«سُحِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٦٦

الحديث رقم ٥٧٦٦ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب السحر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سحر رسول الله ﷺ، حتى إنه ليخيل إليه أنه…

«سُحِرَ رَسُولُ اللهِ ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا اللهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا

⦗١٣٨⦘

اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ. قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، قَالَ: فِيمَاذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اللهُ وَشَفَانِي، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا. وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ.»

سند حديث: ٥٧٦٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ…

٥٧٦٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «سحر رسول الله ﷺ، حتى إنه ليخيل إليه أنه…

تحكي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رجلًا من اليهود من بني زريق يُسمَّى لبيد بن الأعصم سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخَّيل إليه أنه كان يفعل الشيء وهو لم يفعله، فلما كان ذات يوم وهو عندها، لم يكن صلى الله عليه وسلم مشتغلًا بها، بل بالدعاء وتكراره حتى يطلعه الله على حقيقة الأمر، ثم أخبرها صلى الله عليه وسلم أن الله أجابه فيما دعاه، وأنه أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجله، فقال أحدهما للآخر: «ما وجع الرجل؟» أي: النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مطبوب» أي: مسحور، قال: «مَن طبه؟» أي: مَن سحره. قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ أي ما الأشياء التي استعملها في السحر؟ قال: «في مِشْطٍ ومُشَاطة، وجُف طَلْع نخلة ذَكَر» أي: سحره في مشط، وبعض ما كان يخرج من رأسه عند تسريحه، والغشاء الذي يكون عليه طلع النخلة قال: وأين هو؟ قال: «في بئر ذروان» وهي بئر بالمدينة، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه فاستخرجه، فرجع صلى الله عليه وسلم إلى عائشة، فأخبرها أن ماء البئر كان أحمر كالذي ينقع فيه الحناء، يعني: أنه تغير لرداءته أو لما خالطه مما أُلقي فيه، ورؤوس نخلها تشبه في كراهتها وقبح منظرها رؤوس الشياطين، قالت عائشة: «قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟» أي: أفلا أخرجت السحر وأشعته بين الناس وعلموا بما حَدَث؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «قد عافاني الله، فكرِهتُ أن أُثَوِّرَ على الناس فيه شرًّا» أي: قد شفاني الله من السحر، وأكره إن أذعته بين الناس أن أفتح عليهم باب شر من تذكير المنافقين السحر وتعلمه ونحو ذلك فيؤذون المؤمنين وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة، فأمر صلى الله عليه وسلم بالبئر فدُفنت.
وقد أنكر بعض الناس قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم زاعمين أنها تطعن في عصمته -صلى الله عليه وسلم؛ لاحتمال أن يخيَّل إليه أنه يرى جبريل وهو لم يره، وأنه يوحى إليه ولم يوح إليه بشيء، وهذا كله مردود فقد قام الدليل على عصمته -عليه الصلاة والسلام- فيما يبلغه عن الله وعلى عصمته في التبليغ، وما حصل له من ضرر السحر ليس نقصًا فيما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما يجوز عليه من سائر الأمراض والآفات، والسحر الذي حصل له شرحته الروايات الأخرى، وهو أنه كان يخيل إليه أنه أتى أهله وهو لم يفعل ذلك.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الإيمان بالسحر وأنه حقيقة.
  • قصة سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- صحيحة ولا تقدح في مقام النبوة.
  • الدعاء والالتجاء إلى الله -عز وجل- عند حدوث البلاء.
  • آثار الفعل المحرم يجب إزالتها.
  • ترك إزالة مفسدة لخوف مفسدة أعظم منها.
  • الإيمان بالشياطين وأن لهم رؤوسًا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «سحر رسول الله ﷺ، حتى إنه ليخيل إليه أنه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي رِوَايَتِهِ مَرَّتَيْنِ، فَيَبْعُدُ مِنَ الْوَهْمِ، وَزَادَ ذِكْرَ النُّشْرَةِ وَجَعَلَ جَوَابَهُ عَنْهَا بِلَا بَدَلًا منِ الِاسْتِخْرَاجِ، قَالَ: وَيَحْتَمَلُ وَجْهًا آخَرَ فَذَكَرَ مَا مُحَصِّلُهُ: أَنَّ الِاسْتِخْرَاجَ الْمَنْفِيَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرُ الِاسْتِخْرَاجِ الْمُثْبَتِ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، فَالْمُثْبَتُ هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْجُفِّ وَالْمَنْفِيُّ اسْتِخْرَاجُ مَا حَوَاهُ، قَالَ: وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَرَاهُ النَّاسُ فَيَتَعَلَّمُهُ مَنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَ السِّحْرِ.

قُلْتُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ: فَاسْتَخْرَجَ جُفَّ طَلْعَةٍ مِنْ تَحْتِ رَاعُوفَةٍ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: فَأَخْرَجُوهُ، فَرَمَوْا بِهِ، وَفِي مُرْسَلِ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ الَّذِي اسْتَخْرَجَ السِّحْرَ قَيْسُ بْنُ مُحَصِّنٍ، وكُلُّ هَذَا لَا يُخَالِفُ الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ، لَكِنْ فِي آخِرِ رِوَايَةِ عَمْرَةَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ وَجَدُوا وَتَرًا فِيهِ عُقَدٌ، وَأَنَّهَا انْحَلَّتْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِاسْتِكْشَافِ مَا كَانَ دَاخِلَ الْجُفِّ، فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَقُدِحَ فِي الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ لَا يَخْلُو إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ ضَّعْفِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ مُخَالَفَةٌ فِي لَفْظَةٍ أُخْرَى: فَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ: أَفَلَا أَخْرَجْتَهُ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَقَافٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحٌ، كَأَنَّهَا طَلَبَتْ أَنَّهُ يُخْرِجُهُ ثُمَّ يُحَرِّقُهُ. قُلْتُ: لَكِنْ لَمْ يَقَعَا مَعًا فِي رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ اللَّفْظَةُ مَكَانَ اللَّفْظَةِ، وَانْفَرَدَ أَبُو كُرَيْبٍ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ، فَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّ رِوَايَتَهُ شَاذَّةٌ. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَجَعَلَ الضَّمِيرَ فِي أَحْرَقْتُهُ لِلَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ، قَالَ: وَاسْتَفْهَمَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى مَا صَنَعَ مِنَ السِّحْرِ، فَأَجَابَهَا بِالِامْتِنَاعِ، وَنَبَّهَ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ خَوْفُ وُقُوعِ شَرٍّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ لِأَجْلِ الْعَهْدِ، فَلَوْ قَتَلَهُ لَثَارَتْ فِتْنَةٌ. كَذَا قَالَ. وَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُ تَعَيُّنِ قَتْلِهِ بِالْإِحْرَاقِ، وَأنْ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ الرِّوَايَةَ ثَابِتَةٌ وَأَنَّ الضَّمِيرَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَفَلَا؟ أَيْ تَنَشَّرْتُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلَّا؟ قَالَ سُفْيَانُ: بِمَعْنَى تَنَشَّرْتُ. فَبَيَّنَ الَّذِي فَسَّرَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: أَفَلَا، كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرِ اللَّفْظَةَ فَذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى، وَظَاهِرُ هَذا اللَّفْظِ أَنَّهُ مِنَ النُّشْرَةِ. وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ أَنَّكَ تَعْنِي تُنَشَّرُ، وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ ذَكَرَ النُّشْرَةَ فِي التَّرْجَمَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّشْرِ بِمَعْنَى الْإِخْرَاجِ فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: فَهَلَّا أَخْرَجْتَهُ، وَيكون لَفْظِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: هَلَّا اسْتَخْرَجْتَ وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمَخْرَجِ مَا حَوَاهُ الْجُفُّ لَا الْجُفُّ نَفْسُهُ، فَيَتَأَيَّدُ الْجَمْعُ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُ.

(تَكْمِيلٌ): قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ وَأَقْوَى مَا يُوجَدُ مِنَ النُّشْرَةِ مُقَاوَمَةُ السِّحْرِ الَّذِي هُوَ مِنْ تَأْثِيرَاتِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ بِالْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ، فَالْقَلْبُ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنَ اللَّهِ مَعْمُورًا بِذِكْرِهِ وَلَهُ وِرْدٌ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوَجُّهِ لَا يُخِلُّ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ إِصَابَةِ السِّحْرِ لَهُ. قَالَ: وَسُلْطَانُ تَأْثِيرِ السِّحْرِ هُوَ فِي الْقُلُوبِ الضَّعِيفَةِ، وَلِهَذَا غَالِبُ مَا يُؤَثِّرُ فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْجُهَّالِ، لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ الْخَبِيثَةَ إِنَّمَا تَنْشَطُ عَلَى أَرْوَاحٍ تَلْقَاهَا مُسْتَعِدَّةً لِمَا يُنَاسِبُهَا. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَجَوَازُ السِّحْرِ عَلَى النَّبِيِّ مَعَ عَظِيمِ مَقَامِهِ وَصِدْقِ تَوَجُّهِهِ وَمُلَازَمَةِ وِرْدِهِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ لِبَيَانِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٠ - بَاب السِّحْرِ

٥٧٦٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ

حَتَّى أنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ، قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: لَا. أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ وَشَفَانِي، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا، وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ

قَوْلُهُ: (بَابُ السِّحْرِ) كَذَا وَقَعَ هُنَا لِلْكَثِيرِ، وَسَقَطَ لِبَعْضِهِمْ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِعَيْنِهَا قَبْلَ بَابَيْنِ، وَلَا يُعْهَدُ ذَلِكَ لِلْبُخَارِيِّ إِلَّا نَادِرًا عِنْدَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ.

وذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَاقْتَصَرَ الْكَثِيرُ مِنْهُ عَلَى بَعْضِهِ، مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، وَوَقَعَ سِيَاقُ الْحَدِيثِ بِكَمَالِهِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي، وَكَذَا صَنَعَ النَّسَفِيُّ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ طَرِيقَ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ إِلَى قَوْلِهِ: صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَدًا وَمَتْنًا لِغَيْرِهِ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ.

وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ذِكْرَهَا هُنَا، وَذَكَرَ هُنَا رِوَايَةَ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، وَلَمْ أَرَهَا، وَلَا ذَكَرَهَا أَبُو مَسْعُودٍ فِي أَطْرَافِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السَّاحِرَ لَا يُقْتَلُ حَدًّا إِذَا كَانَ لَهُ عَهْدٌ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبٍ رَفَعَهُ قَالَ: حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ، فَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، فَلَوْ ثَبَتَ لَخُصَّ مِنْهُ مَنْ لَهُ عَهْدٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ مِنْ رِوَايَةِ بَجَالَةَ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ بَجَالَةَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَصْلَ الْحَدِيثِ دُونَ قِصَّةِ قَتْلِ السَّوَاحِرِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا يُقْتَلُ سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالزُّهْرِيِّ، إِلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِسِحْرِهِ فَيُقْتَلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَعَنْ مَالِكٍ إِنْ أَدْخَلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُعَاهَدْ عَلَيْهِ نُقِضَ الْعَهْدُ بِذَلِكَ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ خَشِيَ إِذَا قَتَلَهُ أَنْ تَثُورَ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ حُلَفَائِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ مَا رَاعَاهُ مِنْ تَرْكِ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ، سَوَاءٌ كَانَ لَبِيدٌ يَهُودِيًّا أَوْ مُنَافِقًا، عَلَى مَا مَضَى مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ. قَالَ: وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ حُكْمَ السَّاحِرِ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَيُقْتَلُ حَدًّا إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْتَلُ إِلَّا إِنِ اعْتَرَفَ بِسِحْرِهِ فَيُقْتَلُ بِهِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّ سِحْرَهُ قَدْ يَقْتُلُ وَقَدْ لَا يَقْتُلُ وَأَنَّهُ سَحَرَهُ وَأَنَّهُ مَاتَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ بِالْبَيِّنَةِ، وَادَّعَى أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ إِنَّ السَّاحِرَ يُقْتَلُ قِصَاصًا إِذَا اعْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسِحْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنْ كَانَ فِي السِّحْرِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يَقْتَضِي الْكُفْرَ كَفَرَ السَّاحِرُ وَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إِذَا تَابَ عِنْدَنَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي سِحْرِهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ عُزِّرَ وَاسْتُتِيبَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٧٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضم العين، من غير إضافةٍ لشيءٍ، الهباريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (قَالَتْ: سُحِرَ رسول الله حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ) أي: يظهرُ (١) له من نشاطهِ وسابقِ عادته (أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ) وللكُشمِيهنيِّ: «فعل الشَّيء» بلفظ الماضِي (وَمَا فَعَلَهُ) أي: جامع نساءه وما جامعهنَّ، فإذا دنا منهنَّ أخذه السِّحر فلم يتمكَّن من ذلك، وإلى هنا اختصر الحَمُّويي، وزاد الكُشميهنيُّ والمُستملي (حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ) وفي الرِّواية السَّابقة: «أو ذات ليلةٍ» [خ¦٥٧٦٣] بالشَّكِّ. قال في «الفتح»: والشَّكُّ من عيسى بن يونس راويه هناك، قال: هذا من نوادرِ ما وقع في «البخاريِّ» بأن (٢) يخرِّج الحديث تامًّا بإسنادٍ واحدٍ بلفظين (وَهْوَ عِنْدِي دَعَا اللهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ) : (أَشَعَرْتِ) أي: أعلمت (يَا عَائِشَةُ (٣) أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ) هما جبريل وميكائيل (فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ) بالتَّثنية (ثُمَّ قَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟) يعني النَّبيَّ (قَالَ: مَطْبُوبٌ) أي: مسحورٌ.

قال القرطبيُّ: إنَّما قيل للسِّحر: طبٌّ لأنَّ أصل الطِّبِّ الحذق بالشَّيء والتَّفطُّن له، فلمَّا كان كلٌّ من علاج المرض والسِّحر إنَّما يتأتَّى عن فطنةٍ وحذقٍ أطلق على كلِّ منهما هذا الاسم (قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، اليَهُودِيُّ، مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ (٤). قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ) بالطاء المهملة (وَجُفِّ طَلْعَةٍ) بالإضافة وتنوين طلعة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «وجبِّ طلعة» بالموحدة بدل الفاء (ذَكَرٍ) صفة لجف بالفاء أو الباء (قَالَ: فَأَيْنَ

هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ) بفتح الهمزة وسكون الراء، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «ذي» فعلى الأول فهو من إضافةِ الشَّيء لنفسه. قيل: والأصل أروان، ثمَّ لكثرةِ الاستعمال سُهِّلت الهمزة فصارتْ ذروان بالذَّال المعجمة بدل الهمزة (قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى البِئْرِ) سبقَ ذكرُ من حصل (١) ذلك منهم [خ¦٥٧٦٣] (فَنَظَرَ إِلَيْهَا) (وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا) في بشاعةِ منظرها وخُبثها (رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَأَخْرَجْتَهُ؟) أي: صورة ما في الجبِّ من المُشطِ والمُشاطة وما رُبط به (قَالَ: لَا) فهو مستخرجٌ من البئرِ غير مستخرجٍ من الجفِّ جمعًا بين النَّفي والإثبات في الحديثين (أَمَّا) بالتَّشديد (أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ) منه (وَشَفَانِي وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا) باستخراجه من الجفِّ لئلَّا يَرَوه فيتعلَّموه (٢) إن أرادوا استعمال السِّحر (وَأَمَرَ) (بِهَا) بالبئر (فَدُفِنَتْ) وعند أبي عُبيد من مرسل عبد الرَّحمن بن أبي ليلى: «احتجم النَّبيُّ على رأسهِ بقَرْنٍ (٣) حين طُبَّ». قال أبو عبيد: يعني سُحِر (٤). قال ابن القيِّم: بنى النَّبيُّ الأمر أوَّلًا على أنَّه مرض، وأنَّه عن مادة سالت (٥) إلى الدِّماغ وغلبتْ على البطن المقدَّم منه فغيَّرت مزاجه، فرأى الحجامةَ لذلك مناسبة، فلمَّا أُوحِيَ إليه أنَّه سِحْرٌ عدل إلى العلاج المناسب له وهو استخراجه. قال: ويحتملُ أنَّ مادة السِّحر انتهتْ إلى إحدى قوى الرَّأس حتَّى صار يخيَّل إليه ما ذُكر، فإنَّ السِّحر قد يكون من تأثيرِ الأرواح الخبيثةِ، وقد يكون من انفعال الطَّبيعة وهو أشدُّ السِّحر، واستعمال الحجم لهذا الثَّاني نافع؛ لأنَّه إذا هيَّج الأخلاطَ وظهرَ أثرُه في عضو كان استفراغُ المادَّة الخبيثةِ نافعًا في ذلك. وقال الحافظُ ابن حجرٍ: سلكَ النَّبيُّ في هذه القصَّة مسلكَيْ التَّفويض وتَعَاطي الأسباب، ففي أوَّل الأمر فوَّض وأسلمَ لأمر ربِّه (٦)، واحتسبَ الأجر في صبرهِ على بلائه، ثمَّ لمَّا تمادى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي رِوَايَتِهِ مَرَّتَيْنِ، فَيَبْعُدُ مِنَ الْوَهْمِ، وَزَادَ ذِكْرَ النُّشْرَةِ وَجَعَلَ جَوَابَهُ عَنْهَا بِلَا بَدَلًا منِ الِاسْتِخْرَاجِ، قَالَ: وَيَحْتَمَلُ وَجْهًا آخَرَ فَذَكَرَ مَا مُحَصِّلُهُ: أَنَّ الِاسْتِخْرَاجَ الْمَنْفِيَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرُ الِاسْتِخْرَاجِ الْمُثْبَتِ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، فَالْمُثْبَتُ هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْجُفِّ وَالْمَنْفِيُّ اسْتِخْرَاجُ مَا حَوَاهُ، قَالَ: وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَرَاهُ النَّاسُ فَيَتَعَلَّمُهُ مَنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَ السِّحْرِ.

قُلْتُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ: فَاسْتَخْرَجَ جُفَّ طَلْعَةٍ مِنْ تَحْتِ رَاعُوفَةٍ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: فَأَخْرَجُوهُ، فَرَمَوْا بِهِ، وَفِي مُرْسَلِ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ الَّذِي اسْتَخْرَجَ السِّحْرَ قَيْسُ بْنُ مُحَصِّنٍ، وكُلُّ هَذَا لَا يُخَالِفُ الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ، لَكِنْ فِي آخِرِ رِوَايَةِ عَمْرَةَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ وَجَدُوا وَتَرًا فِيهِ عُقَدٌ، وَأَنَّهَا انْحَلَّتْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِاسْتِكْشَافِ مَا كَانَ دَاخِلَ الْجُفِّ، فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَقُدِحَ فِي الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ لَا يَخْلُو إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ ضَّعْفِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ مُخَالَفَةٌ فِي لَفْظَةٍ أُخْرَى: فَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ: أَفَلَا أَخْرَجْتَهُ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَقَافٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحٌ، كَأَنَّهَا طَلَبَتْ أَنَّهُ يُخْرِجُهُ ثُمَّ يُحَرِّقُهُ. قُلْتُ: لَكِنْ لَمْ يَقَعَا مَعًا فِي رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ اللَّفْظَةُ مَكَانَ اللَّفْظَةِ، وَانْفَرَدَ أَبُو كُرَيْبٍ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ، فَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّ رِوَايَتَهُ شَاذَّةٌ. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَجَعَلَ الضَّمِيرَ فِي أَحْرَقْتُهُ لِلَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ، قَالَ: وَاسْتَفْهَمَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى مَا صَنَعَ مِنَ السِّحْرِ، فَأَجَابَهَا بِالِامْتِنَاعِ، وَنَبَّهَ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ خَوْفُ وُقُوعِ شَرٍّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ لِأَجْلِ الْعَهْدِ، فَلَوْ قَتَلَهُ لَثَارَتْ فِتْنَةٌ. كَذَا قَالَ. وَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُ تَعَيُّنِ قَتْلِهِ بِالْإِحْرَاقِ، وَأنْ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ الرِّوَايَةَ ثَابِتَةٌ وَأَنَّ الضَّمِيرَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَفَلَا؟ أَيْ تَنَشَّرْتُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلَّا؟ قَالَ سُفْيَانُ: بِمَعْنَى تَنَشَّرْتُ. فَبَيَّنَ الَّذِي فَسَّرَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: أَفَلَا، كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرِ اللَّفْظَةَ فَذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى، وَظَاهِرُ هَذا اللَّفْظِ أَنَّهُ مِنَ النُّشْرَةِ. وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ أَنَّكَ تَعْنِي تُنَشَّرُ، وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ ذَكَرَ النُّشْرَةَ فِي التَّرْجَمَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّشْرِ بِمَعْنَى الْإِخْرَاجِ فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: فَهَلَّا أَخْرَجْتَهُ، وَيكون لَفْظِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: هَلَّا اسْتَخْرَجْتَ وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمَخْرَجِ مَا حَوَاهُ الْجُفُّ لَا الْجُفُّ نَفْسُهُ، فَيَتَأَيَّدُ الْجَمْعُ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُ.

(تَكْمِيلٌ): قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ وَأَقْوَى مَا يُوجَدُ مِنَ النُّشْرَةِ مُقَاوَمَةُ السِّحْرِ الَّذِي هُوَ مِنْ تَأْثِيرَاتِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ بِالْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ، فَالْقَلْبُ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنَ اللَّهِ مَعْمُورًا بِذِكْرِهِ وَلَهُ وِرْدٌ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوَجُّهِ لَا يُخِلُّ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ إِصَابَةِ السِّحْرِ لَهُ. قَالَ: وَسُلْطَانُ تَأْثِيرِ السِّحْرِ هُوَ فِي الْقُلُوبِ الضَّعِيفَةِ، وَلِهَذَا غَالِبُ مَا يُؤَثِّرُ فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْجُهَّالِ، لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ الْخَبِيثَةَ إِنَّمَا تَنْشَطُ عَلَى أَرْوَاحٍ تَلْقَاهَا مُسْتَعِدَّةً لِمَا يُنَاسِبُهَا. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَجَوَازُ السِّحْرِ عَلَى النَّبِيِّ مَعَ عَظِيمِ مَقَامِهِ وَصِدْقِ تَوَجُّهِهِ وَمُلَازَمَةِ وِرْدِهِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ لِبَيَانِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٠ - بَاب السِّحْرِ

٥٧٦٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ

حَتَّى أنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ، قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: لَا. أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ وَشَفَانِي، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا، وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ

قَوْلُهُ: (بَابُ السِّحْرِ) كَذَا وَقَعَ هُنَا لِلْكَثِيرِ، وَسَقَطَ لِبَعْضِهِمْ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِعَيْنِهَا قَبْلَ بَابَيْنِ، وَلَا يُعْهَدُ ذَلِكَ لِلْبُخَارِيِّ إِلَّا نَادِرًا عِنْدَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ.

وذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَاقْتَصَرَ الْكَثِيرُ مِنْهُ عَلَى بَعْضِهِ، مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، وَوَقَعَ سِيَاقُ الْحَدِيثِ بِكَمَالِهِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي، وَكَذَا صَنَعَ النَّسَفِيُّ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ طَرِيقَ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ إِلَى قَوْلِهِ: صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَدًا وَمَتْنًا لِغَيْرِهِ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ.

وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ذِكْرَهَا هُنَا، وَذَكَرَ هُنَا رِوَايَةَ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، وَلَمْ أَرَهَا، وَلَا ذَكَرَهَا أَبُو مَسْعُودٍ فِي أَطْرَافِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السَّاحِرَ لَا يُقْتَلُ حَدًّا إِذَا كَانَ لَهُ عَهْدٌ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبٍ رَفَعَهُ قَالَ: حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ، فَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، فَلَوْ ثَبَتَ لَخُصَّ مِنْهُ مَنْ لَهُ عَهْدٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ مِنْ رِوَايَةِ بَجَالَةَ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ بَجَالَةَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَصْلَ الْحَدِيثِ دُونَ قِصَّةِ قَتْلِ السَّوَاحِرِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا يُقْتَلُ سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالزُّهْرِيِّ، إِلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِسِحْرِهِ فَيُقْتَلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَعَنْ مَالِكٍ إِنْ أَدْخَلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُعَاهَدْ عَلَيْهِ نُقِضَ الْعَهْدُ بِذَلِكَ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ خَشِيَ إِذَا قَتَلَهُ أَنْ تَثُورَ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ حُلَفَائِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ مَا رَاعَاهُ مِنْ تَرْكِ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ، سَوَاءٌ كَانَ لَبِيدٌ يَهُودِيًّا أَوْ مُنَافِقًا، عَلَى مَا مَضَى مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ. قَالَ: وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ حُكْمَ السَّاحِرِ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَيُقْتَلُ حَدًّا إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْتَلُ إِلَّا إِنِ اعْتَرَفَ بِسِحْرِهِ فَيُقْتَلُ بِهِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّ سِحْرَهُ قَدْ يَقْتُلُ وَقَدْ لَا يَقْتُلُ وَأَنَّهُ سَحَرَهُ وَأَنَّهُ مَاتَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ بِالْبَيِّنَةِ، وَادَّعَى أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ إِنَّ السَّاحِرَ يُقْتَلُ قِصَاصًا إِذَا اعْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسِحْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنْ كَانَ فِي السِّحْرِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يَقْتَضِي الْكُفْرَ كَفَرَ السَّاحِرُ وَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إِذَا تَابَ عِنْدَنَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي سِحْرِهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ عُزِّرَ وَاسْتُتِيبَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٧٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضم العين، من غير إضافةٍ لشيءٍ، الهباريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (قَالَتْ: سُحِرَ رسول الله حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ) أي: يظهرُ (١) له من نشاطهِ وسابقِ عادته (أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ) وللكُشمِيهنيِّ: «فعل الشَّيء» بلفظ الماضِي (وَمَا فَعَلَهُ) أي: جامع نساءه وما جامعهنَّ، فإذا دنا منهنَّ أخذه السِّحر فلم يتمكَّن من ذلك، وإلى هنا اختصر الحَمُّويي، وزاد الكُشميهنيُّ والمُستملي (حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ) وفي الرِّواية السَّابقة: «أو ذات ليلةٍ» [خ¦٥٧٦٣] بالشَّكِّ. قال في «الفتح»: والشَّكُّ من عيسى بن يونس راويه هناك، قال: هذا من نوادرِ ما وقع في «البخاريِّ» بأن (٢) يخرِّج الحديث تامًّا بإسنادٍ واحدٍ بلفظين (وَهْوَ عِنْدِي دَعَا اللهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ) : (أَشَعَرْتِ) أي: أعلمت (يَا عَائِشَةُ (٣) أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ) هما جبريل وميكائيل (فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ) بالتَّثنية (ثُمَّ قَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟) يعني النَّبيَّ (قَالَ: مَطْبُوبٌ) أي: مسحورٌ.

قال القرطبيُّ: إنَّما قيل للسِّحر: طبٌّ لأنَّ أصل الطِّبِّ الحذق بالشَّيء والتَّفطُّن له، فلمَّا كان كلٌّ من علاج المرض والسِّحر إنَّما يتأتَّى عن فطنةٍ وحذقٍ أطلق على كلِّ منهما هذا الاسم (قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، اليَهُودِيُّ، مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ (٤). قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ) بالطاء المهملة (وَجُفِّ طَلْعَةٍ) بالإضافة وتنوين طلعة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «وجبِّ طلعة» بالموحدة بدل الفاء (ذَكَرٍ) صفة لجف بالفاء أو الباء (قَالَ: فَأَيْنَ

هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ) بفتح الهمزة وسكون الراء، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «ذي» فعلى الأول فهو من إضافةِ الشَّيء لنفسه. قيل: والأصل أروان، ثمَّ لكثرةِ الاستعمال سُهِّلت الهمزة فصارتْ ذروان بالذَّال المعجمة بدل الهمزة (قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى البِئْرِ) سبقَ ذكرُ من حصل (١) ذلك منهم [خ¦٥٧٦٣] (فَنَظَرَ إِلَيْهَا) (وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا) في بشاعةِ منظرها وخُبثها (رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَأَخْرَجْتَهُ؟) أي: صورة ما في الجبِّ من المُشطِ والمُشاطة وما رُبط به (قَالَ: لَا) فهو مستخرجٌ من البئرِ غير مستخرجٍ من الجفِّ جمعًا بين النَّفي والإثبات في الحديثين (أَمَّا) بالتَّشديد (أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ) منه (وَشَفَانِي وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا) باستخراجه من الجفِّ لئلَّا يَرَوه فيتعلَّموه (٢) إن أرادوا استعمال السِّحر (وَأَمَرَ) (بِهَا) بالبئر (فَدُفِنَتْ) وعند أبي عُبيد من مرسل عبد الرَّحمن بن أبي ليلى: «احتجم النَّبيُّ على رأسهِ بقَرْنٍ (٣) حين طُبَّ». قال أبو عبيد: يعني سُحِر (٤). قال ابن القيِّم: بنى النَّبيُّ الأمر أوَّلًا على أنَّه مرض، وأنَّه عن مادة سالت (٥) إلى الدِّماغ وغلبتْ على البطن المقدَّم منه فغيَّرت مزاجه، فرأى الحجامةَ لذلك مناسبة، فلمَّا أُوحِيَ إليه أنَّه سِحْرٌ عدل إلى العلاج المناسب له وهو استخراجه. قال: ويحتملُ أنَّ مادة السِّحر انتهتْ إلى إحدى قوى الرَّأس حتَّى صار يخيَّل إليه ما ذُكر، فإنَّ السِّحر قد يكون من تأثيرِ الأرواح الخبيثةِ، وقد يكون من انفعال الطَّبيعة وهو أشدُّ السِّحر، واستعمال الحجم لهذا الثَّاني نافع؛ لأنَّه إذا هيَّج الأخلاطَ وظهرَ أثرُه في عضو كان استفراغُ المادَّة الخبيثةِ نافعًا في ذلك. وقال الحافظُ ابن حجرٍ: سلكَ النَّبيُّ في هذه القصَّة مسلكَيْ التَّفويض وتَعَاطي الأسباب، ففي أوَّل الأمر فوَّض وأسلمَ لأمر ربِّه (٦)، واحتسبَ الأجر في صبرهِ على بلائه، ثمَّ لمَّا تمادى

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل