«أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٩٦

الحديث رقم ٥٩٦ من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٩٦ في صحيح البخاري

«أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ : وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا. فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ».

بَابُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا وَلَا يُعِيدُ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ

إسناد حديث رقم ٥٩٦ من صحيح البخاري

٥٩٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٩٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْغَلَبَةِ وَسَلْبِ الِاخْتِيَارِ، وَإِنَّمَا بَادَرَ بِلَالٌ إِلَى قَوْلِهُ: أَنَا أُوقِظُكُمْ اتِّبَاعًا لِعَادَتِهِ فِي الِاسْتِيقَاظِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَجْلِ الْأَذَانِ، وَفِيهِ خُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِي الْقَدَرِ وَأَنَّهُ لَا وَاقِعَ فِي الْكَوْنِ إِلَّا بِقَدَرٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ الْأَذَانُ لِلْفَائِتَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا يُؤَذَّنُ لَهَا، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يُؤَذَّنَ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ. وَحَمْلُ الْأَذَانِ هُنَا عَلَى الْإِقَامَةِ مُتَعَقَّبٌ، لِأَنَّهُ عَقَّبَ الْأَذَانَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِقَامَةُ لَمَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْهَا. نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مَحْضُ الْإِعْلَامِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَهُ. فَأَقَامَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ التَّأْذِينَ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا.

وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَوَائِتِ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ أَيْضًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى عَدَمِ قَضَاءِ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الذِّكْرِ عَدَمُ الْوُقُوعِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ رَكَعَهُمَا فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لِذَلِكَ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّبُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الصُّبْحُ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِمُرَاقَبَةِ وَقْتِ صَلَاةٍ غَيْرَهَا، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْمَأْمُورُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَمْ تَفُتْهُ صَلَاةٌ غَيْرُهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ شَغَلَهُ عَنْهَا اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ مُتَدَافِعٌ، فَأَيُّ عُذْرٍ أَبْيَنُ مِنَ النَّوْمِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ وَلَيْسَ هُوَ بِقَاطِعٍ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِ بِلَالٍ بِمُجَرَّدِهِ، بَلْ بَعْدَ النَّظَرِ إِلَى الْفَجْرِ لَوِ اسْتَيْقَظَ مَثَلًا، وَفِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ عَنْ وَقْتِ الِانْتِبَاهِ مَثَلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي بَابِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ مِنْ كِتَابِ التَّيَمُّمِ.

٣٦ - بَاب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ

٥٩٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ قَالَ النَّبِيُّ : وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.

[الحديث ٥٩٦ - أطرافه في: ٤١١٢، ٩٤٥، ٦٤١، ٥٩٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ وَلَمْ يَقُلْ مَثَلًا لِمَنْ صَلَّى صَلَاةً فَائِتَةً لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ إِيقَاعَهَا كَانَ قُرْبَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، لَا كَالْفَوَائِتِ الَّتِي جُهِلَ يَوْمُهَا أَوْ شَهْرُهَا.

قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) قَدِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ إِلَّا حَجَّاجَ بْنَ نُصَيْرٍ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ، تَفَرَّدَ بِذَلِكَ حَجَّاجٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.

قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْخَنْدَقِ) سَيَأْتِي شَرْحُ أَمْرِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ)

فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ) لِأَنَّهُمْ كَانُوا السَّبَبَ فِي تَأْخِيرِهِمُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، إِمَّا الْمُخْتَارُ كَمَا وَقَعَ لِعُمَرَ، وَإِمَّا مُطْلَقًا كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (مَا كِدْتُ) قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: لَفْظَةُ كَادَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ، فَإِذَا قُلْتُ: كَادَ زَيْدٌ يَقُومُ فُهِمَ مِنْهَا أَنَّهُ قَارَبَ الْقِيَامَ وَلَمْ يَقُمْ، قَالَ: وَالرَّاجِحُ فِيهَا أَنْ لَا تُقْرَنَ بِأَنْ، بِخِلَافِ عَسَى فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِيهَا أَنْ تُقْرَنَ. قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ.

قُلْتُ: وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، وَهَلْ تَسُوغُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي مِثْلِ هَذَا أَوْ لَا؟ الظَّاهِرُ الْجَوَازُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ عَنْ صَلَاتِهِ الْعَصْرَ كَيْفَ وَقَعَتْ، لَا الْإِخْبَارُ عَنْ عُمَرَ هَلْ تَكَلَّمَ بِالرَّاجِحَةِ أَوِ الْمَرْجُوحَةِ. قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَعْنَى كَادَ الْمُقَارَبَةُ فَقَوْلُ عُمَرَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ قُرْبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأَنَّ نَفْيَ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي إِثْبَاتَهَا، وَإِثْبَاتُ الْغُرُوبِ يَقْتَضِي نَفْيَهُ، فَتَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ لِعُمَرَ ثُبُوتُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَثْبُتِ الْغُرُوبُ اهـ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ وُقُوعُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، بَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَقَعَ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كَيْدُودَتَهُ كَانَتْ كَيْدُودَتَهَا، قَالَ: وَحَاصِلُهُ عُرْفًا مَا صَلَّيْتُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ التَّقْرِيرَيْنِ مِنَ الْفَرْقِ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْعُرْفِ مَمْنُوعٌ وَكَذَا الْعِنْدِيَّةُ، لِلْفَرْقِ الَّذِي أَوْضَحَهُ الْيَعْمُرِيُّ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ لِأَنَّ كَادَ إِذَا أُثْبِتَتْ نَفَتْ وَإِذَا نَفَتْ أُثْبِتَتْ كَمَا قَالَ فِيهَا الْمَعَرِّيُّ مُلْغِزًا:

إِذَا نُفِيَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ … وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ

هَذَا إِلَى مَا فِي تَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ كَيْدُودَةٍ مِنَ الثِّقَلِ وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.

فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ فَكَيْفَ اخْتُصَّ بِأَنْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُمْ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشُّغْلُ وَقَعَ بِالْمُشْرِكِينَ إِلَى قُرْبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ عُمَرُ حِينَئِذٍ مُتَوَضِّئًا فَبَادَرَ فَأَوْقَعَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ فِيهَا قَدْ شَرَعَ يَتَهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَلِهَذَا قَامَ عِنْدَ الْإِخْبَارِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْوُضُوءِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَأْخِيرِ النَّبِيِّ الصَّلَاةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ نِسْيَانًا، وَاسْتُبْعِدَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنَ الْجَمِيعِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمْعَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الْمَغْرِبَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: هَلْ عَلِمَ رَجُلٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ اهـ. وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهُ لِعُمَرَ وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِتَكَلُّفٍ.

وَقِيلَ: كَانَ عَمْدًا لِكَوْنِهِمْ شَغَلُوهُ فَلَمْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَقْرَبُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ﴿فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحُكْمِ هَلْ نُسِخَ أَمْ لَا؟ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (بُطْحَانَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ: وَادٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّى الْعَصْرَ) وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ الَّذِي فَاتَهُمُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ، وَأَنَّهُمْ صَلَّوْا بَعْدَ هَوًى مِنَ اللَّيْلِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ وَفِي قَوْلِهِ: أَرْبَعٍ تَجَوُّزٌ لِأَنَّ الْعِشَاءَ لَمْ تَكُنْ فَاتَتْ. قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: مِنَ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٩٦ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) (جَاءَ يَوْمَ) حفر (الخَنْدَقِ) في السَّنة الرَّابعة من الهجرة (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ) بكسر الكاف وقد تُضَمُّ (أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ) أي: ما صلَّيت حتَّى غربت الشَّمس لأنَّ «كاد» إذا تجرَّدت من (١) النَّفي كان معناها إثباتًا، وإن دخل عليها نفيٌ كان معناها نفيًا؛ لأنَّ قولك: «كاد زيد يقوم» معناه: إثبات قرب القيام، وقولك: «ما كاد زيدٌ يقوم» معناه: نفي

قرب الفعل، وههنا نفي قرب الصَّلاة، فانتفت الصَّلاة بطريق (١) الأولى (قَالَ النَّبِيُّ : وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الطَّاء، أو بالفتح والكسر: وادٍ بالمدينة (فَتَوَضَّأَ) (لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ) بنا جماعةً (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ) هذا لا ينهض دليلًا للقول بوجوب ترتيب الفوائت، إِلَّا إذا قلنا: إنَّ أفعاله المُجرَّدة للوجوب. نعم لهم أن يستدلُّوا بعموم قوله : «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، وفي «المُوطَّأ» من طريقٍ أخرى: «أنَّ (٢) الَّذي فاتهم (٣) الظُّهر والعصر»، وأجيب بأنَّ الَّذي في «الصَّحيحين»: «العصر» وهو أرجح، ويؤيِّده حديث عليٍّ : «شغلونا عن الصَّلاة الوسطى صلاة العصر»، وقد يُجمَع بأنَّ وقعة (٤) الخندق كانت أيَّامًا، فكانت (٥) في يومٍ الظُّهرَ وفي الآخر: العصر، وحملوا تأخيره على النِّسيان، أَوْ لم ينس لكنَّه لم يتمكَّن من الصَّلاة، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، وظاهر الحديث أنَّه صلَّاها جماعةً، وذلك من قوله: «فقام وقمنا وتوضَّأنا»، بل وقع في رواية الإسماعيليِّ التَّصريح به إذ فيها: «فصلَّى بنا العصر».

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صلاة الخوف» [خ¦٩٤٥] و «المغازي» [خ¦٤١١٢]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

(٣٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (٦) (مَنْ نَسِي صَلَاةً) حتَّى خرج وقتها (فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا) ولأبوي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْغَلَبَةِ وَسَلْبِ الِاخْتِيَارِ، وَإِنَّمَا بَادَرَ بِلَالٌ إِلَى قَوْلِهُ: أَنَا أُوقِظُكُمْ اتِّبَاعًا لِعَادَتِهِ فِي الِاسْتِيقَاظِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَجْلِ الْأَذَانِ، وَفِيهِ خُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِي الْقَدَرِ وَأَنَّهُ لَا وَاقِعَ فِي الْكَوْنِ إِلَّا بِقَدَرٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ الْأَذَانُ لِلْفَائِتَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا يُؤَذَّنُ لَهَا، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يُؤَذَّنَ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ. وَحَمْلُ الْأَذَانِ هُنَا عَلَى الْإِقَامَةِ مُتَعَقَّبٌ، لِأَنَّهُ عَقَّبَ الْأَذَانَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِقَامَةُ لَمَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْهَا. نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مَحْضُ الْإِعْلَامِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَهُ. فَأَقَامَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ التَّأْذِينَ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا.

وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَوَائِتِ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ أَيْضًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى عَدَمِ قَضَاءِ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الذِّكْرِ عَدَمُ الْوُقُوعِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ رَكَعَهُمَا فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لِذَلِكَ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّبُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الصُّبْحُ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِمُرَاقَبَةِ وَقْتِ صَلَاةٍ غَيْرَهَا، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْمَأْمُورُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَمْ تَفُتْهُ صَلَاةٌ غَيْرُهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ شَغَلَهُ عَنْهَا اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ مُتَدَافِعٌ، فَأَيُّ عُذْرٍ أَبْيَنُ مِنَ النَّوْمِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ وَلَيْسَ هُوَ بِقَاطِعٍ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِ بِلَالٍ بِمُجَرَّدِهِ، بَلْ بَعْدَ النَّظَرِ إِلَى الْفَجْرِ لَوِ اسْتَيْقَظَ مَثَلًا، وَفِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ عَنْ وَقْتِ الِانْتِبَاهِ مَثَلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي بَابِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ مِنْ كِتَابِ التَّيَمُّمِ.

٣٦ - بَاب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ

٥٩٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ قَالَ النَّبِيُّ : وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.

[الحديث ٥٩٦ - أطرافه في: ٤١١٢، ٩٤٥، ٦٤١، ٥٩٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ وَلَمْ يَقُلْ مَثَلًا لِمَنْ صَلَّى صَلَاةً فَائِتَةً لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ إِيقَاعَهَا كَانَ قُرْبَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، لَا كَالْفَوَائِتِ الَّتِي جُهِلَ يَوْمُهَا أَوْ شَهْرُهَا.

قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) قَدِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ إِلَّا حَجَّاجَ بْنَ نُصَيْرٍ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ، تَفَرَّدَ بِذَلِكَ حَجَّاجٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.

قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْخَنْدَقِ) سَيَأْتِي شَرْحُ أَمْرِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ)

فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ) لِأَنَّهُمْ كَانُوا السَّبَبَ فِي تَأْخِيرِهِمُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، إِمَّا الْمُخْتَارُ كَمَا وَقَعَ لِعُمَرَ، وَإِمَّا مُطْلَقًا كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (مَا كِدْتُ) قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: لَفْظَةُ كَادَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ، فَإِذَا قُلْتُ: كَادَ زَيْدٌ يَقُومُ فُهِمَ مِنْهَا أَنَّهُ قَارَبَ الْقِيَامَ وَلَمْ يَقُمْ، قَالَ: وَالرَّاجِحُ فِيهَا أَنْ لَا تُقْرَنَ بِأَنْ، بِخِلَافِ عَسَى فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِيهَا أَنْ تُقْرَنَ. قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ.

قُلْتُ: وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، وَهَلْ تَسُوغُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي مِثْلِ هَذَا أَوْ لَا؟ الظَّاهِرُ الْجَوَازُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ عَنْ صَلَاتِهِ الْعَصْرَ كَيْفَ وَقَعَتْ، لَا الْإِخْبَارُ عَنْ عُمَرَ هَلْ تَكَلَّمَ بِالرَّاجِحَةِ أَوِ الْمَرْجُوحَةِ. قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَعْنَى كَادَ الْمُقَارَبَةُ فَقَوْلُ عُمَرَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ قُرْبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأَنَّ نَفْيَ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي إِثْبَاتَهَا، وَإِثْبَاتُ الْغُرُوبِ يَقْتَضِي نَفْيَهُ، فَتَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ لِعُمَرَ ثُبُوتُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَثْبُتِ الْغُرُوبُ اهـ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ وُقُوعُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، بَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَقَعَ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كَيْدُودَتَهُ كَانَتْ كَيْدُودَتَهَا، قَالَ: وَحَاصِلُهُ عُرْفًا مَا صَلَّيْتُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ التَّقْرِيرَيْنِ مِنَ الْفَرْقِ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْعُرْفِ مَمْنُوعٌ وَكَذَا الْعِنْدِيَّةُ، لِلْفَرْقِ الَّذِي أَوْضَحَهُ الْيَعْمُرِيُّ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ لِأَنَّ كَادَ إِذَا أُثْبِتَتْ نَفَتْ وَإِذَا نَفَتْ أُثْبِتَتْ كَمَا قَالَ فِيهَا الْمَعَرِّيُّ مُلْغِزًا:

إِذَا نُفِيَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ … وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ

هَذَا إِلَى مَا فِي تَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ كَيْدُودَةٍ مِنَ الثِّقَلِ وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.

فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ فَكَيْفَ اخْتُصَّ بِأَنْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُمْ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشُّغْلُ وَقَعَ بِالْمُشْرِكِينَ إِلَى قُرْبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ عُمَرُ حِينَئِذٍ مُتَوَضِّئًا فَبَادَرَ فَأَوْقَعَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ فِيهَا قَدْ شَرَعَ يَتَهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَلِهَذَا قَامَ عِنْدَ الْإِخْبَارِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْوُضُوءِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَأْخِيرِ النَّبِيِّ الصَّلَاةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ نِسْيَانًا، وَاسْتُبْعِدَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنَ الْجَمِيعِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمْعَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الْمَغْرِبَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: هَلْ عَلِمَ رَجُلٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ اهـ. وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهُ لِعُمَرَ وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِتَكَلُّفٍ.

وَقِيلَ: كَانَ عَمْدًا لِكَوْنِهِمْ شَغَلُوهُ فَلَمْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَقْرَبُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ﴿فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحُكْمِ هَلْ نُسِخَ أَمْ لَا؟ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (بُطْحَانَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ: وَادٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّى الْعَصْرَ) وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ الَّذِي فَاتَهُمُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ، وَأَنَّهُمْ صَلَّوْا بَعْدَ هَوًى مِنَ اللَّيْلِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ وَفِي قَوْلِهِ: أَرْبَعٍ تَجَوُّزٌ لِأَنَّ الْعِشَاءَ لَمْ تَكُنْ فَاتَتْ. قَالَ الْيَعْمُرِيُّ: مِنَ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٩٦ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) (جَاءَ يَوْمَ) حفر (الخَنْدَقِ) في السَّنة الرَّابعة من الهجرة (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ) بكسر الكاف وقد تُضَمُّ (أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ) أي: ما صلَّيت حتَّى غربت الشَّمس لأنَّ «كاد» إذا تجرَّدت من (١) النَّفي كان معناها إثباتًا، وإن دخل عليها نفيٌ كان معناها نفيًا؛ لأنَّ قولك: «كاد زيد يقوم» معناه: إثبات قرب القيام، وقولك: «ما كاد زيدٌ يقوم» معناه: نفي

قرب الفعل، وههنا نفي قرب الصَّلاة، فانتفت الصَّلاة بطريق (١) الأولى (قَالَ النَّبِيُّ : وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الطَّاء، أو بالفتح والكسر: وادٍ بالمدينة (فَتَوَضَّأَ) (لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ) بنا جماعةً (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ) هذا لا ينهض دليلًا للقول بوجوب ترتيب الفوائت، إِلَّا إذا قلنا: إنَّ أفعاله المُجرَّدة للوجوب. نعم لهم أن يستدلُّوا بعموم قوله : «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، وفي «المُوطَّأ» من طريقٍ أخرى: «أنَّ (٢) الَّذي فاتهم (٣) الظُّهر والعصر»، وأجيب بأنَّ الَّذي في «الصَّحيحين»: «العصر» وهو أرجح، ويؤيِّده حديث عليٍّ : «شغلونا عن الصَّلاة الوسطى صلاة العصر»، وقد يُجمَع بأنَّ وقعة (٤) الخندق كانت أيَّامًا، فكانت (٥) في يومٍ الظُّهرَ وفي الآخر: العصر، وحملوا تأخيره على النِّسيان، أَوْ لم ينس لكنَّه لم يتمكَّن من الصَّلاة، وكان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، وظاهر الحديث أنَّه صلَّاها جماعةً، وذلك من قوله: «فقام وقمنا وتوضَّأنا»، بل وقع في رواية الإسماعيليِّ التَّصريح به إذ فيها: «فصلَّى بنا العصر».

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صلاة الخوف» [خ¦٩٤٥] و «المغازي» [خ¦٤١١٢]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

(٣٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (٦) (مَنْ نَسِي صَلَاةً) حتَّى خرج وقتها (فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا) ولأبوي

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده