الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٩٧
الحديث رقم ٦٨٩٧ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٨٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ :
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَأَقَادَ) بالقاف (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، فيما (١) وصلَه ابنُ أبي شيبة (٢) (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، فيما وصلَه ابن أبي شيبة ومسدَّد جميعًا (٣) (وَعَلِيٌّ) هو: ابنُ أبي طالبٍ، ممَّا وصلَه ابن أبي شيبة (وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء مشددة بعدها نون، المزنيُّ، ممَّا وصلَه ابنُ أبي شيبة (مِنْ لَطْمَةٍ. وَأَقَادَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب ﵁ (مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ) بكسر الدال المهملة وتشديد الراء، آلةٌ يُضرب بها (وَأَقَادَ عَلِيٌّ) أي (٤): ابنُ أبي طالبٍ ﵁ (مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ) أخرجهُ (٥) ابنُ أبي شيبة وسعيدُ بن منصور من طريق فضيلِ بن عَمرو عن عبدِ الله بن معقِل -بكسر القاف- قال: كنتُ عند عليٍّ فجاءه رجلٌ فسارَّه، فقال: يا قَنْبَر -بفتح القاف والموحدة بينهما نون ساكنة آخره راء- اُخْرُجْ فاجلد هذا، فجاء المجلودُ، فقال: إنَّه زاد عليّ ثلاثةِ أسواطٍ، فقال: صدقَ، فقال (٦): خذِ السَّوط فاجلدْه ثلاثةَ أسواطٍ، ثمَّ قال: يا قَنْبر إذا جلدتَ فلا تتعدَّ الحدود (وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء بعدها تحتية ساكنة فمهملة، ابنُ الحارث القاضي (مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ) بضم الخاء المعجمة والميم وبعد الواو معجمة، الخُدُوْش زِنةً ومعنًى، وهذا وصلَه سعيدُ بن منصور في السَّوط، وابنُ أبي شيبة في الخُمُوش.
٦٨٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الهَمْدانيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ
عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ أنَّه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ) بدالين مهملتين، جعلنا له دواءً في أحدِ جانبي فمهِ بغيرِ اختيارهِ (فِي مَرَضِهِ) الَّذي توفِّي فيه (وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: لَا تَلُدُّونِي، قَالَ: فَقُلْنَا): نهيهُ هذا ليس للإيجابِ بل كرهه (كَرَاهِيَةَ) ولغير أبي ذرٍّ: «كَراهيةُ» بالرفع، أي: بل هو كراهية (المَرِيضِ بِالدَّوَاءِ) بالموحدة (فَلَمَّا أَفَاقَ) ﷺ (قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنهكُنَّ» بنون جمع الإناث، بدل ميم (١) جمع الذُّكور (أَنْ تَلُدُّونِي) بضم اللام (قَالَ: قُلْنَا كَرَاهِيَةًٌ لِلدَّوَاءِ) بالنَّصب وبالرَّفع منونًا، وللكُشمِيهنيِّ: «كَرَاهية المريضِ للدَّواء» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ) من الرِّجال والنِّساء (إِلَّا لُدَّ) بضم اللام وتشديد المهملة (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا العَبَّاسَ) ﵁ (فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ).
قيل: هذا الحديث لا يُناسب التَّرجمة؛ لأنَّه غيرُ ظاهرٍ في القِصاص؛ لاحتمال أن يكون عقوبةً لهم حيث خالفوا أمرَه ﵊. وقال شارح التَّراجم: أمَّا القِصاص من اللَّطمة والدِّرَّة والأسواط فليس من التَّرجمة؛ لأنَّه من شخصٍ واحدٍ، وقد يُجاب عنه بأنَّه إذا كان القود يؤخذ من هذه المحقِّرات، فكيف لا يُقاد من الجمعِ من الأمورِ العظائمِ، كالقتلِ والقطعِ وما أشبهَ (٢) ذلك.
والحديث سبق قريبًا في «باب القصاص بين الرِّجال والنِّساء» [خ¦٦٨٨٦].
(٢٢) (باب القَسَامَةِ) بفتح القاف، مأخوذةٌ من القَسَمِ وهو اليمين. وقال الأزهريُّ: القَسَامة اسمٌ للأولياء الَّذين يحلفون على استحقاقِ دمِ المقتولِ، وقيل: مأخوذةٌ من القسمةِ لقسمةِ الأيمانِ على الورثةِ، واليمين فيها من جانب المدَّعي؛ لأنَّ الظَّاهر معه بسببِ اللَّوْث المقتضِي لظنِّ صدقِهِ، وفي غير ذلك الظَّاهر مع المدَّعى عليه، فلذا خرج هذا عن الأصل.
(وَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) بالمثلثة الكنديُّ، ممَّا وصلُه في «الشهادات» [خ¦٢٦٦٩] وغيرها [خ¦٢٥١٥] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) برفع «شاهداكَ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: المثبت لدعواكَ شاهداكَ، «أو يمينه» عطفٌ عليه (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبدُ الله بن عُبيد الله (١) بن أبي مُلكيةَ -بضم الميم- واسمه: زُهير، ممَّا وصلَه حمَّاد بن سلمةَ في «مصنفه»، ومن طريقهِ (٢) ابن المنذر (لَمْ يُقِدْ) بضم الياء (٣) التحتية وكسر القاف من أقادَ، أي: لم يقتصَّ (بِهَا) بالقسامةِ (مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيان، وتوقَّف ابن بطَّال في ثبوته، فقال: قد صحَّ عن معاوية أنَّه أقادَ بها، ذكر ذلك عنه أبو الزِّناد في احتجاجهِ على أهل العراق، قال في «الفتح»: هو في صحيفةِ عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه، ومن طريقهِ أخرجه البيهقيُّ، وجمع بأنَّ معاوية لم يُقِد بها لمَّا وقعَتْ له، وكان الحكمَ في ذلك، ولمَّا وقعتْ لغيرِه وَكَلَ الأمرَ في ذلك إليهِ، فلفظ البيهقيِّ عن خارجةَ بن زيد بنِ ثابت، قال: قتلَ رجلٌ من الأنصارِ رجلًا من بني العَجْلان ولم يكنْ في ذلك بَيِّنَةٌ ولا لطْخٌ، فأجمعَ رأيُ النَّاس على أن تحلِفَ ولاةَ المقتولِ، ثمَّ يُسلَّم إليهم فيقتلوهُ، فركبْتُ إلى معاويةَ في ذلك، فكتبَ إلى سعيدِ بن العاص إن كان ما ذكرهُ حقًّا فافعلْ ما ذكروه، فدفعتُ الكتاب إلى سعيدٍ فأحلفَنَا خمسين يمينًا ثمَّ أسلمَه إلينا. انتهى.
فنُسب إلى معاوية أنَّه أقاد بها لكونه أذنَ في ذلك، ويحتمل أن يكون معاوية كان يَرى القودَ بها، ثمَّ رجعَ عن ذلك أو بالعكسِ (وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) رحمه الله تعالى (إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ) بفتح الهمزة والطاء المهملة بينهما راء ساكنة وبعد الألف هاء تأنيث غير منصرفٍ، الفزاريِّ (وَكَانَ) ابن عبد العزيز (أَمَّرَهُ) جعله أميرًا (عَلَى البَصْرَةِ) سنة تسع وتسعين (فِي) أمر (قَتِيلٍ وُجِدَ) بضم الواو وكسر الجيم (عِنْدَ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ السَّمَّانِينَ) الَّذين يبيعون السَّمن: (إِنْ وَجَدَ أَصْحَابُهُ) أي: أصحاب القتيلِ (بَيِّنَةً) يحكم بها (وَإِلَّا) أي: وإن لم يجد أصحابه بيِّنةً (فَلا تَظْلِمِ النَّاسَ) بالحكم في ذلك بغير بيِّنةٍ (فَإنَّ هَذَا لَا يُقْضَىَ) بضم التحتية وفتح الضاد المعجمة، أي: لا يحكُم (فِيْهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ). قال في «الفتح»: وقد اختلفَ على عمر بن عبد العزيز في القَوَد (٤)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
َ إِن جرحت فَفِيهَا حُكُومَة، وَالسَّبَب فِيهِ تعذر الْمُمَاثلَة، وَإِن كَانَت اللَّطْمَة على الخد فَفِيهَا الْقود. وَقَالَت طَائِفَة: لَا قصاص فِي اللَّطْمَة، رُوِيَ هَذَا عَن الْحسن وَقَتَادَة، وَهُوَ قَول مَالك والكوفيين وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا جرح فَفِيهِ حُكُومَة.
٦٨٩٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدثنَا يَحْياى عنْ سُفْيانَ، حدّثنا مُوساى بنُ أبي عائشَةَ، عنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله قَالَ: قالَتْ عائِشَةُ: لَدَدْنا رسولَ الله فِي مَرَضِهِ، وجَعَلَ يُشِيرُ إلَيْنا: لَا تَلُدُّونِي. قَالَ: فقُلْنا: كَراهِيَةُ المَرِيضِ بالدَّواءِ، فَلَمَّا أفاقَ قَالَ: ألَمْ أنْهَكُمْ أنْ تَلُدُّونِي؟ قَالَ: قُلْنا: كَراهِيَةٌ لِلدَّواءِ. فَقَالَ رسولُ الله لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أحَدٌ إلاّ لُدَّ، وَأَنا أنْظُرُ، إلاّ العَبَّاسَ فإنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ.
هَذَا الحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب الْقصاص بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة الْهَمدَانِي عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَحَدِيث اللدود لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْقصاص لاحْتِمَال أَن يكون عُقُوبَة لَهُم حَيْثُ خالفوا أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ شَارِح التراجم أما الْقصاص من اللَّطْمَة والدرة والأسواط فَلَيْسَ من التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ من شخص وَاحِد، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْقود يُؤْخَذ من هَذِه المحقرات فَكيف لَا يُقَاد من الْجمع من الْأُمُور الْعِظَام كَالْقَتْلِ وَالْقطع وَأَشْبَاه ذَلِك.
قَوْله: لَا تلدوني بِالضَّمِّ، وَقيل بِالْكَسْرِ. قَوْله: قَالَ أَي: قَالَ قَوْله: كَرَاهِيَة بِالنّصب وَالرَّفْع قَوْله: بالدواء ويروى: للدواء. قَوْله: ألم أنهكم؟ ويروى: ألم أنهكن؟ قَوْله: إلَاّ لد بِضَم اللَّام وَتَشْديد الدَّال على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: وَأَنا أنظر جملَة حَالية أَي: بحضوري وَحَالَة نَظَرِي إِلَيْهِ. قَوْله: إلَاّ الْعَبَّاس اسْتثِْنَاء من أحد وَهُوَ لم يكن حَاضرا وَقت اللد فَلَا قصاص عَلَيْهِ، وَمر الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب الْمَذْكُور فَليرْجع إِلَيْهِ.
٢٢ - (بابُ القَسامَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقسَامَة وأحكامها. والقسامة بِفَتْح الْقَاف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة مصدر أقسم قسما وقسامة، وَفِي بعض النّسخ: كتاب الْقسَامَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ مُشْتَقَّة من الْقسم على الدَّم أَو من قسمته الْيَمين انْتهى. يُقَال: أَقْسَمت إِذا حَلَفت، وَقسمت قسَامَة لِأَن فِيهَا الْيَمين، وَالصَّحِيح أَنَّهَا اسْم للأيمان. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: إِنَّهَا اسْم للأولياء الَّذين يحلفُونَ على اسْتِحْقَاق دم الْمَقْتُول، وَقَالَ ابْن سَيّده: الْقسَامَة الْجَمَاعَة يقسمون على الشَّيْء أَو يشْهدُونَ بِهِ، وَيَمِين الْقسَامَة منسوبة إِلَيْهِم ثمَّ أطلقت على الْأَيْمَان نَفسهَا.
وَقَالَ الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَاهِداكَ أوْ يَمِينُهُ
قَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بِذكرِهِ هُنَا إِلَى تَرْجِيح رِوَايَة سعيد بن عبيد فِي حَدِيث الْبَاب: أَن الَّذِي يبْدَأ فِي يَمِين الْقسَامَة الْمُدعى عَلَيْهِم. قلت: الظَّاهِر أَن البُخَارِيّ ذهب إِلَى ترك الْقَتْل بالقسامة لِأَنَّهُ صدر هَذَا الْبَاب، أَولا بِحَدِيث الْأَشْعَث بن قيس وَالْحكم فِيهِ مَقْصُور على الْبَيِّنَة أَو الْيَمين، ثمَّ ذكر عَن ابْن أبي مليكَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز بِالْإِرْسَال بِغَيْر إِسْنَاد، وروى ابْن أبي شيبَة عَن عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان عَن الْحسن: أَن أَبَا بكر وَعمر وَالْجَمَاعَة الأول لم يَكُونُوا يقتلُون بالقسامة، وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم بِسَنَدِهِ: الْقود بالقسامة جور، وَفِي رِوَايَة أبي معشر: الْقسَامَة يسْتَحق فِيهَا الدِّيَة وَلَا يُقَاد فِيهَا، كَذَا قَالَه قَتَادَة.
والأشعث بِسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن قيس الْكِنْدِيّ قدم على النَّبِي فِي سِتِّينَ رَاكِبًا من كِنْدَة وَأسلم ثمَّ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام بعد النَّبِي ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام فِي خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَات سنة أَرْبَعِينَ بعد قتل عَليّ بن أبي طَالب،
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَصلى عَلَيْهِ الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَحَدِيثه قد مضى مطولا مَوْصُولا فِي كتاب الشَّهَادَات ثمَّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
وَقَالَ ابنُ أبي مُلَيْكَةَ: لَمْ يُقِدْ بِها مُعاوَيَةُ.
أَي: قَالَ عبد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم واسْمه زُهَيْر وَهُوَ جد عبد الله وَأَبوهُ عبد الرحمان نسب إِلَى جده وَكَانَ قَاضِي ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: لم يقد بِضَم الْيَاء من أقاد أَي: لم يقْتَصّ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، يَعْنِي: لم يحكم بالقود فِي الْقسَامَة، وَوَصله حَمَّاد بن سَلمَة فِي مُصَنفه عَن ابْن أبي مليكَة: سَأَلَني عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن الْقسَامَة فَأَخْبَرته أَن عبد الله بن الزبير أقاد بهَا، وَأَن مُعَاوِيَة يَعْنِي ابْن أبي سُفْيَان لم يقد بهَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روينَا عَن مُعَاوِيَة خِلَافه، وَقَالَ ابْن بطال: وَقد صَحَّ عَن مُعَاوِيَة أَنه أقاد بهَا.
وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَديِّ بن أرْطاةُ وَكَانَ أمَّرَهُ عَلى البَصْرَةِ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ عنْدَ بَيْتٍ منْ بُيُوتِ السَّمَّانينَ: إنْ وَجَدَ أصْحابُهُ بَيِّنةً وإلَاّ فَلا تَظْلِمِ النَّاسَ، فإنَّ هاذا لَا يُقْضاى فِيهِ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ.
عدي بن أَرْطَاة غير منصرف الْفَزارِيّ من أهل دمشق. قَوْله: وَكَانَ أمره أَي: جعله أَمِيرا على الْبَصْرَة فِي سنة تسع وَتِسْعين وَقَتله مُعَاوِيَة بن يزِيد بن الْمُهلب فِي آخر سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة. قَوْله: فِي قَتِيل أَي: فِي أَمر قَتِيل. قَوْله: السمانين جمع سمان وهم الَّذين يبيعون السّمن. قَوْله: إِن وجد الخ بَيَان كتاب عمر بن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ إِن وجد أَصْحَاب الْقَتِيل بَيِّنَة فاحكم بهَا. قَوْله: وإلَاّ أَي: وَإِن لم يجد أَصْحَاب الْقَتِيل بَيِّنَة فَلَا تظلم النَّاس أَي: لَا تحكم بِشَيْء فِيهِ، فَإِن هَذِه الْقَضِيَّة من القضايا الَّتِي لَا يحكم فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِأَن فِيهَا الشَّهَادَة على الْغَائِب، وَشَهَادَة من لَا يصلح لَهَا. وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: دَعَاني عمر بن عبد الْعَزِيز فَسَأَلَنِي عَن الْقسَامَة، وَقَالَ: بدا لي أَن أردهَا. أَن الْأَعرَابِي يشْهد وَالرجل الْغَائِب يَجِيء فَيشْهد. قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك لن تَسْتَطِيع ردهَا، قضى بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْخُلَفَاء بعده، وَحدثنَا ابْن نمير حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة أَن سُلَيْمَان بن يسَار حدث أَن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: مَا رَأَيْت مثل الْقسَامَة قطّ أقيد بهَا، وَالله تَعَالَى يَقُول: {واشهدوا ذوى عدل مِنْكُم} وَقَالَت الأسباط: {وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا} قَالَ سُلَيْمَان: فَقلت: الْقسَامَة حق قضى بهَا رَسُول الله
٦٨٩٨ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ، حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُبَيْدٍ، عنْ بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ زَعَمَ أنَّ رَجُلاً منَ الأنْصارِ يُقالُ لهُ: سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَة أخْبَرَهُ أنَّ نَفَراً مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيها، ووَجَدُوا أحَدَهُمْ قَتِيلاً، وقالُوا لِلّذي وُجدَ فِيهِمْ: قَتَلْتُمْ صاحِبَنا قالُوا: مَا قتَلْنا وَلَا عَلِمْنا قاتِلاً فانْطَلَقُوا إِلَى النَّبيِّ فَقالُوا: يَا رسولَ الله انْطَلَقْنا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنا أحَدنا قَتيلاً. فَقَالَ: الكُبْرَ الكُبْرَ فَقَالَ لَهُمْ: تَأْتُونَ بِالبَيِّنَةِ عَلى مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالُوا: مَا لَنا بَيِّنَةٌ. قَالَ: فَيَحْلِفُونَ قالُوا: لَا نَرْضاى بأيْمانِ اليَهُود، فَكَرِهَ رسولُ الله أنْ يُبْطِلَ دَمَهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إبِلِ الصَّدَقَة.
أَي: ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مطابقاً لما قبله فِي عدم الْقود فِي الْقسَامَة، وَأَن الحكم فِيهَا مَقْصُور على الْبَيِّنَة وَالْيَمِين كَمَا فِي حَدِيث الْأَشْعَث.
وَأخرجه عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سعيد بن عبيد أبي الْهُذيْل الطَّائِي الْكُوفِي عَن بشير بِضَم
الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء ابْن يسَار بِفَتْح الْيَاء، آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة وبالراء الْمدنِي مولى الْأَنْصَار، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ شَيخا كَبِيرا فَقِيها أدْرك عَامَّة الصَّحَابَة، وَوَثَّقَهُ يحيى بن معِين وَالنَّسَائِيّ وكناه مُحَمَّد بن إِسْحَاق: أَبَا كيسَان، وَهُوَ يروي عَن سهل بن أبي حثْمَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: هُوَ سهل بن عبد الله بن أبي حثْمَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة واسْمه عَامر بن سَاعِدَة الْأنْصَارِيّ وكنيته أَبُو يحيى، وَقيل: أَبُو مُحَمَّد. والْحَدِيث مضى فِي الصُّلْح وَفِي الْجِزْيَة عَن مُسَدّد وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة، وَقد ذَكرْنَاهُ. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من أَربع طرق صِحَاح. الأول: قَالَ: حَدثنَا يُونُس قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن يحيى بن سعيد سمع بشير بن يسَار عَن سهل بن أبي حثْمَة قَالَ: وجد عبد الله بن سهل قَتِيلا فِي قليب من قُلُبِ خَيْبَر، فجَاء أَخُوهُ عبد الرحمان بن سهل وعماه حويصة ومحيصة ابْنا مَسْعُود إِلَى رَسُول الله فَذهب عبد الرحمان ليَتَكَلَّم فَقَالَ النَّبِي الْكبر الْكبر ليَتَكَلَّم أحد عميه إِمَّا حويصة وَإِمَّا محيصة، فَتكلم الْكَبِير مِنْهُمَا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّا وجدنَا عبد الله بن سهل قَتِيلا فِي قليب من قُلُب خَيْبَر، وَذكر عَدَاوَة الْيَهُود لَهُم، قَالَ: أفتبرئكم الْيَهُود بِخَمْسِينَ يَمِينا أَنهم لم يقتلوه؟ قَالَ: فَقلت: وَكَيف نرضى بأيمانهم وهم مشركون؟ قَالَ: فَيقسم مِنْكُم خَمْسُونَ أَنهم قَتَلُوهُ؟ قَالُوا: كَيفَ نقسم على مَا لم نره، فوداه رَسُول الله من عِنْده. وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا لِأَنَّهُ كالشرح لحَدِيث الْبَاب.
قَوْله: زعم أَي: قَالَ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة ابْن نمير: زعم، بل عِنْده: عَن سهل بن أبي حثْمَة الْأنْصَارِيّ أَنه أخبرهُ. قَوْله: أَن نَفرا بِفَتْح النُّون وَالْفَاء وَهُوَ رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَقد بَين الطَّحَاوِيّ هَؤُلَاءِ النَّفر وهم: عبد الرحمان بن سهل وعماه حويصة ومحيصة. قَوْله: ووجدوا أحدهم وَهُوَ عبد الله بن سهل. قَوْله: وَقَالُوا للَّذي وجد فيهم أَي: للَّذين وجد فيهم، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: {وخضتم كَالَّذي خَاضُوا} قَوْله: الْكبر الْكبر بِضَم الْكَاف فيهمَا وَبِالنَّصبِ فيهمَا على الإغراء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْكبر، بِضَم الْكَاف مصدر أَو جمع الْأَكْبَر أَو مُفْرد بِمَعْنى الْأَكْبَر، يُقَال: هُوَ كبرهم أَي: أكبرهم، ويروى: الْكبر بِكَسْر الْكَاف وَفتح الْبَاء أَي: كَبِير السن أَي: قدمُوا الْأَكْبَر سنا فِي الْكَلَام. قَوْله: أَن يبطل بِضَم الْيَاء من الْإِبْطَال وَيجوز فتحهَا من الْبطلَان. قَوْله: فوداه مائَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، بِمِائَة، بِزِيَادَة حرف الْبَاء. قَوْله: من إبل الصَّدَقَة وَزعم بَعضهم أَنه غلط من سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد من عِنْده. ووفق قوم بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه كَانَ اشْتَرَاهُ من إبل الصَّدَقَة بِمَال دَفعه من عِنْده، أَي: من بَيت المَال المرصد للْمصَالح، وَأطلق عَلَيْهِ الصَّدَقَة بِاعْتِبَار الِانْتِفَاع بِهِ مجَّانا لما فِي ذَلِك من قطع الْمُنَازعَة وَإِصْلَاح ذَات الْبَين.
وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام:
الأول: فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْقسَامَة فِي الدَّم، وَهُوَ أَمر كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فأقره رَسُول الله فِي الْإِسْلَام، وتوقفت طَائِفَة عَن الحكم بالقسامة، رُوِيَ ذَلِك عَن سَالم بن عبد الله بن عمر وَأبي قلَابَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحكم بن عتيبة، وَقد ذكرنَا بعض ذَلِك. الثَّانِي: أَن الْقَوْم إِذا اشْتَركُوا فِي معنى من معَان الدَّعْوَى وَغَيرهَا كَانَ أولاهم أَن يبْدَأ بالْكلَام أكبرهم. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز الْوكَالَة فِي الْمُطَالبَة بالحدود. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز وكَالَة الْحَاضِر لِأَن ولي الدَّم فِيهِ هُوَ عبد الرحمان بن سهل أَخُو الْقَتِيل وحويصة ومحيصة ابْنا عَمه. الْخَامِس: فِيهِ كَيْفيَّة الْقسَامَة الْوَاجِبَة فِيهِ. وَقد اخْتلفُوا فِيهَا، فَقَالَ يحيى بن سعيد وَأَبُو الزِّنَاد وَرَبِيعَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَاللَّيْث بن سعد: يسْتَحْلف المدعون بِالدَّمِ فَإِذا حلفوا استحقوا مَا ادعوا، وَهَذَا فِي الْقسَامَة خَاصَّة وَهُوَ يخص قَوْله الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر، لما روى عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر إلَاّ فِي الْقسَامَة وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث مَخْصُوص بِمَا أخبرنَا عَليّ بن بشير أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان حَدثنَا مطرف بن عبد الله حَدثنَا الزنْجِي عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم قَالَ: الْبَيِّنَة على من ادّعى وَالْيَمِين على من أنكر إلَاّ فِي الْقسَامَة وَقَالَ عُثْمَان البتي وَالْحسن بن صَالح وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الرحمان
بن أبي ليلى وَعبد الله بن شبْرمَة وعامر الشّعبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، رَحِمهم الله: يبْدَأ بأيمان الْمُدعى عَلَيْهِم فَيحلفُونَ ثمَّ يغرمون الدِّيَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَأَجَابُوا عَن حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب بِأَنَّهُ مَعْلُول من خَمْسَة وُجُوه. الأول: أَن الزنْجِي هُوَ مُسلم بن خَالِد شيخ الشَّافِعِي ضَعِيف، كَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ نَفسه فِي سنَنه فِي: بَاب من زعم أَن التَّرَاوِيح بِالْجَمَاعَة أفضل، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَالْبُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. الثَّانِي: أَن ابْن جريج لم يسمع من عَمْرو، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه فِي: بَاب وجوب الْفطْرَة على أهل الْبَادِيَة عَن البُخَارِيّ: أَن ابْن جريج لم يسمع من عَمْرو. الثَّالِث: الِاحْتِجَاج بِعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده مُخْتَلف فِيهِ. الرَّابِع: أَن الزنْجِي مَعَ ضعفه خَالفه عبد الرَّزَّاق وحجاج وَقَتَادَة فَرَوَوْه عَن ابْن جريج عَن عَمْرو مُرْسلا، كَذَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه الْخَامِس: أَن الزنْجِي اخْتلف عَلَيْهِ فِيهِ. قَالَ الذَّهَبِيّ: قَالَ عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الرَّازِيّ: حَدثنَا مُسلم بن خَالِد الزنْجِي عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله قَالَ: الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر إلَاّ فِي الْقسَامَة
السَّادِس: من الْأَحْكَام فِيهِ أَن الْقَتِيل إِذا وجد فِي الْمحلة فالقسامة وَالدية على أهل الْمحلة.
وَقَالَ أَبُو عمر: مَا نعلم فِي شَيْء من الْأَحْكَام المروية عَن رَسُول الله فِي الِاضْطِرَاب والتضاد مَا فِي هَذِه الْقَضِيَّة فَإِن الْآثَار فِيهَا متضادة متدافعة، وَهِي قَضِيَّة وَاحِدَة. وَذكر أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي فِي معرفَة الرِّجَال عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ: سَمِعت عَمْرو بن شُعَيْب يحلف فِي الْمَسْجِد الْحَرَام: وَالله الَّذِي لَا إلاه إلَاّ هُوَ إِن حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة فِي الْقسَامَة لَيْسَ كَمَا حدث، وَلَقَد وهم. وَقَالَ أَبُو عمر: وَقد خطأ جمَاعَة من أهل الحَدِيث حَدِيث سعيد بن عبيد وذموا البُخَارِيّ فِي تَخْرِيجه وَتَركه رِوَايَة يحيى بن سعيد. قَالَ الْأصيلِيّ: أسْندهُ عَن يحيى شُعْبَة وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَعِيسَى بن حَمَّاد وَبشر بن الْمفضل وَهَؤُلَاء سِتَّة نفر أسندوه، وأرسله مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن بشير بن يسَار، وَلم يذكر سهل بن أبي حثْمَة. وَقَالَ الْأَثْرَم: قَالَ أَحْمد: الَّذِي أذهب إِلَيْهِ فِي الْقسَامَة حَدِيث بشير من رِوَايَة يحيى فقد وَصله عَنهُ حفاظ وَهُوَ أصح من حَدِيث سعيد بن عبيد. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا أعلم أحدا تَابع سعيد بن عبيد على رِوَايَته عَن بشير، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح قد ذكره الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حبيب بن أبي ثَابت عَن بشير مثله.
قلت: حَدِيث يحيى بن سعيد رَوَاهُ مُسلم من طرق عديدة مِنْهَا: مَا رَوَاهُ وَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا لَيْث عَن يحيى بن سعيد عَن بشير بن يسَار عَن سهل بن أبي حثْمَة، قَالَ يحيى: وحسبت قَالَ: وَعَن رَافع بن خديج أَنَّهُمَا قَالَا: خرج عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مَسْعُود بن زيد حَتَّى إِذا كَانَا بِخَيْبَر تفَرقا فِي بعض مَا هُنَالك، ثمَّ إِذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قَتِيلا، فدفنه ثمَّ أقبل إِلَى رَسُول الله هُوَ وحويصة بن مَسْعُود وَعبد الرحمان بن سهل وَكَانَ أَصْغَر الْقَوْم، فَذهب عبد الرحمان ليَتَكَلَّم قبل صَاحبه فَقَالَ لَهُ رَسُول كبر الْكبر فِي السن، فَصمت وَتكلم صَاحِبَاه وَتكلم مَعَهُمَا، فَذكرُوا لرَسُول الله مقتل عبد الله بن سهل، فَقَالَ لَهُم: أتحلفون خمسين يَمِينا فتستحقون صَاحبكُم؟ قَالُوا: كَيفَ نحلف وَلم نشْهد؟ قَالَ: فتبرئكم يهود بِخَمْسِينَ يَمِينا؟ قَالُوا: وَكَيف نقبل أَيْمَان كفار؟ فَلَمَّا رأى ذَلِك رَسُول الله أعْطى عقله.
٦٨٩٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدّثنا أبُو بِشْرٍ إسْماعِيلُ بنُ إبْراهِيمَ الأسَدِيُّ، حدّثنا الحَجَّاجُ ابنُ أبي عُثمانَ، حدّثني أبُو رجاءٍ مِنْ آلِ أبي قِلابَةَ، حدّثني أبُو قِلابَةَ أنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العزِيزِ أبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْماً لِلنَّاسِ، ثُمَّ أذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي القَسامَةِ؟ قَالَ: نَقُولُ: القَسامَةُ القَوَد بِها حَقٌّ، وقَدْ أقادَتْ بِها الخُلَفاءُ. قَالَ لي: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قلَابَة؟ ونَصَبَنِي لِلنَّاسِ. فَقُلْتُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ رُؤُوسُ الأجْنادِ وأشْرافُ العَرَبِ، أرَأيْتَ لَوْ أنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلى رَجُلٍ مُحْصَن
بِدِمَشْقَ أنَّهُ قَدْ زَنَى ولَمْ يَرَوْهُ، أكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلى رَجُلٍ بِحِمْصَ أنهُ سَرَقَ أكُنْتَ تَقْطَعُهُ ولَمْ يَرَوْهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَوَالله مَا قَتَلَ رسولُ الله أحَداً قَط، إلاّ فِي إحْدَى ثَلاثِ خِصالٍ: رَجُلٌ قَتَلَ بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِلَ، أوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ رَجُلٌ حارَبَ الله ورَسُولَهُ وارْتَدَّ عَنِ الإسْلَامِ. فَقَالَ القَوْمُ: أوَ لَيْسَ قَدْ حَدَّثَ أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله قَطَعَ فِي السَّرَقِ، وسَمَرَ الأعْيُنَ ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ؟ فَقُلْتُ: أَنا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثَ أنَس.
حدّثني أنَس أنَّ نَفَراً مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلى رسولِ الله فَبَايَعُوهُ عَلى الإسْلامِ فاسْتَوْخَمُوا الأرْضَ فَسَقِمَتْ أجْسامُهُمْ، فَشَكَوْا ذالِكَ إِلَى رسولِ الله قَالَ: أفَلا تَخْرُجُونَ مَعَ راعِينا فِي إبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ ألْبانِها وأبْوالِها قالُوا: بَلاى، فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ ألْبانِها وأبْوالِها فَصَحُّوا فَقَتلُوا راعِيَ رسولِ الله وأطْرَدُوا النَعَمَ، فَبَلَغَ ذالِكَ رسولَ الله فأرْسَلَ فِي آثارِهِمْ، فأُدْركُوا فَجِيءَ بِهِمْ فأمَرَ بِهِمْ فَقُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ وسَمَرَ أعْيُنَهُمْ ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ، حتَّى ماتُوا. قُلْتُ: وأيُّ شيءٍ أشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ؟ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وَقَتَلُوا، وَسَرَقُوا. فَقَالَ عَنْبَسَةُ بنُ سَعيدٍ: وَالله إنْ سَمِعْتُ كاليَوْمِ قَطُّ. فَقُلْتُ: أتَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي يَا عَنْبَسَةُ؟ قَالَ: لَا، ولاكِنْ جِئْتَ بِالحَدِيثِ عَلى وَجْهِهِ، وَالله لَا يَزالُ هاذا الجُنْدُ بِخَيْرٍ مَا عاشَ هاذا الشَّيْخُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ فِي هاذا سُنَّةٌ مِنْ رسولِ الله دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِن الأنْصارِ فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَيْن أيْدِيهِمْ فقُتِلَ، فَخَرَجُوا بَعْدَهُ فَإِذا هُمْ بِصاحِبِهِمْ يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُول الله فقالُوا: يَا رسولَ الله صاحِبنا كَانَ تَحَدَّثَ مَعَنا فَخَرَجَ بَيْنَ أيْدينا فَإِذا نَحْنُ بِهِ يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ، فَخَرَجَ رسولُ الله فَقَالَ: بِمَنْ تَظُنَّونَ أوْ تَرَوْنَ قَتْلَهُ؟ قالُوا: نَراى أنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ. فأرْسَلَ إِلَى اليَهُودِ فَدَعاهُمْ، فَقَالَ: آنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذا؟ قالُوا: لَا. قَالَ: أتَرْضَوْنَ نَفَلَ خَمْسِينَ مِنَ اليَهُودِ مَا قَتَلُوهُ؟ فقالُوا: مَا يُبالُونَ أنْ يَقْتُلونا أجْمَعِينَ، ثُم يَنْتَفِلُونَ. قَالَ: أفَتَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ بِأيْمانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ قالُوا: مَا كنَّا لِنَحْلِفَ. فَوَداهُ مِنْ عِنْدِهِ. قُلْتُ: وقَدْ كانَتْ هُذَيْلٌ خَلَعُوا حَلِيفاً لَهُمْ فِي الجاهِلِيَّةِ، فَطَرَقَ أهْلَ بَيْتٍ مِنَ اليَمَنِ بِالبَطْحاءِ فانْتَبَهَ لهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَحَذَفَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، فَجاءَتْ هُذَيْلٌ فأخَذُوا اليَمانِيَ فَرَفَعُوهُ إِلَى عُمَرَ بِالمَوْسِمِ، وقالُوا: قَتَلَ صاحِبَنا. فَقَالَ: إنَّهُمْ قَد خَلَعُوهُ. فَقَالَ: يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْ هُذَيْلٍ مَا خَلَعُوهُ؟ قَالَ: فأقْسَمَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وأرْبَعُونَ رَجُلاً، وقَدِمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنَ الشَّأمِ، فَسَألُوهُ أنْ يُقْسِمَ فافْتَدَى يَمِينَهُ مِنْهُمْ بألْفِ دِرْهَمٍ، فأدْخَلُوا مَكانَهُ رَجُلاً آخَرَ، فَدَفَعَهُ إِلَى أخِي المَقْتُولِ، فَقُرِنَتْ يَدُهُ بِيَدِهِ. قالُوا: فانْطَلَقْنا والخَمْسُونَ الّذِينَ أقْسَمُوا، حتَّى إِذا كانُوا بِنَخْلَةَ
أخَذَتْهُمُ السَّماءُ، فَدَخَلُوا فِي غارٍ فِي الجَبَلِ فانْهَجَمَ الغارُ عَلى الخَمْسِينَ الّذِينَ أقْسَمُوا، فَماتُوا جَمِيعاً، وأفْلَتَ القَرينانِ واتَّبَعَهُما حَجَرٌ، فَكَسَرَ رِجْلَ أخِي المَقْتُولِ، فَعاشَ حَوْلاً ثُمَّ مَاتَ. قُلْتُ: وقَدْ كَانَ عَبْدُ المَلِكِ بنِ مَرْوانَ أقادَ رَجُلاً بِالقَسامَةِ، ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَ مَا صَنَعَ، فأمَرَ بالخَمْسِينَ الذِينَ أقْسَمُوا، فَمَحُوا مِنَ الدِّيوانِ وسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّامِ.
إِيرَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث هُنَا من حَيْثُ إِن الْحلف فِيهِ توجه أَولا على الْمُدعى عَلَيْهِ لَا على الْمُدَّعِي كقصة النَّفر من الْأَنْصَار.
وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة هُوَ إِسْمَاعِيل الْمَشْهُور بِابْن علية اسْم أمه الْأَسدي بِفَتْح السِّين مَنْسُوب إِلَى بني أَسد بن خُزَيْمَة لِأَن أَصله بل من مواليهم، وَالْحجاج بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْجِيم الأولى هُوَ الْمَعْرُوف بِالصَّوَابِ، وَاسم أبي عُثْمَان ميسرَة، وَقيل: سَالم، وكنية الْحجَّاج أَبُو الصَّلْت، وَيُقَال غير ذَلِك، وَهُوَ بَصرِي وَهُوَ مولى بني كِنْدَة، وَأَبُو رَجَاء ضد الْخَوْف اسْمه سلمَان وَهُوَ مولى أبي قلَابَة بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام عبد الله بن زيد الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء، وَوَقع هَاهُنَا من آل أبي قلَابَة. وَفِيه تجوز، فَإِنَّهُ مِنْهُم بِاعْتِبَار الْوَلَاء لَا بِالْأَصَالَةِ.
وَقد أخرجه أَحْمد فَقَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا حجاج عَن أبي رَجَاء مولى أبي قلَابَة، وَكَذَا عِنْد مُسلم عَن أبي شيبَة.
وَعمر بن عبد الْعَزِيز هُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ. من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين. قَوْله: أبرز أَي: أظهر سَرِيره وَهُوَ مَا جرت عَادَة الْخُلَفَاء بالاختصاص بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَالْمرَاد بِهِ أَنه أخرجه إِلَى ظَاهر الدَّار لَا إِلَى جِهَة الشَّارِع، وَكَانَ ذَلِك زمن خِلَافَته وَهُوَ بِالشَّام. قَوْله: ثمَّ أذن لَهُم أَي: للنَّاس فَدَخَلُوا عِنْده. قَوْله: الْقسَامَة الْقود بهَا حق الْقسَامَة مُبْتَدأ. وَقَوله: الْقود مُبْتَدأ ثَان، وَحقّ خَبره وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأولى وَمعنى حق وَاجِب. قَوْله: الْخُلَفَاء نَحْو مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَعبد الله بن الزبير وَعبد الْملك بن مَرْوَان، لِأَنَّهُ نقل عَنْهُم أَنهم كَانُوا يرَوْنَ الْقود بالقسامة. قَوْله: يَا با قلَابَة أَصله: يَا أَبَا قلَابَة، بِالْهَمْزَةِ حذفت للتَّخْفِيف، وَأَبُو قلَابَة هُوَ الرَّاوِي فِي الحَدِيث. قَوْله: ونصبني قَالَ الْكرْمَانِي أَي: أجلسني خلف سَرِيره للإفتاء ولإسماع الْعلم. وَقيل: مَعْنَاهُ أبرزني لمناظرتهم، أَو لكَونه خلف السرير فَأمره أَن يظْهر، وَهَذَا التَّفْسِير أحسن ويساعده رِوَايَة أبي عوَانَة: وَأَبُو قلَابَة خلف السرير قَاعد، فَالْتَفت إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة؟ قَوْله: رُؤُوس الأجناد بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْجِيم: جمع جند، وَهُوَ فِي الأَصْل الْأَنْصَار والأعوان ثمَّ اشْتهر فِي الْمُقَاتلَة، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قسم الشَّام بعد موت أبي عُبَيْدَة ومعاذ على كل أَرْبَعَة أُمَرَاء مَعَ كل أَمِير جند، فَكَانَ كل من فلسطين ودمشق وحمص وقنسرين يُسمى جنداً باسم الْجند الَّذين نزلوها. وَقيل: كَانَ الرَّابِع الْأُرْدُن، وَإِنَّمَا أفردت قنسرين بعد ذَلِك وَكَانَ أُمَرَاء الأجناد خَالِد بن الْوَلِيد، وَيزِيد بن أبي سُفْيَان، وشرحبيل بن حَسَنَة، وَعَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: وأشراف الْعَرَب وَفِي رِوَايَة أَحْمد بن حَرْب: وأشراف النَّاس، الْأَشْرَاف جمع شرف يُقَال: فلَان شرف قومه، أَي: رئيسهم وكريمهم وَذُو قدر وَقِيمَة عِنْدهم يرفع النَّاس أَبْصَارهم للنَّظَر إِلَيْهِ ويستشرفونه. قَوْله: أَرَأَيْت؟ أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: بِدِمَشْق أَي: كَائِن بِدِمَشْق بكسرالدال وَفتح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْبَلَد الْمَشْهُور بِالشَّام ديار الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام. قَوْله: بحمص بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم بلد مَشْهُور بِالشَّام، وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: لم يمثل أَبُو قلَابَة بِمَا شبهه لِأَن الشَّهَادَة طريقها غير طَرِيق الْيَمين. وَقَالَ: وَالْعجب من عمر بن عبد العزيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مكانته من الْعلم كَيفَ لم يُعَارض أَبَا قلَابَة فِي قَوْله وَلَيْسَ أَبُو قلَابَة من فُقَهَاء التَّابِعين، وَهُوَ عِنْد النَّاس مَعْدُود فِي الْبَلَد؟ وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَيدل على صِحَة مقَالَة الشَّيْخ أبي الْحسن فِي الْفرق بَين الشَّهَادَة وَالْيَمِين أَنه عرض على أَوْلِيَاء الْمَقْتُول الْيَمين وَعلم أَنهم لم يحضروا بِخَيْبَر. قَوْله: إلَاّ فِي إِحْدَى وَفِي رِوَايَة أَحْمد بن حَرْب: إلَاّ بِإِحْدَى. قَوْله: قتل بجريرة نَفسه بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ الذَّنب وَالْجِنَايَة أَي: قتل نفسا بِمَا يجر إِلَى نَفسه من الذَّنب أَو الْجِنَايَة أَي: قتل ظلما فَقتل قصاصا. قَوْله: فَقتل على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى: فَقتل، على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي: قَتله رَسُول الله
قيل: هَذَا الحَدِيث حجَّة على أبي قلَابَة لِأَنَّهُ إِذا ثَبت الْقسَامَة فَقتل قصاصا أَيْضا. وَأجِيب: بِأَنَّهُ رُبمَا أجَاب بِأَنَّهُ بعد ثُبُوتهَا لَا يسْتَلْزم الْقصاص لانْتِفَاء الشَّرْط. قَوْله: أَو لَيْسَ؟ الْهمزَة للاستفهام وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر لَائِق بالْمقَام. قَوْله: فِي السرق بِفَتْح السِّين وَالرَّاء مصدر سرق سرقاً، وَقَالَ الْكرْمَانِي: السرق جمع سَارِق وبالكسر السّرقَة. قَوْله: وَسمر الْأَعْين بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَمَعْنَاهُ: كحلها بالمسامير. قَوْله: ثمَّ نبذهم أَي: طرحهم. قَوْله: من عكل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف وَهِي قَبيلَة. فَإِن قلت: قد تقدم فِي الطَّهَارَة: من العرنيين؟ . قلت: كَانَ بَعضهم من عكل وَبَعْضهمْ من العرنيين، وَثَبت كَذَلِك فِي بعض الطّرق. قَوْله: ثَمَانِيَة بِالنّصب بدل من نفر. قَوْله: فاستوخموا الأَرْض أَي: لم توافقهم وكرهوها، وَأَصله من الوخم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، يُقَال: وخم الطَّعَام إِذا ثقل فَلم يستمرىء فَهُوَ وخيم. قَوْله: فسقمت بِكَسْر الْقَاف. قَوْله: أجسامهم وَفِي رِوَايَة أَحْمد بن حَرْب: أَجْسَادهم. قَوْله: مَعَ راعينا اسْمه يسَار ضد الْيَمين النوبي بِضَم النُّون وبالباء الْمُوَحدَة. قَوْله: واطردوا النعم أَي: ساقوا الْإِبِل. قَوْله: فأدركوا على صِيغَة الْمَجْهُول وَهَذَا الحَدِيث قد مر أَكثر من عشر مَرَّات. مِنْهَا فِي كتاب الْوضُوء: قَوْله: فَقَالَ عَنْبَسَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ بِالسِّين الْمُهْملَة ابْن سعيد الْأمَوِي أَخُو عَمْرو بن سعيد الْأَشْدَق وَاسم جده الْعَاصِ بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة. وَكَانَ عَنْبَسَة من خِيَار أهل بَيته، وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان بعد أَن قتل أَخَاهُ عَمْرو بن سعيد يُكرمهُ، وَله رِوَايَة وأخبار مَعَ الْحجَّاج بن يُوسُف، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره. قَوْله: إِن سَمِعت كَالْيَوْمِ قطّ كلمة: إِن بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون بِمَعْنى: مَا، النافية ومفعول: سَمِعت، مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا سَمِعت قبل الْيَوْم مثل ماسمعت مِنْك الْيَوْم. قَوْله: فَقلت: أترد عليّ؟ الْقَائِل، أَبُو قلَابَة كَأَنَّهُ فهم من كَلَام عَنْبَسَة إِنْكَار مَا حدث بِهِ. قَوْله: قَالَ: لَا أَي: قَالَ عَنْبَسَة: لَا أرد عَلَيْك. قَوْله: هَذَا الشَّيْخ أَي: أَبُو قلَابَة. قَوْله: وَقد كَانَ إِلَى قَوْله: فوداه من عِنْده من كَلَام أبي قلَابَة، أورد فِيهِ لِأَنَّهُ قصَّة عبد الله بن سهل الْمَذْكُورَة. قَوْله: فِي هَذَا قَالَ الْكرْمَانِي أَي: فِي مثل هَذَا سنة، وَهِي أَنه يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ أَولا. قَوْله: دخل عَلَيْهِ إِلَى قَوْله: وَقد كَانَت هُذَيْل بَيَان الْقِصَّة الْمَذْكُورَة أَي: دخل على رَسُول الله فَقتل على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: فَإِذا هم كلمة ... إِذا، للمفاجأة قَوْله: يَتَشَحَّط بالشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: يضطرب. قَوْله: فَخرج رَسُول الله لَعَلَّه لما جاؤوه كَانَ فِي دَاخل بَيته أَو فِي الْمَسْجِد فَخرج إِلَيْهِم فأجابهم. قَوْله: أَو ترَوْنَ؟ بِضَم أَوله شكّ من الرَّاوِي وَهِي بِمَعْنى تظنون. قَوْله: نرى بِضَم النُّون أَي: نظن أَن الْيَهُود قتلته هَكَذَا بتاء التَّأْنِيث فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيره قَتله بِدُونِ التَّاء، وَقَالَ بَعضهم فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: قتلنه بِصِيغَة الْجمع. قلت: هَذَا غلط فَاحش لِأَنَّهُ مُفْرد مؤنث وَلَا يَصح أَن يَقُول: قتلنه، بالنُّون بعد اللَاّم لِأَنَّهُ صِيغَة جمع الْمُؤَنَّث. قَوْله: أَتَرْضَوْنَ نفل خمسين يَمِينا بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْفَاء وَبِفَتْحِهَا، وَهُوَ الْحلف. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال نفلته فنفل أَي: حلفته فَحلف، وَنفل وانتقل إِذا حلف، وأصل النَّفْل النَّفْي، يُقَال: نفلت الرجل عَن نسبه أَي: نفيته، وَسميت الْيَمين فِي الْقسَامَة نفلا لِأَن الْقصاص ينفى بهَا. قَوْله: ثمَّ يَنْتَفِلُونَ من بَاب الافتعال أَي: ثمَّ يحلفُونَ. قَوْله: بأيمان خمسين بِالْإِضَافَة أَو الْوَصْف. وَهُوَ أولى. قَوْله: مَا كُنَّا لنحلف بِكَسْر اللَّام وبنصب الْفَاء أَي: لِأَن نحلف. قَوْله: فَقلت الْقَائِل هُوَ أَبُو قلَابَة. قَوْله: وَقد كَانَت هُذَيْل بِضَم الْهَاء وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة، وَهِي الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة، ينسبون إِلَى هُذَيْل بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر، وَهِي قصَّة مَوْصُولَة بالسند الْمَذْكُور إِلَى أبي قلَابَة لَكِنَّهَا مُرْسلَة لِأَن أَبَا قلَابَة لم يدْرك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: حليفاً بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: خليعاً، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالعين الْمُهْملَة على وزن فعيل بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْعين، والخليع يُقَال لرجل قَالَ لَهُ قومه: مَا لنا مِنْك وَلَا علينا، وَبِالْعَكْسِ. وتخالع الْقَوْم إِذا نقضوا الْحلف فَإِذا فعلوا ذَلِك لم يطالبوه بِجِنَايَة، فكأنهم خلعوا الْيَمين الَّتِي كَانُوا كتبوها مَعَه، وَمِنْه سمي الْأَمِير إِذا عزل: خليعاً. قَوْله: فطرق بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة أَي: هجم عَلَيْهِم لَيْلًا. قَوْله: بالبطحاء أَي: ببطحاء مَكَّة، وَهُوَ وَاد بهَا الَّذِي فِيهِ حَصَاة اللين فِي بطن المسيل، والبطحاء
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَأَقَادَ) بالقاف (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، فيما (١) وصلَه ابنُ أبي شيبة (٢) (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، فيما وصلَه ابن أبي شيبة ومسدَّد جميعًا (٣) (وَعَلِيٌّ) هو: ابنُ أبي طالبٍ، ممَّا وصلَه ابن أبي شيبة (وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء مشددة بعدها نون، المزنيُّ، ممَّا وصلَه ابنُ أبي شيبة (مِنْ لَطْمَةٍ. وَأَقَادَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب ﵁ (مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ) بكسر الدال المهملة وتشديد الراء، آلةٌ يُضرب بها (وَأَقَادَ عَلِيٌّ) أي (٤): ابنُ أبي طالبٍ ﵁ (مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ) أخرجهُ (٥) ابنُ أبي شيبة وسعيدُ بن منصور من طريق فضيلِ بن عَمرو عن عبدِ الله بن معقِل -بكسر القاف- قال: كنتُ عند عليٍّ فجاءه رجلٌ فسارَّه، فقال: يا قَنْبَر -بفتح القاف والموحدة بينهما نون ساكنة آخره راء- اُخْرُجْ فاجلد هذا، فجاء المجلودُ، فقال: إنَّه زاد عليّ ثلاثةِ أسواطٍ، فقال: صدقَ، فقال (٦): خذِ السَّوط فاجلدْه ثلاثةَ أسواطٍ، ثمَّ قال: يا قَنْبر إذا جلدتَ فلا تتعدَّ الحدود (وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء بعدها تحتية ساكنة فمهملة، ابنُ الحارث القاضي (مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ) بضم الخاء المعجمة والميم وبعد الواو معجمة، الخُدُوْش زِنةً ومعنًى، وهذا وصلَه سعيدُ بن منصور في السَّوط، وابنُ أبي شيبة في الخُمُوش.
٦٨٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الهَمْدانيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ
عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ أنَّه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ) بدالين مهملتين، جعلنا له دواءً في أحدِ جانبي فمهِ بغيرِ اختيارهِ (فِي مَرَضِهِ) الَّذي توفِّي فيه (وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: لَا تَلُدُّونِي، قَالَ: فَقُلْنَا): نهيهُ هذا ليس للإيجابِ بل كرهه (كَرَاهِيَةَ) ولغير أبي ذرٍّ: «كَراهيةُ» بالرفع، أي: بل هو كراهية (المَرِيضِ بِالدَّوَاءِ) بالموحدة (فَلَمَّا أَفَاقَ) ﷺ (قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنهكُنَّ» بنون جمع الإناث، بدل ميم (١) جمع الذُّكور (أَنْ تَلُدُّونِي) بضم اللام (قَالَ: قُلْنَا كَرَاهِيَةًٌ لِلدَّوَاءِ) بالنَّصب وبالرَّفع منونًا، وللكُشمِيهنيِّ: «كَرَاهية المريضِ للدَّواء» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ) من الرِّجال والنِّساء (إِلَّا لُدَّ) بضم اللام وتشديد المهملة (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا العَبَّاسَ) ﵁ (فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ).
قيل: هذا الحديث لا يُناسب التَّرجمة؛ لأنَّه غيرُ ظاهرٍ في القِصاص؛ لاحتمال أن يكون عقوبةً لهم حيث خالفوا أمرَه ﵊. وقال شارح التَّراجم: أمَّا القِصاص من اللَّطمة والدِّرَّة والأسواط فليس من التَّرجمة؛ لأنَّه من شخصٍ واحدٍ، وقد يُجاب عنه بأنَّه إذا كان القود يؤخذ من هذه المحقِّرات، فكيف لا يُقاد من الجمعِ من الأمورِ العظائمِ، كالقتلِ والقطعِ وما أشبهَ (٢) ذلك.
والحديث سبق قريبًا في «باب القصاص بين الرِّجال والنِّساء» [خ¦٦٨٨٦].
(٢٢) (باب القَسَامَةِ) بفتح القاف، مأخوذةٌ من القَسَمِ وهو اليمين. وقال الأزهريُّ: القَسَامة اسمٌ للأولياء الَّذين يحلفون على استحقاقِ دمِ المقتولِ، وقيل: مأخوذةٌ من القسمةِ لقسمةِ الأيمانِ على الورثةِ، واليمين فيها من جانب المدَّعي؛ لأنَّ الظَّاهر معه بسببِ اللَّوْث المقتضِي لظنِّ صدقِهِ، وفي غير ذلك الظَّاهر مع المدَّعى عليه، فلذا خرج هذا عن الأصل.
(وَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) بالمثلثة الكنديُّ، ممَّا وصلُه في «الشهادات» [خ¦٢٦٦٩] وغيرها [خ¦٢٥١٥] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) برفع «شاهداكَ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: المثبت لدعواكَ شاهداكَ، «أو يمينه» عطفٌ عليه (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبدُ الله بن عُبيد الله (١) بن أبي مُلكيةَ -بضم الميم- واسمه: زُهير، ممَّا وصلَه حمَّاد بن سلمةَ في «مصنفه»، ومن طريقهِ (٢) ابن المنذر (لَمْ يُقِدْ) بضم الياء (٣) التحتية وكسر القاف من أقادَ، أي: لم يقتصَّ (بِهَا) بالقسامةِ (مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيان، وتوقَّف ابن بطَّال في ثبوته، فقال: قد صحَّ عن معاوية أنَّه أقادَ بها، ذكر ذلك عنه أبو الزِّناد في احتجاجهِ على أهل العراق، قال في «الفتح»: هو في صحيفةِ عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه، ومن طريقهِ أخرجه البيهقيُّ، وجمع بأنَّ معاوية لم يُقِد بها لمَّا وقعَتْ له، وكان الحكمَ في ذلك، ولمَّا وقعتْ لغيرِه وَكَلَ الأمرَ في ذلك إليهِ، فلفظ البيهقيِّ عن خارجةَ بن زيد بنِ ثابت، قال: قتلَ رجلٌ من الأنصارِ رجلًا من بني العَجْلان ولم يكنْ في ذلك بَيِّنَةٌ ولا لطْخٌ، فأجمعَ رأيُ النَّاس على أن تحلِفَ ولاةَ المقتولِ، ثمَّ يُسلَّم إليهم فيقتلوهُ، فركبْتُ إلى معاويةَ في ذلك، فكتبَ إلى سعيدِ بن العاص إن كان ما ذكرهُ حقًّا فافعلْ ما ذكروه، فدفعتُ الكتاب إلى سعيدٍ فأحلفَنَا خمسين يمينًا ثمَّ أسلمَه إلينا. انتهى.
فنُسب إلى معاوية أنَّه أقاد بها لكونه أذنَ في ذلك، ويحتمل أن يكون معاوية كان يَرى القودَ بها، ثمَّ رجعَ عن ذلك أو بالعكسِ (وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) رحمه الله تعالى (إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ) بفتح الهمزة والطاء المهملة بينهما راء ساكنة وبعد الألف هاء تأنيث غير منصرفٍ، الفزاريِّ (وَكَانَ) ابن عبد العزيز (أَمَّرَهُ) جعله أميرًا (عَلَى البَصْرَةِ) سنة تسع وتسعين (فِي) أمر (قَتِيلٍ وُجِدَ) بضم الواو وكسر الجيم (عِنْدَ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ السَّمَّانِينَ) الَّذين يبيعون السَّمن: (إِنْ وَجَدَ أَصْحَابُهُ) أي: أصحاب القتيلِ (بَيِّنَةً) يحكم بها (وَإِلَّا) أي: وإن لم يجد أصحابه بيِّنةً (فَلا تَظْلِمِ النَّاسَ) بالحكم في ذلك بغير بيِّنةٍ (فَإنَّ هَذَا لَا يُقْضَىَ) بضم التحتية وفتح الضاد المعجمة، أي: لا يحكُم (فِيْهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ). قال في «الفتح»: وقد اختلفَ على عمر بن عبد العزيز في القَوَد (٤)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
َ إِن جرحت فَفِيهَا حُكُومَة، وَالسَّبَب فِيهِ تعذر الْمُمَاثلَة، وَإِن كَانَت اللَّطْمَة على الخد فَفِيهَا الْقود. وَقَالَت طَائِفَة: لَا قصاص فِي اللَّطْمَة، رُوِيَ هَذَا عَن الْحسن وَقَتَادَة، وَهُوَ قَول مَالك والكوفيين وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا جرح فَفِيهِ حُكُومَة.
٦٨٩٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدثنَا يَحْياى عنْ سُفْيانَ، حدّثنا مُوساى بنُ أبي عائشَةَ، عنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله قَالَ: قالَتْ عائِشَةُ: لَدَدْنا رسولَ الله فِي مَرَضِهِ، وجَعَلَ يُشِيرُ إلَيْنا: لَا تَلُدُّونِي. قَالَ: فقُلْنا: كَراهِيَةُ المَرِيضِ بالدَّواءِ، فَلَمَّا أفاقَ قَالَ: ألَمْ أنْهَكُمْ أنْ تَلُدُّونِي؟ قَالَ: قُلْنا: كَراهِيَةٌ لِلدَّواءِ. فَقَالَ رسولُ الله لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أحَدٌ إلاّ لُدَّ، وَأَنا أنْظُرُ، إلاّ العَبَّاسَ فإنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ.
هَذَا الحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب الْقصاص بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة الْهَمدَانِي عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَحَدِيث اللدود لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْقصاص لاحْتِمَال أَن يكون عُقُوبَة لَهُم حَيْثُ خالفوا أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ شَارِح التراجم أما الْقصاص من اللَّطْمَة والدرة والأسواط فَلَيْسَ من التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ من شخص وَاحِد، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْقود يُؤْخَذ من هَذِه المحقرات فَكيف لَا يُقَاد من الْجمع من الْأُمُور الْعِظَام كَالْقَتْلِ وَالْقطع وَأَشْبَاه ذَلِك.
قَوْله: لَا تلدوني بِالضَّمِّ، وَقيل بِالْكَسْرِ. قَوْله: قَالَ أَي: قَالَ قَوْله: كَرَاهِيَة بِالنّصب وَالرَّفْع قَوْله: بالدواء ويروى: للدواء. قَوْله: ألم أنهكم؟ ويروى: ألم أنهكن؟ قَوْله: إلَاّ لد بِضَم اللَّام وَتَشْديد الدَّال على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: وَأَنا أنظر جملَة حَالية أَي: بحضوري وَحَالَة نَظَرِي إِلَيْهِ. قَوْله: إلَاّ الْعَبَّاس اسْتثِْنَاء من أحد وَهُوَ لم يكن حَاضرا وَقت اللد فَلَا قصاص عَلَيْهِ، وَمر الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب الْمَذْكُور فَليرْجع إِلَيْهِ.
٢٢ - (بابُ القَسامَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقسَامَة وأحكامها. والقسامة بِفَتْح الْقَاف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة مصدر أقسم قسما وقسامة، وَفِي بعض النّسخ: كتاب الْقسَامَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ مُشْتَقَّة من الْقسم على الدَّم أَو من قسمته الْيَمين انْتهى. يُقَال: أَقْسَمت إِذا حَلَفت، وَقسمت قسَامَة لِأَن فِيهَا الْيَمين، وَالصَّحِيح أَنَّهَا اسْم للأيمان. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: إِنَّهَا اسْم للأولياء الَّذين يحلفُونَ على اسْتِحْقَاق دم الْمَقْتُول، وَقَالَ ابْن سَيّده: الْقسَامَة الْجَمَاعَة يقسمون على الشَّيْء أَو يشْهدُونَ بِهِ، وَيَمِين الْقسَامَة منسوبة إِلَيْهِم ثمَّ أطلقت على الْأَيْمَان نَفسهَا.
وَقَالَ الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَاهِداكَ أوْ يَمِينُهُ
قَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بِذكرِهِ هُنَا إِلَى تَرْجِيح رِوَايَة سعيد بن عبيد فِي حَدِيث الْبَاب: أَن الَّذِي يبْدَأ فِي يَمِين الْقسَامَة الْمُدعى عَلَيْهِم. قلت: الظَّاهِر أَن البُخَارِيّ ذهب إِلَى ترك الْقَتْل بالقسامة لِأَنَّهُ صدر هَذَا الْبَاب، أَولا بِحَدِيث الْأَشْعَث بن قيس وَالْحكم فِيهِ مَقْصُور على الْبَيِّنَة أَو الْيَمين، ثمَّ ذكر عَن ابْن أبي مليكَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز بِالْإِرْسَال بِغَيْر إِسْنَاد، وروى ابْن أبي شيبَة عَن عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان عَن الْحسن: أَن أَبَا بكر وَعمر وَالْجَمَاعَة الأول لم يَكُونُوا يقتلُون بالقسامة، وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم بِسَنَدِهِ: الْقود بالقسامة جور، وَفِي رِوَايَة أبي معشر: الْقسَامَة يسْتَحق فِيهَا الدِّيَة وَلَا يُقَاد فِيهَا، كَذَا قَالَه قَتَادَة.
والأشعث بِسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن قيس الْكِنْدِيّ قدم على النَّبِي فِي سِتِّينَ رَاكِبًا من كِنْدَة وَأسلم ثمَّ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام بعد النَّبِي ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام فِي خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَات سنة أَرْبَعِينَ بعد قتل عَليّ بن أبي طَالب،
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَصلى عَلَيْهِ الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَحَدِيثه قد مضى مطولا مَوْصُولا فِي كتاب الشَّهَادَات ثمَّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
وَقَالَ ابنُ أبي مُلَيْكَةَ: لَمْ يُقِدْ بِها مُعاوَيَةُ.
أَي: قَالَ عبد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم واسْمه زُهَيْر وَهُوَ جد عبد الله وَأَبوهُ عبد الرحمان نسب إِلَى جده وَكَانَ قَاضِي ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: لم يقد بِضَم الْيَاء من أقاد أَي: لم يقْتَصّ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، يَعْنِي: لم يحكم بالقود فِي الْقسَامَة، وَوَصله حَمَّاد بن سَلمَة فِي مُصَنفه عَن ابْن أبي مليكَة: سَأَلَني عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن الْقسَامَة فَأَخْبَرته أَن عبد الله بن الزبير أقاد بهَا، وَأَن مُعَاوِيَة يَعْنِي ابْن أبي سُفْيَان لم يقد بهَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روينَا عَن مُعَاوِيَة خِلَافه، وَقَالَ ابْن بطال: وَقد صَحَّ عَن مُعَاوِيَة أَنه أقاد بهَا.
وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَديِّ بن أرْطاةُ وَكَانَ أمَّرَهُ عَلى البَصْرَةِ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ عنْدَ بَيْتٍ منْ بُيُوتِ السَّمَّانينَ: إنْ وَجَدَ أصْحابُهُ بَيِّنةً وإلَاّ فَلا تَظْلِمِ النَّاسَ، فإنَّ هاذا لَا يُقْضاى فِيهِ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ.
عدي بن أَرْطَاة غير منصرف الْفَزارِيّ من أهل دمشق. قَوْله: وَكَانَ أمره أَي: جعله أَمِيرا على الْبَصْرَة فِي سنة تسع وَتِسْعين وَقَتله مُعَاوِيَة بن يزِيد بن الْمُهلب فِي آخر سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة. قَوْله: فِي قَتِيل أَي: فِي أَمر قَتِيل. قَوْله: السمانين جمع سمان وهم الَّذين يبيعون السّمن. قَوْله: إِن وجد الخ بَيَان كتاب عمر بن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ إِن وجد أَصْحَاب الْقَتِيل بَيِّنَة فاحكم بهَا. قَوْله: وإلَاّ أَي: وَإِن لم يجد أَصْحَاب الْقَتِيل بَيِّنَة فَلَا تظلم النَّاس أَي: لَا تحكم بِشَيْء فِيهِ، فَإِن هَذِه الْقَضِيَّة من القضايا الَّتِي لَا يحكم فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِأَن فِيهَا الشَّهَادَة على الْغَائِب، وَشَهَادَة من لَا يصلح لَهَا. وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: دَعَاني عمر بن عبد الْعَزِيز فَسَأَلَنِي عَن الْقسَامَة، وَقَالَ: بدا لي أَن أردهَا. أَن الْأَعرَابِي يشْهد وَالرجل الْغَائِب يَجِيء فَيشْهد. قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك لن تَسْتَطِيع ردهَا، قضى بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْخُلَفَاء بعده، وَحدثنَا ابْن نمير حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة أَن سُلَيْمَان بن يسَار حدث أَن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: مَا رَأَيْت مثل الْقسَامَة قطّ أقيد بهَا، وَالله تَعَالَى يَقُول: {واشهدوا ذوى عدل مِنْكُم} وَقَالَت الأسباط: {وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا} قَالَ سُلَيْمَان: فَقلت: الْقسَامَة حق قضى بهَا رَسُول الله
٦٨٩٨ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ، حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُبَيْدٍ، عنْ بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ زَعَمَ أنَّ رَجُلاً منَ الأنْصارِ يُقالُ لهُ: سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَة أخْبَرَهُ أنَّ نَفَراً مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيها، ووَجَدُوا أحَدَهُمْ قَتِيلاً، وقالُوا لِلّذي وُجدَ فِيهِمْ: قَتَلْتُمْ صاحِبَنا قالُوا: مَا قتَلْنا وَلَا عَلِمْنا قاتِلاً فانْطَلَقُوا إِلَى النَّبيِّ فَقالُوا: يَا رسولَ الله انْطَلَقْنا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنا أحَدنا قَتيلاً. فَقَالَ: الكُبْرَ الكُبْرَ فَقَالَ لَهُمْ: تَأْتُونَ بِالبَيِّنَةِ عَلى مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالُوا: مَا لَنا بَيِّنَةٌ. قَالَ: فَيَحْلِفُونَ قالُوا: لَا نَرْضاى بأيْمانِ اليَهُود، فَكَرِهَ رسولُ الله أنْ يُبْطِلَ دَمَهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إبِلِ الصَّدَقَة.
أَي: ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مطابقاً لما قبله فِي عدم الْقود فِي الْقسَامَة، وَأَن الحكم فِيهَا مَقْصُور على الْبَيِّنَة وَالْيَمِين كَمَا فِي حَدِيث الْأَشْعَث.
وَأخرجه عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سعيد بن عبيد أبي الْهُذيْل الطَّائِي الْكُوفِي عَن بشير بِضَم
الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء ابْن يسَار بِفَتْح الْيَاء، آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة وبالراء الْمدنِي مولى الْأَنْصَار، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ شَيخا كَبِيرا فَقِيها أدْرك عَامَّة الصَّحَابَة، وَوَثَّقَهُ يحيى بن معِين وَالنَّسَائِيّ وكناه مُحَمَّد بن إِسْحَاق: أَبَا كيسَان، وَهُوَ يروي عَن سهل بن أبي حثْمَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: هُوَ سهل بن عبد الله بن أبي حثْمَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة واسْمه عَامر بن سَاعِدَة الْأنْصَارِيّ وكنيته أَبُو يحيى، وَقيل: أَبُو مُحَمَّد. والْحَدِيث مضى فِي الصُّلْح وَفِي الْجِزْيَة عَن مُسَدّد وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة، وَقد ذَكرْنَاهُ. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من أَربع طرق صِحَاح. الأول: قَالَ: حَدثنَا يُونُس قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن يحيى بن سعيد سمع بشير بن يسَار عَن سهل بن أبي حثْمَة قَالَ: وجد عبد الله بن سهل قَتِيلا فِي قليب من قُلُبِ خَيْبَر، فجَاء أَخُوهُ عبد الرحمان بن سهل وعماه حويصة ومحيصة ابْنا مَسْعُود إِلَى رَسُول الله فَذهب عبد الرحمان ليَتَكَلَّم فَقَالَ النَّبِي الْكبر الْكبر ليَتَكَلَّم أحد عميه إِمَّا حويصة وَإِمَّا محيصة، فَتكلم الْكَبِير مِنْهُمَا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّا وجدنَا عبد الله بن سهل قَتِيلا فِي قليب من قُلُب خَيْبَر، وَذكر عَدَاوَة الْيَهُود لَهُم، قَالَ: أفتبرئكم الْيَهُود بِخَمْسِينَ يَمِينا أَنهم لم يقتلوه؟ قَالَ: فَقلت: وَكَيف نرضى بأيمانهم وهم مشركون؟ قَالَ: فَيقسم مِنْكُم خَمْسُونَ أَنهم قَتَلُوهُ؟ قَالُوا: كَيفَ نقسم على مَا لم نره، فوداه رَسُول الله من عِنْده. وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا لِأَنَّهُ كالشرح لحَدِيث الْبَاب.
قَوْله: زعم أَي: قَالَ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة ابْن نمير: زعم، بل عِنْده: عَن سهل بن أبي حثْمَة الْأنْصَارِيّ أَنه أخبرهُ. قَوْله: أَن نَفرا بِفَتْح النُّون وَالْفَاء وَهُوَ رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَقد بَين الطَّحَاوِيّ هَؤُلَاءِ النَّفر وهم: عبد الرحمان بن سهل وعماه حويصة ومحيصة. قَوْله: ووجدوا أحدهم وَهُوَ عبد الله بن سهل. قَوْله: وَقَالُوا للَّذي وجد فيهم أَي: للَّذين وجد فيهم، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: {وخضتم كَالَّذي خَاضُوا} قَوْله: الْكبر الْكبر بِضَم الْكَاف فيهمَا وَبِالنَّصبِ فيهمَا على الإغراء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْكبر، بِضَم الْكَاف مصدر أَو جمع الْأَكْبَر أَو مُفْرد بِمَعْنى الْأَكْبَر، يُقَال: هُوَ كبرهم أَي: أكبرهم، ويروى: الْكبر بِكَسْر الْكَاف وَفتح الْبَاء أَي: كَبِير السن أَي: قدمُوا الْأَكْبَر سنا فِي الْكَلَام. قَوْله: أَن يبطل بِضَم الْيَاء من الْإِبْطَال وَيجوز فتحهَا من الْبطلَان. قَوْله: فوداه مائَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، بِمِائَة، بِزِيَادَة حرف الْبَاء. قَوْله: من إبل الصَّدَقَة وَزعم بَعضهم أَنه غلط من سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد من عِنْده. ووفق قوم بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه كَانَ اشْتَرَاهُ من إبل الصَّدَقَة بِمَال دَفعه من عِنْده، أَي: من بَيت المَال المرصد للْمصَالح، وَأطلق عَلَيْهِ الصَّدَقَة بِاعْتِبَار الِانْتِفَاع بِهِ مجَّانا لما فِي ذَلِك من قطع الْمُنَازعَة وَإِصْلَاح ذَات الْبَين.
وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام:
الأول: فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْقسَامَة فِي الدَّم، وَهُوَ أَمر كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فأقره رَسُول الله فِي الْإِسْلَام، وتوقفت طَائِفَة عَن الحكم بالقسامة، رُوِيَ ذَلِك عَن سَالم بن عبد الله بن عمر وَأبي قلَابَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحكم بن عتيبة، وَقد ذكرنَا بعض ذَلِك. الثَّانِي: أَن الْقَوْم إِذا اشْتَركُوا فِي معنى من معَان الدَّعْوَى وَغَيرهَا كَانَ أولاهم أَن يبْدَأ بالْكلَام أكبرهم. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز الْوكَالَة فِي الْمُطَالبَة بالحدود. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز وكَالَة الْحَاضِر لِأَن ولي الدَّم فِيهِ هُوَ عبد الرحمان بن سهل أَخُو الْقَتِيل وحويصة ومحيصة ابْنا عَمه. الْخَامِس: فِيهِ كَيْفيَّة الْقسَامَة الْوَاجِبَة فِيهِ. وَقد اخْتلفُوا فِيهَا، فَقَالَ يحيى بن سعيد وَأَبُو الزِّنَاد وَرَبِيعَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَاللَّيْث بن سعد: يسْتَحْلف المدعون بِالدَّمِ فَإِذا حلفوا استحقوا مَا ادعوا، وَهَذَا فِي الْقسَامَة خَاصَّة وَهُوَ يخص قَوْله الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر، لما روى عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر إلَاّ فِي الْقسَامَة وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث مَخْصُوص بِمَا أخبرنَا عَليّ بن بشير أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان حَدثنَا مطرف بن عبد الله حَدثنَا الزنْجِي عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم قَالَ: الْبَيِّنَة على من ادّعى وَالْيَمِين على من أنكر إلَاّ فِي الْقسَامَة وَقَالَ عُثْمَان البتي وَالْحسن بن صَالح وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الرحمان
بن أبي ليلى وَعبد الله بن شبْرمَة وعامر الشّعبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، رَحِمهم الله: يبْدَأ بأيمان الْمُدعى عَلَيْهِم فَيحلفُونَ ثمَّ يغرمون الدِّيَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَأَجَابُوا عَن حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب بِأَنَّهُ مَعْلُول من خَمْسَة وُجُوه. الأول: أَن الزنْجِي هُوَ مُسلم بن خَالِد شيخ الشَّافِعِي ضَعِيف، كَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ نَفسه فِي سنَنه فِي: بَاب من زعم أَن التَّرَاوِيح بِالْجَمَاعَة أفضل، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَالْبُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. الثَّانِي: أَن ابْن جريج لم يسمع من عَمْرو، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه فِي: بَاب وجوب الْفطْرَة على أهل الْبَادِيَة عَن البُخَارِيّ: أَن ابْن جريج لم يسمع من عَمْرو. الثَّالِث: الِاحْتِجَاج بِعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده مُخْتَلف فِيهِ. الرَّابِع: أَن الزنْجِي مَعَ ضعفه خَالفه عبد الرَّزَّاق وحجاج وَقَتَادَة فَرَوَوْه عَن ابْن جريج عَن عَمْرو مُرْسلا، كَذَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه الْخَامِس: أَن الزنْجِي اخْتلف عَلَيْهِ فِيهِ. قَالَ الذَّهَبِيّ: قَالَ عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الرَّازِيّ: حَدثنَا مُسلم بن خَالِد الزنْجِي عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله قَالَ: الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر إلَاّ فِي الْقسَامَة
السَّادِس: من الْأَحْكَام فِيهِ أَن الْقَتِيل إِذا وجد فِي الْمحلة فالقسامة وَالدية على أهل الْمحلة.
وَقَالَ أَبُو عمر: مَا نعلم فِي شَيْء من الْأَحْكَام المروية عَن رَسُول الله فِي الِاضْطِرَاب والتضاد مَا فِي هَذِه الْقَضِيَّة فَإِن الْآثَار فِيهَا متضادة متدافعة، وَهِي قَضِيَّة وَاحِدَة. وَذكر أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي فِي معرفَة الرِّجَال عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ: سَمِعت عَمْرو بن شُعَيْب يحلف فِي الْمَسْجِد الْحَرَام: وَالله الَّذِي لَا إلاه إلَاّ هُوَ إِن حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة فِي الْقسَامَة لَيْسَ كَمَا حدث، وَلَقَد وهم. وَقَالَ أَبُو عمر: وَقد خطأ جمَاعَة من أهل الحَدِيث حَدِيث سعيد بن عبيد وذموا البُخَارِيّ فِي تَخْرِيجه وَتَركه رِوَايَة يحيى بن سعيد. قَالَ الْأصيلِيّ: أسْندهُ عَن يحيى شُعْبَة وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَعِيسَى بن حَمَّاد وَبشر بن الْمفضل وَهَؤُلَاء سِتَّة نفر أسندوه، وأرسله مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن بشير بن يسَار، وَلم يذكر سهل بن أبي حثْمَة. وَقَالَ الْأَثْرَم: قَالَ أَحْمد: الَّذِي أذهب إِلَيْهِ فِي الْقسَامَة حَدِيث بشير من رِوَايَة يحيى فقد وَصله عَنهُ حفاظ وَهُوَ أصح من حَدِيث سعيد بن عبيد. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا أعلم أحدا تَابع سعيد بن عبيد على رِوَايَته عَن بشير، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح قد ذكره الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حبيب بن أبي ثَابت عَن بشير مثله.
قلت: حَدِيث يحيى بن سعيد رَوَاهُ مُسلم من طرق عديدة مِنْهَا: مَا رَوَاهُ وَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا لَيْث عَن يحيى بن سعيد عَن بشير بن يسَار عَن سهل بن أبي حثْمَة، قَالَ يحيى: وحسبت قَالَ: وَعَن رَافع بن خديج أَنَّهُمَا قَالَا: خرج عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مَسْعُود بن زيد حَتَّى إِذا كَانَا بِخَيْبَر تفَرقا فِي بعض مَا هُنَالك، ثمَّ إِذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قَتِيلا، فدفنه ثمَّ أقبل إِلَى رَسُول الله هُوَ وحويصة بن مَسْعُود وَعبد الرحمان بن سهل وَكَانَ أَصْغَر الْقَوْم، فَذهب عبد الرحمان ليَتَكَلَّم قبل صَاحبه فَقَالَ لَهُ رَسُول كبر الْكبر فِي السن، فَصمت وَتكلم صَاحِبَاه وَتكلم مَعَهُمَا، فَذكرُوا لرَسُول الله مقتل عبد الله بن سهل، فَقَالَ لَهُم: أتحلفون خمسين يَمِينا فتستحقون صَاحبكُم؟ قَالُوا: كَيفَ نحلف وَلم نشْهد؟ قَالَ: فتبرئكم يهود بِخَمْسِينَ يَمِينا؟ قَالُوا: وَكَيف نقبل أَيْمَان كفار؟ فَلَمَّا رأى ذَلِك رَسُول الله أعْطى عقله.
٦٨٩٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدّثنا أبُو بِشْرٍ إسْماعِيلُ بنُ إبْراهِيمَ الأسَدِيُّ، حدّثنا الحَجَّاجُ ابنُ أبي عُثمانَ، حدّثني أبُو رجاءٍ مِنْ آلِ أبي قِلابَةَ، حدّثني أبُو قِلابَةَ أنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العزِيزِ أبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْماً لِلنَّاسِ، ثُمَّ أذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي القَسامَةِ؟ قَالَ: نَقُولُ: القَسامَةُ القَوَد بِها حَقٌّ، وقَدْ أقادَتْ بِها الخُلَفاءُ. قَالَ لي: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قلَابَة؟ ونَصَبَنِي لِلنَّاسِ. فَقُلْتُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ رُؤُوسُ الأجْنادِ وأشْرافُ العَرَبِ، أرَأيْتَ لَوْ أنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلى رَجُلٍ مُحْصَن
بِدِمَشْقَ أنَّهُ قَدْ زَنَى ولَمْ يَرَوْهُ، أكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلى رَجُلٍ بِحِمْصَ أنهُ سَرَقَ أكُنْتَ تَقْطَعُهُ ولَمْ يَرَوْهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَوَالله مَا قَتَلَ رسولُ الله أحَداً قَط، إلاّ فِي إحْدَى ثَلاثِ خِصالٍ: رَجُلٌ قَتَلَ بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِلَ، أوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ رَجُلٌ حارَبَ الله ورَسُولَهُ وارْتَدَّ عَنِ الإسْلَامِ. فَقَالَ القَوْمُ: أوَ لَيْسَ قَدْ حَدَّثَ أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله قَطَعَ فِي السَّرَقِ، وسَمَرَ الأعْيُنَ ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ؟ فَقُلْتُ: أَنا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثَ أنَس.
حدّثني أنَس أنَّ نَفَراً مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلى رسولِ الله فَبَايَعُوهُ عَلى الإسْلامِ فاسْتَوْخَمُوا الأرْضَ فَسَقِمَتْ أجْسامُهُمْ، فَشَكَوْا ذالِكَ إِلَى رسولِ الله قَالَ: أفَلا تَخْرُجُونَ مَعَ راعِينا فِي إبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ ألْبانِها وأبْوالِها قالُوا: بَلاى، فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ ألْبانِها وأبْوالِها فَصَحُّوا فَقَتلُوا راعِيَ رسولِ الله وأطْرَدُوا النَعَمَ، فَبَلَغَ ذالِكَ رسولَ الله فأرْسَلَ فِي آثارِهِمْ، فأُدْركُوا فَجِيءَ بِهِمْ فأمَرَ بِهِمْ فَقُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ وسَمَرَ أعْيُنَهُمْ ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ، حتَّى ماتُوا. قُلْتُ: وأيُّ شيءٍ أشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ؟ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وَقَتَلُوا، وَسَرَقُوا. فَقَالَ عَنْبَسَةُ بنُ سَعيدٍ: وَالله إنْ سَمِعْتُ كاليَوْمِ قَطُّ. فَقُلْتُ: أتَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي يَا عَنْبَسَةُ؟ قَالَ: لَا، ولاكِنْ جِئْتَ بِالحَدِيثِ عَلى وَجْهِهِ، وَالله لَا يَزالُ هاذا الجُنْدُ بِخَيْرٍ مَا عاشَ هاذا الشَّيْخُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ فِي هاذا سُنَّةٌ مِنْ رسولِ الله دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِن الأنْصارِ فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَيْن أيْدِيهِمْ فقُتِلَ، فَخَرَجُوا بَعْدَهُ فَإِذا هُمْ بِصاحِبِهِمْ يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُول الله فقالُوا: يَا رسولَ الله صاحِبنا كَانَ تَحَدَّثَ مَعَنا فَخَرَجَ بَيْنَ أيْدينا فَإِذا نَحْنُ بِهِ يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ، فَخَرَجَ رسولُ الله فَقَالَ: بِمَنْ تَظُنَّونَ أوْ تَرَوْنَ قَتْلَهُ؟ قالُوا: نَراى أنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ. فأرْسَلَ إِلَى اليَهُودِ فَدَعاهُمْ، فَقَالَ: آنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذا؟ قالُوا: لَا. قَالَ: أتَرْضَوْنَ نَفَلَ خَمْسِينَ مِنَ اليَهُودِ مَا قَتَلُوهُ؟ فقالُوا: مَا يُبالُونَ أنْ يَقْتُلونا أجْمَعِينَ، ثُم يَنْتَفِلُونَ. قَالَ: أفَتَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ بِأيْمانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ قالُوا: مَا كنَّا لِنَحْلِفَ. فَوَداهُ مِنْ عِنْدِهِ. قُلْتُ: وقَدْ كانَتْ هُذَيْلٌ خَلَعُوا حَلِيفاً لَهُمْ فِي الجاهِلِيَّةِ، فَطَرَقَ أهْلَ بَيْتٍ مِنَ اليَمَنِ بِالبَطْحاءِ فانْتَبَهَ لهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَحَذَفَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، فَجاءَتْ هُذَيْلٌ فأخَذُوا اليَمانِيَ فَرَفَعُوهُ إِلَى عُمَرَ بِالمَوْسِمِ، وقالُوا: قَتَلَ صاحِبَنا. فَقَالَ: إنَّهُمْ قَد خَلَعُوهُ. فَقَالَ: يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْ هُذَيْلٍ مَا خَلَعُوهُ؟ قَالَ: فأقْسَمَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وأرْبَعُونَ رَجُلاً، وقَدِمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنَ الشَّأمِ، فَسَألُوهُ أنْ يُقْسِمَ فافْتَدَى يَمِينَهُ مِنْهُمْ بألْفِ دِرْهَمٍ، فأدْخَلُوا مَكانَهُ رَجُلاً آخَرَ، فَدَفَعَهُ إِلَى أخِي المَقْتُولِ، فَقُرِنَتْ يَدُهُ بِيَدِهِ. قالُوا: فانْطَلَقْنا والخَمْسُونَ الّذِينَ أقْسَمُوا، حتَّى إِذا كانُوا بِنَخْلَةَ
أخَذَتْهُمُ السَّماءُ، فَدَخَلُوا فِي غارٍ فِي الجَبَلِ فانْهَجَمَ الغارُ عَلى الخَمْسِينَ الّذِينَ أقْسَمُوا، فَماتُوا جَمِيعاً، وأفْلَتَ القَرينانِ واتَّبَعَهُما حَجَرٌ، فَكَسَرَ رِجْلَ أخِي المَقْتُولِ، فَعاشَ حَوْلاً ثُمَّ مَاتَ. قُلْتُ: وقَدْ كَانَ عَبْدُ المَلِكِ بنِ مَرْوانَ أقادَ رَجُلاً بِالقَسامَةِ، ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَ مَا صَنَعَ، فأمَرَ بالخَمْسِينَ الذِينَ أقْسَمُوا، فَمَحُوا مِنَ الدِّيوانِ وسَيَّرَهُمْ إِلَى الشَّامِ.
إِيرَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث هُنَا من حَيْثُ إِن الْحلف فِيهِ توجه أَولا على الْمُدعى عَلَيْهِ لَا على الْمُدَّعِي كقصة النَّفر من الْأَنْصَار.
وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة هُوَ إِسْمَاعِيل الْمَشْهُور بِابْن علية اسْم أمه الْأَسدي بِفَتْح السِّين مَنْسُوب إِلَى بني أَسد بن خُزَيْمَة لِأَن أَصله بل من مواليهم، وَالْحجاج بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْجِيم الأولى هُوَ الْمَعْرُوف بِالصَّوَابِ، وَاسم أبي عُثْمَان ميسرَة، وَقيل: سَالم، وكنية الْحجَّاج أَبُو الصَّلْت، وَيُقَال غير ذَلِك، وَهُوَ بَصرِي وَهُوَ مولى بني كِنْدَة، وَأَبُو رَجَاء ضد الْخَوْف اسْمه سلمَان وَهُوَ مولى أبي قلَابَة بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام عبد الله بن زيد الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء، وَوَقع هَاهُنَا من آل أبي قلَابَة. وَفِيه تجوز، فَإِنَّهُ مِنْهُم بِاعْتِبَار الْوَلَاء لَا بِالْأَصَالَةِ.
وَقد أخرجه أَحْمد فَقَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا حجاج عَن أبي رَجَاء مولى أبي قلَابَة، وَكَذَا عِنْد مُسلم عَن أبي شيبَة.
وَعمر بن عبد الْعَزِيز هُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ. من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين. قَوْله: أبرز أَي: أظهر سَرِيره وَهُوَ مَا جرت عَادَة الْخُلَفَاء بالاختصاص بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَالْمرَاد بِهِ أَنه أخرجه إِلَى ظَاهر الدَّار لَا إِلَى جِهَة الشَّارِع، وَكَانَ ذَلِك زمن خِلَافَته وَهُوَ بِالشَّام. قَوْله: ثمَّ أذن لَهُم أَي: للنَّاس فَدَخَلُوا عِنْده. قَوْله: الْقسَامَة الْقود بهَا حق الْقسَامَة مُبْتَدأ. وَقَوله: الْقود مُبْتَدأ ثَان، وَحقّ خَبره وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأولى وَمعنى حق وَاجِب. قَوْله: الْخُلَفَاء نَحْو مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَعبد الله بن الزبير وَعبد الْملك بن مَرْوَان، لِأَنَّهُ نقل عَنْهُم أَنهم كَانُوا يرَوْنَ الْقود بالقسامة. قَوْله: يَا با قلَابَة أَصله: يَا أَبَا قلَابَة، بِالْهَمْزَةِ حذفت للتَّخْفِيف، وَأَبُو قلَابَة هُوَ الرَّاوِي فِي الحَدِيث. قَوْله: ونصبني قَالَ الْكرْمَانِي أَي: أجلسني خلف سَرِيره للإفتاء ولإسماع الْعلم. وَقيل: مَعْنَاهُ أبرزني لمناظرتهم، أَو لكَونه خلف السرير فَأمره أَن يظْهر، وَهَذَا التَّفْسِير أحسن ويساعده رِوَايَة أبي عوَانَة: وَأَبُو قلَابَة خلف السرير قَاعد، فَالْتَفت إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة؟ قَوْله: رُؤُوس الأجناد بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْجِيم: جمع جند، وَهُوَ فِي الأَصْل الْأَنْصَار والأعوان ثمَّ اشْتهر فِي الْمُقَاتلَة، وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قسم الشَّام بعد موت أبي عُبَيْدَة ومعاذ على كل أَرْبَعَة أُمَرَاء مَعَ كل أَمِير جند، فَكَانَ كل من فلسطين ودمشق وحمص وقنسرين يُسمى جنداً باسم الْجند الَّذين نزلوها. وَقيل: كَانَ الرَّابِع الْأُرْدُن، وَإِنَّمَا أفردت قنسرين بعد ذَلِك وَكَانَ أُمَرَاء الأجناد خَالِد بن الْوَلِيد، وَيزِيد بن أبي سُفْيَان، وشرحبيل بن حَسَنَة، وَعَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: وأشراف الْعَرَب وَفِي رِوَايَة أَحْمد بن حَرْب: وأشراف النَّاس، الْأَشْرَاف جمع شرف يُقَال: فلَان شرف قومه، أَي: رئيسهم وكريمهم وَذُو قدر وَقِيمَة عِنْدهم يرفع النَّاس أَبْصَارهم للنَّظَر إِلَيْهِ ويستشرفونه. قَوْله: أَرَأَيْت؟ أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: بِدِمَشْق أَي: كَائِن بِدِمَشْق بكسرالدال وَفتح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْبَلَد الْمَشْهُور بِالشَّام ديار الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام. قَوْله: بحمص بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم بلد مَشْهُور بِالشَّام، وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: لم يمثل أَبُو قلَابَة بِمَا شبهه لِأَن الشَّهَادَة طريقها غير طَرِيق الْيَمين. وَقَالَ: وَالْعجب من عمر بن عبد العزيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مكانته من الْعلم كَيفَ لم يُعَارض أَبَا قلَابَة فِي قَوْله وَلَيْسَ أَبُو قلَابَة من فُقَهَاء التَّابِعين، وَهُوَ عِنْد النَّاس مَعْدُود فِي الْبَلَد؟ وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَيدل على صِحَة مقَالَة الشَّيْخ أبي الْحسن فِي الْفرق بَين الشَّهَادَة وَالْيَمِين أَنه عرض على أَوْلِيَاء الْمَقْتُول الْيَمين وَعلم أَنهم لم يحضروا بِخَيْبَر. قَوْله: إلَاّ فِي إِحْدَى وَفِي رِوَايَة أَحْمد بن حَرْب: إلَاّ بِإِحْدَى. قَوْله: قتل بجريرة نَفسه بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ الذَّنب وَالْجِنَايَة أَي: قتل نفسا بِمَا يجر إِلَى نَفسه من الذَّنب أَو الْجِنَايَة أَي: قتل ظلما فَقتل قصاصا. قَوْله: فَقتل على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى: فَقتل، على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي: قَتله رَسُول الله
قيل: هَذَا الحَدِيث حجَّة على أبي قلَابَة لِأَنَّهُ إِذا ثَبت الْقسَامَة فَقتل قصاصا أَيْضا. وَأجِيب: بِأَنَّهُ رُبمَا أجَاب بِأَنَّهُ بعد ثُبُوتهَا لَا يسْتَلْزم الْقصاص لانْتِفَاء الشَّرْط. قَوْله: أَو لَيْسَ؟ الْهمزَة للاستفهام وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر لَائِق بالْمقَام. قَوْله: فِي السرق بِفَتْح السِّين وَالرَّاء مصدر سرق سرقاً، وَقَالَ الْكرْمَانِي: السرق جمع سَارِق وبالكسر السّرقَة. قَوْله: وَسمر الْأَعْين بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَمَعْنَاهُ: كحلها بالمسامير. قَوْله: ثمَّ نبذهم أَي: طرحهم. قَوْله: من عكل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف وَهِي قَبيلَة. فَإِن قلت: قد تقدم فِي الطَّهَارَة: من العرنيين؟ . قلت: كَانَ بَعضهم من عكل وَبَعْضهمْ من العرنيين، وَثَبت كَذَلِك فِي بعض الطّرق. قَوْله: ثَمَانِيَة بِالنّصب بدل من نفر. قَوْله: فاستوخموا الأَرْض أَي: لم توافقهم وكرهوها، وَأَصله من الوخم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، يُقَال: وخم الطَّعَام إِذا ثقل فَلم يستمرىء فَهُوَ وخيم. قَوْله: فسقمت بِكَسْر الْقَاف. قَوْله: أجسامهم وَفِي رِوَايَة أَحْمد بن حَرْب: أَجْسَادهم. قَوْله: مَعَ راعينا اسْمه يسَار ضد الْيَمين النوبي بِضَم النُّون وبالباء الْمُوَحدَة. قَوْله: واطردوا النعم أَي: ساقوا الْإِبِل. قَوْله: فأدركوا على صِيغَة الْمَجْهُول وَهَذَا الحَدِيث قد مر أَكثر من عشر مَرَّات. مِنْهَا فِي كتاب الْوضُوء: قَوْله: فَقَالَ عَنْبَسَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ بِالسِّين الْمُهْملَة ابْن سعيد الْأمَوِي أَخُو عَمْرو بن سعيد الْأَشْدَق وَاسم جده الْعَاصِ بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة. وَكَانَ عَنْبَسَة من خِيَار أهل بَيته، وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان بعد أَن قتل أَخَاهُ عَمْرو بن سعيد يُكرمهُ، وَله رِوَايَة وأخبار مَعَ الْحجَّاج بن يُوسُف، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره. قَوْله: إِن سَمِعت كَالْيَوْمِ قطّ كلمة: إِن بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون بِمَعْنى: مَا، النافية ومفعول: سَمِعت، مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا سَمِعت قبل الْيَوْم مثل ماسمعت مِنْك الْيَوْم. قَوْله: فَقلت: أترد عليّ؟ الْقَائِل، أَبُو قلَابَة كَأَنَّهُ فهم من كَلَام عَنْبَسَة إِنْكَار مَا حدث بِهِ. قَوْله: قَالَ: لَا أَي: قَالَ عَنْبَسَة: لَا أرد عَلَيْك. قَوْله: هَذَا الشَّيْخ أَي: أَبُو قلَابَة. قَوْله: وَقد كَانَ إِلَى قَوْله: فوداه من عِنْده من كَلَام أبي قلَابَة، أورد فِيهِ لِأَنَّهُ قصَّة عبد الله بن سهل الْمَذْكُورَة. قَوْله: فِي هَذَا قَالَ الْكرْمَانِي أَي: فِي مثل هَذَا سنة، وَهِي أَنه يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ أَولا. قَوْله: دخل عَلَيْهِ إِلَى قَوْله: وَقد كَانَت هُذَيْل بَيَان الْقِصَّة الْمَذْكُورَة أَي: دخل على رَسُول الله فَقتل على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله: فَإِذا هم كلمة ... إِذا، للمفاجأة قَوْله: يَتَشَحَّط بالشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: يضطرب. قَوْله: فَخرج رَسُول الله لَعَلَّه لما جاؤوه كَانَ فِي دَاخل بَيته أَو فِي الْمَسْجِد فَخرج إِلَيْهِم فأجابهم. قَوْله: أَو ترَوْنَ؟ بِضَم أَوله شكّ من الرَّاوِي وَهِي بِمَعْنى تظنون. قَوْله: نرى بِضَم النُّون أَي: نظن أَن الْيَهُود قتلته هَكَذَا بتاء التَّأْنِيث فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيره قَتله بِدُونِ التَّاء، وَقَالَ بَعضهم فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: قتلنه بِصِيغَة الْجمع. قلت: هَذَا غلط فَاحش لِأَنَّهُ مُفْرد مؤنث وَلَا يَصح أَن يَقُول: قتلنه، بالنُّون بعد اللَاّم لِأَنَّهُ صِيغَة جمع الْمُؤَنَّث. قَوْله: أَتَرْضَوْنَ نفل خمسين يَمِينا بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْفَاء وَبِفَتْحِهَا، وَهُوَ الْحلف. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال نفلته فنفل أَي: حلفته فَحلف، وَنفل وانتقل إِذا حلف، وأصل النَّفْل النَّفْي، يُقَال: نفلت الرجل عَن نسبه أَي: نفيته، وَسميت الْيَمين فِي الْقسَامَة نفلا لِأَن الْقصاص ينفى بهَا. قَوْله: ثمَّ يَنْتَفِلُونَ من بَاب الافتعال أَي: ثمَّ يحلفُونَ. قَوْله: بأيمان خمسين بِالْإِضَافَة أَو الْوَصْف. وَهُوَ أولى. قَوْله: مَا كُنَّا لنحلف بِكَسْر اللَّام وبنصب الْفَاء أَي: لِأَن نحلف. قَوْله: فَقلت الْقَائِل هُوَ أَبُو قلَابَة. قَوْله: وَقد كَانَت هُذَيْل بِضَم الْهَاء وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة، وَهِي الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة، ينسبون إِلَى هُذَيْل بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر، وَهِي قصَّة مَوْصُولَة بالسند الْمَذْكُور إِلَى أبي قلَابَة لَكِنَّهَا مُرْسلَة لِأَن أَبَا قلَابَة لم يدْرك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: حليفاً بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: خليعاً، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالعين الْمُهْملَة على وزن فعيل بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْعين، والخليع يُقَال لرجل قَالَ لَهُ قومه: مَا لنا مِنْك وَلَا علينا، وَبِالْعَكْسِ. وتخالع الْقَوْم إِذا نقضوا الْحلف فَإِذا فعلوا ذَلِك لم يطالبوه بِجِنَايَة، فكأنهم خلعوا الْيَمين الَّتِي كَانُوا كتبوها مَعَه، وَمِنْه سمي الْأَمِير إِذا عزل: خليعاً. قَوْله: فطرق بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة أَي: هجم عَلَيْهِم لَيْلًا. قَوْله: بالبطحاء أَي: ببطحاء مَكَّة، وَهُوَ وَاد بهَا الَّذِي فِيهِ حَصَاة اللين فِي بطن المسيل، والبطحاء