«دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٢٢

الحديث رقم ٤٨٢٢ من كتاب «سورة حم الدخان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «دخلت على عبد الله فقال: إن من العلم أن تقول…

«دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ اللهُ أَعْلَمُ، إِنَّ اللهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا غَلَبُوا النَّبِيَّ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الْجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجُوعِ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ

⦗١٣٢⦘

عَادُوا، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا، فَانْتَقَمَ اللهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾».

﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ الذِّكْرُ وَالذِّكْرَى وَاحِدٌ

سند حديث: ٤٨٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا…

٤٨٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «دخلت على عبد الله فقال: إن من العلم أن تقول…

معنى الحديث: أن الإنسان إذا سُئل عن شيء يعلمه، فليبينه للناس ولا يكتمه، وأما إذا سئل عن شيء لا يعلمه، فليقل: الله أعلم ولا يتكلف الجواب.
"فإن من العلم أن يقول لِمَا لا يَعْلَم: الله أعلم" أي أن من العلم أن يقول الإنسان لما لا يعلم : "الله أعلم"؛ لأن الذي يقول لا أعلم وهو لا يعلم هو العالم حقيقة هو الذي علم قَدْر نفسه وعلم منزلته وأنه جاهل فيقول لما لا يعرف الله أعلم.
وعند مسلم بلفظ: "فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم".
والمعنى: أنه أحسن لعلمه وأتم وأنفع له أن يقول لما لا يعلمه: "الله أعلم".
ثم استدل ابن مسعود رضي الله عنه بقوله تعالى : (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) أي لا أسألكم على ما جئت به من الوحي أجرا تعطونني إياه وإنما أدلكم على الخير وأدعوكم إلى الله عز وجل .
(وما أنا من المتكلفين) أي من الشاقين عليكم أو القائلين بلا علم.
فالحاصل: أنه لا يجوز للإنسان أن يفتي إلا حيث جازت له الفتوى، وإن كان الله تعالى قد أراد أن يكون إمامًا للناس يفتيهم ويهديهم إلى صراط مستقيم فإنه سيكون وإن كان الله لم يرد ذلك فلن يفيده تجرأه في الفتوى ويكون ذلك وبالًا عليه في الدنيا والآخرة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • عدم التكلف في المسائل العلمية، كأن يسأل عن شيء غير واضح له فيتحمل جوابا له، وربما أبعد عن الحقيقة في بيانه.
  • لا ينقص من قَدْرِ العالم أن يجهل بعض مسائل العلم، ويعلن عدم معرفته بها.
  • الاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عدم التَّكَلف مطلقًا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «دخلت على عبد الله فقال: إن من العلم أن تقول…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالْآتِي الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو سُفْيَانَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ) إِنَّمَا قَالَ: لِمُضَرَ لِأَنَّ غَالِبَهُمْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ مِيَاهِ الْحِجَازِ، وَكَانَ الدُّعَاءُ بِالْقَحْطِ عَلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ سُكَّانُ مَكَّةَ فَسَرَى الْقَحْطُ إِلَى مَنْ حَوْلَهُمْ فَحَسُنَ أَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ لَهُمْ، وَلَعَلَّ السَّائِلَ عَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِقُرَيْشٍ لِئَلَّا يَذْكُرَهُمْ فَيُذَكِّرُ بِجُرْمِهِمْ، فَقَالَ: لِمُضَرَ لِيَنْدَرِجُوا فِيهِمْ، وَيُشِيرُ أَيْضًا إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ قَدْ هَلَكُوا بِجَرِيرَتِهِمْ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مُضَرَ أَيْضًا قَوْمُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مُضَرَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ) أَيْ أَتَأْمُرُنِي أَنْ أَسْتَسْقِيَ لِمُضَرَ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْإِشْرَاكِ بِهِ؟ وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْكِرْمَانِيِّ قَوْلُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمُضَرَ أَيْ لِأَبِي سُفْيَانَ فَإِنَّهُ كَانَ كَبِيرُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ كَانَ الْآتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمُسْتَدْعِي مِنْهُ الِاسْتِسْقَاءَ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَتَلَتْ قُرَيْشٌ فُلَانًا وَيُرِيدُونَ شَخْصًا مِنْهُمْ، وَكَذَا يُضِيفُونَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَبِيلَةِ وَالْأَمْرُ فِي الْوَاقِعِ مُضَافٌ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمُ انْتَهَى. وَجَعْلُهُ اللَّامَ مُتَعَلِّقَةً بِقَالَ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَحْذُوفِ كَمَا قَرَّرْتُهُ أَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَصَابَهُمُ الرَّفَاهِيَةُ) بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ الْهَاءِ أَيِ التَّوَسُّعُ وَالرَّاحَةُ.

٣ - بَاب: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾

٤٨٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا غَلَبُوا النَّبِيَّ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالْمَيْتَةَ مِنْ الْجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجُوعِ، قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا، فَدَعَا رَبَّهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَعَادُوا فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ - ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾

قَوْلُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي (عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ) تَقَدَّمَ سَبَبُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا فِي سُورَةِ الرُّومِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَفْظُهُ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ فَقَالَ: يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَفَزِعْنَا، فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَغَضِبَ فَجَلَسَ فَقَالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْخَفِيِّ عَلَى الْوَاضِحِ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كَانَتْ أَوْلَى بِإِيرَادِ هَذَا السِّيَاقِ مِنْ سُورَةِ الرُّومِ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ ذِكْرِ الدُّخَانِ، لَكِنْ هَذِهِ طَرِيقَتُهُ يَذْكُرُ الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعٍ ثُمَّ يَذْكُرُهُ فِي الْمَوْضِعِ اللَّائِقِ بِهِ عَارِيًا عَنِ الزِّيَادَةِ اكْتِفَاءً بِذِكْرِهَا فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ، شَحْذًا لِلْأَذْهَانِ وَبَعْثًا عَلَى مَزِيدِ الِاسْتِحْضَارِ، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ، فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: آيَةُ الدُّخَانِ لَمْ تَمْضِ بَعْدُ، يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، وَيُنْفَخُ الْكَافِرُ حَتَّى يَنْفَدَ.

ثُمَّ أَخْرَجَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ موسى البلخيُّ، قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابنُ الجرَّاحِ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ (فَقَالَ: إِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ) قد سبق في «سورة الرُّوم» (١) [خ¦٤٧٧٤] سبب قول ابنِ مسعودٍ هذا من وجه آخر عن الأعمش، ولفظه عن مسروق: بينا رجل يحدِّث في كِنْدةَ، فقال: يجيءُ دخانٌ يوم القيامةِ فيأخذُ بأسماعِ المنافقينَ وأبصارِهم، ويأخذُ المؤمنَ كهيئةِ الزُّكامِ، ففزعنَا، فأتيت ابنَ مسعودٍ وكان متَّكئًا، فغضب فجلسَ فقال: من علمَ فليقلْ، ومَن لم يعلمْ فليقلْ: الله أعلم (إِنَّ اللهَ) تعالى (قَالَ لِنَبِيِّهِ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾) [ص: ٨٦] والقولُ فيما لا يعلم قسمٌ من التَّكلُّف (إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا (٢) غَلَبُوا النَّبيَّ) بتخفيف اللام، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لما غلبُوا على النَّبيِّ» () بخروجِهم عن طاعتهِ وتمادِيهم في كفرِهم (وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ) بفتح الصاد (قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ) من السِّنين (كَسَبْعِ يُوسُفَ) في الشِّدَّةِ والقحطِ (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حتَى أَكَلُوا فِيهَا العِظَامَ وَالمَيْتَةَ مِنَ الجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ (٣) أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ) الظُّلمة التي في أبصارِهم بسبب (الجُوعِ، قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]) وعدٌ (٤) بالإيمانِ إن كُشِف عنهم عذابُ الجوع

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالْآتِي الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو سُفْيَانَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ) إِنَّمَا قَالَ: لِمُضَرَ لِأَنَّ غَالِبَهُمْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ مِيَاهِ الْحِجَازِ، وَكَانَ الدُّعَاءُ بِالْقَحْطِ عَلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ سُكَّانُ مَكَّةَ فَسَرَى الْقَحْطُ إِلَى مَنْ حَوْلَهُمْ فَحَسُنَ أَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ لَهُمْ، وَلَعَلَّ السَّائِلَ عَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِقُرَيْشٍ لِئَلَّا يَذْكُرَهُمْ فَيُذَكِّرُ بِجُرْمِهِمْ، فَقَالَ: لِمُضَرَ لِيَنْدَرِجُوا فِيهِمْ، وَيُشِيرُ أَيْضًا إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ قَدْ هَلَكُوا بِجَرِيرَتِهِمْ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مُضَرَ أَيْضًا قَوْمُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مُضَرَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ) أَيْ أَتَأْمُرُنِي أَنْ أَسْتَسْقِيَ لِمُضَرَ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْإِشْرَاكِ بِهِ؟ وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْكِرْمَانِيِّ قَوْلُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمُضَرَ أَيْ لِأَبِي سُفْيَانَ فَإِنَّهُ كَانَ كَبِيرُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ كَانَ الْآتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمُسْتَدْعِي مِنْهُ الِاسْتِسْقَاءَ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَتَلَتْ قُرَيْشٌ فُلَانًا وَيُرِيدُونَ شَخْصًا مِنْهُمْ، وَكَذَا يُضِيفُونَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَبِيلَةِ وَالْأَمْرُ فِي الْوَاقِعِ مُضَافٌ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمُ انْتَهَى. وَجَعْلُهُ اللَّامَ مُتَعَلِّقَةً بِقَالَ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَحْذُوفِ كَمَا قَرَّرْتُهُ أَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَصَابَهُمُ الرَّفَاهِيَةُ) بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ الْهَاءِ أَيِ التَّوَسُّعُ وَالرَّاحَةُ.

٣ - بَاب: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾

٤٨٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا غَلَبُوا النَّبِيَّ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالْمَيْتَةَ مِنْ الْجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجُوعِ، قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا، فَدَعَا رَبَّهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَعَادُوا فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ - ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾

قَوْلُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي (عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ) تَقَدَّمَ سَبَبُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا فِي سُورَةِ الرُّومِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَفْظُهُ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ فَقَالَ: يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَفَزِعْنَا، فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَغَضِبَ فَجَلَسَ فَقَالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْخَفِيِّ عَلَى الْوَاضِحِ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كَانَتْ أَوْلَى بِإِيرَادِ هَذَا السِّيَاقِ مِنْ سُورَةِ الرُّومِ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ ذِكْرِ الدُّخَانِ، لَكِنْ هَذِهِ طَرِيقَتُهُ يَذْكُرُ الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعٍ ثُمَّ يَذْكُرُهُ فِي الْمَوْضِعِ اللَّائِقِ بِهِ عَارِيًا عَنِ الزِّيَادَةِ اكْتِفَاءً بِذِكْرِهَا فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ، شَحْذًا لِلْأَذْهَانِ وَبَعْثًا عَلَى مَزِيدِ الِاسْتِحْضَارِ، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ، فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: آيَةُ الدُّخَانِ لَمْ تَمْضِ بَعْدُ، يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، وَيُنْفَخُ الْكَافِرُ حَتَّى يَنْفَدَ.

ثُمَّ أَخْرَجَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ موسى البلخيُّ، قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابنُ الجرَّاحِ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ (فَقَالَ: إِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ) قد سبق في «سورة الرُّوم» (١) [خ¦٤٧٧٤] سبب قول ابنِ مسعودٍ هذا من وجه آخر عن الأعمش، ولفظه عن مسروق: بينا رجل يحدِّث في كِنْدةَ، فقال: يجيءُ دخانٌ يوم القيامةِ فيأخذُ بأسماعِ المنافقينَ وأبصارِهم، ويأخذُ المؤمنَ كهيئةِ الزُّكامِ، ففزعنَا، فأتيت ابنَ مسعودٍ وكان متَّكئًا، فغضب فجلسَ فقال: من علمَ فليقلْ، ومَن لم يعلمْ فليقلْ: الله أعلم (إِنَّ اللهَ) تعالى (قَالَ لِنَبِيِّهِ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾) [ص: ٨٦] والقولُ فيما لا يعلم قسمٌ من التَّكلُّف (إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا (٢) غَلَبُوا النَّبيَّ) بتخفيف اللام، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لما غلبُوا على النَّبيِّ» () بخروجِهم عن طاعتهِ وتمادِيهم في كفرِهم (وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ) بفتح الصاد (قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ) من السِّنين (كَسَبْعِ يُوسُفَ) في الشِّدَّةِ والقحطِ (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حتَى أَكَلُوا فِيهَا العِظَامَ وَالمَيْتَةَ مِنَ الجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ (٣) أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ) الظُّلمة التي في أبصارِهم بسبب (الجُوعِ، قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]) وعدٌ (٤) بالإيمانِ إن كُشِف عنهم عذابُ الجوع

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد