ فِي صِدْقِ الرَّاوِي أَوْ تُهْمَتِهِ بِكَذِبٍ أَوْ تَوَقُّفٌ فِي ضَبْطِهِ وَنِسْبَتِهِ إِلَى سُوءِ الْحِفْظِ أَوْ جَوَازِ الْغَلَطِ، وَلَا يُوجَدُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ طَعْنٌ فِي الْمَرْوِيِّ كَمَا وُجِدَ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْفَنِّ

مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ وَحُرُوفِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَقَدْ قَرَّرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ وُجُودِ إِفَادَةِ الْقَطْعِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ تَقْرِيرًا حَسَنًا، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمُ النَّقْلُ أَنَّ مَذْهَبَهُ إِجْزَاءُ النِّيَّةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي إِيجَابِهِ لَهَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَكَذَا إِيجَابُ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي إِجْزَاءِ بَعْضِهَا، وَأَنَّ مَذْهَبَهُمَا مَعًا إِيجَابُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ، وَاشْتِرَاطُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَتَجِدُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ خِلَافِهِمْ، فَضْلًا عَمَّنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي الْفِقْهِ وَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ تَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ

الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ: بَلَغَتْ أَلْفًا، وَقَالَ الزَّاهِدِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ أَلْفُ مُعْجِزَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقَدِ اعْتَنَى بِجَمْعِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا.

قَوْلُهُ: (فِي الْإِسْلَامِ) أَيْ مِنْ حِينِ الْمَبْعَثِ وَهَلُمَّ جَرَّا دُونَ مَا وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَدْ جَمَعَ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ، بَلْ قَبْلَ الْمَوْلِدِ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ وَأَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَسَيَأْتِي مِنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي خُرُوجِهِ فِي ابْتِغَاءِ الدِّينِ، وَمَضَى مِنْهُ قِصَّةُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَقَدَّمْتُ فِي بَابِ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ قِصَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ مُحَمَّدًا، وَمِنْ الْمَشْهُورِ ذَلِكَ قِصَّةُ بَحِيرَا الرَّاهِبِ، وَهِيَ فِي السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ.

وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ رَاهِبٌ يُدْعَى عِيصَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ: أَعْلَمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَيْلَةَ وُلِدَ لَهُ النَّبِيُّ بِأَنَّهُ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَذَكَرَ لَهُ أَشْيَاءَ مِنْ صِفَتِهِ.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْكُتُبِ صِفَةَ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ بِلَادِنَا، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي هُوَ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، قَالَ: فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِأَخْلَاقِهِ إِلَّا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، إِلَّا أَنَّهُ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ غَيْرُهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ قُلْتُ لِأُمَيَّةَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ حَقٌّ فَاتَّبِعْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَأَنْتَ مَا يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: الْحَيَاءُ مِنْ نُسَيَّاتِ ثَقِيفٍ أَنِّي كُنْتُ أُخْبِرُهُنَّ أَنِّي هُوَ ثُمَّ أَصِيرُ تَبَعًا لِفَتًى مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِزَمَانٍ فَذَكَرَ الْحَشْرَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَقُلْنَا لَهُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ - وَأَشَارَ إِلَى مَكَّةَ - فَقَالُوا: مَتَى يَقَعُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَرَمَى بِطَرَفِهِ إِلَى السَّمَاءِ - وَأَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ - فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِدْ هَذَا الْغُلَامُ عُمْرَهُ يُدْرِكْهُ، قَالَ: فَمَا ذَهَبَتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَهُوَ حَيٌّ فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرَ هُوَ بَغْيًا وَحَسَدًا وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَهُودِيٌّ قَدْ سَكَنَ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا النَّبِيُّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ وُلِدَ فِيكُمُ اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ.

قَالَ: فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَامَةٌ، لَا يَرْضَعُ لَيْلَتَيْنِ لِأَنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ، فَانْصَرَفُوا فَسَأَلُوا فَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ غُلَامٌ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ مَعَهُمْ إِلَى أُمِّهِ فَأَخْرَجَتْهُ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى الْيَهُودِيُّ الْعَلَامَةَ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَقَالَ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمَا وَاللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَخْرُجُ خَبَرُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

قُلْتُ: وَلِهَذِهِ الْقِصَصِ نَظَائِرُ يَطُولُ شَرْحُهَا. وَمِمَّا ظَهَرَ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ عِنْدَ مَوْلِدِهِ وَبَعْدَهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا حَضَرَتْ آمِنَةَ أُمَّ النَّبِيِّ ، فَلَمَّا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدَلَّى حَتَّى أَقُولَ لَتَقَعْنَ عَلَيَّ، فَلَمَّا وَلَدَتْ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ الْبَيْتُ وَالدَّارُ.

