«قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٧٢

الحديث رقم ٥٣٧٢ من كتاب «كتاب النفقات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المراضع من المواليات وغيرهن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قلت: يا رسول الله، انكح أختي ابنة أبي سفيان…

«قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي، فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَاللهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ» وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ.

سند حديث: ٥٣٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ…

٥٣٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ زَيْنَبَ بْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قلت: يا رسول الله، انكح أختي ابنة أبي سفيان…

أم حبيبة بنت أبي سفيان هي إحدى أمهات المؤمنات -رضي الله عنهن- وكانت حظية وسعيدة بزواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحُقَّ لها ذلك، فالتمست من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج أختها.
فعجب صلى الله عليه وسلم ، كيف سمحت أن ينكح ضرة لها، لما عند النساء من الغيرة الشديدة في ذلك، ولذا قال -مستفهمًا متعجبًا-: أو تحبين ذلك؟ فقالت: نعم أحب ذلك.
ثم شرحت له السبب الذي من أجله طابت نفسها بزواجه من أختها، وهو أنه لابد لها من مشارك فيه من النساء، ولن تنفرد به وحدها، فليكن المشارك لها في هذا الخير العظيم هو أختها.
وكأنها غير عالمة بتحريم الجمع بين الأختين، ولذا فإنه أخبرها صلى الله عليه وسلم أن أختها لا تحل له.
فأخبرته أنها حدثت أنه سيتزوج بنت أبي سلمة.
فاستفهم منها متثبتاً: تريدين بنت أم سلمة؟ قالت: نعم.
فقال مبينا كذب هذه الشائعة: إن بنت أم سلمة لا تحل لي لسببين.
أحدهما: أنها ربيبتي التي قمت على مصالحها في حجري، فهي بنت زوجتي.
والثاني: أنها بنت أخي من الرضاعة، فقد أرضعتني، وأباها أبا سلمة، ثويبة -وهي مولاة لأبي لهب- فأنا عمها أيضاً، فلا تعرضْنَ علي بناتِكن وأخواتكن، فأنا أدرى وأولى منكن بتدبير شأني في مثل هذا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تحريم نكاح أخت الزوجة، وأنه لا يصح.
  • تحريم نكاح الربيبة، وهى بنت زوجته التي دخل بها، وهذه البنت أتت به من زوج آخر قبله، و المراد بالدخول- هنا- الوطء، فلا يكفي مجرد الخلوة.
  • تحريم بنت الأخ من الرضاعة، لأنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.
  • أنه ينبغي للمفتي- إذا سئل عن مسألة يختلف حكمها باختلاف أوجهها- أن يستفصل عن ذلك.
  • أنه ينبغي توجيه السائل ببيان ما ينبغي له أن يعرض عنه وما يقبل عليه، لاسيما إذا كان ممن تجب تربيته وتعليمه، كالولد والزوجة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قلت: يا رسول الله، انكح أختي ابنة أبي سفيان…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : مَنْ تَرَكَ كَلًّا) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّشْدِيدِ وَالتَّنْوِينِ (أَوْ ضَيَاعًا) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (فَإِلَيَّ) بِالتَّشْدِيدِ.

ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ التَّرْجَمَةِ فَأَوْرَدَهُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي، فَأَنَا مَوْلَاهُ وَالضَّيَاعُ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيرُهُ فِي الْكَفَالَةِ وَفِي الِاسْتِقْرَاضِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الْكَفَالَةِ وَفِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ، وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِإِدْخَالِهِ فِي أَبْوَابِ النَّفَقَاتِ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ أَوْلَادٌ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ شَيْئًا فَإِنَّ نَفَقَتَهُمْ تَجِبُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٦ - بَاب الْمَرَاضِعِ مِنْ الْمَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ

٥٣٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابنة أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي، فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: ابنة أُمِّ سَلَمَةَ؟! فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي؛ إِنَّهَا ابنة أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ.

وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ، أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَرَاضِعِ مِنَ الْمَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ فِي رِوَايَةٍ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَبِفَتْحِهَا فِي أُخْرَى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ وَالَتْ تُوَالِي. قُلْتُ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلِ الْمَضْبُوطُ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ مِنَ الْمَوَالِي لَا مِنَ الْمُوَالَاةِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: الْمَوْلَيَاتِ جَمْعُ مَوْلَاةٍ، وَأَمَّا الْمَوَالِيَاتُ فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ جَمَعَ مَوْلَى جَمْعَ التَّكْسِيرِ ثُمَّ جَمَعَ مَوَالِيَ جَمْعَ السَّلَامَةِ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ فَصَارَ مَوَالِيَاتٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي قَوْلِهَا: انْكِحْ أُخْتِي وَفِي قَوْلِهِ لِمَا ذَكَرَتْ لَهُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ؟ وَإِنَّمَا اسْتَثْبَتَهَا فِي ذَلِكَ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ غَيْرِ أُمِّ سَلَمَةَ تَحِلُّ لَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَبُو سَلَمَةَ رَضِيعَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَبِيبَةً، بِخِلَافِ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: قَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ تَقَدَّمَ هَذَا التَّعْلِيقُ مَوْصُولًا فِي جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ، وَسِيَاقُ مُرْسَلِ عُرْوَةَ أَتَمُّ مِمَّا هُنَا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وَأَرَادَ بِذِكْرِهِ هُنَا إِيضَاحَ أَنَّ ثُوَيْبَةَ كَانَتْ مَوْلَاةً لِيُطَابِقَ التَّرْجَمَةَ، وَوَجْهُ إِيرَادِهَا فِي أَبْوَابِ النَّفَقَاتِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ إِرْضَاعَ الْأُمِّ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا بَلْ لَهَا أَنْ تُرْضِعَ وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ، فَإِذَا امْتَنَعَتْ كَانَ لِلْأَبِ أَوِ الْوَلِيِّ إِرْضَاعُ الْوَلَدِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ حُرَّةً؛ كَانَتْ أَوْ أَمَةً، مُتَبَرِّعَةً كَانَتْ أَوْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الفُتُوحَ) من الغنائم وغيرها (قَالَ) : (أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّي مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ) ممَّا أفاء الله عليَّ (وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ).

قال في «الفتح»: وأراد المصنِّف (١) بإدخال هذا الحديث في «أبواب النَّفقات» الإشارةَ إلى أنَّ من ماتَ وله أولادٌ، ولم يتركْ لهم شيئًا، فإنَّ نفقتَهم تجبُ في بيت المال.

وهذا الحديثُ سبق في «باب الدَّين» من «الكفالة» [خ¦٢٢٩٨].

(١٦) (بابُ المَرَاضِعِ مِنَ المَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ) بفتح الميم في الفرع كأصله، والَّذي (٢) في معظم الرِّوايات: «من الموالي».

٥٣٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنُ خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنت أبي سفيان بن حرب (زَوْجَ النَّبِيِّ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ) بهمزة وصل

(أُخْتِي) بهمزة قطع، عزَّة (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ) : (وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟) بكسر الكاف، والاستفهام للتعجُّب (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قالت»: (نَعَمْ) أحبُّ ذلك لأنِّي (لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام وفتح التحتية، والباء زائدة في النَّفي، أي: لستُ خالية من ضرَّة (وَأَحَبُّ) بفتح الهمزة والحاء المهملة (مَنْ شَارَكَنِي فِي الخَيْرِ) من محبَّتك والانتفاعِ بك في الدَّارين (أُخْتِي، فَقَالَ) : (إِنَّ) ولأبي ذرٍّ: «وإن» (ذَلِكِ) بكسر الكاف (لَا يَحِلُّ لِي) لأنَّ فيه الجمع بين الأختين (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَوَاللهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ) بضم الدال المهملة وتشديد الراء (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ) : (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (١) (أُمِّ سَلَمَةَ؟) بنصب بنت مفعول فعل مقدَّر، أي: أأنكحُ بنت أمِّ سلمة أو تعنين (فَقُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ (٢): فَوَاللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي) تفتح وتكسر (مَا حَلَّتْ لِي) والتَّقييدُ بالحجر جرى على الغالب (إِنَّهَا ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّها (٣) بنت» (أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ) فهي حرامٌ بسببين لو فقدَ أحدهما لم يحتج إليه لوجودِ الآخر (فَلَا تَعْرِضْنَ) بكسر الراء وسكون الضاد المعجمة (عَلَيَّ) بتشديد الياء (بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ. وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة، ممَّا وصله المؤلِّف في أوائل «النِّكاح» [خ¦٥١٠١] (عَنِ الزُّهريِّ، قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (ثُوَيْبَةُ) بضم المثلثة وفتح الواو المذكورة (أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ) لما بشَّرته بولادةِ النَّبيِّ .

وسبق الحديث في «النِّكاح» كما مرَّ، وغرضُه بذكره هنا الإشارةُ إلى أنَّ ثُوَيْبَة كانت مَولاة ليطابق التَّرجمة. وأوردهُ في «أبواب النَّفقات» [خ¦٥٣٧٢] ليشير إلى أنَّ إرضاع الأمِّ ليس واجبًا بل لها أن تمتنِعَ، وللأب أو الوليِّ إرضاعه بأجنبيَّة حرَّةٍ كانت أو أمةٍ، متبرِّعةٍ أو بأجرةٍ، والأجرة تدخل في النَّفقة، والله تعالى أعلم بالصَّواب (٤).

((٧٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا بإثبات البسملةِ هنا في الفرع (كِتَابُ الأَطْعِمَةِ) جمع: طعام كرَحَاء (١) وأَرْحية. قال في «القاموس»: الطَّعام: البرُّ وما يؤكل، وجمع الجمع: أَطْعِمات. وقال ابن فارس في «المجمل»: يقعُ على كلِّ ما يطعم حتَّى الماء. قال تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقال النَّبيُّ في زمزم: «إنَّها طعامُ طُعْم وشفاءُ سُقْم» والطَّعْم -بالفتح-: ما يؤدِّيه الذَّوق. يقال: طَعْمُه مرٌّ أو حلوٌ (٢)، والطُّعم -أيضًا بالضم-: الطعام، وطَعِم -بالكسر- أي: أكلَ وذاقَ يَطْعَم -بالفتح- طُعْمًا، فهو طاعمٌ، كغَنِم يَغْنَم فهو غَانم.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]) من مستلذَّاته، أو من حلالاتهِ والحلال المأذون فيه ضدُّ الحرام الممنوعِ منه. والطَّيِّب في اللُّغة بمعنى: الطَّاهر. والحلالُ يوصف بأنَّه طيِّب. والطَّيِّب في الأصلِ ما يستلذُّ ويُستطاب، ووصف به (٣) الطَّاهر والحلال على جهةِ التَّشبيه؛ لأنَّ النَّجس تكرهه النَّفس ولا يُستلذ (٤)، والحرامُ غير مستلذٍّ لأنَّ الشَّرع زَجَرَ عنه. فالمرادُ بالطَّيِّب: أن لا يكون متعلَّقَ حقِّ الغير، فإن أكلَ الحرامَ وإن استطابهُ الآكلُ فمن حيثُ يؤدِّي إلى العقابِ يصير مضرًّا ولا يكون مستطابًا.

(وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) من جيادِ (٥) مكسوباتِكم،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

(فضلا) ، أَي: مَا لَا يَفِي بِالدّينِ فضلا من الله تَعَالَى، ويروى قضاهُ، ويروى: وَفَاء. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يتْرك وَفَاء. (قَالَ للْمُسلمين: صلوا على صَاحبكُم) وامتناعه عَن الصَّلَاة على الْمَدْيُون تحذيرا من الدّين وزجرا عَن المماطلة، وَكَرَاهَة أَن يُوقف دعاؤه عَن الْإِجَابَة بِسَبَب مَا عَلَيْهِ من مظلمه الْحق.

١٦ - (بابُ: {المَرَاضِعِ مِنَ المَوَالِياتِ وَغَيْرِهِنَّ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَانه حكم المراضع من المواليات. وَقَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي رِوَايَة بِضَم الْمِيم وَبِفَتْحِهَا فِي أُخْرَى، وَالْأول أولى لِأَنَّهُ إسم فَاعل من والى يوالي. قلت: على قَوْله: (يكون) ، مواليات جمع موالية وَلَيْسَ كَمَا قَالَه، بل الأولى أَن يضْبط الْمِيم بِالْفَتْح جمع مولاة الَّتِي هِيَ الْأمة وَلَيْسَت من الْمُوَالَاة. وَقَالَ ابْن بطال: الْأَقْرَب أَن يُقَال: الموليات جمع مولاة والموليات جمع مولى جمع التكسير، ثمَّ جمع جمع السَّلامَة بِالْألف وَالتَّاء فَصَارَ: مواليات. وَقَالَ: كَانَت الْعَرَب فِي أول أمرهَا تكره رضَاع الْإِمَاء وتحب العربيات طلبا لنجابة الْوَلَد فَأَرَاهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قد رضع من غير الْعَرَب وَأَن رضَاع الْإِمَاء لَا يهجن.

٥٣٧٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ أخبرَنِي عُرْوَةُ أنَّ زَيْنَبَ ابُنَةَ أبِي سَلمَة أخْبرته أنَّ أُمَّ حَبيبةَ زَوْجَ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: قلت يَا رَسُول الله أنكح أُخْتِي ابْنة أبي سُفْيَانَ. قَالَ: وَتُحبِّينَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وأحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الخَيْرِ أُخْتِي. فَقَالَ: إنَّ ذلِكَ لَا يَحِلُّ لِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! فَوَالله إنّا نَتَحَدَّثُ أنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ ابْنَةَ أبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَالله لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّها ابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ أرْضَعَتْنِي وَأبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أخْوَاتِكُنَّ.

وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أعْتَقَها أبُو لَهَبٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: {أرضعتني وَأَبا سَلمَة ثوبية} (النِّسَاء: ٢٣) وَكَانَت ثوبية مولاة أبي لَهب فأرضعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا يكره رضَاع الْأمة.

والْحَدِيث قد مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب {وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم} وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

وَأم حَبِيبَة اسْمهَا رَملَة بنت أبي سُفْيَان وَاسم أُخْتهَا عزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي.

قَوْله: (بمخلية) إسم فَاعل من أخليت الْمَكَان إِذا صادفته خَالِيا، وأخليت غَيْرِي يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. قَوْله: (درة) بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَأَرَادَ أَن درة لَا تحل لَهُ من جِهَتَيْنِ: كَونهَا ربيبتي، وَكَونهَا بنت أخي، وَاسْتِعْمَال: لَو هَاهُنَا كاستعماله فِي نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ. قَوْله: (ثوبية) بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: جَارِيَة أبي لَهب عبد الْعُزَّى عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد أعْتقهَا حِين بَشرته بِالنَّبِيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَوْله: (وَقَالَ شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ) إِلَى آخِره، تَعْلِيق مر فِي حَدِيث مَوْصُول فِي أَوَائِل كتاب النِّكَاح، وَأَرَادَ بِذكرِهِ هُنَا إِيضَاح أَن ثوبية كَانَت مولاة ليطابق التَّرْجَمَة.

٧ - (كتابُ: {الأَطْعِمَةِ} )

أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَطْعِمَة وأحكامها، وَهُوَ جمع طَعَام. قَالَ الْجَوْهَرِي: الطَّعَام مَا يُؤْكَل وَرُبمَا خص بِالطَّعَامِ الْبر والطعم بِالْفَتْح مَا يُؤَدِّيه ذوف الشَّيْء من حلاوة ومرارة وَغَيرهمَا، والطعم بِالضَّمِّ الْأكل يُقَال: طعم يطعم طعما فَهُوَ طاعم إِذا أكل أَو ذاق مثل: غنم يغنم غنما فَهُوَ غَانِم.

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (الْبَقَرَة: ٥٧، ١٧٢) وَقَوْلِهِ: {أنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (الْبَقَرَة: ١٦٧) وَقَوْلِهِ: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥١)

وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على الْأَطْعِمَة، هَذِه من ثَلَاث آيَات الأولى: قَول تَعَالَى: {من طَيّبَات مَا رزقناكم} (الْبَقَرَة: ١٧٢) أَولهَا قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا الله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَمر الله تَعَالَى عباده الْمُؤمنِينَ بِالْأَكْلِ من طَيّبَات مَا رزقهم الله تَعَالَى، وَأَن يشكروه على ذَلِك إِن كَانُوا عبيده، وَالْأكل من الْحَلَال سَبَب لتقبل الدُّعَاء وَالْعِبَادَة كَمَا أَن الْأكل من الْحَرَام يمْنَع قبُول الدُّعَاء وَالْعِبَادَة. وَالثَّانيَِة: من قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٦٧) وَوَقع هُنَا: {كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم} وَهِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَفِي أَكثر الرويات أَنْفقُوا على وفْق التِّلَاوَة وَقَالَ ابْن بطال وَقع فِي النّسخ {كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم} وَهُوَ وهم من الْكَاتِب وَصَوَابه: {أَنْفقُوا} كَمَا فِي الْقُرْآن. وَالثَّالِثَة: قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥) المُرَاد بالطيبات: الْحَلَال.

٥٣٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَال: أطْعِمُوا الجَائِعَ وَعُودوا المَرِيضَ وَفُكَوا الْعانِي.

قَالَ سُفْيَانُ: وَالعَانِي الأسِيرُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس.

والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب حق إِجَابَة الْوَلِيمَة، وَلَفظه: فكوا العاني وأجيبوا الدَّاعِي وعودوا الْمَرِيض، وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي: بَاب فكاك الْأَسير، وَلَفظه: فكوا العاني، يَعْنِي: الْأَسير، وأطعموا الجائع، وعودوا الْمَرِيض.

قَوْله: (فكوا) من فَككت الشَّيْء فانفك. قَوْله: (العاني) من عَنَّا يعنو فَهُوَ عان، وَالْمَرْأَة عانية، وَالْجمع: عوان، وكل من ذل واستكان فقد عَنَّا.

٥٣٧٤ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عَيسى حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ آل مُحَمَّدٍ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِنْ طَعَامٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ويوسف بن عِيسَى أيو يَعْقُوب الْمروزِي، وَمُحَمّد بن فُضَيْل، مصغر فضل، بِالْمُعْجَمَةِ يروي عَن أَبِيه فُضَيْل بن غَزوَان بن جرير، وَأَبُو الفضيل الْكُوفِي يروي عَن أبي حَازِم سلمَان الْأَشْجَعِيّ.

والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (مَا شبع آل مُحَمَّد) ، آل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَهله الأدنون وعشيرته الأقربون. قَوْله: (ثَلَاثَة أَيَّام) ، أَي: مُتَوَالِيَات، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ثَلَاث لَيَال، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن المُرَاد بِالْأَيَّامِ هُنَا بلياليها كَمَا أَن المُرَاد بالليالي هُنَاكَ بأيامها وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ، من طَرِيق الْأسود عَن عَائِشَة: مَا شبع من خبز شعير يَوْمَيْنِ مُتَتَابعين. قَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر أَن سَبَب عدم شبعهم غَالِبا كَانَ بِسَبَب قلَّة الشَّيْء عِنْدهم. قلت: لم يكن ذَلِك إلَاّ لإيثارهم الْغَيْر، أَو لِأَن الشِّبَع مَذْمُوم، وأجمعت الْعَرَب كَمَا قَالَ فُضَيْل بن عِيَاض على أَن الشِّبَع من الطَّعَام مَذْمُوم ولوم، وَنَصّ الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، على أَن الْجُوع يذكي، وروى عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا: من قلَّ طعمه صَحَّ بَطْنه وَصفا قلبه، وَمن كثر طعمه سقم بَطْنه وقسا قلبه، وَرُوِيَ: لَا تميتوا الْقُلُوب بِكَثْرَة الطَّعَام وَالشرَاب فَإِن الْقلب ثَمَرَة كالزرع إِذا كثر عَلَيْهِ المَاء انْتهى، وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) من حَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب مَرْفُوعا: مَا مَلأ ابْن آدم وعَاء شرا من بَطْنه، فَحسب الرجل من طَعَامه مَا أَقَامَ صلبه.

وَعَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أصَابَنِي جِهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ فَاسْتَقْرَأتُهُ آيَةً مِنْ كِتابِ الله، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَليَّ فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنَ الجَهْدِ وَالجُوعِ، فَإذَا رَسُولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَائِمٌ عَلَى رأسِي، فَقَال: يَا أَبا هُرَيْرَة فَقلت: لَبَيْكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، فَأخَذَ بِيَدِي فَأقَامَنِي وَعَرَفَ الَّذِي بِي، فَانْطَلَقَ بِي إلَى رَحْلِهِ، فَأمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَاشْرَبْ يَا أبَا هرٍّ، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالقِدْحِ، قَالَ فَلَقِيتُ عُمَرَ، وَذَكَرْتُ لهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أمْرِي، وَقُلْتُ لهُ: تَوَلَّى الله تَعَالَى ذالِكَ مَنْ كَانَ أحَقَّ بِهِ مِنْكَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : مَنْ تَرَكَ كَلًّا) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّشْدِيدِ وَالتَّنْوِينِ (أَوْ ضَيَاعًا) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (فَإِلَيَّ) بِالتَّشْدِيدِ.

ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ التَّرْجَمَةِ فَأَوْرَدَهُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي، فَأَنَا مَوْلَاهُ وَالضَّيَاعُ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيرُهُ فِي الْكَفَالَةِ وَفِي الِاسْتِقْرَاضِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الْكَفَالَةِ وَفِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ، وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِإِدْخَالِهِ فِي أَبْوَابِ النَّفَقَاتِ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ أَوْلَادٌ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ شَيْئًا فَإِنَّ نَفَقَتَهُمْ تَجِبُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٦ - بَاب الْمَرَاضِعِ مِنْ الْمَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ

٥٣٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابنة أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي، فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: ابنة أُمِّ سَلَمَةَ؟! فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي؛ إِنَّهَا ابنة أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ.

وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ، أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَرَاضِعِ مِنَ الْمَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ فِي رِوَايَةٍ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَبِفَتْحِهَا فِي أُخْرَى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ وَالَتْ تُوَالِي. قُلْتُ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلِ الْمَضْبُوطُ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ مِنَ الْمَوَالِي لَا مِنَ الْمُوَالَاةِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: الْمَوْلَيَاتِ جَمْعُ مَوْلَاةٍ، وَأَمَّا الْمَوَالِيَاتُ فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ جَمَعَ مَوْلَى جَمْعَ التَّكْسِيرِ ثُمَّ جَمَعَ مَوَالِيَ جَمْعَ السَّلَامَةِ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ فَصَارَ مَوَالِيَاتٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي قَوْلِهَا: انْكِحْ أُخْتِي وَفِي قَوْلِهِ لِمَا ذَكَرَتْ لَهُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ؟ وَإِنَّمَا اسْتَثْبَتَهَا فِي ذَلِكَ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ غَيْرِ أُمِّ سَلَمَةَ تَحِلُّ لَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَبُو سَلَمَةَ رَضِيعَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَبِيبَةً، بِخِلَافِ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: قَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ تَقَدَّمَ هَذَا التَّعْلِيقُ مَوْصُولًا فِي جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ، وَسِيَاقُ مُرْسَلِ عُرْوَةَ أَتَمُّ مِمَّا هُنَا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وَأَرَادَ بِذِكْرِهِ هُنَا إِيضَاحَ أَنَّ ثُوَيْبَةَ كَانَتْ مَوْلَاةً لِيُطَابِقَ التَّرْجَمَةَ، وَوَجْهُ إِيرَادِهَا فِي أَبْوَابِ النَّفَقَاتِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ إِرْضَاعَ الْأُمِّ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا بَلْ لَهَا أَنْ تُرْضِعَ وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ، فَإِذَا امْتَنَعَتْ كَانَ لِلْأَبِ أَوِ الْوَلِيِّ إِرْضَاعُ الْوَلَدِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ حُرَّةً؛ كَانَتْ أَوْ أَمَةً، مُتَبَرِّعَةً كَانَتْ أَوْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الفُتُوحَ) من الغنائم وغيرها (قَالَ) : (أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّي مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ) ممَّا أفاء الله عليَّ (وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ).

قال في «الفتح»: وأراد المصنِّف (١) بإدخال هذا الحديث في «أبواب النَّفقات» الإشارةَ إلى أنَّ من ماتَ وله أولادٌ، ولم يتركْ لهم شيئًا، فإنَّ نفقتَهم تجبُ في بيت المال.

وهذا الحديثُ سبق في «باب الدَّين» من «الكفالة» [خ¦٢٢٩٨].

(١٦) (بابُ المَرَاضِعِ مِنَ المَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ) بفتح الميم في الفرع كأصله، والَّذي (٢) في معظم الرِّوايات: «من الموالي».

٥٣٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنُ خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنت أبي سفيان بن حرب (زَوْجَ النَّبِيِّ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ) بهمزة وصل

(أُخْتِي) بهمزة قطع، عزَّة (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ) : (وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟) بكسر الكاف، والاستفهام للتعجُّب (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قالت»: (نَعَمْ) أحبُّ ذلك لأنِّي (لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام وفتح التحتية، والباء زائدة في النَّفي، أي: لستُ خالية من ضرَّة (وَأَحَبُّ) بفتح الهمزة والحاء المهملة (مَنْ شَارَكَنِي فِي الخَيْرِ) من محبَّتك والانتفاعِ بك في الدَّارين (أُخْتِي، فَقَالَ) : (إِنَّ) ولأبي ذرٍّ: «وإن» (ذَلِكِ) بكسر الكاف (لَا يَحِلُّ لِي) لأنَّ فيه الجمع بين الأختين (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَوَاللهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ) بضم الدال المهملة وتشديد الراء (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ) : (ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (١) (أُمِّ سَلَمَةَ؟) بنصب بنت مفعول فعل مقدَّر، أي: أأنكحُ بنت أمِّ سلمة أو تعنين (فَقُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ (٢): فَوَاللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي) تفتح وتكسر (مَا حَلَّتْ لِي) والتَّقييدُ بالحجر جرى على الغالب (إِنَّهَا ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّها (٣) بنت» (أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ) فهي حرامٌ بسببين لو فقدَ أحدهما لم يحتج إليه لوجودِ الآخر (فَلَا تَعْرِضْنَ) بكسر الراء وسكون الضاد المعجمة (عَلَيَّ) بتشديد الياء (بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ. وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة، ممَّا وصله المؤلِّف في أوائل «النِّكاح» [خ¦٥١٠١] (عَنِ الزُّهريِّ، قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (ثُوَيْبَةُ) بضم المثلثة وفتح الواو المذكورة (أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ) لما بشَّرته بولادةِ النَّبيِّ .

وسبق الحديث في «النِّكاح» كما مرَّ، وغرضُه بذكره هنا الإشارةُ إلى أنَّ ثُوَيْبَة كانت مَولاة ليطابق التَّرجمة. وأوردهُ في «أبواب النَّفقات» [خ¦٥٣٧٢] ليشير إلى أنَّ إرضاع الأمِّ ليس واجبًا بل لها أن تمتنِعَ، وللأب أو الوليِّ إرضاعه بأجنبيَّة حرَّةٍ كانت أو أمةٍ، متبرِّعةٍ أو بأجرةٍ، والأجرة تدخل في النَّفقة، والله تعالى أعلم بالصَّواب (٤).

((٧٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا بإثبات البسملةِ هنا في الفرع (كِتَابُ الأَطْعِمَةِ) جمع: طعام كرَحَاء (١) وأَرْحية. قال في «القاموس»: الطَّعام: البرُّ وما يؤكل، وجمع الجمع: أَطْعِمات. وقال ابن فارس في «المجمل»: يقعُ على كلِّ ما يطعم حتَّى الماء. قال تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقال النَّبيُّ في زمزم: «إنَّها طعامُ طُعْم وشفاءُ سُقْم» والطَّعْم -بالفتح-: ما يؤدِّيه الذَّوق. يقال: طَعْمُه مرٌّ أو حلوٌ (٢)، والطُّعم -أيضًا بالضم-: الطعام، وطَعِم -بالكسر- أي: أكلَ وذاقَ يَطْعَم -بالفتح- طُعْمًا، فهو طاعمٌ، كغَنِم يَغْنَم فهو غَانم.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]) من مستلذَّاته، أو من حلالاتهِ والحلال المأذون فيه ضدُّ الحرام الممنوعِ منه. والطَّيِّب في اللُّغة بمعنى: الطَّاهر. والحلالُ يوصف بأنَّه طيِّب. والطَّيِّب في الأصلِ ما يستلذُّ ويُستطاب، ووصف به (٣) الطَّاهر والحلال على جهةِ التَّشبيه؛ لأنَّ النَّجس تكرهه النَّفس ولا يُستلذ (٤)، والحرامُ غير مستلذٍّ لأنَّ الشَّرع زَجَرَ عنه. فالمرادُ بالطَّيِّب: أن لا يكون متعلَّقَ حقِّ الغير، فإن أكلَ الحرامَ وإن استطابهُ الآكلُ فمن حيثُ يؤدِّي إلى العقابِ يصير مضرًّا ولا يكون مستطابًا.

(وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) من جيادِ (٥) مكسوباتِكم،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

(فضلا) ، أَي: مَا لَا يَفِي بِالدّينِ فضلا من الله تَعَالَى، ويروى قضاهُ، ويروى: وَفَاء. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يتْرك وَفَاء. (قَالَ للْمُسلمين: صلوا على صَاحبكُم) وامتناعه عَن الصَّلَاة على الْمَدْيُون تحذيرا من الدّين وزجرا عَن المماطلة، وَكَرَاهَة أَن يُوقف دعاؤه عَن الْإِجَابَة بِسَبَب مَا عَلَيْهِ من مظلمه الْحق.

١٦ - (بابُ: {المَرَاضِعِ مِنَ المَوَالِياتِ وَغَيْرِهِنَّ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَانه حكم المراضع من المواليات. وَقَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي رِوَايَة بِضَم الْمِيم وَبِفَتْحِهَا فِي أُخْرَى، وَالْأول أولى لِأَنَّهُ إسم فَاعل من والى يوالي. قلت: على قَوْله: (يكون) ، مواليات جمع موالية وَلَيْسَ كَمَا قَالَه، بل الأولى أَن يضْبط الْمِيم بِالْفَتْح جمع مولاة الَّتِي هِيَ الْأمة وَلَيْسَت من الْمُوَالَاة. وَقَالَ ابْن بطال: الْأَقْرَب أَن يُقَال: الموليات جمع مولاة والموليات جمع مولى جمع التكسير، ثمَّ جمع جمع السَّلامَة بِالْألف وَالتَّاء فَصَارَ: مواليات. وَقَالَ: كَانَت الْعَرَب فِي أول أمرهَا تكره رضَاع الْإِمَاء وتحب العربيات طلبا لنجابة الْوَلَد فَأَرَاهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قد رضع من غير الْعَرَب وَأَن رضَاع الْإِمَاء لَا يهجن.

٥٣٧٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ أخبرَنِي عُرْوَةُ أنَّ زَيْنَبَ ابُنَةَ أبِي سَلمَة أخْبرته أنَّ أُمَّ حَبيبةَ زَوْجَ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: قلت يَا رَسُول الله أنكح أُخْتِي ابْنة أبي سُفْيَانَ. قَالَ: وَتُحبِّينَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وأحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الخَيْرِ أُخْتِي. فَقَالَ: إنَّ ذلِكَ لَا يَحِلُّ لِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! فَوَالله إنّا نَتَحَدَّثُ أنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ ابْنَةَ أبِي سَلَمَةَ. فَقَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَالله لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّها ابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ أرْضَعَتْنِي وَأبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أخْوَاتِكُنَّ.

وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أعْتَقَها أبُو لَهَبٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: {أرضعتني وَأَبا سَلمَة ثوبية} (النِّسَاء: ٢٣) وَكَانَت ثوبية مولاة أبي لَهب فأرضعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا يكره رضَاع الْأمة.

والْحَدِيث قد مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب {وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم} وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

وَأم حَبِيبَة اسْمهَا رَملَة بنت أبي سُفْيَان وَاسم أُخْتهَا عزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي.

قَوْله: (بمخلية) إسم فَاعل من أخليت الْمَكَان إِذا صادفته خَالِيا، وأخليت غَيْرِي يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. قَوْله: (درة) بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَأَرَادَ أَن درة لَا تحل لَهُ من جِهَتَيْنِ: كَونهَا ربيبتي، وَكَونهَا بنت أخي، وَاسْتِعْمَال: لَو هَاهُنَا كاستعماله فِي نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ. قَوْله: (ثوبية) بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: جَارِيَة أبي لَهب عبد الْعُزَّى عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد أعْتقهَا حِين بَشرته بِالنَّبِيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَوْله: (وَقَالَ شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ) إِلَى آخِره، تَعْلِيق مر فِي حَدِيث مَوْصُول فِي أَوَائِل كتاب النِّكَاح، وَأَرَادَ بِذكرِهِ هُنَا إِيضَاح أَن ثوبية كَانَت مولاة ليطابق التَّرْجَمَة.

٧ - (كتابُ: {الأَطْعِمَةِ} )

أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَطْعِمَة وأحكامها، وَهُوَ جمع طَعَام. قَالَ الْجَوْهَرِي: الطَّعَام مَا يُؤْكَل وَرُبمَا خص بِالطَّعَامِ الْبر والطعم بِالْفَتْح مَا يُؤَدِّيه ذوف الشَّيْء من حلاوة ومرارة وَغَيرهمَا، والطعم بِالضَّمِّ الْأكل يُقَال: طعم يطعم طعما فَهُوَ طاعم إِذا أكل أَو ذاق مثل: غنم يغنم غنما فَهُوَ غَانِم.

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (الْبَقَرَة: ٥٧، ١٧٢) وَقَوْلِهِ: {أنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (الْبَقَرَة: ١٦٧) وَقَوْلِهِ: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥١)

وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على الْأَطْعِمَة، هَذِه من ثَلَاث آيَات الأولى: قَول تَعَالَى: {من طَيّبَات مَا رزقناكم} (الْبَقَرَة: ١٧٢) أَولهَا قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا الله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَمر الله تَعَالَى عباده الْمُؤمنِينَ بِالْأَكْلِ من طَيّبَات مَا رزقهم الله تَعَالَى، وَأَن يشكروه على ذَلِك إِن كَانُوا عبيده، وَالْأكل من الْحَلَال سَبَب لتقبل الدُّعَاء وَالْعِبَادَة كَمَا أَن الْأكل من الْحَرَام يمْنَع قبُول الدُّعَاء وَالْعِبَادَة. وَالثَّانيَِة: من قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٦٧) وَوَقع هُنَا: {كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم} وَهِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَفِي أَكثر الرويات أَنْفقُوا على وفْق التِّلَاوَة وَقَالَ ابْن بطال وَقع فِي النّسخ {كلوا من طَيّبَات مَا كسبتم} وَهُوَ وهم من الْكَاتِب وَصَوَابه: {أَنْفقُوا} كَمَا فِي الْقُرْآن. وَالثَّالِثَة: قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥) المُرَاد بالطيبات: الْحَلَال.

٥٣٧٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَال: أطْعِمُوا الجَائِعَ وَعُودوا المَرِيضَ وَفُكَوا الْعانِي.

قَالَ سُفْيَانُ: وَالعَانِي الأسِيرُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس.

والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب حق إِجَابَة الْوَلِيمَة، وَلَفظه: فكوا العاني وأجيبوا الدَّاعِي وعودوا الْمَرِيض، وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي: بَاب فكاك الْأَسير، وَلَفظه: فكوا العاني، يَعْنِي: الْأَسير، وأطعموا الجائع، وعودوا الْمَرِيض.

قَوْله: (فكوا) من فَككت الشَّيْء فانفك. قَوْله: (العاني) من عَنَّا يعنو فَهُوَ عان، وَالْمَرْأَة عانية، وَالْجمع: عوان، وكل من ذل واستكان فقد عَنَّا.

٥٣٧٤ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عَيسى حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ آل مُحَمَّدٍ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِنْ طَعَامٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ويوسف بن عِيسَى أيو يَعْقُوب الْمروزِي، وَمُحَمّد بن فُضَيْل، مصغر فضل، بِالْمُعْجَمَةِ يروي عَن أَبِيه فُضَيْل بن غَزوَان بن جرير، وَأَبُو الفضيل الْكُوفِي يروي عَن أبي حَازِم سلمَان الْأَشْجَعِيّ.

والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (مَا شبع آل مُحَمَّد) ، آل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَهله الأدنون وعشيرته الأقربون. قَوْله: (ثَلَاثَة أَيَّام) ، أَي: مُتَوَالِيَات، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ثَلَاث لَيَال، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن المُرَاد بِالْأَيَّامِ هُنَا بلياليها كَمَا أَن المُرَاد بالليالي هُنَاكَ بأيامها وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ، من طَرِيق الْأسود عَن عَائِشَة: مَا شبع من خبز شعير يَوْمَيْنِ مُتَتَابعين. قَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر أَن سَبَب عدم شبعهم غَالِبا كَانَ بِسَبَب قلَّة الشَّيْء عِنْدهم. قلت: لم يكن ذَلِك إلَاّ لإيثارهم الْغَيْر، أَو لِأَن الشِّبَع مَذْمُوم، وأجمعت الْعَرَب كَمَا قَالَ فُضَيْل بن عِيَاض على أَن الشِّبَع من الطَّعَام مَذْمُوم ولوم، وَنَصّ الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، على أَن الْجُوع يذكي، وروى عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا: من قلَّ طعمه صَحَّ بَطْنه وَصفا قلبه، وَمن كثر طعمه سقم بَطْنه وقسا قلبه، وَرُوِيَ: لَا تميتوا الْقُلُوب بِكَثْرَة الطَّعَام وَالشرَاب فَإِن الْقلب ثَمَرَة كالزرع إِذا كثر عَلَيْهِ المَاء انْتهى، وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) من حَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب مَرْفُوعا: مَا مَلأ ابْن آدم وعَاء شرا من بَطْنه، فَحسب الرجل من طَعَامه مَا أَقَامَ صلبه.

وَعَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أصَابَنِي جِهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ فَاسْتَقْرَأتُهُ آيَةً مِنْ كِتابِ الله، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَليَّ فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنَ الجَهْدِ وَالجُوعِ، فَإذَا رَسُولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَائِمٌ عَلَى رأسِي، فَقَال: يَا أَبا هُرَيْرَة فَقلت: لَبَيْكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ، فَأخَذَ بِيَدِي فَأقَامَنِي وَعَرَفَ الَّذِي بِي، فَانْطَلَقَ بِي إلَى رَحْلِهِ، فَأمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَاشْرَبْ يَا أبَا هرٍّ، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ: عُدْ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالقِدْحِ، قَالَ فَلَقِيتُ عُمَرَ، وَذَكَرْتُ لهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أمْرِي، وَقُلْتُ لهُ: تَوَلَّى الله تَعَالَى ذالِكَ مَنْ كَانَ أحَقَّ بِهِ مِنْكَ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الحمد لله