«أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٨

الحديث رقم ٤٥٨ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رجلا أسود أو امرأة سوداء كان يقم المسجد…

«أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ قَبْرِهَا. فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا».

سند حديث: ٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ…

٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رجلا أسود أو امرأة سوداء كان يقم المسجد…

روى أبو هريرة رضي الله عنه أن امرأة سوداء كانت تكنس وتجمع قمامة المسجد، وتخرجه منه؛ اعتناءً بنظافة المسجد وتعظيمًا له، أو كان شابًا شك الراوي، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبها عند غيبتها، فسأل عن حال تلك المرأة السوداء فقالوا: مات، فقال عليه الصلاة والسلام: أفلا كنتم أعلمتنموني بموتها حتى أصلي عليها، فكأن الصحابة صغَّروا وقلَّلوا شأنها وأمرها، فقال: دلوني وأخبروني على قبره أين هو؟ فدلوه، فأتى القبر وصلى عليها ثم قال عليه الصلاة والسلام: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها فهي مظلمة على الموتى، وإن الله عز وجل ينورها ويضيؤها لهم بسبب صلاتي عليهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل تنظيف المسجد.
  • السؤال عن الخادم والصديق إذا غاب وتفقده.
  • المكافأة بالدعاء، والترحم على من وقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم.
  • الترغيب في شهود جنائز أهل الخير.
  • استحباب الصلاة على الميت الحاضر عند قبره لمن لم يصل عليه.
  • مشروعية الإعلام بموت الإنسان حتى يجتمع المسلمون فيصلوا عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أفلا كنتم آذنتموني".
  • الرد على قول من كره الإخبار بالجنازة، وألا يُشعَر بجنازة الميت جارٌ ولا غيره.
  • مشروعية الصف في الصلاة على الجنازة.
  • بيان أن صلاته صلى الله عليه وسلم على أمته رحمة لهم، ونور يزيل ظلمة القبر عنهم.
  • ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من كمال الأخلاق، وكمال الرأفة بأمته، حيث كان يعتني بالضعفاء والمساكين أشد عناية، فيسأل عن أحوالهم ويعود مرضاهم ويصلي على موتاهم ويشيع جنائزهم، فكان صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا من مكارم الأخلاق، كما وصفه الله سبحانه وتعالى بذلك، حيث قال: {وإنك لعلى خلق عظيم (4)} [القلم: 4].

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رجلا أسود أو امرأة سوداء كان يقم المسجد…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: يَا كَعْبُ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، أَيْ: الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ.

[الحديث ٤٥٧ - أطرافه في: ٢٧١٠، ٢٧٠٦، ٢٤٢٤، ٢٤١٨، ٤٧١]

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّقَاضِي) أَيْ مُطَالَبَةِ الْغَرِيمِ قَضَاءَ الدَّيْنِ.

(وَالْمُلَازَمَةُ) أَيْ مُلَازَمَةُ الْغَرِيمِ، وَ (فِي الْمَسْجِدِ) يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّقَاضِي ظَاهِرٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ دُونَ الْمُلَازَمَةِ، أَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَالَ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ لَزِمَهُ خَصْمُهُ فِي وَقْتِ التَّقَاضِي، وَكَأَنَّهُمَا كَانَا يَنْتَظِرَانِ النَّبِيَّ لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَإِذَا جَازَتِ الْمُلَازَمَةُ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ فَجَوَازُهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْلَى. انْتَهَى.

قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ عَادَةِ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْمُلَازَمَةِ إِلَى مَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ فِي بَابِ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ مَالٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا تَسْمِيَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ وَذِكْرُ نِسْبَتِهِ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: لَمْ يَأْتِ مِنَ الْأَسْمَاءِ عَلَى فَعْلَعٍ بِتَكْرِيرِ الْعَيْنِ غَيْرَ حَدْرَدٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ كَعْبٍ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، أَبُوهُ.

قَوْلُهُ: (دَيْنًا) وَقْعَ فِي رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ أُوقِيَّتَيْنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَقَاضِي.

قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ، فَظَاهِرُ الرِّوَايَتَيْنِ التَّخَالُفُ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَرَّ بِهِمَا أَوَّلًا ثُمَّ إِنَّ كَعْبًا أَشْخَصَ خَصْمَهُ لِلْمُحَاكَمَةِ، فَسَمِعَهُمَا النَّبِيُّ أَيْضًا وَهُوَ فِي بَيْتِهِ.

قُلْتُ: وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى كَعْبٍ بِالْوَضِيعَةِ وَأَمَرَ غَرِيمَهُ بِالْقَضَاءِ، فَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ تَقَدَّمَ لَهُمَا لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْإِعَادَةِ. وَالْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنْ يُحْمَلَ الْمُرُورُ عَلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ لَا حِسِّيٍّ.

قَوْلُهُ: (سِجْفٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمِلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَحَكَى فَتْحَ أَوَّلِهِ وَهُوَ السِّتْرُ، وَقِيلَ أَحَدُ طَرَفَيِ السِّتْرِ الْمُفَرَّجِ.

قَوْلُهُ: (أَيِ الشَّطْرَ) بِالنَّصْبِ أَيْ: ضَعِ الشَّطْرَ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: هَذَا، وَالْمُرَادُ بِالشَّطْرِ النِّصْفُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ فَعَلْتُ) مُبَالَغَةٌ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ.

وَقَوْلُهُ: (قُمْ) خِطَابٌ لِابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْوَضِيعَةُ وَالتَّأْجِيلُ.

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ، وَقَدْ أَفْرَدَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بَابًا يَأْتِي قَرِيبًا، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ رَفْعِهِ بِاللَّغَطِ وَنَحْوِهِ فَلَا. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَوْ كَانَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لَمَا تَرَكَهُمَا النَّبِيُّ وَلَبَيَّنَ لَهُمَا ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَلِمَنْ مَنَعَ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّهُ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ فَاكْتَفَى بِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ بِالطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى تَرْكِ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ الْمُقْتَضِي لِتَرْكِ الْمُخَاصَمَةِ الْمُوجِبَةِ لِرَفْعِ الصَّوْتِ. وَفِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِذَا فُهِمَتْ وَالشَّفَاعَةُ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ، وَإِشَارَةُ الْحَاكِمِ بِالصُّلْحِ وَقَبُولُ الشَّفَاعَةِ، وَجَوَازُ إِرْخَاءِ السِّتْرِ عَلَى الْبَابِ.

٧٢ - بَاب كَنْسِ الْمَسْجِدِ وَالْتِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ

٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ - أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٧٢) (بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ، وَالتِقَاطِ الخِرَقِ) بكسر المُعجَمة وفتح الرَّاء، جمع خِرْقةٍ (وَ) التقاط (العِيدَانِ) بكسر العين، جمع عودٍ (وَالقَذَى) بفتح القاف والمُعجَمة: ما يسقط في العين والشَّراب، ثمَّ استُعمِل في كلِّ ما يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرًا كالقشِّ ونحوه، وفي رواية الأربعة: «القذى والعيدان» (١)، وللأَصيليِّ: «والقذى منه» أي: من المسجد، والجارُّ والمجرور مُضمَرٌ في رواية غيره، ومتعلِّقٌ بـ «الالتقاط».

٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بتصغير الأوَّل، وبالمُوحَّدة آخر الثَّاني، الأزديُّ الواشحيُّ، بشينٍ مُعجَمةٍ ثمَّ حاءٍ مُهمَلةٍ، البصريُّ قاضي مكَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو: ابن درهمٍ الأزديُّ الحمصيُّ البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيعٍ -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- الصَّائغ، التَّابعيِّ لا الصَّحابيِّ لأنَّ ثابتًا لم يدركه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) وعند ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: «امرأةً سوداء» من غير شكٍّ، وبه جزم أبو الشَّيخ في «كتاب الصَّلاة» له بسندٍ مُرسَلٍ، فالشَّكُّ هنا من ثابتٍ على الرَّاجح، وسمَّاها في رواية البيهقيِّ: أمَّ

محجنٍ (كَانَ يَقُمُّ) أو كانت تقمُّ (المَسْجِدَ) بضمِّ القاف، أي: تكنسه (١)، وفي بعض طرقه: «كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد» وبذلك تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث (فَمَاتَ) أو ماتت (فَسَأَلَ النَّبِيُّ عَنْهُ) أو عنها النَّاس (فَقَالُوا: مَاتَ) أو ماتت، وأفاد البيهقيُّ في روايته: أنَّ الَّذي أجاب النَّبيَّ هو أبو بكر الصِّدِّيق (قَالَ) ، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (أَفَلَا) إذا دفنتم فلا (٢) (كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) بالمدِّ، أي: أعلمتموني (بِهِ) أو بها حتَّى أصلِّي عليه أو عليها، وعند المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٣٣٧]: «فحقَّروا شأنه»، ولابن خزيمة: قالوا: «مات من اللَّيل فكرهنا أن نوقظك»، وحذف «كانت» بعد قوله: «كان يقمُّ (٣)» كحذف مؤنث باقيها الَّذي قدّرته للدَّلالة عليه، ثمَّ قال : (دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ:) عَلَى (قَبْرِهَا) على الشَّكِّ (فَأَتَى) رسول الله (قَبْرَهُ) ولابن عساكر: «قبرها»

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَن يكون اللَّفْظ على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَيكون الْمَعْنى أَنه: لما سمع صوتهما خرج من الْبَيْت لأجلهما وَمر بهما. وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَلَا سِيمَا فِي حَدِيث وَاحِد رُوِيَ بِوُجُوه مُخْتَلفَة. وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: من حَدِيث زَمعَة بن صَالح عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن كَعْب بن مَالك عَن أَبِيه: (أَن النَّبِي مر بِهِ وَهُوَ ملازم رجل فِي أوقيتين، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: هَكَذَا يضع الشّطْر، وَقَالَ الرجل: نعم يَا رَسُول ا، فَقَالَ: أدِّ إِلَيْهِ مَا بَقِي من حَقه) .

قَوْله: (سجف حجرته) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتحهَا بعْدهَا جِيم سَاكِنة، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ السّتْر، وَقيل: هُوَ الستران المقرونان بَينهمَا فُرْجَة، وكل بَاب ستر بسترين مقرونين فَكل شقّ مِنْهُ سجف، وَالْجمع أسجاف وسجوف، وَرُبمَا قَالُوا: السجاف والسجف والسجيف إرخاء السجف. زَاد فِي (الْمُخَصّص) و (الْجَامِع) : وَبَيت مسجف. وَفِي (الصِّحَاح) : أسجف السّتْر أَي أَرْسلتهُ. وَقَالَ عِيَاض وَغَيره: لَا يُسمى سجفاً إلَاّ أَن يكون مشقوق الْوسط كالمصراعين. قلت: الَّذِي قَالَه ابْن سَيّده يردهُ. قَوْله؛ (لبيْك) ، تَثْنِيَة. للبَّا، وَهُوَ الْإِقَامَة وَهُوَ مفعول مُطلق يجب حذف عَامله، وَهُوَ من بَاب الثنائي الَّذِي للتَّأْكِيد والتكرار وَمَعْنَاهُ: لباً بعد لبٍ أَي: أَنا مُقيم على طَاعَتك. قَوْله: (ضع) ، على وزن: فع، أَمر من: وضع يضع. قَوْله: (أَي الشّطْر) تَفْسِير لقَوْله: هَذَا، أَي: ضع عَنهُ الشّطْر أَي: النّصْف. وَجَاء لفظ: النّصْف، مُصَرحًا فِي رِوَايَة الْأَعْرَج على مَا يَجِيء إِن شَاءَ اتعالى، وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ تَفْسِير للمنصوب، وَهُوَ قَوْله: هَذَا، لِأَنَّهُ مَنْصُوب بقوله: ضع. قَوْله: (لقد فعلت) مُبَالغَة فِي امْتِثَال الْأَمر لِأَنَّهُ أكد فعلت: بِاللَّامِ، وَكلمَة؛ قد، وَفِيه معنى الْقسم أَيْضا. قَوْله: (قُم) ، خطاب لِابْنِ أبي حَدْرَد. قَوْله: (فاقضه) أَمر على جِهَة الْوُجُوب، لِأَن رب الدّين لما أطَاع بِوَضْع مَا أَمر بِهِ تعين على الْمديَان أَن يقوم بِمَا بَقِي عَلَيْهِ لِئَلَّا يجْتَمع على رب الدّين وضيعة ومطل.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام فِيهِ: إِشَارَة إِلَى أَنه لَا يجْتَمع الوضيعة والمطل، لِأَن صَاحب الدّين يتَضَرَّر كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: الْمُخَاصمَة فِي الْمَسْجِد فِي الْحُقُوق، والمطالبة بالديون، قَالَه ابْن بطال. وَفِيه: دَلِيل على إِبَاحَة رفع الصَّوْت فِي الْمَسْجِد مَا لم يتفاحش لعدم الْإِنْكَار مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد أفرد لَهُ البُخَارِيّ بَابا يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ اتعالى فَإِن قلت: قد ورد فِي حَدِيث وَاثِلَة من عِنْد ابْن مَاجَه يرفعهُ: (جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ) ، وَحَدِيث مَكْحُول من عِنْد أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ عَن معَاذ مثله، وَحَدِيث جُبَير بن مطعم، وَلَفظه: (وَلَا ترفع فِيهِ الْأَصْوَات) ، وَكَذَا حَدِيث ابْن عمر من عِنْد أبي أَحْمد. قلت: أُجِيب: بِأَن هَذِه الْأَحَادِيث ضَعِيفَة، فَبَقيَ الْأَمر على الْإِبَاحَة من غير معَارض، وَلَكِن هَذَا الْجَواب لَا يُعجبنِي لِأَن الْأَحَادِيث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إِذا اخْتلفت طرقها ومخارجها، وَالْأولَى أَن يُقَال: أَحَادِيث الْمَنْع مَحْمُولَة على مَا إِذا كَانَ الصَّوْت متفاحشاً، وَحَدِيث الْإِبَاحَة مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ غير متفاحش. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يقْضِي الرجل فِي الْمَسْجِد دينا، وَأما التِّجَارَة وَالصرْف فَلَا أحبه. وَفِيه: جَوَاز الِاعْتِمَاد على الْإِشَارَة لقَوْله: هَكَذَا، أَي: الشّطْر، وَأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْكَلَام إِذا فهمت لدلالتها عَلَيْهِ، فَيصح على هَذَا يَمِين الْأَخْرَس وشهادته ولعانه وعقوده إِذا فهم عَنهُ ذَلِك. وَفِيه: إِشَارَة الْحَاكِم إِلَى الصُّلْح على جِهَة الْإِرْشَاد، وَهَهُنَا وَقع الصُّلْح على الْإِقْرَار الْمُتَّفق عَلَيْهِ، لِأَن نزاعهما لم يكن فِي الدّين وَإِنَّمَا كَانَ فِي التقاضي. وَأما الصُّلْح على الْإِنْكَار فَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة وَمَالك، وَهُوَ قَول الْحسن. وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ بَاطِل، وَبِه قَالَ ابْن أبي ليلى. وَفِيه: الْمُلَازمَة للاقتضاء. وَفِيه: الشَّفَاعَة إِلَى صَاحب الْحق والإصلاح بَين الْخُصُوم وَحسن التَّوَسُّط بَينهم. وَفِيه: قبُول الشَّفَاعَة فِي غير مَعْصِيّة. وَفِيه: إرْسَال الستور عِنْد الْحُجْرَة.

٢٧ - (بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ والْتِقَاطِ الخِرَقِ والقَذَى وَالعِيدَانِ مِنْهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل كنس الْمَسْجِد، وَهُوَ إِزَالَة الكناسة مِنْهُ، والالتقاط هُوَ أَن تعثر على شَيْء من غير قصد وَطلب، و: الْخرق، بِكَسْر الْخَاء وَفتح الرَّاء جمع: خرقَة، و: القذى، بِفَتْح الْقَاف والذال الْمُعْجَمَة جمع: قذاة، وَجمع الْجمع: أقذية. قَالَ الْجَوْهَرِي: القذى فِي الْعين وَالشرَاب: مَا يسْقط فِيهِ، قلت: المُرَاد مِنْهُ هَهُنَا كسر الأخشاب والقش وَنَحْو ذَلِك، و: العيدان، جمع: عود، وَهُوَ الْخشب. قَوْله: (مِنْهُ) لَيْسَ فِي أَكثر النّسخ، وَلَكِن بِقدر فِيهِ، وَهُوَ يتَعَلَّق بالالتقاط.

٨٥٤ - ح دّثنا سُلَيْمَانْ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أبي رَافِعٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلاً أسْوَدَ أَو امْرَأَةً سَوْدَاءَ كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النبيُّ عنهُ فَقالُوا ماتَ قالَ أفَلَا كُنْتُم آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلونِي عَلَى قَبْرِهِ أوْ قَالَ عَلَى قَبْرِها فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْها. (الحَدِيث ٨٥٤ طرفاه فِي: ٠٦٤. ٧٣٣١) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يقم الْمَسْجِد) أَي: يكنسه، فَإِن قلت: الْتِقَاط الْخرق إِلَى آخِره من جملَة التَّرْجَمَة، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على ذَلِك، قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّ البُخَارِيّ حمله بِالْقِيَاسِ على الكنس، وَالْجَامِع بَينهمَا: التَّنْظِيف. وَقيل: أَشَارَ البُخَارِيّ بذلك كُله إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه صَرِيحًا: (وَكَانَت تلْتَقط الْخرق والعيدان من الْمَسْجِد) ، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة، وَفِي حَدِيث بُرَيْدَة عَن أَبِيه: (كَانَت مولعة بلقط القذى من الْمَسْجِد) .

ذكر رِجَاله. وهم خَمْسَة: الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب الواشحي، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى: واشح، بطن من الأزد، الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد، وَقد ذكر غير مرّة. الثَّالِث: ثَابت الْبنانِيّ. الرَّابِع: أَبُو رَافع: نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الصَّائِغ التَّابِعِيّ الْكَبِير، وَلَقَد وهم من قَالَ: إِنَّه أَبُو رَافع الصَّحَابِيّ، وَقَالَ: وَهُوَ من رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. فَإِن ثَابتا الْبنانِيّ لم يدْرك أَبَا رَافع الصَّحَابِيّ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن وَاقد، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن الْفضل. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَأبي كَامِل الجحدري. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب ومسدد، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أَحْمد بن عَبدة.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (أَو امْرَأَة سَوْدَاء) ، الشَّك فِيهِ إِمَّا من ثَابت أَو من أبي رَافع، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه من ثَابت لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنهُ جمَاعَة هَكَذَا، وَأخرج البُخَارِيّ أَيْضا عَن حَمَّاد بِهَذَا الْإِسْنَاد. قَالَ: وَلَا آراه، إلَاّ امْرَأَة. وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ: (امْرَأَة سَوْدَاء) ، من غير شكّ فِيهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: من حَدِيث ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه: أَن اسْم الْمَرْأَة أم محجن.

وَفَائِدَة أُخْرَى فِيهِ أَن الَّذِي أجَاب النَّبِي عَن سُؤَاله عَنْهَا أَبُو بكر الصّديق. قَوْله: (كَانَ يقم) ، من: قُم، الشَّيْء يقم قماً، من بَاب: نصر ينصر نصرا، وَمَعْنَاهُ: كنسه، وَالْقُمَامَة، بِضَم الْقَاف: الكناسة. قَالَه ابْن سَيّده: وَقَالَ اللحياني: قمامة الْبَيْت مَا كنس مِنْهُ فألقي بعضه على بعض، وَهِي لُغَة حجازية، والمقمة، بِكَسْر الْمِيم: المكنسة. وَفِي (الصِّحَاح) وَالْجمع: القمام. قَوْله: (سُئِلَ عَنهُ) ، أَي عَن حَاله، ومفعول: سَأَلَ، مَحْذُوف أَي: سَأَلَ النَّاس عَنهُ. قَوْله: (أَفلا كُنْتُم؟) لَا بُد من مُقَدّر بعد الْهمزَة، وَالتَّقْدِير: أدفنتم؟ فَلَا كُنْتُم آذنتموني: بِالْمدِّ، أَي: أعلمتنموني بِمَوْتِهِ حَتَّى أُصَلِّي عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن صلَاته رَحْمَة وَنور فِي قُبُورهم، على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (إِن امْرَأَة أَو شَابًّا) الحَدِيث، وَزَاد فِي آخِره: (إِن هَذِه الْقُبُور مَمْلُوءَة ظلمَة على أَهلهَا، وَإِن اتعالى ينورها لَهُم بصلاتي عَلَيْهِم) . قيل: إِن البُخَارِيّ لم يخرج هَذِه الزِّيَادَة لِأَنَّهَا مدرجة فِي هَذَا الْإِسْنَاد، وَهِي من مَرَاسِيل ثَابت، بَين ذَلِك غير وَاحِد من أَصْحَاب حَمَّاد بن زيد. قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ، الَّذِي يغلب على الْقلب أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي غير رِوَايَة أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة، فإمَّا أَن يكون عَن ثَابت عَن النَّبِي مُرْسلا، كَمَا رَوَاهُ أَحْمد بن عَبدة وَمن تَابعه، أَو عَن ثَابت عَن أنس عَن النَّبِي كَمَا رَوَاهُ غير حَمَّاد بن زيد عَن ثَابت عَن أبي رَافع، فَلم يذكرهَا. وروى ابْن حبَان من حَدِيث خَارِجَة بن زيد بن ثَابت عَن عَمه يزِيد بن ثَابت، قَالَ: (خرجنَا مَعَ النَّبِي، فَلَمَّا ورد البقيع إِذْ مر بِقَبْر جَدِيد، فَسَأَلَ عَنهُ، فَقيل: فُلَانَة. فعرفها، وَقَالَ: أَلا آذنتموني بهَا؟ قَالُوا: كنت قَائِلا صَائِما فكرهنا أَن نؤذيك. قَالَ: فَلَا تَفعلُوا لأعرفن، مَا مَاتَ فِيكُم ميت مَا كنت بَين أظهر كم إلَاّ آذنتموني بِهِ، صَلَاتي عَلَيْهِ رَحْمَة لَهُ، ثمَّ أَتَى الْقَبْر فصففنا خَلفه فَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا) . انْتهى. كَذَا ذكره فِي صَحِيحه، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَهُوَ يحْتَاج إِلَى تَأمل وَنظر، وَذَلِكَ أَن يزِيد قتل بِالْيَمَامَةِ سنة ثِنْتَيْ عشرَة، وخارجة توفّي سنة مائَة أَو أقل من ذَلِك، وسنه سَبْعُونَ سنة، فَلَا يتَّجه سَمَاعه مِنْهُ بِحَال.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام فِيهِ: فضل تنظيف الْمَسْجِد، وَقَالَ ابْن بطال. وَفِيه: الحض على كنس الْمَسَاجِد وتنظيفها لِأَنَّهُ إِنَّمَا رخصه بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بعد دَفنه من أجل ذَلِك، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه كنس الْمَسْجِد. وَفِيه: خدمَة الصَّالِحين وَالسُّؤَال عَن الْخَادِم وَالصديق إِذا غَابَ وافتقاده. وَفِيه: الْمُكَافَأَة بِالدُّعَاءِ والترحم على من وقف نَفسه على نفع الْمُسلمين ومصالحهم. وَفِيه: الرَّغْبَة فِي شُهُود جنائز الصَّالِحين. وَفِيه: جَوَاز الصَّلَاة على الْقَبْر، وَهِي مَسْأَلَة خلافية جوزها طَائِفَة، مِنْهُم: عَليّ وَأَبُو مُوسَى وَابْن عمر وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهُم، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَمنعه: النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالثَّوْري. وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَاللَّيْث وَمَالك، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا يجوز إِذا لم يصل الْوَلِيّ والوالي، ثمَّ اخْتلف من قَالَ بِالْجَوَازِ إِلَى كم يجوز؟ فَقيل: إِلَى شهر، وَقيل: مَا لم يبل جسده، وَقيل: أبدا، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ فِي الْجَنَائِز، إِن شَاءَ اتعالى. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْإِعْلَام بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: أَن على الرَّاوِي التَّنْبِيه على شكه فِيمَا رَوَاهُ مشكوكاً.

٣٧ - (بابُ تحْرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر، وَلَا بُد فِيهِ من تَقْدِير مُضَاف، لِأَن المُرَاد بَيَان ذَلِك، وَتبين أَحْكَامه وَلَيْسَ المُرَاد بِأَن تَحْرِيمهَا مُخْتَصّ بِالْمَسْجِدِ لِأَنَّهَا حرَام، سَوَاء كَانَت فِي الْمَسْجِد أَو فِي غَيره، وَقَوله: فِي الْمَسْجِد، يتَعَلَّق بِالتَّحْرِيمِ لَا بِالتِّجَارَة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أَخذ من كَلَام ابْن بطال: وغرض البُخَارِيّ هُنَا فِي هَذَا الْبَاب، وَا أعلم، أَن الْمَسْجِد لما كَانَ للصَّلَاة وَلذكر اتعالى منزهاً من الْفَوَاحِش، وَالْخمر والربا من أكبر الْفَوَاحِش يمْنَع من ذَلِك، فَلَمَّا ذكر الشَّارِع تَحْرِيمهَا فِي الْمَسْجِد، ذكر أَنه لَا بَأْس بِذكر الْمُحرمَات والأقذار فِي الْمَسْجِد على وَجه النَّهْي عَنْهَا، وَالْمَنْع مِنْهَا. انْتهى. وَأخذ بَعضهم من كَلَامه: فَقَالَ: بَاب تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر فِي الْمَسْجِد، أَي: جَوَاز ذكر ذَلِك. قلت: كل هَذَا خَارج عَن المهيع أَو تَصَرُّفَات بِغَيْر تَأمل، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي بَيَان جَوَاز ذكر ذَلِك فِي الْمَسْجِد، إِذْ هُوَ مُبين من الْخَارِج، وَلَيْسَ غَرَض البُخَارِيّ ذَلِك، وَإِنَّمَا غَرَضه بَيَان أَن تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر وَقع فِي الْمَسْجِد، لِأَن ظَاهر حَدِيث الْبَاب مُصَرح بذلك، لِأَن عَائِشَة. قَالَت: لما نزلت الْآيَات من سُورَة الْبَقَرَة فِي الرِّبَا خرج النَّبِي إِلَى الْمَسْجِد إِلَى آخِره، فَهَذَا ظَاهره أَن تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر بعد نزُول آيَات الرِّبَا. فَإِن قلت: كَانَ تَحْرِيم الْخمر قبل نزُول آيَات الرِّبَا بِمدَّة طَوِيلَة، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَلَمَّا حرمت الْخمر حرمت التِّجَارَة فِيهَا أَيْضا قطعا، فَمَا الْفَائِدَة فِي ذكر تَحْرِيم تجارتها هَهُنَا. قلت: يحْتَمل كَون تَحْرِيم التِّجَارَة فِيهَا قد تَأَخَّرت عَن وَقت تَحْرِيم عينهَا، وَيحْتَمل أَن يكون ذكره هُنَا تَأْكِيدًا ومبالغة فِي إِشَاعَة ذَلِك، أَو يكون قد حضر الْمجْلس من لم يبلغهُ تَحْرِيم التِّجَارَة فِيهَا قبل ذَلِك، فَأَعَادَ ذكر ذَلِك للإعلام لَهُم، وَكَانَ ذَلِك وَرَسُول الله فِي الْمَسْجِد، وَهَذَا أَيْضا هُوَ موقع التَّرْجَمَة، وَلَيْسَ ذَلِك مثل مَا قَالَ بَعضهم: وموقع التَّرْجَمَة أَن الْمَسْجِد منزه عَن الْفَوَاحِش قولا وفعلاً، لَكِن يجوز ذكرهَا فِيهِ للتحذير مِنْهَا. انْتهى. قلت: إِذا كَانَ ذكر الْفَوَاحِش جَائِزا فِي الْمَسْجِد لأجل التحذير، فَمَا وَجه تَخْصِيص ذكر فَاحِشَة تَحْرِيم الْخمر فِي الْمَسْجِد؟ وَجَوَاب هَذَا يلْزم هَذَا الْقَائِل، فعلى مَا ذكرنَا لَا يرد سُؤال فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب.

٩٥٤٨١١ - ح دّثنا عَبْدَانُ عَنْ أبي حَمْزَة عنِ الأَعْمَشِ عنْ مسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ لَمَّا أُنْزِلَتِ الآياتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا خَرَجَ النبيُّ إلَى المَسْجِدِ فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الخَمْرِ. (الحَدِيث ٩٥٤ أَطْرَافه فِي: ٤٨٠٢، ٦٢٢٢، ٠٤٥٤، ١٤٥٤، ٢٤٥٤، ٣٤٥٤) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة قد ذَكرنَاهَا الْآن.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَبْدَانِ: هُوَ عبد ابْن عُثْمَان الْمروزِي، وعبدان، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: لقب لَهُ قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَأَصله من الْبَصْرَة. الثَّانِي: أَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: اسه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، مر فِي بَاب نفض الْيَدَيْنِ فِي الْغسْل. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: يَا كَعْبُ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، أَيْ: الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ.

[الحديث ٤٥٧ - أطرافه في: ٢٧١٠، ٢٧٠٦، ٢٤٢٤، ٢٤١٨، ٤٧١]

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّقَاضِي) أَيْ مُطَالَبَةِ الْغَرِيمِ قَضَاءَ الدَّيْنِ.

(وَالْمُلَازَمَةُ) أَيْ مُلَازَمَةُ الْغَرِيمِ، وَ (فِي الْمَسْجِدِ) يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّقَاضِي ظَاهِرٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ دُونَ الْمُلَازَمَةِ، أَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَالَ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ لَزِمَهُ خَصْمُهُ فِي وَقْتِ التَّقَاضِي، وَكَأَنَّهُمَا كَانَا يَنْتَظِرَانِ النَّبِيَّ لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَإِذَا جَازَتِ الْمُلَازَمَةُ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ فَجَوَازُهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْلَى. انْتَهَى.

قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ عَادَةِ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْمُلَازَمَةِ إِلَى مَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ فِي بَابِ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ مَالٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا تَسْمِيَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ وَذِكْرُ نِسْبَتِهِ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: لَمْ يَأْتِ مِنَ الْأَسْمَاءِ عَلَى فَعْلَعٍ بِتَكْرِيرِ الْعَيْنِ غَيْرَ حَدْرَدٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ كَعْبٍ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، أَبُوهُ.

قَوْلُهُ: (دَيْنًا) وَقْعَ فِي رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ أُوقِيَّتَيْنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَقَاضِي.

قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ، فَظَاهِرُ الرِّوَايَتَيْنِ التَّخَالُفُ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَرَّ بِهِمَا أَوَّلًا ثُمَّ إِنَّ كَعْبًا أَشْخَصَ خَصْمَهُ لِلْمُحَاكَمَةِ، فَسَمِعَهُمَا النَّبِيُّ أَيْضًا وَهُوَ فِي بَيْتِهِ.

قُلْتُ: وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى كَعْبٍ بِالْوَضِيعَةِ وَأَمَرَ غَرِيمَهُ بِالْقَضَاءِ، فَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ تَقَدَّمَ لَهُمَا لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْإِعَادَةِ. وَالْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنْ يُحْمَلَ الْمُرُورُ عَلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ لَا حِسِّيٍّ.

قَوْلُهُ: (سِجْفٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمِلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَحَكَى فَتْحَ أَوَّلِهِ وَهُوَ السِّتْرُ، وَقِيلَ أَحَدُ طَرَفَيِ السِّتْرِ الْمُفَرَّجِ.

قَوْلُهُ: (أَيِ الشَّطْرَ) بِالنَّصْبِ أَيْ: ضَعِ الشَّطْرَ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: هَذَا، وَالْمُرَادُ بِالشَّطْرِ النِّصْفُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ فَعَلْتُ) مُبَالَغَةٌ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ.

وَقَوْلُهُ: (قُمْ) خِطَابٌ لِابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْوَضِيعَةُ وَالتَّأْجِيلُ.

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ، وَقَدْ أَفْرَدَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بَابًا يَأْتِي قَرِيبًا، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ رَفْعِهِ بِاللَّغَطِ وَنَحْوِهِ فَلَا. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَوْ كَانَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لَمَا تَرَكَهُمَا النَّبِيُّ وَلَبَيَّنَ لَهُمَا ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَلِمَنْ مَنَعَ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّهُ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ فَاكْتَفَى بِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ بِالطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى تَرْكِ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ الْمُقْتَضِي لِتَرْكِ الْمُخَاصَمَةِ الْمُوجِبَةِ لِرَفْعِ الصَّوْتِ. وَفِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِذَا فُهِمَتْ وَالشَّفَاعَةُ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ، وَإِشَارَةُ الْحَاكِمِ بِالصُّلْحِ وَقَبُولُ الشَّفَاعَةِ، وَجَوَازُ إِرْخَاءِ السِّتْرِ عَلَى الْبَابِ.

٧٢ - بَاب كَنْسِ الْمَسْجِدِ وَالْتِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ

٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ - أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٧٢) (بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ، وَالتِقَاطِ الخِرَقِ) بكسر المُعجَمة وفتح الرَّاء، جمع خِرْقةٍ (وَ) التقاط (العِيدَانِ) بكسر العين، جمع عودٍ (وَالقَذَى) بفتح القاف والمُعجَمة: ما يسقط في العين والشَّراب، ثمَّ استُعمِل في كلِّ ما يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرًا كالقشِّ ونحوه، وفي رواية الأربعة: «القذى والعيدان» (١)، وللأَصيليِّ: «والقذى منه» أي: من المسجد، والجارُّ والمجرور مُضمَرٌ في رواية غيره، ومتعلِّقٌ بـ «الالتقاط».

٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بتصغير الأوَّل، وبالمُوحَّدة آخر الثَّاني، الأزديُّ الواشحيُّ، بشينٍ مُعجَمةٍ ثمَّ حاءٍ مُهمَلةٍ، البصريُّ قاضي مكَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو: ابن درهمٍ الأزديُّ الحمصيُّ البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيعٍ -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- الصَّائغ، التَّابعيِّ لا الصَّحابيِّ لأنَّ ثابتًا لم يدركه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) وعند ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: «امرأةً سوداء» من غير شكٍّ، وبه جزم أبو الشَّيخ في «كتاب الصَّلاة» له بسندٍ مُرسَلٍ، فالشَّكُّ هنا من ثابتٍ على الرَّاجح، وسمَّاها في رواية البيهقيِّ: أمَّ

محجنٍ (كَانَ يَقُمُّ) أو كانت تقمُّ (المَسْجِدَ) بضمِّ القاف، أي: تكنسه (١)، وفي بعض طرقه: «كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد» وبذلك تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث (فَمَاتَ) أو ماتت (فَسَأَلَ النَّبِيُّ عَنْهُ) أو عنها النَّاس (فَقَالُوا: مَاتَ) أو ماتت، وأفاد البيهقيُّ في روايته: أنَّ الَّذي أجاب النَّبيَّ هو أبو بكر الصِّدِّيق (قَالَ) ، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (أَفَلَا) إذا دفنتم فلا (٢) (كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) بالمدِّ، أي: أعلمتموني (بِهِ) أو بها حتَّى أصلِّي عليه أو عليها، وعند المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٣٣٧]: «فحقَّروا شأنه»، ولابن خزيمة: قالوا: «مات من اللَّيل فكرهنا أن نوقظك»، وحذف «كانت» بعد قوله: «كان يقمُّ (٣)» كحذف مؤنث باقيها الَّذي قدّرته للدَّلالة عليه، ثمَّ قال : (دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ:) عَلَى (قَبْرِهَا) على الشَّكِّ (فَأَتَى) رسول الله (قَبْرَهُ) ولابن عساكر: «قبرها»

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَن يكون اللَّفْظ على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَيكون الْمَعْنى أَنه: لما سمع صوتهما خرج من الْبَيْت لأجلهما وَمر بهما. وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَلَا سِيمَا فِي حَدِيث وَاحِد رُوِيَ بِوُجُوه مُخْتَلفَة. وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: من حَدِيث زَمعَة بن صَالح عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن كَعْب بن مَالك عَن أَبِيه: (أَن النَّبِي مر بِهِ وَهُوَ ملازم رجل فِي أوقيتين، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: هَكَذَا يضع الشّطْر، وَقَالَ الرجل: نعم يَا رَسُول ا، فَقَالَ: أدِّ إِلَيْهِ مَا بَقِي من حَقه) .

قَوْله: (سجف حجرته) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتحهَا بعْدهَا جِيم سَاكِنة، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ السّتْر، وَقيل: هُوَ الستران المقرونان بَينهمَا فُرْجَة، وكل بَاب ستر بسترين مقرونين فَكل شقّ مِنْهُ سجف، وَالْجمع أسجاف وسجوف، وَرُبمَا قَالُوا: السجاف والسجف والسجيف إرخاء السجف. زَاد فِي (الْمُخَصّص) و (الْجَامِع) : وَبَيت مسجف. وَفِي (الصِّحَاح) : أسجف السّتْر أَي أَرْسلتهُ. وَقَالَ عِيَاض وَغَيره: لَا يُسمى سجفاً إلَاّ أَن يكون مشقوق الْوسط كالمصراعين. قلت: الَّذِي قَالَه ابْن سَيّده يردهُ. قَوْله؛ (لبيْك) ، تَثْنِيَة. للبَّا، وَهُوَ الْإِقَامَة وَهُوَ مفعول مُطلق يجب حذف عَامله، وَهُوَ من بَاب الثنائي الَّذِي للتَّأْكِيد والتكرار وَمَعْنَاهُ: لباً بعد لبٍ أَي: أَنا مُقيم على طَاعَتك. قَوْله: (ضع) ، على وزن: فع، أَمر من: وضع يضع. قَوْله: (أَي الشّطْر) تَفْسِير لقَوْله: هَذَا، أَي: ضع عَنهُ الشّطْر أَي: النّصْف. وَجَاء لفظ: النّصْف، مُصَرحًا فِي رِوَايَة الْأَعْرَج على مَا يَجِيء إِن شَاءَ اتعالى، وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ تَفْسِير للمنصوب، وَهُوَ قَوْله: هَذَا، لِأَنَّهُ مَنْصُوب بقوله: ضع. قَوْله: (لقد فعلت) مُبَالغَة فِي امْتِثَال الْأَمر لِأَنَّهُ أكد فعلت: بِاللَّامِ، وَكلمَة؛ قد، وَفِيه معنى الْقسم أَيْضا. قَوْله: (قُم) ، خطاب لِابْنِ أبي حَدْرَد. قَوْله: (فاقضه) أَمر على جِهَة الْوُجُوب، لِأَن رب الدّين لما أطَاع بِوَضْع مَا أَمر بِهِ تعين على الْمديَان أَن يقوم بِمَا بَقِي عَلَيْهِ لِئَلَّا يجْتَمع على رب الدّين وضيعة ومطل.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام فِيهِ: إِشَارَة إِلَى أَنه لَا يجْتَمع الوضيعة والمطل، لِأَن صَاحب الدّين يتَضَرَّر كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: الْمُخَاصمَة فِي الْمَسْجِد فِي الْحُقُوق، والمطالبة بالديون، قَالَه ابْن بطال. وَفِيه: دَلِيل على إِبَاحَة رفع الصَّوْت فِي الْمَسْجِد مَا لم يتفاحش لعدم الْإِنْكَار مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد أفرد لَهُ البُخَارِيّ بَابا يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ اتعالى فَإِن قلت: قد ورد فِي حَدِيث وَاثِلَة من عِنْد ابْن مَاجَه يرفعهُ: (جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ) ، وَحَدِيث مَكْحُول من عِنْد أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ عَن معَاذ مثله، وَحَدِيث جُبَير بن مطعم، وَلَفظه: (وَلَا ترفع فِيهِ الْأَصْوَات) ، وَكَذَا حَدِيث ابْن عمر من عِنْد أبي أَحْمد. قلت: أُجِيب: بِأَن هَذِه الْأَحَادِيث ضَعِيفَة، فَبَقيَ الْأَمر على الْإِبَاحَة من غير معَارض، وَلَكِن هَذَا الْجَواب لَا يُعجبنِي لِأَن الْأَحَادِيث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إِذا اخْتلفت طرقها ومخارجها، وَالْأولَى أَن يُقَال: أَحَادِيث الْمَنْع مَحْمُولَة على مَا إِذا كَانَ الصَّوْت متفاحشاً، وَحَدِيث الْإِبَاحَة مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ غير متفاحش. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يقْضِي الرجل فِي الْمَسْجِد دينا، وَأما التِّجَارَة وَالصرْف فَلَا أحبه. وَفِيه: جَوَاز الِاعْتِمَاد على الْإِشَارَة لقَوْله: هَكَذَا، أَي: الشّطْر، وَأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْكَلَام إِذا فهمت لدلالتها عَلَيْهِ، فَيصح على هَذَا يَمِين الْأَخْرَس وشهادته ولعانه وعقوده إِذا فهم عَنهُ ذَلِك. وَفِيه: إِشَارَة الْحَاكِم إِلَى الصُّلْح على جِهَة الْإِرْشَاد، وَهَهُنَا وَقع الصُّلْح على الْإِقْرَار الْمُتَّفق عَلَيْهِ، لِأَن نزاعهما لم يكن فِي الدّين وَإِنَّمَا كَانَ فِي التقاضي. وَأما الصُّلْح على الْإِنْكَار فَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة وَمَالك، وَهُوَ قَول الْحسن. وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ بَاطِل، وَبِه قَالَ ابْن أبي ليلى. وَفِيه: الْمُلَازمَة للاقتضاء. وَفِيه: الشَّفَاعَة إِلَى صَاحب الْحق والإصلاح بَين الْخُصُوم وَحسن التَّوَسُّط بَينهم. وَفِيه: قبُول الشَّفَاعَة فِي غير مَعْصِيّة. وَفِيه: إرْسَال الستور عِنْد الْحُجْرَة.

٢٧ - (بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ والْتِقَاطِ الخِرَقِ والقَذَى وَالعِيدَانِ مِنْهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل كنس الْمَسْجِد، وَهُوَ إِزَالَة الكناسة مِنْهُ، والالتقاط هُوَ أَن تعثر على شَيْء من غير قصد وَطلب، و: الْخرق، بِكَسْر الْخَاء وَفتح الرَّاء جمع: خرقَة، و: القذى، بِفَتْح الْقَاف والذال الْمُعْجَمَة جمع: قذاة، وَجمع الْجمع: أقذية. قَالَ الْجَوْهَرِي: القذى فِي الْعين وَالشرَاب: مَا يسْقط فِيهِ، قلت: المُرَاد مِنْهُ هَهُنَا كسر الأخشاب والقش وَنَحْو ذَلِك، و: العيدان، جمع: عود، وَهُوَ الْخشب. قَوْله: (مِنْهُ) لَيْسَ فِي أَكثر النّسخ، وَلَكِن بِقدر فِيهِ، وَهُوَ يتَعَلَّق بالالتقاط.

٨٥٤ - ح دّثنا سُلَيْمَانْ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أبي رَافِعٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلاً أسْوَدَ أَو امْرَأَةً سَوْدَاءَ كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النبيُّ عنهُ فَقالُوا ماتَ قالَ أفَلَا كُنْتُم آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلونِي عَلَى قَبْرِهِ أوْ قَالَ عَلَى قَبْرِها فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْها. (الحَدِيث ٨٥٤ طرفاه فِي: ٠٦٤. ٧٣٣١) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يقم الْمَسْجِد) أَي: يكنسه، فَإِن قلت: الْتِقَاط الْخرق إِلَى آخِره من جملَة التَّرْجَمَة، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على ذَلِك، قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّ البُخَارِيّ حمله بِالْقِيَاسِ على الكنس، وَالْجَامِع بَينهمَا: التَّنْظِيف. وَقيل: أَشَارَ البُخَارِيّ بذلك كُله إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه صَرِيحًا: (وَكَانَت تلْتَقط الْخرق والعيدان من الْمَسْجِد) ، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة، وَفِي حَدِيث بُرَيْدَة عَن أَبِيه: (كَانَت مولعة بلقط القذى من الْمَسْجِد) .

ذكر رِجَاله. وهم خَمْسَة: الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب الواشحي، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى: واشح، بطن من الأزد، الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد، وَقد ذكر غير مرّة. الثَّالِث: ثَابت الْبنانِيّ. الرَّابِع: أَبُو رَافع: نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الصَّائِغ التَّابِعِيّ الْكَبِير، وَلَقَد وهم من قَالَ: إِنَّه أَبُو رَافع الصَّحَابِيّ، وَقَالَ: وَهُوَ من رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. فَإِن ثَابتا الْبنانِيّ لم يدْرك أَبَا رَافع الصَّحَابِيّ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن وَاقد، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن الْفضل. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَأبي كَامِل الجحدري. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب ومسدد، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أَحْمد بن عَبدة.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (أَو امْرَأَة سَوْدَاء) ، الشَّك فِيهِ إِمَّا من ثَابت أَو من أبي رَافع، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه من ثَابت لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنهُ جمَاعَة هَكَذَا، وَأخرج البُخَارِيّ أَيْضا عَن حَمَّاد بِهَذَا الْإِسْنَاد. قَالَ: وَلَا آراه، إلَاّ امْرَأَة. وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ: (امْرَأَة سَوْدَاء) ، من غير شكّ فِيهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: من حَدِيث ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه: أَن اسْم الْمَرْأَة أم محجن.

وَفَائِدَة أُخْرَى فِيهِ أَن الَّذِي أجَاب النَّبِي عَن سُؤَاله عَنْهَا أَبُو بكر الصّديق. قَوْله: (كَانَ يقم) ، من: قُم، الشَّيْء يقم قماً، من بَاب: نصر ينصر نصرا، وَمَعْنَاهُ: كنسه، وَالْقُمَامَة، بِضَم الْقَاف: الكناسة. قَالَه ابْن سَيّده: وَقَالَ اللحياني: قمامة الْبَيْت مَا كنس مِنْهُ فألقي بعضه على بعض، وَهِي لُغَة حجازية، والمقمة، بِكَسْر الْمِيم: المكنسة. وَفِي (الصِّحَاح) وَالْجمع: القمام. قَوْله: (سُئِلَ عَنهُ) ، أَي عَن حَاله، ومفعول: سَأَلَ، مَحْذُوف أَي: سَأَلَ النَّاس عَنهُ. قَوْله: (أَفلا كُنْتُم؟) لَا بُد من مُقَدّر بعد الْهمزَة، وَالتَّقْدِير: أدفنتم؟ فَلَا كُنْتُم آذنتموني: بِالْمدِّ، أَي: أعلمتنموني بِمَوْتِهِ حَتَّى أُصَلِّي عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن صلَاته رَحْمَة وَنور فِي قُبُورهم، على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (إِن امْرَأَة أَو شَابًّا) الحَدِيث، وَزَاد فِي آخِره: (إِن هَذِه الْقُبُور مَمْلُوءَة ظلمَة على أَهلهَا، وَإِن اتعالى ينورها لَهُم بصلاتي عَلَيْهِم) . قيل: إِن البُخَارِيّ لم يخرج هَذِه الزِّيَادَة لِأَنَّهَا مدرجة فِي هَذَا الْإِسْنَاد، وَهِي من مَرَاسِيل ثَابت، بَين ذَلِك غير وَاحِد من أَصْحَاب حَمَّاد بن زيد. قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ، الَّذِي يغلب على الْقلب أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي غير رِوَايَة أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة، فإمَّا أَن يكون عَن ثَابت عَن النَّبِي مُرْسلا، كَمَا رَوَاهُ أَحْمد بن عَبدة وَمن تَابعه، أَو عَن ثَابت عَن أنس عَن النَّبِي كَمَا رَوَاهُ غير حَمَّاد بن زيد عَن ثَابت عَن أبي رَافع، فَلم يذكرهَا. وروى ابْن حبَان من حَدِيث خَارِجَة بن زيد بن ثَابت عَن عَمه يزِيد بن ثَابت، قَالَ: (خرجنَا مَعَ النَّبِي، فَلَمَّا ورد البقيع إِذْ مر بِقَبْر جَدِيد، فَسَأَلَ عَنهُ، فَقيل: فُلَانَة. فعرفها، وَقَالَ: أَلا آذنتموني بهَا؟ قَالُوا: كنت قَائِلا صَائِما فكرهنا أَن نؤذيك. قَالَ: فَلَا تَفعلُوا لأعرفن، مَا مَاتَ فِيكُم ميت مَا كنت بَين أظهر كم إلَاّ آذنتموني بِهِ، صَلَاتي عَلَيْهِ رَحْمَة لَهُ، ثمَّ أَتَى الْقَبْر فصففنا خَلفه فَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا) . انْتهى. كَذَا ذكره فِي صَحِيحه، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَهُوَ يحْتَاج إِلَى تَأمل وَنظر، وَذَلِكَ أَن يزِيد قتل بِالْيَمَامَةِ سنة ثِنْتَيْ عشرَة، وخارجة توفّي سنة مائَة أَو أقل من ذَلِك، وسنه سَبْعُونَ سنة، فَلَا يتَّجه سَمَاعه مِنْهُ بِحَال.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام فِيهِ: فضل تنظيف الْمَسْجِد، وَقَالَ ابْن بطال. وَفِيه: الحض على كنس الْمَسَاجِد وتنظيفها لِأَنَّهُ إِنَّمَا رخصه بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بعد دَفنه من أجل ذَلِك، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه كنس الْمَسْجِد. وَفِيه: خدمَة الصَّالِحين وَالسُّؤَال عَن الْخَادِم وَالصديق إِذا غَابَ وافتقاده. وَفِيه: الْمُكَافَأَة بِالدُّعَاءِ والترحم على من وقف نَفسه على نفع الْمُسلمين ومصالحهم. وَفِيه: الرَّغْبَة فِي شُهُود جنائز الصَّالِحين. وَفِيه: جَوَاز الصَّلَاة على الْقَبْر، وَهِي مَسْأَلَة خلافية جوزها طَائِفَة، مِنْهُم: عَليّ وَأَبُو مُوسَى وَابْن عمر وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهُم، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَمنعه: النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالثَّوْري. وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَاللَّيْث وَمَالك، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا يجوز إِذا لم يصل الْوَلِيّ والوالي، ثمَّ اخْتلف من قَالَ بِالْجَوَازِ إِلَى كم يجوز؟ فَقيل: إِلَى شهر، وَقيل: مَا لم يبل جسده، وَقيل: أبدا، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ فِي الْجَنَائِز، إِن شَاءَ اتعالى. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْإِعْلَام بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: أَن على الرَّاوِي التَّنْبِيه على شكه فِيمَا رَوَاهُ مشكوكاً.

٣٧ - (بابُ تحْرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر، وَلَا بُد فِيهِ من تَقْدِير مُضَاف، لِأَن المُرَاد بَيَان ذَلِك، وَتبين أَحْكَامه وَلَيْسَ المُرَاد بِأَن تَحْرِيمهَا مُخْتَصّ بِالْمَسْجِدِ لِأَنَّهَا حرَام، سَوَاء كَانَت فِي الْمَسْجِد أَو فِي غَيره، وَقَوله: فِي الْمَسْجِد، يتَعَلَّق بِالتَّحْرِيمِ لَا بِالتِّجَارَة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أَخذ من كَلَام ابْن بطال: وغرض البُخَارِيّ هُنَا فِي هَذَا الْبَاب، وَا أعلم، أَن الْمَسْجِد لما كَانَ للصَّلَاة وَلذكر اتعالى منزهاً من الْفَوَاحِش، وَالْخمر والربا من أكبر الْفَوَاحِش يمْنَع من ذَلِك، فَلَمَّا ذكر الشَّارِع تَحْرِيمهَا فِي الْمَسْجِد، ذكر أَنه لَا بَأْس بِذكر الْمُحرمَات والأقذار فِي الْمَسْجِد على وَجه النَّهْي عَنْهَا، وَالْمَنْع مِنْهَا. انْتهى. وَأخذ بَعضهم من كَلَامه: فَقَالَ: بَاب تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر فِي الْمَسْجِد، أَي: جَوَاز ذكر ذَلِك. قلت: كل هَذَا خَارج عَن المهيع أَو تَصَرُّفَات بِغَيْر تَأمل، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي بَيَان جَوَاز ذكر ذَلِك فِي الْمَسْجِد، إِذْ هُوَ مُبين من الْخَارِج، وَلَيْسَ غَرَض البُخَارِيّ ذَلِك، وَإِنَّمَا غَرَضه بَيَان أَن تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر وَقع فِي الْمَسْجِد، لِأَن ظَاهر حَدِيث الْبَاب مُصَرح بذلك، لِأَن عَائِشَة. قَالَت: لما نزلت الْآيَات من سُورَة الْبَقَرَة فِي الرِّبَا خرج النَّبِي إِلَى الْمَسْجِد إِلَى آخِره، فَهَذَا ظَاهره أَن تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر بعد نزُول آيَات الرِّبَا. فَإِن قلت: كَانَ تَحْرِيم الْخمر قبل نزُول آيَات الرِّبَا بِمدَّة طَوِيلَة، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَلَمَّا حرمت الْخمر حرمت التِّجَارَة فِيهَا أَيْضا قطعا، فَمَا الْفَائِدَة فِي ذكر تَحْرِيم تجارتها هَهُنَا. قلت: يحْتَمل كَون تَحْرِيم التِّجَارَة فِيهَا قد تَأَخَّرت عَن وَقت تَحْرِيم عينهَا، وَيحْتَمل أَن يكون ذكره هُنَا تَأْكِيدًا ومبالغة فِي إِشَاعَة ذَلِك، أَو يكون قد حضر الْمجْلس من لم يبلغهُ تَحْرِيم التِّجَارَة فِيهَا قبل ذَلِك، فَأَعَادَ ذكر ذَلِك للإعلام لَهُم، وَكَانَ ذَلِك وَرَسُول الله فِي الْمَسْجِد، وَهَذَا أَيْضا هُوَ موقع التَّرْجَمَة، وَلَيْسَ ذَلِك مثل مَا قَالَ بَعضهم: وموقع التَّرْجَمَة أَن الْمَسْجِد منزه عَن الْفَوَاحِش قولا وفعلاً، لَكِن يجوز ذكرهَا فِيهِ للتحذير مِنْهَا. انْتهى. قلت: إِذا كَانَ ذكر الْفَوَاحِش جَائِزا فِي الْمَسْجِد لأجل التحذير، فَمَا وَجه تَخْصِيص ذكر فَاحِشَة تَحْرِيم الْخمر فِي الْمَسْجِد؟ وَجَوَاب هَذَا يلْزم هَذَا الْقَائِل، فعلى مَا ذكرنَا لَا يرد سُؤال فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب.

٩٥٤٨١١ - ح دّثنا عَبْدَانُ عَنْ أبي حَمْزَة عنِ الأَعْمَشِ عنْ مسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ لَمَّا أُنْزِلَتِ الآياتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا خَرَجَ النبيُّ إلَى المَسْجِدِ فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الخَمْرِ. (الحَدِيث ٩٥٤ أَطْرَافه فِي: ٤٨٠٢، ٦٢٢٢، ٠٤٥٤، ١٤٥٤، ٢٤٥٤، ٣٤٥٤) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة قد ذَكرنَاهَا الْآن.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَبْدَانِ: هُوَ عبد ابْن عُثْمَان الْمروزِي، وعبدان، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: لقب لَهُ قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَأَصله من الْبَصْرَة. الثَّانِي: أَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: اسه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، مر فِي بَاب نفض الْيَدَيْنِ فِي الْغسْل. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل