«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهَا بِيَدِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤١٧

الحديث رقم ٤١٧ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة، فحكها بيده…

«أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ، أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ، وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ، فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا».

سند حديث: ٤١٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ…

٤١٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة، فحكها بيده…

أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نُخامَة في جدار المسجد الذي يَلي القِبلة، فصعب عليه هذا الفعل حتى شُوهد أثر المشقَّة في وجهه صلى الله عليه وسلم ، فقام بِنَفْسه صلى الله عليه وسلم فأزال أثر النُّخامة بيده الشريفة تعليمًا لأمته، وتواضعا لربِّه -جل جلاله- ومحبة لبَيتِه، ثم ذكر أن العَبد إذا قام في الصلاة، فإنه يُناجي ربَّه بِذكره ودعائه، وتلاوة آياته، فاللائق به في هذا المقام أن يخشع في صلاته ويتذكر عظمة من يُناجيه ويُقبل عليه بِقَلبه، وأن يَبتعد عن إساءة الأدب مع الله تعالى ، فلا يَبصق إلى جهة قِبْلته، ثم أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ينبغي فعله للمصلي في مثل هذه الحال، وذلك بأن يبصق عن يَساره، أو تحت قدمه اليُسرى، أو بأن يبصق في ثوبه ونحو ذلك، ويحك بعضه على بعض لإزالته.
وعلى المصلي أن يستشعر مقابلته لله تعالى وإقباله عليه وإن كان سبحانه وتعالى في السماء فوق عرشه، فإنه أمام المصلي؛ لأنه محيط بكل شيء و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: 11)، وليس معنى ذلك أنه مختلط بالناس أو أنه في المكان الذي فيه المصلي، تعالى الله عن ذلك، فالله تعالى قريب من المصلي، وقريب من الداعي قربًا يليق بجلاله، ليس كقرب المخلوق من المخلوق، وإنما هو قرب الخالق جل وعلا من المخلوق، ومثال ذلك في خلقه ولله المثل الأعلى، الشمس هي فوقك ومع ذلك تكون أمامك في حال الشروق والغروب.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • غَضب النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا انتُهِكت مَحارم الله.
  • وجوب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنْكر.
  • أن النُّخامة طاهرة؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- حكَّها بيده، وكذلك قوله: (أو يفعل هكذا) ولو كانت نَجِسة لم يأذن بالبَصق في ثوبه.
  • أن الصلاة فرضًا أو نفلًا مَوطن مُنَاجاة لله -تعالى-، واتصال العبد بربه.
  • دعوة الإسلام إلى النَّظافة والطهارة والنَّزاهة، وَيُنَفِّرُ من القَذارة والوسَاخة.
  • الحثُّ على احترام المساجد وتنظيفها من الأقذار وعدم البصق فيها إلا في ثوب أو منديل ونحوه.
  • النَّهي عن البُصاق إلى جهة اليمين؛ يؤخذ هذا من مفهوم الحديث، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أرشد أُمَّته في حال احتاج المصلي إلى البَصْق فليكن عن يساره تحت قدمه، ويؤيده رواية: ( فإنَّ عن يمينه ملكًا )، ولابن أبي شيبة "فإنَّ عن يمينه كاتب الحسنات".
  • أن جَهة اليَمين أشرف من جِهة الشِّمال، فيجعل اليمين للمُستطَابات، والشِّمال للمُستقذَرات.
  • أن المَلَك المُقيم في جَهة اليَمين، أشرف من المَلَك المقيم في جهة الشِّمال.
  • أن من حِكمة الشَّارع إذا ذَكَر الممنوع فتح باب الجائز؛ لقوله بعد المنع: (ولكن عن شِماله أو تحت قَدمه).
  • في الحديث التعليم بالفعل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أو يقول هكذا، وبصق في ثوبه وحَكَّ بعضه ببعض).
  • جواز الحرَكة اليَسيرة للحاجة؛ لقوله: (ولكن عن شماله أو تحت قدمه أو يفعل به هكذا..).
  • أن الإنسان لا حرج عليه أن يَبصق أمام الناس، ولا سيما إذا كان للتعليم، لكن إذا كان مما يُنكره أهل البلد فلا يَبصق أمام الناس.
  • أن من المروءة ألاَّ يَرى في ثوبك شيء يستقذره الناس -لأنه حَكَّ بعضها ببعض- لئلا تبقى صورتها في الثوب فإذا رآها الناس تأذوا منه وكرهوه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة، فحكها بيده…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ بِأَذَى الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ، فَيُجْمَعُ بِأَنْ يُقَالَ: كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ أَشَدَّ إِثْمًا مُطْلَقًا، وَكَوْنُهُ فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ أَشَدَّ إِثْمًا مِنْ كَوْنِهِ فِي غَيْرِهَا مِنْ جُدُرِ الْمَسْجِدِ، فَهِيَ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَنْعِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا) تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ اخْتِصَاصُهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ الْكَاتِبُ فَقَدِ اسْتَشْكَلَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَنْعِ مَعَ أَنَّ عَنْ يَسَارِهِ مَلَكًا آخَرَ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِمَلَكِ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا، هَكَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبَ الْحَسَنَاتِ.

وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ اهـ. فَالتَّفْلُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُصِيبهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْيَمِينِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَيَدْفِنُهَا) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَمْ يَقُلْ يُغَطِّيهَا؛ لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ يَسْتَمِرُّ الضَّرَرُ بِهَا إِذْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْلِسَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا فَتُؤْذِيَهُ، بِخِلَافِ الدَّفْنِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّعْمِيقُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرِّيَاضِ: الْمُرَادُ بِدَفْنِهَا مَا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ تُرَابِيًّا أَوْ رَمْلِيًّا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُبَلَّطًا مَثَلًا فَدَلَكَهَا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مَثَلًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَفْنٍ بَلْ زِيَادَةٌ فِي التَّقْذِيرِ. قُلْتُ: لَكِنْ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ الْبَتَّةَ فَلَا مَانِعَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ الْمُتَقَدِّمِ: ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ طَارِقٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: وَبَزَقَ تَحْتَ رِجْلِهِ وَدَلَكَ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ أَوْ يَنْزِلُ مِنَ الرَّأْسِ، أَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ فَهُوَ نَجَسٌ فَلَا يُدْفَنُ فِي الْمَسْجِدِ اهـ. وَهَذَا عَلَى اخْتِيَارِهِ، لَكِنْ يَظْهَرُ التَّفْصِيلُ فِيمَا إِذَا كَانَ طَرَفًا مِنْ قَيْءٍ، وَكَذَا إِذَا خَالَطَ الْبُزَاقَ دَمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٩ - بَاب إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ

٤١٧ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ - أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ - وَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ) أَنْكَرَ السُّرُوجِيُّ قَوْلُهُ: بَدَرَهُ وَقَالَ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ بَدَرْتُ إِلَيْهِ وَبَادَرْتُهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُغَالَبَةِ فَيُقَالُ: بَادَرْتُ كَذَا فَبَدَرَنِي أَيْ سَبَقَنِي، وَاسْتَشْكَلَ آخَرُونَ التَّقْيِيدَ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْمُبَادَرَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَاقَهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، ثُمَّ طَوَى بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ وَفَسَّرَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: بِأَنْ يَتْفُلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ يَرُدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ لَكِنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنْ حَمَلَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تَفْصِيلَ فِيهَا عَلَى مَا فَصَّلَ فِيهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في المغالبة يقال: بادرني فبادرته (١)، ولا يقال: بادرت كذا فبدرني، والفعل اللَّازم في باب المُغالَبة يُجعَل متعدِّيًا بلا حرف صلةٍ، يقال: كارمني فكرمته، وليس هنا باب المغالبة حتَّى يقال: بدره. انتهى.

٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) النَّهديُّ (٢) الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بالتَّصغير، ابن معاوية الكوفيُّ الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) ، وللأَصيليِّ: «عن أنس ابن مالكٍ»: (أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ) أي: في جهة حائطها (فَحَكَّهَا بِيَدِهِ) الشَّريفة (٣)، بالكاف، أي: النُّخامة، وللأَصيليِّ: «فحكَّه» أي: أثر النُّخامة أو البصاق (وَرُئِيَ) بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ مكسورةٍ ثمَّ ياءٍ مفتوحةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «ورِيْءَ» بكسر الرَّاء ثمَّ ياءٍ ساكنةٍ ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ (مِنْهُ) (كَرَاهِيَةٌ -أَوْ رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ مكسورةٍ فياءٍ (٤) مفتوحةٍ (كَرَاهِيَتُهُ) (لِذَلِكَ) أي: الفعل، والشَّكُّ من الرَّواي، و «كراهيَّةٌ» (٥): مرفوعٌ بـ «رُئِيَ» المبنيِّ للمفعول (وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ-) رُفِعَ عطفًا على «كراهيته»، أو جُرَّ عطفًا على قوله: «لذلك» (وَقَالَ) : (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ) بكلامه وذكره، ويناجيه ربُّه بلازم ذلك من إرادة الخير، قال النَّوويُّ: وهو إشارةٌ لإخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى (أَوْ رَبُّهُ) تعالى مبتدأٌ خبرُه: (بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ) والجملة عطفٌ على الجملة

الفعليَّة الَّتي (١) قبلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «وبين القبلة» (٢) وليس المراد ظاهر ذلك إذ هو محالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب تأويله بنحو ما مرَّ في «باب حكِّ البزاق باليد» [خ¦٤٠٥] (فَلَا يَبْزُقَنَّ) أحدكم (فِي قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ) أي (٣): (قَدَمِهِ) اليسرى (ثُمَّ أَخَذَ) (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ) بالزَّاي (وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ) ، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فقال»: (أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا).

فإن قلت: ليس في الحديث مطابقةٌ للتَّرجمة لأنَّه لم يذكر في الحديث: بدره البزاق، أُجيب بأنَّه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث عند مسلمٍ من حديث جابرٍ، فإن عجلت به بادرةٌ فليقل بثوبه هكذا، ثمَّ طوى بعضه على بعضٍ.

واستُنبِط من الحديث: أنَّ على الإمام النَّظر في أحوال المساجد وتعاهدها ليصونها عن المؤذيات، وأنَّ البصق في الصَّلاة والنَّفخ والتَّنحنح غير مفسدٍ لها، لكنَّ الأصحَّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة أنَّ التَّنحنح والنَّفخ إن ظهر من كلٍّ منهما حرفان، أو حرفٌ مفهمٌ كَـ «قِ» من الوقاية، أو مَدَّةٌ بعد حرفٍ بطلت الصَّلاة، وإِلَّا فلا تبطل مطلقًا لأنَّه ليس من جنس الكلام، وعن (٤) أبي حنيفة ومحمَّدٍ: تبطل بظهور ثلاثة أحرفٍ، والله أعلم (٥).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: أَولهمَا مبادرة البزاق، وَالْآخر هُوَ أَخذ الْمُصَلِّي بزاقه بِطرف ثَوْبه، وَفِي الحَدِيث مَا يُطَابق الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: (ثمَّ أَخذ طرف رِدَائه فبزق فِيهِ) وَلَيْسَ للجزء الأول ذكر فِي الحَدِيث أصلا، وَلِهَذَا اعْترض عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال، وَإِن كَانَ فِيهِ تعسف: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا فِي بعض طرق الحَدِيث، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر بِلَفْظ: (وليبصق عَن يسَاره تَحت رجله الْيُسْرَى، فَإِن عجلت بِهِ بادرة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا، ثمَّ طوى بعضه على بعض) . وروى أَبُو دَاوُد: (فَإِن عجلت بِهِ بادرة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَضعه على فِيهِ ثمَّ دلكه) . قَوْله: (بادرة) أَي: حِدة، وبادرة الْأَمر: حِدته، وَالْمعْنَى: إِذا غلب غليه البصاق والنخامة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا. وَقَوله: (وَضعه على فِيهِ) تَفْسِير لقَوْله: (فَلْيقل بِهِ) ، وَلأَجل ذَلِك ترك العاطف أَي: وضع ثَوْبه على فَمه حَتَّى يتلاشى البزاق فِيهِ.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مَالك بن إِسْمَاعِيل أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ، وَقد مر فِي بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان. الثَّانِي: زُهَيْر، بِالتَّصْغِيرِ: ابْن مُعَاوِيَة الْكُوفِي. الثَّالِث: حميد الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك.

وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي بَاب حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد، وَذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الأبحاث. ولنذكر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ. قَوْله: (كَرَاهِيَة) ، مَرْفُوع بقوله: رُؤِيَ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَو رُؤِيَ كراهيته) شكّ من الرَّاوِي قَوْله: (لذَلِك) أَي: لأجل رُؤْيَة النخامة فِي الْقبْلَة. قَوْله: (وشدته عَلَيْهِ) يجوز فِيهِ الرّفْع والجر عطفا على الْكَرَاهِيَة أَو على لذَلِك قَوْله: (أَو ربه) مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (بَينه وَبَين الْقبْلَة) ، وَالْجُمْلَة معطوفة على: (يُنَاجِي ربه) ، عطف الْجُمْلَة الإسمية على الفعلية. قَوْله: (وَقَالَ) فِي بعض النّسخ: (فَقَالَ) ، بِالْفَاءِ.

وَفِيه من الْفَوَائِد: اسْتِحْبَاب إِزَالَة مَا يستقذر أَو يتنزه عَنهُ من الْمَسْجِد. وَفِيه: تفقد الإِمَام أَحْوَال الْمَسَاجِد وتعظيمها وصيانتها. وَفِيه: أَن للْمُصَلِّي أَن يبصق فِي الصَّلَاة وَلَا تفْسد صلَاته. وَفِيه: أَنه إِذا نفخ أَو تنحنح جَازَ، كَذَا قَالُوا، وَلَكِن هَذَا بالتفصيل وَهُوَ أَن التنحنح لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بِغَيْر اخْتِيَاره فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ بِاخْتِيَارِهِ فَإِن حصلت مِنْهُ حُرُوف ثَلَاثَة تفْسد صلَاته، وَفِي الحرفين قَولَانِ، وَعَن أبي حنيفَة: إِن النفخ إِذا كَانَ يسمع فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكَلَام يقطع الصَّلَاة. وَفِيه: إِن البصاق طَاهِر، وَكَذَا النخامة والمخاط، خلافًا لمن يَقُول: كل مَا تستقذره النَّفس حرَام. وَمن فَوَائده: أَن التحسين والتقبيح إِنَّمَا هُوَ بِالشَّرْعِ، لكَون الْيَمين مفضلة على الْيَسَار، وَالْيَد مفضلة على الْقدَم.

٠٤ - (بَاب عِظَةِ الإمامِ النَّاسَ فِي إتْمَامِ الصَّلاةِ وذِكْرِ القِبْلَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النَّاس بِأَن يتموا صلَاتهم وَلَا يتْركُوا مِنْهَا شَيْئا، والعظة على وزن: عِلّة، مصدر من: وعظ يعظ وعظاً وعظة وموعظة، وأصل: عظة: وعظ، فَلَمَّا حذفت مِنْهُ الْوَاو عوضت مِنْهَا التَّاء فِي آخِره، أما الْحَذف فلوجوده فِي فعله، وَأما كسر الْعين فَمن الْوَاو. فَافْهَم. والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، وَيُقَال: وعظته فاتعظ أَي: قبل الموعظة.

وَجه الْمُنَاسبَة فِي ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ فِيهَا أَمر وَنهي وَتَشْديد فيهمَا، وَهِي كلهَا وعظ ونصح، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِي الْوَعْظ والنصح. قَوْله: (وَذكر الْقبْلَة) بِالْجَرِّ عطف على: (عظة) أَي: وَفِي بَيَان الْقبْلَة.

٨١٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أَن رَسُول الله قَالَ (هلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي ههُنا فَوَا مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشوُعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ إنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ ورَاءِ ظِهْرِي) . (الحَدِيث ٨١٤ طرفه فِي: ١٤٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي هَذَا الحديبث وعظاً لَهُم وتذكيراً وتنبيهاً لَا يخفى عَلَيْهِ ركوعهم وسجودهم، يظنون أَنه لَا يراهم لكَونه مستدبراً لَهُم، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَنَّهُ يرى من خَلفه مثل مَا يرى من بَين يَدَيْهِ.

ذكر رِجَاله: وَقد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد اللَّه بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هَهُنَا عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَل ترَوْنَ قِبْلَتِي؟) اسْتِفْهَام على سَبِيل إِنْكَار مَا يلْزمه مِنْهُ، الْمَعْنى، أَنْتُم تحسبون قِبْلَتِي هَهُنَا، وإنني لَا أرى إلَاّ مَا فِي هَذِه الْجِهَة، فوا إِن رؤيتي لَا تخْتَص بِجِهَة قِبْلَتِي هَذِه، فَإِنِّي أرى من خَلْفي كَمَا أرى من جِهَة قِبْلَتِي، ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا هَهُنَا فِي موضِعين: الأول: فِي معنى هَذِه الرُّؤْيَة، فَقَالَ قوم: المُرَاد بهَا الْعلم إِمَّا بطرِيق أَنه كَانَ يُوحى إِلَيْهِ بَيَان كَيْفيَّة فعلهم، وَإِمَّا بطرِيق الإلهام، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك بطرِيق الْعلم مَا كَانَت فَائِدَة فِي التَّقْيِيد بقوله: (من وَرَاء ظَهْري) ، وَقَالَ قوم: المُرَاد بِهِ أَنه يرى من عَن يَمِينه وَمن عَن يسَاره، مِمَّن تُدْرِكهُ عينه مَعَ الْتِفَات يسير فِي بعض الْأَحْوَال وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بِشَيْء، وَهُوَ ظَاهر. وَقَالَ الْجُمْهُور، وَهُوَ الصَّوَاب: إِنَّه من خَصَائِصه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِن إبصاره إِدْرَاك حَقِيقِيّ انخرقت لَهُ فِيهِ الْعَادة، وَلِهَذَا أخرجه البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَفِيه دلَالَة للأشاعرة حَيْثُ لَا يشترطون فِي الرُّؤْيَة مُوَاجهَة وَلَا مُقَابلَة، وجوزوا إبصار أعمى الصين بقْعَة أندلس قلت: هُوَ الْحق عِنْد أهل السّنة: إِن الرُّؤْيَة لَا يشْتَرط لَهَا عقلا عُضْو مَخْصُوص، وَلَا مُقَابلَة وَلَا قرب، فَلذَلِك حكمُوا بِجَوَاز رُؤْيَة اتعالى فِي الدَّار الْآخِرَة خلافًا للمعتزلة فِي الرُّؤْيَة مُطلقًا، وللمشبهة والكرامية فِي خلوها عَن المواجهة وَالْمَكَان، فَإِنَّهُم إِنَّمَا جوزوا رُؤْيَة اتعالى لاعتقادهم كَونه تَعَالَى فِي الْجِهَة وَالْمَكَان، وَأهل السّنة أثبتوا رُؤْيَة اتعالى بِالنَّقْلِ وَالْعقل، كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه، وبينوا بالبرهان على أَن تِلْكَ الرُّؤْيَة مبرأة عَن الانطباع والمواجهة واتصال الشعاع بالمرئي. الْموضع الثَّانِي: اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة رُؤْيَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من خلف ظَهره، فَقيل: كَانَت لَهُ عين خلف ظَهره يرى بهَا من وَرَائه دَائِما، وَقيل: كَانَت لَهُ بَين كَتفيهِ عينان مثل سم الْخياط، يَعْنِي: مثل خرق الإبرة يبصر بهما لَا يحجبهما ثوب وَلَا غَيره. وَقيل: بل كَانَت صورهم تنطبع فِي حَائِط قبلته كَمَا تنطبع فِي الْمرْآة أمثلتهم فِيهَا، فيشاهد بذلك أفعالهم. قَوْله: (لَا يخفى عَليّ ركوعكم وَلَا خُشُوعكُمْ) يَعْنِي: إِذا كنت فِي الصَّلَاة مستدبراً لكم؛ وَيجوز أَن يكون المُرَاد من الْخُشُوع السُّجُود لِأَنَّهُ غَايَة الْخُشُوع، وَقد صرح فِي رِوَايَة مُسلم بِالسُّجُود، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ أَعم من ذَلِك. فَيتَنَاوَل جَمِيع أفعالهم فِي صلَاتهم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْخُشُوع بِمَعْنى الْأَعَمّ يتَنَاوَل الرُّكُوع أَيْضا، فَمَا فَائِدَة ذكره، قلت: لكَونه من أكبر عمد الصَّلَاة، وَذَلِكَ لِأَن الرجل مَا دَامَ فِي الْقيام لَا يتَحَقَّق أَنه فِي الصَّلَاة، فَإِذا ركع تحقق أَنه فِي الصَّلَاة، وَيكون فِيهِ عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (فوا) ، قسم مِنْهُ وَجَوَابه قَوْله: (لَا يخفى) . وَقَوله: (إِنِّي لأَرَاكُمْ) إِمَّا بَيَان وَإِمَّا بدل. قَوْله: (ركوعكم) بِالرَّفْع فَاعل (لَا يخفى) وَقَوله: (وَلَا خُشُوعكُمْ) ، عطف عَلَيْهِ، أَي: لَا يخفى عَليّ خُشُوعكُمْ، والهمزة فِي لأَرَاكُمْ مَفْتُوحَة، وَاللَّام للتَّأْكِيد.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنه يَنْبَغِي للْإِمَام إِذا رأى أحدا مقصراً فِي شَيْء من أُمُور دينه أَو نَاقِصا للكمال مِنْهُ أَن ينهاه عَن فعله، ويحضه على مَا فِيهِ جزيل الْحَظ. أَلا ترى أَنه كَيفَ وبخ من نقص كَمَال الرُّكُوع وَالسُّجُود، ووعظهم فِي ذَلِك بِأَنَّهُ يراهم من وَرَاء ظَهره كَمَا يراهم من بَين يَدَيْهِ؟ وَفِي تَفْسِير سنيد: حدّثنا حجاج عَن ابْن أبي ذِئْب حدّثنا يحيى بن صَالح حدّثنا فليح عَن هِلَال ابْن عَليّ عَن أنس قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صَلَاة، ثمَّ رقى الْمِنْبَر فَقَالَ، فِي الصَّلَاة وَفِي الرُّكُوع إِنِّي لأَرَاكُمْ من ورائي كَمَا أَرَاكُم) . وَفِي لفظ: (أُقِيمَت الصَّلَاة فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم وتراصوا، فَإِنِّي أَرَاكُم من وَرَاء ظَهْري) . وَفِي لفظ: (أقِيمُوا الرُّكُوع وَالسُّجُود فوا إِنِّي لأَرَاكُمْ من بعدِي، وَرُبمَا قَالَ: من بعد ظَهْري، إِذا رَكَعْتُمْ وَإِذا سجدتم) . وَعند مُسلم: (صلى بِنَا ذَات يَوْم، فَلَمَّا قضى صلَاته أقبل علينا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس: إِنِّي إمامكم فَلَا تسبقوني بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُود وَلَا بالانصراف، فَإِنِّي أَرَاكُم أَمَامِي وَمن خَلْفي، ثمَّ قَالَ. وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ، لَو رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْت لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا. قَالُوا: وَمَا رَأَيْت يَا رَسُول ا؟ قَالَ رَأَيْت: الْجنَّة وَالنَّار) .

٨١ - (حَدثنَا يحيى بن صَالح قَالَ حَدثنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن هِلَال بن عَليّ عَن أنس بن مَالك قَالَ صلى بِنَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاة ثمَّ رقي الْمِنْبَر فَقَالَ فِي الصَّلَاة وَفِي الرُّكُوع إِنِّي لأَرَاكُمْ من ورائي كَمَا أَرَاكُم) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث الَّذِي قبله. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. يحيى بن صَالح الوحاظي بِضَم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ بِأَذَى الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ، فَيُجْمَعُ بِأَنْ يُقَالَ: كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ أَشَدَّ إِثْمًا مُطْلَقًا، وَكَوْنُهُ فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ أَشَدَّ إِثْمًا مِنْ كَوْنِهِ فِي غَيْرِهَا مِنْ جُدُرِ الْمَسْجِدِ، فَهِيَ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَنْعِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا) تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ اخْتِصَاصُهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ الْكَاتِبُ فَقَدِ اسْتَشْكَلَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَنْعِ مَعَ أَنَّ عَنْ يَسَارِهِ مَلَكًا آخَرَ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِمَلَكِ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا، هَكَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبَ الْحَسَنَاتِ.

وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ اهـ. فَالتَّفْلُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُصِيبهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْيَمِينِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَيَدْفِنُهَا) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَمْ يَقُلْ يُغَطِّيهَا؛ لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ يَسْتَمِرُّ الضَّرَرُ بِهَا إِذْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْلِسَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا فَتُؤْذِيَهُ، بِخِلَافِ الدَّفْنِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّعْمِيقُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرِّيَاضِ: الْمُرَادُ بِدَفْنِهَا مَا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ تُرَابِيًّا أَوْ رَمْلِيًّا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُبَلَّطًا مَثَلًا فَدَلَكَهَا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مَثَلًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَفْنٍ بَلْ زِيَادَةٌ فِي التَّقْذِيرِ. قُلْتُ: لَكِنْ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ الْبَتَّةَ فَلَا مَانِعَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ الْمُتَقَدِّمِ: ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ طَارِقٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: وَبَزَقَ تَحْتَ رِجْلِهِ وَدَلَكَ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ أَوْ يَنْزِلُ مِنَ الرَّأْسِ، أَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ فَهُوَ نَجَسٌ فَلَا يُدْفَنُ فِي الْمَسْجِدِ اهـ. وَهَذَا عَلَى اخْتِيَارِهِ، لَكِنْ يَظْهَرُ التَّفْصِيلُ فِيمَا إِذَا كَانَ طَرَفًا مِنْ قَيْءٍ، وَكَذَا إِذَا خَالَطَ الْبُزَاقَ دَمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٩ - بَاب إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ

٤١٧ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ - أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ - وَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ) أَنْكَرَ السُّرُوجِيُّ قَوْلُهُ: بَدَرَهُ وَقَالَ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ بَدَرْتُ إِلَيْهِ وَبَادَرْتُهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُغَالَبَةِ فَيُقَالُ: بَادَرْتُ كَذَا فَبَدَرَنِي أَيْ سَبَقَنِي، وَاسْتَشْكَلَ آخَرُونَ التَّقْيِيدَ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْمُبَادَرَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَاقَهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، ثُمَّ طَوَى بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ وَفَسَّرَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: بِأَنْ يَتْفُلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ يَرُدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ لَكِنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنْ حَمَلَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تَفْصِيلَ فِيهَا عَلَى مَا فَصَّلَ فِيهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في المغالبة يقال: بادرني فبادرته (١)، ولا يقال: بادرت كذا فبدرني، والفعل اللَّازم في باب المُغالَبة يُجعَل متعدِّيًا بلا حرف صلةٍ، يقال: كارمني فكرمته، وليس هنا باب المغالبة حتَّى يقال: بدره. انتهى.

٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) النَّهديُّ (٢) الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بالتَّصغير، ابن معاوية الكوفيُّ الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) ، وللأَصيليِّ: «عن أنس ابن مالكٍ»: (أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ) أي: في جهة حائطها (فَحَكَّهَا بِيَدِهِ) الشَّريفة (٣)، بالكاف، أي: النُّخامة، وللأَصيليِّ: «فحكَّه» أي: أثر النُّخامة أو البصاق (وَرُئِيَ) بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ مكسورةٍ ثمَّ ياءٍ مفتوحةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «ورِيْءَ» بكسر الرَّاء ثمَّ ياءٍ ساكنةٍ ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ (مِنْهُ) (كَرَاهِيَةٌ -أَوْ رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ مكسورةٍ فياءٍ (٤) مفتوحةٍ (كَرَاهِيَتُهُ) (لِذَلِكَ) أي: الفعل، والشَّكُّ من الرَّواي، و «كراهيَّةٌ» (٥): مرفوعٌ بـ «رُئِيَ» المبنيِّ للمفعول (وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ-) رُفِعَ عطفًا على «كراهيته»، أو جُرَّ عطفًا على قوله: «لذلك» (وَقَالَ) : (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ) بكلامه وذكره، ويناجيه ربُّه بلازم ذلك من إرادة الخير، قال النَّوويُّ: وهو إشارةٌ لإخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى (أَوْ رَبُّهُ) تعالى مبتدأٌ خبرُه: (بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ) والجملة عطفٌ على الجملة

الفعليَّة الَّتي (١) قبلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «وبين القبلة» (٢) وليس المراد ظاهر ذلك إذ هو محالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب تأويله بنحو ما مرَّ في «باب حكِّ البزاق باليد» [خ¦٤٠٥] (فَلَا يَبْزُقَنَّ) أحدكم (فِي قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ) أي (٣): (قَدَمِهِ) اليسرى (ثُمَّ أَخَذَ) (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ) بالزَّاي (وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ) ، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فقال»: (أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا).

فإن قلت: ليس في الحديث مطابقةٌ للتَّرجمة لأنَّه لم يذكر في الحديث: بدره البزاق، أُجيب بأنَّه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث عند مسلمٍ من حديث جابرٍ، فإن عجلت به بادرةٌ فليقل بثوبه هكذا، ثمَّ طوى بعضه على بعضٍ.

واستُنبِط من الحديث: أنَّ على الإمام النَّظر في أحوال المساجد وتعاهدها ليصونها عن المؤذيات، وأنَّ البصق في الصَّلاة والنَّفخ والتَّنحنح غير مفسدٍ لها، لكنَّ الأصحَّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة أنَّ التَّنحنح والنَّفخ إن ظهر من كلٍّ منهما حرفان، أو حرفٌ مفهمٌ كَـ «قِ» من الوقاية، أو مَدَّةٌ بعد حرفٍ بطلت الصَّلاة، وإِلَّا فلا تبطل مطلقًا لأنَّه ليس من جنس الكلام، وعن (٤) أبي حنيفة ومحمَّدٍ: تبطل بظهور ثلاثة أحرفٍ، والله أعلم (٥).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: أَولهمَا مبادرة البزاق، وَالْآخر هُوَ أَخذ الْمُصَلِّي بزاقه بِطرف ثَوْبه، وَفِي الحَدِيث مَا يُطَابق الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: (ثمَّ أَخذ طرف رِدَائه فبزق فِيهِ) وَلَيْسَ للجزء الأول ذكر فِي الحَدِيث أصلا، وَلِهَذَا اعْترض عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال، وَإِن كَانَ فِيهِ تعسف: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا فِي بعض طرق الحَدِيث، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر بِلَفْظ: (وليبصق عَن يسَاره تَحت رجله الْيُسْرَى، فَإِن عجلت بِهِ بادرة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا، ثمَّ طوى بعضه على بعض) . وروى أَبُو دَاوُد: (فَإِن عجلت بِهِ بادرة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَضعه على فِيهِ ثمَّ دلكه) . قَوْله: (بادرة) أَي: حِدة، وبادرة الْأَمر: حِدته، وَالْمعْنَى: إِذا غلب غليه البصاق والنخامة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا. وَقَوله: (وَضعه على فِيهِ) تَفْسِير لقَوْله: (فَلْيقل بِهِ) ، وَلأَجل ذَلِك ترك العاطف أَي: وضع ثَوْبه على فَمه حَتَّى يتلاشى البزاق فِيهِ.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مَالك بن إِسْمَاعِيل أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ، وَقد مر فِي بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان. الثَّانِي: زُهَيْر، بِالتَّصْغِيرِ: ابْن مُعَاوِيَة الْكُوفِي. الثَّالِث: حميد الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك.

وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي بَاب حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد، وَذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الأبحاث. ولنذكر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ. قَوْله: (كَرَاهِيَة) ، مَرْفُوع بقوله: رُؤِيَ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَو رُؤِيَ كراهيته) شكّ من الرَّاوِي قَوْله: (لذَلِك) أَي: لأجل رُؤْيَة النخامة فِي الْقبْلَة. قَوْله: (وشدته عَلَيْهِ) يجوز فِيهِ الرّفْع والجر عطفا على الْكَرَاهِيَة أَو على لذَلِك قَوْله: (أَو ربه) مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (بَينه وَبَين الْقبْلَة) ، وَالْجُمْلَة معطوفة على: (يُنَاجِي ربه) ، عطف الْجُمْلَة الإسمية على الفعلية. قَوْله: (وَقَالَ) فِي بعض النّسخ: (فَقَالَ) ، بِالْفَاءِ.

وَفِيه من الْفَوَائِد: اسْتِحْبَاب إِزَالَة مَا يستقذر أَو يتنزه عَنهُ من الْمَسْجِد. وَفِيه: تفقد الإِمَام أَحْوَال الْمَسَاجِد وتعظيمها وصيانتها. وَفِيه: أَن للْمُصَلِّي أَن يبصق فِي الصَّلَاة وَلَا تفْسد صلَاته. وَفِيه: أَنه إِذا نفخ أَو تنحنح جَازَ، كَذَا قَالُوا، وَلَكِن هَذَا بالتفصيل وَهُوَ أَن التنحنح لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بِغَيْر اخْتِيَاره فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ بِاخْتِيَارِهِ فَإِن حصلت مِنْهُ حُرُوف ثَلَاثَة تفْسد صلَاته، وَفِي الحرفين قَولَانِ، وَعَن أبي حنيفَة: إِن النفخ إِذا كَانَ يسمع فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكَلَام يقطع الصَّلَاة. وَفِيه: إِن البصاق طَاهِر، وَكَذَا النخامة والمخاط، خلافًا لمن يَقُول: كل مَا تستقذره النَّفس حرَام. وَمن فَوَائده: أَن التحسين والتقبيح إِنَّمَا هُوَ بِالشَّرْعِ، لكَون الْيَمين مفضلة على الْيَسَار، وَالْيَد مفضلة على الْقدَم.

٠٤ - (بَاب عِظَةِ الإمامِ النَّاسَ فِي إتْمَامِ الصَّلاةِ وذِكْرِ القِبْلَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النَّاس بِأَن يتموا صلَاتهم وَلَا يتْركُوا مِنْهَا شَيْئا، والعظة على وزن: عِلّة، مصدر من: وعظ يعظ وعظاً وعظة وموعظة، وأصل: عظة: وعظ، فَلَمَّا حذفت مِنْهُ الْوَاو عوضت مِنْهَا التَّاء فِي آخِره، أما الْحَذف فلوجوده فِي فعله، وَأما كسر الْعين فَمن الْوَاو. فَافْهَم. والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، وَيُقَال: وعظته فاتعظ أَي: قبل الموعظة.

وَجه الْمُنَاسبَة فِي ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ فِيهَا أَمر وَنهي وَتَشْديد فيهمَا، وَهِي كلهَا وعظ ونصح، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِي الْوَعْظ والنصح. قَوْله: (وَذكر الْقبْلَة) بِالْجَرِّ عطف على: (عظة) أَي: وَفِي بَيَان الْقبْلَة.

٨١٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أَن رَسُول الله قَالَ (هلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي ههُنا فَوَا مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشوُعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ إنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ ورَاءِ ظِهْرِي) . (الحَدِيث ٨١٤ طرفه فِي: ١٤٧) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي هَذَا الحديبث وعظاً لَهُم وتذكيراً وتنبيهاً لَا يخفى عَلَيْهِ ركوعهم وسجودهم، يظنون أَنه لَا يراهم لكَونه مستدبراً لَهُم، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَنَّهُ يرى من خَلفه مثل مَا يرى من بَين يَدَيْهِ.

ذكر رِجَاله: وَقد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد اللَّه بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هَهُنَا عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَل ترَوْنَ قِبْلَتِي؟) اسْتِفْهَام على سَبِيل إِنْكَار مَا يلْزمه مِنْهُ، الْمَعْنى، أَنْتُم تحسبون قِبْلَتِي هَهُنَا، وإنني لَا أرى إلَاّ مَا فِي هَذِه الْجِهَة، فوا إِن رؤيتي لَا تخْتَص بِجِهَة قِبْلَتِي هَذِه، فَإِنِّي أرى من خَلْفي كَمَا أرى من جِهَة قِبْلَتِي، ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا هَهُنَا فِي موضِعين: الأول: فِي معنى هَذِه الرُّؤْيَة، فَقَالَ قوم: المُرَاد بهَا الْعلم إِمَّا بطرِيق أَنه كَانَ يُوحى إِلَيْهِ بَيَان كَيْفيَّة فعلهم، وَإِمَّا بطرِيق الإلهام، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك بطرِيق الْعلم مَا كَانَت فَائِدَة فِي التَّقْيِيد بقوله: (من وَرَاء ظَهْري) ، وَقَالَ قوم: المُرَاد بِهِ أَنه يرى من عَن يَمِينه وَمن عَن يسَاره، مِمَّن تُدْرِكهُ عينه مَعَ الْتِفَات يسير فِي بعض الْأَحْوَال وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بِشَيْء، وَهُوَ ظَاهر. وَقَالَ الْجُمْهُور، وَهُوَ الصَّوَاب: إِنَّه من خَصَائِصه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِن إبصاره إِدْرَاك حَقِيقِيّ انخرقت لَهُ فِيهِ الْعَادة، وَلِهَذَا أخرجه البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَفِيه دلَالَة للأشاعرة حَيْثُ لَا يشترطون فِي الرُّؤْيَة مُوَاجهَة وَلَا مُقَابلَة، وجوزوا إبصار أعمى الصين بقْعَة أندلس قلت: هُوَ الْحق عِنْد أهل السّنة: إِن الرُّؤْيَة لَا يشْتَرط لَهَا عقلا عُضْو مَخْصُوص، وَلَا مُقَابلَة وَلَا قرب، فَلذَلِك حكمُوا بِجَوَاز رُؤْيَة اتعالى فِي الدَّار الْآخِرَة خلافًا للمعتزلة فِي الرُّؤْيَة مُطلقًا، وللمشبهة والكرامية فِي خلوها عَن المواجهة وَالْمَكَان، فَإِنَّهُم إِنَّمَا جوزوا رُؤْيَة اتعالى لاعتقادهم كَونه تَعَالَى فِي الْجِهَة وَالْمَكَان، وَأهل السّنة أثبتوا رُؤْيَة اتعالى بِالنَّقْلِ وَالْعقل، كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه، وبينوا بالبرهان على أَن تِلْكَ الرُّؤْيَة مبرأة عَن الانطباع والمواجهة واتصال الشعاع بالمرئي. الْموضع الثَّانِي: اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة رُؤْيَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من خلف ظَهره، فَقيل: كَانَت لَهُ عين خلف ظَهره يرى بهَا من وَرَائه دَائِما، وَقيل: كَانَت لَهُ بَين كَتفيهِ عينان مثل سم الْخياط، يَعْنِي: مثل خرق الإبرة يبصر بهما لَا يحجبهما ثوب وَلَا غَيره. وَقيل: بل كَانَت صورهم تنطبع فِي حَائِط قبلته كَمَا تنطبع فِي الْمرْآة أمثلتهم فِيهَا، فيشاهد بذلك أفعالهم. قَوْله: (لَا يخفى عَليّ ركوعكم وَلَا خُشُوعكُمْ) يَعْنِي: إِذا كنت فِي الصَّلَاة مستدبراً لكم؛ وَيجوز أَن يكون المُرَاد من الْخُشُوع السُّجُود لِأَنَّهُ غَايَة الْخُشُوع، وَقد صرح فِي رِوَايَة مُسلم بِالسُّجُود، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ أَعم من ذَلِك. فَيتَنَاوَل جَمِيع أفعالهم فِي صلَاتهم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْخُشُوع بِمَعْنى الْأَعَمّ يتَنَاوَل الرُّكُوع أَيْضا، فَمَا فَائِدَة ذكره، قلت: لكَونه من أكبر عمد الصَّلَاة، وَذَلِكَ لِأَن الرجل مَا دَامَ فِي الْقيام لَا يتَحَقَّق أَنه فِي الصَّلَاة، فَإِذا ركع تحقق أَنه فِي الصَّلَاة، وَيكون فِيهِ عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (فوا) ، قسم مِنْهُ وَجَوَابه قَوْله: (لَا يخفى) . وَقَوله: (إِنِّي لأَرَاكُمْ) إِمَّا بَيَان وَإِمَّا بدل. قَوْله: (ركوعكم) بِالرَّفْع فَاعل (لَا يخفى) وَقَوله: (وَلَا خُشُوعكُمْ) ، عطف عَلَيْهِ، أَي: لَا يخفى عَليّ خُشُوعكُمْ، والهمزة فِي لأَرَاكُمْ مَفْتُوحَة، وَاللَّام للتَّأْكِيد.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنه يَنْبَغِي للْإِمَام إِذا رأى أحدا مقصراً فِي شَيْء من أُمُور دينه أَو نَاقِصا للكمال مِنْهُ أَن ينهاه عَن فعله، ويحضه على مَا فِيهِ جزيل الْحَظ. أَلا ترى أَنه كَيفَ وبخ من نقص كَمَال الرُّكُوع وَالسُّجُود، ووعظهم فِي ذَلِك بِأَنَّهُ يراهم من وَرَاء ظَهره كَمَا يراهم من بَين يَدَيْهِ؟ وَفِي تَفْسِير سنيد: حدّثنا حجاج عَن ابْن أبي ذِئْب حدّثنا يحيى بن صَالح حدّثنا فليح عَن هِلَال ابْن عَليّ عَن أنس قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صَلَاة، ثمَّ رقى الْمِنْبَر فَقَالَ، فِي الصَّلَاة وَفِي الرُّكُوع إِنِّي لأَرَاكُمْ من ورائي كَمَا أَرَاكُم) . وَفِي لفظ: (أُقِيمَت الصَّلَاة فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم وتراصوا، فَإِنِّي أَرَاكُم من وَرَاء ظَهْري) . وَفِي لفظ: (أقِيمُوا الرُّكُوع وَالسُّجُود فوا إِنِّي لأَرَاكُمْ من بعدِي، وَرُبمَا قَالَ: من بعد ظَهْري، إِذا رَكَعْتُمْ وَإِذا سجدتم) . وَعند مُسلم: (صلى بِنَا ذَات يَوْم، فَلَمَّا قضى صلَاته أقبل علينا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس: إِنِّي إمامكم فَلَا تسبقوني بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُود وَلَا بالانصراف، فَإِنِّي أَرَاكُم أَمَامِي وَمن خَلْفي، ثمَّ قَالَ. وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ، لَو رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْت لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا. قَالُوا: وَمَا رَأَيْت يَا رَسُول ا؟ قَالَ رَأَيْت: الْجنَّة وَالنَّار) .

٨١ - (حَدثنَا يحيى بن صَالح قَالَ حَدثنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن هِلَال بن عَليّ عَن أنس بن مَالك قَالَ صلى بِنَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاة ثمَّ رقي الْمِنْبَر فَقَالَ فِي الصَّلَاة وَفِي الرُّكُوع إِنِّي لأَرَاكُمْ من ورائي كَمَا أَرَاكُم) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث الَّذِي قبله. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. يحيى بن صَالح الوحاظي بِضَم

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله