الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٣٣
الحديث رقم ٦٧٣٣ من كتاب «كتاب الفرائض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ميراث البنات.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٥١⦘
مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ كَبِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَ وَلَدَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، آأُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي؟ فَقَالَ: لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي، فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً، وَلَعَلَّ أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ. يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ.» قَالَ سُفْيَانُ: وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.
٦٧٣٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
مرض سعد بن أبي وقاص -رضى الله عنه- في حجة الوداع مرضًا شديدًا خاف من شدته الموت، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم كعادته في تفقد أصحابه ومواساته إياهم، فذكر سعد للنبي صلى الله عليه وسلم من الدواعي، ما يعتقد أنها تسوغ له التصدق بالكثير من ماله، فقال: يا رسول الله، إنني قد اشتد بي الوجع الذي أخاف منه الموت، وإني صاحب مال كثير، وإنه ليس من الورثة الضعفاء الذين أخشى عليهم العيلة والضياع إلا ابنة واحدة، فبعد هذا هل أتصدق بثلثي مالي، لأقدمه لصالح عملي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا. قال: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا. قال: فالثلث؟ فقال: لا مانع من التصدق بالثلث مع أنه كثير. فالنزول إلى ما دونه من الربع والخمس أفضل. ثم بين له النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة في النزول في الصدقة من أكثر المال إلى أقله بأمرين:
1- وهو أنه إن مات وقد ترك ورثته أغنياء منتفعين ببره وماله فذلك خير من أن يخرجه منهم إلى غيرهم، ويدعهم يعيشون على إحسان الناس.
2- وإما أن يبقى ويجد ماله، فينفقه في طرقه الشرعية، ويحتسب الأجر عند الله فيؤجر على ذلك، حتى في أوجب النفقات عليه وهو ما يطعمه زوجه.
ثم خاف سعد بن أبي وقاص أن يموت بمكة التي هاجر منها وتركها لوجه الله تعالى، فينقص ذلك من ثواب هجرته، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يخلف قهرا في البلد التي هاجر منها، فيعمل فيه عملا ابتغاء ثواب الله إلا ازداد به درجة، ثم بشره صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنه سيبرأ من مرضه، وينفع الله به المؤمنين، ويضر به الكافرين، فكان كما أخبر الصادق المصدوق، فقد بريء من مرضه، وصار القائد الأعلى في حرب الفرس، فنفع الله به الإسلام والمسلمين، وفتح الفتوح وضر به الله الشرك والمشركين، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعموم أصحابه أن يحقق لهم درجتهم، وأن يقبلها منهم، وألا يردهم عن دينهم أو إلى البلاد التي هاجروا منها، فقبل الله منه ذلك، وله الحمد والمنة، والحمد لله الذي أعز بهم الإسلام.
ثم ذكر سعد بن خولة، وهو من المهاجرين الذين هاجروا من مكة ولكن الله قدر أن يموت فيها؛ فمات فيها، فرثى له النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ أي: توجع له أن مات بمكة؛ وقد كانوا يكرهون للمهاجر أن يموت في الأرض التي هاجر منها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَاصِبَ، قُلْتُ: وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: اسْتَدَلَّ قَوْمٌ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ - بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّ مَنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأَخًا شَقِيقًا وَأُخْتًا شَقِيقَةً كَانَ لِابْنَتِهِ النِّصْفُ، وَمَا بَقِيَ لِأَخِيهِ، وَلَا شَيْءَ لِأُخْتِهِ وَلَوْ كَانَتْ شَقِيقَةً، وَطَرَدُوا ذَلِكَ فِيمَا لَوْ كَانَ مَعَ الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ عَصَبَةٌ فَقَالُوا: لَا شَيْءَ لَهَا مَعَ الْبِنْتِ بَلِ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ الْبِنْتِ لِلْعَصَبَةِ وَلَوْ بَعُدُوا، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ قَالُوا: فَمَنْ أَعْطَى الْأُخْتَ مَعَ الْبِنْتِ خَالَفَ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ.
قَالَ: وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ بِنْتًا وَابْنَ ابْنٍ وَبِنْتَ ابْنٍ مُتَسَاوِيَيْنِ أَنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَ ابْنِ الِابْنِ وَبِنْتِ الِابْنِ، وَلَمْ يَخُصُّوا ابْنَ الِابْنِ بِمَا بَقِيَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا، بَلْ وَرَّثُوا مَعَهُ شَقِيقَتَهُ وَهِيَ أُنْثَى، قَالَ: فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ هُوَ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ، وَهُوَ مَا إِذَا تَرَكَ بِنْتًا وَعَمًّا وَعَمَّةً فَإِنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ وَمَا بَقِيَ لِلْعَمِّ دُونَ الْعَمَّةِ إِجْمَاعًا.
قَالَ: فَاقْتَضَى النَّظَرُ تَرْجِيحَ إِلْحَاقِ الْأُخْتِ مَعَ الْأَخِ بِالِابْنِ وَالْبِنْتِ لَا بِالْعَمِّ وَالْعَمَّةِ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ لَمْ يَتْرُكْ إِلَّا أَخًا وَأُخْتًا شَقِيقَتَيْنِ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا، فَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ ابْنَ ابْنٍ وَبِنْتَ ابْنٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ عَمًّا وَعَمَّةً فَإِنَّ الْمَالَ كُلَّهُ لِلْعَمِّ دُونَ الْعَمَّةِ بِاتِّفَاقِهِمْ.
قَالَ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ تَرَكَ بِنْتًا وَأَخًا لِأَبٍ كَانَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَمَا بَقِيَ لِلْأَخِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إِنَّمَا هُوَ وَلَدٌ يَحُوزُ الْمَالَ كُلَّهُ لَا الْوَلَدُ الَّذِي لَا يَحُوزُ، وَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ الْبَنُونَ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ وَالْأَخُ إِذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَإِنِ اجْتَمَعَا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْأَعْمَامُ ثُمَّ بَنُوهُمْ، وَإِنْ سَفَلُوا، وَمَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَبٍ لَكِنْ يُقَدَّمُ الْأَخُ مِنَ الْأَبِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ وَيُقَدَّمُ ابْنُ أَخٍ لِأَبٍ عَلَى عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ، وَيُقَدَّمُ عَمٌّ لِأَبٍ عَلَى ابْنِ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ الِابْنِ يَحُوزُ الْمَالَ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ ابْنٌ، وَعَلَى أَنَّ الْجَدَّ يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ أَبٌ، وَعَلَى أَنَّ الْأَخَ مِنَ الْأُمِّ إِذَا كَانَ ابْنَ عَمٍّ يَرِثُ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ، وَسَيَأْتِي جَمِيعُ ذَلِكَ وَالْبَحْثُ فِيهِ.
٦ - بَاب مِيرَاثِ الْبَنَاتِ
٦٧٣٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرِضْتُ بِمَكَّةَ مَرَضًا فَأَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ كَبِيرٌ إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَ وَلَدَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي؟ فَقَالَ: لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً، وَلَعَلَّك أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، ولَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ قَالَ سُفْيَانُ:، وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦) (باب مِيرَاثِ البَنَاتِ).
٦٧٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهريُّ) محمَّدُ بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) بسكون عين «سعْد» (عَنْ أَبِيهِ) سعد ﵁، أنَّه (قَالَ: مَرِضْتُ بِمَكَّةَ مَرَضًا فَأَشْفَيْتُ) بهمزة قطع مفتوحة وسكون المعجمة بعدها فاء، أي: فأشرفتُ (مِنْهُ عَلَى المَوْتِ، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ) في عام حجَّةِ الوداع، أو عام الفتحِ، حال كونه (يَعُودُنِي) مضارع، عادَ المريضَ إذا زارهُ (فَقُلْتُ) له: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا) بالمثلَّثة (وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي) أمُّ الحكمِ الكُبرى، والحصرُ هنا حصرٌ خاصٌّ، فقد كان له ورثةٌ بالتَّعصيبِ من بني عمِّه، فالتَّقدير: ولا يرثُني بالفرضِ إلَّا ابنتي، فإن كان له زوجة، فالتَّقدير: ولايَرثني (١) من الأولادِ إلَّا ابنتي (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) الهمزةُ للاستفهامِ، والفعل معها مستفهمٌ عنه، والفاء عاطفةٌ وكان حقُّها أن تتقدَّم فعارضَها الاستفهامُ، وله صدرُ الكلام، ومبحثُه سبقَ في أوائلِ هذا الشَّرح في: «أَوَمُخْرِجِيَّ همْ» [خ¦٣] و «بثلثيْ» يتعلَّق بـ «أتصدَّقُ» (قَالَ) ﷺ: (لَا) حرف جواب، وهي بمعناها تسدُّ مسدَّ الجملةِ، أي: لا تتصدَّق بكلِّ الثُّلثين (قَالَ) سعدٌ: (قُلْتُ): يا رسول الله (فَالشَّطْرُِ؟) بالرَّفع لأبي ذرٍّ على الابتداء، والخبر محذوفٌ، أي: فالشَّطر أتصدَّق به، وبالجرِّ كما في الفرعِ كأصلهِ، عطفًا على قولهِ: «بثلثيْ». وقال ابن فَرْحون: كما في قولهِ: «خيرٍ» في جواب: كيف أصبحتَ،
وفي الحديث: «صلاةُ الرَّجل في الجماعةِ» وفي رواية: «جماعةٍ تضعَّفُ على صلاتِهِ في بيتهِ خمسٍ وعشرين ضعفًا» [خ¦٦٤٧] أي: بخمسٍ وعشرين، وفيه أيضًا: إنَّ لي جاريْنِ إلى مَن أُهْدي، فقال: «أقربهمَا منكَ بابًا» [خ¦٢٢٥٩] أي: إلى أقربهما، وضبطه الزَّمخشريُّ في «الفائق» بالنَّصب بفعلٍ مضمرٍ، أي: أوجب الشَّطر، وقال السُّهيليُّ في «أماليه»: الخفضُ أظهر من النَّصب؛ لأنَّ النَّصب بإضمار فعلٍ، والخفضُ مردودٌ على قولهِ: بثلثي، وقال في «العدَّة»: ولو رُوِي بالنَّصب صحَّ بتقدير: أفأتصدَّق بالشَّطر، ثمَّ حذف حرف الجرِّ والمراد بالشَّطر: النِّصف (قَالَ) ﷺ: (لَا. قُلْتُ: الثُّلُثُِ؟) بالرَّفع أو الجرِّ كما مرَّ، ويجوزُ النَّصب لكن المرجع الرِّواية (قَالَ) ﷺ: (الثُّلُثُ كَبِيرٌ) بالموحدة، أجْرُهُ (إِنَّكَ) بكسر الهمزة على الاستئنافِ، والجملة معلَّلٌ بها، كما في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] يجوزُ الفتح بتقدير حرفِ الجرِّ، أي: لأنَّك (إِنْ تَرَكْتَ وَلَدَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً) بتخفيف اللَّام، فقراءَ (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يسألونهم بأكفِّهم، وهمزة «إن تركتَ» مكسورةٌ على الشَّرطيَّة، وجزاء الشَّرط قوله: «خير» أي: فهو خيرٌ، فيكون قد حذف المبتدأ مقرونًا بالفاء، وأبقى الخبرَ (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً) بمعنى منفقًا، والمنفق (١) اسم مفعول كالخلقِ بمعنى المخلوق، وزاد في رواية: «تبتغِي بها وجهَ الله» [خ¦٥٦] أي: ثوابهُ (٢) (إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا) بضم الهمزة وكسر الجيم، فعل ماض مبنيٌّ لِمَا لم يسمَّ فاعله (حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ) تؤجرُ عليها (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُخَلَّفُ) بحذف همزة الاستفهام، أي: أَأبقى (٣) بمكَّة متخلِّفًا (عَنْ هِجْرَتِي؟) قالهُ إشفاقًا من موتهِ بمكَّة بعد أن هاجرَ منها وتركها للهِ، فخافَ أن يَقْدَحَ ذلك في هجرتهِ، أو في ثوابها، أو خاف من مجرَّد تخلُّفه عن أصحابه بسبب مرضهِ (فَقَالَ) ﷺ: (لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ) ﷿ (إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً) «فتعملَ» منصوب عطفًا على «تخلَّف»، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمارِ «أنْ» في جواب النَّفي؛ لأنَّ
الفاء فيها معنى السَّببيَّة، فالتَّقدير: إنَّك إن تخلَّفَ يكن ذلك التَّخلُّف سببًا لفعل خير، وهو زيادة الرِّفعة والدَّرجة، ويحسنُ ذلك مع تقدير الشَّرط، ويجوزُ أن يكون في الكلامِ شرطٌ مقدَّر؛ لأنَّه لمَّا سألَ فقال: أأخلَّف فتبطل هجرَتي؟ قال (١) له ﷺ: إنَّك إن تخلَّف بسبب المرض، ويكون علمًا من أعلام النُّبوَّة ثمَّ حذف: إنْ تخلَّف، وعطفَ عليه: «فتعمل عملًا تريدُ به وجهَ الله إلَّا ازددتَ به رفعةً ودرجةً» ويدلُّ على هذا الحذف قوله: (وَلَعَلَّ) ولأبي ذرٍّ: «ولعلَّك» (أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي) بأن يطولَ عمرُك (حَتَّى) حرف غايةٍ ونصب، أي: إلى أن (يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) بفتح التحتية وكسر الفاء (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) بضم التحتية وفتح الضاد المعجمة، وقوله: «ولعلَّ» وإن كانت هنا بمعنى «عسَى»، لكن وقع ذلك يقينًا علمٌ من أعلامِ نبوَّته ﷺ (٢)، فإنَّ سعدًا ﵁ عاشَ بعد ذلك نيِّفًا وأربعين سنة حتَّى فتحَ العراق وغيره، وانتفعَ به أقوامٌ في دينهِم ودنياهم وتضرَّر به الكفَّار في دينهِم ودُنياهم، فإنَّهم قتلوا وسبيتْ نساؤهم وأولادهم، وغُنِمت أموالهم. قال الزُّهريُّ فيما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ (٣) عن إبراهيمَ بن سعد، عنه (٤) (لَكِنِ) ولأبي ذرٍّ: «ولكن» (البَائِسُ) الشَّديد الفقر والحاجة (سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ) و «البائسُ» مبتدأ، و «سعدٌ» بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ، و «ابنُ خولة» صفةٌ لـ «سعدٍ» وخبر المبتدأ محذوفٌ، أي: أتوجَّع له، أو يغفرُ الله له، ثم فسَّر الرَّاوي ما حذفه النَّبيُّ ﷺ، فقال: (يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بفتح التحتية وسكون الراء وكسر المثلثة، من يَرْثِي له (أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) بفتح الهمزة، و «أن» معمولةٌ لـ: «يَرْثي» على أنَّ المحلَّ مجرور بلام التَّعليل، أي: لأجل موتهِ بالأرض الَّتي هاجرَ منها، فهو مفعولٌ (٥) له.
(قَالَ سُفْيَانُ: وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ) هاجرَ إلى الحبشةِ الهجرة الثَّانية، بدريٌّ، توفِّي بمكَّة في حجَّة الوداع في الأصحِّ.
والحديث سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٩٥].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَاصِبَ، قُلْتُ: وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: اسْتَدَلَّ قَوْمٌ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ - بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّ مَنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأَخًا شَقِيقًا وَأُخْتًا شَقِيقَةً كَانَ لِابْنَتِهِ النِّصْفُ، وَمَا بَقِيَ لِأَخِيهِ، وَلَا شَيْءَ لِأُخْتِهِ وَلَوْ كَانَتْ شَقِيقَةً، وَطَرَدُوا ذَلِكَ فِيمَا لَوْ كَانَ مَعَ الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ عَصَبَةٌ فَقَالُوا: لَا شَيْءَ لَهَا مَعَ الْبِنْتِ بَلِ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ الْبِنْتِ لِلْعَصَبَةِ وَلَوْ بَعُدُوا، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ قَالُوا: فَمَنْ أَعْطَى الْأُخْتَ مَعَ الْبِنْتِ خَالَفَ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ.
قَالَ: وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ بِنْتًا وَابْنَ ابْنٍ وَبِنْتَ ابْنٍ مُتَسَاوِيَيْنِ أَنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَ ابْنِ الِابْنِ وَبِنْتِ الِابْنِ، وَلَمْ يَخُصُّوا ابْنَ الِابْنِ بِمَا بَقِيَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا، بَلْ وَرَّثُوا مَعَهُ شَقِيقَتَهُ وَهِيَ أُنْثَى، قَالَ: فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ هُوَ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ، وَهُوَ مَا إِذَا تَرَكَ بِنْتًا وَعَمًّا وَعَمَّةً فَإِنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ وَمَا بَقِيَ لِلْعَمِّ دُونَ الْعَمَّةِ إِجْمَاعًا.
قَالَ: فَاقْتَضَى النَّظَرُ تَرْجِيحَ إِلْحَاقِ الْأُخْتِ مَعَ الْأَخِ بِالِابْنِ وَالْبِنْتِ لَا بِالْعَمِّ وَالْعَمَّةِ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ لَمْ يَتْرُكْ إِلَّا أَخًا وَأُخْتًا شَقِيقَتَيْنِ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا، فَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ ابْنَ ابْنٍ وَبِنْتَ ابْنٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ عَمًّا وَعَمَّةً فَإِنَّ الْمَالَ كُلَّهُ لِلْعَمِّ دُونَ الْعَمَّةِ بِاتِّفَاقِهِمْ.
قَالَ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ تَرَكَ بِنْتًا وَأَخًا لِأَبٍ كَانَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَمَا بَقِيَ لِلْأَخِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إِنَّمَا هُوَ وَلَدٌ يَحُوزُ الْمَالَ كُلَّهُ لَا الْوَلَدُ الَّذِي لَا يَحُوزُ، وَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ الْبَنُونَ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ وَالْأَخُ إِذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَإِنِ اجْتَمَعَا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْأَعْمَامُ ثُمَّ بَنُوهُمْ، وَإِنْ سَفَلُوا، وَمَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَبٍ لَكِنْ يُقَدَّمُ الْأَخُ مِنَ الْأَبِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ وَيُقَدَّمُ ابْنُ أَخٍ لِأَبٍ عَلَى عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ، وَيُقَدَّمُ عَمٌّ لِأَبٍ عَلَى ابْنِ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ الِابْنِ يَحُوزُ الْمَالَ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ ابْنٌ، وَعَلَى أَنَّ الْجَدَّ يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ أَبٌ، وَعَلَى أَنَّ الْأَخَ مِنَ الْأُمِّ إِذَا كَانَ ابْنَ عَمٍّ يَرِثُ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ، وَسَيَأْتِي جَمِيعُ ذَلِكَ وَالْبَحْثُ فِيهِ.
٦ - بَاب مِيرَاثِ الْبَنَاتِ
٦٧٣٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرِضْتُ بِمَكَّةَ مَرَضًا فَأَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ كَبِيرٌ إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَ وَلَدَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي؟ فَقَالَ: لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً، وَلَعَلَّك أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، ولَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ قَالَ سُفْيَانُ:، وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦) (باب مِيرَاثِ البَنَاتِ).
٦٧٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهريُّ) محمَّدُ بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) بسكون عين «سعْد» (عَنْ أَبِيهِ) سعد ﵁، أنَّه (قَالَ: مَرِضْتُ بِمَكَّةَ مَرَضًا فَأَشْفَيْتُ) بهمزة قطع مفتوحة وسكون المعجمة بعدها فاء، أي: فأشرفتُ (مِنْهُ عَلَى المَوْتِ، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ) في عام حجَّةِ الوداع، أو عام الفتحِ، حال كونه (يَعُودُنِي) مضارع، عادَ المريضَ إذا زارهُ (فَقُلْتُ) له: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا) بالمثلَّثة (وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي) أمُّ الحكمِ الكُبرى، والحصرُ هنا حصرٌ خاصٌّ، فقد كان له ورثةٌ بالتَّعصيبِ من بني عمِّه، فالتَّقدير: ولا يرثُني بالفرضِ إلَّا ابنتي، فإن كان له زوجة، فالتَّقدير: ولايَرثني (١) من الأولادِ إلَّا ابنتي (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) الهمزةُ للاستفهامِ، والفعل معها مستفهمٌ عنه، والفاء عاطفةٌ وكان حقُّها أن تتقدَّم فعارضَها الاستفهامُ، وله صدرُ الكلام، ومبحثُه سبقَ في أوائلِ هذا الشَّرح في: «أَوَمُخْرِجِيَّ همْ» [خ¦٣] و «بثلثيْ» يتعلَّق بـ «أتصدَّقُ» (قَالَ) ﷺ: (لَا) حرف جواب، وهي بمعناها تسدُّ مسدَّ الجملةِ، أي: لا تتصدَّق بكلِّ الثُّلثين (قَالَ) سعدٌ: (قُلْتُ): يا رسول الله (فَالشَّطْرُِ؟) بالرَّفع لأبي ذرٍّ على الابتداء، والخبر محذوفٌ، أي: فالشَّطر أتصدَّق به، وبالجرِّ كما في الفرعِ كأصلهِ، عطفًا على قولهِ: «بثلثيْ». وقال ابن فَرْحون: كما في قولهِ: «خيرٍ» في جواب: كيف أصبحتَ،
وفي الحديث: «صلاةُ الرَّجل في الجماعةِ» وفي رواية: «جماعةٍ تضعَّفُ على صلاتِهِ في بيتهِ خمسٍ وعشرين ضعفًا» [خ¦٦٤٧] أي: بخمسٍ وعشرين، وفيه أيضًا: إنَّ لي جاريْنِ إلى مَن أُهْدي، فقال: «أقربهمَا منكَ بابًا» [خ¦٢٢٥٩] أي: إلى أقربهما، وضبطه الزَّمخشريُّ في «الفائق» بالنَّصب بفعلٍ مضمرٍ، أي: أوجب الشَّطر، وقال السُّهيليُّ في «أماليه»: الخفضُ أظهر من النَّصب؛ لأنَّ النَّصب بإضمار فعلٍ، والخفضُ مردودٌ على قولهِ: بثلثي، وقال في «العدَّة»: ولو رُوِي بالنَّصب صحَّ بتقدير: أفأتصدَّق بالشَّطر، ثمَّ حذف حرف الجرِّ والمراد بالشَّطر: النِّصف (قَالَ) ﷺ: (لَا. قُلْتُ: الثُّلُثُِ؟) بالرَّفع أو الجرِّ كما مرَّ، ويجوزُ النَّصب لكن المرجع الرِّواية (قَالَ) ﷺ: (الثُّلُثُ كَبِيرٌ) بالموحدة، أجْرُهُ (إِنَّكَ) بكسر الهمزة على الاستئنافِ، والجملة معلَّلٌ بها، كما في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] يجوزُ الفتح بتقدير حرفِ الجرِّ، أي: لأنَّك (إِنْ تَرَكْتَ وَلَدَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً) بتخفيف اللَّام، فقراءَ (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يسألونهم بأكفِّهم، وهمزة «إن تركتَ» مكسورةٌ على الشَّرطيَّة، وجزاء الشَّرط قوله: «خير» أي: فهو خيرٌ، فيكون قد حذف المبتدأ مقرونًا بالفاء، وأبقى الخبرَ (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً) بمعنى منفقًا، والمنفق (١) اسم مفعول كالخلقِ بمعنى المخلوق، وزاد في رواية: «تبتغِي بها وجهَ الله» [خ¦٥٦] أي: ثوابهُ (٢) (إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا) بضم الهمزة وكسر الجيم، فعل ماض مبنيٌّ لِمَا لم يسمَّ فاعله (حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ) تؤجرُ عليها (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُخَلَّفُ) بحذف همزة الاستفهام، أي: أَأبقى (٣) بمكَّة متخلِّفًا (عَنْ هِجْرَتِي؟) قالهُ إشفاقًا من موتهِ بمكَّة بعد أن هاجرَ منها وتركها للهِ، فخافَ أن يَقْدَحَ ذلك في هجرتهِ، أو في ثوابها، أو خاف من مجرَّد تخلُّفه عن أصحابه بسبب مرضهِ (فَقَالَ) ﷺ: (لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ) ﷿ (إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً) «فتعملَ» منصوب عطفًا على «تخلَّف»، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمارِ «أنْ» في جواب النَّفي؛ لأنَّ
الفاء فيها معنى السَّببيَّة، فالتَّقدير: إنَّك إن تخلَّفَ يكن ذلك التَّخلُّف سببًا لفعل خير، وهو زيادة الرِّفعة والدَّرجة، ويحسنُ ذلك مع تقدير الشَّرط، ويجوزُ أن يكون في الكلامِ شرطٌ مقدَّر؛ لأنَّه لمَّا سألَ فقال: أأخلَّف فتبطل هجرَتي؟ قال (١) له ﷺ: إنَّك إن تخلَّف بسبب المرض، ويكون علمًا من أعلام النُّبوَّة ثمَّ حذف: إنْ تخلَّف، وعطفَ عليه: «فتعمل عملًا تريدُ به وجهَ الله إلَّا ازددتَ به رفعةً ودرجةً» ويدلُّ على هذا الحذف قوله: (وَلَعَلَّ) ولأبي ذرٍّ: «ولعلَّك» (أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي) بأن يطولَ عمرُك (حَتَّى) حرف غايةٍ ونصب، أي: إلى أن (يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) بفتح التحتية وكسر الفاء (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) بضم التحتية وفتح الضاد المعجمة، وقوله: «ولعلَّ» وإن كانت هنا بمعنى «عسَى»، لكن وقع ذلك يقينًا علمٌ من أعلامِ نبوَّته ﷺ (٢)، فإنَّ سعدًا ﵁ عاشَ بعد ذلك نيِّفًا وأربعين سنة حتَّى فتحَ العراق وغيره، وانتفعَ به أقوامٌ في دينهِم ودنياهم وتضرَّر به الكفَّار في دينهِم ودُنياهم، فإنَّهم قتلوا وسبيتْ نساؤهم وأولادهم، وغُنِمت أموالهم. قال الزُّهريُّ فيما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ (٣) عن إبراهيمَ بن سعد، عنه (٤) (لَكِنِ) ولأبي ذرٍّ: «ولكن» (البَائِسُ) الشَّديد الفقر والحاجة (سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ) و «البائسُ» مبتدأ، و «سعدٌ» بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ، و «ابنُ خولة» صفةٌ لـ «سعدٍ» وخبر المبتدأ محذوفٌ، أي: أتوجَّع له، أو يغفرُ الله له، ثم فسَّر الرَّاوي ما حذفه النَّبيُّ ﷺ، فقال: (يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بفتح التحتية وسكون الراء وكسر المثلثة، من يَرْثِي له (أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) بفتح الهمزة، و «أن» معمولةٌ لـ: «يَرْثي» على أنَّ المحلَّ مجرور بلام التَّعليل، أي: لأجل موتهِ بالأرض الَّتي هاجرَ منها، فهو مفعولٌ (٥) له.
(قَالَ سُفْيَانُ: وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ) هاجرَ إلى الحبشةِ الهجرة الثَّانية، بدريٌّ، توفِّي بمكَّة في حجَّة الوداع في الأصحِّ.
والحديث سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٩٥].