«أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٧٠٥

الحديث رقم ٣٧٠٥ من كتاب «كتاب فضائل الصحابة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب مناقب علي بن أبي طالب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٧٠٥ في صحيح البخاري

«أَنَّ فَاطِمَةَ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ، فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا فَقَعَدَ بَيْنَنَا، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ».

إسناد حديث البخاري رقم ٣٧٠٥

٣٧٠٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٧٠٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهُ بِأَنْفِكَ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ قَالَ: هُوَ ذَاكَ، بَيْتُهُ أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ أَجَلْ قَالَ فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ"

٣٧٠٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ أَنَّ فَاطِمَةَ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا فَأَتَى النَّبِيَّ سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ فَجَاءَ النَّبِيُّ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا، وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثً، ا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ"

٣٧٠٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قال النبي : "لِعَلِيٍّ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى"؟

[الحديث ٣٧٠٦ - طرفه في ٤٤١٦]

٣٧٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ "اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ، حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي. فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَرَى أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ الْكَذِبُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ أَبِي الْحَسَنِ) وَهُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ شَقِيقُ أَبِيهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ عَلَى الصَّحِيحِ.

وُلِدَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِعَشْرِ سِنِينَ عَلَى الرَّاجِحِ وَكَانَ قَدْ رَبَّاهُ النَّبِيُّ مِنْ صِغَرِهِ لِقِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَلَازَمَهُ مِنْ صِغَرِهِ فَلَمْ يُفَارِقْهُ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ، وَكَانَتِ ابْنَةَ عَمَّةِ أَبِيهِ وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ لِهَاشِمِيٍّ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَصَحِبَتْ وَمَاتَتْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَادِ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ فِي عَلِيٍّ وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَأَخَّرَ، وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي زَمَانِهِ وَخُرُوجِ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِشَارِ مَنَاقِبِهِ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ كَانَ بَيْنَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ رَدًّا عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، فَكَانَ النَّاسُ طَائِفَتَيْنِ، لَكِنِ الْمُبْتَدَعَةُ قَلِيلَةٌ جِدًّا، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ عَلِيٍّ مَا كَانَ فَنَجَمَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى حَارَبُوهُ، ثُمَّ اشْتَدَّ الْخَطْبُ فَتَنَقَّصُوهُ وَاتَّخَذُوا لَعْنَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ سُنَّةً، وَوَافَقَهُمُ الْخَوَارِجُ عَلَى بُغْضِهِ وَزَادُوا حَتَّى كَفَّرُوهُ، مَضْمُومًا ذَلِكَ مِنْهُمْ إِلَى عُثْمَانَ، فَصَارَ النَّاسُ فِي حَقِّ عَلِيٍّ ثَلَاثَةً: أَهْلَ السُّنَّةِ، وَالْمُبْتَدِعَةَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْمُحَارِبِينَ لَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَأَتْبَاعِهِمْ، فَاحْتَاجَ أَهْلُ السُّنَّةِ إِلَى بَثِّ فَضَائِلِهِ فَكَثُرَ النَّاقِلُ لِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الْفَضَائِلِ إِذَا حُرِّرَ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ لَا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَصْلًا.

وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: أَسْلَمَ

عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَشْرُ سِنِينَ وَهَذَا أَرْجَحُهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. (وَقَالَ النَّبِيُّ : أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قِصَّةِ بِنْتِ حَمْزَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصُّلْحِ وَفِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مُطَوَّلًا، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْمَغَازِي مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ.

أَوَّلُهَا: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْمَغَازِي.

ثَانِيهَا: حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي الْمَعْنَى وَيَأْتِي هُنَاكَ أَيْضًا مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثَيْنِ: إِنَّ عَلِيًّا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرَادَ بِذَلِكَ وُجُودَ حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ، وَإِلَّا فَكُلُّ مُسْلِمٍ يَشْتَرِكُ مَعَ عَلِيٍّ فِي مُطْلَقِ هَذِهِ الصِّفَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ تَلْمِيحٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ عَلِيًّا تَامُّ الِاتِّبَاعِ لِرَسُولِ اللَّهِ حَتَّى اتَّصَفَ بِصِفَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ، وَلِهَذَا كَانَتْ مَحَبَّتُهُ عَلَامَةَ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُ عَلَامَةَ النِّفَاقِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَفْسِهِ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ أَنْ لَا يُحِبَّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَكَ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ.

(وَقَالَ عُمَرُ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ) تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مَوْصُولًا، وَكَانَتْ بَيْعَةُ عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ عَقِبَ قَتْلِ عُثْمَانَ فِي أَوَائِلِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ، وَكَتَبَ بَيْعَتَهُ إِلَى الْآفَاقِ فَأَذْعَنُوا كُلُّهُمْ إِلَّا مُعَاوِيَةَ فِي أَهْلِ الشَّامِ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ بَعْدُ مَا كَانَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (هَذَا فُلَانٌ لِأَمِيرِ الْمَدِينَةِ) أَيْ عَنَى أَمِيرَ الْمَدِينَةِ، وَفُلَانٌ الْمَذْكُورُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ صَرِيحًا، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: هَذَا فَكَانَ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ.

قَوْلُهُ: (يَدْعُو عَلِيًّا عِنْدَ الْمِنْبَرِ، قَالَ: فَيَقُولُ مَاذَا) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ يَدْعُوكَ لِتَسُبَّ عَلِيًّا.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ مَا سَمَّاهُ إِلَّا النَّبِيُّ يَعْنِي أَبَا تُرَابٍ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَطْعَمْتُ الْحَدِيثَ سَهْلًا) أَيْ سَأَلْتُهُ أَنْ يُحَدِّثَنِي، وَاسْتَعَارَ الِاسْتِطْعَامَ لِلْكَلَامِ لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الذَّوْقِ، لِلطَّعَامِ الذَّوْقُ الْحِسِّيُّ، وَلِلْكَلَامِ الذَّوْقُ الْمَعْنَوِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ كَيْفَ كَانَ أَمْرُهُ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ قَالَتْ: فِي الْمَسْجِدِ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي.

قَوْلُهُ: (وَخَلُصَ التُّرَابُ إِلَى ظَهْرِهِ) أَيْ وَصَلَ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: حَتَّى تَخَلَّصَ ظَهْرُهُ إِلَى التُّرَابِ وَكَانَ نَامَ أَوَّلًا عَلَى مَكَانٍ لَا تُرَابَ فِيهِ ثُمَّ تَقَلَّبَ فَصَارَ ظَهْرُهُ عَلَى التُّرَابِ أَوْ سَفَى عَلَيْهِ التُّرَابُ.

قَوْلُهُ: (اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ. مَرَّتَيْنِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ مَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِهِ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: نِمْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ فِي غَزْوَةِ الْعَسِيرَةِ فِي نَخْلٍ فَمَا أَفَقْنَا إِلَّا بِالنَّبِيِّ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ يَقُولُ لِعَلِيٍّ: قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْكَائِنَةِ الْأُخْرَى.

وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَبَبَ غَضَبِ عَلِيٍّ كَانَ لِمَا آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يُؤَاخِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ فَذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ فِي آخِرِهَا: قُمْ فَأَنْتَ أَخِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَعِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَحَدِيثُ الْبَابِ أَصَحُّ، وَيَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ قِصَّةَ الْمُؤَاخَاةِ كَانَتْ أَوَّلَ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ، وَتَزْوِيجُ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ وَدُخُولُهُ عَلَيْهَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

رَابِعُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ) تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ) كَأَنَّهُ ضَمَّنَ ذَكَرَ مَعْنَى أَخْبَرَ فَعَدَّاهَا بِعَنْ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَذَكَرَ أَحْسَنَ عَمَلِهِ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ إِنْفَاقَهُ فِي جَيْشِ

الْعُسْرَةِ وَتَسْبِيلِهِ بِئْرَ رُومَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ أَعْمَالِهِ) كَأَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ شُهُودَهُ بَدْرًا وَغَيْرَهَا، وَفَتْحَ خَيْبَرَ عَلَى يَدَيْهِ، وَقَتْلَهُ مَرْحَبًا، وَنَحْوَ ذَاكَ.

قَوْلُهُ: (هُوَ ذَاكَ، بَيْتُهُ أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ أَيْ أَحْسَنُهَا بِنَاءً، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ فِي وَسَطِهَا وَهُوَ أَصَحُّ. وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَقَالَ: لَا تَسْأَلْ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى بَيْتِهِ مِنْ بُيُوتِ النَّبِيِّ . وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَيْزَارَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ عَلِيٍّ فَقَالَ: انْظُرْ إِلَى مَنْزِلِهِ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ بَيْتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِ بَابِهِ غَيْرَ مَسْدُودٍ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ .

قَوْلُهُ: (فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ، مَعْنَاهُ أَوْقَعَ اللَّهُ بِكَ السُّوءَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السُّقُوطِ عَلَى الْأَرْضِ فَيُلْصَقُ الْوَجْهُ بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ.

قَوْلُهُ: (فَاجْهَدْ عَلَى جَهْدِكَ) أَيِ ابْلُغْ عَلَى غَايَتِكَ فِي حَقِّي، فَإِنَّ الَّذِي قُلْتُهُ لَكَ الْحَقُّ، وَقَائِلُ الْحَقِّ لَا يُبَالِي بِمَا قِيلَ فِي حَقِّهِ مِنَ الْبَاطِلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْمَذْكُورَةِ: قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنِّي أُبْغِضُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَبْغَضَكَ اللَّهُ تَعَالَى.

خَامِسُهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ: إِنَّ فَاطِمَةَ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى الْحَدِيثُ، وَفِيهِ مَا يُقَالُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ مِنْ جِهَةِ مَنْزِلَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ ، وَدُخُولِ النَّبِيِّ مَعَهُ فِي فِرَاشِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ ابْنَتُهُ وَمِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِ النَّبِيِّ لَهُ مَا اخْتَارَ لِابْنَتِهِ مِنْ إِيثَارِ أَمْرِ الْآخِرَةِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا وَرِضَاهُمَا بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ اخْتَارَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى فُقَرَاءِ الصُّفَّةِ بِمَا قَدِمَ عَلَيْهِ، وَرَأَى لِأَهْلِهِ الصَّبْرَ بِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ مَزِيدِ الثَّوَابِ.

سَادِسُهَا حَدِيثُ عَبِيدَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيٍّ قَالَ اقْضُوا كَمَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى (مَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ) قَبْلُ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ قَوْلِ عَلِيٍّ فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَرَى هُوَ وَعُمَرُ أَنَّهُنَّ لَا يُبَعْنَ، وَأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَرَأَى أَنْ يُبَعْنَ. قَالَ عَبِيدَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: رَأْيُكَ وَرَأْيُ عُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ فِي الْفُرْقَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ مَا قَالَ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْهُ، وَعِنْدَهُ: قَالَ لِي عَبِيدَةُ: بَعَثَ إِلَيَّ عَلِيٌّ وَإِلَى شُرَيْحٍ، فَقَالَ: إِنِّي أُبْغِضُ الِاخْتِلَافَ فَاقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْلِهِ أَصْحَابِي قَالَ: فَقَبِلَ عَلِيٌّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ جَمَاعَةٌ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ) أَيِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَعْنِي مُخَالَفَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ الْمُخَالَفَةُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ وَالْفِتْنَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ جَمَاعَةً، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ.

قَوْلُهُ: (أَوْ أَمُوتَ) بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ.

قَوْلُهُ: (كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي) أَيْ لَا أَزَالُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَمُوتَ.

قَوْلُهُ: (فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَلَفْظُهُ عَنْ أَيُّوبَ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - يَقُولُ لِأَبِي مَعْشَرٍ: إِنِّي أَتَّهِمُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِمَّا تَقُولُونَ عَنْ عَلِيٍّ. قُلْتُ: وَأَبُو مَعْشَرٍ الْمَذْكُورُ هُوَ زِيَادُ بْنُ كُلَيْبٍ الْكُوفِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ مُخَرَّجٌ لَهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ سِيرِينَ تُهْمَةَ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ زِيَادٌ فَإِنَّهُ يَرْوِي عَنْ مِثْلِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ.

قَوْلُهُ: (يَرَى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يَعْتَقِدُ - (أَنَّ عَامَّةَ) أَيْ أَكْثَرَ (مَا يُرْوَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ - (عَنْ عَلِيٍّ الْكَذِبُ) وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا تَرْوِيهِ الرَّافِضَةُ عَنْ عَلِيٍّ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُرِدْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا حَدَّثَنَا ثِقَةٌ عَنْ عَلِيٍّ بِفُتْيَا لَمْ نجَاوَزْهَا

سَابِعُهَا حَدِيثُ سَعْدٍ

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدٍ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ)

أَيِ ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ لِعِلِّيٍّ) بَيَّنَ سَعْدٌ سَبَبَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنْ آخِرِ الْمَغَازِي، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) أَيْ نَازِلًا مِنِّي مَنْزِلَةَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَعْدٍ فَقَالَ عَلِيٌّ: رَضِيتُ رَضِيتُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ كَذَلِكَ. وَفِي أَوَّلِ حَدِيثِهِمَا أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: لَابُدَّ أَنْ أُقِيمَ أَوْ تُقِيمَ، فَأَقَامَ عَلِيٌّ فَسَمِعَ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّمَا خَلَّفَهُ لِشَيْءٍ كَرِهَهُ مِنْهُ، فَاتَّبَعَهُ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ، الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ، لِسَعْدٍ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَنْ أَسُبَّهُ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَوْلَهُ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَوْلَهُ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي. وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى عَنْ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ: لَوْ وُضِعَ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِي عَلَى أَنْ أَسُبَّ عَلِيًّا مَا سَبَبْتُهُ أَبَدًا.

وَهَذَا الْحَدِيثُ - أَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ دُونَ الزِّيَادَةِ - رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَنْ غَيْرِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ نَفْسِهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْبَرَاءِ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ طُرُقَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيٍّ.

وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَعْنَى حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِعَلِيٍّ: مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟ قَالَ: عَاقِرُ النَّاقَةِ. قَالَ: فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: قَاتِلُكَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ عَلِيٍّ نَفْسِهِ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.

وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ عَلِيٍّ لِلْخِلَافَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ هَارُونَ كَانَ خَلِيفَةَ مُوسَى، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَارُونَ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةَ مُوسَى إِلَّا فِي حَيَاتِهِ لَا بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ مُوسَى بِاتِّفَاقٍ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِي نَازِلٌ مِنِّي مَنْزِلَةَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَفِيهِ تَشْبِيهٌ مُبْهَمٌ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي فَعُرِفَ أَنَّ الِاتِّصَالَ الْمَذْكُورَ بَيْنَهُمَا لَيْسَ مِنْ جِهَةِ النُّبُوَّةِ بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا دُونَهَا وَهُوَ الْخِلَافَةُ، وَلَمَّا كَانَ هَارُونُ الْمُشَبَّهُ بِهِ إِنَّمَا كَانَ خَلِيفَةً فِي حَيَاةِ مُوسَى دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَخْصِيصِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ لِلنَّبِيِّ بِحَيَاتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ مِنْ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ أَشْيَاءَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، مِنْهَا حَدِيثُ عُمَرَ: عَلِيٌّ أَقْضَانَا، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ. وَلَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ قِتَالِهِ الْبُغَاةَ وَهُوَ في حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَكَانَ عَمَّارٌ مَعَ عَلِيٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الصَّلَاةِ. وَمِنْهَا حَدِيثُ قِتَالِهِ الْخَوَارِجَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالتَّتَبُّعِ، وَأَوْعَبُ مَنْ جَمَعَ مَنَاقِبَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْجِيَادِ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ الْخَصَائِصِ. وَأَمَّا حَدِيثُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَهُوَ كَثِيرُ الطُّرُقِ جِدًّا، وَقَدِ اسْتَوْعَبَهَا ابْنُ عُقْدَةَ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَسَانِيدِهَا صِحَاحٌ وَحِسَانٌ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ: مَا بَلَغَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا بَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ حَدِيثُ سَعْدٍ مُؤَخَّرًا عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَمُقَدَّمًا عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهُ بِأَنْفِكَ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ قَالَ: هُوَ ذَاكَ، بَيْتُهُ أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ أَجَلْ قَالَ فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ"

٣٧٠٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ أَنَّ فَاطِمَةَ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا فَأَتَى النَّبِيَّ سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ فَجَاءَ النَّبِيُّ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا، وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثً، ا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ"

٣٧٠٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قال النبي : "لِعَلِيٍّ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى"؟

[الحديث ٣٧٠٦ - طرفه في ٤٤١٦]

٣٧٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ "اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ، حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي. فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَرَى أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ الْكَذِبُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ أَبِي الْحَسَنِ) وَهُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ شَقِيقُ أَبِيهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ عَلَى الصَّحِيحِ.

وُلِدَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِعَشْرِ سِنِينَ عَلَى الرَّاجِحِ وَكَانَ قَدْ رَبَّاهُ النَّبِيُّ مِنْ صِغَرِهِ لِقِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَلَازَمَهُ مِنْ صِغَرِهِ فَلَمْ يُفَارِقْهُ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ، وَكَانَتِ ابْنَةَ عَمَّةِ أَبِيهِ وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ لِهَاشِمِيٍّ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَصَحِبَتْ وَمَاتَتْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَادِ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ فِي عَلِيٍّ وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَأَخَّرَ، وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي زَمَانِهِ وَخُرُوجِ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِشَارِ مَنَاقِبِهِ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ كَانَ بَيْنَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ رَدًّا عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، فَكَانَ النَّاسُ طَائِفَتَيْنِ، لَكِنِ الْمُبْتَدَعَةُ قَلِيلَةٌ جِدًّا، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ عَلِيٍّ مَا كَانَ فَنَجَمَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى حَارَبُوهُ، ثُمَّ اشْتَدَّ الْخَطْبُ فَتَنَقَّصُوهُ وَاتَّخَذُوا لَعْنَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ سُنَّةً، وَوَافَقَهُمُ الْخَوَارِجُ عَلَى بُغْضِهِ وَزَادُوا حَتَّى كَفَّرُوهُ، مَضْمُومًا ذَلِكَ مِنْهُمْ إِلَى عُثْمَانَ، فَصَارَ النَّاسُ فِي حَقِّ عَلِيٍّ ثَلَاثَةً: أَهْلَ السُّنَّةِ، وَالْمُبْتَدِعَةَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْمُحَارِبِينَ لَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَأَتْبَاعِهِمْ، فَاحْتَاجَ أَهْلُ السُّنَّةِ إِلَى بَثِّ فَضَائِلِهِ فَكَثُرَ النَّاقِلُ لِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الْفَضَائِلِ إِذَا حُرِّرَ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ لَا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَصْلًا.

وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: أَسْلَمَ

عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَشْرُ سِنِينَ وَهَذَا أَرْجَحُهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. (وَقَالَ النَّبِيُّ : أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قِصَّةِ بِنْتِ حَمْزَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصُّلْحِ وَفِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مُطَوَّلًا، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْمَغَازِي مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ.

أَوَّلُهَا: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْمَغَازِي.

ثَانِيهَا: حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي الْمَعْنَى وَيَأْتِي هُنَاكَ أَيْضًا مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثَيْنِ: إِنَّ عَلِيًّا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرَادَ بِذَلِكَ وُجُودَ حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ، وَإِلَّا فَكُلُّ مُسْلِمٍ يَشْتَرِكُ مَعَ عَلِيٍّ فِي مُطْلَقِ هَذِهِ الصِّفَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ تَلْمِيحٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ عَلِيًّا تَامُّ الِاتِّبَاعِ لِرَسُولِ اللَّهِ حَتَّى اتَّصَفَ بِصِفَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ، وَلِهَذَا كَانَتْ مَحَبَّتُهُ عَلَامَةَ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُ عَلَامَةَ النِّفَاقِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَفْسِهِ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ أَنْ لَا يُحِبَّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَكَ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ.

(وَقَالَ عُمَرُ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ) تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مَوْصُولًا، وَكَانَتْ بَيْعَةُ عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ عَقِبَ قَتْلِ عُثْمَانَ فِي أَوَائِلِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ، وَكَتَبَ بَيْعَتَهُ إِلَى الْآفَاقِ فَأَذْعَنُوا كُلُّهُمْ إِلَّا مُعَاوِيَةَ فِي أَهْلِ الشَّامِ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ بَعْدُ مَا كَانَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (هَذَا فُلَانٌ لِأَمِيرِ الْمَدِينَةِ) أَيْ عَنَى أَمِيرَ الْمَدِينَةِ، وَفُلَانٌ الْمَذْكُورُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ صَرِيحًا، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: هَذَا فَكَانَ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ.

قَوْلُهُ: (يَدْعُو عَلِيًّا عِنْدَ الْمِنْبَرِ، قَالَ: فَيَقُولُ مَاذَا) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ يَدْعُوكَ لِتَسُبَّ عَلِيًّا.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ مَا سَمَّاهُ إِلَّا النَّبِيُّ يَعْنِي أَبَا تُرَابٍ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَطْعَمْتُ الْحَدِيثَ سَهْلًا) أَيْ سَأَلْتُهُ أَنْ يُحَدِّثَنِي، وَاسْتَعَارَ الِاسْتِطْعَامَ لِلْكَلَامِ لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الذَّوْقِ، لِلطَّعَامِ الذَّوْقُ الْحِسِّيُّ، وَلِلْكَلَامِ الذَّوْقُ الْمَعْنَوِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ كَيْفَ كَانَ أَمْرُهُ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ قَالَتْ: فِي الْمَسْجِدِ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي.

قَوْلُهُ: (وَخَلُصَ التُّرَابُ إِلَى ظَهْرِهِ) أَيْ وَصَلَ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: حَتَّى تَخَلَّصَ ظَهْرُهُ إِلَى التُّرَابِ وَكَانَ نَامَ أَوَّلًا عَلَى مَكَانٍ لَا تُرَابَ فِيهِ ثُمَّ تَقَلَّبَ فَصَارَ ظَهْرُهُ عَلَى التُّرَابِ أَوْ سَفَى عَلَيْهِ التُّرَابُ.

قَوْلُهُ: (اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ. مَرَّتَيْنِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ مَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِهِ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: نِمْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ فِي غَزْوَةِ الْعَسِيرَةِ فِي نَخْلٍ فَمَا أَفَقْنَا إِلَّا بِالنَّبِيِّ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ يَقُولُ لِعَلِيٍّ: قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْكَائِنَةِ الْأُخْرَى.

وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَبَبَ غَضَبِ عَلِيٍّ كَانَ لِمَا آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يُؤَاخِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ فَذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ فِي آخِرِهَا: قُمْ فَأَنْتَ أَخِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَعِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَحَدِيثُ الْبَابِ أَصَحُّ، وَيَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ قِصَّةَ الْمُؤَاخَاةِ كَانَتْ أَوَّلَ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ، وَتَزْوِيجُ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ وَدُخُولُهُ عَلَيْهَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

رَابِعُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ) تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ) كَأَنَّهُ ضَمَّنَ ذَكَرَ مَعْنَى أَخْبَرَ فَعَدَّاهَا بِعَنْ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَذَكَرَ أَحْسَنَ عَمَلِهِ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ إِنْفَاقَهُ فِي جَيْشِ

الْعُسْرَةِ وَتَسْبِيلِهِ بِئْرَ رُومَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ أَعْمَالِهِ) كَأَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ شُهُودَهُ بَدْرًا وَغَيْرَهَا، وَفَتْحَ خَيْبَرَ عَلَى يَدَيْهِ، وَقَتْلَهُ مَرْحَبًا، وَنَحْوَ ذَاكَ.

قَوْلُهُ: (هُوَ ذَاكَ، بَيْتُهُ أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ أَيْ أَحْسَنُهَا بِنَاءً، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ فِي وَسَطِهَا وَهُوَ أَصَحُّ. وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَقَالَ: لَا تَسْأَلْ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى بَيْتِهِ مِنْ بُيُوتِ النَّبِيِّ . وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَيْزَارَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ عَلِيٍّ فَقَالَ: انْظُرْ إِلَى مَنْزِلِهِ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ بَيْتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِ بَابِهِ غَيْرَ مَسْدُودٍ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ .

قَوْلُهُ: (فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ، مَعْنَاهُ أَوْقَعَ اللَّهُ بِكَ السُّوءَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السُّقُوطِ عَلَى الْأَرْضِ فَيُلْصَقُ الْوَجْهُ بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ.

قَوْلُهُ: (فَاجْهَدْ عَلَى جَهْدِكَ) أَيِ ابْلُغْ عَلَى غَايَتِكَ فِي حَقِّي، فَإِنَّ الَّذِي قُلْتُهُ لَكَ الْحَقُّ، وَقَائِلُ الْحَقِّ لَا يُبَالِي بِمَا قِيلَ فِي حَقِّهِ مِنَ الْبَاطِلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْمَذْكُورَةِ: قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنِّي أُبْغِضُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَبْغَضَكَ اللَّهُ تَعَالَى.

خَامِسُهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ: إِنَّ فَاطِمَةَ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى الْحَدِيثُ، وَفِيهِ مَا يُقَالُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ مِنْ جِهَةِ مَنْزِلَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ ، وَدُخُولِ النَّبِيِّ مَعَهُ فِي فِرَاشِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ ابْنَتُهُ وَمِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِ النَّبِيِّ لَهُ مَا اخْتَارَ لِابْنَتِهِ مِنْ إِيثَارِ أَمْرِ الْآخِرَةِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا وَرِضَاهُمَا بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ اخْتَارَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى فُقَرَاءِ الصُّفَّةِ بِمَا قَدِمَ عَلَيْهِ، وَرَأَى لِأَهْلِهِ الصَّبْرَ بِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ مَزِيدِ الثَّوَابِ.

سَادِسُهَا حَدِيثُ عَبِيدَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيٍّ قَالَ اقْضُوا كَمَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى (مَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ) قَبْلُ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ قَوْلِ عَلِيٍّ فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَرَى هُوَ وَعُمَرُ أَنَّهُنَّ لَا يُبَعْنَ، وَأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَرَأَى أَنْ يُبَعْنَ. قَالَ عَبِيدَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: رَأْيُكَ وَرَأْيُ عُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ فِي الْفُرْقَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ مَا قَالَ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْهُ، وَعِنْدَهُ: قَالَ لِي عَبِيدَةُ: بَعَثَ إِلَيَّ عَلِيٌّ وَإِلَى شُرَيْحٍ، فَقَالَ: إِنِّي أُبْغِضُ الِاخْتِلَافَ فَاقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْلِهِ أَصْحَابِي قَالَ: فَقَبِلَ عَلِيٌّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ جَمَاعَةٌ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ) أَيِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَعْنِي مُخَالَفَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ الْمُخَالَفَةُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ وَالْفِتْنَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ جَمَاعَةً، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ.

قَوْلُهُ: (أَوْ أَمُوتَ) بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ.

قَوْلُهُ: (كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي) أَيْ لَا أَزَالُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَمُوتَ.

قَوْلُهُ: (فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَلَفْظُهُ عَنْ أَيُّوبَ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - يَقُولُ لِأَبِي مَعْشَرٍ: إِنِّي أَتَّهِمُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِمَّا تَقُولُونَ عَنْ عَلِيٍّ. قُلْتُ: وَأَبُو مَعْشَرٍ الْمَذْكُورُ هُوَ زِيَادُ بْنُ كُلَيْبٍ الْكُوفِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ مُخَرَّجٌ لَهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ سِيرِينَ تُهْمَةَ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ زِيَادٌ فَإِنَّهُ يَرْوِي عَنْ مِثْلِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ.

قَوْلُهُ: (يَرَى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يَعْتَقِدُ - (أَنَّ عَامَّةَ) أَيْ أَكْثَرَ (مَا يُرْوَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ - (عَنْ عَلِيٍّ الْكَذِبُ) وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا تَرْوِيهِ الرَّافِضَةُ عَنْ عَلِيٍّ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُرِدْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا حَدَّثَنَا ثِقَةٌ عَنْ عَلِيٍّ بِفُتْيَا لَمْ نجَاوَزْهَا

سَابِعُهَا حَدِيثُ سَعْدٍ

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدٍ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ)

أَيِ ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ لِعِلِّيٍّ) بَيَّنَ سَعْدٌ سَبَبَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنْ آخِرِ الْمَغَازِي، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) أَيْ نَازِلًا مِنِّي مَنْزِلَةَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَعْدٍ فَقَالَ عَلِيٌّ: رَضِيتُ رَضِيتُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ كَذَلِكَ. وَفِي أَوَّلِ حَدِيثِهِمَا أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: لَابُدَّ أَنْ أُقِيمَ أَوْ تُقِيمَ، فَأَقَامَ عَلِيٌّ فَسَمِعَ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّمَا خَلَّفَهُ لِشَيْءٍ كَرِهَهُ مِنْهُ، فَاتَّبَعَهُ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ، الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ، لِسَعْدٍ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَنْ أَسُبَّهُ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَوْلَهُ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَوْلَهُ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي. وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى عَنْ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ: لَوْ وُضِعَ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِي عَلَى أَنْ أَسُبَّ عَلِيًّا مَا سَبَبْتُهُ أَبَدًا.

وَهَذَا الْحَدِيثُ - أَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ دُونَ الزِّيَادَةِ - رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَنْ غَيْرِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ نَفْسِهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْبَرَاءِ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ طُرُقَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيٍّ.

وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَعْنَى حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِعَلِيٍّ: مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟ قَالَ: عَاقِرُ النَّاقَةِ. قَالَ: فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: قَاتِلُكَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ عَلِيٍّ نَفْسِهِ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.

وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ عَلِيٍّ لِلْخِلَافَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ هَارُونَ كَانَ خَلِيفَةَ مُوسَى، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَارُونَ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةَ مُوسَى إِلَّا فِي حَيَاتِهِ لَا بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ مُوسَى بِاتِّفَاقٍ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِي نَازِلٌ مِنِّي مَنْزِلَةَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَفِيهِ تَشْبِيهٌ مُبْهَمٌ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي فَعُرِفَ أَنَّ الِاتِّصَالَ الْمَذْكُورَ بَيْنَهُمَا لَيْسَ مِنْ جِهَةِ النُّبُوَّةِ بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا دُونَهَا وَهُوَ الْخِلَافَةُ، وَلَمَّا كَانَ هَارُونُ الْمُشَبَّهُ بِهِ إِنَّمَا كَانَ خَلِيفَةً فِي حَيَاةِ مُوسَى دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَخْصِيصِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ لِلنَّبِيِّ بِحَيَاتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ مِنْ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ أَشْيَاءَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، مِنْهَا حَدِيثُ عُمَرَ: عَلِيٌّ أَقْضَانَا، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ. وَلَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ قِتَالِهِ الْبُغَاةَ وَهُوَ في حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَكَانَ عَمَّارٌ مَعَ عَلِيٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الصَّلَاةِ. وَمِنْهَا حَدِيثُ قِتَالِهِ الْخَوَارِجَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالتَّتَبُّعِ، وَأَوْعَبُ مَنْ جَمَعَ مَنَاقِبَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْجِيَادِ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ الْخَصَائِصِ. وَأَمَّا حَدِيثُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَهُوَ كَثِيرُ الطُّرُقِ جِدًّا، وَقَدِ اسْتَوْعَبَهَا ابْنُ عُقْدَةَ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَسَانِيدِهَا صِحَاحٌ وَحِسَانٌ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ: مَا بَلَغَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا بَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ حَدِيثُ سَعْدٍ مُؤَخَّرًا عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَمُقَدَّمًا عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله