«بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤

الحديث رقم ٤ من كتاب «بدء الوحي» في صحيح البخاري، تحت باب: بدء الوحي.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤ في صحيح البخاري

«بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى

⦗٨⦘

قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ».

تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ.

إسناد حديث رقم ٤ من صحيح البخاري

٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَجْزُومٌ. زَادَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فِي التَّفْسِيرِ: حَيًّا، وَلِابْنِ إِسْحَاقَ: إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، يَعْنِي يَوْمَ الْإِخْرَاجِ.

قَوْلُهُ: (مُؤَزَّرًا) بِهَمْزَةٍ أَيْ: قَوِيًّا مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَزْرِ وَهُوَ الْقُوَّةُ، وَأَنْكَرَ الْقَزَّازُ أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَةِ مُؤَزَّرًا مِنَ الْأَزْرِ. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِزَارِ، أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَشْمِيرِهِ فِي نُصْرَتِهِ، قَالَ الْأَخْطَلُ:

قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ

الْبَيْتَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَمْ يَلْبَثْ. وَأَصْلُ النُّشُوبِ التَّعَلُّقُ، أَيْ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ حَتَّى مَاتَ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ وَرَقَةَ كَانَ يَمُرُّ بِبِلَالٍ وَهُوَ يُعَذَّبُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى زَمَنِ الدَّعْوَةِ، وَإِلَى أَنْ دَخَلَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ. فَإِنْ تَمَسَّكْنَا بِالتَّرْجِيحِ فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ، وَإِنْ لَحَظْنَا الْجَمْعَ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَفَتَرَ الْوَحْيُ. لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ، فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَحْفَظْ لِوَرَقَةَ ذِكْرًا بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ فَجَعَلَ هَذِهِ الْقِصَّةَ انْتِهَاءَ أَمْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِهِ لَا إِلَى مَا هُوَ الْوَاقِعُ.

وَفُتُورُ الْوَحْيِ عِبَارَةٌ عَنْ تَأَخُّرِهِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، وَكَانَ ذَلِكَ لِيَذْهَبَ مَا كَانَ وَجَدَهُ مِنَ الرَّوْعِ، وَلِيَحْصُلَ لَهُ التَّشَوُّفُ إِلَى الْعَوْدِ، فَقَدْ رَوَى الْمُؤَلِّفُ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.

(فَائِدَةٌ): وَقَعَ فِي تَارِيخِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ مُدَّةَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ كَانَتْ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ مُدَّةَ الرُّؤْيَا كَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَعَلَى هَذَا فَابْتِدَاءُ النُّبُوَّةِ بِالرُّؤْيَا وَقَعَ مِنْ شَهْرِ مَوْلِدِهِ وَهُوَ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ بَعْدَ إِكْمَالِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَابْتِدَاءُ وَحْيِ الْيَقَظَةِ وَقَعَ فِي رَمَضَانَ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِفَتْرَةِ الْوَحْيِ الْمُقَدَّرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَهِيَ مَا بَيْنَ نُزُولِ ﴿اقْرَأْ﴾ وَ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ عَدَمَ مَجِيءِ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ، بَلْ تَأَخُّرُ نُزُولِ الْقُرْآنَ فَقَطْ. ثُمَّ رَاجَعْتُ الْمَنْقُولَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مِنْ تَارِيخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَقُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ إِسْرَافِيلُ ثَلَاثَ سِنِينَ فَكَانَ يُعَلِّمُهُ الْكَلِمَةَ وَالشَّيْءَ، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جِبْرِيلُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ عِشْرِينَ سَنَةً. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُخْتَصَرًا عَنْ دَاوُدَ بِلَفْظِ: بُعِثَ لِأَرْبَعِينَ، وَوُكِّلَ بِهِ إِسْرَافِيلُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ وُكِّلَ بِهِ جِبْرِيلُ. فَعَلَى هَذَا فَيَحْسُنُ - بِهَذَا الْمُرْسَلِ إِنْ ثَبَتَ - الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي قَدْرِ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ، فَقَدْ قِيلَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: عَشْرٌ، وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِقَدْرِ مُدَّةِ الْفَتْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ حَكَى ابْنُ التِّينِ هَذِهِ الْقِصَّةَ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُ مِيكَائِيلُ بَدَلَ إِسْرَافِيلَ، وَأَنْكَرَ الْوَاقِدِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْمُرْسَلَةَ وَقَالَ: لَمْ يُقْرَنْ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا جِبْرِيلُ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي إِلَّا إِنْ صَحِبَ النَّافِيَ دَلِيلُ نَفْيِهِ فَيُقَدَّمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخَذَ السُّهَيْلِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فَجَمَعَ بِهَا الْمُخْتَلِفَ فِي مُكْثِهِ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْمُسْنَدَةِ أَنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَةِ سَنَتَانِ وَنِصْفٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ مُدَّةَ الرُّؤْيَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَمَنْ قَالَ مَكَثَ عَشْرَ سِنِينَ حَذَفَ مُدَّةَ الرُّؤْيَا وَالْفَتْرَةَ، وَمَنْ قَالَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ أَضَافَهُمَا. وَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ السُّهَيْلِيُّ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِمُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ لَا يَثْبُتُ، وَقَدْ عَارَضَهُ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَةِ الْمَذْكُورَةِ كَانَتْ أَيَّامًا، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَرُعِبْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ.

[الحديث ٤ - أطرافه في: ٦٢١٤، ٤٩٥٤، ٤٩٢٦، ٤٩٢٥، ٤٩٢٤، ٤٩٢٣، ٤٩٢٢، ٣٢٣٨]

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) إِنَّمَا أَتَى بِحَرْفِ الْعَطْفِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا سَبَقَ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بِكَذَا، وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بِكَذَا، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا مُعَلَّقًا وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ التَّعْلِيقِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا ثُبُوتُ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى تَقَدُّمِ شَيْءٍ عَطَفْتَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ فَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ - أَيْ: بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ - وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بِخَبَرٍ آخَرَ وَهُوَ كَذَا، وَدَلَّ قَوْلُهُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ وَقَوْلُهُ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ عَلَى تَأَخُّرِ نُزُولِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ عَنِ اقْرَأْ، وَلَمَّا خَلَتْ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْآتِيَةُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ أَشْكَلَ الْأَمْرُ، فَجَزَمَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أَوَّلُ مَا نَزَلَ، وَرِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ الصَّحِيحَةُ تَرْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ، وَسِيَاقُ بَسْطِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ اقْرَأْ.

قَوْلُهُ: (فَرُعِبْتُ مِنْهُ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ، أَيْ: فَزِعْتُ، دَلَّ عَلَى بَقِيَّةٍ بَقِيَتْ مَعَهُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ زَالَتْ بِالتَّدْرِيجِ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ زَمِّلُونِي مَرَّةً وَاحِدَةً، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ فِي التَّفْسِيرِ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: حَذِّرْ مِنَ الْعَذَابِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِكَ، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: مِنَ النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ: الثِّيَابُ النَّفْسُ، وَتَطْهِيرُهَا اجْتِنَابُ النَّقَائِصِ، وَالرُّجْزُ هُنَا الْأَوْثَانُ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِيرِ، وَالرُّجْزُ فِي اللُّغَةِ: الْعَذَابُ، وَسَمَّى الْأَوْثَانَ هُنَا رُجْزًا ; لِأَنَّهَا سَبَبُهُ.

قَوْلُهُ: (فَحَمِيَ الْوَحْيُ) أَيْ جَاءَ كَثِيرًا، وَفِيهِ مُطَابَقَةٌ لِتَعْبِيرِهِ عَنْ تَأَخُّرِهِ بِالْفُتُورِ، إِذْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى انْقِطَاعٍ كُلِّيٍّ فَيُوصَفُ بِالضِّدِّ وَهُوَ الْبَرَدُ.

قَوْلُهُ: (وَتَتَابَعَ) تَأْكِيدُ مَعْنَوِيٌّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِحَمِيَ: قَوِيَ، وَتَتَابَعَ: تَكَاثَرَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ (١) وأبي الْوَقْتِ وَتَوَاتَرَ، وَالتَّوَاتُرُ مَجِيءُ الشَّيْءِ يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلٍ.

(تَنْبِيهٌ): خَرَّجَ الْمُصَنِّفُ بِالْإِسْنَادِ فِي التَّارِيخِ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ، ثُمَّ عَنْ جَابِرٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ هُنَا فَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَتَابَعَ: قَالَ عُرْوَةُ - يَعْنِي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ - وَمَاتَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ رَأَيْتُ لِخَدِيجَةَ بَيْتًا مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: يَعْنِي قَصَبَ اللُّؤْلُؤِ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي مَنَاقِبِ خَدِيجَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَمُتَابَعَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ هَذِهِ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي قِصَّةِ مُوسَى. وَفِيهِ مِنَ اللَّطَائِفِ قَوْلُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو صَالِحٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مِنَ الْمُعَلَّقَاتِ، وَعَلَّقَ عَنِ اللَّيْثِ جُمْلَةً كَثِيرَةً مِنْ أَفْرَادِ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ. وَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ عَنْهُ مَقْرُونًا بِيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ - كَالدِّمْيَاطِيِّ - أَنَّهُ أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَسْنَدَهُ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ وَقَدْ وُجِدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ كَاتِبِ اللَّيْثِ.

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ) بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَةٌ، وَحَدِيثُهُ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِلذُّهْلِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ يُونُسُ) يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ الْأَيْلِيَّ، وَمَعْمَرٌ هُوَ ابْنُ رَاشِدٍ. (بَوَادِرُهُ) يَعْنِي أَنَّ يُونُسَ، وَمَعْمَرًا رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَوَافَقَا عُقَيْلًا عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا بَدَلَ قَوْلِهِ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ: تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، وَالْبَوَادِرُ جَمْعُ بَادِرَةٌ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ تَضْطَرِبُ عِنْدَ فَزَعِ الْإِنْسَانِ، فَالرِّوَايَتَانِ مُسْتَوِيَتَانِ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا دَالٌّ عَلَى الْفَزَعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَمَعْمَرٍ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِرِوَايَةِ عُقَيْلٍ غَيْرَ هَذَا فِي أَثْنَاءِ السِّيَاقِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَجْزُومٌ. زَادَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فِي التَّفْسِيرِ: حَيًّا، وَلِابْنِ إِسْحَاقَ: إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، يَعْنِي يَوْمَ الْإِخْرَاجِ.

قَوْلُهُ: (مُؤَزَّرًا) بِهَمْزَةٍ أَيْ: قَوِيًّا مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَزْرِ وَهُوَ الْقُوَّةُ، وَأَنْكَرَ الْقَزَّازُ أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَةِ مُؤَزَّرًا مِنَ الْأَزْرِ. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِزَارِ، أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَشْمِيرِهِ فِي نُصْرَتِهِ، قَالَ الْأَخْطَلُ:

قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ

الْبَيْتَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَمْ يَلْبَثْ. وَأَصْلُ النُّشُوبِ التَّعَلُّقُ، أَيْ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ حَتَّى مَاتَ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ وَرَقَةَ كَانَ يَمُرُّ بِبِلَالٍ وَهُوَ يُعَذَّبُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى زَمَنِ الدَّعْوَةِ، وَإِلَى أَنْ دَخَلَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ. فَإِنْ تَمَسَّكْنَا بِالتَّرْجِيحِ فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ، وَإِنْ لَحَظْنَا الْجَمْعَ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَفَتَرَ الْوَحْيُ. لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ، فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَحْفَظْ لِوَرَقَةَ ذِكْرًا بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ فَجَعَلَ هَذِهِ الْقِصَّةَ انْتِهَاءَ أَمْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِهِ لَا إِلَى مَا هُوَ الْوَاقِعُ.

وَفُتُورُ الْوَحْيِ عِبَارَةٌ عَنْ تَأَخُّرِهِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، وَكَانَ ذَلِكَ لِيَذْهَبَ مَا كَانَ وَجَدَهُ مِنَ الرَّوْعِ، وَلِيَحْصُلَ لَهُ التَّشَوُّفُ إِلَى الْعَوْدِ، فَقَدْ رَوَى الْمُؤَلِّفُ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.

(فَائِدَةٌ): وَقَعَ فِي تَارِيخِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ مُدَّةَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ كَانَتْ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ مُدَّةَ الرُّؤْيَا كَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَعَلَى هَذَا فَابْتِدَاءُ النُّبُوَّةِ بِالرُّؤْيَا وَقَعَ مِنْ شَهْرِ مَوْلِدِهِ وَهُوَ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ بَعْدَ إِكْمَالِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَابْتِدَاءُ وَحْيِ الْيَقَظَةِ وَقَعَ فِي رَمَضَانَ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِفَتْرَةِ الْوَحْيِ الْمُقَدَّرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَهِيَ مَا بَيْنَ نُزُولِ ﴿اقْرَأْ﴾ وَ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ عَدَمَ مَجِيءِ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ، بَلْ تَأَخُّرُ نُزُولِ الْقُرْآنَ فَقَطْ. ثُمَّ رَاجَعْتُ الْمَنْقُولَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مِنْ تَارِيخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَقُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ إِسْرَافِيلُ ثَلَاثَ سِنِينَ فَكَانَ يُعَلِّمُهُ الْكَلِمَةَ وَالشَّيْءَ، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جِبْرِيلُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ عِشْرِينَ سَنَةً. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُخْتَصَرًا عَنْ دَاوُدَ بِلَفْظِ: بُعِثَ لِأَرْبَعِينَ، وَوُكِّلَ بِهِ إِسْرَافِيلُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ وُكِّلَ بِهِ جِبْرِيلُ. فَعَلَى هَذَا فَيَحْسُنُ - بِهَذَا الْمُرْسَلِ إِنْ ثَبَتَ - الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي قَدْرِ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ، فَقَدْ قِيلَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: عَشْرٌ، وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِقَدْرِ مُدَّةِ الْفَتْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ حَكَى ابْنُ التِّينِ هَذِهِ الْقِصَّةَ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُ مِيكَائِيلُ بَدَلَ إِسْرَافِيلَ، وَأَنْكَرَ الْوَاقِدِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْمُرْسَلَةَ وَقَالَ: لَمْ يُقْرَنْ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا جِبْرِيلُ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي إِلَّا إِنْ صَحِبَ النَّافِيَ دَلِيلُ نَفْيِهِ فَيُقَدَّمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخَذَ السُّهَيْلِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فَجَمَعَ بِهَا الْمُخْتَلِفَ فِي مُكْثِهِ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْمُسْنَدَةِ أَنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَةِ سَنَتَانِ وَنِصْفٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ مُدَّةَ الرُّؤْيَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَمَنْ قَالَ مَكَثَ عَشْرَ سِنِينَ حَذَفَ مُدَّةَ الرُّؤْيَا وَالْفَتْرَةَ، وَمَنْ قَالَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ أَضَافَهُمَا. وَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ السُّهَيْلِيُّ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِمُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ لَا يَثْبُتُ، وَقَدْ عَارَضَهُ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُدَّةَ الْفَتْرَةِ الْمَذْكُورَةِ كَانَتْ أَيَّامًا، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَرُعِبْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ.

[الحديث ٤ - أطرافه في: ٦٢١٤، ٤٩٥٤، ٤٩٢٦، ٤٩٢٥، ٤٩٢٤، ٤٩٢٣، ٤٩٢٢، ٣٢٣٨]

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) إِنَّمَا أَتَى بِحَرْفِ الْعَطْفِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا سَبَقَ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بِكَذَا، وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بِكَذَا، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا مُعَلَّقًا وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ التَّعْلِيقِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا ثُبُوتُ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى تَقَدُّمِ شَيْءٍ عَطَفْتَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ فَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ - أَيْ: بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ - وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بِخَبَرٍ آخَرَ وَهُوَ كَذَا، وَدَلَّ قَوْلُهُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ وَقَوْلُهُ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ عَلَى تَأَخُّرِ نُزُولِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ عَنِ اقْرَأْ، وَلَمَّا خَلَتْ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْآتِيَةُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ أَشْكَلَ الْأَمْرُ، فَجَزَمَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أَوَّلُ مَا نَزَلَ، وَرِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ الصَّحِيحَةُ تَرْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ، وَسِيَاقُ بَسْطِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ اقْرَأْ.

قَوْلُهُ: (فَرُعِبْتُ مِنْهُ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ، أَيْ: فَزِعْتُ، دَلَّ عَلَى بَقِيَّةٍ بَقِيَتْ مَعَهُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ زَالَتْ بِالتَّدْرِيجِ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ زَمِّلُونِي مَرَّةً وَاحِدَةً، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ فِي التَّفْسِيرِ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: حَذِّرْ مِنَ الْعَذَابِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِكَ، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: مِنَ النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ: الثِّيَابُ النَّفْسُ، وَتَطْهِيرُهَا اجْتِنَابُ النَّقَائِصِ، وَالرُّجْزُ هُنَا الْأَوْثَانُ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِيرِ، وَالرُّجْزُ فِي اللُّغَةِ: الْعَذَابُ، وَسَمَّى الْأَوْثَانَ هُنَا رُجْزًا ; لِأَنَّهَا سَبَبُهُ.

قَوْلُهُ: (فَحَمِيَ الْوَحْيُ) أَيْ جَاءَ كَثِيرًا، وَفِيهِ مُطَابَقَةٌ لِتَعْبِيرِهِ عَنْ تَأَخُّرِهِ بِالْفُتُورِ، إِذْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى انْقِطَاعٍ كُلِّيٍّ فَيُوصَفُ بِالضِّدِّ وَهُوَ الْبَرَدُ.

قَوْلُهُ: (وَتَتَابَعَ) تَأْكِيدُ مَعْنَوِيٌّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِحَمِيَ: قَوِيَ، وَتَتَابَعَ: تَكَاثَرَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ (١) وأبي الْوَقْتِ وَتَوَاتَرَ، وَالتَّوَاتُرُ مَجِيءُ الشَّيْءِ يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلٍ.

(تَنْبِيهٌ): خَرَّجَ الْمُصَنِّفُ بِالْإِسْنَادِ فِي التَّارِيخِ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ، ثُمَّ عَنْ جَابِرٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ هُنَا فَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَتَابَعَ: قَالَ عُرْوَةُ - يَعْنِي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ - وَمَاتَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ رَأَيْتُ لِخَدِيجَةَ بَيْتًا مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: يَعْنِي قَصَبَ اللُّؤْلُؤِ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي مَنَاقِبِ خَدِيجَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَمُتَابَعَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ هَذِهِ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي قِصَّةِ مُوسَى. وَفِيهِ مِنَ اللَّطَائِفِ قَوْلُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو صَالِحٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مِنَ الْمُعَلَّقَاتِ، وَعَلَّقَ عَنِ اللَّيْثِ جُمْلَةً كَثِيرَةً مِنْ أَفْرَادِ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ. وَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ عَنْهُ مَقْرُونًا بِيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ - كَالدِّمْيَاطِيِّ - أَنَّهُ أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَسْنَدَهُ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ وَقَدْ وُجِدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ كَاتِبِ اللَّيْثِ.

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ) بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَةٌ، وَحَدِيثُهُ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِلذُّهْلِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ يُونُسُ) يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ الْأَيْلِيَّ، وَمَعْمَرٌ هُوَ ابْنُ رَاشِدٍ. (بَوَادِرُهُ) يَعْنِي أَنَّ يُونُسَ، وَمَعْمَرًا رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَوَافَقَا عُقَيْلًا عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا بَدَلَ قَوْلِهِ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ: تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، وَالْبَوَادِرُ جَمْعُ بَادِرَةٌ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ تَضْطَرِبُ عِنْدَ فَزَعِ الْإِنْسَانِ، فَالرِّوَايَتَانِ مُسْتَوِيَتَانِ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا دَالٌّ عَلَى الْفَزَعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَمَعْمَرٍ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِرِوَايَةِ عُقَيْلٍ غَيْرَ هَذَا فِي أَثْنَاءِ السِّيَاقِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل