الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٦
الحديث رقم ٤٧٦ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس وبه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٠٣⦘
فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ».
٤٧٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ:
قالت عائشة رضي الله عنها: لم أعرف أبواي أبا بكر وأم رومان إلا وهما يدينان بدين الإسلام، وُلدتُ وهما مسلمان، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلا جاءنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم أول النهار وآخره، فلما ابُتلي المؤمنون بأذى المشركين وأذن صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة خرج أبو بكر ليهاجر إلى الحبشة، فلما وصل موضعًا اسمه بَرْك الغِماد التقى به ابن الدَّغِنَة، وهو سيد قبيلة القارة، فسأله: إلى أين ستذهب يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: تسبب قومي في إخراجي، فأريد أن أسير في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن من مثلك يا أبا بكر لا يُخرَج من أرضه ولا يَخرج ويَتركها؛ لأنك تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، وتصل القرابة، وتُكرم الضيف، وتساعد على حوادث الحق، وخروج مثلك خسارة لقومك، فأنا مجيرٌ لك مؤمِّنُكَ ممن أخافك منهم، فارجع واعبد ربك ببلدك، فدار ابن الدغنة في سادات قريش، فقال لهم: إن أبا بكر مثله لا يُخرج ولا يخرج، وذكر لهم الأسباب التي قالها.
فلم تنكر قريش إجارة وحماية ابن الدغنة، واشترطوا عليه، فقالوا له: اجعل أبا بكر يعبد ربَّه في بيته، فليصلِّ فيه ويقرأ ما يريد، ولا يؤذينا بذلك ولا يجهر به، فإننا نخاف أن يُخرِجَ نساءنا وأبناءنا من دينهم إلى دينه، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فمكث أبو بكر يعبد ربه في بيته، ولا يجهر بصوته، ولا يقرأ في مكانٍ آخر غير بيته، ثم ظهر لأبي بكر رأي في أمره بخلاف ما كان يفعله، فبنى مسجدًا في امتداد بيته أمامه، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فجعل نساء المشركين وأبناؤهم يزدحمون عليه، وهم معجبون به وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا كثير البكاء، لا يملك دمع عينيه إذا قرأ القرآن من رقة قلبه، فأخاف ذلك أسيادَ قريش من المشركين، لما يعلمون من رقة قلوب النساء والشباب أن يميلوا لدين الإسلام، فطلبوا ابن الدغنة فجاء إليهم، فقالوا: إنا قد أمّنا أبا بكر بجوارك، بشرط أن يعبد ربه في بيته، ولقد تعّدى ذلك، فبنى مسجدًا بفناء داره، وجهر بالصلاة والقراءة فيه، وقد خِفْنا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فيدخلوا في دينه، فاجعله ينتهي عن فعل هذا، فإذا أحب أن يعبد ربه في بيته فقط فليفعل، وإذا امتنع وأراد أن يجهر بذلك فسأله أن يُرجع إليك عهدك له، فإنا لا نحب أن ننقض عهدك، ولن نترك الإنكار على أبي بكر في الجهر بالعبادة؛ خوف نسائنا وأبنائنا، قالت عائشة: فجاء ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال له: لقد علمت الشرط الذي عاهدتك عليه من عدم الإجهار، فإما أن تبقى على الشرط الذي شرطوه، وإما أن تُرجع لي عهدي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني غُدِرت رجلًا عقدت له عقدًا، فقال أبو بكر: فأنا أردّ لك أمانك لي، وأرضى بأمان الله وحمايته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وقتها بمكة، فقال النبي للمسلمين: لقد رأيت مكان هجرتكم، وفيها نخل وهي بين أرضين بهما حجارة سوداء، فهاجر من هاجر من المسلمين إلى المدينة، وعاد أغلب من كان في الحبشة إلى المدينة، واستعد أبو بكر طالبًا للهجرة من مكة إلى المدينة، فقاله له النبي عليه الصلاة والسلام: على مهلك، فإني آمل أن يؤذن لي في الهجرة، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك أفديك بأبي؟ قال: نعم، فامتنع أبو بكر عن الهجرة ليصحب النبي عليه الصلاة والسلام، وأطعم أبو بكر راحلتين من الإبل كانتا عنده من ورق السمر، وهو ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر، فبات يطعمهما منه لمدة أربعة أشهر، قالت عائشة: فبينما نحن في يوم جالسين في بيت أبي بكر في أول الزوال عند شدة الحر، قال شخص لأبي بكر: هذا النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء مغطيًّا رأسه، جاء في وقت لم يكن يأتينا فيه، فقال أبو بكر: أفديه بأبي وأمي، والله لم يأتِ به في هذا الوقت إلا أمر حدث، لأن عادته أن يأتي إليهم في أول النهار وآخره، لا في وسطه، قالت عائشة رضي الله عنها: فجاء عليه الصلاة والسلام فاستأذن في الدخول، فأذن له فدخل، فقال لأبي بكر: أخرج الذين معك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك يقصد عائشة وأمها وأختها، أفديك بأبي يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: فإني قد أذن الله لي في الخروج إلى المدينة، فقال أبو بكر: هل تسمح أن أصاحبك بأبي أنت يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال عليه الصلاة والسلام: لا آخذها إلا بعد دفع ثمنها، قالت عائشة: فجهزنا الراحلتين أسرع تجهيز وصنعنا لهما زادًا في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من ملابسها التي تشد به وسطها، فربطت به على فم الجراب، ولذلك سميت ذات النطاقين.
قالت عائشة رضي الله عنها: ثم ذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر إلى غار في جبل ثور، فجلسا فيه ثلاث ليال، يبيت في الغار معهما عبد الله بن أبي بكر الصديق، وهو غلام شاب حاذق سريع الفهم، فيخرج من عندهما وقت السحر، فيصبح وهو في قريش بمكة، وكأنه بات فيها لشدة رجوعه في الخفاء، فلا يسمع خبرًا من قريش فيه المكروه لهما إلا حفظه، فيأتيهم بذلك الخبر حين يأتي الظلام، ويحفظ لهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر شاة من غنم، فيتركها تذهب لهما في ساعة من العِشاء كل ليلة، فيحلبان ويشربان، فيبيتان في رسل، وهو اللبن الموضوع فيه الحجارة المحماة لتذهب وخامته وثقله، حتى يسمعان صوت عامر بن فهيرة، وهو يزجر الغنم في ظلام آخر الليل، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث التي أقاما فيها بالغار، واستأجر النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر رجلًا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي، يهديهما إلى الطريق وكان ماهرًا بالهداية، وقد كان حليفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو كافر فائتمناه فأعطوه راحلتيهما، وواعداه في غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صباح اليوم الثالث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل عبد الله بن أريقط، فقادهم إلى المدينة من طريق السواحل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبةً (١) لجدِّه، واسم أبيه عبد الله، المخزوميُّ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأخبرني» بالفاء، ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «وأخبرني» بالواو، وكلاهما عطفٌ على مُقدَّرٍ، أي: أخبرني (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام بكذا، وأخبرني عقب هذا (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ) أي: لم أعرف (أَبَوَيَّ) أبا بكرٍ وأمَّ رومان ﵄ (إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) بكسر الدَّال، أي: يتديَّنان بدين الإسلام، فهو نُصِبَ بنزع الخافض (وَلَمْ (٢) يَمُرَّ عَلَيْنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «عليهما» أي: الصِّدِّيق وزوجته (يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) في (٣) (طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً) نُصِبَ على الظَّرفيَّة فيهما (ثُمَّ بَدَا) أي: ظهر (لأَبِي بَكْرٍ) ﵁ رأيٌ بعد أن خرج مهاجرًا من مكَّة، ورجع في جوار ابن الدَّغِنَة، واشتراطه عليه
ألَّا يستعلن (١) بعبادته القصَّة … الآتية -إن شاء الله تعالى- في «كتاب الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] إلى قوله: (فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ) بكسر الفاء مع المدِّ: ما امتدَّ من جوانبها (فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ) أي: في المسجد (وَيَقْرَأُ القُرْآنَ) أي: ما نزل منه إذ ذاك (فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (رَجُلًا بَكَّاءً) بتشديد الكاف مُبالَغةً في «باكٍ» (لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ) (٢) أي: لا يطيق إمساكهما ومنعهما من البكاء (إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ) بالزَّاي، أي: فأخاف (ذَلِكَ) الوقوف (أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ) أن (٣) تميل أبناؤهم ونساؤهم إلى دين الإسلام.
ووجه المُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة من جهة أنَه ﷺ اطَّلع على بناء أبي بكرٍ ﵁ المسجد وأقرَّه عليه.
ورواته السِّتَّة ثلاثةٌ منهم مصريُّون، بالميم، والآخرون مدنيُّون، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والإخبار، وأخرجه المؤلِّف في «الإجارة» [خ¦٢٢٦٤] و «الكفالة» [خ¦٣٩/ ٤ - ٣٥٨٢] و «الأدب» [خ¦٦٠٧٩] و «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] وبعضه في «غزوة الرَّجِيع» [خ¦٤٠٩٣].
(٨٧) (بابُ) جواز (الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ) فلا دلالة في حديث: «إنَّ الأسواق شرُّ البقاع، وإنَّ المساجد خير البقاع» المرويِّ عند البزَّار لعدم صحَّة إسناده، ولو صحَّ لم يمنع وضع المسجد في السُّوق لأنَّ بقعة المسجد حينئذٍ تكون بقعة خيرٍ، و «مسجد» بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «مساجد السُّوق» (وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المُهمَلة وسكون الواو وآخره نونٌ، عبد الله (فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ) أي: على ابن عونٍ ومن معه، وليس في هذا ذكر السُّوق، فالله أعلم بوجه المُطابَقة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه فَضَائِل أُخْرَى لأبي بكر وَهِي قدم إِسْلَامه وَإِسْلَام أَبَوَيْهِ وَتردد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهِ طرفِي النَّهَار وَكَثْرَة بكائه ورقة قلبه
٧٨ - (بابُ الصلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الصَّلَاة فِي مَسْجِد السُّوق، ويروى فِي مَسَاجِد السُّوق، بِلَفْظ الْجمع، وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَفظ الْإِفْرَاد رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالمساجد مَوَاضِع إِيقَاع الصَّلَاة لَا الْأَبْنِيَة الْمَوْضُوعَة للصَّلَاة من الْمَسَاجِد، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْأَسْوَاق. وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ أَن الْأَسْوَاق شَرّ الْبِقَاع، فخشي البُخَارِيّ أَن يُوهم من رأى ذَلِك الحَدِيث أَنه لَا تجوز الصَّلَاة فِي الْأَسْوَاق اسْتِدْلَالا بِهِ، فجَاء بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة، إِذْ فِيهِ إجَازَة الصَّلَاة فِي السُّوق وَإِذا جَازَت الصَّلَاة فِي السُّوق فُرَادَى فَكَانَ أولى أَن يتَّخذ فِيهِ مَسْجِد للْجَمَاعَة. وَقَالَ بَعضهم: موقع التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الحَدِيث الْوَارِد فِي الْأَسْوَاق شَرّ الْبِقَاع، وَأَن الْمَسَاجِد خير الْبِقَاع، كَمَا أخرجه الْبَزَّار وَغَيره لَا يَصح إِسْنَاده، وَلَو صَحَّ لم يمْنَع وضع الْمَسْجِد فِي السُّوق لِأَن بقْعَة الْمَسْجِد حِينَئِذٍ تكون بقْعَة خير.
قلت: كل مِنْهُم قد تكلّف، أما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ ارْتكب الْمجَاز من غير ضَرُورَة، وَأما ابْن بطال فَإِنَّهُ من أَيْن تحقق خشيَة البُخَارِيّ مِمَّا ذكره حَتَّى وضع هَذَا الْبَاب؟ وَأما الْقَائِل الثَّالِث فَإِنَّهُ أبعد جدا، لِأَنَّهُ من أَيْن علم أَن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكره؟ وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن البُخَارِيّ لما أَرَادَ أَن يُورد حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى أَن صَلَاة الْمُصَلِّي لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون فِي الْمَسْجِد الَّذِي بني لَهَا، أَو فِي بَيته الَّذِي هُوَ منزله، أَو السُّوق، وضع بَابا فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي فِي السُّوق، وَإِنَّمَا خص هَذَا بِالذكر من بَين الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ لما كَانَ مَوضِع اللَّغط واشتغال النَّاس بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَالْإِيمَان الْكَثِيرَة فِيهِ بِالْحَقِّ وَالْبَاطِل، وَرُبمَا كَانَ يتَوَهَّم عدم جَوَاز الصَّلَاة فِيهِ من هَذِه الْجِهَات خصّه بِالذكر.
وصَلَّى ابنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ.
لَيْسَ فِي التَّرْجَمَة مَا يُطَابق هَذَا الْأَثر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ غَرَض البُخَارِيّ مِنْهُ الرَّد على الْحَنَفِيَّة حَيْثُ قَالُوا بامتناع اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الدَّار المحجوبة عَن النَّاس، وَنَقله بَعضهم فِي شَرحه معجباً بِهِ، قلت: جازف الْكرْمَانِي فِي هَذَا لِأَن الْحَنَفِيَّة لم يَقُولُوا هَكَذَا، بل الْمَذْهَب فِيهِ أَن من اتخذ مَسْجِدا فِي دَاره وأفرز طَرِيقه يجوز ذَلِك، وَيصير مَسْجِدا، فَإِذا أغلق بَابه وَصلى فِيهِ يجوز مَعَ الْكَرَاهَة، وَكَذَا الحكم فِي سَائِر الْمَسَاجِد.
وَابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون: هُوَ عبد ابْن عون، وَقد تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي: رب مبلغ ... . وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا فِي نُسْخَة سَمَاعنَا، يَعْنِي أَنه ابْن عون، وَقَالَ ابْن الْمُنِير: ابْن عمر، قلت: قَالُوا إِنَّه تَصْحِيف، وَالصَّحِيح إِنَّه ابْن عون، وَكَذَا وَقع فِي الْأُصُول.
٧٧٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمشِ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَة عنِ النبيِّ قَالَ: صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْساً وعِشْرِينَ دَرَجَةً فإِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فأحْسَنَ وَأتى المسْجِدَ لَا يُريدُ إلَاّ الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَاّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أوَ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ وإذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كانَ فِي صَلَاةٍ مَا كانَتْ تَحْبِسُهُ وَتُصلَّى يَعْني عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُوءْذِ يُحْدِثْ فِيهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَصلَاته فِي سوقه) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان.
ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب فضل الْجَمَاعَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
ذكرمعناه) قَوْله: (صَلَاة الْجَمِيع) أَي: صَلَاة الْجَمَاعَة، والجميع فِي اللُّغَة ضد المتفرق والجيش أَيْضا والحي الْمُجْتَمع، ويؤكد بِهِ، يُقَال: جاؤوا جَمِيعًا، أَي: كلهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: صَلَاة الْجَمِيع، أَي: صَلَاة فِي الْجَمِيع، يَعْنِي صَلَاة الْجَمَاعَة، قلت: هَذَا تصرف غير مرضِي. قَوْله: (على صلَاته فِي بَيته) أَي: على صَلَاة الْمُنْفَرد، وَقَوله: (فِي بَيته) قرينَة على هَذَا إِذْ الْغَالِب أَن الرجل يُصَلِّي فِي بَيته مُنْفَردا. قَوْله: (خمْسا) نصب على أَنه مفعول لقَوْله: تزيد، نَحْو قَوْلك: زِدْت عَلَيْهِ عشرَة وَنَحْوهَا. قَوْله: (فَإِن أحدكُم) ، بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الكشميني: (بِأَن أحدكُم) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، ووجهها أَن تكون الْبَاء للمصاحبة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تزيد على صلَاته بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة مَعَ فَضَائِل أخر، وَهُوَ رفع الدَّرَجَات وَصَلَاة الْمَلَائِكَة وَنَحْوهَا، وَيجوز أَن تكون للسَّبَبِيَّة. قَوْله: (فَأحْسن) كَذَا هُوَ بِدُونِ مَفْعُوله، وَالتَّقْدِير فَأحْسن الْوضُوء، وَالْإِحْسَان فِي الْوضُوء إسباغه برعاية السّنَن والآداب. قَوْله: (لَا يُرِيد إلَاّ الصَّلَاة) ، جملَة حَالية، والمضارع الْمَنْفِيّ إِذا وَقع حَالا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه. قَوْله: (خطْوَة) قَالَ السفاقسي: روينَاهُ بِفَتْح الْخَاء، وَهِي الْمرة الْوَاحِدَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة بِضَم الْخَاء، وَهِي وَاحِدَة الخطى، وَهِي مَا بَين الْقَدَمَيْنِ، وَالَّتِي بِالْفَتْح مصدر. قَوْله: (أَو حط) ، ويروي: (وَحط) بِالْوَاو، وَهَذَا أشمل. قَوْله: (مَا كَانَ يحْبسهُ) ، أَي: مَا كَانَ الْمَسْجِد يحْبسهُ، وَكلمَة: مَا، للمدة أَي: مُدَّة دوَام حبس الْمَسْجِد إِيَّاه. قَوْله: (وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ) ، أَي تَدْعُو لَهُ بقَوْلهمْ: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، اللَّهُمَّ ارحمه. وَقَوله: (اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ) ، تَقْدِيره: وَتَدْعُو الْمَلَائِكَة قائلين: اللَّهُمَّ، إِذْ لَا يَصح الْمَعْنى إلَاّ بِهِ. وَقيل: إِنَّه بَيَان للصَّلَاة، كَذَا هُوَ بِدُونِ مَفْعُوله، وَالتَّقْدِير: فَأحْسن الْوضُوء. قَوْله: (مَا لم يؤذ) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالذال الْمُعْجَمَة: من الْإِيذَاء، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْمُصَلِّي، ومفعوله مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا لم يؤذ الْمَلَائِكَة، وايذاؤه إيَّاهُم بِالْحَدَثِ فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ معنى قَوْله: يحدث، بِضَم الْيَاء من الإحداث بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ مجزوم وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين على أَنه بدل من: يؤذ، وَيجوز رَفعه على طَرِيق الِاسْتِئْنَاف. وَفِي رِوَايَة الشكميني: (مَا لم يؤذ بِحَدَث فِيهِ) ، بِلَفْظ الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلقا: بيؤذ قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: (مَا لم يحدث) ، بطرح لفظ يؤذ، أَي: مَا لم ينْقض الْوضُوء، وَالَّذِي ينْقض الْوضُوء الْحَدث. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أَعم من ذَلِك قلت: الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، وَلَفظه: (مَا لم يؤذ فِيهِ أَو يحدث فِيهِ) . والأعمية الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْقَائِل لَا تمشي فِي رِوَايَة البُخَارِيّ على مَا يخفى، وتمشي فِي رِوَايَة أبي دَاوُد لِأَنَّهُ عطف: أَو يحدث، على قَوْله: (لم يؤذ فِيهِ) ، وَالْمعْنَى: مَا لم يؤذ فِي مَجْلِسه الَّذِي صلى فِيهِ أحدا بقوله أَو فعله، أَو: يحدث، بِالْجَزْمِ من الإحداث بِمَعْنى الْحَدث لَا من التحديث، فَافْهَم. فَإِنَّهُ مَوضِع تَأمل.
ذكر تعدد الرِّوَايَات فِي قَوْله: (خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) فِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد: (صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تزيد على صلَاته فِي بَيته خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) . وَعند أبي ماجة: (بضعاً وَعشْرين دَرَجَة) ، وَفِي لفظ: (فضل الصَّلَاة على صَلَاة أحدكُم وَحده خمْسا وَعشْرين جُزْءا) . وَعند السراج: (تعدل خَمْسَة وَعشْرين صَلَاة من صَلَاة الْفَذ) ، وَفِي لفظ: (تزيد على صَلَاة الْفَذ خمْسا وَعشْرين) ، وَفِي لفظ: (سَبْعَة وَعشْرين جُزْءا) ، وَفِي لفظ: خير من صَلَاة الْفَذ) ، وَفِي لفظ: (تزيد على صَلَاة الْفَذ بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة) ، وَفِي لفظ: (صَلَاة مَعَ الإِمَام أفضل من خمس وَعشْرين يُصليهَا وَحده) . وَفِي كتاب ابْن حزم: صَلَاة الْجَمَاعَة تزيد على صَلَاة الْمُنْفَرد سبعا وَعشْرين دَرَجَة، وَفِي (سنَن الْكَجِّي) : صَلَاة الْجَمِيع تفضل على صَلَاة الْفَذ، وَعند ابْن حبَان: (فَإِن صلاهَا بِأَرْض فَيْء فَأَتمَّ وضوءها وركوعها وسجودها تكْتب صلَاته بِخَمْسِينَ دَرَجَة) ، وَعند أبي دَاوُد: (بلغت خمسين صَلَاة) . وَقَالَ عبد الْوَاحِد بن زِيَاد فِي هَذَا الحَدِيث: صَلَاة الرجل فِي الفلاة، تضَاعف على صلَاته فِي الْجَمَاعَة، موعند البُخَارِيّ، من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر: (صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تفضل على صَلَاة الرجل وَحده بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: كَذَا رَوَاهُ نَافِع، وَعَامة من روى عَن النَّبِي إِنَّمَا قَالَ: (خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) ،
وَعند ابْن حبَان من حَدِيث أبي بن كَعْب: (أَرْبَعَة وَعشْرين أَو خَمْسَة وَعشْرين دَرَجَة، وَصَلَاة الرجل أذكى من صلَاته وَحده، وَصلَاته مَعَ الرجلَيْن أذكى من صلَاته مَعَ الرجل، وَصلَاته مَعَ الثَّلَاثَة أذكى من صلَاته مَعَ الرجلَيْن، وَمَا أَكثر فَهُوَ أحب إِلَى اعز وَجل) ، وَعند أبي نعيم: عَن الْعمريّ عَن نَافِع بِلَفْظ: (سَبْعَة أَو خَمْسَة وَعشْرين) ، وَعند أَحْمد بِسَنَد جيد عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي اتعالى عَنهُ: (صَلَاة الْجَمِيع تفضل على صَلَاة الرجل وَحده خَمْسَة وَعشْرين ضعفا، كلهَا مثل صلَاته) ، وَفِي (مُسْند ابْن أبي شيبَة) : (بضعاً وَعشْرين دَرَجَة) .
وَعند السراج: (بِخمْس وَعشْرين صَلَاة) ، وَفِي لفظ: (تزيد خمْسا وَعشْرين) ، وَفِي (تَارِيخ البُخَارِيّ) : من حَدِيث الإفْرِيقِي عَن قباث بن أَشْيَم: (صَلَاة رجلَيْنِ، يؤم أَحدهمَا صَاحبه، أذكى عِنْد امن أَرْبَعَة تترى، وَصَلَاة أَرْبَعَة يؤمهم أحدهم أذكى عِنْد امن صَلَاة ثَمَانِيَة تترى، وَصَلَاة ثَمَانِيَة يؤمهم أحدهم أذكى عِنْد امن صَلَاة مائَة تترى) ، وَعند السراج، من حَدِيث أنس مَوْقُوفا بِسَنَد صَحِيح: (تفضل صَلَاة الْجَمِيع على صَلَاة الرجل وَحده بضعاً وَعشْرين صَلَاة) . وَعند الْكَجِّي، من حَدِيث أبان مَرْفُوعا: (تفضل صَلَاة الْجَمِيع على صَلَاة الرجل وَحده بِأَرْبَع وَعشْرين صَلَاة) ، وَعند السراج بِسَنَد صَحِيح، وَعَن عَائِشَة: (تفضل على صلَاته وَحده خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) ، وَكَذَا رَوَاهُ معَاذ عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَعند ابْن أبي شيبَة: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: (فضل صَلَاة الْجَمَاعَة على صَلَاة الْوَاحِد خمس وَعِشْرُونَ دَرَجَة قَالَ، فَإِن كَانُوا أَكثر فعلى عدد من فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ رجل: وَإِن كَانُوا عشرَة آلَاف؟ قَالَ: نعم) . وَعند ابْن زنجوية، من حَدِيث ابْن الْخطاب الدِّمَشْقِي: عَن زُرَيْق بن عبد االأنصاري: (صَلَاة الرجل فِي بَيته، وَصلَاته فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بِخمْس وَعشْرين صَلَاة، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الَّذِي يجمع فِيهِ بِخَمْسِمِائَة صَلَاة) . وَفِي فَضَائِل الْقُدس لأبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الوَاسِطِيّ، من حَدِيث أبي الْخطاب: (وَصَلَاة فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بست وَعشْرين، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي مَسْجِدي بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة) . وَمن حَدِيث عمار بن الْحسن: حدّثنا إِبْرَاهِيم بن هدبة عَن أنس مَرْفُوعا مثله: وَصلَاته على السَّاحِل بألفي ألف صَلَاة، وَصلَاته بسواك بِأَرْبَع مائَة ألف صَلَاة.
ذكر وَجه هَذِه الرِّوَايَات اخْتلفُوا فِي وَجه الْجمع بَين سبع وَعشْرين دَرَجَة وَبَين خمس وَعشْرين. فَقيل: السَّبع مُتَأَخِّرَة عَن الْخمس فَكَأَن اأخبره بِخمْس ثمَّ زَاده، ورد هَذَا بتعذر التَّارِيخ، ورد هَذَا الرَّد بِأَن الْفَضَائِل لَا تنسخ، فَتعين أَنه مُتَأَخّر. وَقيل: إِن صَلَاة الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد أفضل من صَلَاة الْفَذ فِي الْمَسْجِد بِسبع وَعشْرين دَرَجَة، ورد هَذَا بقوله: (وَصَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تضعف على صلَاته فِي بَيته وَفِي سوقه بِخمْس وَعشْرين ضعفا) . وَقيل: إِن الصَّلَاة الَّتِي لم تكن فِيهَا فَضِيلَة الخطى إِلَى الصَّلَاة، وَلَا فَضِيلَة انتظارها تفضل بِخمْس، وَالَّتِي فِيهَا ذَلِك تفضل بِخمْس، وَالَّتِي فِيهَا ذَلِك تفضل بِسبع. وَقيل: إِن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْمُصَلِّين وَالصَّلَاة، فَمن أكملها وحافظ عَلَيْهَا فَوق من أخل بِشَيْء من ذَلِك، وَقيل: إِن الزِّيَادَة لصلاتي الْعشَاء وَالصُّبْح لِاجْتِمَاع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فيهمَا، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (تفضل صَلَاة أحدكُم وَحده بِخمْس وَعشْرين جُزْءا، وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر) . فَذكر اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة بواو فاصلة، واستأنف الْكَلَام وقطعه من الْجُمْلَة الْمُتَقَدّمَة، وَقيل: لَا مُنَافَاة بَين الحدثين لِأَن ذكر الْقَلِيل لَا يُنَافِي الْكثير، وَمَفْهُوم الْعدَد بَاطِل عِنْد جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: إِنَّمَا قَالَ: دَرَجَة، وَلم يقل: جُزْءا وَلَا نَصِيبا وَلَا حَافِظًا وَلَا شَيْئا من أَمْثَال ذَلِك، لِأَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَاب من جِهَة الْعُلُوّ والارتفاع، وَأَن تِلْكَ فَوق هَذِه بِكَذَا وَكَذَا دَرَجَة، لِأَن الدَّرَجَات إِلَى جِهَة فَوق قلت: قد جَاءَ فِيهِ لفظ: الْجُزْء والضعف، وَقد تقدما عَن قريب، فَكَأَنَّهُ لم يطلع عَلَيْهِمَا. وَقيل: إِن الدرجَة أَصْغَر من الْجُزْء، فَكَأَن الْخَمْسَة وَالْعِشْرين إِذا جزئت دَرَجَات كَانَت سبعا وَعشْرين دَرَجَة قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: سبعا وَعشْرين دَرَجَة وخمساً وَعشْرين دَرَجَة فَاخْتلف الْقدر مَعَ اتِّحَاد لفظ الدرجَة. وَقد قيل: يحْتَمل أَن تكون الدرجَة فِي الْآخِرَة والجزء فِي الدُّنْيَا فَإِن قلت: قد علم وَجه الْجمع بَين هذَيْن العددين، وَلَكِن مَا الْحِكْمَة فِي التَّنْصِيص عَلَيْهِمَا؟ قلت: نقل الطَّيِّبِيّ عَن التوربشتي: وَأما وَجه قصر أَبْوَاب الْفَضِيلَة على خمس وَعشْرين تَارَة، وعَلى سبع وَعشْرين أُخْرَى فَإِن الْمرجع فِي حَقِيقَة ذَلِك إِلَى عُلُوم النُّبُوَّة الَّتِي قصرت عقل الألباء عَن إِدْرَاك جملها وتفاصيلها، وَلَعَلَّ الْفَائِدَة فِيمَا كشف بِهِ حَضْرَة النُّبُوَّة وَهِي اجْتِمَاع الْمُسلمين مصطفين كَصُفُوف الْمَلَائِكَة والاقتداء بِالْإِمَامِ وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام وَغَيرهَا انْتهى قلت: هَذَا لَا يشفي الغليل وَلَا يجدي العليل، وَالَّذِي ظهر لي فِي هَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبةً (١) لجدِّه، واسم أبيه عبد الله، المخزوميُّ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأخبرني» بالفاء، ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «وأخبرني» بالواو، وكلاهما عطفٌ على مُقدَّرٍ، أي: أخبرني (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام بكذا، وأخبرني عقب هذا (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ) أي: لم أعرف (أَبَوَيَّ) أبا بكرٍ وأمَّ رومان ﵄ (إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) بكسر الدَّال، أي: يتديَّنان بدين الإسلام، فهو نُصِبَ بنزع الخافض (وَلَمْ (٢) يَمُرَّ عَلَيْنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «عليهما» أي: الصِّدِّيق وزوجته (يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) في (٣) (طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً) نُصِبَ على الظَّرفيَّة فيهما (ثُمَّ بَدَا) أي: ظهر (لأَبِي بَكْرٍ) ﵁ رأيٌ بعد أن خرج مهاجرًا من مكَّة، ورجع في جوار ابن الدَّغِنَة، واشتراطه عليه
ألَّا يستعلن (١) بعبادته القصَّة … الآتية -إن شاء الله تعالى- في «كتاب الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] إلى قوله: (فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ) بكسر الفاء مع المدِّ: ما امتدَّ من جوانبها (فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ) أي: في المسجد (وَيَقْرَأُ القُرْآنَ) أي: ما نزل منه إذ ذاك (فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (رَجُلًا بَكَّاءً) بتشديد الكاف مُبالَغةً في «باكٍ» (لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ) (٢) أي: لا يطيق إمساكهما ومنعهما من البكاء (إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ) بالزَّاي، أي: فأخاف (ذَلِكَ) الوقوف (أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ) أن (٣) تميل أبناؤهم ونساؤهم إلى دين الإسلام.
ووجه المُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة من جهة أنَه ﷺ اطَّلع على بناء أبي بكرٍ ﵁ المسجد وأقرَّه عليه.
ورواته السِّتَّة ثلاثةٌ منهم مصريُّون، بالميم، والآخرون مدنيُّون، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والإخبار، وأخرجه المؤلِّف في «الإجارة» [خ¦٢٢٦٤] و «الكفالة» [خ¦٣٩/ ٤ - ٣٥٨٢] و «الأدب» [خ¦٦٠٧٩] و «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] وبعضه في «غزوة الرَّجِيع» [خ¦٤٠٩٣].
(٨٧) (بابُ) جواز (الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ) فلا دلالة في حديث: «إنَّ الأسواق شرُّ البقاع، وإنَّ المساجد خير البقاع» المرويِّ عند البزَّار لعدم صحَّة إسناده، ولو صحَّ لم يمنع وضع المسجد في السُّوق لأنَّ بقعة المسجد حينئذٍ تكون بقعة خيرٍ، و «مسجد» بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «مساجد السُّوق» (وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المُهمَلة وسكون الواو وآخره نونٌ، عبد الله (فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ) أي: على ابن عونٍ ومن معه، وليس في هذا ذكر السُّوق، فالله أعلم بوجه المُطابَقة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه فَضَائِل أُخْرَى لأبي بكر وَهِي قدم إِسْلَامه وَإِسْلَام أَبَوَيْهِ وَتردد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهِ طرفِي النَّهَار وَكَثْرَة بكائه ورقة قلبه
٧٨ - (بابُ الصلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الصَّلَاة فِي مَسْجِد السُّوق، ويروى فِي مَسَاجِد السُّوق، بِلَفْظ الْجمع، وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَفظ الْإِفْرَاد رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالمساجد مَوَاضِع إِيقَاع الصَّلَاة لَا الْأَبْنِيَة الْمَوْضُوعَة للصَّلَاة من الْمَسَاجِد، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْأَسْوَاق. وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ أَن الْأَسْوَاق شَرّ الْبِقَاع، فخشي البُخَارِيّ أَن يُوهم من رأى ذَلِك الحَدِيث أَنه لَا تجوز الصَّلَاة فِي الْأَسْوَاق اسْتِدْلَالا بِهِ، فجَاء بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة، إِذْ فِيهِ إجَازَة الصَّلَاة فِي السُّوق وَإِذا جَازَت الصَّلَاة فِي السُّوق فُرَادَى فَكَانَ أولى أَن يتَّخذ فِيهِ مَسْجِد للْجَمَاعَة. وَقَالَ بَعضهم: موقع التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الحَدِيث الْوَارِد فِي الْأَسْوَاق شَرّ الْبِقَاع، وَأَن الْمَسَاجِد خير الْبِقَاع، كَمَا أخرجه الْبَزَّار وَغَيره لَا يَصح إِسْنَاده، وَلَو صَحَّ لم يمْنَع وضع الْمَسْجِد فِي السُّوق لِأَن بقْعَة الْمَسْجِد حِينَئِذٍ تكون بقْعَة خير.
قلت: كل مِنْهُم قد تكلّف، أما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ ارْتكب الْمجَاز من غير ضَرُورَة، وَأما ابْن بطال فَإِنَّهُ من أَيْن تحقق خشيَة البُخَارِيّ مِمَّا ذكره حَتَّى وضع هَذَا الْبَاب؟ وَأما الْقَائِل الثَّالِث فَإِنَّهُ أبعد جدا، لِأَنَّهُ من أَيْن علم أَن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكره؟ وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن البُخَارِيّ لما أَرَادَ أَن يُورد حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى أَن صَلَاة الْمُصَلِّي لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون فِي الْمَسْجِد الَّذِي بني لَهَا، أَو فِي بَيته الَّذِي هُوَ منزله، أَو السُّوق، وضع بَابا فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي فِي السُّوق، وَإِنَّمَا خص هَذَا بِالذكر من بَين الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ لما كَانَ مَوضِع اللَّغط واشتغال النَّاس بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَالْإِيمَان الْكَثِيرَة فِيهِ بِالْحَقِّ وَالْبَاطِل، وَرُبمَا كَانَ يتَوَهَّم عدم جَوَاز الصَّلَاة فِيهِ من هَذِه الْجِهَات خصّه بِالذكر.
وصَلَّى ابنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ.
لَيْسَ فِي التَّرْجَمَة مَا يُطَابق هَذَا الْأَثر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ غَرَض البُخَارِيّ مِنْهُ الرَّد على الْحَنَفِيَّة حَيْثُ قَالُوا بامتناع اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الدَّار المحجوبة عَن النَّاس، وَنَقله بَعضهم فِي شَرحه معجباً بِهِ، قلت: جازف الْكرْمَانِي فِي هَذَا لِأَن الْحَنَفِيَّة لم يَقُولُوا هَكَذَا، بل الْمَذْهَب فِيهِ أَن من اتخذ مَسْجِدا فِي دَاره وأفرز طَرِيقه يجوز ذَلِك، وَيصير مَسْجِدا، فَإِذا أغلق بَابه وَصلى فِيهِ يجوز مَعَ الْكَرَاهَة، وَكَذَا الحكم فِي سَائِر الْمَسَاجِد.
وَابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون: هُوَ عبد ابْن عون، وَقد تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي: رب مبلغ ... . وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا فِي نُسْخَة سَمَاعنَا، يَعْنِي أَنه ابْن عون، وَقَالَ ابْن الْمُنِير: ابْن عمر، قلت: قَالُوا إِنَّه تَصْحِيف، وَالصَّحِيح إِنَّه ابْن عون، وَكَذَا وَقع فِي الْأُصُول.
٧٧٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمشِ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَة عنِ النبيِّ قَالَ: صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْساً وعِشْرِينَ دَرَجَةً فإِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فأحْسَنَ وَأتى المسْجِدَ لَا يُريدُ إلَاّ الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَاّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أوَ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ وإذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كانَ فِي صَلَاةٍ مَا كانَتْ تَحْبِسُهُ وَتُصلَّى يَعْني عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُوءْذِ يُحْدِثْ فِيهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَصلَاته فِي سوقه) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان.
ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب فضل الْجَمَاعَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
ذكرمعناه) قَوْله: (صَلَاة الْجَمِيع) أَي: صَلَاة الْجَمَاعَة، والجميع فِي اللُّغَة ضد المتفرق والجيش أَيْضا والحي الْمُجْتَمع، ويؤكد بِهِ، يُقَال: جاؤوا جَمِيعًا، أَي: كلهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: صَلَاة الْجَمِيع، أَي: صَلَاة فِي الْجَمِيع، يَعْنِي صَلَاة الْجَمَاعَة، قلت: هَذَا تصرف غير مرضِي. قَوْله: (على صلَاته فِي بَيته) أَي: على صَلَاة الْمُنْفَرد، وَقَوله: (فِي بَيته) قرينَة على هَذَا إِذْ الْغَالِب أَن الرجل يُصَلِّي فِي بَيته مُنْفَردا. قَوْله: (خمْسا) نصب على أَنه مفعول لقَوْله: تزيد، نَحْو قَوْلك: زِدْت عَلَيْهِ عشرَة وَنَحْوهَا. قَوْله: (فَإِن أحدكُم) ، بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الكشميني: (بِأَن أحدكُم) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، ووجهها أَن تكون الْبَاء للمصاحبة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تزيد على صلَاته بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة مَعَ فَضَائِل أخر، وَهُوَ رفع الدَّرَجَات وَصَلَاة الْمَلَائِكَة وَنَحْوهَا، وَيجوز أَن تكون للسَّبَبِيَّة. قَوْله: (فَأحْسن) كَذَا هُوَ بِدُونِ مَفْعُوله، وَالتَّقْدِير فَأحْسن الْوضُوء، وَالْإِحْسَان فِي الْوضُوء إسباغه برعاية السّنَن والآداب. قَوْله: (لَا يُرِيد إلَاّ الصَّلَاة) ، جملَة حَالية، والمضارع الْمَنْفِيّ إِذا وَقع حَالا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه. قَوْله: (خطْوَة) قَالَ السفاقسي: روينَاهُ بِفَتْح الْخَاء، وَهِي الْمرة الْوَاحِدَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة بِضَم الْخَاء، وَهِي وَاحِدَة الخطى، وَهِي مَا بَين الْقَدَمَيْنِ، وَالَّتِي بِالْفَتْح مصدر. قَوْله: (أَو حط) ، ويروي: (وَحط) بِالْوَاو، وَهَذَا أشمل. قَوْله: (مَا كَانَ يحْبسهُ) ، أَي: مَا كَانَ الْمَسْجِد يحْبسهُ، وَكلمَة: مَا، للمدة أَي: مُدَّة دوَام حبس الْمَسْجِد إِيَّاه. قَوْله: (وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ) ، أَي تَدْعُو لَهُ بقَوْلهمْ: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، اللَّهُمَّ ارحمه. وَقَوله: (اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ) ، تَقْدِيره: وَتَدْعُو الْمَلَائِكَة قائلين: اللَّهُمَّ، إِذْ لَا يَصح الْمَعْنى إلَاّ بِهِ. وَقيل: إِنَّه بَيَان للصَّلَاة، كَذَا هُوَ بِدُونِ مَفْعُوله، وَالتَّقْدِير: فَأحْسن الْوضُوء. قَوْله: (مَا لم يؤذ) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالذال الْمُعْجَمَة: من الْإِيذَاء، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْمُصَلِّي، ومفعوله مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا لم يؤذ الْمَلَائِكَة، وايذاؤه إيَّاهُم بِالْحَدَثِ فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ معنى قَوْله: يحدث، بِضَم الْيَاء من الإحداث بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ مجزوم وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين على أَنه بدل من: يؤذ، وَيجوز رَفعه على طَرِيق الِاسْتِئْنَاف. وَفِي رِوَايَة الشكميني: (مَا لم يؤذ بِحَدَث فِيهِ) ، بِلَفْظ الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلقا: بيؤذ قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: (مَا لم يحدث) ، بطرح لفظ يؤذ، أَي: مَا لم ينْقض الْوضُوء، وَالَّذِي ينْقض الْوضُوء الْحَدث. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أَعم من ذَلِك قلت: الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، وَلَفظه: (مَا لم يؤذ فِيهِ أَو يحدث فِيهِ) . والأعمية الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْقَائِل لَا تمشي فِي رِوَايَة البُخَارِيّ على مَا يخفى، وتمشي فِي رِوَايَة أبي دَاوُد لِأَنَّهُ عطف: أَو يحدث، على قَوْله: (لم يؤذ فِيهِ) ، وَالْمعْنَى: مَا لم يؤذ فِي مَجْلِسه الَّذِي صلى فِيهِ أحدا بقوله أَو فعله، أَو: يحدث، بِالْجَزْمِ من الإحداث بِمَعْنى الْحَدث لَا من التحديث، فَافْهَم. فَإِنَّهُ مَوضِع تَأمل.
ذكر تعدد الرِّوَايَات فِي قَوْله: (خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) فِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد: (صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تزيد على صلَاته فِي بَيته خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) . وَعند أبي ماجة: (بضعاً وَعشْرين دَرَجَة) ، وَفِي لفظ: (فضل الصَّلَاة على صَلَاة أحدكُم وَحده خمْسا وَعشْرين جُزْءا) . وَعند السراج: (تعدل خَمْسَة وَعشْرين صَلَاة من صَلَاة الْفَذ) ، وَفِي لفظ: (تزيد على صَلَاة الْفَذ خمْسا وَعشْرين) ، وَفِي لفظ: (سَبْعَة وَعشْرين جُزْءا) ، وَفِي لفظ: خير من صَلَاة الْفَذ) ، وَفِي لفظ: (تزيد على صَلَاة الْفَذ بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة) ، وَفِي لفظ: (صَلَاة مَعَ الإِمَام أفضل من خمس وَعشْرين يُصليهَا وَحده) . وَفِي كتاب ابْن حزم: صَلَاة الْجَمَاعَة تزيد على صَلَاة الْمُنْفَرد سبعا وَعشْرين دَرَجَة، وَفِي (سنَن الْكَجِّي) : صَلَاة الْجَمِيع تفضل على صَلَاة الْفَذ، وَعند ابْن حبَان: (فَإِن صلاهَا بِأَرْض فَيْء فَأَتمَّ وضوءها وركوعها وسجودها تكْتب صلَاته بِخَمْسِينَ دَرَجَة) ، وَعند أبي دَاوُد: (بلغت خمسين صَلَاة) . وَقَالَ عبد الْوَاحِد بن زِيَاد فِي هَذَا الحَدِيث: صَلَاة الرجل فِي الفلاة، تضَاعف على صلَاته فِي الْجَمَاعَة، موعند البُخَارِيّ، من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر: (صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تفضل على صَلَاة الرجل وَحده بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: كَذَا رَوَاهُ نَافِع، وَعَامة من روى عَن النَّبِي إِنَّمَا قَالَ: (خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) ،
وَعند ابْن حبَان من حَدِيث أبي بن كَعْب: (أَرْبَعَة وَعشْرين أَو خَمْسَة وَعشْرين دَرَجَة، وَصَلَاة الرجل أذكى من صلَاته وَحده، وَصلَاته مَعَ الرجلَيْن أذكى من صلَاته مَعَ الرجل، وَصلَاته مَعَ الثَّلَاثَة أذكى من صلَاته مَعَ الرجلَيْن، وَمَا أَكثر فَهُوَ أحب إِلَى اعز وَجل) ، وَعند أبي نعيم: عَن الْعمريّ عَن نَافِع بِلَفْظ: (سَبْعَة أَو خَمْسَة وَعشْرين) ، وَعند أَحْمد بِسَنَد جيد عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي اتعالى عَنهُ: (صَلَاة الْجَمِيع تفضل على صَلَاة الرجل وَحده خَمْسَة وَعشْرين ضعفا، كلهَا مثل صلَاته) ، وَفِي (مُسْند ابْن أبي شيبَة) : (بضعاً وَعشْرين دَرَجَة) .
وَعند السراج: (بِخمْس وَعشْرين صَلَاة) ، وَفِي لفظ: (تزيد خمْسا وَعشْرين) ، وَفِي (تَارِيخ البُخَارِيّ) : من حَدِيث الإفْرِيقِي عَن قباث بن أَشْيَم: (صَلَاة رجلَيْنِ، يؤم أَحدهمَا صَاحبه، أذكى عِنْد امن أَرْبَعَة تترى، وَصَلَاة أَرْبَعَة يؤمهم أحدهم أذكى عِنْد امن صَلَاة ثَمَانِيَة تترى، وَصَلَاة ثَمَانِيَة يؤمهم أحدهم أذكى عِنْد امن صَلَاة مائَة تترى) ، وَعند السراج، من حَدِيث أنس مَوْقُوفا بِسَنَد صَحِيح: (تفضل صَلَاة الْجَمِيع على صَلَاة الرجل وَحده بضعاً وَعشْرين صَلَاة) . وَعند الْكَجِّي، من حَدِيث أبان مَرْفُوعا: (تفضل صَلَاة الْجَمِيع على صَلَاة الرجل وَحده بِأَرْبَع وَعشْرين صَلَاة) ، وَعند السراج بِسَنَد صَحِيح، وَعَن عَائِشَة: (تفضل على صلَاته وَحده خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) ، وَكَذَا رَوَاهُ معَاذ عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَعند ابْن أبي شيبَة: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: (فضل صَلَاة الْجَمَاعَة على صَلَاة الْوَاحِد خمس وَعِشْرُونَ دَرَجَة قَالَ، فَإِن كَانُوا أَكثر فعلى عدد من فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ رجل: وَإِن كَانُوا عشرَة آلَاف؟ قَالَ: نعم) . وَعند ابْن زنجوية، من حَدِيث ابْن الْخطاب الدِّمَشْقِي: عَن زُرَيْق بن عبد االأنصاري: (صَلَاة الرجل فِي بَيته، وَصلَاته فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بِخمْس وَعشْرين صَلَاة، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الَّذِي يجمع فِيهِ بِخَمْسِمِائَة صَلَاة) . وَفِي فَضَائِل الْقُدس لأبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الوَاسِطِيّ، من حَدِيث أبي الْخطاب: (وَصَلَاة فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بست وَعشْرين، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي مَسْجِدي بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة) . وَمن حَدِيث عمار بن الْحسن: حدّثنا إِبْرَاهِيم بن هدبة عَن أنس مَرْفُوعا مثله: وَصلَاته على السَّاحِل بألفي ألف صَلَاة، وَصلَاته بسواك بِأَرْبَع مائَة ألف صَلَاة.
ذكر وَجه هَذِه الرِّوَايَات اخْتلفُوا فِي وَجه الْجمع بَين سبع وَعشْرين دَرَجَة وَبَين خمس وَعشْرين. فَقيل: السَّبع مُتَأَخِّرَة عَن الْخمس فَكَأَن اأخبره بِخمْس ثمَّ زَاده، ورد هَذَا بتعذر التَّارِيخ، ورد هَذَا الرَّد بِأَن الْفَضَائِل لَا تنسخ، فَتعين أَنه مُتَأَخّر. وَقيل: إِن صَلَاة الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد أفضل من صَلَاة الْفَذ فِي الْمَسْجِد بِسبع وَعشْرين دَرَجَة، ورد هَذَا بقوله: (وَصَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تضعف على صلَاته فِي بَيته وَفِي سوقه بِخمْس وَعشْرين ضعفا) . وَقيل: إِن الصَّلَاة الَّتِي لم تكن فِيهَا فَضِيلَة الخطى إِلَى الصَّلَاة، وَلَا فَضِيلَة انتظارها تفضل بِخمْس، وَالَّتِي فِيهَا ذَلِك تفضل بِخمْس، وَالَّتِي فِيهَا ذَلِك تفضل بِسبع. وَقيل: إِن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْمُصَلِّين وَالصَّلَاة، فَمن أكملها وحافظ عَلَيْهَا فَوق من أخل بِشَيْء من ذَلِك، وَقيل: إِن الزِّيَادَة لصلاتي الْعشَاء وَالصُّبْح لِاجْتِمَاع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فيهمَا، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (تفضل صَلَاة أحدكُم وَحده بِخمْس وَعشْرين جُزْءا، وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر) . فَذكر اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة بواو فاصلة، واستأنف الْكَلَام وقطعه من الْجُمْلَة الْمُتَقَدّمَة، وَقيل: لَا مُنَافَاة بَين الحدثين لِأَن ذكر الْقَلِيل لَا يُنَافِي الْكثير، وَمَفْهُوم الْعدَد بَاطِل عِنْد جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: إِنَّمَا قَالَ: دَرَجَة، وَلم يقل: جُزْءا وَلَا نَصِيبا وَلَا حَافِظًا وَلَا شَيْئا من أَمْثَال ذَلِك، لِأَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَاب من جِهَة الْعُلُوّ والارتفاع، وَأَن تِلْكَ فَوق هَذِه بِكَذَا وَكَذَا دَرَجَة، لِأَن الدَّرَجَات إِلَى جِهَة فَوق قلت: قد جَاءَ فِيهِ لفظ: الْجُزْء والضعف، وَقد تقدما عَن قريب، فَكَأَنَّهُ لم يطلع عَلَيْهِمَا. وَقيل: إِن الدرجَة أَصْغَر من الْجُزْء، فَكَأَن الْخَمْسَة وَالْعِشْرين إِذا جزئت دَرَجَات كَانَت سبعا وَعشْرين دَرَجَة قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: سبعا وَعشْرين دَرَجَة وخمساً وَعشْرين دَرَجَة فَاخْتلف الْقدر مَعَ اتِّحَاد لفظ الدرجَة. وَقد قيل: يحْتَمل أَن تكون الدرجَة فِي الْآخِرَة والجزء فِي الدُّنْيَا فَإِن قلت: قد علم وَجه الْجمع بَين هذَيْن العددين، وَلَكِن مَا الْحِكْمَة فِي التَّنْصِيص عَلَيْهِمَا؟ قلت: نقل الطَّيِّبِيّ عَن التوربشتي: وَأما وَجه قصر أَبْوَاب الْفَضِيلَة على خمس وَعشْرين تَارَة، وعَلى سبع وَعشْرين أُخْرَى فَإِن الْمرجع فِي حَقِيقَة ذَلِك إِلَى عُلُوم النُّبُوَّة الَّتِي قصرت عقل الألباء عَن إِدْرَاك جملها وتفاصيلها، وَلَعَلَّ الْفَائِدَة فِيمَا كشف بِهِ حَضْرَة النُّبُوَّة وَهِي اجْتِمَاع الْمُسلمين مصطفين كَصُفُوف الْمَلَائِكَة والاقتداء بِالْإِمَامِ وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام وَغَيرهَا انْتهى قلت: هَذَا لَا يشفي الغليل وَلَا يجدي العليل، وَالَّذِي ظهر لي فِي هَذَا