«سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂، مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٦٣

الحديث رقم ٥٣٦٣ من كتاب «كتاب النفقات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب خدمة الرجل في أهله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سألت عائشة ﵂، ما كان النبي ﷺ يصنع في البيت؟…

«سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، مَا كَانَ النَّبِيُّ يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ.»

سند حديث: ٥٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ…

٥٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ

رواة الحديث

شرح حديث: «سألت عائشة ﵂، ما كان النبي ﷺ يصنع في البيت؟…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَتْ كِفَايَةُ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ لَأَمَرَهُ بِهِ، كَمَا أَمَرَهُ أَنْ يَسُوقَ إِلَيْهَا صَدَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، مَعَ أَنَّ سَوْقَ الصَّدَاقِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِذَا رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُؤَخِّرَهُ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ وَيَتْرُكُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْوَاجِبِ؟ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَصْبَغَ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ خِدْمَةَ الْبَيْتِ تَلْزَمُ الْمَرْأَةَ وَلَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ ذَاتَ قَدْرٍ وَشَرَفٍ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا، قَالَ: وَلِذَلِكَ أَلْزَمَ النَّبِيُّ فَاطِمَةَ بِالْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ وَعَلِيًّا بِالْخِدْمَةِ الظَّاهِرَةِ.

وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ قَالَ: لَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى عَلَى فَاطِمَةَ بِالْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ، وَإِنَّمَا جَرَى الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا تَعَارَفُوهُ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَجَمِيلِ الْأَخْلَاقِ، وَأَمَّا أَنْ تُجْبَرَ الْمَرْأَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخِدْمَةِ فَلَا أَصْلَ لَهُ، بَلِ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ مُؤْنَةَ الزَّوْجَةِ كُلَّهَا. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ لَهُ إِخْرَاجُ خَادِمِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ عَلَى حَسْبِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: يُفْرَضُ لَهَا وَلِخَادِمِهَا النَّفَقَةُ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُخْدَمُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُفْرَضُ لَهَا وَلِخَادِمِهَا إِذَا كَانَتْ خَطِيرَةً، وَشَذَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَقَالُوا: لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُخْدِمَهَا وَلَوْ كَانَتْ بِنْتَ الْخَلِيفَةِ، وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَإِذَا احْتَاجَتْ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهَا فَامْتَنَعَ لَمْ يُعَاشِرْهَا بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ الْغَيْرَةِ مِنْ أَوَاخِرِ النِّكَاحِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ.

٨ - بَاب خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ

٥٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ : مَا كَانَ النَّبِيُّ يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) أَيْ: بِنَفْسِهِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَكُونُ) سَقَطَ لَفْظُ: يَكُونُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ الْمَهْنَةِ وَأَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ فِي الْأُمَّهَاتِ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَضَبَطَهُ الْهَرَوِيُّ بِالْفَتْحِ، وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ عَنْ شِمْرٍ عَنْ مَشَايِخِهِ أَنَّ كَسْرَهَا خَطَأٌ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مَعَ شَرْحِ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.

تَنْبِيهٌ:

وَقَعَ هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ تَرْجَمَةٌ نَصُّهَا: بَابُ هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، وَبَعْدَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي: بَابِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ وَالرَّاجِحُ مَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ

٩ - بَاب إِذَا لَمْ يُنْفِقْ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ

٥٣٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ) أَخَذَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ

التَّرْجَمَةَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ لِتَكْمِلَةِ النَّفَقَةِ، فَكَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ جَمِيعِ النَّفَقَةِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ.

قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هِنْدًا بِالصَّرْفِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَظَالِمِ بِغَيْرِ صَرْفٍ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَيِ: ابْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ: أَنَّ هِنْدًا أُمَّ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ هِنْدٌ لَمَّا قُتِلَ أَبُوهَا عُتْبَةُ وَعَمُّهَا شَيْبَةُ وَأَخُوهَا الْوَلِيدُ يَوْمَ بَدْرٍ شَقَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَقُتِلَ حَمْزَةُ فَرِحَتْ بِذَلِكَ، وَعَمَدَتْ إِلَى بَطْنِهِ فَشَقَّتْهَا، وَأَخَذَتْ كَبِدَهُ فَلَاكَتْهَا ثُمَّ لَفَظَتْهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ وَدَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ مَكَّةَ مُسْلِمًا - بَعْدَ أَنْ أَسَرَتْهُ خَيْلُ النَّبِيِّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَأَجَارَهُ الْعَبَّاسُ - غَضِبَتْ هِنْدٌ لِأَجْلِ إِسْلَامِهِ، وَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ النَّبِيِّ بِمَكَّةَ جَاءَتْ فَأَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَنَاقِبِ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. فَقَالَ: أَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ.

ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ إِلَخْ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهَا مَاتَتْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ يَوْمَ مَاتَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَاشَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَرَوَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةَ عَلَى عَمَلِ أَخِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ وَالِيًا لِعُمَرَ حَتَّى قُتِلَ وَاسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ فَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ وَأَفْرَدَهُ بِوِلَايَةِ الشَّامِ جَمِيعًا، وَشَخَصَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ ابْنَاهُ عُتْبَةُ، وَعَنْبَسَةُ، فَكَتَبَتْ هِنْدٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ قَدْ قَدِمَ عَلَيْكَ أَبُوكَ وَأَخَوَاكَ، فَاحْمِلْ أَبَاكَ عَلَى فَرَسٍ وَأَعْطِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاحْمِلْ عُتْبَةَ عَلَى بَغْلٍ وَأَعْطِهِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَاحْمِلْ عَنْبَسَةَ عَلَى حِمَارٍ وَأَعْطِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ هَذَا عَنْ رَأْيِ هِنْدٍ قُلْتُ: كَانَ عُتْبَةُ مِنْهَا وَعَنْبَسَةُ مِنْ غَيْرِهَا أُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي أُزَيْهِرٍ الْأَزْدِيِّ. وَفِي الْأَمْثَالِ لِلْمَيْدَانِيِّ أَنَّهَا عَاشَتْ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي سُفْيَانَ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مُعَاوِيَةَ أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّهُ فَقَالَ: إِنَّهَا قَعَدَتْ عَنِ الْوَلَدِ. وَكَانَتْ وَفَاةُ أَبِي سُفْيَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) هُوَ صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ زَوْجُهَا، وَكَانَ قَدْ رَأَسَ فِي قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَسَارَ بِهِمْ فِي أُحُدٍ، وَسَاقَ الْأَحْزَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَيْلَةَ الْفَتْحِ، كَمَا تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا فِي الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ شَحِيحٌ) تَقَدَّمَ قَبْلُ بِثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ: رَجُلٌ مِسِّيكٌ وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَالْأَكْثَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَقِيلَ: بِوَزْنِ شَحِيحٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَشْهَرَ فِي الرِّوَايَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي كَوْنُ الثَّانِي أَصَحَّ؛ فَإِنَّ الْآخَرَ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا مِثْلُ شِرِّيبٍ وَسِكِّيرٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَفَّفُ أيضا فِيهِ نَوْعُ مُبَالَغَةٍ لَكِنَّ الْمُشَدَّدَ أَبْلَغُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِبَارَةُ النِّهَايَةِ فِي كِتَابِ الْأَشْخَاصِ حَيْثُ قَالَ: الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْفَتْحُ وَالتَّخْفِيفُ. وَفِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ الْكَسْرُ وَالتَّشْدِيدُ. وَالشُّحُّ: الْبُخْلُ مَعَ حِرْصٍ، وَالشُّحُّ أَعَمُّ مِنَ الْبُخْلِ؛ لِأَنَّ الْبُخْلَ يَخْتَصُّ بِمَنْعِ الْمَالِ وَالشُّحُّ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَقِيلَ: الشُّحُّ لَازِمٌ كَالطَّبْعِ، وَالْبُخْلُ غَيْرُ لَازِمٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمْ تُرِدْ هِنْدٌ وَصْفَ أَبِي سُفْيَانَ بِالشُّحِّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَإِنَّمَا وَصَفَتْ حَالَهَا مَعَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يُقَتِّرُ عَلَيْهَا وَعَلَى أَوْلَادِهَا، وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْبُخْلَ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الرُّؤَسَاءِ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ أَهْلِهِ، وَيُؤْثِرُ الْأَجَانِبَ اسْتِئْلَافًا لَهُمْ. قُلْتُ: وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ لِقَوْلِ هِنْدٍ هَذَا سَبَبٌ يَأْتِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) زَادَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: سِرًّا، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي

لَهُ عِيَالَنَا؟

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْمَظَالِمِ: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: خُذِي أَمْرُ إِبَاحَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَا حَرَجَ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ الْقَدْرُ الَّذِي عُرِفَ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ الْكِفَايَةُ، قَالَ: وَهَذِهِ الْإِبَاحَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً لَفْظًا لَكِنَّهَا مُقَيَّدَةٌ مَعْنًى، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ صَحَّ مَا ذَكَرْتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ صِدْقَهَا فِيمَا ذَكَرَتْ فَاسْتَغْنَى عَنِ التَّقْيِيدِ.

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِمَا لَا يُعْجِبُهُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْتَاءِ وَالِاشْتِكَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ. وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِالتَّعْظِيمِ كَاللَّقَبِ وَالْكُنْيَةِ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ مَشْهُورًا بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ، فَلَا يَدُلُّ قَوْلُهَا: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى إِرَادَةِ التَّعْظِيمِ. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِمَاعِ كَلَامِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي غِيبَةِ الْآخِرِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نَسَبَ إِلَى نَفْسِهِ أَمْرًا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَةٌ فَلْيَقْرُنْهُ بِمَا يُقِيمُ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ عِنْدَ الْحُكْمِ وَالْإِفْتَاءِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، وَيَقُولُ جَازَ هُنَا لِلضَّرُورَةِ. وَفِيهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ فِي قَبْضِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ إِنَّهُ مُنْفِقٌ لَكُلِّفَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى إِثْبَاتِ عَدَمِ الْكِفَايَةِ، وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَعْلِيقِ الْفُتْيَا لَا الْقَضَاءِ. وَفِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعَيَّ حَكَاهُ الْجُوَيْنِيُّ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِالْأَمْدَادِ فَعَلَى الْمُوسِرِ كُلَّ يَوْمٍ مُدَّانِ وَالْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفٌ وَالْمُعْسِرِ مُدٌّ، وَتَقْرِيرُهَا بِالْأَمْدَادِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى أَصْحَابِنَا.

قُلْتُ: وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأَمْدَادِ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَتِ الْكِفَايَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُقَدَّرِ بِالْأَمْدَادِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا وَهُوَ مُوسِرٌ مَا يُعْطِي الْمُتَوَسِّطُ فَأَذِنَ لَهَا فِي أَخْذِ التَّكْمِلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَفِيهِ اعْتِبَارُ النَّفَقَةِ بِحَالِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَاخْتَارَ الْخَصَّافُ مِنْهُمْ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ مَعًا، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالْحُجَّةُ فِيهِ ضَمُّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الْآيَةَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجِ تَمَسُّكًا بِالْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.

وَفِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اعْتِبَارُ الصِّغَرِ أَوِ الزَّمَانَةِ. وَفِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ خَادِمِ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ رَئِيسَ قَوْمِهِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ النَّفَقَةَ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا قَدْرَ كِفَايَتِهَا وَوَلَدِهَا دُونَ مَنْ يَخْدِمُهُمْ، فَأَضَافَتْ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ خَادِمَهَا دَاخِلٌ فِي جُمْلَتِهَا. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُتَمَسَّكَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ وَلَوْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَلَا عُمُومَ فِي الْأَفْعَالِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا: بَنِيَّ بَعْضَهُمْ، أَيْ، مَنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا زَمِنًا لَا جَمِيعَهُمْ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ حَقٌّ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ اسْتِيفَائِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ حَقِّهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَتُسَمَّى مَسْأَلَةَ الظَّفَرِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ لَا يَأْخُذُ غَيْرَ جِنْسِ حَقِّهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ جِنْسُ حَقِّهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ، وَعَنْهُ يَأْخُذُ جِنْسَ حَقِّهِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ إِلَّا أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بَدَلَ الْآخَرِ، وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ كَهَذِهِ الْآرَاءِ، وَعَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَشْخَاصِ وَالْمُلَازَمَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ جَوَازُ أَخْذِ الْجِنْسِ وَغَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ مَنْزِلَ الشَّحِيحِ لَا يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَسَائِرِ

الْمَرَافِقِ اللَّازِمَةِ، وَقَدْ أَطْلَقَ لَهَا الْإِذْنَ فِي أَخْذِ الْكِفَايَةِ مِنْ مَالِهِ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ عَلَى بَيْتِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي.

قُلْتُ: وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ بَيْتَ الشَّحِيحَ لَا يَحْتَوِي عَلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا نَفَتِ الْكِفَايَةَ مُطْلَقًا، فَتَنَاوَلَ جِنْسَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَنْزِلَ الشَّحِيحِ كَذَلِكَ مُسَلَّمَةٌ، لَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ مَنْزِلَ أَبِي سُفْيَانَ كَانَ كَذَلِكَ؟ وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ أَنَّ مَنْزِلَهُ كَانَ فِيهِ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يُمَكِّنُهَا إِلَّا مِنَ الْقَدْرِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَأْخُذَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَقَدْ وَجَّهَ ابْنُ الْمُنِيرِ قَوْلَهُ: إِنَّ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّقْوِيمِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لِهِنْدٍ أَنْ تَفْرِضَ لِنَفْسِهَا وَعِيَالِهَا قَدْرَ الْوَاجِبِ، وَهَذَا هُوَ التَّقْوِيمُ بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ أَدَقُّ مِنْهُ وَأَعْسَرُ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ: مَدْخَلًا فِي الْقِيَامِ عَلَى أَوْلَادِهَا وَكَفَالَتِهِمْ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ اعْتِمَادُ الْعُرْفِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَحْدِيدَ فِيهَا مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَفْظًا وَعَمِلَ بِهِ مَعْنًى كَالشَّافِعِيَّةِ، كَذَا قَالَ، وَالشَّافِعِيَّةُ إِنَّمَا أَنْكَرُوا الْعَمَلَ بِالْعُرْفِ إِذَا عَارَضَهُ النَّصُّ الشَّرْعِيُّ، أَوْ لَمْ يُرْشِدِ النَّصُّ الشَّرْعِيُّ إِلَى الْعُرْفِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ تَرْجَمَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ وَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ فَأَحْتَاجُ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ، قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ جَمْعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ غَيْرِهِمُ اسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ لِذَلِكَ، حَتَّى قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي مَنْعِهِمُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ بِقِصَّةِ هِنْدٍ، وَكَانَ ذَلِكَ قَضَاءً مِنَ النَّبِيِّ عَلَى زَوْجِهَا وَهُوَ غَائِبٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بِمَكَّةَ وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حَاضِرًا بِهَا، وَشَرْطُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَنْ يَكُونَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ أَوْ مُسْتَتِرًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ مُتَعَزِّزًا، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّرْطُ فِي أَبِي سُفْيَانَ مَوْجُودًا، فَلَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ بَلْ هُوَ إِفْتَاءٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ أَنَّهُ كَانَ إِفْتَاءً. اهـ.

وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا بِقَوْلِ هِنْدٍ: لَا يُعْطِينِي إِذْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَقَالَتْ: لَا يُنْفِقُ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي يُبَاشِرُ الْإِنْفَاقَ. وَهَذَا ضَعِيفٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهُ أَنْ يُعْطِيَهَا جُمْلَةً وَيَأْذَنَ لَهَا فِي الْإِنْفَاقِ مُفَرَّقًا. نَعَمْ قَوْلُ النَّوَوِيِّ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ حَاضِرًا بِمَكَّةَ حَقٌّ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى الْجَزْمِ بِذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ، بَلْ أَوْرَدَ أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ جَالِسًا مَعَهَا فِي الْمَجْلِسِ، لَكِنْ لَمْ يَسُقْ إِسْنَادَهُ، وَقَدْ ظَفِرْتُ بِهِ فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ هِنْدًا لَمَّا بَايَعَتْ وَجَاءَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ قَالَتْ: قَدْ كُنْتُ أَصَبْتُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَمَا أَصَبْتِ مِنْ مَالِي فَهُوَ حَلَالٌ لَكِ.

قُلْتُ: وَيُمْكِنُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ وَأَنَّ هَذَا وَقَعَ لَمَّا بَايَعَتْ ثُمَّ جَاءَتْ مَرَّةً أُخْرَى فَسَأَلَتْ عَنِ الْحُكْمِ، وَتَكُونُ فَهِمَتْ مِنَ الْأَوَّلِ إِحْلَالَ أَبِي سُفْيَانِ لَهَا مَا مَضَى فَسَأَلَتْ عَمَّا يُسْتَقْبَلُ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ هِنْدٌ لِأَبِي سُفْيَانَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُبَايِعَ، قَالَ: فَإِنْ فَعَلْتِ فَاذْهَبِي مَعَكِ بِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِكِ، فَذَهَبَتْ إِلَى عُثْمَانَ فَذَهَبَ مَعَهَا، فَدَخَلَتْ مُنْتَقِبَةً فَقَالَ: بَايِعِي أَنْ لَا تُشْرِكِي الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَلَمَّا فَرَغَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ بَخِيلٌ - الْحَدِيثَ - قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ قَالَ: أَمَّا يَابِسًا فَلَا، وَأَمَّا رَطْبًا فَأُحِلُّهُ وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ تَفَرَّدَ بِهِ بِهَذَا السِّيَاقِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَوَّلُ حَدِيثِهِ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَكُنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ومفهومُ الحديث: أنَّه لا يجب على الزَّوج إخدام الزَّوجة، لكنَّ الظَّاهر حملُه على ما سبق في الباب السَّابق على ما تعارفَ من حُسنِ العِشرة، وجميل الأخلاقِ، وإلَّا فيجبُ على الزَّوج وإن كان مُعسرًا أو عبدًا إخدام الحرَّة ولو ذِميَّة إن كانتْ ممَّن تُخْدم في بيتِ أبيها لأنَّه من المعاشرةِ بالمعروفِ المأمور بها، لا إخدام الأمَة وإنْ اعتادت لجمالها بالخدمةِ لنقصها بالرِّقِّ، وحقِّها أن تَخدِم لا أن تُخدَم، والإجماع على أنَّ عليه نفقة الخادم لها، فلو قالت: أنا أخدِمُ نفسي وآخذُ ما للخادِم (١) من أجرةٍ أو نفقةٍ لم يُجبر هو لأنَّها أسقطتْ حقَّها، وله أن لا يرضَى به لابتذالها بذلك، أو قال الزَّوج: أنا أخدمكِ لتسقط عنه مُؤونة الخادمِ، لم تُجبر هي.

(٨) (بابُ) جواز (خِدْمَةِ الرَّجُلِ) بنفسه (فِي أَهْلِهِ).

٥٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن البِرِنْد قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ) بضم العين المهملة وفتح الفوقية والموحدة، بينهما تحتية ساكنة، الكنديِّ مولاهم، فقيهِ الكوفة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعيِّ، أنَّه قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ) فقلت لها: (مَا كَانَ النَّبِيُّ يَصْنَعُ فِي البَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قالت: كان يكون (٢)» (فِي مَِهْنَةِ أَهْلِهِ) بكسر الميم وسكون الهاء في الفرع كأصله، وضبطَه الهرويُّ بفتح الميم. وعن شمر فيما حكاه الأزهريُّ أنَّ الكسرَ خطأ. وقال (٣) في «النهاية»: الرِّواية بالفتح وقد تكسر.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِنَفسِهِ وَلَو كَانَت كِفَايَة ذَلِك لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأَمره بِهِ قلت: من هَذَا يُؤْخَذ مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة. ويوضحها، لِأَن قَوْله: بَاب خَادِم الْمَرْأَة، مُبْهَم وَفَسرهُ حَدِيث الْبَاب.

وَأخرج الحَدِيث عَن الْحميدِي وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى الْمَنْسُوب إِلَى حميد أحد أجداده، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعبيد الله بن أبي يزِيد من الزِّيَادَة الْمَكِّيّ، وَحكى ابْن حبيب عَن إصبغ وَابْن الْمَاجشون عَن مَالك إِن خدمَة الْبَيْت تلْزم الْمَرْأَة وَلَو كَانَت الْمَرْأَة ذَات قدر وَشرف إِذا كَانَ الزَّوْج مُعسرا قَالَ: وَلذَلِك ألزم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِالْخدمَةِ الْبَاطِنَة، وعليا بِالْخدمَةِ الظَّاهِرَة وَحكى ابْن بطال أَن بعض الشُّيُوخ قَالَ: لَا نعلم فِي شَيْء من الْآثَار أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى على فَاطِمَة بِالْخدمَةِ الْبَاطِنَة، وَإِنَّمَا جرى الْأَمر بَينهم على مَا تعارفوه من حسن الْعشْرَة وَجَمِيل الْأَخْلَاق، وَأما أَن تجبر الْمَرْأَة على شَيْء من الْخدمَة فَلَا أصل لَهُ بل الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن على الزَّوْج مؤونة الزَّوْجَة كلهَا. وَنقل الطَّحَاوِيّ الْإِجْمَاع على أَنه لَيْسَ لَهُ إِخْرَاج خَادِم الْمَرْأَة من بَيته فَدلَّ على أَنه يلْزمه نَفَقَة الْخَادِم على حسب الْحَاجة، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ: يفْرض لَهَا ولخادمها النَّفَقَة إِذا كَانَت مِمَّن يخْدم، وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث وَمُحَمّد بن الْحسن: يفْرض لَهَا ولخادمين إِذا كَانَت خطيرة.

قَوْله: (ثمَّ قَالَ سُفْيَان: إِحْدَاهُنَّ أَربع وَثَلَاثُونَ) ، أَرَادَ أَن سُفْيَان قَالَ أَولا على التَّعْيِين التَّكْبِير أَربع وَثَلَاثُونَ، وَقَالَ آخرا على الْإِبْهَام: إِحْدَاهُنَّ أَربع وَثَلَاثُونَ. قَوْله: (فَمَا تركتهَا بعد) ، أَي: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَا تركت التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير والتحميد على الْوَجْه الْمَذْكُور بعد أَن سمعته من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (قيل: وَلَا لَيْلَة صفّين) ؟ أَي: قَالَ قَائِل لعَلي: وَلَا تركت هَذِه لَيْلَة صفّين، قَالَ: وَلَا تركتهَا لَيْلَة صفّين، وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء الْمُشَدّدَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وَهُوَ مَوضِع بَين الْعرَاق وَالشَّام كَانَت فِيهِ وقْعَة عَظِيمَة بَين مُعَاوِيَة وَعلي، وَهِي مَشْهُورَة، وَأَرَادَ على أَنه لم يَمْنعنِي مِنْهَا عظم تِلْكَ اللَّيْلَة، وَعظم الْأَمر الَّذِي كنت فِيهِ.

٨ - (بَابُ: {خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خدمَة الرجل بِنَفسِهِ فِي أَهله.

٥٣٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ: سألْتُ عَائِشَةَ، رَضِيَ الله عَنْهَا. مَا كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَصْنَعُ فِي البَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أهْلِهِ، فَإذَا سَمِعَ الأذَانَ خَرَجَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ.

والْحَدِيث مر فِي الصَّلَاة فِي: بَاب من كَانَ فِي حَاجَة أَهله فأقيمت الصَّلَاة فَخرج، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن الحكم إِلَى آخِره، والمهنة بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْهَاء الْخدمَة.

وَفِيه: أَن خدمَة الدَّار وَأَهْلهَا سنة عباد الله الصَّالِحين. وَفِيه: فَضِيلَة الْجَمَاعَة لِأَن معنى قَوْله: (خرج) أَي: إِلَى الصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة.

٩ - (بَابٌ: {إذَا لَمْ يَنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أنْ تأخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَها بِالمَعْرُوفِ} )

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم ينْفق الرجل فللمرأة أَن تَأْخُذ بِغَيْر علمه مَا يكفيها وَوَلدهَا. قَوْله: (بِالْمَعْرُوفِ) ، أَي: بِاعْتِبَار عرف النَّاس فِي نَفَقَة مثلهَا وَنَفَقَة وَلَدهَا.

٥٣٦٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عَنْ عَائِشَةَ أنَّ هِنْدا بِنْتَ عُتَبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ أبَا سُفْيَان رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلَاّ مَا أخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير.

وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا قد مر عَن قريب قبل هَذَا بِثَلَاثَة أَبْوَاب، وَمر الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (أَن هندا) ، كَذَا وَقع مصروفا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمَظَالِم الْمُتَقَدّمَة غير مَصْرُوف،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَتْ كِفَايَةُ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ لَأَمَرَهُ بِهِ، كَمَا أَمَرَهُ أَنْ يَسُوقَ إِلَيْهَا صَدَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، مَعَ أَنَّ سَوْقَ الصَّدَاقِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِذَا رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُؤَخِّرَهُ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ وَيَتْرُكُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْوَاجِبِ؟ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَصْبَغَ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ خِدْمَةَ الْبَيْتِ تَلْزَمُ الْمَرْأَةَ وَلَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ ذَاتَ قَدْرٍ وَشَرَفٍ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا، قَالَ: وَلِذَلِكَ أَلْزَمَ النَّبِيُّ فَاطِمَةَ بِالْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ وَعَلِيًّا بِالْخِدْمَةِ الظَّاهِرَةِ.

وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ قَالَ: لَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى عَلَى فَاطِمَةَ بِالْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ، وَإِنَّمَا جَرَى الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا تَعَارَفُوهُ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَجَمِيلِ الْأَخْلَاقِ، وَأَمَّا أَنْ تُجْبَرَ الْمَرْأَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخِدْمَةِ فَلَا أَصْلَ لَهُ، بَلِ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ مُؤْنَةَ الزَّوْجَةِ كُلَّهَا. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ لَهُ إِخْرَاجُ خَادِمِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ عَلَى حَسْبِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: يُفْرَضُ لَهَا وَلِخَادِمِهَا النَّفَقَةُ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُخْدَمُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُفْرَضُ لَهَا وَلِخَادِمِهَا إِذَا كَانَتْ خَطِيرَةً، وَشَذَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَقَالُوا: لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُخْدِمَهَا وَلَوْ كَانَتْ بِنْتَ الْخَلِيفَةِ، وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَإِذَا احْتَاجَتْ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهَا فَامْتَنَعَ لَمْ يُعَاشِرْهَا بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ الْغَيْرَةِ مِنْ أَوَاخِرِ النِّكَاحِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ.

٨ - بَاب خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ

٥٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ : مَا كَانَ النَّبِيُّ يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) أَيْ: بِنَفْسِهِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَكُونُ) سَقَطَ لَفْظُ: يَكُونُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ الْمَهْنَةِ وَأَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ فِي الْأُمَّهَاتِ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَضَبَطَهُ الْهَرَوِيُّ بِالْفَتْحِ، وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ عَنْ شِمْرٍ عَنْ مَشَايِخِهِ أَنَّ كَسْرَهَا خَطَأٌ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مَعَ شَرْحِ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.

تَنْبِيهٌ:

وَقَعَ هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ تَرْجَمَةٌ نَصُّهَا: بَابُ هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، وَبَعْدَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي: بَابِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ وَالرَّاجِحُ مَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ

٩ - بَاب إِذَا لَمْ يُنْفِقْ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ

٥٣٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ) أَخَذَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ

التَّرْجَمَةَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ لِتَكْمِلَةِ النَّفَقَةِ، فَكَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ جَمِيعِ النَّفَقَةِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ.

قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هِنْدًا بِالصَّرْفِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَظَالِمِ بِغَيْرِ صَرْفٍ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَيِ: ابْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ: أَنَّ هِنْدًا أُمَّ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ هِنْدٌ لَمَّا قُتِلَ أَبُوهَا عُتْبَةُ وَعَمُّهَا شَيْبَةُ وَأَخُوهَا الْوَلِيدُ يَوْمَ بَدْرٍ شَقَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَقُتِلَ حَمْزَةُ فَرِحَتْ بِذَلِكَ، وَعَمَدَتْ إِلَى بَطْنِهِ فَشَقَّتْهَا، وَأَخَذَتْ كَبِدَهُ فَلَاكَتْهَا ثُمَّ لَفَظَتْهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ وَدَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ مَكَّةَ مُسْلِمًا - بَعْدَ أَنْ أَسَرَتْهُ خَيْلُ النَّبِيِّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَأَجَارَهُ الْعَبَّاسُ - غَضِبَتْ هِنْدٌ لِأَجْلِ إِسْلَامِهِ، وَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ النَّبِيِّ بِمَكَّةَ جَاءَتْ فَأَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَنَاقِبِ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. فَقَالَ: أَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ.

ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ إِلَخْ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهَا مَاتَتْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ يَوْمَ مَاتَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَاشَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَرَوَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةَ عَلَى عَمَلِ أَخِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ وَالِيًا لِعُمَرَ حَتَّى قُتِلَ وَاسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ فَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ وَأَفْرَدَهُ بِوِلَايَةِ الشَّامِ جَمِيعًا، وَشَخَصَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ ابْنَاهُ عُتْبَةُ، وَعَنْبَسَةُ، فَكَتَبَتْ هِنْدٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ قَدْ قَدِمَ عَلَيْكَ أَبُوكَ وَأَخَوَاكَ، فَاحْمِلْ أَبَاكَ عَلَى فَرَسٍ وَأَعْطِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاحْمِلْ عُتْبَةَ عَلَى بَغْلٍ وَأَعْطِهِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَاحْمِلْ عَنْبَسَةَ عَلَى حِمَارٍ وَأَعْطِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ هَذَا عَنْ رَأْيِ هِنْدٍ قُلْتُ: كَانَ عُتْبَةُ مِنْهَا وَعَنْبَسَةُ مِنْ غَيْرِهَا أُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي أُزَيْهِرٍ الْأَزْدِيِّ. وَفِي الْأَمْثَالِ لِلْمَيْدَانِيِّ أَنَّهَا عَاشَتْ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي سُفْيَانَ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مُعَاوِيَةَ أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّهُ فَقَالَ: إِنَّهَا قَعَدَتْ عَنِ الْوَلَدِ. وَكَانَتْ وَفَاةُ أَبِي سُفْيَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) هُوَ صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ زَوْجُهَا، وَكَانَ قَدْ رَأَسَ فِي قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَسَارَ بِهِمْ فِي أُحُدٍ، وَسَاقَ الْأَحْزَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَيْلَةَ الْفَتْحِ، كَمَا تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا فِي الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ شَحِيحٌ) تَقَدَّمَ قَبْلُ بِثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ: رَجُلٌ مِسِّيكٌ وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَالْأَكْثَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَقِيلَ: بِوَزْنِ شَحِيحٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَشْهَرَ فِي الرِّوَايَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي كَوْنُ الثَّانِي أَصَحَّ؛ فَإِنَّ الْآخَرَ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا مِثْلُ شِرِّيبٍ وَسِكِّيرٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَفَّفُ أيضا فِيهِ نَوْعُ مُبَالَغَةٍ لَكِنَّ الْمُشَدَّدَ أَبْلَغُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِبَارَةُ النِّهَايَةِ فِي كِتَابِ الْأَشْخَاصِ حَيْثُ قَالَ: الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْفَتْحُ وَالتَّخْفِيفُ. وَفِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ الْكَسْرُ وَالتَّشْدِيدُ. وَالشُّحُّ: الْبُخْلُ مَعَ حِرْصٍ، وَالشُّحُّ أَعَمُّ مِنَ الْبُخْلِ؛ لِأَنَّ الْبُخْلَ يَخْتَصُّ بِمَنْعِ الْمَالِ وَالشُّحُّ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَقِيلَ: الشُّحُّ لَازِمٌ كَالطَّبْعِ، وَالْبُخْلُ غَيْرُ لَازِمٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمْ تُرِدْ هِنْدٌ وَصْفَ أَبِي سُفْيَانَ بِالشُّحِّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَإِنَّمَا وَصَفَتْ حَالَهَا مَعَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يُقَتِّرُ عَلَيْهَا وَعَلَى أَوْلَادِهَا، وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْبُخْلَ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الرُّؤَسَاءِ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ أَهْلِهِ، وَيُؤْثِرُ الْأَجَانِبَ اسْتِئْلَافًا لَهُمْ. قُلْتُ: وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ لِقَوْلِ هِنْدٍ هَذَا سَبَبٌ يَأْتِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) زَادَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: سِرًّا، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي

لَهُ عِيَالَنَا؟

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْمَظَالِمِ: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: خُذِي أَمْرُ إِبَاحَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَا حَرَجَ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ الْقَدْرُ الَّذِي عُرِفَ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ الْكِفَايَةُ، قَالَ: وَهَذِهِ الْإِبَاحَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً لَفْظًا لَكِنَّهَا مُقَيَّدَةٌ مَعْنًى، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ صَحَّ مَا ذَكَرْتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ صِدْقَهَا فِيمَا ذَكَرَتْ فَاسْتَغْنَى عَنِ التَّقْيِيدِ.

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِمَا لَا يُعْجِبُهُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْتَاءِ وَالِاشْتِكَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ. وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِالتَّعْظِيمِ كَاللَّقَبِ وَالْكُنْيَةِ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ مَشْهُورًا بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ، فَلَا يَدُلُّ قَوْلُهَا: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى إِرَادَةِ التَّعْظِيمِ. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِمَاعِ كَلَامِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي غِيبَةِ الْآخِرِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نَسَبَ إِلَى نَفْسِهِ أَمْرًا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَةٌ فَلْيَقْرُنْهُ بِمَا يُقِيمُ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ عِنْدَ الْحُكْمِ وَالْإِفْتَاءِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، وَيَقُولُ جَازَ هُنَا لِلضَّرُورَةِ. وَفِيهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ فِي قَبْضِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ إِنَّهُ مُنْفِقٌ لَكُلِّفَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى إِثْبَاتِ عَدَمِ الْكِفَايَةِ، وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَعْلِيقِ الْفُتْيَا لَا الْقَضَاءِ. وَفِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعَيَّ حَكَاهُ الْجُوَيْنِيُّ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِالْأَمْدَادِ فَعَلَى الْمُوسِرِ كُلَّ يَوْمٍ مُدَّانِ وَالْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفٌ وَالْمُعْسِرِ مُدٌّ، وَتَقْرِيرُهَا بِالْأَمْدَادِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى أَصْحَابِنَا.

قُلْتُ: وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأَمْدَادِ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَتِ الْكِفَايَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُقَدَّرِ بِالْأَمْدَادِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا وَهُوَ مُوسِرٌ مَا يُعْطِي الْمُتَوَسِّطُ فَأَذِنَ لَهَا فِي أَخْذِ التَّكْمِلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَفِيهِ اعْتِبَارُ النَّفَقَةِ بِحَالِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَاخْتَارَ الْخَصَّافُ مِنْهُمْ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ مَعًا، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالْحُجَّةُ فِيهِ ضَمُّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الْآيَةَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجِ تَمَسُّكًا بِالْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.

وَفِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اعْتِبَارُ الصِّغَرِ أَوِ الزَّمَانَةِ. وَفِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ خَادِمِ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ رَئِيسَ قَوْمِهِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ النَّفَقَةَ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا قَدْرَ كِفَايَتِهَا وَوَلَدِهَا دُونَ مَنْ يَخْدِمُهُمْ، فَأَضَافَتْ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ خَادِمَهَا دَاخِلٌ فِي جُمْلَتِهَا. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُتَمَسَّكَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ وَلَوْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَلَا عُمُومَ فِي الْأَفْعَالِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا: بَنِيَّ بَعْضَهُمْ، أَيْ، مَنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا زَمِنًا لَا جَمِيعَهُمْ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ حَقٌّ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ اسْتِيفَائِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ حَقِّهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَتُسَمَّى مَسْأَلَةَ الظَّفَرِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ لَا يَأْخُذُ غَيْرَ جِنْسِ حَقِّهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ جِنْسُ حَقِّهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ، وَعَنْهُ يَأْخُذُ جِنْسَ حَقِّهِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ إِلَّا أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بَدَلَ الْآخَرِ، وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ كَهَذِهِ الْآرَاءِ، وَعَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَشْخَاصِ وَالْمُلَازَمَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ جَوَازُ أَخْذِ الْجِنْسِ وَغَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ مَنْزِلَ الشَّحِيحِ لَا يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَسَائِرِ

الْمَرَافِقِ اللَّازِمَةِ، وَقَدْ أَطْلَقَ لَهَا الْإِذْنَ فِي أَخْذِ الْكِفَايَةِ مِنْ مَالِهِ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ عَلَى بَيْتِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي.

قُلْتُ: وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ بَيْتَ الشَّحِيحَ لَا يَحْتَوِي عَلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا نَفَتِ الْكِفَايَةَ مُطْلَقًا، فَتَنَاوَلَ جِنْسَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَنْزِلَ الشَّحِيحِ كَذَلِكَ مُسَلَّمَةٌ، لَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ مَنْزِلَ أَبِي سُفْيَانَ كَانَ كَذَلِكَ؟ وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ أَنَّ مَنْزِلَهُ كَانَ فِيهِ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يُمَكِّنُهَا إِلَّا مِنَ الْقَدْرِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَأْخُذَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَقَدْ وَجَّهَ ابْنُ الْمُنِيرِ قَوْلَهُ: إِنَّ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّقْوِيمِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لِهِنْدٍ أَنْ تَفْرِضَ لِنَفْسِهَا وَعِيَالِهَا قَدْرَ الْوَاجِبِ، وَهَذَا هُوَ التَّقْوِيمُ بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ أَدَقُّ مِنْهُ وَأَعْسَرُ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ: مَدْخَلًا فِي الْقِيَامِ عَلَى أَوْلَادِهَا وَكَفَالَتِهِمْ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ اعْتِمَادُ الْعُرْفِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَحْدِيدَ فِيهَا مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَفْظًا وَعَمِلَ بِهِ مَعْنًى كَالشَّافِعِيَّةِ، كَذَا قَالَ، وَالشَّافِعِيَّةُ إِنَّمَا أَنْكَرُوا الْعَمَلَ بِالْعُرْفِ إِذَا عَارَضَهُ النَّصُّ الشَّرْعِيُّ، أَوْ لَمْ يُرْشِدِ النَّصُّ الشَّرْعِيُّ إِلَى الْعُرْفِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ تَرْجَمَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ وَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ فَأَحْتَاجُ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ، قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ جَمْعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ غَيْرِهِمُ اسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ لِذَلِكَ، حَتَّى قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي مَنْعِهِمُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ بِقِصَّةِ هِنْدٍ، وَكَانَ ذَلِكَ قَضَاءً مِنَ النَّبِيِّ عَلَى زَوْجِهَا وَهُوَ غَائِبٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بِمَكَّةَ وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حَاضِرًا بِهَا، وَشَرْطُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَنْ يَكُونَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ أَوْ مُسْتَتِرًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ مُتَعَزِّزًا، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّرْطُ فِي أَبِي سُفْيَانَ مَوْجُودًا، فَلَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ بَلْ هُوَ إِفْتَاءٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ أَنَّهُ كَانَ إِفْتَاءً. اهـ.

وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا بِقَوْلِ هِنْدٍ: لَا يُعْطِينِي إِذْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَقَالَتْ: لَا يُنْفِقُ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي يُبَاشِرُ الْإِنْفَاقَ. وَهَذَا ضَعِيفٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهُ أَنْ يُعْطِيَهَا جُمْلَةً وَيَأْذَنَ لَهَا فِي الْإِنْفَاقِ مُفَرَّقًا. نَعَمْ قَوْلُ النَّوَوِيِّ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ حَاضِرًا بِمَكَّةَ حَقٌّ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى الْجَزْمِ بِذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ، بَلْ أَوْرَدَ أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ جَالِسًا مَعَهَا فِي الْمَجْلِسِ، لَكِنْ لَمْ يَسُقْ إِسْنَادَهُ، وَقَدْ ظَفِرْتُ بِهِ فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ هِنْدًا لَمَّا بَايَعَتْ وَجَاءَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ قَالَتْ: قَدْ كُنْتُ أَصَبْتُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَمَا أَصَبْتِ مِنْ مَالِي فَهُوَ حَلَالٌ لَكِ.

قُلْتُ: وَيُمْكِنُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ وَأَنَّ هَذَا وَقَعَ لَمَّا بَايَعَتْ ثُمَّ جَاءَتْ مَرَّةً أُخْرَى فَسَأَلَتْ عَنِ الْحُكْمِ، وَتَكُونُ فَهِمَتْ مِنَ الْأَوَّلِ إِحْلَالَ أَبِي سُفْيَانِ لَهَا مَا مَضَى فَسَأَلَتْ عَمَّا يُسْتَقْبَلُ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ هِنْدٌ لِأَبِي سُفْيَانَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُبَايِعَ، قَالَ: فَإِنْ فَعَلْتِ فَاذْهَبِي مَعَكِ بِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِكِ، فَذَهَبَتْ إِلَى عُثْمَانَ فَذَهَبَ مَعَهَا، فَدَخَلَتْ مُنْتَقِبَةً فَقَالَ: بَايِعِي أَنْ لَا تُشْرِكِي الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَلَمَّا فَرَغَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ بَخِيلٌ - الْحَدِيثَ - قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ قَالَ: أَمَّا يَابِسًا فَلَا، وَأَمَّا رَطْبًا فَأُحِلُّهُ وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ تَفَرَّدَ بِهِ بِهَذَا السِّيَاقِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَوَّلُ حَدِيثِهِ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَكُنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ومفهومُ الحديث: أنَّه لا يجب على الزَّوج إخدام الزَّوجة، لكنَّ الظَّاهر حملُه على ما سبق في الباب السَّابق على ما تعارفَ من حُسنِ العِشرة، وجميل الأخلاقِ، وإلَّا فيجبُ على الزَّوج وإن كان مُعسرًا أو عبدًا إخدام الحرَّة ولو ذِميَّة إن كانتْ ممَّن تُخْدم في بيتِ أبيها لأنَّه من المعاشرةِ بالمعروفِ المأمور بها، لا إخدام الأمَة وإنْ اعتادت لجمالها بالخدمةِ لنقصها بالرِّقِّ، وحقِّها أن تَخدِم لا أن تُخدَم، والإجماع على أنَّ عليه نفقة الخادم لها، فلو قالت: أنا أخدِمُ نفسي وآخذُ ما للخادِم (١) من أجرةٍ أو نفقةٍ لم يُجبر هو لأنَّها أسقطتْ حقَّها، وله أن لا يرضَى به لابتذالها بذلك، أو قال الزَّوج: أنا أخدمكِ لتسقط عنه مُؤونة الخادمِ، لم تُجبر هي.

(٨) (بابُ) جواز (خِدْمَةِ الرَّجُلِ) بنفسه (فِي أَهْلِهِ).

٥٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن البِرِنْد قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ) بضم العين المهملة وفتح الفوقية والموحدة، بينهما تحتية ساكنة، الكنديِّ مولاهم، فقيهِ الكوفة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعيِّ، أنَّه قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ) فقلت لها: (مَا كَانَ النَّبِيُّ يَصْنَعُ فِي البَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قالت: كان يكون (٢)» (فِي مَِهْنَةِ أَهْلِهِ) بكسر الميم وسكون الهاء في الفرع كأصله، وضبطَه الهرويُّ بفتح الميم. وعن شمر فيما حكاه الأزهريُّ أنَّ الكسرَ خطأ. وقال (٣) في «النهاية»: الرِّواية بالفتح وقد تكسر.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِنَفسِهِ وَلَو كَانَت كِفَايَة ذَلِك لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأَمره بِهِ قلت: من هَذَا يُؤْخَذ مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة. ويوضحها، لِأَن قَوْله: بَاب خَادِم الْمَرْأَة، مُبْهَم وَفَسرهُ حَدِيث الْبَاب.

وَأخرج الحَدِيث عَن الْحميدِي وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى الْمَنْسُوب إِلَى حميد أحد أجداده، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعبيد الله بن أبي يزِيد من الزِّيَادَة الْمَكِّيّ، وَحكى ابْن حبيب عَن إصبغ وَابْن الْمَاجشون عَن مَالك إِن خدمَة الْبَيْت تلْزم الْمَرْأَة وَلَو كَانَت الْمَرْأَة ذَات قدر وَشرف إِذا كَانَ الزَّوْج مُعسرا قَالَ: وَلذَلِك ألزم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِالْخدمَةِ الْبَاطِنَة، وعليا بِالْخدمَةِ الظَّاهِرَة وَحكى ابْن بطال أَن بعض الشُّيُوخ قَالَ: لَا نعلم فِي شَيْء من الْآثَار أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى على فَاطِمَة بِالْخدمَةِ الْبَاطِنَة، وَإِنَّمَا جرى الْأَمر بَينهم على مَا تعارفوه من حسن الْعشْرَة وَجَمِيل الْأَخْلَاق، وَأما أَن تجبر الْمَرْأَة على شَيْء من الْخدمَة فَلَا أصل لَهُ بل الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن على الزَّوْج مؤونة الزَّوْجَة كلهَا. وَنقل الطَّحَاوِيّ الْإِجْمَاع على أَنه لَيْسَ لَهُ إِخْرَاج خَادِم الْمَرْأَة من بَيته فَدلَّ على أَنه يلْزمه نَفَقَة الْخَادِم على حسب الْحَاجة، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ: يفْرض لَهَا ولخادمها النَّفَقَة إِذا كَانَت مِمَّن يخْدم، وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث وَمُحَمّد بن الْحسن: يفْرض لَهَا ولخادمين إِذا كَانَت خطيرة.

قَوْله: (ثمَّ قَالَ سُفْيَان: إِحْدَاهُنَّ أَربع وَثَلَاثُونَ) ، أَرَادَ أَن سُفْيَان قَالَ أَولا على التَّعْيِين التَّكْبِير أَربع وَثَلَاثُونَ، وَقَالَ آخرا على الْإِبْهَام: إِحْدَاهُنَّ أَربع وَثَلَاثُونَ. قَوْله: (فَمَا تركتهَا بعد) ، أَي: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَا تركت التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير والتحميد على الْوَجْه الْمَذْكُور بعد أَن سمعته من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (قيل: وَلَا لَيْلَة صفّين) ؟ أَي: قَالَ قَائِل لعَلي: وَلَا تركت هَذِه لَيْلَة صفّين، قَالَ: وَلَا تركتهَا لَيْلَة صفّين، وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء الْمُشَدّدَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وَهُوَ مَوضِع بَين الْعرَاق وَالشَّام كَانَت فِيهِ وقْعَة عَظِيمَة بَين مُعَاوِيَة وَعلي، وَهِي مَشْهُورَة، وَأَرَادَ على أَنه لم يَمْنعنِي مِنْهَا عظم تِلْكَ اللَّيْلَة، وَعظم الْأَمر الَّذِي كنت فِيهِ.

٨ - (بَابُ: {خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خدمَة الرجل بِنَفسِهِ فِي أَهله.

٥٣٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ: سألْتُ عَائِشَةَ، رَضِيَ الله عَنْهَا. مَا كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَصْنَعُ فِي البَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أهْلِهِ، فَإذَا سَمِعَ الأذَانَ خَرَجَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ.

والْحَدِيث مر فِي الصَّلَاة فِي: بَاب من كَانَ فِي حَاجَة أَهله فأقيمت الصَّلَاة فَخرج، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن الحكم إِلَى آخِره، والمهنة بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْهَاء الْخدمَة.

وَفِيه: أَن خدمَة الدَّار وَأَهْلهَا سنة عباد الله الصَّالِحين. وَفِيه: فَضِيلَة الْجَمَاعَة لِأَن معنى قَوْله: (خرج) أَي: إِلَى الصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة.

٩ - (بَابٌ: {إذَا لَمْ يَنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أنْ تأخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَها بِالمَعْرُوفِ} )

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم ينْفق الرجل فللمرأة أَن تَأْخُذ بِغَيْر علمه مَا يكفيها وَوَلدهَا. قَوْله: (بِالْمَعْرُوفِ) ، أَي: بِاعْتِبَار عرف النَّاس فِي نَفَقَة مثلهَا وَنَفَقَة وَلَدهَا.

٥٣٦٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عَنْ عَائِشَةَ أنَّ هِنْدا بِنْتَ عُتَبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ أبَا سُفْيَان رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلَاّ مَا أخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير.

وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا قد مر عَن قريب قبل هَذَا بِثَلَاثَة أَبْوَاب، وَمر الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (أَن هندا) ، كَذَا وَقع مصروفا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمَظَالِم الْمُتَقَدّمَة غير مَصْرُوف،

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 70%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
أستغفر الله