وَشَاهِدُهُ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: إِنِّي دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ، وَإِنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ،

وَالْحَاكِمُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةُ عِنْدَ أَحْمَدَ نَحْوَهُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ نَحْوَهُ وَقَالَتْ: أَضَاءَتْ لَهُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ

وَالْحَاكِمُ فِي قِصَّةِ رَضَاعِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ مِنَ الْعَلَامَاتِ كَثْرَةُ اللَّبَنِ فِي ثَدْيَيْهَا، وَوُجُودُ اللَّبَنِ فِي شَارِفِهَا بَعْدَ الْهُزَالِ الشَّدِيدِ، وَسُرْعَةُ مَشْيِ حِمَارِهَا، وَكَثْرَةُ اللَّبَنِ فِي شِيَاهِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَخِصْبُ أَرْضِهَا، وَسُرْعَةُ نَبَاتِهِ، وَشَقُّ الْمَلَكَيْنِ صَدْرَهُ.

وَهَذَا الْأَخِيرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ إنَّ النَّبِيَّ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَمَعَهُ فَأَعَادَهُ مَكَانَهُ الْحَدِيثَ.

وَفِي حَدِيثِ مَخْزُومِ بْنِ هَانِئٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِيهِ قال: وَكَانَ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ قَالَ: لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ انْكَسَرَ إِيوَانُ كِسْرَى وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرَّافَةً، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ وَلَمْ تُخْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، وَرَأَى الْمُوبِذَانُ إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ كِسْرَى أَفْزَعَهُ مَا وَقَعَ، فَسَأَلَ عُلَمَاءَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ عَنْ ذَلِكَ فَأَرْسَلُوا إِلَى سَطِيحٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا أَخْرَجَهَا ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ نَحْوَ خَمْسِينَ حَدِيثًا: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ صَاحِبَةِ الْمَزَادَتَيْنِ، وَالْمُعْجِزَةُ فِيهَا تَكْثِيرُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِبَرَكَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ التَّيَمُّمِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إِيهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيهًا بِالتَّنْوِينِ مَعَ الْفَتْحِ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ جَوَازَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي هَذِهِ. وَقَوْلُهُ: (مُؤْتِمَةٌ) أَيْ ذَاتُ أَيْتَامٍ.

وَقَوْلُهُ: (فَمَسَحَ بِالْعَزْلَاوَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْعَزْلَايْنِ وَهُمَا تَثْنِيَةُ عَزْلَاءَ بِسُكُونِ الزَّايِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ فَمُ الْقِرْبَةِ وَالْجَمْعُ عَزَالِي بِكَسْرِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

قَوْلُهُ: (فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعُونَ رَجُلًا) أَيْ وَنَحْنُ حِينَئِذٍ أَرْبَعُونَ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَرْبَعِينَ بِالنَّصْبِ وَتَوْجِيهُهَا ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: وَهِيَ تَكَادُ تَبِضُّ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ثَقِيلَةٌ أَيْ تَسِيلُ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْبَصِيصِ وَهُوَ اللَّمَعَانُ، وَمَعْنَاهُ مُسْتَبْعَدٌ هُنَا، فَإِنَّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ تَكَادُ تَبُضُّ مِنَ الْمِلْءِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، فَكَوْنُهَا تَكَادُ تَسِيلُ مِنَ الْمِلْءِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهَا تَلْمَعُ مِنَ الْمِلْءِ فَبَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: تَبُضُّ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ تُشَقُّ، يُقَالُ: بَضَّ الْمَاءُ مِنَ الْعَيْنِ إِذَا نَبَعَ، وَكَذَا بَضَّ الْعَرَقُ، قَالَ: وَفِيهِ رِوَايَاتٌ أُخْرَى: رُوِيَ تَنِضُّ بِنُونٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، وَرُوِيَ تَيْصَرُ بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَصَادٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ رَاءٌ.

قَالَ: وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ مَعْنَاهُ تَنْشَقُّ، قَالَ: وَمِنْهُ صَيْرُ الْبَابِ أَيْ شَقُّ الْبَابِ، وَرَدَّهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ صَيْرَ عَيْنُهُ حَرْفُ عِلَّةٍ فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ تَصَوَّرُ، وَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ. وَرَأَيْتُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَنْصَبُّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، فَتُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا بِمَعْنَى تَسِيلُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ عَنْ أَنَسٍ فِي نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ، أَوْرَدَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ طُرُقٍ: مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَحُمَيْدٍ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَهُ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ بَعْضٍ.

وَظَهَرَ لِي مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ فِي مَوْطِنَيْنِ لِلتَّغَايُرِ فِي عَدَدِ مَنْ حَضَرَ، وَهِيَ مُغَايَرَةٌ وَاضِحَةٌ يَبْعُدُ الْجَمْعُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ تَعْيِينُ الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَ ذَلِكَ فِيهِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَفَرٍ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ قَتَادَةَ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَسَيَأْتِي فِي غَيْرِ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهَا كَانَتْ فِي مَوَاطِنَ أُخَرَ.

قَالَ عِيَاضٌ: هَذِهِ الْقِصَّةُ رَوَاهَا الثِّقَاتُ مِنَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَنِ الْكَافَّةِ مُتَّصِلَةً بِالصَّحَابَةِ،

وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنِ اجْتِمَاعِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ فِي الْمَحَافِلِ وَمَجْمَعِ الْعَسَاكِرِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارٌ عَلَى رَاوِي ذَلِكَ، فَهَذَا النَّوْعُ مُلْحَقٌ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَضِيَّةُ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ فِي مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ، وَوَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يُفِيدُ مَجْمُوعُهُا الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ الْمُسْتَفَادَ مِنَ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ.

قُلْتُ: أَخَذَ كَلَامَ عِيَاضٍ وَتَصَرَّفَ فِيهِ، قَالَ: وَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ عَنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا . وَحَدِيثُ نَبْعِ الْمَاءِ جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ خَمْسَةِ طُرُقٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَرْبَعَةِ طُرُقٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، فَعَدَدُ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ لَيْسَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ إِطْلَاقِهِمَا، وَأَمَّا تَكْثِيرُ الْمَاءِ يَلْمَسُهُ بِيَدٍ أَوْ يَتْفُلُ فِيهِ أَوْ يَأْمُرُ بِوَضْعِ شَيْءٍ فِيهِ كَسَهْمٍ مِنْ كِنَانَتِهِ، فَجَاءَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ، وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ عِنْدَهُ، وَعَنْ حِبَّانَ بْنِ بُحٍّ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ الصُّدَائِيِّ أَيْضًا، فَإِذَا ضُمَّ هَذَا إِلَى هَذَا بَلَغَ الْكَثْرَةَ الْمَذْكُورَةَ أَوْ قَارَبَهَا. وَأَمَّا مَنْ رَوَاهَا مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّانِي فَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَإِنْ كَانَ شَطْرُ طُرُقِهِ أَفْرَادًا. وَفِي الْجُمْلَةِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا الرَّدُّ عَلَى ابْنِ بَطَّالٍ حَيْثُ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ شَهِدَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، وَذَلِكَ لِطُولِ عُمُرِهِ وَتَطَلُّبِ النَّاسِ الْعُلُوَّ فِي السَّنَدِ انْتَهَى. وَهُوَ يُنَادَى عَلَيْهِ بِقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ وَالِاسْتِحْضَارِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابِ الَّذِي شَرَحَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ عَنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا حَيْثُ نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ عَظْمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ حَيْثُ ضَرَبَهُ مُوسَى بِالْعَصَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْهُ الْمِيَاهُ، لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ مِنَ الْحِجَارَةِ مَعْهُودٌ، بِخِلَافِ خُرُوجِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ انْتَهَى.

وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَاءَ نَبَعَ مِنْ نَفْسِ اللَّحْمِ الْكَائِنِ فِي الْأَصَابِعِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَأَوْضَحُ مِنْهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَجَاءُوا بِشَنٍّ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ فَرَّقَ أَصَابِعَهُ فَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ مِثْلَ عَصَا مُوسَى، فَإِنَّ الْمَاءَ تَفَجَّرَ مِنْ نَفْسِ الْعَصَا فَتَمَسُّكُهُ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَاءَ تَفَجَّرَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رُؤْيَةِ الرَّائِي، وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِلْبَرَكَةِ الْحَاصِلَةِ فِيهِ يَفُورُ وَيَكْثُرُ وَكَفُّهُ فِي الْمَاءِ، فَرَآهُ الرَّائِي نَابِعًا مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَلَيْسَ فِي الْأَخْبَارِ مَا يَرُدُّهُ وَهُوَ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) لَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ إِلَّا مُعَنْعَنًا، لَكِنْ بَقِيَّةُ الْخَبَرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَنَسٍ لِقَوْلِهِ: قُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ فَهَذَا لَوْ كَانَ مَحْفُوظًا اقْتَضَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ انْقِطَاعًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَكِّيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ) بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ كَانَ مُرْتَفِعًا كَالْمَنَارَةِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَمْرِ عُثْمَانَ بِالتَّأْذِينِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، بَلِ الْوَاقِعُ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ عُثْمَانُ بِالتَّأْذِينِ فِيهِ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ لَا أَنَّهُ الزَّوْرَاءُ نَفْسُهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ شَهِدْتُ النَّبِيَّ مَعَ أَصْحَابِهِ عِنْدَ الزَّوْرَاءِ، أَوْ عِنْدَ بُيُوتِ الْمَدِينَةِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.

وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُبَارَكٍ، حَدَّثَنَا حَزْمٌ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ فِي بَعْضِ مَخَارِجِهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْطَلَقُوا يَسِيرُونَ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً يَتَوَضَّئُونَ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ عَلَى الْقَدَحِ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَتَوَضَّئُوا، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ حَتَّى بَلَغُوا فِيمَا يُرِيدُونَ مِنْ الْوَضُوءِ، وَكَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ.

٣٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ مِنْ الْمَسْجِدِ يَتَوَضَّأُ وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فَصَغُرَ الْمِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَضَمَّ أَصَابِعَهُ فَوَضَعَهَا فِي الْمِخْضَبِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ جَمِيعًا قُلْتُ: كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: ثَمَانُونَ رَجُلًا.

٣٥٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ، فَتَوَضَّأَ فَجَهِشَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ، وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.

٣٥٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ فَجَهِشَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ مَا لَكُمْ قَالُوا لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلَا نَشْرَبُ إِلاَّ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا قُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً".

[الحديث ٣٥٧٦ - أطرافه في: ٤١٥٢، ٤١٥٣، ٤١٥٤، ٤٨٤٠، ٥٦٣٩]

٣٥٧٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً فَجَلَسَ النَّبِيُّ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي الْبِئْرِ فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا وَرَوَتْ أَوْ صَدَرَتْ رَكَائِبُنَا".

[الحديث ٣٥٧٧ - طرفاه في: ٤١٥٠، ٤١٥١]

قَوْلُهُ: (بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ) الْعَلَامَاتُ جَمْعُ عَلَامَةٍ، وَعَبَّرَ بِهَا الْمُصَنِّفُ لِكَوْنِ مَا يُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ أَعَمَّ مِنَ الْمُعْجِزَةِ وَالْكَرَامَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُعْجِزَةَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَتَحَدَّى النَّبِيُّ مَنْ يُكَذِّبُهُ بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَلِكَ أَتُصَدِّقُ بِأَنِّي صَادِقٌ؟ أَوْ يَقُولُ مَنْ يَتَحَدَّاهُ: لَا أُصَدِّقُكَ حَتَّى تَفْعَلَ كَذَا. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَحَدَّى بِهِ مِمَّا يَعْجَزُ عَنْهُ الْبَشَرُ فِي الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ.

وَقَدْ وَقَعَ النَّوْعَانِ لِلنَّبِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ، وَسُمِّيَتِ الْمُعْجِزَةُ

لِعَجْزِ مَنْ يَقَعُ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ عَنْ مُعَارَضَتِهَا، وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ، أَوْ هِيَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ.

وَأَشْهَرُ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ تَحَدَّى بِهِ الْعَرَبَ - وَهُمْ أَفْصَحُ النَّاسِ لِسَانًا وَأَشَدُّهُمُ اقْتِدَارًا عَلَى الْكَلَامِ - بِأَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَصَدِّهِمْ عَنْهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَقْصَرُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فَكُلُّ قُرْآنٍ مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى كَانَ قَدْرَ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ سَوَاءٌ كَانَ آيَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ بَعْضَ آيَةٍ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا تَحَدَّاهُمْ بِهِ، وَعَلَى هَذَا فَتَصِلُ مُعْجِزَاتُ الْقُرْآنِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ إِلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ جِدًّا.

وَوُجُوهُ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ مِنْ جِهَةِ حُسْنِ تَأْلِيفِهِ وَالْتِئَامِ كَلِمَاتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَإِيجَازِهِ فِي مَقَامِ الْإِيجَازِ، وَبَلَاغَتُهُ ظَاهِرَةٌ جِدًّا مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ نَظْمِهِ وَغَرَابَةِ أُسْلُوبِهِ، مَعَ كَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ قَوَاعِدِ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، هَذَا إِلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ مِمَّا وَقَعَ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَفْرَادٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ اجْتَمَعَ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا أَخَذَ عَنْهُمْ، وَبِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي زَمَنِهِ وَبَعْدَهُ، هَذَا مَعَ الْهَيْبَةِ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ وَالْخَشْيَةِ الَّتِي تَلْحَقُ سَامِعَهُ وَعَدَمِ دُخُولِ الْمَلَالِ وَالسَّآمَةِ عَلَى قَارِئِهِ وَسَامِعِهِ، مَعَ تَيَسُّرِ حِفْظِهِ لِمُتَعَلِّمِيهِ وَتَسْهِيلِ سَرْدِهِ لِتَالِيهِ، وَلَا يُنْكِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ مُعْظَمَ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ الْقُرْآنُ.

وَمِنْ أَظْهَرِ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ إِبْقَاؤُهُ مَعَ اسْتِمْرَارِ الْإِعْجَازِ، وَأَشْهَرُ ذَلِكَ تَحَدِّيهِ الْيَهُودَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَلَمْ يَقَعْ مِمَّنْ سَلَفَ مِنْهُمْ وَلَا خَلَفَ مَنْ تَصَدَّى لِذَلِكَ وَلَا أَقْدَمَ، مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لِهَذَا الدِّينِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى إِفْسَادِهِ وَالصَّدِّ عَنْهُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَوْضَحُ مُعْجِزَةٍ.

وَأَمَّا مَا عَدَا الْقُرْآنَ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَنُطْقِ الْجَمَادِ، فَمِنْهُ مَا وَقَعَ التَّحَدِّي بِهِ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ دَالًّا عَلَى صِدْقِهِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ تَحَدٍّ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى يَدِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، كَمَا يُقْطَعُ بِوُجُودِ جُودِ حَاتِمٍ وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْرَادُ ذَلِكَ ظَنِّيَّةً وَرَدَتْ مَوْرِدَ الْآحَادِ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ النَّبَوِيَّةِ قَدِ اشْتَهَرَ وَانْتَشَرَ وَرَوَاهُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ، وَأَفَادَ الْكَثِيرُ مِنْهُ الْقَطْعَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْآثَارِ، وَالْعِنَايَةِ بِالسِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ إِلَى هَذِهِ الرُّتْبَةِ لِعَدَمِ عِنَايَتِهِمْ بِذَلِكَ، بَلْ لَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ غَالِبَ هَذِهِ الْوَقَائِعِ مُفِيدَةٌ لِلْقَطْعِ بِطَرِيقٍ نَظَرِيٍّ لِمَا كَانَ مُسْتَبْعَدًا وَهُوَ أَنَّهُ لَا مِرْيَةَ أَنَّ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ قَدْ حَدَّثُوا بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مُخَالَفَةُ الرَّاوِي فِيمَا حَكَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ فِيمَا هُنَالِكَ، فَيَكُونُ السَّاكِتُ مِنْهُمْ كَالنَّاطِقِ ; لِأَنَّ مَجْمُوعَهُمْ مَحْفُوظٌ مِنَ الْإِغْضَاءِ عَلَى الْبَاطِلِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُوجَدَ مِنْ بَعْضِهِمْ إِنْكَارٌ أَوْ طَعْنٌ عَلَى بَعْضِ مَنْ رَوَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفٍ فِي صِدْقِ الرَّاوِي أَوْ تُهْمَتِهِ بِكَذِبٍ أَوْ تَوَقُّفٌ فِي ضَبْطِهِ وَنِسْبَتِهِ إِلَى سُوءِ الْحِفْظِ أَوْ جَوَازِ الْغَلَطِ، وَلَا يُوجَدُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ طَعْنٌ فِي الْمَرْوِيِّ كَمَا وُجِدَ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْفَنِّ

مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ وَحُرُوفِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَقَدْ قَرَّرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ وُجُودِ إِفَادَةِ الْقَطْعِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ تَقْرِيرًا حَسَنًا، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمُ النَّقْلُ أَنَّ مَذْهَبَهُ إِجْزَاءُ النِّيَّةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي إِيجَابِهِ لَهَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَكَذَا إِيجَابُ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي إِجْزَاءِ بَعْضِهَا، وَأَنَّ مَذْهَبَهُمَا مَعًا إِيجَابُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ، وَاشْتِرَاطُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَتَجِدُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ خِلَافِهِمْ، فَضْلًا عَمَّنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي الْفِقْهِ وَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ تَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ

الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ: بَلَغَتْ أَلْفًا، وَقَالَ الزَّاهِدِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ أَلْفُ مُعْجِزَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقَدِ اعْتَنَى بِجَمْعِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا.

قَوْلُهُ: (فِي الْإِسْلَامِ) أَيْ مِنْ حِينِ الْمَبْعَثِ وَهَلُمَّ جَرَّا دُونَ مَا وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَدْ جَمَعَ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ، بَلْ قَبْلَ الْمَوْلِدِ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ وَأَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَسَيَأْتِي مِنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي خُرُوجِهِ فِي ابْتِغَاءِ الدِّينِ، وَمَضَى مِنْهُ قِصَّةُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَقَدَّمْتُ فِي بَابِ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ قِصَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ مُحَمَّدًا، وَمِنْ الْمَشْهُورِ ذَلِكَ قِصَّةُ بَحِيرَا الرَّاهِبِ، وَهِيَ فِي السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ.

وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ رَاهِبٌ يُدْعَى عِيصَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ: أَعْلَمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَيْلَةَ وُلِدَ لَهُ النَّبِيُّ بِأَنَّهُ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَذَكَرَ لَهُ أَشْيَاءَ مِنْ صِفَتِهِ.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْكُتُبِ صِفَةَ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ بِلَادِنَا، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي هُوَ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، قَالَ: فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِأَخْلَاقِهِ إِلَّا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، إِلَّا أَنَّهُ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ غَيْرُهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ قُلْتُ لِأُمَيَّةَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ حَقٌّ فَاتَّبِعْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَأَنْتَ مَا يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: الْحَيَاءُ مِنْ نُسَيَّاتِ ثَقِيفٍ أَنِّي كُنْتُ أُخْبِرُهُنَّ أَنِّي هُوَ ثُمَّ أَصِيرُ تَبَعًا لِفَتًى مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِزَمَانٍ فَذَكَرَ الْحَشْرَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَقُلْنَا لَهُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ - وَأَشَارَ إِلَى مَكَّةَ - فَقَالُوا: مَتَى يَقَعُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَرَمَى بِطَرَفِهِ إِلَى السَّمَاءِ - وَأَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ - فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِدْ هَذَا الْغُلَامُ عُمْرَهُ يُدْرِكْهُ، قَالَ: فَمَا ذَهَبَتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَهُوَ حَيٌّ فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرَ هُوَ بَغْيًا وَحَسَدًا وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَهُودِيٌّ قَدْ سَكَنَ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا النَّبِيُّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ وُلِدَ فِيكُمُ اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ.

قَالَ: فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَامَةٌ، لَا يَرْضَعُ لَيْلَتَيْنِ لِأَنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ، فَانْصَرَفُوا فَسَأَلُوا فَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ غُلَامٌ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ مَعَهُمْ إِلَى أُمِّهِ فَأَخْرَجَتْهُ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى الْيَهُودِيُّ الْعَلَامَةَ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَقَالَ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمَا وَاللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَخْرُجُ خَبَرُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

قُلْتُ: وَلِهَذِهِ الْقِصَصِ نَظَائِرُ يَطُولُ شَرْحُهَا. وَمِمَّا ظَهَرَ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ عِنْدَ مَوْلِدِهِ وَبَعْدَهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا حَضَرَتْ آمِنَةَ أُمَّ النَّبِيِّ ، فَلَمَّا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدَلَّى حَتَّى أَقُولَ لَتَقَعْنَ عَلَيَّ، فَلَمَّا وَلَدَتْ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ الْبَيْتُ وَالدَّارُ.

وَشَاهِدُهُ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: إِنِّي دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ، وَإِنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ،

وَالْحَاكِمُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةُ عِنْدَ أَحْمَدَ نَحْوَهُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ نَحْوَهُ وَقَالَتْ: أَضَاءَتْ لَهُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ

وَالْحَاكِمُ فِي قِصَّةِ رَضَاعِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ مِنَ الْعَلَامَاتِ كَثْرَةُ اللَّبَنِ فِي ثَدْيَيْهَا، وَوُجُودُ اللَّبَنِ فِي شَارِفِهَا بَعْدَ الْهُزَالِ الشَّدِيدِ، وَسُرْعَةُ مَشْيِ حِمَارِهَا، وَكَثْرَةُ اللَّبَنِ فِي شِيَاهِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَخِصْبُ أَرْضِهَا، وَسُرْعَةُ نَبَاتِهِ، وَشَقُّ الْمَلَكَيْنِ صَدْرَهُ.

وَهَذَا الْأَخِيرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ إنَّ النَّبِيَّ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَمَعَهُ فَأَعَادَهُ مَكَانَهُ الْحَدِيثَ.

وَفِي حَدِيثِ مَخْزُومِ بْنِ هَانِئٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِيهِ قال: وَكَانَ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ قَالَ: لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ انْكَسَرَ إِيوَانُ كِسْرَى وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرَّافَةً، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ وَلَمْ تُخْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، وَرَأَى الْمُوبِذَانُ إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ كِسْرَى أَفْزَعَهُ مَا وَقَعَ، فَسَأَلَ عُلَمَاءَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ عَنْ ذَلِكَ فَأَرْسَلُوا إِلَى سَطِيحٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا أَخْرَجَهَا ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ نَحْوَ خَمْسِينَ حَدِيثًا: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ صَاحِبَةِ الْمَزَادَتَيْنِ، وَالْمُعْجِزَةُ فِيهَا تَكْثِيرُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِبَرَكَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ التَّيَمُّمِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إِيهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيهًا بِالتَّنْوِينِ مَعَ الْفَتْحِ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ جَوَازَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي هَذِهِ. وَقَوْلُهُ: (مُؤْتِمَةٌ) أَيْ ذَاتُ أَيْتَامٍ.

وَقَوْلُهُ: (فَمَسَحَ بِالْعَزْلَاوَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْعَزْلَايْنِ وَهُمَا تَثْنِيَةُ عَزْلَاءَ بِسُكُونِ الزَّايِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ فَمُ الْقِرْبَةِ وَالْجَمْعُ عَزَالِي بِكَسْرِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

قَوْلُهُ: (فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعُونَ رَجُلًا) أَيْ وَنَحْنُ حِينَئِذٍ أَرْبَعُونَ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَرْبَعِينَ بِالنَّصْبِ وَتَوْجِيهُهَا ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: وَهِيَ تَكَادُ تَبِضُّ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ثَقِيلَةٌ أَيْ تَسِيلُ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْبَصِيصِ وَهُوَ اللَّمَعَانُ، وَمَعْنَاهُ مُسْتَبْعَدٌ هُنَا، فَإِنَّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ تَكَادُ تَبُضُّ مِنَ الْمِلْءِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، فَكَوْنُهَا تَكَادُ تَسِيلُ مِنَ الْمِلْءِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهَا تَلْمَعُ مِنَ الْمِلْءِ فَبَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: تَبُضُّ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ تُشَقُّ، يُقَالُ: بَضَّ الْمَاءُ مِنَ الْعَيْنِ إِذَا نَبَعَ، وَكَذَا بَضَّ الْعَرَقُ، قَالَ: وَفِيهِ رِوَايَاتٌ أُخْرَى: رُوِيَ تَنِضُّ بِنُونٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، وَرُوِيَ تَيْصَرُ بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَصَادٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ رَاءٌ.

قَالَ: وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ مَعْنَاهُ تَنْشَقُّ، قَالَ: وَمِنْهُ صَيْرُ الْبَابِ أَيْ شَقُّ الْبَابِ، وَرَدَّهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ صَيْرَ عَيْنُهُ حَرْفُ عِلَّةٍ فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ تَصَوَّرُ، وَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ. وَرَأَيْتُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَنْصَبُّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، فَتُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا بِمَعْنَى تَسِيلُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ عَنْ أَنَسٍ فِي نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ، أَوْرَدَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ طُرُقٍ: مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَحُمَيْدٍ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَهُ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ بَعْضٍ.

وَظَهَرَ لِي مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ فِي مَوْطِنَيْنِ لِلتَّغَايُرِ فِي عَدَدِ مَنْ حَضَرَ، وَهِيَ مُغَايَرَةٌ وَاضِحَةٌ يَبْعُدُ الْجَمْعُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ تَعْيِينُ الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَ ذَلِكَ فِيهِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَفَرٍ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ قَتَادَةَ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَسَيَأْتِي فِي غَيْرِ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهَا كَانَتْ فِي مَوَاطِنَ أُخَرَ.

قَالَ عِيَاضٌ: هَذِهِ الْقِصَّةُ رَوَاهَا الثِّقَاتُ مِنَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَنِ الْكَافَّةِ مُتَّصِلَةً بِالصَّحَابَةِ،

وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنِ اجْتِمَاعِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ فِي الْمَحَافِلِ وَمَجْمَعِ الْعَسَاكِرِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارٌ عَلَى رَاوِي ذَلِكَ، فَهَذَا النَّوْعُ مُلْحَقٌ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَضِيَّةُ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ فِي مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ، وَوَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يُفِيدُ مَجْمُوعُهُا الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ الْمُسْتَفَادَ مِنَ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ.

قُلْتُ: أَخَذَ كَلَامَ عِيَاضٍ وَتَصَرَّفَ فِيهِ، قَالَ: وَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ عَنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا . وَحَدِيثُ نَبْعِ الْمَاءِ جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ خَمْسَةِ طُرُقٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَرْبَعَةِ طُرُقٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، فَعَدَدُ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ لَيْسَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ إِطْلَاقِهِمَا، وَأَمَّا تَكْثِيرُ الْمَاءِ يَلْمَسُهُ بِيَدٍ أَوْ يَتْفُلُ فِيهِ أَوْ يَأْمُرُ بِوَضْعِ شَيْءٍ فِيهِ كَسَهْمٍ مِنْ كِنَانَتِهِ، فَجَاءَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ، وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ عِنْدَهُ، وَعَنْ حِبَّانَ بْنِ بُحٍّ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ الصُّدَائِيِّ أَيْضًا، فَإِذَا ضُمَّ هَذَا إِلَى هَذَا بَلَغَ الْكَثْرَةَ الْمَذْكُورَةَ أَوْ قَارَبَهَا. وَأَمَّا مَنْ رَوَاهَا مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّانِي فَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَإِنْ كَانَ شَطْرُ طُرُقِهِ أَفْرَادًا. وَفِي الْجُمْلَةِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا الرَّدُّ عَلَى ابْنِ بَطَّالٍ حَيْثُ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ شَهِدَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، وَذَلِكَ لِطُولِ عُمُرِهِ وَتَطَلُّبِ النَّاسِ الْعُلُوَّ فِي السَّنَدِ انْتَهَى. وَهُوَ يُنَادَى عَلَيْهِ بِقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ وَالِاسْتِحْضَارِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابِ الَّذِي شَرَحَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ عَنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا حَيْثُ نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ عَظْمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ حَيْثُ ضَرَبَهُ مُوسَى بِالْعَصَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْهُ الْمِيَاهُ، لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ مِنَ الْحِجَارَةِ مَعْهُودٌ، بِخِلَافِ خُرُوجِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ انْتَهَى.

وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَاءَ نَبَعَ مِنْ نَفْسِ اللَّحْمِ الْكَائِنِ فِي الْأَصَابِعِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَأَوْضَحُ مِنْهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَجَاءُوا بِشَنٍّ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ فَرَّقَ أَصَابِعَهُ فَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ مِثْلَ عَصَا مُوسَى، فَإِنَّ الْمَاءَ تَفَجَّرَ مِنْ نَفْسِ الْعَصَا فَتَمَسُّكُهُ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَاءَ تَفَجَّرَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رُؤْيَةِ الرَّائِي، وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِلْبَرَكَةِ الْحَاصِلَةِ فِيهِ يَفُورُ وَيَكْثُرُ وَكَفُّهُ فِي الْمَاءِ، فَرَآهُ الرَّائِي نَابِعًا مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَلَيْسَ فِي الْأَخْبَارِ مَا يَرُدُّهُ وَهُوَ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) لَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ إِلَّا مُعَنْعَنًا، لَكِنْ بَقِيَّةُ الْخَبَرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَنَسٍ لِقَوْلِهِ: قُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ فَهَذَا لَوْ كَانَ مَحْفُوظًا اقْتَضَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ انْقِطَاعًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَكِّيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ) بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ كَانَ مُرْتَفِعًا كَالْمَنَارَةِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَمْرِ عُثْمَانَ بِالتَّأْذِينِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، بَلِ الْوَاقِعُ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ عُثْمَانُ بِالتَّأْذِينِ فِيهِ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ لَا أَنَّهُ الزَّوْرَاءُ نَفْسُهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ شَهِدْتُ النَّبِيَّ مَعَ أَصْحَابِهِ عِنْدَ الزَّوْرَاءِ، أَوْ عِنْدَ بُيُوتِ الْمَدِينَةِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.

وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله