الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٥٥
الحديث رقم ٥٣٥٥ من كتاب «كتاب النفقات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وجوب النفقة على الأهل والعيال.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٥٣٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
بين الحديث أن أفضل الصدقات ما كان المتصدق به غير محتاج إليه لنفقةِ عياله وأهله، ولا يحتاجه لسداد دين عن نفسه، وأن الواجب على المُنفِق أن يبدأ بنفقات من يعول، كالزوجة والأولاد وما ملكت يمينه، وأنه لا ينبغي أن يحبس النفقة عنهم فيتصدق على البعيدين، ويترك الأقربين، ممن يعولهم وينفق عليهم.
وبين الحديث أنه إنْ فَضُل عنده ما يزيد على نفقة من هم تحت يده، فإنه يتصدق على الأبعدين من الفقراء والمحتاجين، ثم بين الحديث فضل الإنفاق بأنَّ يدَ المُعطي والمنفق هي العُليا على يد الآخذ حسًّا ومعنًى؛ وذلك بما أنفق من ماله، وبذل من إحسانه.
درجة الحديث: صحيح, لكن قوله: ((تقول امرأته ..... )) مدرجٌ من قول أبي هريرة
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَعْظَمُ حَقًّا عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ عِيَالِهِ، إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ إِحْيَاءُ غَيْرِهِ بِإِتْلَافِ نَفْسِهِ، ثُمَّ الْإِنْفَاقُ عَلَى عِيَالِهِ كَذَلِكَ.
٢ - بَاب وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ
٥٣٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ الِابْنُ: أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي؟ فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: لَا، هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٥٣٥٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَهْلِ فِي التَّرْجَمَةِ الزَّوْجَةُ، وَعَطْفُ الْعِيَالِ عَلَيْهَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الزَّوْجَةُ وَالْأَقَارِبُ، وَالْمُرَادُ بِالْعِيَالِ الزَّوْجَةُ وَالْخَدَمُ، فَتَكُونُ الزَّوْجَةُ ذُكِرَتْ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا لِحَقِّهَا، وَوُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ أَوَّلَ النَّفَقَاتِ. وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَنِ التَّكَسُّبِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْوُجُوبِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا بِالْكِفَايَةِ، وَالشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ - كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ - إِلَى أَنَّهَا بِالْأَمْدَادِ، وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ: هُوَ الْقِيَاسُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ.
وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا لَوْ قُدِّرَتْ بِالْحَاجَةِ لَسَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرِيضَةِ وَالْغَنِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَوَجَبَ إِلْحَاقُهَا بِمَا يُشْبِهُ الدَّوَامَ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ فِي الذِّمَّةِ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فَاعْتَبِرُوا الْكَفَّارَةَ بِهَا وَالْأَمْدَادُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْكَفَّارَةِ وَيَخْدِشُ فِي هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا الِاعْتِيَاضَ عَنْهُ، وَبِأَنَّهَا لَوْ أَكَلَتْ مَعَهُ عَلَى الْعَادَةِ سَقَطَتْ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ فِيهِمَا، وَالرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْكِفَايَةُ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْإِجْمَاعَ الْفِعْلِيَّ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَالْيَدُ الْعُلْيَا وَقَوْلُهُ: وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أَيْ: بِمَنْ يَجِبُ عَلَيْكَ نَفَقَتُهُ، يُقَالُ: عَالَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ إِذَا مَانَهُمْ، أَيْ: قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ قُوتٍ وَكِسْوَةٍ. وَهُوَ أَمْرٌ بِتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ عَلَى مَا لَا يَجِبُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتُلِفَ فِي نَفَقَةِ مَنْ بَلَغَ مِنَ الْأَوْلَادِ وَلَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ، فَأَوْجَبَتْ طَائِفَةٌ النَّفَقَةَ لِجَمِيعِ الْأَوْلَادِ أَطْفَالًا كَانُوا أَوْ بَالِغِينَ، إِنَاثًا وَذُكْرَانًا، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَالٌ يَسْتَغْنُونَ بِهَا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ويجب بالمُلك خمس أيضًا: نفقة الزَّوجة ومملوكها، والمعتدَّة إن كانت رجعية أو حاملًا ومملوكها (١)، ومملوكٍ من رقيقٍ وحيوانٍ، فللزَّوجة على الغنيِّ مُدَّان ولخادمها مُدٌّ وثلث، وعلى المتوسِّط لها مدٌّ ونصف ولخادمها مدٌّ، وعلى المُعسر لها مدٌّ، وكذا لخادمها، ومن أوجبنَا له النَّفقةَ أوجبنا له المدَّ والكسوةَ والسُّكنى، وتسقط النَّفقة بمضي الزَّمان بلا إنفاقٍ إلَّا نفقة الزَّوجة فلا تسقطُ بل تصير دينًا في ذِمَّته لأنَّها بالنِّسبة إليها مُعاوضة في مقابلة التَّمكين للتَّمتُّع، وبالنِّسبة إلى غيرها مواساةٌ، وظاهرٌ أنَّ خادمةَ الزَّوجة مِثلها.
وقال الحنفيَّة: ولا تجبُ نفقةٌ مضت لأنَّها صلةٌ، فلا تملك إلَّا بالقبضِ كالهبةِ إلَّا أن يكون القاضِي فرضَ لها النَّفقة، أو صالحتْ الزَّوج (٢) على مقدارٍ منها، فيقضي لها بنفقة ما مضى لأنَّ فيه حقَّين: حقَّ الزَّوج وحقَّ الشَّرع، فمِن حيث الاستمتاعُ وقضاءُ الشَّهوة وإصلاحُ المَعيشة حقُّ الزَّوج، ومن حيثُ تحصيلُ الولَد وصيانةُ كل واحدٍ منهما عن الزِّنا حقُّ الشَّرع، فباعتبار حقِّه عوضٌ، وباعتبار حقِّ الشَّرع صلةٌ، فإذا تردَّد بينهما فلا يستحكِمُ إلَّا بحكم القاضي عليهما.
قال الزَّيلعيُّ: وفي «الغاية»: أنَّ نفقة ما دون شهرٍ لا تسقطُ، وعزاه إلى «الذَّخيرة» قال: فكأنَّه جعل القليلَ ممَّا لا يمكن التَّحرز عنه؛ إذ لو سقطت بمضيِّ يسيرٍ من المُدَّة لما تمكَّنت من الأخذِ أصلًا.
٥٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى) بحيث لم يجحفْ بالمُتصدِّق (وَاليَدُ
العُلْيَا) هي: المُعطية (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) وهي السَّائلة (وَابْدَأْ) في الإنفاق (بِمَنْ تَعُولُ) بمن تجبُ عليك نفقته. وفي حديث النَّسائيِّ عن أبي هريرة، قال رجلٌ: يا رسولَ الله عندي دينار، قال: «تصدَّق به على نفسِك» قال: عندي آخر، قال: «تصدَّق به على زوجتِكَ» قال: عندِي آخر، قال (١): «تصدَّق به على خادِمك» قال: عندي آخر، قال: «أنت أبصرُ به» (تَقُولُ المَرْأَةُ) لزوجها: (إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي) وللنَّسائيِّ: «إمَّا أن تنفق عليَّ» (وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ العَبْدُ: أَطْعِمْنِي) بهمزة قطع (وَاسْتَعْمِلْنِي) وزاد الإسماعيليُّ: «وإلَّا فبعني» (وَيَقُولُ الاِبْنُ: أَطْعِمْنِي، إِلَى مَنْ تَدَعُنِي؟) وللإسماعيليِّ: «إلى من تكِلُني؟» (فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعْتَ هَذَا) يعني: قوله: تقول المرأة … إلى آخره، (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: لَا، هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ) بكسر الكاف، أي: من كلامِي أدرجتُه في آخر الحديث لا ممَّا سمعتُه من رسول الله ﷺ، وحينئذٍ فهو موقوفٌ استنبطَه ممَّا فهمه من الحديثِ المرفوع الواقعِ.
وقال في «الكواكب الدَّراري»: والكِيس -بكسر الكاف-: الوعاء، وهذا إنكارٌ على السَّائلين عنه؛ يعني: ليس هذا إلَّا من رسولِ الله ﷺ، ففيه نفيٌ يريدُ به الإثبات، وإثباتٌ يريد به النَّفي على سبيل التَّعكيس. قال: وفي بعضِها بفتح الكاف، أي: من عقلِ أبي هريرة وكِياسَتِهِ، وفيه: أنَّ النَّفقة على الوالدِ ما دام صغيرًا أو لا مال له ولا حرفةَ لأنَّ قوله: إلى مَن تدعني؟ إنَّما هو قول (٢) من لا يرجعُ إلى شيءٍ سوى نفقةِ الأب، ومن له حِرفةٌ أو مالٌ غير محتاجٍ إلى قولِ ذلك، واستَدلَّ بقوله: «إمَّا أن تُطعمَني، وإمَّا أن تُطلِّقني» مَن قال: يفرَّق بين الرَّجل وزوجته إذا أعسرَ بالنَّفقةِ، واختارتْ فراقه كما يُفْسَخُ بالجبِّ والعنَّة، بل هذا أولى لأنَّ الصَّبر عن التَّمتُّع أسهلُ منه عن النَّفقة ونحوها لأنَّ البدن يبقى بلا وطءٍ، ولا يبقى بلا قوتٍ، وأيضًا مَنفعة الجماع مشتركةٌ بينهما، فإذا ثبتَ في المشترك جواز الفَسخ لعدمهِ ففي عدم المختصِّ بها أولى، وقياسًا على المَرْقُوقِ، فإنَّه يبيعه إذا أَعسر بنفقتهِ، ولا فسخَ للزَّوجة بنفقة عن مدَّةٍ ماضيةٍ إذا عجز عنها لتنزُّلها منزلة دينٍ آخر يثبتُ في ذمَّته.
وقال الحنفيَّة: إذا أعسرَ بالنَّفقة تؤمر بالاستدانةِ عليه ويلزمها الصَّبر وتتعلَّق النَّفقة بذمَّته
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فِي فِيّ امْرَأَتِكَ، وَلَعَلَّ الله يَرْفَعُكَ يَنْتَفِعُ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرّ بِكَ آخَرُونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمهما أنفقت فَهُوَ لَك صَدَقَة) ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، قَالَه الْكرْمَانِي: وَسعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وعامر هُوَ ابْن سعد بن أبي وَقاص يروي عَن أَبِيه.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب رثاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه بأتم مِنْهُ.
قَوْله: (فَالشَّطْر) ، أَي: النّصْف. قَوْله: (الثُّلُث) ، الأول مَنْصُوب على الإغراء أَو على تَقْدِير: أعْط الثُّلُث، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير: الثُّلُث يَكْفِيك. (وَالثلث) الثَّانِي مُبْتَدأ وَخَبره. قَوْله: (كثير) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة أَو بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (أَن تدع) ، أَي: أَن تتْرك، وَأَن مَصْدَرِيَّة محلهَا رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره. هُوَ قَوْله: (خير) وَالتَّقْدِير: وَدعك أَي: تَركك وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة، وَهُوَ جمع عائل وَهُوَ الْفَقِير. قَوْله: (يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) أَي: يمدون إِلَى النَّاس أكفهم للسؤال. قَوْله: (تضعها) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (فِي فِي امْرَأَتك) أَي: فِي فَم امْرَأَتك، وَإِذا قصد بأبعد الْأَشْيَاء عَن الطَّاعَة وَهُوَ وضع اللُّقْمَة فِي فَم الْمَرْأَة وَجه الله تَعَالَى وَيحصل بِهِ الْأجر فَغَيره بِالطَّرِيقِ الأولى.
وَفِي الحَدِيث: معْجزَة فَإِنَّهُ انْتَعش وعاش حَتَّى فتح الْعرَاق وانتفع بِهِ أَقوام فِي دينهم ودنياهم وتضرر بِهِ الْكفَّار.
٢ - (بَابُ: {وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الأهْلِ وَالعِيالِ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب النَّفَقَة على الْأَهْل، أَرَادَ بِهِ الزَّوْجَة هُنَا، وَعطف عَلَيْهِ الْعِيَال من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص. وَقد مضى الْكَلَام فِي الْأَهْل عَن قريب، وعيال الرجل من يعولهم أَي: من يقوتهم وَينْفق عَلَيْهِم، وأصل عِيَال عَوَالٍ لِأَنَّهُ من عَال عيالة وعولاً ويعالة إِذا فاتهم، قلبت الْوَاو يَاء لتحركها وانكسار مَا قبلهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَوَاحِد الْعِيَال عيل بتَشْديد الْيَاء وَالْجمع عيائل، مثل: جيد وجياد وجيائد.
٥٣٥٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا أبُو صَالِحٍ قَالَ: حدَّثني أبُو هُرَيْرَةَ، رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، تَقُولُ المَرْأةُ: إمَّا أنْ تُطْعِمَنِي وَإمَّا أنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ العَبْدُ: أطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ الابنُ: أطْعِمْنِي إلَى مَنْ تَدَعُنِي؟ فَقَالُوا: يَا أبَا هُرَيْرَةِ: سَمِعْتَ هاذا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: لَا هاذا مِنْ كِيسِ أبِي هُرَيْرَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز.
قَوْله: (غنى) يَعْنِي: مَا لم يجحف بالمعطي أَي: أَنَّهَا سهل عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله: مَا كَانَ عَن ظهر غنى، وَقيل: مَعْنَاهُ مَا سَاق إِلَى الْمُعْطِي غنى، وَالْأول أوجه. قَوْله: (وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى) قد مضى فِي الزَّكَاة أَقْوَال فِيهِ وَإِن أَصَحهَا الْعليا المعطية والسفلى السائلة. قَوْله: (وابدأ بِمن تعول) أَي: ابدأ فِي الْإِنْفَاق بعيالك ثمَّ اصرف إِلَى غَيرهم. قَوْله: ((تَقول الْمَرْأَة: إِمَّا أَن تطعمني وَإِمَّا أَن تُطَلِّقنِي) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز عَن حَفْص بن غياث بِسَنَد حَدِيث الْبَاب: إِمَّا أَن تنْفق عليّ قَوْله: (وَيَقُول العَبْد أَطْعمنِي واستعملني) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَيَقُول خادمك أَطْعمنِي وإلَاّ فبعني. قَوْله: (إِلَى من تدعني) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ والإسماعيلي: إِلَى من تَكِلنِي. قَوْله: (من كيس أبي هُرَيْرَة) ؟ قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) أَي: من قَوْله، وَالتَّحْقِيق فِيهِ مَا قَالَه الْكرْمَانِي: الْكيس بِكَسْر الْكَاف الْوِعَاء، وَهَذَا إِنْكَار على السَّائِلين عَنهُ، يَعْنِي: لَيْسَ هَذَا إلَاّ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَفِيهِ نفي يُرِيد بِهِ الْإِثْبَات، وَإِثْبَات يُرِيد بِهِ النَّفْي على سَبِيل التعكيس، وَيحْتَمل أَن يكون لفظ: هَذَا، إِشَارَة إِلَى الْكَلَام الْأَخير إدراجا من أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ: تَقول الْمَرْأَة إِلَى آخِره. فَيكون إِثْبَاتًا لَا إنكارا يَعْنِي: هَذَا الْمِقْدَار من كيسه فَهُوَ حَقِيقَة فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات. قَالَ: وَفِي بَعْضهَا، يَعْنِي: فِي بعض الرِّوَايَات بِفَتْح الْكَاف يَعْنِي: من عقل أبي هُرَيْرَة وكياسته. قَالَ التَّيْمِيّ: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى أَن بعضه من كَلَام أبي هُرَيْرَة وَهُوَ مدرج فِي الحَدِيث.
وَفِي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَعْظَمُ حَقًّا عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ عِيَالِهِ، إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ إِحْيَاءُ غَيْرِهِ بِإِتْلَافِ نَفْسِهِ، ثُمَّ الْإِنْفَاقُ عَلَى عِيَالِهِ كَذَلِكَ.
٢ - بَاب وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ
٥٣٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ الِابْنُ: أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي؟ فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: لَا، هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٥٣٥٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَهْلِ فِي التَّرْجَمَةِ الزَّوْجَةُ، وَعَطْفُ الْعِيَالِ عَلَيْهَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الزَّوْجَةُ وَالْأَقَارِبُ، وَالْمُرَادُ بِالْعِيَالِ الزَّوْجَةُ وَالْخَدَمُ، فَتَكُونُ الزَّوْجَةُ ذُكِرَتْ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا لِحَقِّهَا، وَوُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ أَوَّلَ النَّفَقَاتِ. وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَنِ التَّكَسُّبِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْوُجُوبِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا بِالْكِفَايَةِ، وَالشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ - كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ - إِلَى أَنَّهَا بِالْأَمْدَادِ، وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ: هُوَ الْقِيَاسُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ.
وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا لَوْ قُدِّرَتْ بِالْحَاجَةِ لَسَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرِيضَةِ وَالْغَنِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَوَجَبَ إِلْحَاقُهَا بِمَا يُشْبِهُ الدَّوَامَ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ فِي الذِّمَّةِ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فَاعْتَبِرُوا الْكَفَّارَةَ بِهَا وَالْأَمْدَادُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْكَفَّارَةِ وَيَخْدِشُ فِي هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا الِاعْتِيَاضَ عَنْهُ، وَبِأَنَّهَا لَوْ أَكَلَتْ مَعَهُ عَلَى الْعَادَةِ سَقَطَتْ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ فِيهِمَا، وَالرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْكِفَايَةُ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْإِجْمَاعَ الْفِعْلِيَّ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَالْيَدُ الْعُلْيَا وَقَوْلُهُ: وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أَيْ: بِمَنْ يَجِبُ عَلَيْكَ نَفَقَتُهُ، يُقَالُ: عَالَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ إِذَا مَانَهُمْ، أَيْ: قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ قُوتٍ وَكِسْوَةٍ. وَهُوَ أَمْرٌ بِتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ عَلَى مَا لَا يَجِبُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتُلِفَ فِي نَفَقَةِ مَنْ بَلَغَ مِنَ الْأَوْلَادِ وَلَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ، فَأَوْجَبَتْ طَائِفَةٌ النَّفَقَةَ لِجَمِيعِ الْأَوْلَادِ أَطْفَالًا كَانُوا أَوْ بَالِغِينَ، إِنَاثًا وَذُكْرَانًا، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَالٌ يَسْتَغْنُونَ بِهَا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ويجب بالمُلك خمس أيضًا: نفقة الزَّوجة ومملوكها، والمعتدَّة إن كانت رجعية أو حاملًا ومملوكها (١)، ومملوكٍ من رقيقٍ وحيوانٍ، فللزَّوجة على الغنيِّ مُدَّان ولخادمها مُدٌّ وثلث، وعلى المتوسِّط لها مدٌّ ونصف ولخادمها مدٌّ، وعلى المُعسر لها مدٌّ، وكذا لخادمها، ومن أوجبنَا له النَّفقةَ أوجبنا له المدَّ والكسوةَ والسُّكنى، وتسقط النَّفقة بمضي الزَّمان بلا إنفاقٍ إلَّا نفقة الزَّوجة فلا تسقطُ بل تصير دينًا في ذِمَّته لأنَّها بالنِّسبة إليها مُعاوضة في مقابلة التَّمكين للتَّمتُّع، وبالنِّسبة إلى غيرها مواساةٌ، وظاهرٌ أنَّ خادمةَ الزَّوجة مِثلها.
وقال الحنفيَّة: ولا تجبُ نفقةٌ مضت لأنَّها صلةٌ، فلا تملك إلَّا بالقبضِ كالهبةِ إلَّا أن يكون القاضِي فرضَ لها النَّفقة، أو صالحتْ الزَّوج (٢) على مقدارٍ منها، فيقضي لها بنفقة ما مضى لأنَّ فيه حقَّين: حقَّ الزَّوج وحقَّ الشَّرع، فمِن حيث الاستمتاعُ وقضاءُ الشَّهوة وإصلاحُ المَعيشة حقُّ الزَّوج، ومن حيثُ تحصيلُ الولَد وصيانةُ كل واحدٍ منهما عن الزِّنا حقُّ الشَّرع، فباعتبار حقِّه عوضٌ، وباعتبار حقِّ الشَّرع صلةٌ، فإذا تردَّد بينهما فلا يستحكِمُ إلَّا بحكم القاضي عليهما.
قال الزَّيلعيُّ: وفي «الغاية»: أنَّ نفقة ما دون شهرٍ لا تسقطُ، وعزاه إلى «الذَّخيرة» قال: فكأنَّه جعل القليلَ ممَّا لا يمكن التَّحرز عنه؛ إذ لو سقطت بمضيِّ يسيرٍ من المُدَّة لما تمكَّنت من الأخذِ أصلًا.
٥٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى) بحيث لم يجحفْ بالمُتصدِّق (وَاليَدُ
العُلْيَا) هي: المُعطية (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) وهي السَّائلة (وَابْدَأْ) في الإنفاق (بِمَنْ تَعُولُ) بمن تجبُ عليك نفقته. وفي حديث النَّسائيِّ عن أبي هريرة، قال رجلٌ: يا رسولَ الله عندي دينار، قال: «تصدَّق به على نفسِك» قال: عندي آخر، قال: «تصدَّق به على زوجتِكَ» قال: عندِي آخر، قال (١): «تصدَّق به على خادِمك» قال: عندي آخر، قال: «أنت أبصرُ به» (تَقُولُ المَرْأَةُ) لزوجها: (إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي) وللنَّسائيِّ: «إمَّا أن تنفق عليَّ» (وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ العَبْدُ: أَطْعِمْنِي) بهمزة قطع (وَاسْتَعْمِلْنِي) وزاد الإسماعيليُّ: «وإلَّا فبعني» (وَيَقُولُ الاِبْنُ: أَطْعِمْنِي، إِلَى مَنْ تَدَعُنِي؟) وللإسماعيليِّ: «إلى من تكِلُني؟» (فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعْتَ هَذَا) يعني: قوله: تقول المرأة … إلى آخره، (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: لَا، هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ) بكسر الكاف، أي: من كلامِي أدرجتُه في آخر الحديث لا ممَّا سمعتُه من رسول الله ﷺ، وحينئذٍ فهو موقوفٌ استنبطَه ممَّا فهمه من الحديثِ المرفوع الواقعِ.
وقال في «الكواكب الدَّراري»: والكِيس -بكسر الكاف-: الوعاء، وهذا إنكارٌ على السَّائلين عنه؛ يعني: ليس هذا إلَّا من رسولِ الله ﷺ، ففيه نفيٌ يريدُ به الإثبات، وإثباتٌ يريد به النَّفي على سبيل التَّعكيس. قال: وفي بعضِها بفتح الكاف، أي: من عقلِ أبي هريرة وكِياسَتِهِ، وفيه: أنَّ النَّفقة على الوالدِ ما دام صغيرًا أو لا مال له ولا حرفةَ لأنَّ قوله: إلى مَن تدعني؟ إنَّما هو قول (٢) من لا يرجعُ إلى شيءٍ سوى نفقةِ الأب، ومن له حِرفةٌ أو مالٌ غير محتاجٍ إلى قولِ ذلك، واستَدلَّ بقوله: «إمَّا أن تُطعمَني، وإمَّا أن تُطلِّقني» مَن قال: يفرَّق بين الرَّجل وزوجته إذا أعسرَ بالنَّفقةِ، واختارتْ فراقه كما يُفْسَخُ بالجبِّ والعنَّة، بل هذا أولى لأنَّ الصَّبر عن التَّمتُّع أسهلُ منه عن النَّفقة ونحوها لأنَّ البدن يبقى بلا وطءٍ، ولا يبقى بلا قوتٍ، وأيضًا مَنفعة الجماع مشتركةٌ بينهما، فإذا ثبتَ في المشترك جواز الفَسخ لعدمهِ ففي عدم المختصِّ بها أولى، وقياسًا على المَرْقُوقِ، فإنَّه يبيعه إذا أَعسر بنفقتهِ، ولا فسخَ للزَّوجة بنفقة عن مدَّةٍ ماضيةٍ إذا عجز عنها لتنزُّلها منزلة دينٍ آخر يثبتُ في ذمَّته.
وقال الحنفيَّة: إذا أعسرَ بالنَّفقة تؤمر بالاستدانةِ عليه ويلزمها الصَّبر وتتعلَّق النَّفقة بذمَّته
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فِي فِيّ امْرَأَتِكَ، وَلَعَلَّ الله يَرْفَعُكَ يَنْتَفِعُ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرّ بِكَ آخَرُونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمهما أنفقت فَهُوَ لَك صَدَقَة) ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، قَالَه الْكرْمَانِي: وَسعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وعامر هُوَ ابْن سعد بن أبي وَقاص يروي عَن أَبِيه.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب رثاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه بأتم مِنْهُ.
قَوْله: (فَالشَّطْر) ، أَي: النّصْف. قَوْله: (الثُّلُث) ، الأول مَنْصُوب على الإغراء أَو على تَقْدِير: أعْط الثُّلُث، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير: الثُّلُث يَكْفِيك. (وَالثلث) الثَّانِي مُبْتَدأ وَخَبره. قَوْله: (كثير) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة أَو بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (أَن تدع) ، أَي: أَن تتْرك، وَأَن مَصْدَرِيَّة محلهَا رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره. هُوَ قَوْله: (خير) وَالتَّقْدِير: وَدعك أَي: تَركك وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة، وَهُوَ جمع عائل وَهُوَ الْفَقِير. قَوْله: (يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) أَي: يمدون إِلَى النَّاس أكفهم للسؤال. قَوْله: (تضعها) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (فِي فِي امْرَأَتك) أَي: فِي فَم امْرَأَتك، وَإِذا قصد بأبعد الْأَشْيَاء عَن الطَّاعَة وَهُوَ وضع اللُّقْمَة فِي فَم الْمَرْأَة وَجه الله تَعَالَى وَيحصل بِهِ الْأجر فَغَيره بِالطَّرِيقِ الأولى.
وَفِي الحَدِيث: معْجزَة فَإِنَّهُ انْتَعش وعاش حَتَّى فتح الْعرَاق وانتفع بِهِ أَقوام فِي دينهم ودنياهم وتضرر بِهِ الْكفَّار.
٢ - (بَابُ: {وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الأهْلِ وَالعِيالِ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب النَّفَقَة على الْأَهْل، أَرَادَ بِهِ الزَّوْجَة هُنَا، وَعطف عَلَيْهِ الْعِيَال من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص. وَقد مضى الْكَلَام فِي الْأَهْل عَن قريب، وعيال الرجل من يعولهم أَي: من يقوتهم وَينْفق عَلَيْهِم، وأصل عِيَال عَوَالٍ لِأَنَّهُ من عَال عيالة وعولاً ويعالة إِذا فاتهم، قلبت الْوَاو يَاء لتحركها وانكسار مَا قبلهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَوَاحِد الْعِيَال عيل بتَشْديد الْيَاء وَالْجمع عيائل، مثل: جيد وجياد وجيائد.
٥٣٥٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا أبُو صَالِحٍ قَالَ: حدَّثني أبُو هُرَيْرَةَ، رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، تَقُولُ المَرْأةُ: إمَّا أنْ تُطْعِمَنِي وَإمَّا أنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ العَبْدُ: أطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ الابنُ: أطْعِمْنِي إلَى مَنْ تَدَعُنِي؟ فَقَالُوا: يَا أبَا هُرَيْرَةِ: سَمِعْتَ هاذا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: لَا هاذا مِنْ كِيسِ أبِي هُرَيْرَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز.
قَوْله: (غنى) يَعْنِي: مَا لم يجحف بالمعطي أَي: أَنَّهَا سهل عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله: مَا كَانَ عَن ظهر غنى، وَقيل: مَعْنَاهُ مَا سَاق إِلَى الْمُعْطِي غنى، وَالْأول أوجه. قَوْله: (وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى) قد مضى فِي الزَّكَاة أَقْوَال فِيهِ وَإِن أَصَحهَا الْعليا المعطية والسفلى السائلة. قَوْله: (وابدأ بِمن تعول) أَي: ابدأ فِي الْإِنْفَاق بعيالك ثمَّ اصرف إِلَى غَيرهم. قَوْله: ((تَقول الْمَرْأَة: إِمَّا أَن تطعمني وَإِمَّا أَن تُطَلِّقنِي) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز عَن حَفْص بن غياث بِسَنَد حَدِيث الْبَاب: إِمَّا أَن تنْفق عليّ قَوْله: (وَيَقُول العَبْد أَطْعمنِي واستعملني) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَيَقُول خادمك أَطْعمنِي وإلَاّ فبعني. قَوْله: (إِلَى من تدعني) وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ والإسماعيلي: إِلَى من تَكِلنِي. قَوْله: (من كيس أبي هُرَيْرَة) ؟ قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) أَي: من قَوْله، وَالتَّحْقِيق فِيهِ مَا قَالَه الْكرْمَانِي: الْكيس بِكَسْر الْكَاف الْوِعَاء، وَهَذَا إِنْكَار على السَّائِلين عَنهُ، يَعْنِي: لَيْسَ هَذَا إلَاّ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَفِيهِ نفي يُرِيد بِهِ الْإِثْبَات، وَإِثْبَات يُرِيد بِهِ النَّفْي على سَبِيل التعكيس، وَيحْتَمل أَن يكون لفظ: هَذَا، إِشَارَة إِلَى الْكَلَام الْأَخير إدراجا من أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ: تَقول الْمَرْأَة إِلَى آخِره. فَيكون إِثْبَاتًا لَا إنكارا يَعْنِي: هَذَا الْمِقْدَار من كيسه فَهُوَ حَقِيقَة فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات. قَالَ: وَفِي بَعْضهَا، يَعْنِي: فِي بعض الرِّوَايَات بِفَتْح الْكَاف يَعْنِي: من عقل أبي هُرَيْرَة وكياسته. قَالَ التَّيْمِيّ: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى أَن بعضه من كَلَام أبي هُرَيْرَة وَهُوَ مدرج فِي الحَدِيث.
وَفِي