الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٧١
الحديث رقم ٥٣٧١ من كتاب «كتاب النفقات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ من ترك كلا أو ضياعا فإلي.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٥٣٧١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمَرْأَةِ مِنْهُ شَيْءٌ؟ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى رَدِّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ فَنَزَّلَ الْمَرْأَةَ مِنَ الْوَارِثِ مَنْزِلَةَ الْأَبْكَمِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. اهـ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ عَنْ قَائِلِهَا، وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ حَمْلُ الْمِثْلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ عَلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أَوْ عَلَى بَعْضِهِ، وَالَّذِي تَقَدَّمَ الْإِرْضَاعُ وَالْإِنْفَاقُ وَالْكِسْوَةُ وَعَدَمُ الْإِضْرَارِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَرْجِعُ إِلَى الْجَمِيعِ بَلْ إِلَى الْأَخِيرِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْجَمِيعِ فِعْلَيْهِ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْإِفْرَادِ، وَأَقْرَبُ مَذْكُورٍ هُوَ عَدَمُ الْإِضْرَارِ فَرَجَعَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ فِي سُؤَالِهَا: هَلْ لَهَا أَجْرٌ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أَوْلَادِهَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ؟ فَأَخْبَرَهَا أَنَّ لَهَا أَجْرًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ بَنِيهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهَا، إِذْ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا، لَبَيَّنَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، وَكَذَا قِصَّةُ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِي أَخْذِ نَفَقَةِ بَنِيهَا مِنْ مَالِ الْأَبِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ دُونَهَا، فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمِ الْأُمَّهَاتُ نَفَقَةَ الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ الْآبَاءِ، فَالْحُكْمُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ الْآبَاءِ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أَيْ: رِزْقُ الْأُمَّهَاتِ وَكِسْوَتُهُنَّ مِنْ أَجْلِ الرَّضَاعِ لِلْأَبْنَاءِ، فَكَيْفَ يَجِبُ لَهُنَّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ؟ وَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ نَفَقَةُ الْأَبْنَاءِ فِي آخِرِهَا؟ وَأَمَّا قَوْلُ قَبِيصَةَ فَيَرُدُّهُ أَنَّ الْوَارِثَ لَفْظٌ يَشْمَلُ الْوَلَدَ وَغَيْرَهُ، فَلَا يُخَصُّ بِهِ وَارِثٌ دُونَ آخَرَ إِلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ هُوَ الْمُرَادَ لَقِيلَ: وَعَلَى الْمَوْلُودِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى الْخَالِ لِابْنِ أُخْتِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَمِّ لِابْنِ أَخِيهِ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ وَلَا الْقِيَاسِ قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ وَمَنْ تَابَعَهُ فَتُعُقِّبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فَلَمَّا وَجَبَ عَلَى الْأَبِ الْإِنْفَاقُ عَلَى مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهُ لِيُغَذَّى وَيُرَبَّى، فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا فُطِمَ فَيُغَذِّيهِ
بِالطَّعَامِ، كَمَا كَانَ يُغَذِّيهِ بِالرَّضَاعِ مَا دَامَ صَغِيرًا، وَلَوْ وَجَبَ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى الْوَارِثِ لَوَجَبَ إِذَا مَاتَ عَنِ الْحَامِلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَصَبَةَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِأَجْلِ مَا فِي بَطْنِهَا، وَكَذَا يَلْزَمُ الْحَنَفِيَّةَ إِلْزَامُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا قَصَدَ الْبُخَارِيُّ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأُمَّ يَجِبُ عَلَيْهَا نَفَقَةُ وَلَدِهَا وَإِرْضَاعُهُ بَعْدَ أَبِيهِ؛ لِدُخُولِهَا فِي الْوَارِثِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْأُمَّ كَانَتْ كَلًّا عَلَى الْأَبِ وَاجِبَةَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ؛ وَمَنْ هُوَ كَلٌّ بِالْأَصَالَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ غَالِبًا، كَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى غَيْرِهِ؟ وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ إِنْفَاقَهَا عَلَى أَوْلَادِهَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْفَضْلِ وَالتَّطَوُّعِ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا وُجُوبَ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا قِصَّةُ هِنْدٍ فَظَاهِرَةٌ فِي سُقُوطِ النَّفَقَةِ عَنْهَا فِي حَيَاةِ الْأَبِ، فَيُسْتَصْحَبُ هَذَا الْأَصْلُ بَعْدَ وَفَاةِ الْأَبِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ السُّقُوطِ عَنْهَا فِي حَيَاةِ الْأَبِ السُّقُوطُ عَنْهَا بَعْدَ فَقْدِهِ، وَإِلَّا فُقِدَ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْوَلَدِ بِفَقْدِهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَهُوَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي إِنْفَاقِهَا عَلَى أَوْلَادِهَا الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنَ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ أَنَّ وَارِثَ الْأَبِ كَالْأُمِّ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْمَوْلُودِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، وَمِنَ الْحَدِيثِ الثَّانِي الْجُزْءَ الثَّانِيَ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْءٌ عِنْدَ وُجُودِ الْأَبِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِمَا بَعْدَ الْأَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ
٥٣٧١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً، صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ، قَالَ: أَنَا أَوْلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٥) (قَوْلِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «باب قول النَّبيِّ» (ﷺ: مَنْ تَرَكَ كَلًّا) بفتح الكاف وتشديد اللام منوَّنة، ثقلًا من دينٍ ونحوه (أَوْ ضَيَاعًا) بفتح الضاد المعجمة، أي: من لا يستقلُّ بنفسه، ولو خُلِّي وطَبْعَه لكان في معرضِ الهلاك (فَإِلَيَّ) أي: فينتهِي إليَّ، وأنا أتداركُه.
أو هو بمعنى: عليَّ، أي: فعليَّ قضاؤهُ والقيام بمصالحهِ.
٥٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله الحافظ، أبو زكريا المخزوميُّ مولاهم، المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) هو ابنُ أبي خالدٍ (٢) الأَيْليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى) بفتح الفاء المشدَّدة، أي: الميِّت حال كونه (عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ) ﷺ: (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟) قدرًا زائدًا على مُؤن (٣) تجهيزهِ يفي بدينهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قضاء» (فَإِنْ حُدِّثَ) بضم الحاء (٤) مبنيًّا للمفعول (أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً) أي: ما يوفى به دينه (صَلَّى) عليه (وَإِلَّا) بأن لم يتركْ وفاءً (قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ).
قال الكِرْمانيُّ: لعلَّه ﷺ امتنعَ تحذيرًا من الدَّين وزجرًا عن المماطلةِ، وكراهة أن يوقفَ دعاؤه عن الإجابة بسببِ ما على المديونِ (٥) من مظلمةِ الحقِّ (فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَمر هُوَ سليم الْحَواس نفاع ذُو كفايات مَعَ رشد وديانة؟ فَهُوَ يَأْمر النَّاس بِالْعَدْلِ وَالْخَيْر وَهُوَ فِي نَفسه على صِرَاط مُسْتَقِيم؟ .
٥٣٦٩ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ أخْبَرنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أُُمِّ سَلَمَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله {هَلْ لِي مِنْ أجْرٍ فِي بَنِي أبِي سَلَمَةَ أنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هاكَذا وَهاكذا إنَّما هُمْ بَنيَّ؟ قَال: نَعَمْ لَكِ أجْرُ مَا أنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أم الصَّبِي كلٌّ على أَبِيه فَلَا يجب عَلَيْهَا نَفَقَة بنيها، وَلِهَذَا لم يَأْمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم سَلمَة بِالْإِنْفَاقِ على بنيها، وَإِنَّمَا قَالَ: لَك أجر مَا أنفقت عَلَيْهِم.
وهيبَ مصغر وهبَ ابْن خَالِد يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن زَيْنَب ابْنة أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المخزومية ربيبة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تروي عَن أمهَا أم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
والْحَدِيث هُوَ فِي: بَاب الزَّكَاة على الزَّوْج والأيتام فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن عَبدة عَن هِشَام عَن أَبِيه الخ.
قَوْله: (أَن أنْفق) ، أَي: بِأَن أنْفق فَإِن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِم. قَوْله: (وَلست بتاركتهم هَكَذَا وَهَكَذَا) ، يَعْنِي: مُحْتَاجين. قَوْله: (إِنَّمَا هم بني) أَي: إِنَّمَا بَنو أبي سَلمَة هم بني أَيْضا، وَأَصله: بنُون فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم صَار بنوي، فاجتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأدغمت الْوَاو فِي الْيَاء فَصَارَ بني بِضَم النُّون ثمَّ أبدلت ضمة النُّون كسرة لأجل الْيَاء فَصَارَ: بني. قَوْله: (قَالَ: نعم) ، أَي: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نعم أنفقي عَلَيْهِم لَك أجر مَا أنفقت عَلَيْهِم. أَي: لَك أجر الْإِنْفَاق عَلَيْهِم.
٥٣٧٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ هِشامٍ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنها. قَالَتْ: هِنْدٌ: يَا رَسُولَ الله} إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُناحٌ أنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ؟ قَالَ: خُذِي بِالْمَعْرُوفِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (خذي بِالْمَعْرُوفِ) حَيْثُ لم يأمرها بِالْإِنْفَاقِ من مَالهَا. وَإِنَّمَا قَالَ: خذي من مَال أبي سُفْيَان بِمَا يتعارفه النَّاس بِالْإِنْفَاقِ فِي مثلك وَفِي مثل أولادك.
والْحَدِيث قد مر عَن قريب، وسُفْيَان الرَّاوِي هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
قَوْله: (وَبني) ، أَي: وَمَا يَكْفِي بني، وإعلاله قد مر الْآن.
١٥ - (بَابُ: {قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَنْ تَرَكَ كَلاًّ أوْ ضَياعا فَإلَيَّ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره فالكَلَّ بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام بِالتَّنْوِينِ أَي: ثقلاً من دين وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن فَارس: الْكل الْعِيَال والثقل والضياع بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة الْهَلَاك أَي: الَّذِي لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَلَو خلي وطبعه لَكَانَ فِي معرض الْهَلَاك، قيل: الضّيَاع بِالْكَسْرِ جمع ضائع. قَوْله: (إِلَيّ) ، بتَشْديد الْيَاء وَمَعْنَاهُ: فينتهي ذَلِك إِلَيّ وَأَنا أتداركه، وَهُوَ بِمَعْنى: عَليّ. أَي: فعليّ قَضَاؤُهُ وَالْقِيَام بمصالحه قَالَ التَّيْمِيّ: فحوالة ذَلِك إليّ.
٥٣٧١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ الله عنهُ، أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يُؤْتي بِالرَّجُلِ المُتَوفى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيسألُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلاً؟ فَإنْ حُدِّثَ أنَّهُ تَرَكَ وَفاءً صَلَّى، وَإلَاّ قَالَ لِلْمُسْلِمينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الفُتُوحَ. قَالَ: أنَا أوْلَى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ. فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنينَ فَترك دَيْناً فعلى قَضَاؤُهُ وَمن ترك مَالا فلورثته.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى فِي الْكفَالَة فِي: بَاب الدّين، فَأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله:
(فضلا) ، أَي: مَا لَا يَفِي بِالدّينِ فضلا من الله تَعَالَى، ويروى قضاهُ، ويروى: وَفَاء. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يتْرك وَفَاء. (قَالَ للْمُسلمين: صلوا على صَاحبكُم) وامتناعه عَن الصَّلَاة على الْمَدْيُون تحذيرا من الدّين وزجرا عَن المماطلة، وَكَرَاهَة أَن يُوقف دعاؤه عَن الْإِجَابَة بِسَبَب مَا عَلَيْهِ من مظلمه الْحق.
١٦ - (بابُ: {المَرَاضِعِ مِنَ المَوَالِياتِ وَغَيْرِهِنَّ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَانه حكم المراضع من المواليات. وَقَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي رِوَايَة بِضَم الْمِيم وَبِفَتْحِهَا فِي أُخْرَى، وَالْأول أولى لِأَنَّهُ إسم فَاعل من والى يوالي. قلت: على قَوْله: (يكون) ، مواليات جمع موالية وَلَيْسَ كَمَا قَالَه، بل الأولى أَن يضْبط الْمِيم بِالْفَتْح جمع مولاة الَّتِي هِيَ الْأمة وَلَيْسَت من الْمُوَالَاة. وَقَالَ ابْن بطال: الْأَقْرَب أَن يُقَال: الموليات جمع مولاة والموليات جمع مولى جمع التكسير، ثمَّ جمع جمع السَّلامَة بِالْألف وَالتَّاء فَصَارَ: مواليات. وَقَالَ: كَانَت الْعَرَب فِي أول أمرهَا تكره رضَاع الْإِمَاء وتحب العربيات طلبا لنجابة الْوَلَد فَأَرَاهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قد رضع من غير الْعَرَب وَأَن رضَاع الْإِمَاء لَا يهجن.
٥٣٧٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ أخبرَنِي عُرْوَةُ أنَّ زَيْنَبَ ابُنَةَ أبِي سَلمَة أخْبرته أنَّ أُمَّ حَبيبةَ زَوْجَ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: قلت يَا رَسُول الله أنكح أُخْتِي ابْنة أبي سُفْيَانَ. قَالَ: وَتُحبِّينَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وأحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الخَيْرِ أُخْتِي. فَقَالَ: إنَّ ذلِكَ لَا يَحِلُّ لِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! فَوَالله إنّا نَتَحَدَّثُ أنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ ابْنَةَ أبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَالله لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّها ابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ أرْضَعَتْنِي وَأبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أخْوَاتِكُنَّ.
وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أعْتَقَها أبُو لَهَبٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: {أرضعتني وَأَبا سَلمَة ثوبية} (النِّسَاء: ٢٣) وَكَانَت ثوبية مولاة أبي لَهب فأرضعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا يكره رضَاع الْأمة.
والْحَدِيث قد مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب {وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم} وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَأم حَبِيبَة اسْمهَا رَملَة بنت أبي سُفْيَان وَاسم أُخْتهَا عزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي.
قَوْله: (بمخلية) إسم فَاعل من أخليت الْمَكَان إِذا صادفته خَالِيا، وأخليت غَيْرِي يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. قَوْله: (درة) بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَأَرَادَ أَن درة لَا تحل لَهُ من جِهَتَيْنِ: كَونهَا ربيبتي، وَكَونهَا بنت أخي، وَاسْتِعْمَال: لَو هَاهُنَا كاستعماله فِي نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ. قَوْله: (ثوبية) بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: جَارِيَة أبي لَهب عبد الْعُزَّى عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد أعْتقهَا حِين بَشرته بِالنَّبِيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَوْله: (وَقَالَ شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ) إِلَى آخِره، تَعْلِيق مر فِي حَدِيث مَوْصُول فِي أَوَائِل كتاب النِّكَاح، وَأَرَادَ بِذكرِهِ هُنَا إِيضَاح أَن ثوبية كَانَت مولاة ليطابق التَّرْجَمَة.
٧ - (كتابُ: {الأَطْعِمَةِ} )
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَطْعِمَة وأحكامها، وَهُوَ جمع طَعَام. قَالَ الْجَوْهَرِي: الطَّعَام مَا يُؤْكَل وَرُبمَا خص بِالطَّعَامِ الْبر والطعم بِالْفَتْح مَا يُؤَدِّيه ذوف الشَّيْء من حلاوة ومرارة وَغَيرهمَا، والطعم بِالضَّمِّ الْأكل يُقَال: طعم يطعم طعما فَهُوَ طاعم إِذا أكل أَو ذاق مثل: غنم يغنم غنما فَهُوَ غَانِم.
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (الْبَقَرَة: ٥٧، ١٧٢) وَقَوْلِهِ: {أنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (الْبَقَرَة: ١٦٧) وَقَوْلِهِ: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥١)
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على الْأَطْعِمَة، هَذِه من ثَلَاث آيَات الأولى: قَول تَعَالَى: {من طَيّبَات مَا رزقناكم} (الْبَقَرَة: ١٧٢) أَولهَا قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا الله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَمر الله تَعَالَى عباده الْمُؤمنِينَ بِالْأَكْلِ من طَيّبَات مَا رزقهم الله تَعَالَى، وَأَن يشكروه على ذَلِك إِن كَانُوا عبيده، وَالْأكل من الْحَلَال سَبَب لتقبل الدُّعَاء وَالْعِبَادَة كَمَا أَن الْأكل من الْحَرَام يمْنَع قبُول الدُّعَاء وَالْعِبَادَة. وَالثَّانيَِة: من قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٦٧) وَوَقع هُنَا: {كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم} وَهِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَفِي أَكثر الرويات أَنْفقُوا على وفْق التِّلَاوَة وَقَالَ ابْن بطال وَقع فِي النّسخ {كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم} وَهُوَ وهم من الْكَاتِب وَصَوَابه: {أَنْفقُوا} كَمَا فِي الْقُرْآن. وَالثَّالِثَة: قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥) المُرَاد بالطيبات: الْحَلَال.
٥٣٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَال: أطْعِمُوا الجَائِعَ وَعُودوا المَرِيضَ وَفُكَوا الْعانِي.
قَالَ سُفْيَانُ: وَالعَانِي الأسِيرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب حق إِجَابَة الْوَلِيمَة، وَلَفظه: فكوا العاني وأجيبوا الدَّاعِي وعودوا الْمَرِيض، وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي: بَاب فكاك الْأَسير، وَلَفظه: فكوا العاني، يَعْنِي: الْأَسير، وأطعموا الجائع، وعودوا الْمَرِيض.
قَوْله: (فكوا) من فَككت الشَّيْء فانفك. قَوْله: (العاني) من عَنَّا يعنو فَهُوَ عان، وَالْمَرْأَة عانية، وَالْجمع: عوان، وكل من ذل واستكان فقد عَنَّا.
٥٣٧٤ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عَيسى حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ آل مُحَمَّدٍ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِنْ طَعَامٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ويوسف بن عِيسَى أيو يَعْقُوب الْمروزِي، وَمُحَمّد بن فُضَيْل، مصغر فضل، بِالْمُعْجَمَةِ يروي عَن أَبِيه فُضَيْل بن غَزوَان بن جرير، وَأَبُو الفضيل الْكُوفِي يروي عَن أبي حَازِم سلمَان الْأَشْجَعِيّ.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (مَا شبع آل مُحَمَّد) ، آل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَهله الأدنون وعشيرته الأقربون. قَوْله: (ثَلَاثَة أَيَّام) ، أَي: مُتَوَالِيَات، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ثَلَاث لَيَال، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن المُرَاد بِالْأَيَّامِ هُنَا بلياليها كَمَا أَن المُرَاد بالليالي هُنَاكَ بأيامها وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ، من طَرِيق الْأسود عَن عَائِشَة: مَا شبع من خبز شعير يَوْمَيْنِ مُتَتَابعين. قَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر أَن سَبَب عدم شبعهم غَالِبا كَانَ بِسَبَب قلَّة الشَّيْء عِنْدهم. قلت: لم يكن ذَلِك إلَاّ لإيثارهم الْغَيْر، أَو لِأَن الشِّبَع مَذْمُوم، وأجمعت الْعَرَب كَمَا قَالَ فُضَيْل بن عِيَاض على أَن الشِّبَع من الطَّعَام مَذْمُوم ولوم، وَنَصّ الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، على أَن الْجُوع يذكي، وروى عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا: من قلَّ طعمه صَحَّ بَطْنه وَصفا قلبه، وَمن كثر طعمه سقم بَطْنه وقسا قلبه، وَرُوِيَ: لَا تميتوا الْقُلُوب بِكَثْرَة الطَّعَام وَالشرَاب فَإِن الْقلب ثَمَرَة كالزرع إِذا كثر عَلَيْهِ المَاء انْتهى، وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) من حَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب مَرْفُوعا: مَا مَلأ ابْن آدم وعَاء شرا من بَطْنه، فَحسب الرجل من طَعَامه مَا أَقَامَ صلبه.
وَعَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أصَابَنِي جِهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ فَاسْتَقْرَأتُهُ آيَةً مِنْ كِتابِ الله، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَليَّ فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنَ الجَهْدِ وَالجُوعِ، فَإذَا رَسُولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَائِمٌ عَلَى رأسِي، فَقَال: يَا أَبا هُرَيْرَة فَقلت: لَبَيْكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، فَأخَذَ بِيَدِي فَأقَامَنِي وَعَرَفَ الَّذِي بِي، فَانْطَلَقَ بِي إلَى رَحْلِهِ، فَأمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَاشْرَبْ يَا أبَا هرٍّ، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالقِدْحِ، قَالَ فَلَقِيتُ عُمَرَ، وَذَكَرْتُ لهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أمْرِي، وَقُلْتُ لهُ: تَوَلَّى الله تَعَالَى ذالِكَ مَنْ كَانَ أحَقَّ بِهِ مِنْكَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمَرْأَةِ مِنْهُ شَيْءٌ؟ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى رَدِّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ فَنَزَّلَ الْمَرْأَةَ مِنَ الْوَارِثِ مَنْزِلَةَ الْأَبْكَمِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. اهـ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ عَنْ قَائِلِهَا، وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ حَمْلُ الْمِثْلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ عَلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أَوْ عَلَى بَعْضِهِ، وَالَّذِي تَقَدَّمَ الْإِرْضَاعُ وَالْإِنْفَاقُ وَالْكِسْوَةُ وَعَدَمُ الْإِضْرَارِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَرْجِعُ إِلَى الْجَمِيعِ بَلْ إِلَى الْأَخِيرِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْجَمِيعِ فِعْلَيْهِ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْإِفْرَادِ، وَأَقْرَبُ مَذْكُورٍ هُوَ عَدَمُ الْإِضْرَارِ فَرَجَعَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ فِي سُؤَالِهَا: هَلْ لَهَا أَجْرٌ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أَوْلَادِهَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ؟ فَأَخْبَرَهَا أَنَّ لَهَا أَجْرًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ بَنِيهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهَا، إِذْ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا، لَبَيَّنَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، وَكَذَا قِصَّةُ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِي أَخْذِ نَفَقَةِ بَنِيهَا مِنْ مَالِ الْأَبِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ دُونَهَا، فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمِ الْأُمَّهَاتُ نَفَقَةَ الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ الْآبَاءِ، فَالْحُكْمُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ الْآبَاءِ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أَيْ: رِزْقُ الْأُمَّهَاتِ وَكِسْوَتُهُنَّ مِنْ أَجْلِ الرَّضَاعِ لِلْأَبْنَاءِ، فَكَيْفَ يَجِبُ لَهُنَّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ؟ وَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ نَفَقَةُ الْأَبْنَاءِ فِي آخِرِهَا؟ وَأَمَّا قَوْلُ قَبِيصَةَ فَيَرُدُّهُ أَنَّ الْوَارِثَ لَفْظٌ يَشْمَلُ الْوَلَدَ وَغَيْرَهُ، فَلَا يُخَصُّ بِهِ وَارِثٌ دُونَ آخَرَ إِلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ هُوَ الْمُرَادَ لَقِيلَ: وَعَلَى الْمَوْلُودِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى الْخَالِ لِابْنِ أُخْتِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَمِّ لِابْنِ أَخِيهِ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ وَلَا الْقِيَاسِ قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ وَمَنْ تَابَعَهُ فَتُعُقِّبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فَلَمَّا وَجَبَ عَلَى الْأَبِ الْإِنْفَاقُ عَلَى مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهُ لِيُغَذَّى وَيُرَبَّى، فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا فُطِمَ فَيُغَذِّيهِ
بِالطَّعَامِ، كَمَا كَانَ يُغَذِّيهِ بِالرَّضَاعِ مَا دَامَ صَغِيرًا، وَلَوْ وَجَبَ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى الْوَارِثِ لَوَجَبَ إِذَا مَاتَ عَنِ الْحَامِلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَصَبَةَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِأَجْلِ مَا فِي بَطْنِهَا، وَكَذَا يَلْزَمُ الْحَنَفِيَّةَ إِلْزَامُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا قَصَدَ الْبُخَارِيُّ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأُمَّ يَجِبُ عَلَيْهَا نَفَقَةُ وَلَدِهَا وَإِرْضَاعُهُ بَعْدَ أَبِيهِ؛ لِدُخُولِهَا فِي الْوَارِثِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْأُمَّ كَانَتْ كَلًّا عَلَى الْأَبِ وَاجِبَةَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ؛ وَمَنْ هُوَ كَلٌّ بِالْأَصَالَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ غَالِبًا، كَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى غَيْرِهِ؟ وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ إِنْفَاقَهَا عَلَى أَوْلَادِهَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْفَضْلِ وَالتَّطَوُّعِ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا وُجُوبَ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا قِصَّةُ هِنْدٍ فَظَاهِرَةٌ فِي سُقُوطِ النَّفَقَةِ عَنْهَا فِي حَيَاةِ الْأَبِ، فَيُسْتَصْحَبُ هَذَا الْأَصْلُ بَعْدَ وَفَاةِ الْأَبِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ السُّقُوطِ عَنْهَا فِي حَيَاةِ الْأَبِ السُّقُوطُ عَنْهَا بَعْدَ فَقْدِهِ، وَإِلَّا فُقِدَ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْوَلَدِ بِفَقْدِهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَهُوَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي إِنْفَاقِهَا عَلَى أَوْلَادِهَا الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنَ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ أَنَّ وَارِثَ الْأَبِ كَالْأُمِّ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْمَوْلُودِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، وَمِنَ الْحَدِيثِ الثَّانِي الْجُزْءَ الثَّانِيَ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْءٌ عِنْدَ وُجُودِ الْأَبِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِمَا بَعْدَ الْأَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ
٥٣٧١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً، صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ، قَالَ: أَنَا أَوْلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٥) (قَوْلِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «باب قول النَّبيِّ» (ﷺ: مَنْ تَرَكَ كَلًّا) بفتح الكاف وتشديد اللام منوَّنة، ثقلًا من دينٍ ونحوه (أَوْ ضَيَاعًا) بفتح الضاد المعجمة، أي: من لا يستقلُّ بنفسه، ولو خُلِّي وطَبْعَه لكان في معرضِ الهلاك (فَإِلَيَّ) أي: فينتهِي إليَّ، وأنا أتداركُه.
أو هو بمعنى: عليَّ، أي: فعليَّ قضاؤهُ والقيام بمصالحهِ.
٥٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله الحافظ، أبو زكريا المخزوميُّ مولاهم، المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) هو ابنُ أبي خالدٍ (٢) الأَيْليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى) بفتح الفاء المشدَّدة، أي: الميِّت حال كونه (عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ) ﷺ: (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟) قدرًا زائدًا على مُؤن (٣) تجهيزهِ يفي بدينهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قضاء» (فَإِنْ حُدِّثَ) بضم الحاء (٤) مبنيًّا للمفعول (أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً) أي: ما يوفى به دينه (صَلَّى) عليه (وَإِلَّا) بأن لم يتركْ وفاءً (قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ).
قال الكِرْمانيُّ: لعلَّه ﷺ امتنعَ تحذيرًا من الدَّين وزجرًا عن المماطلةِ، وكراهة أن يوقفَ دعاؤه عن الإجابة بسببِ ما على المديونِ (٥) من مظلمةِ الحقِّ (فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَمر هُوَ سليم الْحَواس نفاع ذُو كفايات مَعَ رشد وديانة؟ فَهُوَ يَأْمر النَّاس بِالْعَدْلِ وَالْخَيْر وَهُوَ فِي نَفسه على صِرَاط مُسْتَقِيم؟ .
٥٣٦٩ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ أخْبَرنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أُُمِّ سَلَمَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله {هَلْ لِي مِنْ أجْرٍ فِي بَنِي أبِي سَلَمَةَ أنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هاكَذا وَهاكذا إنَّما هُمْ بَنيَّ؟ قَال: نَعَمْ لَكِ أجْرُ مَا أنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أم الصَّبِي كلٌّ على أَبِيه فَلَا يجب عَلَيْهَا نَفَقَة بنيها، وَلِهَذَا لم يَأْمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم سَلمَة بِالْإِنْفَاقِ على بنيها، وَإِنَّمَا قَالَ: لَك أجر مَا أنفقت عَلَيْهِم.
وهيبَ مصغر وهبَ ابْن خَالِد يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن زَيْنَب ابْنة أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المخزومية ربيبة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تروي عَن أمهَا أم سَلمَة هِنْد بنت أبي أُميَّة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
والْحَدِيث هُوَ فِي: بَاب الزَّكَاة على الزَّوْج والأيتام فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن عَبدة عَن هِشَام عَن أَبِيه الخ.
قَوْله: (أَن أنْفق) ، أَي: بِأَن أنْفق فَإِن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِم. قَوْله: (وَلست بتاركتهم هَكَذَا وَهَكَذَا) ، يَعْنِي: مُحْتَاجين. قَوْله: (إِنَّمَا هم بني) أَي: إِنَّمَا بَنو أبي سَلمَة هم بني أَيْضا، وَأَصله: بنُون فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم صَار بنوي، فاجتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأدغمت الْوَاو فِي الْيَاء فَصَارَ بني بِضَم النُّون ثمَّ أبدلت ضمة النُّون كسرة لأجل الْيَاء فَصَارَ: بني. قَوْله: (قَالَ: نعم) ، أَي: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نعم أنفقي عَلَيْهِم لَك أجر مَا أنفقت عَلَيْهِم. أَي: لَك أجر الْإِنْفَاق عَلَيْهِم.
٥٣٧٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ هِشامٍ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنها. قَالَتْ: هِنْدٌ: يَا رَسُولَ الله} إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُناحٌ أنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ؟ قَالَ: خُذِي بِالْمَعْرُوفِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (خذي بِالْمَعْرُوفِ) حَيْثُ لم يأمرها بِالْإِنْفَاقِ من مَالهَا. وَإِنَّمَا قَالَ: خذي من مَال أبي سُفْيَان بِمَا يتعارفه النَّاس بِالْإِنْفَاقِ فِي مثلك وَفِي مثل أولادك.
والْحَدِيث قد مر عَن قريب، وسُفْيَان الرَّاوِي هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
قَوْله: (وَبني) ، أَي: وَمَا يَكْفِي بني، وإعلاله قد مر الْآن.
١٥ - (بَابُ: {قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَنْ تَرَكَ كَلاًّ أوْ ضَياعا فَإلَيَّ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره فالكَلَّ بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام بِالتَّنْوِينِ أَي: ثقلاً من دين وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن فَارس: الْكل الْعِيَال والثقل والضياع بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة الْهَلَاك أَي: الَّذِي لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَلَو خلي وطبعه لَكَانَ فِي معرض الْهَلَاك، قيل: الضّيَاع بِالْكَسْرِ جمع ضائع. قَوْله: (إِلَيّ) ، بتَشْديد الْيَاء وَمَعْنَاهُ: فينتهي ذَلِك إِلَيّ وَأَنا أتداركه، وَهُوَ بِمَعْنى: عَليّ. أَي: فعليّ قَضَاؤُهُ وَالْقِيَام بمصالحه قَالَ التَّيْمِيّ: فحوالة ذَلِك إليّ.
٥٣٧١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ الله عنهُ، أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يُؤْتي بِالرَّجُلِ المُتَوفى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيسألُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلاً؟ فَإنْ حُدِّثَ أنَّهُ تَرَكَ وَفاءً صَلَّى، وَإلَاّ قَالَ لِلْمُسْلِمينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الفُتُوحَ. قَالَ: أنَا أوْلَى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ. فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنينَ فَترك دَيْناً فعلى قَضَاؤُهُ وَمن ترك مَالا فلورثته.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى فِي الْكفَالَة فِي: بَاب الدّين، فَأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله:
(فضلا) ، أَي: مَا لَا يَفِي بِالدّينِ فضلا من الله تَعَالَى، ويروى قضاهُ، ويروى: وَفَاء. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يتْرك وَفَاء. (قَالَ للْمُسلمين: صلوا على صَاحبكُم) وامتناعه عَن الصَّلَاة على الْمَدْيُون تحذيرا من الدّين وزجرا عَن المماطلة، وَكَرَاهَة أَن يُوقف دعاؤه عَن الْإِجَابَة بِسَبَب مَا عَلَيْهِ من مظلمه الْحق.
١٦ - (بابُ: {المَرَاضِعِ مِنَ المَوَالِياتِ وَغَيْرِهِنَّ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَانه حكم المراضع من المواليات. وَقَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي رِوَايَة بِضَم الْمِيم وَبِفَتْحِهَا فِي أُخْرَى، وَالْأول أولى لِأَنَّهُ إسم فَاعل من والى يوالي. قلت: على قَوْله: (يكون) ، مواليات جمع موالية وَلَيْسَ كَمَا قَالَه، بل الأولى أَن يضْبط الْمِيم بِالْفَتْح جمع مولاة الَّتِي هِيَ الْأمة وَلَيْسَت من الْمُوَالَاة. وَقَالَ ابْن بطال: الْأَقْرَب أَن يُقَال: الموليات جمع مولاة والموليات جمع مولى جمع التكسير، ثمَّ جمع جمع السَّلامَة بِالْألف وَالتَّاء فَصَارَ: مواليات. وَقَالَ: كَانَت الْعَرَب فِي أول أمرهَا تكره رضَاع الْإِمَاء وتحب العربيات طلبا لنجابة الْوَلَد فَأَرَاهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قد رضع من غير الْعَرَب وَأَن رضَاع الْإِمَاء لَا يهجن.
٥٣٧٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ أخبرَنِي عُرْوَةُ أنَّ زَيْنَبَ ابُنَةَ أبِي سَلمَة أخْبرته أنَّ أُمَّ حَبيبةَ زَوْجَ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: قلت يَا رَسُول الله أنكح أُخْتِي ابْنة أبي سُفْيَانَ. قَالَ: وَتُحبِّينَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وأحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الخَيْرِ أُخْتِي. فَقَالَ: إنَّ ذلِكَ لَا يَحِلُّ لِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! فَوَالله إنّا نَتَحَدَّثُ أنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ ابْنَةَ أبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَالله لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّها ابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ أرْضَعَتْنِي وَأبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أخْوَاتِكُنَّ.
وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أعْتَقَها أبُو لَهَبٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: {أرضعتني وَأَبا سَلمَة ثوبية} (النِّسَاء: ٢٣) وَكَانَت ثوبية مولاة أبي لَهب فأرضعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا يكره رضَاع الْأمة.
والْحَدِيث قد مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب {وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم} وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَأم حَبِيبَة اسْمهَا رَملَة بنت أبي سُفْيَان وَاسم أُخْتهَا عزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي.
قَوْله: (بمخلية) إسم فَاعل من أخليت الْمَكَان إِذا صادفته خَالِيا، وأخليت غَيْرِي يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. قَوْله: (درة) بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَأَرَادَ أَن درة لَا تحل لَهُ من جِهَتَيْنِ: كَونهَا ربيبتي، وَكَونهَا بنت أخي، وَاسْتِعْمَال: لَو هَاهُنَا كاستعماله فِي نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ. قَوْله: (ثوبية) بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: جَارِيَة أبي لَهب عبد الْعُزَّى عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد أعْتقهَا حِين بَشرته بِالنَّبِيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَوْله: (وَقَالَ شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ) إِلَى آخِره، تَعْلِيق مر فِي حَدِيث مَوْصُول فِي أَوَائِل كتاب النِّكَاح، وَأَرَادَ بِذكرِهِ هُنَا إِيضَاح أَن ثوبية كَانَت مولاة ليطابق التَّرْجَمَة.
٧ - (كتابُ: {الأَطْعِمَةِ} )
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَطْعِمَة وأحكامها، وَهُوَ جمع طَعَام. قَالَ الْجَوْهَرِي: الطَّعَام مَا يُؤْكَل وَرُبمَا خص بِالطَّعَامِ الْبر والطعم بِالْفَتْح مَا يُؤَدِّيه ذوف الشَّيْء من حلاوة ومرارة وَغَيرهمَا، والطعم بِالضَّمِّ الْأكل يُقَال: طعم يطعم طعما فَهُوَ طاعم إِذا أكل أَو ذاق مثل: غنم يغنم غنما فَهُوَ غَانِم.
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (الْبَقَرَة: ٥٧، ١٧٢) وَقَوْلِهِ: {أنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (الْبَقَرَة: ١٦٧) وَقَوْلِهِ: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥١)
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على الْأَطْعِمَة، هَذِه من ثَلَاث آيَات الأولى: قَول تَعَالَى: {من طَيّبَات مَا رزقناكم} (الْبَقَرَة: ١٧٢) أَولهَا قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا الله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَمر الله تَعَالَى عباده الْمُؤمنِينَ بِالْأَكْلِ من طَيّبَات مَا رزقهم الله تَعَالَى، وَأَن يشكروه على ذَلِك إِن كَانُوا عبيده، وَالْأكل من الْحَلَال سَبَب لتقبل الدُّعَاء وَالْعِبَادَة كَمَا أَن الْأكل من الْحَرَام يمْنَع قبُول الدُّعَاء وَالْعِبَادَة. وَالثَّانيَِة: من قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٦٧) وَوَقع هُنَا: {كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم} وَهِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَفِي أَكثر الرويات أَنْفقُوا على وفْق التِّلَاوَة وَقَالَ ابْن بطال وَقع فِي النّسخ {كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم} وَهُوَ وهم من الْكَاتِب وَصَوَابه: {أَنْفقُوا} كَمَا فِي الْقُرْآن. وَالثَّالِثَة: قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥) المُرَاد بالطيبات: الْحَلَال.
٥٣٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَال: أطْعِمُوا الجَائِعَ وَعُودوا المَرِيضَ وَفُكَوا الْعانِي.
قَالَ سُفْيَانُ: وَالعَانِي الأسِيرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب حق إِجَابَة الْوَلِيمَة، وَلَفظه: فكوا العاني وأجيبوا الدَّاعِي وعودوا الْمَرِيض، وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي: بَاب فكاك الْأَسير، وَلَفظه: فكوا العاني، يَعْنِي: الْأَسير، وأطعموا الجائع، وعودوا الْمَرِيض.
قَوْله: (فكوا) من فَككت الشَّيْء فانفك. قَوْله: (العاني) من عَنَّا يعنو فَهُوَ عان، وَالْمَرْأَة عانية، وَالْجمع: عوان، وكل من ذل واستكان فقد عَنَّا.
٥٣٧٤ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عَيسى حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ آل مُحَمَّدٍ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِنْ طَعَامٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ويوسف بن عِيسَى أيو يَعْقُوب الْمروزِي، وَمُحَمّد بن فُضَيْل، مصغر فضل، بِالْمُعْجَمَةِ يروي عَن أَبِيه فُضَيْل بن غَزوَان بن جرير، وَأَبُو الفضيل الْكُوفِي يروي عَن أبي حَازِم سلمَان الْأَشْجَعِيّ.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (مَا شبع آل مُحَمَّد) ، آل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَهله الأدنون وعشيرته الأقربون. قَوْله: (ثَلَاثَة أَيَّام) ، أَي: مُتَوَالِيَات، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ثَلَاث لَيَال، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن المُرَاد بِالْأَيَّامِ هُنَا بلياليها كَمَا أَن المُرَاد بالليالي هُنَاكَ بأيامها وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ، من طَرِيق الْأسود عَن عَائِشَة: مَا شبع من خبز شعير يَوْمَيْنِ مُتَتَابعين. قَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر أَن سَبَب عدم شبعهم غَالِبا كَانَ بِسَبَب قلَّة الشَّيْء عِنْدهم. قلت: لم يكن ذَلِك إلَاّ لإيثارهم الْغَيْر، أَو لِأَن الشِّبَع مَذْمُوم، وأجمعت الْعَرَب كَمَا قَالَ فُضَيْل بن عِيَاض على أَن الشِّبَع من الطَّعَام مَذْمُوم ولوم، وَنَصّ الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، على أَن الْجُوع يذكي، وروى عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا: من قلَّ طعمه صَحَّ بَطْنه وَصفا قلبه، وَمن كثر طعمه سقم بَطْنه وقسا قلبه، وَرُوِيَ: لَا تميتوا الْقُلُوب بِكَثْرَة الطَّعَام وَالشرَاب فَإِن الْقلب ثَمَرَة كالزرع إِذا كثر عَلَيْهِ المَاء انْتهى، وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) من حَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب مَرْفُوعا: مَا مَلأ ابْن آدم وعَاء شرا من بَطْنه، فَحسب الرجل من طَعَامه مَا أَقَامَ صلبه.
وَعَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أصَابَنِي جِهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ فَاسْتَقْرَأتُهُ آيَةً مِنْ كِتابِ الله، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَليَّ فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنَ الجَهْدِ وَالجُوعِ، فَإذَا رَسُولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَائِمٌ عَلَى رأسِي، فَقَال: يَا أَبا هُرَيْرَة فَقلت: لَبَيْكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، فَأخَذَ بِيَدِي فَأقَامَنِي وَعَرَفَ الَّذِي بِي، فَانْطَلَقَ بِي إلَى رَحْلِهِ، فَأمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَاشْرَبْ يَا أبَا هرٍّ، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالقِدْحِ، قَالَ فَلَقِيتُ عُمَرَ، وَذَكَرْتُ لهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أمْرِي، وَقُلْتُ لهُ: تَوَلَّى الله تَعَالَى ذالِكَ مَنْ كَانَ أحَقَّ بِهِ مِنْكَ