«إِنَّ لِلهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٠٨

الحديث رقم ٦٤٠٨ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل ذكر الله ﷿.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل…

«إِنَّ لِلهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا وَاللهِ مَا رَأَوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ .

سند حديث: ٦٤٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ…

٦٤٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

⦗٨٧⦘

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل…

يقصُّ هذا الحديث مظهرا من مظاهر تعظيم مجالس الذكر، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"إن لله ملائكة يطوفون في الطُرُق يلتمسون أهل الذكر" أي أن الله كلَّف طائفة مخصوصة من الملائكة غير الحفظة للسياحة في الأرض، يدورون في طرق المسلمين ومساجدهم، ودورهم، يطلبون مجالس الذكر، يزورونها ويشهدونها ويستمعون إلى أهلها. قال الحافظ: والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح ونحوها.
فإذا "وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجل " وفي رواية مسلم " فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر تنادوا " أي نادى بعضهم بعضاً " أن هلموا إلى حاجتكم " وفي رواية إلى بغيتكم، أي تعالوا إلى ما تبحثون عنه من مجالس الذكر، والوصول إلى أهلها، لتزوروهم، وتستمعوا إلى ذكرهم.
قال عليه الصلاة والسلام في وصف الملائكة، وهم في مجالس الذكر: " فيحفونهم" أي يحيطون بهم إحاطة السوار بالمعصم.
"فيحفونهم بأجنحتهم " أي يطوفون حولهم بأجنحتهم " إلى السماء " أي حتى يصلوا إلى السماء.
ثم يقص عليه الصلاة والسلام المحاورة التي جرت بين رب العزة والجلال، وبين ملائكته الكرام:
فيقول الله جل في علاه: "فيسألهم ربُّهم وهو أعلم بهم" أي وهو أكثر علماً بأحوالهم، تنويهاً بشأنهم في الملأ الأعلى؛ ليباهى بهم الملائكة: "ما يقول عبادي؟ فتجيب الملائكة: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك ويمجدونك "، أي فتقول الملائكة: إن هؤلاء الذاكرين يقولون: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، فالتمجيد هو قول لا إله إلاّ الله؛ لما فيه من تعظيم الله تعالى، بتوحيد الألوهية.
فيقول الله جل في علاه: "هَلْ رَأوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُون: لا وَاللهِ مَا رَأوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: فكَيْفَ لَوْ رَأوْنِي؟ "
فتجيب الملائكة الكرام: " لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد تمجيداً وأكثر لك تسبيحاً " لأنّ الاجتهاد في العبادة على قدر المعرفة.
ثم يقول الله تبارك وتعالى: " قال: فما يسألونني؟ " أي فماذا يطلبون مني.
فتقول الملائكة:" قالوا: يسألونك الجنة " أي يذكرونك، ويعبدونك طمعاً في جنتك.
فتجيب الملائكة: "لو رأوها كانوا أشد عليها حرصاً " أي لكانوا أكثر سعياً إليها؛ لأنه ليس الخير كالمعاينة.
فيقول الله جل جلاله" قال: فمِمَّ يتعوذون " أي فأي شيء يخافون منه، ويسألون ربهم أن يجيرهم منه.
فتجيب الملائكة: " من النار " أي يذكرون ويعبدون ربهم خوفاً ًمن النار، ويسألونه عز وجل أن يجيرهم منها.
فيقول الله جل جلاله: " فَكَيْفَ لَوْ رَأوْهَا؟"
فتجيب الملائكة:" لو رأوها كانوا أشد منها فراراً " أي لكانوا أكثر اجتهاداً في الأعمال الصالحة التي هي سبب في النجاة من النار.
فيقول الله جل جلاله: " قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم " أي قد غفرت لهم ذنوبهم.
فيقول ملك من الملائكة: "فيهم فلان ليس منهم، إنَّما جاء لحاجة " أي إنه يوجد من بين هؤلاء الذاكرين" فلان": وهو ليس منهم، ولكنه جاء لحاجة يقضيها فجلس معهم، فهل يغفر له؟ فيقول الله جل في علاه ما معناه: هم الجلساء لا يشقى جليسهم ولا يخيَّب.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل مجالس الذكر والذاكرين وفضل الاجتماع على ذلك.
  • جليس الذاكرين الصالحين يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله تعالى به عليهم إكراماً لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر.
  • محبة الملائكة بني آدم واعتناؤهم بهم.
  • السؤال قد يصدر من السائل وهو أعلم بالمسؤول عنه من المسؤول؛ لإظهار العناية بالمسؤول عنه، والتنويه بقدره.
  • الذكر يتناول الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، وتلاوة الحديث، ودراسة العلم الشرعي.
  • بيان كذب من ادعى من الزنادقة أنه يرى الله تعالى جهرة في دار الدنيا.
  • جواز القسم في الأمر المحقق تأكيداً له وتنويهاً به.
  • اشتملت الجنة من أنواع الخيرات والنار من أنواع المكروهات ما لا يخطر على قلب بشر.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح (١) الجيم، ابن عبدِ الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً) زاد الإسماعيليُّ وابن حبَّان ومسلمٌ «فُضْلًا» بسكون الضاد وضم الفاء، جمع: فاضل، كنُزْل ونازل، وقيل: بفتح الفاء وسكون الضاد، أي: زيادةً على (٢) الحَفَظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائقِ لا وظيفةَ لهم إلَّا حِلَق الذِّكر، وقيل في ضبطها غير ذلك، وهذه اللَّفظة ليست في «صحيح البخاريِّ» هنا في جميع الرِّوايات، ولمسلم: «سيَّارة فضلًا» (يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ) ولمسلمٍ من رواية سهيل: «يبتغونَ (٣) مجالسَ الذِّكر» (فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ) ﷿ (تَنَادَوْا: هَلُمُّوا) أي: تَعالوا (إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة، يطوفونَ ويدورون حولَهم (بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) قال المظهريُّ: الباء للتَّعدية، يعني: يديرون أجنحتَهُم حول الذَّاكرين. وقال الطِّيبيُّ: الظَّاهر أنَّها للاستعانة، كما في قولك: كتبتُ بالقلم؛ لأنَّ حفَّهم الَّذي ينتهي إلى السَّماء إنَّما يستقيمُ بواسطةِ الأجنحة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلى سماء الدُّنيا» (قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ (٤) وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ) أي: أعلمُ من الملائكةِ بحال الذَّاكرين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أعلمُ بهم»، أي: بالذَّاكرين، والجملة حاليَّةٌ. قال في «شرح المشكاة»: والأحسنُ أن تكون معترضةً، أو تتميمًا صيانة عن التَّوهُّم، وفائدةُ السُّؤال مع العِلم بالمسؤول: التَّعريض بالملائكة، وبقولهم في بني آدم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] … إلى آخره، (مَا يَقُولُ

عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: تقول» أي: الملائكةُ: (يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ) يقولون: سبحانَ الله والله أكبر والحمد لله (وَيُمَجِّدُونَكَ) بالجيم، وزاد في رواية سهيلٍ: «ويهلِّلونك» وفي حديث البزَّار عن أنسٍ: «يُعظِّمون آلاءك، ويتلونَ كتابك، ويصلُّون على نبيِّك ويسألونك (١)» (قَالَ: فَيَقُولُ) ﷿: (هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا، وَاللهِ مَا رَأَوْكَ. قَالَ: فَيَقُولُ) تعالى: (كَيْفَ؟) ولغير أبي (٢) ذرٍّ: «وكيف» (لَوْ رَأَوْنِي قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا) وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وتحميدًا» (وَأَكْثَرَ لَكَ (٣) تَسْبِيحًا) وزاد الإسماعيليُّ «وأشدَّ لك ذكرًا» (قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟) ولأبي ذرٍّ: «فيقول: فما يسألونني» بزيادة الفاء والنون (قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يَقُولُ) تعالى (٤): (وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقولُ) ولأبي ذرٍّ: «فيقول»: (فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ) تعالى: (فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ. قَالَ: يَقُولُ) تعالى: (وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ مَا) ولأبي ذرٍّ: «لا والله يا ربّ ما» (رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُ) تعالى: (فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا (٥) كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً) وهذا كلُّه فيه تقريعٌ للملائكة، وتنبيهٌ على أنَّ تسبيحَ بني آدم وتقديسَهم أعلى وأشرفُ من تقديسهِم؛ لحصول هذا في عالمِ الغيب مع وجودِ الموانع والصَّوارف، وحصول ذلك للملائكةِ في عالم الشَّهادة من غيرِ صارفٍ (قَالَ: فَيَقُولُ) تعالى: (فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) زاد في رواية سهيل: «وأعطيتُهم ما سألوا» (قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهِمْ (٦) فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ) وفي رواية سهيل: «قال: يقولون: ربِّ (٧) فيهم فلانٌ عبدٌ خطَّاء إنَّما مرَّ فجلسَ معهم» وزاد: «قال: وله قد غفرت».

قال في «شرح المشكاة»: قوله: «إنما مرَّ» مشكل لأنَّ «إنَّما» توجبُ حصرَ ما بعده (١) في آخرِ الكلام، كما تقول: إنَّما يجيء زيد، أو إنَّما زيدٌ يجيءُ، ولم يصرّح هنا غير كلمةٍ واحدةٍ، وكذلك قوله: «وله قد غفرتُ» يقتضي تقديمُ الظَّرف على عاملهِ اختصاصَ الغفران بالمارِّ دون غيره، وليس كذلك. وأجاب: بأنَّ في التَّركيب الأوَّل تقديمًا (٢) وتأخيرًا، أي: إنَّما فلانٌ مرَّ، أي: ما فعل فلانٌ إلَّا المرور والجلوسَ عَقِبَهُ (٣) يعني: ما ذكر الله تعالى، ثمَّ قال: فإن قلتَ: لمَ لم يجعلِ الضَّمير في «مرَّ» بارزًا؛ ليكون الحصر فيه؟ وأجاب: بأنَّه لو أريدَ هذا لوجبَ الإبراز، ولئن سلم لأدَّى إلى خلافِ المقصود، وأنَّ المرور منحصرٌ في فلانٍ لا (٤) يتعدَّى إلى غيره وهو خلف، وفي التَّركيب الثَّاني الواو للعطفِ وهو يقتضِي معطوفًا عليه، أي: قد غفرتُ لهم وله، ثمَّ أتبعَ «غفرتُ» تأكيدًا وتقريرًا.

(قَالَ) تعالى: (هُمُ الجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) وسقط لفظ «بهم» لأبي ذرٍّ، يعني: أنَّ مجالستهم (٥) مؤثِّرة في الجليس، ولمسلم: «همُ القومُ لا يشقى بهم جليسهم» وتعريفُ الخبر يدلُّ على الكمالِ، أي: هم القوم كلُّ القوم الكاملون فيما هم فيه من السَّعادة، فيكون قوله: «لا يشقى بهم جليسهم» استئنافًا (٦) لبيان الموجب، وفي هذه العبارةِ مبالغة في نفي الشَّقاء عن جليس الذَّاكرين، فلو قيل: يسعدُ (٧) بهم جليسُهم لكان ذلك في غايةِ الفضل، لكن التَّصريح بنفي الشَّقاء أبلغُ في حصولِ المقصود. (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح (١) الجيم، ابن عبدِ الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً) زاد الإسماعيليُّ وابن حبَّان ومسلمٌ «فُضْلًا» بسكون الضاد وضم الفاء، جمع: فاضل، كنُزْل ونازل، وقيل: بفتح الفاء وسكون الضاد، أي: زيادةً على (٢) الحَفَظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائقِ لا وظيفةَ لهم إلَّا حِلَق الذِّكر، وقيل في ضبطها غير ذلك، وهذه اللَّفظة ليست في «صحيح البخاريِّ» هنا في جميع الرِّوايات، ولمسلم: «سيَّارة فضلًا» (يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ) ولمسلمٍ من رواية سهيل: «يبتغونَ (٣) مجالسَ الذِّكر» (فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ) ﷿ (تَنَادَوْا: هَلُمُّوا) أي: تَعالوا (إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة، يطوفونَ ويدورون حولَهم (بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) قال المظهريُّ: الباء للتَّعدية، يعني: يديرون أجنحتَهُم حول الذَّاكرين. وقال الطِّيبيُّ: الظَّاهر أنَّها للاستعانة، كما في قولك: كتبتُ بالقلم؛ لأنَّ حفَّهم الَّذي ينتهي إلى السَّماء إنَّما يستقيمُ بواسطةِ الأجنحة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلى سماء الدُّنيا» (قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ (٤) وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ) أي: أعلمُ من الملائكةِ بحال الذَّاكرين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أعلمُ بهم»، أي: بالذَّاكرين، والجملة حاليَّةٌ. قال في «شرح المشكاة»: والأحسنُ أن تكون معترضةً، أو تتميمًا صيانة عن التَّوهُّم، وفائدةُ السُّؤال مع العِلم بالمسؤول: التَّعريض بالملائكة، وبقولهم في بني آدم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] … إلى آخره، (مَا يَقُولُ

عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: تقول» أي: الملائكةُ: (يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ) يقولون: سبحانَ الله والله أكبر والحمد لله (وَيُمَجِّدُونَكَ) بالجيم، وزاد في رواية سهيلٍ: «ويهلِّلونك» وفي حديث البزَّار عن أنسٍ: «يُعظِّمون آلاءك، ويتلونَ كتابك، ويصلُّون على نبيِّك ويسألونك (١)» (قَالَ: فَيَقُولُ) ﷿: (هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا، وَاللهِ مَا رَأَوْكَ. قَالَ: فَيَقُولُ) تعالى: (كَيْفَ؟) ولغير أبي (٢) ذرٍّ: «وكيف» (لَوْ رَأَوْنِي قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا) وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وتحميدًا» (وَأَكْثَرَ لَكَ (٣) تَسْبِيحًا) وزاد الإسماعيليُّ «وأشدَّ لك ذكرًا» (قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟) ولأبي ذرٍّ: «فيقول: فما يسألونني» بزيادة الفاء والنون (قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يَقُولُ) تعالى (٤): (وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقولُ) ولأبي ذرٍّ: «فيقول»: (فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ) تعالى: (فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ. قَالَ: يَقُولُ) تعالى: (وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ مَا) ولأبي ذرٍّ: «لا والله يا ربّ ما» (رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُ) تعالى: (فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا (٥) كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً) وهذا كلُّه فيه تقريعٌ للملائكة، وتنبيهٌ على أنَّ تسبيحَ بني آدم وتقديسَهم أعلى وأشرفُ من تقديسهِم؛ لحصول هذا في عالمِ الغيب مع وجودِ الموانع والصَّوارف، وحصول ذلك للملائكةِ في عالم الشَّهادة من غيرِ صارفٍ (قَالَ: فَيَقُولُ) تعالى: (فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) زاد في رواية سهيل: «وأعطيتُهم ما سألوا» (قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهِمْ (٦) فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ) وفي رواية سهيل: «قال: يقولون: ربِّ (٧) فيهم فلانٌ عبدٌ خطَّاء إنَّما مرَّ فجلسَ معهم» وزاد: «قال: وله قد غفرت».

قال في «شرح المشكاة»: قوله: «إنما مرَّ» مشكل لأنَّ «إنَّما» توجبُ حصرَ ما بعده (١) في آخرِ الكلام، كما تقول: إنَّما يجيء زيد، أو إنَّما زيدٌ يجيءُ، ولم يصرّح هنا غير كلمةٍ واحدةٍ، وكذلك قوله: «وله قد غفرتُ» يقتضي تقديمُ الظَّرف على عاملهِ اختصاصَ الغفران بالمارِّ دون غيره، وليس كذلك. وأجاب: بأنَّ في التَّركيب الأوَّل تقديمًا (٢) وتأخيرًا، أي: إنَّما فلانٌ مرَّ، أي: ما فعل فلانٌ إلَّا المرور والجلوسَ عَقِبَهُ (٣) يعني: ما ذكر الله تعالى، ثمَّ قال: فإن قلتَ: لمَ لم يجعلِ الضَّمير في «مرَّ» بارزًا؛ ليكون الحصر فيه؟ وأجاب: بأنَّه لو أريدَ هذا لوجبَ الإبراز، ولئن سلم لأدَّى إلى خلافِ المقصود، وأنَّ المرور منحصرٌ في فلانٍ لا (٤) يتعدَّى إلى غيره وهو خلف، وفي التَّركيب الثَّاني الواو للعطفِ وهو يقتضِي معطوفًا عليه، أي: قد غفرتُ لهم وله، ثمَّ أتبعَ «غفرتُ» تأكيدًا وتقريرًا.

(قَالَ) تعالى: (هُمُ الجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) وسقط لفظ «بهم» لأبي ذرٍّ، يعني: أنَّ مجالستهم (٥) مؤثِّرة في الجليس، ولمسلم: «همُ القومُ لا يشقى بهم جليسهم» وتعريفُ الخبر يدلُّ على الكمالِ، أي: هم القوم كلُّ القوم الكاملون فيما هم فيه من السَّعادة، فيكون قوله: «لا يشقى بهم جليسهم» استئنافًا (٦) لبيان الموجب، وفي هذه العبارةِ مبالغة في نفي الشَّقاء عن جليس الذَّاكرين، فلو قيل: يسعدُ (٧) بهم جليسُهم لكان ذلك في غايةِ الفضل، لكن التَّصريح بنفي الشَّقاء أبلغُ في حصولِ المقصود. (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر