«سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٦٥

الحديث رقم ٤٧٦٥ من كتاب «سورة الفرقان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سئل ابن عباس، عن قوله تعالى: ﴿ومن يقتل…

«سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللهِ، وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾».

﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

سند حديث: ٤٧٦٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ…

٤٧٦٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبْزَى :

رواة الحديث

شرح حديث: «سئل ابن عباس، عن قوله تعالى: ﴿ومن يقتل…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

جِهَةِ إِيثَارِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ مَا يَكْفِي، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْبُخْلِ مَعَ الْوِجْدَانِ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ) بِالْمُهْمَلَةِ بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ وَالْمُرَادُ الزَّوْجَةُ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْحِلِّ لِأَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ فَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ، وَقِيلَ: مِنَ الْحُلُولِ لِأَنَّهَا تَحِلُّ مَعَهُ وَيَحِلُّ مَعَهَا.

قَوْلُهُ: (وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ - إِلَى - ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ هَكَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَالْقَتْلُ وَالزِّنَا فِي الْآيَةِ مُطْلَقَانِ، وَفِي الْحَدِيثِ مُقَيَّدَانِ: أَمَّا الْقَتْلُ فَبِالْوَلَدِ خَشْيَةَ الْأَكْلِ مَعَهُ، وَأَمَّا الزِّنَا فَبِزَوْجَةِ الْجَارِ. وَالِاسْتِدْلَالُ لِذَلِكَ بِالْآيَةِ سَائِغٌ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ وَرَدَتْ فِي مُطْلَقِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ لَكِنْ قَتْلَ هَذَا وَالزِّنَا بِهَذِهِ أَكْبَرُ وَأَفْحَشُ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟ قَالُوا: حَرَامٌ. قَالَ: لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشَرَةِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ، وَاسْمُ أَبِي بَزَّةَ نَافِعُ بْنُ يَسَارٍ، وَيُقَالُ: أَبُو بَزَّةَ جَدُّ الْقَاسِمِ لَا أَبُوهُ، مَكِّيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ وَالِدُ جَدِّ الْبَزِّيِّ الْمُقْرِئِ، وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَ لِلْقَاسِمِ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ.

قَوْلُهُ: (هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي آخِرِ الْبَابِ قَالَ: لَا تَوْبَةَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ سَعِيدُ) أَيِ ابْنُ جُبَيْرٍ: (قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ.

قَوْلُهُ: (فَدَخَلْتُ فِيهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَرَحَلْتُ، بِرَاءٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ أَوْجَهُ.

قَوْلُهُ: (هَذِهِ مَكِّيَّةٌ) يَعْنِي نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ بَعْدَ سُورَةُ الْفُرْقَانِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.

قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ) كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا، وَأَخْصَرُ مِنْهُ رِوَايَةُ آدَمَ فِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ مِنْهُ عَنْ غُنْدَرٍ بِلَفْظِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَا يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهَا تَعْيِينُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ بَيَّنَهَا فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ فِي الْبَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فقَالَ: لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي الَّذِي يَلِيهِ أَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ.

٣ - بَاب ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾

٤٧٦٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبْزَى: سُئِلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ - حَتَّى بَلَغَ - ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ، وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾

قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالْجَزْمِ فِي (يُضَاعَفْ وَيَخْلُدْ) بَدَلًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين الطَّلحِيُّ، من ولد طلحَة بنِ عُبيدِ الله، القرشيُّ التيميُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبدِ الرحمن النَّحْويُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المُعتَمِرِ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبْزَى) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وفتح الزاي مقصورًا، اسمُه عبدُ الرحمن، مِن صغار الصحابة: (سُئِلَ) بضمِّ السين مبنيًّا للمفعول (ابْنُ عَبَّاسٍ) رفعٌ نائبٌ عنِ الفاعل، وللأصيليِّ: «سأل ابن عبَّاس» فعلًا ماضيًا، كذا في الفرع كأصله (١)، وقال الحافظ ابنُ حجر: «سل» بصيغة الأمر للأصيليِّ، وعزا الأُولى لأبي ذرٍّ والنسفيِّ، وقال: إنَّ مقتضاها أنَّه من رواية سعيد بن جبير عن ابن أَبْزَى عنِ ابن عبَّاس، وأنَّ المعتمدَ روايةُ الأصيليِّ بصيغة الأمر، وأنَّه يدُلُّ عليه قولُه بعد سياق الآيتين: «فسألته»، فإنَّه واضحٌ في جواب قوله: «سَل» (٢) (عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى) في سورة النساء (﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]) زاد الأصيليُّ: «﴿خَالِدًا فِيهَا﴾» (وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا (٣) يَقْتُلُونَ﴾) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «والذين لا يقتلون» (﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ … حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ﴾ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال» (أَهْلُ مَكَّةَ: فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللهِ (٤)) بإسكان اللَّام، أي: أَشْرَكْنا به وجعلنا له مِثلًا (وَقَتَلْنَا) ولأبي ذرٍّ: «وقد قتلنا» (النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ) سقط لأبي ذرٍّ «إلَّا (٥) بالحق» (وَأتَيْنَا الفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ … إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]) فيه قبول توبةِ القاتلِ.

(٤) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾) الاستثناء متَّصلٌ أو منقطعٌ، ورجَّحَه أبو حيَّان: بأنَّ المستثنى منه محكومٌ عليه بأنَّه يُضاعَفُ له العذاب، فيصير التقديرُ: إلَّا مَن تاب فلا يضاعف له العذاب، ولا يلزمُ مِنِ انتفاءِ التضعيف انتفاءُ العذاب غير المضعَّف، فالأَولى عندي أنْ يكونَ استثناءً منقطعًا، أي: لكن مَن تاب وآمن، وإذا كان كذلك؛ فلا يَلْقَى عذابًا ألبتةَ، وتعقَّبه تلميذُه السَّمِينُ فقال: الظاهرُ قولُ الجمهور: إنَّه متَّصلٌ، وأمَّا ما قاله؛ فلا يلزمُ؛ إذِ المقصودُ الإخبارُ بأنَّ مَن فعل كذا؛ فإنَّه يَحِلُّ به ما ذُكِرَ إلَّا أن يتوبَ، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها؛ فلا تَعَرُّضَ له في الآية (﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾) ﴿سَيِّئَاتِهِمْ﴾: مفعولٌ ثانٍ للتبديل، وهو المقيَّدُ بحرف الجرِّ، وحُذِفَ لفَهْمِ المعنى، و ﴿حَسَنَاتٍ﴾ هو الأوَّلُ، وهو المأخوذُ، والمجرورُ بالباء هو المتروكُ، وقد صرَّح بهذا في قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] وإبدال السَّيِّئات حسناتٍ: أنَّه يمحوها بالتوبة، ويثبتُ مكانَها الحسناتِ، وقال محيي السُّنَّة: ذهب جماعة إلى أنَّ هذا في الدنيا، قال ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: يُبَدِّلُهُمُ اللهُ بقبائحِ أعمالهم في الشرك محاسنَ الأعمال في الإسلام، فيبدِّلُهُم بالشركِ إيمانًا، وبقتلِ المؤمنينَ قتلَ المشركين، وبالزِّنا عِفَّةً وإحصانًا، وقال ابنُ المسيَّب وغيرُه: يبدِّل الله سيِّئاتِهِم التي عملُوها في الإسلام حسناتٍ يومَ القيامة، وقال ابن كثيرٍ: تنقلب السَّيِّئات الماضيةُ بنفس التوبة النصوح حسناتٍ؛ لأنَّه كلَّما تذكَّرها نَدِمَ واسترجعَ واستغفرَ، فينقلبُ الذنب طاعةً، فيوم القيامة وإن وجدَها مكتوبةً عليه؛ لكنَّها لا تضرُّه، بل تنقلبُ حسنةً في صحيفتِه، كما يدلُّ له حديث أبي ذرٍّ المرويُّ في «مسلمٍ» قال رسول الله : «إنِّي لأعرفُ آخرَ أهلِ النَّار خروجًا مِنَ النَّار، وآخرَ أهل الجنَّة دخولًا إلى الجنَّة، فيقول: اعرضوا عليه كِبار ذنوبه وسلوه عن صغارها (١)، قال: فيُقال له: عملتَ يومَ كذا كذا وكذا، وعملتَ يوم كذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن يُنكِرَ مِن ذلك شيئًا، فيقال: فإنَّ لكَ بكلِّ سيئة حسنةً، فيقول: يا ربِّ، عملتُ أشياءَ لا أراها ههنا»، قال: فضحك رسول الله حتى

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْجَاهِلِيَّة) يَعْنِي: فِي حق أهل الشّرك من أهل مَكَّة. وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَفِي حق الرجل الَّذِي عرف الْإِسْلَام ثمَّ قتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم لَا تَوْبَة لَهُ، وَهَذَا مَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس، وَقد حمل جُمْهُور السّلف وَجَمِيع أهل السّنة مَا ورد من ذَلِك على التَّغْلِيظ والتهديد، وصححوا تَوْبَة الْقَاتِل كَغَيْرِهِ.

٣ - (بابُ قَوْلُهُ: {يُضاعَفْ لَهُ العذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً} (الْفرْقَان: ٩٦)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {يُضَاعف} الْآيَة. قَوْله: (يُضَاعف) بدل من قَوْله: {يلق أثاماً} (الْفرْقَان: ٨٦) لِأَنَّهُمَا فِي معنى وَاحِد، وَمعنى: {يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب} أَن الْمُشرك إِذا ارْتكب الْمعاصِي مَعَ الشّرك يعذب على الشّرك وعَلى الْمعاصِي جَمِيعًا، وَقَرَأَ عَاصِم: يُضَاعف، بِالرَّفْع على تَفْسِير: يلق أثاماً، كَأَن قَائِلا يَقُول: مَا لَقِي الأثام فَقيل: يُضَاعف الْعَذَاب، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ بَدَلا من قَوْله: (يلقَ) لِأَنَّهُ مجزوم على الْجَزَاء، وَابْن كثير وَابْن عَامر يحذفان فَإِن الْألف ويشددان الْعين. قَوْله: (ويخلد فِيهِ) أَي: فِي النَّار (مهاناً) ذليلاً، وَقَرَأَ ابْن عَامر: يخلد بِالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف وَالْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ.

٤ - (بابُ: {إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فأُولائِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً} )

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله: {إلاّ من تَابَ} الْآيَة. وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب.

٦٦٧٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخْبَرَنا أبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ أمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبْزَي أنْ أسْألَ ابنَ عَبَّاسٍ عَنْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ. {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} (الْفرْقَان: ٨٦) فَسَألْتُهُ فَقَالَ لَمْ يَنْسَخْها شَيْءٌ وَعَنْ: {والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلِّهاً آخَرَ} قَالَ نَزَلَتْ فِي أهْلِ الشِّرْكِ..

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن أَبْزَى، وعبدان هُوَ ابْن عُثْمَان بن جبلة الْأَزْدِيّ الْمروزِي. وَحَاصِل هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي رَوَاهَا سعيد بن جُبَير أَن ابْن عَبَّاس يفرق بَين الْآيَتَيْنِ المذكورتين وَهُوَ أَن قَوْله: (وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا) الْآيَة فِي حق الْمُسلم الْعَارِف بالأمور الشَّرْعِيَّة، وَإِن قَوْله: (إلَاّ من تَابَ) الْآيَة. فِي حق الْمُشرك، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فلاتوبة للْقَاتِل عِنْده، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب وَفِيمَا مضى.

٥ - (بابُ: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} (الْفرْقَان: ٧٧) هَلَكَةً)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {فقد كَذبْتُمْ فَسَوف يكون لزاماً} وَقد فسره بقوله: (هلكة) . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اخْتلف فِي اللزام فَقيل:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

جِهَةِ إِيثَارِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ مَا يَكْفِي، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْبُخْلِ مَعَ الْوِجْدَانِ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ) بِالْمُهْمَلَةِ بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ وَالْمُرَادُ الزَّوْجَةُ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْحِلِّ لِأَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ فَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ، وَقِيلَ: مِنَ الْحُلُولِ لِأَنَّهَا تَحِلُّ مَعَهُ وَيَحِلُّ مَعَهَا.

قَوْلُهُ: (وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ - إِلَى - ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ هَكَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَالْقَتْلُ وَالزِّنَا فِي الْآيَةِ مُطْلَقَانِ، وَفِي الْحَدِيثِ مُقَيَّدَانِ: أَمَّا الْقَتْلُ فَبِالْوَلَدِ خَشْيَةَ الْأَكْلِ مَعَهُ، وَأَمَّا الزِّنَا فَبِزَوْجَةِ الْجَارِ. وَالِاسْتِدْلَالُ لِذَلِكَ بِالْآيَةِ سَائِغٌ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ وَرَدَتْ فِي مُطْلَقِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ لَكِنْ قَتْلَ هَذَا وَالزِّنَا بِهَذِهِ أَكْبَرُ وَأَفْحَشُ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟ قَالُوا: حَرَامٌ. قَالَ: لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشَرَةِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ، وَاسْمُ أَبِي بَزَّةَ نَافِعُ بْنُ يَسَارٍ، وَيُقَالُ: أَبُو بَزَّةَ جَدُّ الْقَاسِمِ لَا أَبُوهُ، مَكِّيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ وَالِدُ جَدِّ الْبَزِّيِّ الْمُقْرِئِ، وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَ لِلْقَاسِمِ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ.

قَوْلُهُ: (هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي آخِرِ الْبَابِ قَالَ: لَا تَوْبَةَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ سَعِيدُ) أَيِ ابْنُ جُبَيْرٍ: (قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ.

قَوْلُهُ: (فَدَخَلْتُ فِيهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَرَحَلْتُ، بِرَاءٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ أَوْجَهُ.

قَوْلُهُ: (هَذِهِ مَكِّيَّةٌ) يَعْنِي نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ بَعْدَ سُورَةُ الْفُرْقَانِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.

قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ (اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ) كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا، وَأَخْصَرُ مِنْهُ رِوَايَةُ آدَمَ فِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ مِنْهُ عَنْ غُنْدَرٍ بِلَفْظِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَا يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهَا تَعْيِينُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ بَيَّنَهَا فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ فِي الْبَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فقَالَ: لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي الَّذِي يَلِيهِ أَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ.

٣ - بَاب ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾

٤٧٦٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبْزَى: سُئِلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ - حَتَّى بَلَغَ - ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ، وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾

قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالْجَزْمِ فِي (يُضَاعَفْ وَيَخْلُدْ) بَدَلًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين الطَّلحِيُّ، من ولد طلحَة بنِ عُبيدِ الله، القرشيُّ التيميُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بنُ عبدِ الرحمن النَّحْويُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المُعتَمِرِ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبْزَى) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وفتح الزاي مقصورًا، اسمُه عبدُ الرحمن، مِن صغار الصحابة: (سُئِلَ) بضمِّ السين مبنيًّا للمفعول (ابْنُ عَبَّاسٍ) رفعٌ نائبٌ عنِ الفاعل، وللأصيليِّ: «سأل ابن عبَّاس» فعلًا ماضيًا، كذا في الفرع كأصله (١)، وقال الحافظ ابنُ حجر: «سل» بصيغة الأمر للأصيليِّ، وعزا الأُولى لأبي ذرٍّ والنسفيِّ، وقال: إنَّ مقتضاها أنَّه من رواية سعيد بن جبير عن ابن أَبْزَى عنِ ابن عبَّاس، وأنَّ المعتمدَ روايةُ الأصيليِّ بصيغة الأمر، وأنَّه يدُلُّ عليه قولُه بعد سياق الآيتين: «فسألته»، فإنَّه واضحٌ في جواب قوله: «سَل» (٢) (عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى) في سورة النساء (﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]) زاد الأصيليُّ: «﴿خَالِدًا فِيهَا﴾» (وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا (٣) يَقْتُلُونَ﴾) ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «والذين لا يقتلون» (﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ … حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ﴾ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال» (أَهْلُ مَكَّةَ: فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللهِ (٤)) بإسكان اللَّام، أي: أَشْرَكْنا به وجعلنا له مِثلًا (وَقَتَلْنَا) ولأبي ذرٍّ: «وقد قتلنا» (النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ) سقط لأبي ذرٍّ «إلَّا (٥) بالحق» (وَأتَيْنَا الفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ … إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]) فيه قبول توبةِ القاتلِ.

(٤) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾) الاستثناء متَّصلٌ أو منقطعٌ، ورجَّحَه أبو حيَّان: بأنَّ المستثنى منه محكومٌ عليه بأنَّه يُضاعَفُ له العذاب، فيصير التقديرُ: إلَّا مَن تاب فلا يضاعف له العذاب، ولا يلزمُ مِنِ انتفاءِ التضعيف انتفاءُ العذاب غير المضعَّف، فالأَولى عندي أنْ يكونَ استثناءً منقطعًا، أي: لكن مَن تاب وآمن، وإذا كان كذلك؛ فلا يَلْقَى عذابًا ألبتةَ، وتعقَّبه تلميذُه السَّمِينُ فقال: الظاهرُ قولُ الجمهور: إنَّه متَّصلٌ، وأمَّا ما قاله؛ فلا يلزمُ؛ إذِ المقصودُ الإخبارُ بأنَّ مَن فعل كذا؛ فإنَّه يَحِلُّ به ما ذُكِرَ إلَّا أن يتوبَ، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها؛ فلا تَعَرُّضَ له في الآية (﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾) ﴿سَيِّئَاتِهِمْ﴾: مفعولٌ ثانٍ للتبديل، وهو المقيَّدُ بحرف الجرِّ، وحُذِفَ لفَهْمِ المعنى، و ﴿حَسَنَاتٍ﴾ هو الأوَّلُ، وهو المأخوذُ، والمجرورُ بالباء هو المتروكُ، وقد صرَّح بهذا في قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] وإبدال السَّيِّئات حسناتٍ: أنَّه يمحوها بالتوبة، ويثبتُ مكانَها الحسناتِ، وقال محيي السُّنَّة: ذهب جماعة إلى أنَّ هذا في الدنيا، قال ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: يُبَدِّلُهُمُ اللهُ بقبائحِ أعمالهم في الشرك محاسنَ الأعمال في الإسلام، فيبدِّلُهُم بالشركِ إيمانًا، وبقتلِ المؤمنينَ قتلَ المشركين، وبالزِّنا عِفَّةً وإحصانًا، وقال ابنُ المسيَّب وغيرُه: يبدِّل الله سيِّئاتِهِم التي عملُوها في الإسلام حسناتٍ يومَ القيامة، وقال ابن كثيرٍ: تنقلب السَّيِّئات الماضيةُ بنفس التوبة النصوح حسناتٍ؛ لأنَّه كلَّما تذكَّرها نَدِمَ واسترجعَ واستغفرَ، فينقلبُ الذنب طاعةً، فيوم القيامة وإن وجدَها مكتوبةً عليه؛ لكنَّها لا تضرُّه، بل تنقلبُ حسنةً في صحيفتِه، كما يدلُّ له حديث أبي ذرٍّ المرويُّ في «مسلمٍ» قال رسول الله : «إنِّي لأعرفُ آخرَ أهلِ النَّار خروجًا مِنَ النَّار، وآخرَ أهل الجنَّة دخولًا إلى الجنَّة، فيقول: اعرضوا عليه كِبار ذنوبه وسلوه عن صغارها (١)، قال: فيُقال له: عملتَ يومَ كذا كذا وكذا، وعملتَ يوم كذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن يُنكِرَ مِن ذلك شيئًا، فيقال: فإنَّ لكَ بكلِّ سيئة حسنةً، فيقول: يا ربِّ، عملتُ أشياءَ لا أراها ههنا»، قال: فضحك رسول الله حتى

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْجَاهِلِيَّة) يَعْنِي: فِي حق أهل الشّرك من أهل مَكَّة. وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَفِي حق الرجل الَّذِي عرف الْإِسْلَام ثمَّ قتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم لَا تَوْبَة لَهُ، وَهَذَا مَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس، وَقد حمل جُمْهُور السّلف وَجَمِيع أهل السّنة مَا ورد من ذَلِك على التَّغْلِيظ والتهديد، وصححوا تَوْبَة الْقَاتِل كَغَيْرِهِ.

٣ - (بابُ قَوْلُهُ: {يُضاعَفْ لَهُ العذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً} (الْفرْقَان: ٩٦)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {يُضَاعف} الْآيَة. قَوْله: (يُضَاعف) بدل من قَوْله: {يلق أثاماً} (الْفرْقَان: ٨٦) لِأَنَّهُمَا فِي معنى وَاحِد، وَمعنى: {يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب} أَن الْمُشرك إِذا ارْتكب الْمعاصِي مَعَ الشّرك يعذب على الشّرك وعَلى الْمعاصِي جَمِيعًا، وَقَرَأَ عَاصِم: يُضَاعف، بِالرَّفْع على تَفْسِير: يلق أثاماً، كَأَن قَائِلا يَقُول: مَا لَقِي الأثام فَقيل: يُضَاعف الْعَذَاب، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ بَدَلا من قَوْله: (يلقَ) لِأَنَّهُ مجزوم على الْجَزَاء، وَابْن كثير وَابْن عَامر يحذفان فَإِن الْألف ويشددان الْعين. قَوْله: (ويخلد فِيهِ) أَي: فِي النَّار (مهاناً) ذليلاً، وَقَرَأَ ابْن عَامر: يخلد بِالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف وَالْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ.

٤ - (بابُ: {إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فأُولائِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً} )

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله: {إلاّ من تَابَ} الْآيَة. وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب.

٦٦٧٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخْبَرَنا أبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ أمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبْزَي أنْ أسْألَ ابنَ عَبَّاسٍ عَنْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ. {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} (الْفرْقَان: ٨٦) فَسَألْتُهُ فَقَالَ لَمْ يَنْسَخْها شَيْءٌ وَعَنْ: {والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلِّهاً آخَرَ} قَالَ نَزَلَتْ فِي أهْلِ الشِّرْكِ..

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن أَبْزَى، وعبدان هُوَ ابْن عُثْمَان بن جبلة الْأَزْدِيّ الْمروزِي. وَحَاصِل هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي رَوَاهَا سعيد بن جُبَير أَن ابْن عَبَّاس يفرق بَين الْآيَتَيْنِ المذكورتين وَهُوَ أَن قَوْله: (وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا) الْآيَة فِي حق الْمُسلم الْعَارِف بالأمور الشَّرْعِيَّة، وَإِن قَوْله: (إلَاّ من تَابَ) الْآيَة. فِي حق الْمُشرك، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فلاتوبة للْقَاتِل عِنْده، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب وَفِيمَا مضى.

٥ - (بابُ: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} (الْفرْقَان: ٧٧) هَلَكَةً)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {فقد كَذبْتُمْ فَسَوف يكون لزاماً} وَقد فسره بقوله: (هلكة) . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اخْتلف فِي اللزام فَقيل:

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر