الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٦٧
الحديث رقم ٤٧٦٧ من كتاب «سورة الفرقان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فسوف يكون لزاما أي هلكة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١١١⦘
قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾».
الشُّعَرَاءُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تَبْنُونَ، ﴿هَضِيمٌ﴾ يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ، مُسَحَّرِينَ الْمَسْحُورِينَ، لَيْكَةُ وَالْأَيْكَةُ جَمْعُ أَيْكَةٍ، وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ، ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ، ﴿مَوْزُونٍ﴾ مَعْلُومٍ، ﴿كَالطَّوْدِ﴾ الْجَبَلِ. الشِّرْذِمَةُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ الْمُصَلِّينَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ كَأَنَّكُمْ الرِّيعُ الْأَيْفَاعُ مِنَ الْأَرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وَأَرْيَاعٌ، وَاحِدُ الرِّيعَةِ. ﴿مَصَانِعَ﴾ كُلُّ بِنَاءٍ فَهْوَ مَصْنَعَةٌ، فَرِهِينَ مَرِحِينَ، ﴿فَارِهِينَ﴾ بِمَعْنَاهُ، وَيُقَالُ فَارِهِينَ حَاذِقِينَ، ﴿تَعْثَوْا﴾ أَشَدُّ الْفَسَادِ، عَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا، الجِبِلَّةُ الْخَلْقُ، جُبِلَ خُلِقَ، وَمِنْهُ جُبُلًا. وَجِبِلًا وَجُبْلًا يَعْنِي الْخَلْقَ.
﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾
٤٧٦٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَهُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ: إِلَّا مَنْ نَدِمَ. وَحَاصِلُ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ تَارَةً يَجْعَلُ الْآيَتَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَلِذَلِكَ يَجْزِمُ بِنَسْخِ إِحْدَاهُمَا، وَتَارَةً يَجْعَلُ مَحَلَّهُمَا مُخْتَلِفًا.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِأَنَّ عُمُومَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ خَصَّ مِنْهَا مُبَاشَرَةَ الْمُؤْمِنَ الْقَتْلَ مُتَعَمِّدًا، وَكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ يُطْلِقُونَ النَّسْخَ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى التَّنَاقُضِ، وَأَوْلَى مِنْ دَعْوَى أَنَّهُ قَالَ بِالنَّسْخِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا لَا تَوْبَةَ لَهُ مَشْهُورٌ عَنْهُ، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ فَرَوَى أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْجَابِرِ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ الذَّهَبِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَمَا كُفَّ بَصَرُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا تَرَى فِي رَجُلٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا؟ قَالَ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ وَسَاقَ الْآيَةَ إِلَى: ﴿عَظِيمًا﴾ قَالَ: لَقَدْ نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَا نَزَلَ وَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى؟ قَالَ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ وَالْهُدَى؟ لَفْظُ يَحْيَى الْجَابِرِ، وَالْآخَرُ نَحْوَهُ.
وَجَاءَ عَلَى وَفْقِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ ; إِلَّا الرَّجُلَ يَمُوتُ كَافِرًا، وَالرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، وَقَدْ حَمَلَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَجَمِيعُ أَهْلِ السُّنَّةِ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيظِ، وَصَحَّحُوا تَوْبَةَ الْقَاتِلِ كَغَيْرِهِ، وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلُهُ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أَيْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُجَازِيَهُ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ أَتَى تَمَامَ الْمِائَةِ فَقَالَ لَهُ: لَا تَوْبَةَ، فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةً. ثُمَّ جَاءَ آخَرَ فَقَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ. الْحَدِيثَ، وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ وَاضِحًا. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قُبِلَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَمِثْلُهُ لَهُمْ أَوْلَى لِمَا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْأَثْقَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ.
٥ - بَاب ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ هَلَكَةً
٤٧٦٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخَانُ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ هَلَكَةً) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أَيْ جَزَاءً يُلْزِمُ كُلَّ عَامِلٍ بِمَا عَمِلَ، وَلَهُ مَعْنًى آخَرَ يَكُونُ هَلَاكًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ أَبُو الضُّحَى الْكُوفِيُّ.
٢٦ - سُورَةُ الشُّعَرَاءِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَعْبَثُونَ: تَبْنُونَ، هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ، مُسَحَّرِينَ: مَسْحُورِينَ، الليْكَةُ وَالْأَيْكَةُ: جَمْعُ أَيْكَةٍ وَهِيَ جَمْعُ الشَجَرٍ، يَوْمِ الظُّلَّةِ: إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ، مَوْزُونٍ: مَعْلُومٍ. كَالطَّوْدِ: كَالْجَبَلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَشِرْذِمَةٌ الشِّرْذِمَةُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، فِي السَّاجِدِينَ: الْمُصَلِّينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ: كَأَنَّكُمْ، الرِّيعُ: الْأَيْفَاعُ مِنْ الْأَرْضِ، وَجَمْعُهُ: رِيَعَةٌ، وَأَرْيَاعٌ وَاحِدُهُ الرِّيعَةٌ،
مَصَانِعَ: كُلُّ بِنَاءٍ فَهُوَ مَصْنَعَةٌ، فَرِهِينَ: مَرِحِينَ، فَارِهِينَ: بِمَعْنَاهُ، وَيُقَالُ: فَارِهِينَ: حَاذِقِينَ، تَعْثَوْا: هُوَ أَشَدُّ الْفَسَادِ، وَعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا، الْجِبِلَّةَ: الْخَلْقُ، جُبِلَ: خُلِقَ، وَمِنْهُ: جُبُلًا وَجِبِلًا وَجُبْلًا: يَعْنِي الْخَلْقَ - قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ مُؤَخَّرَةً.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تَبْنُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قَالَ: بِكُلِّ فَجٍّ. ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ بُنْيَانًا، وَقِيلَ: كَانُوا يَهْتَدُونَ فِي الْأَسْفَارِ بِالنُّجُومِ، ثُمَّ اتَّخَذُوا أَعْلَامًا فِي أَمَاكِنَ مُرْتَفِعَةٍ لِيَهْتَدُوا بِهَا، وَكَانُوا فِي غُنْيَةٍ عَنْهَا بِالنُّجُومِ، فَاتَّخَذُوا الْبُنْيَانَ عَبَثًا.
قَوْلُهُ: ﴿هَضِيمٌ﴾ يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: يَتَهَشَّمُ هَشِيمًا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ: الطَّلْعَةُ إِذَا مَسِسْتَهَا تَنَاثَرَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: الْهَضِيمُ الرَّطْبُ اللِّينُ، وَقِيلَ: الْمُذَنَّبُ.
قَوْلُهُ: (مُسَحَّرِينَ: مَسْحُورِينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَسْحُورِينَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَنْ أَكَلَ فَهُوَ مُسَحَّرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ سِحْرًا يَفْرِي مَا أَكَلَ فِيهِ انْتَهَى. وَالسَّحْرُ بِمُهْمَلَتَيْنِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ: الرِّئَةُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى: إنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَتَسْحَرُ بِهِ فَأَنْتَ بَشَرٌ مِثْلُنَا لَا تَفْضُلُنَا فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ الْمُصَلِّينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى مَنْ خَلْفَهُ فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (اللَّيْكَةُ وَالْأَيْكَةُ جَمْعُ أَيْكَةٍ، وَهِيَ جَمْعُ الشَّجَرِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: جَمْعُ شَجَرٍ، وَلِلْبَعْضِ: جَمَاعَةُ الشَّجَرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مَعَ شَرْحِهِ، وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَمِنْ قَوْلِهِ: جَمْعُ أَيْكَةٍ … إِلَخْ هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ فِيهِ سَهْوٌ؛ فَإِنَّ الليْكَةَ وَالْأَيْكَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَالْمُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ فَقَطْ، وَقِيلَ: لَيْكَةِ اسْمُ الْقَرْيَةِ، وَالْأَيْكَةُ الْغَيْضَةُ وَهِيَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: جَمْعُ شَجَرٍ يُقَالُ: جَمْعُهَا لَيْكٌ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ.
قَوْلُهُ: ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿مَوْزُونٍ﴾ مَعْلُومٌ) كَذَا لَهُمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ كَأَنَّكُمْ. لَيْكَةٌ الْأَيْكَةُ وَهِيَ الْغَيْضَةُ. مَوْزُونٌ مَعْلُومٌ فَأَمَّا قَوْلُهُ: لَعَلَّكُمْ. فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ بِهِ، وَحَكَى الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْوَاحِدِيِّ قَالَ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ لَعَلَّ فَهُوَ لِلتَّعْلِيلِ، إِلَّا هَذَا الْحَرْفُ فَإِنَّهُ لِلتَّشْبِيهِ، كَذَا قَالَ: وَفِي الْحَصْرِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ وَقَدْ قَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأَنَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَيْ تَخْلُدُوا، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَوْثِقُونَ مِنَ الْبِنَاءِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا تُحْصِنَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَكَأَنَّهُمْ صَنَعُوا الْحِجْرَ صَنِيعَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَخْلُدُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَيْكَةٌ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَوْزُونٍ﴾ فَمَحَلُّهُ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ، وَوَقَعَ ذِكْرُهُ هُنَا غَلَطًا، وَكَأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ بَعْضِ مَنْ نَسَخَ الْكِتَابَ مِنْ مَحَلِّهِ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قَالَ: بِقَدَرٍ مَقْدُورٍ.
قَوْلُهُ: ﴿كَالطَّوْدِ﴾ كَالْجَبَلِ) وَقَعَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ مَنْسُوبًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِغَيْرِهِ مَنْسُوبًا إِلَى مُجَاهِدٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ: عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ الشِّرْذِمَةُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ)، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ ذِكْرُ ذَلِكَ فِيمَا نُسِبَ إِلَى مُجَاهِدٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ أَيْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: قَلِيلُونَ، وَالَّذِي أَوْرَدَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قَالَ: هُمْ يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يُحْصَى عَدَدُ أَصْحَابِ فِرْعَوْنِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسَى الْبَحْرَ كَانُوا سِتَّمِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةٍ فَصَاعِدًا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (الرِّيَعُ: الْأَيْفَاعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وَأَرْيَاعٌ، وَاحِدُهُ رَيْعَةٌ) كَذَا فِيهِ، وَرَيْعَةُ الْأَوَّلِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالثَّانِي بِسُكُونِهَا، وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: رِيعٌ وَاحِدٌ جَمْعُهُ أَرْيَاعٌ، وَرِيَعَةٌ بِالتَّحْرِيكِ، وَرِيَعٌ أَيْضًا وَاحِدُهُ: رَيْعَةٌ بِالسُّكُونِ كَعِهْنٍ وَعِهْنَةٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ الرِّيعُ: الِارْتِفَاعُ مِنَ الْأَرْضِ وَالْجَمْعُ: أَرْيَاعٌ وَرِيَعَةٌ، وَالرَّيْعَةُ وَاحِدُه أَرْيَاعٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ أَيْ بِكُلِّ طَرِيقٍ.
قَوْلُهُ: ﴿مَصَانِعَ﴾ كُلُّ بِنَاءٍ فَهُوَ مَصْنَعَةٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: بِفَتْحِ النُّونِ وَبِضَمِّهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الْمَصَانِعُ الْقُصُورُ وَالْحُصُونُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: الْمَصَانِعُ عِنْدَنَا بِلُغَةِ الْيَمَنِ الْقُصُورُ الْعَادِيَّةُ. وَقَالَ سُفْيَانُ: مَا يُتَّخَذُ فِيهِ الْمَاءُ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمَصَانِعُ الْقُصُورُ الْمُشَيَّدَةُ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ: الْمَصَانِعُ بُرُوجُ الْحَمَامِ.
قَوْلُهُ: (فَرِهِينَ: مَرِحِينَ) كَذَا لَهُمْ، وَلِأَبِي ذَرٍّ: فَرِحِينَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ لِقُرْبِ مَخْرَجِ الْحَاءِ مِنَ الْهَاءِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (بُيُوتًا فَرِهِينَ) أَيْ مَرِحِينَ. وَلَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْفَرِحِينَ بِالْمَرِحِينَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ.
قَوْلُهُ: (فَارِهِينَ بِمَعْنَاهُ، وَيُقَالُ: فَارِهِينَ: حَاذِقِينَ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَأَنْشَدَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ:
لَا أَسْتَكِينُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ … وَلَنْ تَرَانِي بِخَيْرٍ فَارِهَ اللِّيثِ
وَاللِّيْثُ بِكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ: الْعُنُقُ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالْكَلْبِيُّ فِي قَوْلِهِ: (فَرِهِينَ) قَالَ: مُعْجَبِينَ بِصَنِيعِكُمْ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: آمِنِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: شَرِهِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادَ قَالَ أَحَدُهُمَا: حَاذِقِينَ، وَقَالَ الْآخَرُ: جَبَّارِينَ.
قَوْلُهُ: (تَعْثَوْا: هُوَ أَشَدُّ الْفَسَادُ، وَعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا) مُرَادُهُ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَمْ يَرِدْ أَنْ تَعْثَوْا مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَيْثِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ هُوَ مِنْ عَثِيَتْ تَعْثِي، وَهُوَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنْ عَثَتْ تَعِيثُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾؛ أَيْ: لَا تَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
قَوْلُهُ: (الْجِبِلَّةَ: الْخَلْقُ، جُبِلَ خُلِقَ، وَمِنْهُ جُبُلًا وَجِبِلًّا وَجُبْلًا يَعْنِي الْخَلْقُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَوْلَى؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ﴾ أَيِ الْخَلْقُ، هُوَ مِنْ جُبِلَ عَلَى كَذَا أَيْ: تَخَلَّقَ. وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا﴾ مُثَقَّلٌ وَغَيْرُ مُثَقَّلٍ، وَمَعْنَاهُ: الْخَلْقُ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: مُثَقَّلٌ وَغَيْرُ مُثَقَّلٍ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُمَا، وَفِيهِمَا قِرَاءَاتٌ: فَفِي الْمَشْهُورِ بِكَسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدُ اللَّامِ لِنَافِعٍ، وَعَاصِمٍ، وَبِضَمَّةٍ ثُمَّ سُكُونٍ لِأَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ، وَبِكَسْرَتَيْنِ وَاللَّامُ خَفِيفَةٌ لِلْأَعْمَشِ، وَبِضَمَّتَيْنِ وَاللَّامُ خَفِيفَةٌ لِلْبَاقِينَ، وَفِي الشَّوَاذِّ بِضَمَّتَيْنِ ثُمَّ تَشْدِيدٌ، وَبِكَسْرَةٍ ثُمَّ سُكُونٍ، وَبِكَسْرَةٍ ثُمَّ فَتْحَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ أُخْرَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ﴾ قَالَ: خَلْقُ الْأَوَّلِينَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مباشرةُ المؤمنِ القتلَ متعمِّدًا، وكثيرٌ مِنَ السلف يُطلقون النسخَ على التخصيص، وهذا أَولى مِن حمل كلامه على التناقض، وأَولى مِن أنَّه قال بالنسخ ثم رجع عنه، والمشهورُ عنه القولُ بأنَّ المؤمن إذا قَتَلَ مؤمنًا متعمِّدًا لا توبةَ له، وحمله الجمهورُ منه على التغليظ، وصحَّحوا توبةَ القاتل كغيرِه (١).
وسبق في «النِّساء» [خ¦٤٥٩٠] من مباحث ذلك.
(٥) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (٣) في قوله تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾) جزاءُ التكذيب (﴿لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]) قال أبو عُبيدة: (هَلَكَةً) وللأصيليِّ: «أي: هلكة» والمعنى: فسوف يكون تكذيبُكُم مقتضيًا لهلاككم وعذابكم (٤) ودمارِكم في الدنيا والآخرة، وقال ابن عبَّاس: موتًا، و ﴿لِزَامًا﴾ خبرُ ﴿يَكُونُ﴾ واسمُها مضمَرٌ كما مرَّ.
٤٧٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفصٍ النَّخَعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ صُبيحٍ أبو الضُّحى الكوفيُّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابنُ مسعودٍ ﵁: (خَمْسٌ) مِنَ العلامات الدالَّة على الساعة (قَدْ مَضَيْنَ) أي: وقعن (الدُّخَانُ) المشار إليه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (٥) [الدخان: ١٠] (وَالقَمَرُ) في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]
(وَالرُّومُ) في قوله تعالى: ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] (وَالبَطْشَةُ) في قوله جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] وهو القتل يومَ بدر (وَاللِّزَامُ) في قوله تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾) قال ابن كثير: ويدخل في ذلك يوم بدر، كما فسَّره ابنُ مسعودٍ، وأُبَيُّ بن كعب، ومحمَّد بنُ كعبٍ القُرَظيُّ، ومجاهدٌ، والضَّحَّاك، وقَتادة، والسُّدِّي، وغيرُهم، وقال الحسن: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] يعني: يوم القيامة، قال ابنُ كثير: ولا منافاةَ بينهما. انتهى. وعلى تفسير البطشة واللِّزام بيوم بدر؛ يكون (١) المعدودُ في الحقيقة أربعًا، ويحتاج إلى بيانِ الخامس وإن حصل بقول الحسن بيانُ الخامس في الجملة، لكن تفسيرُه بيوم القيامة فيه شيءٌ؛ لأنَّ مراده تفسيرُ خمسٍ مضينَ، وما يكون يومَ القيامة مستقبَلٌ لا ماضٍ، ففي قولِ ابنِ كثيرٍ: ولا منافاةَ بينهما؛ نظرٌ، وقد يُجابُ بأنه لتحقُّق وقوعِه عُدَّ ماضيًا، قاله في «المصابيح».
وهذا الحديث قد سبق في «الاستسقاء» [خ¦١٠٠٧].
(((٢٦))) (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ) مكِّيَّة إلَّا قوله: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ (٢)﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخرها، وهي مئتان وعشرون وستُّ آياتٍ.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ
في قوله تعالى: (﴿تَعْبَثُونَ﴾) من قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] أي: (تَبْنُونَ) وقال الضَّحَّاك ومقاتِلٌ: هو الطريق، قال ابن عبَّاس: كانوا يبنون بكلِّ رِيع عُلِيَّاءَ (١) يعبثون فيه بمَن يمرُّ في الطريق إلى هودٍ ﵇، وقيل: كانوا يبنون الأماكن المرتفعة؛ ليُعرف بذلك غِناهم، فنُهوا عنه (٢) ونُسبوا إلى العَبَث.
(﴿هَضِيمٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿فِي (٣) جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٧ - ١٤٨] (يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ) بضمِّ الميم وتشديد السِّين المهملة (٤) مبنيًّا للمفعول، وهذا قاله مجاهد أيضًا، وقال ابن عبَّاسٍ: هو اللطيف، وقال عكرمة: اللَّيِّن، وقيل: ﴿هَضِيمٌ﴾ أي: يَهضِمُ الطعام، وكلُّ هذا لِلَطافَتِه.
(مُسَحَّرِينَ) في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي: (المَسْحُورِينَ) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «مَسْحُورِينَ» الذين سُحروا مرَّةً بعدَ أخرى من المخلوقين.
(لَيْكَةُ) بلامٍ مفتوحة مِن غير ألف وصل قبلَها، ولا همزةٍ بعدَها، غيرُ منصرفٍ، اسمٌ غيرُ معرَّفٍ بـ «أل»، مضافٌ إليه ﴿أَصْحَابُ﴾ [الشعراء: ١٧٦] وبه قرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ، ولأبي ذرٍّ: «واللَّيكة» بألف وصلٍ وتشديد اللَّام (وَالإِيْكَةُ) بألف وصلٍ وسكون اللَّام وبعدها همزة مكسورة (جَمْعُ أَيْكَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «جمع (٥) الأيكة» (وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ) وكان شجرَهُم الدَّوْمُ؛ وهو المُقْل، قال العينيُّ: الصواب أنَّ اللَّيكة والأيكة جمع (٦) أيك، وكيف يقال: الأيكة جمع أيكة؟
(﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾) في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] هو (إِظْلَالُ العَذَابِ إِيَّاهُمْ) على نحو ما اقترحوا بأن سلَّط اللهُ عليهم الحَرَّ سبعةَ أيَّامٍ حتَّى غلت أنهارُهم، فأظلَّتْهُم سحابةٌ، فاجتمعوا تحتَها، فأمطرتْ عليهم نارًا، فاحترقوا.
(﴿مَّوْزُونٍ﴾) في سورة الحجر [الآية: ١٩] أي: (مَعْلُومٍ) ولعلَّ ذكره هنا من ناسخ، فالله أعلم.
(﴿كَالطَّوْدِ﴾ [الشعراء: ٦٣]) أي: (الجَبَلِ) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «كالجَبَل» بزيادة الكاف.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ مجاهدٍ: (﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ﴾ [الشعراء: ٥٤] (الشِّرْذِمَةُ: طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ) والجملةُ (١) معمولٌ لقولٍ مُضمَرٍ، أي: قال: إنَّ هؤلاء، وهذا القولُ يجوزُ أن يكون حالًا، أي: أرسلَهم قائلًا ذلك، ويجوز أن يكون مفسِّرًا لـ ﴿أَرْسَلَ﴾ وجمعُ الشِّرذِمةِ: شَراذِم، فذَكَرَهم بالاسم الدال على القِلَّة، ثمَّ جَعَلَهم قليلًا بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كلَّ حزبٍ منهم قليلًا، واختار جمعَ السَّلامة الذي هو من قبيل (٢) جمعِ القِلَّة، وإنَّما استقلَّهم وكانوا ست مئة وسبعين ألفًا بالإضافة إلى جنودِه؛ لأنَّه رُوِيَ: أنَّه خرجَ وكانت مقدِّمتُه سبع مئة ألف.
(﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾) في قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أي: (المُصَلِّينَ) وقال مقاتِلٌ: مع المصلِّين في الجماعة، أي: نراك حين تقوم وحدَك للصلاة، ونراك (٣) إذا صليت مع الجماعة، وقال مجاهد: نرى تقلُّب (٤) بصرك في المصلِّين، فإنَّه كان يبصرُ مِن خلْفِه كما يبصر مِن أمامه، وعن ابن عبَّاسٍ: تقلُّبَك في أصلاب الأنبياء مِن نبيٍّ إلى نبيٍّ حتى أخرجتُك في هذه الأمَّة.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] أي: (كَأَنَّكُمْ) تخلدون في الدنيا، وليس ذلك بحاصلٍ لكم (٥)، بل زائلٌ عنكم، كما زال عمَّن قبلَكم، قال الواحديُّ: كلُّ ما وقع في القرآن «لعلَّ»؛ فإنَّها للتعليل، إلَّا هذه؛ فإنَّها للتشبيه، ويؤيِّده ما في حرف أُبيٍّ: (كأنَّكم تخلُدُون)، وعُورِضَ ما ذَكَرَه مِنَ الحصر بقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] لكن لم يُعلَم مَن نص على أنَّ «لعلَّ» تكون للتعليل.
(الرِّيعُ) في قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ [الشعراء: ١٢٨] هو (الأَيْفَاعُ) بفتح الهمزة وسكون التحتيَّة وبعد الفاء ألف فعين مهملة، أي: المرتفع (مِنَ الأَرْضِ) قال ذو الرُّمَّة:
طِراقُ الخوافي مشرفٌ فوقَ رِيعَةٍ … ندى ليلِهِ (١) في رِيشهِ يترقرقُ
(وَجَمْعُهُ) أي: الرِّيع (رِيَعَةٌ) بكسر الرَّاء وفتح التحتيَّة والعين المهملة، كقِرَدَة (وَأَرْيَاعٌ) هو (وَاحِدُ الرِّيَعَةِ) بكسر الرَّاء وفتح التحتيَّة كالأُولى، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «واحده (٢) -وفي نسخة: واحدها- رَيْعة» بسكون التحتيَّة، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ بالسكون، والأُولى بالفتح، وتبعَه العينيُّ، وقال البِرماويُّ كالكِرمانيِّ: وأمَّا الأرياع؛ فمفردُه رِيْعة بالكسر والسكون.
(﴿مَصَانِعَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]) قال أبو عُبيدة: (كُلُّ بِنَاءٍ فَهْوَ مَصْنَعَةٌ) وقال سفيان: ما يُتخَذُ فيه الماء، وقال مجاهدٌ: قصورٌ مَشيدة، وقيل: هي الحصون.
(﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]) بالهاء، قال أبو عُبيدة أي: (مَرِحِينَ (٣)) ولأبي ذرٍّ: «فرحين» «بالحاء» بدل: «الهاء» في الأوَّل، وبالهاء أَوجَه (﴿فَارِهِينَ﴾ بِمَعْنَاهُ) أي: بمعنى ﴿فَارِهِينَ﴾ (٤)، مِن قولهم: فَرِهَ زيدٌ فهو فاره (وَيُقَالُ: ﴿فَارِهِينَ﴾) أي: (حَاذِقِينَ) وفارهينَ حالٌ مِنَ الناحتين.
(﴿تَعْثَوْا﴾) في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] (هو أَشَدُّ الفَسَادِ) وسقط لفظ «هو» لغير الأصيليِّ (٥) (وعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا) يريد أنَّ اللفظين بمعنًى واحد، لا أنَّ (٦) ﴿تَعْثَوْا﴾ مشتقٌّ مِن «عاث»؛ لأنَّ «يعثو» معتلُّ اللَّام ناقصٌ، و «عاث» معتلُّ العين أجوف، وثبتت (٧) الواو في وعاث لأبي ذرٍّ.
(الجِبِلَّةُ) في قوله: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] هي (الخَلْقُ) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللَّام (جُبِلَ) بضمِّ الجيم وكسر الموحَّدة؛ أي: (خُلِقَ) وزنه ومعناه (وَمِنْهُ) ومن هذا الباب
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يَوْم بدر قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ، وَقيل: عَذَاب الْقَبْر، وَقَالَ ابْن جرير: عذَابا دَائِما لَازِما وهلاكاً مستمراً.
٧٦٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حدَّثنا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوق قَالَ عَبْدُ الله خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخانُ والقَمَرُ والرُّومُ والبَطْشَةُ واللِّزَامُ {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} (الْفرْقَان: ٧٧) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ.
قَوْله: (خمس) أَي: خَمْسَة عَلَامَات (قد مضين) ، أَي وقعن. الأولى: الدُّخان. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين} (الدُّخان: ٠١) . الثَّانِيَة: الْقَمَر، قَالَ الله تَعَالَى: {اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر} (الْقَمَر: ١) . الثَّالِثَة: الرّوم، قَالَ الله تَعَالَى: {ألم غلبت الرّوم} (الرّوم: ١) . الرَّابِعَة: البطشة. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى} (الدُّخان: ٦١) وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي وَقع يَوْم بدر. الْخَامِسَة: للزام {فَسَوف يكون لزاماً} قيل: هُوَ الْقَحْط، وَقيل: هُوَ التصاق الْقَتْلَى بَعضهم بِبَعْض فِي بدر، وَقيل: هُوَ الْأسر فِيهِ، وَقد أسر سَبْعُونَ قرشياً فِيهِ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الاسْتِسْقَاء.
٦٢ - (سورَةُ الشُّعَرَاءِ)
أَي: هَذَا تَفْسِير بعض سُورَة الشُّعَرَاء. مَكِّيَّة كلهَا إِلَّا آيَة وَاحِدَة. {إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا وانتصروا من بَعْدَمَا ظلمُوا} (الشُّعَرَاء: ٧٢٢) نزلت فِي حسان وَعبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك شعراء الْأَنْصَار، وَقَالَ مقَاتل: فِيهَا من الْمدنِي آيتان: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٢٢) وَقَوله: {أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل} (الشُّعَرَاء: ٧٩١) وَعند السخاوي: نزلت بعد سُورَة الْوَاقِعَة، وَقبل سُورَة النَّمْل، وَهِي: مِائَتَان وَسبع وَعِشْرُونَ آيَة، وَألف ومائتان وَسبع وَتسْعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وإثنان وَأَرْبَعُونَ حرفا.
{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}
ثبتَتْ لأبي ذَر
وَقَالَ مُجاِدٌ تَعْبَثُونَ تَبْنُونَ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) وَفسّر تعبثون بقوله: (تبنون) . وصصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله: {أتبنون بِكُل ريع} قَالَ: بِكُل فج (آيَة تعبثون) ، قَالَ: بنياناً. وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع بِكُل شرف، عَن قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل والكلبي: طَرِيق، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن عِكْرِمَة: وَاد، وَعَن مقَاتل: كَانُوا يسافرون وَلَا يَهْتَدُونَ إلَاّ بالنجوم فبنوا على الطّرق أعلاماً طوَالًا عَبَثا ليهتدوا بهَا وَكَانُوا فِي غبة مِنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانُوا يبنون بروجاً للحمامات يعبثون بهَا. والريع الْمُرْتَفع من الأَرْض وَالْجمع ريعة بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء، وَأما الأرياع فمفرده: ريعة، بِالْكَسْرِ والسكون.
هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إذَا مُسَّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فِي جنَّات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم} (الشُّعَرَاء: ٧٤١ ٨٤١) وَفسّر هضيماً بقوله: (يتفتت إِذا مس) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قَول مُجَاهِد أَيْضا، وَقيل: هُوَ المنظم فِي وعائه قبل أَن يظْهر.
مُسَحَّرِينَ: المَسْحُورِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين} (الشُّعَرَاء: ٣٥١ ٥٨١) وَفَسرهُ بقوله: (المسحورين) أَي: من سحر مرّة بعد مرّة من المخلوقين المعللين بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، وَقَالَ الْفراء: أَي أَنَّك تَأْكُل الطَّعَام وتشرب الشَّرَاب وتسحر بِهِ، وَالْمعْنَى: لست بِملك إِنَّمَا أَنْت بشر مثلهَا لَا تفضلنا فِي شَيْء. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل من أكل فَهُوَ مسحر، وَذَلِكَ أَن لَهُ سحرًا، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء، أَي: رئة، وَقيل: من السحر بِالْكَسْرِ.
واللَّيْكَةُ والأيْكَةُ جَمْعُ أيْكَةٍ وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كذب أصحابُ الأيكة الْمُرْسلين} (الشُّعَرَاء: ٦٧١) والليكة، بِفَتْح اللَّام والأيكة بِفَتْح الْهمزَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: من قَرَأَ أَصْحَاب الأيكة فَهِيَ الغيضة، وَمن قَرَأَ: ليكة، فَهِيَ الْقرْيَة. وَقَالَ: الأيك الشّجر الْكثير الملتف الْوَاحِدَة أيكة. قلت: قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر أَصْحَاب ليكة هُنَا، وَفِي (ص) بِغَيْر همزَة، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ فيهمَا. قَوْله: (جمع أيكة) كَذَا فِي النّسخ وَهُوَ غير صَحِيح، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: والليكة والأيكة مُفْرد أيك، وَيُقَال: جمعهَا أيك، وَالْعجب من بعض الشُّرَّاح حَيْثُ لم يذكر
هُنَا شَيْئا بل قَالَ: الْكَلَام الأول من قَول مُجَاهِد، وَمن جمع أيكة ... الخ من كَلَام أبي عُبَيْدَة، وحاشا من مُجَاهِد وَمن أبي عُبَيْدَة أَن يَقُولَا الأيكة جمع أيكة. قَوْله: (وَهِي جمع شجر) ، كَذَا للأكثرين، وَعند أبي ذَر: وَهِي جمع الشّجر، وَفِي بعض النّسخ وَهِي جمَاعَة الشّجر، وعَلى كل التَّقْدِير: هَذَا فِي نفس الْأَمر تَفْسِير غيضة الَّتِي يُفَسر بهَا الأيكة، لِأَن الغيضة هِيَ جمَاعَة الشّجر، وَإِذا لم يُفَسر الأيكة بالغيضة لَا يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام. فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع التَّأَمُّل.
يَوْمِ الظُّلَّةِ أظْلَالُ العَذَابِ إيَّاهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة} وَفسّر (يَوْم الظلة) بقوله: (إظلال الْعَذَاب إيَّاهُم) ، وَفِي التَّفْسِير معنى الظلة هُنَا: السَّحَاب الَّتِي أظلتهم.
مَوْزُونٍ مَعْلُومٍ
هَذَا غير وَاقع فِي مَحَله فَإِنَّهُ فِي سُورَة الْحجر، وَكَأَنَّهُ من جهل النَّاسِخ لعدم تَمْيِيزه، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وأنبتنا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون} (الْحجر: ٩١) .
كالطَّوْدِ الجَبَلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَكَانَ كل فرق كالطود الْعَظِيم} (الشُّعَرَاء: ٣٦) وَفسّر الطود بِالْجَبَلِ، وَوَقع هَذَا لأبي ذَر مَنْسُوبا إِلَى ابْن عَبَّاس، وَلغيره مَنْسُوبا إِلَى مُجَاهِد، وَفِي بعض النّسخ: كالطود الْجَبَل.
الشِّرْذِمَةُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٥) وَفسّر الشرذمة (بطَائفَة قَليلَة) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أرسل فِرْعَوْن فِي إِثْر مُوسَى لما خرج مَعَ بني إِسْرَائِيل ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف ملك، مَعَ كل ملك ألف فَارس، وَخرج فِرْعَوْن فِي الْكُرْسِيّ الْعَظِيم فَكَانَ فِيهِ ألفا ألف فَارس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: أتبعه فِرْعَوْن فِي ألفي حصان سوى الْإِنَاث وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سِتّمائَة ألف من بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ فِرْعَوْن: إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ، فَكيف التَّوْفِيق بَين الْكَلَامَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد ابْن عَبَّاس: خَواص فِرْعَوْن الَّذين كَانُوا يلازمونه لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلم يذكر غَيرهم، على أَن الَّذِي ذكره الثَّعْلَبِيّ لَا يَخْلُو عَن نظر، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله، قَالَ: كَانُوا سِتّمائَة ألف وَسبعين ألفا.
فِي السَّاجِدِينَ المُصَلِّينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين} (الشُّعَرَاء: ٨١٢ ٩١٢) وَفسّر الساجدين بالمصلين، وَكَذَا فسره الْكَلْبِيّ، وَقَالَ: الَّذِي يرى تصرفك مَعَ الْمُصَلِّين فِي أَرْكَان الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة قَائِما وَقَاعِدا وراكعاً وساجداً. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كأنَّكُمْ
أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون} (الشُّعَرَاء: ٩٢١) إِن معنى: لَعَلَّكُمْ كأنكم، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: كأنكم تخلدون، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: {لَعَلَّكُمْ تخلدون} ، وَعَن الواحدي: كل مَا فِي الْقُرْآن: لَعَلَّ، فَهُوَ للتَّعْلِيل إلَاّ هَذَا الْحَرْف فَإِنَّهُ للتشبيه، قيل: فِي الْحصْر نظر لِأَنَّهُ قد قيل مثل ذَلِك فِي قَوْله: {لَعَلَّك باخع نَفسك} (الشُّعَرَاء: ٣) .
الرِّيعُ الأيْفاعُ مِنَ الأرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وأرْياع واحِدَ الرِّيَعَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) . وَقَالَ: (الرّيع الأيفاع من الأَرْض) ، الأيفاع بِفَتْح الْهمزَة جمع يافع وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَمِنْه يُقَال: غُلَام يافع من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع، وَالصَّوَاب: اليفاع من الأَرْض بِفَتْح الْيَاء وَالْفَاء وَهُوَ الْمُرْتَفع مِنْهَا، وَقد فسر الرّيع بِكَسْر الرَّاء بقوله: الايفاع واليفاع من الأَرْض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: غُلَام يافع ويفع ويفعة وغلمان أيفاع ويفعة أَيْضا، وَقَالَ: والريع بِالْكَسْرِ الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَقَالَ عمَارَة: هُوَ الْجَبَل، والريع أَيْضا: الطَّرِيق. قلت: وَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ، وَقيل: الْفَج بَين الجبلين، وَعَن مُجَاهِد: الثَّنية الصَّغِيرَة وَعَن عِكْرِمَة وادٍ، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع يَعْنِي: بِكُل شرف، والريع بِالْفَتْح النَّمَاء، وَمِنْه ريع الاملاك. قَوْله: (وَجمعه) ، أَي: جمع الرّيع (ريعة) بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَهُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ: إِلَّا مَنْ نَدِمَ. وَحَاصِلُ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ تَارَةً يَجْعَلُ الْآيَتَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَلِذَلِكَ يَجْزِمُ بِنَسْخِ إِحْدَاهُمَا، وَتَارَةً يَجْعَلُ مَحَلَّهُمَا مُخْتَلِفًا.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِأَنَّ عُمُومَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ خَصَّ مِنْهَا مُبَاشَرَةَ الْمُؤْمِنَ الْقَتْلَ مُتَعَمِّدًا، وَكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ يُطْلِقُونَ النَّسْخَ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى التَّنَاقُضِ، وَأَوْلَى مِنْ دَعْوَى أَنَّهُ قَالَ بِالنَّسْخِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا لَا تَوْبَةَ لَهُ مَشْهُورٌ عَنْهُ، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ فَرَوَى أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْجَابِرِ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ الذَّهَبِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَمَا كُفَّ بَصَرُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا تَرَى فِي رَجُلٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا؟ قَالَ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ وَسَاقَ الْآيَةَ إِلَى: ﴿عَظِيمًا﴾ قَالَ: لَقَدْ نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَا نَزَلَ وَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى؟ قَالَ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ وَالْهُدَى؟ لَفْظُ يَحْيَى الْجَابِرِ، وَالْآخَرُ نَحْوَهُ.
وَجَاءَ عَلَى وَفْقِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ ; إِلَّا الرَّجُلَ يَمُوتُ كَافِرًا، وَالرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، وَقَدْ حَمَلَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَجَمِيعُ أَهْلِ السُّنَّةِ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيظِ، وَصَحَّحُوا تَوْبَةَ الْقَاتِلِ كَغَيْرِهِ، وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلُهُ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أَيْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُجَازِيَهُ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ أَتَى تَمَامَ الْمِائَةِ فَقَالَ لَهُ: لَا تَوْبَةَ، فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةً. ثُمَّ جَاءَ آخَرَ فَقَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ. الْحَدِيثَ، وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ وَاضِحًا. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قُبِلَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَمِثْلُهُ لَهُمْ أَوْلَى لِمَا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْأَثْقَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ.
٥ - بَاب ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ هَلَكَةً
٤٧٦٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخَانُ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ هَلَكَةً) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أَيْ جَزَاءً يُلْزِمُ كُلَّ عَامِلٍ بِمَا عَمِلَ، وَلَهُ مَعْنًى آخَرَ يَكُونُ هَلَاكًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ أَبُو الضُّحَى الْكُوفِيُّ.
٢٦ - سُورَةُ الشُّعَرَاءِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَعْبَثُونَ: تَبْنُونَ، هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ، مُسَحَّرِينَ: مَسْحُورِينَ، الليْكَةُ وَالْأَيْكَةُ: جَمْعُ أَيْكَةٍ وَهِيَ جَمْعُ الشَجَرٍ، يَوْمِ الظُّلَّةِ: إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ، مَوْزُونٍ: مَعْلُومٍ. كَالطَّوْدِ: كَالْجَبَلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَشِرْذِمَةٌ الشِّرْذِمَةُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، فِي السَّاجِدِينَ: الْمُصَلِّينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ: كَأَنَّكُمْ، الرِّيعُ: الْأَيْفَاعُ مِنْ الْأَرْضِ، وَجَمْعُهُ: رِيَعَةٌ، وَأَرْيَاعٌ وَاحِدُهُ الرِّيعَةٌ،
مَصَانِعَ: كُلُّ بِنَاءٍ فَهُوَ مَصْنَعَةٌ، فَرِهِينَ: مَرِحِينَ، فَارِهِينَ: بِمَعْنَاهُ، وَيُقَالُ: فَارِهِينَ: حَاذِقِينَ، تَعْثَوْا: هُوَ أَشَدُّ الْفَسَادِ، وَعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا، الْجِبِلَّةَ: الْخَلْقُ، جُبِلَ: خُلِقَ، وَمِنْهُ: جُبُلًا وَجِبِلًا وَجُبْلًا: يَعْنِي الْخَلْقَ - قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ مُؤَخَّرَةً.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تَبْنُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قَالَ: بِكُلِّ فَجٍّ. ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ بُنْيَانًا، وَقِيلَ: كَانُوا يَهْتَدُونَ فِي الْأَسْفَارِ بِالنُّجُومِ، ثُمَّ اتَّخَذُوا أَعْلَامًا فِي أَمَاكِنَ مُرْتَفِعَةٍ لِيَهْتَدُوا بِهَا، وَكَانُوا فِي غُنْيَةٍ عَنْهَا بِالنُّجُومِ، فَاتَّخَذُوا الْبُنْيَانَ عَبَثًا.
قَوْلُهُ: ﴿هَضِيمٌ﴾ يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: يَتَهَشَّمُ هَشِيمًا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ: الطَّلْعَةُ إِذَا مَسِسْتَهَا تَنَاثَرَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: الْهَضِيمُ الرَّطْبُ اللِّينُ، وَقِيلَ: الْمُذَنَّبُ.
قَوْلُهُ: (مُسَحَّرِينَ: مَسْحُورِينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَسْحُورِينَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَنْ أَكَلَ فَهُوَ مُسَحَّرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ سِحْرًا يَفْرِي مَا أَكَلَ فِيهِ انْتَهَى. وَالسَّحْرُ بِمُهْمَلَتَيْنِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ: الرِّئَةُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى: إنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَتَسْحَرُ بِهِ فَأَنْتَ بَشَرٌ مِثْلُنَا لَا تَفْضُلُنَا فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ الْمُصَلِّينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى مَنْ خَلْفَهُ فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (اللَّيْكَةُ وَالْأَيْكَةُ جَمْعُ أَيْكَةٍ، وَهِيَ جَمْعُ الشَّجَرِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: جَمْعُ شَجَرٍ، وَلِلْبَعْضِ: جَمَاعَةُ الشَّجَرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مَعَ شَرْحِهِ، وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَمِنْ قَوْلِهِ: جَمْعُ أَيْكَةٍ … إِلَخْ هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ فِيهِ سَهْوٌ؛ فَإِنَّ الليْكَةَ وَالْأَيْكَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَالْمُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ فَقَطْ، وَقِيلَ: لَيْكَةِ اسْمُ الْقَرْيَةِ، وَالْأَيْكَةُ الْغَيْضَةُ وَهِيَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: جَمْعُ شَجَرٍ يُقَالُ: جَمْعُهَا لَيْكٌ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ.
قَوْلُهُ: ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿مَوْزُونٍ﴾ مَعْلُومٌ) كَذَا لَهُمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ كَأَنَّكُمْ. لَيْكَةٌ الْأَيْكَةُ وَهِيَ الْغَيْضَةُ. مَوْزُونٌ مَعْلُومٌ فَأَمَّا قَوْلُهُ: لَعَلَّكُمْ. فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ بِهِ، وَحَكَى الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْوَاحِدِيِّ قَالَ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ لَعَلَّ فَهُوَ لِلتَّعْلِيلِ، إِلَّا هَذَا الْحَرْفُ فَإِنَّهُ لِلتَّشْبِيهِ، كَذَا قَالَ: وَفِي الْحَصْرِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ وَقَدْ قَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأَنَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَيْ تَخْلُدُوا، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَوْثِقُونَ مِنَ الْبِنَاءِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا تُحْصِنَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَكَأَنَّهُمْ صَنَعُوا الْحِجْرَ صَنِيعَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَخْلُدُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَيْكَةٌ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَوْزُونٍ﴾ فَمَحَلُّهُ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ، وَوَقَعَ ذِكْرُهُ هُنَا غَلَطًا، وَكَأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ بَعْضِ مَنْ نَسَخَ الْكِتَابَ مِنْ مَحَلِّهِ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قَالَ: بِقَدَرٍ مَقْدُورٍ.
قَوْلُهُ: ﴿كَالطَّوْدِ﴾ كَالْجَبَلِ) وَقَعَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ مَنْسُوبًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِغَيْرِهِ مَنْسُوبًا إِلَى مُجَاهِدٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ: عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ الشِّرْذِمَةُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ)، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ ذِكْرُ ذَلِكَ فِيمَا نُسِبَ إِلَى مُجَاهِدٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ أَيْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: قَلِيلُونَ، وَالَّذِي أَوْرَدَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قَالَ: هُمْ يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يُحْصَى عَدَدُ أَصْحَابِ فِرْعَوْنِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسَى الْبَحْرَ كَانُوا سِتَّمِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةٍ فَصَاعِدًا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (الرِّيَعُ: الْأَيْفَاعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وَأَرْيَاعٌ، وَاحِدُهُ رَيْعَةٌ) كَذَا فِيهِ، وَرَيْعَةُ الْأَوَّلِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالثَّانِي بِسُكُونِهَا، وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: رِيعٌ وَاحِدٌ جَمْعُهُ أَرْيَاعٌ، وَرِيَعَةٌ بِالتَّحْرِيكِ، وَرِيَعٌ أَيْضًا وَاحِدُهُ: رَيْعَةٌ بِالسُّكُونِ كَعِهْنٍ وَعِهْنَةٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ الرِّيعُ: الِارْتِفَاعُ مِنَ الْأَرْضِ وَالْجَمْعُ: أَرْيَاعٌ وَرِيَعَةٌ، وَالرَّيْعَةُ وَاحِدُه أَرْيَاعٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ أَيْ بِكُلِّ طَرِيقٍ.
قَوْلُهُ: ﴿مَصَانِعَ﴾ كُلُّ بِنَاءٍ فَهُوَ مَصْنَعَةٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: بِفَتْحِ النُّونِ وَبِضَمِّهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الْمَصَانِعُ الْقُصُورُ وَالْحُصُونُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: الْمَصَانِعُ عِنْدَنَا بِلُغَةِ الْيَمَنِ الْقُصُورُ الْعَادِيَّةُ. وَقَالَ سُفْيَانُ: مَا يُتَّخَذُ فِيهِ الْمَاءُ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمَصَانِعُ الْقُصُورُ الْمُشَيَّدَةُ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ: الْمَصَانِعُ بُرُوجُ الْحَمَامِ.
قَوْلُهُ: (فَرِهِينَ: مَرِحِينَ) كَذَا لَهُمْ، وَلِأَبِي ذَرٍّ: فَرِحِينَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ لِقُرْبِ مَخْرَجِ الْحَاءِ مِنَ الْهَاءِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (بُيُوتًا فَرِهِينَ) أَيْ مَرِحِينَ. وَلَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْفَرِحِينَ بِالْمَرِحِينَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ.
قَوْلُهُ: (فَارِهِينَ بِمَعْنَاهُ، وَيُقَالُ: فَارِهِينَ: حَاذِقِينَ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَأَنْشَدَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ:
لَا أَسْتَكِينُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ … وَلَنْ تَرَانِي بِخَيْرٍ فَارِهَ اللِّيثِ
وَاللِّيْثُ بِكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ: الْعُنُقُ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالْكَلْبِيُّ فِي قَوْلِهِ: (فَرِهِينَ) قَالَ: مُعْجَبِينَ بِصَنِيعِكُمْ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: آمِنِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: شَرِهِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادَ قَالَ أَحَدُهُمَا: حَاذِقِينَ، وَقَالَ الْآخَرُ: جَبَّارِينَ.
قَوْلُهُ: (تَعْثَوْا: هُوَ أَشَدُّ الْفَسَادُ، وَعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا) مُرَادُهُ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَمْ يَرِدْ أَنْ تَعْثَوْا مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَيْثِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ هُوَ مِنْ عَثِيَتْ تَعْثِي، وَهُوَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنْ عَثَتْ تَعِيثُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾؛ أَيْ: لَا تَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
قَوْلُهُ: (الْجِبِلَّةَ: الْخَلْقُ، جُبِلَ خُلِقَ، وَمِنْهُ جُبُلًا وَجِبِلًّا وَجُبْلًا يَعْنِي الْخَلْقُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَوْلَى؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ﴾ أَيِ الْخَلْقُ، هُوَ مِنْ جُبِلَ عَلَى كَذَا أَيْ: تَخَلَّقَ. وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا﴾ مُثَقَّلٌ وَغَيْرُ مُثَقَّلٍ، وَمَعْنَاهُ: الْخَلْقُ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: مُثَقَّلٌ وَغَيْرُ مُثَقَّلٍ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُمَا، وَفِيهِمَا قِرَاءَاتٌ: فَفِي الْمَشْهُورِ بِكَسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدُ اللَّامِ لِنَافِعٍ، وَعَاصِمٍ، وَبِضَمَّةٍ ثُمَّ سُكُونٍ لِأَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ، وَبِكَسْرَتَيْنِ وَاللَّامُ خَفِيفَةٌ لِلْأَعْمَشِ، وَبِضَمَّتَيْنِ وَاللَّامُ خَفِيفَةٌ لِلْبَاقِينَ، وَفِي الشَّوَاذِّ بِضَمَّتَيْنِ ثُمَّ تَشْدِيدٌ، وَبِكَسْرَةٍ ثُمَّ سُكُونٍ، وَبِكَسْرَةٍ ثُمَّ فَتْحَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ أُخْرَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ﴾ قَالَ: خَلْقُ الْأَوَّلِينَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مباشرةُ المؤمنِ القتلَ متعمِّدًا، وكثيرٌ مِنَ السلف يُطلقون النسخَ على التخصيص، وهذا أَولى مِن حمل كلامه على التناقض، وأَولى مِن أنَّه قال بالنسخ ثم رجع عنه، والمشهورُ عنه القولُ بأنَّ المؤمن إذا قَتَلَ مؤمنًا متعمِّدًا لا توبةَ له، وحمله الجمهورُ منه على التغليظ، وصحَّحوا توبةَ القاتل كغيرِه (١).
وسبق في «النِّساء» [خ¦٤٥٩٠] من مباحث ذلك.
(٥) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (٣) في قوله تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾) جزاءُ التكذيب (﴿لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]) قال أبو عُبيدة: (هَلَكَةً) وللأصيليِّ: «أي: هلكة» والمعنى: فسوف يكون تكذيبُكُم مقتضيًا لهلاككم وعذابكم (٤) ودمارِكم في الدنيا والآخرة، وقال ابن عبَّاس: موتًا، و ﴿لِزَامًا﴾ خبرُ ﴿يَكُونُ﴾ واسمُها مضمَرٌ كما مرَّ.
٤٧٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفصٍ النَّخَعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ صُبيحٍ أبو الضُّحى الكوفيُّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابنُ مسعودٍ ﵁: (خَمْسٌ) مِنَ العلامات الدالَّة على الساعة (قَدْ مَضَيْنَ) أي: وقعن (الدُّخَانُ) المشار إليه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (٥) [الدخان: ١٠] (وَالقَمَرُ) في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]
(وَالرُّومُ) في قوله تعالى: ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] (وَالبَطْشَةُ) في قوله جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] وهو القتل يومَ بدر (وَاللِّزَامُ) في قوله تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾) قال ابن كثير: ويدخل في ذلك يوم بدر، كما فسَّره ابنُ مسعودٍ، وأُبَيُّ بن كعب، ومحمَّد بنُ كعبٍ القُرَظيُّ، ومجاهدٌ، والضَّحَّاك، وقَتادة، والسُّدِّي، وغيرُهم، وقال الحسن: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] يعني: يوم القيامة، قال ابنُ كثير: ولا منافاةَ بينهما. انتهى. وعلى تفسير البطشة واللِّزام بيوم بدر؛ يكون (١) المعدودُ في الحقيقة أربعًا، ويحتاج إلى بيانِ الخامس وإن حصل بقول الحسن بيانُ الخامس في الجملة، لكن تفسيرُه بيوم القيامة فيه شيءٌ؛ لأنَّ مراده تفسيرُ خمسٍ مضينَ، وما يكون يومَ القيامة مستقبَلٌ لا ماضٍ، ففي قولِ ابنِ كثيرٍ: ولا منافاةَ بينهما؛ نظرٌ، وقد يُجابُ بأنه لتحقُّق وقوعِه عُدَّ ماضيًا، قاله في «المصابيح».
وهذا الحديث قد سبق في «الاستسقاء» [خ¦١٠٠٧].
(((٢٦))) (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ) مكِّيَّة إلَّا قوله: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ (٢)﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخرها، وهي مئتان وعشرون وستُّ آياتٍ.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ
في قوله تعالى: (﴿تَعْبَثُونَ﴾) من قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] أي: (تَبْنُونَ) وقال الضَّحَّاك ومقاتِلٌ: هو الطريق، قال ابن عبَّاس: كانوا يبنون بكلِّ رِيع عُلِيَّاءَ (١) يعبثون فيه بمَن يمرُّ في الطريق إلى هودٍ ﵇، وقيل: كانوا يبنون الأماكن المرتفعة؛ ليُعرف بذلك غِناهم، فنُهوا عنه (٢) ونُسبوا إلى العَبَث.
(﴿هَضِيمٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿فِي (٣) جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٧ - ١٤٨] (يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ) بضمِّ الميم وتشديد السِّين المهملة (٤) مبنيًّا للمفعول، وهذا قاله مجاهد أيضًا، وقال ابن عبَّاسٍ: هو اللطيف، وقال عكرمة: اللَّيِّن، وقيل: ﴿هَضِيمٌ﴾ أي: يَهضِمُ الطعام، وكلُّ هذا لِلَطافَتِه.
(مُسَحَّرِينَ) في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي: (المَسْحُورِينَ) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «مَسْحُورِينَ» الذين سُحروا مرَّةً بعدَ أخرى من المخلوقين.
(لَيْكَةُ) بلامٍ مفتوحة مِن غير ألف وصل قبلَها، ولا همزةٍ بعدَها، غيرُ منصرفٍ، اسمٌ غيرُ معرَّفٍ بـ «أل»، مضافٌ إليه ﴿أَصْحَابُ﴾ [الشعراء: ١٧٦] وبه قرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ، ولأبي ذرٍّ: «واللَّيكة» بألف وصلٍ وتشديد اللَّام (وَالإِيْكَةُ) بألف وصلٍ وسكون اللَّام وبعدها همزة مكسورة (جَمْعُ أَيْكَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «جمع (٥) الأيكة» (وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ) وكان شجرَهُم الدَّوْمُ؛ وهو المُقْل، قال العينيُّ: الصواب أنَّ اللَّيكة والأيكة جمع (٦) أيك، وكيف يقال: الأيكة جمع أيكة؟
(﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾) في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] هو (إِظْلَالُ العَذَابِ إِيَّاهُمْ) على نحو ما اقترحوا بأن سلَّط اللهُ عليهم الحَرَّ سبعةَ أيَّامٍ حتَّى غلت أنهارُهم، فأظلَّتْهُم سحابةٌ، فاجتمعوا تحتَها، فأمطرتْ عليهم نارًا، فاحترقوا.
(﴿مَّوْزُونٍ﴾) في سورة الحجر [الآية: ١٩] أي: (مَعْلُومٍ) ولعلَّ ذكره هنا من ناسخ، فالله أعلم.
(﴿كَالطَّوْدِ﴾ [الشعراء: ٦٣]) أي: (الجَبَلِ) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «كالجَبَل» بزيادة الكاف.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ مجاهدٍ: (﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ﴾ [الشعراء: ٥٤] (الشِّرْذِمَةُ: طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ) والجملةُ (١) معمولٌ لقولٍ مُضمَرٍ، أي: قال: إنَّ هؤلاء، وهذا القولُ يجوزُ أن يكون حالًا، أي: أرسلَهم قائلًا ذلك، ويجوز أن يكون مفسِّرًا لـ ﴿أَرْسَلَ﴾ وجمعُ الشِّرذِمةِ: شَراذِم، فذَكَرَهم بالاسم الدال على القِلَّة، ثمَّ جَعَلَهم قليلًا بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كلَّ حزبٍ منهم قليلًا، واختار جمعَ السَّلامة الذي هو من قبيل (٢) جمعِ القِلَّة، وإنَّما استقلَّهم وكانوا ست مئة وسبعين ألفًا بالإضافة إلى جنودِه؛ لأنَّه رُوِيَ: أنَّه خرجَ وكانت مقدِّمتُه سبع مئة ألف.
(﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾) في قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أي: (المُصَلِّينَ) وقال مقاتِلٌ: مع المصلِّين في الجماعة، أي: نراك حين تقوم وحدَك للصلاة، ونراك (٣) إذا صليت مع الجماعة، وقال مجاهد: نرى تقلُّب (٤) بصرك في المصلِّين، فإنَّه كان يبصرُ مِن خلْفِه كما يبصر مِن أمامه، وعن ابن عبَّاسٍ: تقلُّبَك في أصلاب الأنبياء مِن نبيٍّ إلى نبيٍّ حتى أخرجتُك في هذه الأمَّة.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] أي: (كَأَنَّكُمْ) تخلدون في الدنيا، وليس ذلك بحاصلٍ لكم (٥)، بل زائلٌ عنكم، كما زال عمَّن قبلَكم، قال الواحديُّ: كلُّ ما وقع في القرآن «لعلَّ»؛ فإنَّها للتعليل، إلَّا هذه؛ فإنَّها للتشبيه، ويؤيِّده ما في حرف أُبيٍّ: (كأنَّكم تخلُدُون)، وعُورِضَ ما ذَكَرَه مِنَ الحصر بقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] لكن لم يُعلَم مَن نص على أنَّ «لعلَّ» تكون للتعليل.
(الرِّيعُ) في قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ [الشعراء: ١٢٨] هو (الأَيْفَاعُ) بفتح الهمزة وسكون التحتيَّة وبعد الفاء ألف فعين مهملة، أي: المرتفع (مِنَ الأَرْضِ) قال ذو الرُّمَّة:
طِراقُ الخوافي مشرفٌ فوقَ رِيعَةٍ … ندى ليلِهِ (١) في رِيشهِ يترقرقُ
(وَجَمْعُهُ) أي: الرِّيع (رِيَعَةٌ) بكسر الرَّاء وفتح التحتيَّة والعين المهملة، كقِرَدَة (وَأَرْيَاعٌ) هو (وَاحِدُ الرِّيَعَةِ) بكسر الرَّاء وفتح التحتيَّة كالأُولى، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «واحده (٢) -وفي نسخة: واحدها- رَيْعة» بسكون التحتيَّة، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ بالسكون، والأُولى بالفتح، وتبعَه العينيُّ، وقال البِرماويُّ كالكِرمانيِّ: وأمَّا الأرياع؛ فمفردُه رِيْعة بالكسر والسكون.
(﴿مَصَانِعَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]) قال أبو عُبيدة: (كُلُّ بِنَاءٍ فَهْوَ مَصْنَعَةٌ) وقال سفيان: ما يُتخَذُ فيه الماء، وقال مجاهدٌ: قصورٌ مَشيدة، وقيل: هي الحصون.
(﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]) بالهاء، قال أبو عُبيدة أي: (مَرِحِينَ (٣)) ولأبي ذرٍّ: «فرحين» «بالحاء» بدل: «الهاء» في الأوَّل، وبالهاء أَوجَه (﴿فَارِهِينَ﴾ بِمَعْنَاهُ) أي: بمعنى ﴿فَارِهِينَ﴾ (٤)، مِن قولهم: فَرِهَ زيدٌ فهو فاره (وَيُقَالُ: ﴿فَارِهِينَ﴾) أي: (حَاذِقِينَ) وفارهينَ حالٌ مِنَ الناحتين.
(﴿تَعْثَوْا﴾) في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] (هو أَشَدُّ الفَسَادِ) وسقط لفظ «هو» لغير الأصيليِّ (٥) (وعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا) يريد أنَّ اللفظين بمعنًى واحد، لا أنَّ (٦) ﴿تَعْثَوْا﴾ مشتقٌّ مِن «عاث»؛ لأنَّ «يعثو» معتلُّ اللَّام ناقصٌ، و «عاث» معتلُّ العين أجوف، وثبتت (٧) الواو في وعاث لأبي ذرٍّ.
(الجِبِلَّةُ) في قوله: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] هي (الخَلْقُ) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللَّام (جُبِلَ) بضمِّ الجيم وكسر الموحَّدة؛ أي: (خُلِقَ) وزنه ومعناه (وَمِنْهُ) ومن هذا الباب
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يَوْم بدر قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ، وَقيل: عَذَاب الْقَبْر، وَقَالَ ابْن جرير: عذَابا دَائِما لَازِما وهلاكاً مستمراً.
٧٦٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حدَّثنا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوق قَالَ عَبْدُ الله خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخانُ والقَمَرُ والرُّومُ والبَطْشَةُ واللِّزَامُ {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} (الْفرْقَان: ٧٧) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ.
قَوْله: (خمس) أَي: خَمْسَة عَلَامَات (قد مضين) ، أَي وقعن. الأولى: الدُّخان. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين} (الدُّخان: ٠١) . الثَّانِيَة: الْقَمَر، قَالَ الله تَعَالَى: {اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر} (الْقَمَر: ١) . الثَّالِثَة: الرّوم، قَالَ الله تَعَالَى: {ألم غلبت الرّوم} (الرّوم: ١) . الرَّابِعَة: البطشة. قَالَ الله تَعَالَى: {يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى} (الدُّخان: ٦١) وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي وَقع يَوْم بدر. الْخَامِسَة: للزام {فَسَوف يكون لزاماً} قيل: هُوَ الْقَحْط، وَقيل: هُوَ التصاق الْقَتْلَى بَعضهم بِبَعْض فِي بدر، وَقيل: هُوَ الْأسر فِيهِ، وَقد أسر سَبْعُونَ قرشياً فِيهِ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الاسْتِسْقَاء.
٦٢ - (سورَةُ الشُّعَرَاءِ)
أَي: هَذَا تَفْسِير بعض سُورَة الشُّعَرَاء. مَكِّيَّة كلهَا إِلَّا آيَة وَاحِدَة. {إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا وانتصروا من بَعْدَمَا ظلمُوا} (الشُّعَرَاء: ٧٢٢) نزلت فِي حسان وَعبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك شعراء الْأَنْصَار، وَقَالَ مقَاتل: فِيهَا من الْمدنِي آيتان: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٢٢) وَقَوله: {أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل} (الشُّعَرَاء: ٧٩١) وَعند السخاوي: نزلت بعد سُورَة الْوَاقِعَة، وَقبل سُورَة النَّمْل، وَهِي: مِائَتَان وَسبع وَعِشْرُونَ آيَة، وَألف ومائتان وَسبع وَتسْعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وإثنان وَأَرْبَعُونَ حرفا.
{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}
ثبتَتْ لأبي ذَر
وَقَالَ مُجاِدٌ تَعْبَثُونَ تَبْنُونَ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) وَفسّر تعبثون بقوله: (تبنون) . وصصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله: {أتبنون بِكُل ريع} قَالَ: بِكُل فج (آيَة تعبثون) ، قَالَ: بنياناً. وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع بِكُل شرف، عَن قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل والكلبي: طَرِيق، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن عِكْرِمَة: وَاد، وَعَن مقَاتل: كَانُوا يسافرون وَلَا يَهْتَدُونَ إلَاّ بالنجوم فبنوا على الطّرق أعلاماً طوَالًا عَبَثا ليهتدوا بهَا وَكَانُوا فِي غبة مِنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانُوا يبنون بروجاً للحمامات يعبثون بهَا. والريع الْمُرْتَفع من الأَرْض وَالْجمع ريعة بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء، وَأما الأرياع فمفرده: ريعة، بِالْكَسْرِ والسكون.
هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إذَا مُسَّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فِي جنَّات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم} (الشُّعَرَاء: ٧٤١ ٨٤١) وَفسّر هضيماً بقوله: (يتفتت إِذا مس) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قَول مُجَاهِد أَيْضا، وَقيل: هُوَ المنظم فِي وعائه قبل أَن يظْهر.
مُسَحَّرِينَ: المَسْحُورِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين} (الشُّعَرَاء: ٣٥١ ٥٨١) وَفَسرهُ بقوله: (المسحورين) أَي: من سحر مرّة بعد مرّة من المخلوقين المعللين بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، وَقَالَ الْفراء: أَي أَنَّك تَأْكُل الطَّعَام وتشرب الشَّرَاب وتسحر بِهِ، وَالْمعْنَى: لست بِملك إِنَّمَا أَنْت بشر مثلهَا لَا تفضلنا فِي شَيْء. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل من أكل فَهُوَ مسحر، وَذَلِكَ أَن لَهُ سحرًا، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء، أَي: رئة، وَقيل: من السحر بِالْكَسْرِ.
واللَّيْكَةُ والأيْكَةُ جَمْعُ أيْكَةٍ وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كذب أصحابُ الأيكة الْمُرْسلين} (الشُّعَرَاء: ٦٧١) والليكة، بِفَتْح اللَّام والأيكة بِفَتْح الْهمزَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: من قَرَأَ أَصْحَاب الأيكة فَهِيَ الغيضة، وَمن قَرَأَ: ليكة، فَهِيَ الْقرْيَة. وَقَالَ: الأيك الشّجر الْكثير الملتف الْوَاحِدَة أيكة. قلت: قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر أَصْحَاب ليكة هُنَا، وَفِي (ص) بِغَيْر همزَة، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ فيهمَا. قَوْله: (جمع أيكة) كَذَا فِي النّسخ وَهُوَ غير صَحِيح، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: والليكة والأيكة مُفْرد أيك، وَيُقَال: جمعهَا أيك، وَالْعجب من بعض الشُّرَّاح حَيْثُ لم يذكر
هُنَا شَيْئا بل قَالَ: الْكَلَام الأول من قَول مُجَاهِد، وَمن جمع أيكة ... الخ من كَلَام أبي عُبَيْدَة، وحاشا من مُجَاهِد وَمن أبي عُبَيْدَة أَن يَقُولَا الأيكة جمع أيكة. قَوْله: (وَهِي جمع شجر) ، كَذَا للأكثرين، وَعند أبي ذَر: وَهِي جمع الشّجر، وَفِي بعض النّسخ وَهِي جمَاعَة الشّجر، وعَلى كل التَّقْدِير: هَذَا فِي نفس الْأَمر تَفْسِير غيضة الَّتِي يُفَسر بهَا الأيكة، لِأَن الغيضة هِيَ جمَاعَة الشّجر، وَإِذا لم يُفَسر الأيكة بالغيضة لَا يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام. فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع التَّأَمُّل.
يَوْمِ الظُّلَّةِ أظْلَالُ العَذَابِ إيَّاهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة} وَفسّر (يَوْم الظلة) بقوله: (إظلال الْعَذَاب إيَّاهُم) ، وَفِي التَّفْسِير معنى الظلة هُنَا: السَّحَاب الَّتِي أظلتهم.
مَوْزُونٍ مَعْلُومٍ
هَذَا غير وَاقع فِي مَحَله فَإِنَّهُ فِي سُورَة الْحجر، وَكَأَنَّهُ من جهل النَّاسِخ لعدم تَمْيِيزه، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وأنبتنا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون} (الْحجر: ٩١) .
كالطَّوْدِ الجَبَلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَكَانَ كل فرق كالطود الْعَظِيم} (الشُّعَرَاء: ٣٦) وَفسّر الطود بِالْجَبَلِ، وَوَقع هَذَا لأبي ذَر مَنْسُوبا إِلَى ابْن عَبَّاس، وَلغيره مَنْسُوبا إِلَى مُجَاهِد، وَفِي بعض النّسخ: كالطود الْجَبَل.
الشِّرْذِمَةُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ} (الشُّعَرَاء: ٤٥) وَفسّر الشرذمة (بطَائفَة قَليلَة) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أرسل فِرْعَوْن فِي إِثْر مُوسَى لما خرج مَعَ بني إِسْرَائِيل ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف ملك، مَعَ كل ملك ألف فَارس، وَخرج فِرْعَوْن فِي الْكُرْسِيّ الْعَظِيم فَكَانَ فِيهِ ألفا ألف فَارس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: أتبعه فِرْعَوْن فِي ألفي حصان سوى الْإِنَاث وَكَانَ مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سِتّمائَة ألف من بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ فِرْعَوْن: إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ، فَكيف التَّوْفِيق بَين الْكَلَامَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد ابْن عَبَّاس: خَواص فِرْعَوْن الَّذين كَانُوا يلازمونه لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلم يذكر غَيرهم، على أَن الَّذِي ذكره الثَّعْلَبِيّ لَا يَخْلُو عَن نظر، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله، قَالَ: كَانُوا سِتّمائَة ألف وَسبعين ألفا.
فِي السَّاجِدِينَ المُصَلِّينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين} (الشُّعَرَاء: ٨١٢ ٩١٢) وَفسّر الساجدين بالمصلين، وَكَذَا فسره الْكَلْبِيّ، وَقَالَ: الَّذِي يرى تصرفك مَعَ الْمُصَلِّين فِي أَرْكَان الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة قَائِما وَقَاعِدا وراكعاً وساجداً. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كأنَّكُمْ
أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون} (الشُّعَرَاء: ٩٢١) إِن معنى: لَعَلَّكُمْ كأنكم، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: كأنكم تخلدون، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: {لَعَلَّكُمْ تخلدون} ، وَعَن الواحدي: كل مَا فِي الْقُرْآن: لَعَلَّ، فَهُوَ للتَّعْلِيل إلَاّ هَذَا الْحَرْف فَإِنَّهُ للتشبيه، قيل: فِي الْحصْر نظر لِأَنَّهُ قد قيل مثل ذَلِك فِي قَوْله: {لَعَلَّك باخع نَفسك} (الشُّعَرَاء: ٣) .
الرِّيعُ الأيْفاعُ مِنَ الأرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وأرْياع واحِدَ الرِّيَعَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون} (الشُّعَرَاء: ٨٢١) . وَقَالَ: (الرّيع الأيفاع من الأَرْض) ، الأيفاع بِفَتْح الْهمزَة جمع يافع وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَمِنْه يُقَال: غُلَام يافع من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع، وَالصَّوَاب: اليفاع من الأَرْض بِفَتْح الْيَاء وَالْفَاء وَهُوَ الْمُرْتَفع مِنْهَا، وَقد فسر الرّيع بِكَسْر الرَّاء بقوله: الايفاع واليفاع من الأَرْض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: غُلَام يافع ويفع ويفعة وغلمان أيفاع ويفعة أَيْضا، وَقَالَ: والريع بِالْكَسْرِ الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَقَالَ عمَارَة: هُوَ الْجَبَل، والريع أَيْضا: الطَّرِيق. قلت: وَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ، وَقيل: الْفَج بَين الجبلين، وَعَن مُجَاهِد: الثَّنية الصَّغِيرَة وَعَن عِكْرِمَة وادٍ، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع يَعْنِي: بِكُل شرف، والريع بِالْفَتْح النَّمَاء، وَمِنْه ريع الاملاك. قَوْله: (وَجمعه) ، أَي: جمع الرّيع (ريعة) بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء