الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 16 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
تفسير سورة يونس [ وهي مكية ] أما الحروف المقطعة في أوائل السور ، فقد تقدم الكلام عليها [ مستوفى ] في أوائل سورة البقرة .
وقال أبو الضحى ، عن ابن عباس في قوله تعالى : " الر " ، أي : أنا الله أرى .
وكذا قال الضحاك وغيره .
( تلك آيات الكتاب الحكيم ) أي : هذه آيات القرآن المحكم المبين وقال مجاهد : ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم ) [ قال : التوراة والإنجيل ] .
[ وقال الحسن : التوراة والزبور ] .
وقال قتادة : ( تلك آيات الكتاب ) قال : الكتب التي كانت قبل القرآن .
وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه .
القول في تأويل قوله تعالى : الر قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.
فقال بعضهم تأويله: أنا الله أرى.
* ذكر من قال ذلك: 17518- حدثنا يحيى بن داود بن ميمون الواسطي قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله : ( الر )، أنا الله أرى.
(1) 17519- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قوله: ( الر )، قال: أنا الله أرى.
وقال آخرون: هي حروف من اسم الله الذي هو " الرحمن ".
*ذكر من قال ذلك: 17520- حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا علي بن الحسين قال حدثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ( الر ) و ( حم ) و ( نون ) حروف " الرَّحمن " مقطعةً.
17521- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا عيسى بن عبيد عن الحسين بن عثمان قال: ذكر سالم بن عبد الله: ( الر ) و ( حم ) و ( نون )، فقال: اسم " الرحمن " مقطع ، ثم قال: " الرحمن ".
17522- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا مندل عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: ( الر ) و ( حم ) و ( نون )، هو اسم " الرحمن ".
17523- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن عامر : أنه سئل عن: ( الر ) و ( حم ) و ( ص )، قال: هي أسماء من أسماء الله مقطعة بالهجاء، فإذا وصلتها كانت اسمًا من أسماء الله تعالى.
* * * وقال آخرون: هي اسم من أسماء القرآن.
*ذكر من قال ذلك: 17524- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( الر )، اسم من أسماء القرآن.
* * * قال أبو جعفر : وقد ذكرنا اختلاف الناس ، وما إليه ذهب كل قائل في الذي قال فيه وما الصواب لدينا من القول في ذلك في نظيره، وذلك في أول " سورة البقرة "، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
(2) وإنما ذكرنا في هذا الموضع القدرَ الذي ذكرنا ، لمخالفة من ذكرنا قوله في هذا ، قوله في ( الم ) ، فأما الذين وفَّقوا بيْن معاني جميع ذلك، فقد ذكرنا قولهم هناك ، مكتفًى عن الإعادة ههنا.
(3) * * * القول في تأويل قوله تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) قال أبو جعفر: اختلف في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: تلك آيات التوراة.
* ذكر من قال ذلك: 17525- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن مجاهد: ( تلك آيات الكتاب الحكيم )، قال: التوراة والإنجيل.
17526-.
.
.
.
قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: ( تلك آيات الكتاب )، قال: الكُتُب التي كانت قبل القرآن.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: هذه آيات القرآن.
* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوّله: " هذه آيات القرآن "، ووجّه معنى (تلك) إلى معنى " هذه "، وقد بينا وجه توجيه ( تلك ) إلى هذا المعنى في " سورة البقرة " ، بما أغنى عن إعادته.
(4) * * * و ( الآيات )، الأعلام ، و (الكتاب)، اسم من أسماء القرآن، وقد بينا كل ذلك فيما مضى قبل.
(5) * * * وإنما قلنا: هذا التأويل أولى في ذلك بالصواب، لأنه لم يجيء للْتوراة والإنجيل قبلُ ذكرٌ ولا تلاوةٌ بعدُ، فيوجه إليه الخبر.
فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: والرحمن، هذه آيات القرآن الحكيم.
* * * ومعنى ( الحكيم ) ، في هذا الموضع، " المحكم " ، صرف " مُفْعَل " إلى " فعيل "، كما قيل: عَذَابٌ أَلِيمٌ ، بمعنى مؤلم، (6) وكما قال الشاعر: (7) *أمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ* (8) وقد بينا ذلك في غير موضع من الكتاب.
(9) فمعناه إذًا: تلك آيات الكتاب المحكم ، الذي أحكمه الله وبينه لعباده، كما قال جل ثناؤه: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [سورة هود : 1] ----------------------- الهوامش : (1) الأثر : 17518 - " يحيى بن داود بن ميمون الواسطي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 4451 ، 11545 .
(2) انظر ما سلف 1 : 205 - 224 .
(3) في المطبوعة : " ومكتفيًا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .
(4) انظر ما سلف 1 : 225 - 228 .
(5) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أي ) .
وتفسير " الكتاب " فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .
(6) انظر تفسير " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .
(7) هو عمرو بن معديكرب الزبيدي .
(8) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 1 : 283 .
(9) انظر ما سلف 1 : 283 ، 284 ، وغيره من المواضع في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها .
بسم الله الرحمن الرحيمسورة يونسسورة يونس عليه السلام مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر .
وقال ابن عباس إلا ثلاث آيات من قوله تعالى : فإن كنت في شك إلى آخرهن .
وقال مقاتل : إلا آيتين وهي قوله : فإن كنت في شك نزلت بالمدينة .
وقال الكلبي : مكية إلا قوله : ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به نزلت بالمدينة في اليهود .
وقالت فرقة : نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة وباقيها بالمدينة .بسم الله الرحمن الرحيمالر تلك آيات الكتاب الحكيم قوله تعالى ( الر ) قال النحاس : قرئ على أبي جعفر أحمد بن شعيب بن علي بن الحسين بن حريث قال : أخبرنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد أن عكرمة حدثه عن ابن عباس : الر ، وحم ، ونون حروف الرحمن مفرقة ; فحدثت به الأعمش فقال : عندك أشباه هذا ولا تخبرني به ؟
.
وعن ابن عباس أيضا قال : ( الر ) أنا الله أرى .
قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول ; لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب وأنشد :بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تاوقال الحسن وعكرمة : ( الر ) قسم .
وقال سعيد عن قتادة : ( الر ) اسم السورة ; قال : وكذلك كل هجاء في القرآن .
وقال مجاهد : هي فواتح السور .
وقال محمد بن يزيد : هي تنبيه ، وكذا حروف التهجي .
وقرئ ( الر ) من غير إمالة .
وقرئ بالإمالة لئلا تشبه " ما " و " لا " من الحروف .قوله تعالى تلك آيات الكتاب الحكيم ابتداء وخبر ; أي تلك التي جرى ذكرها [ ص: 221 ] آيات الكتاب الحكيم .
قال مجاهد وقتادة : أراد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ; فإن ( تلك ) إشارة إلى غائب مؤنث .
وقيل : ( تلك ) بمعنى هذه ; أي هذه آيات الكتاب الحكيم .
ومنه قول الأعشى :تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيبأي هذه خيلي .
والمراد القرآن وهو أولى بالصواب ; لأنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر ، ولأن الحكيم من نعت القرآن .
دليله قوله تعالى : الر كتاب أحكمت آياته وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة " البقرة " .
والحكيم : المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام ; قالهأبو عبيدة وغيره .
وقيل : الحكيم بمعنى الحاكم ; أي إنه حاكم بالحلال والحرام ، وحاكم بين الناس بالحق ; فعيل بمعنى فاعل .
دليله قوله : وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .
وقيل : الحكيم بمعنى المحكوم فيه ; أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر ، وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه ; فهو فعيل بمعنى المفعول ; قاله الحسن وغيره .
وقال مقاتل : الحكيم بمعنى المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف ; فعيل بمعنى مفعل ، كقول الأعشى يذكر قصيدته التي قالها :وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالهاقوله تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين
يقول تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} وهو هذا القرآن، المشتمل على الحكمة والأحكام، الدالة آياته على الحقائق الإيمانية والأوامر والنواهي الشرعية، الذي على جميع الأمة تلقيه بالرضا والقبول والانقياد.
سورة يونس عليه الصلاة والسلام مكية إلا ثلاث آيات من قوله : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) إلى آخرها .
بسم الله الرحمن الرحيم ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم ( 1 ) .
( الر ) و " المر " قرأ أهل الحجاز والشام وحفص : بفتح الراء فيهما .
وقرأ الآخرون : بالإمالة .
قال ابن عباس والضحاك : " الر " أنا الله أرى ، و " المر " أنا الله أعلم وأرى .
وقال سعيد بن جبير " الر " و " حم " و " ن " حروف اسم الرحمن ، وقد سبق الكلام في حروف التهجي .
( تلك آيات الكتاب الحكيم ) أي : هذه ، وأراد بالكتاب الحكيم القرآن .
وقيل : أراد بها الآيات التي أنزلها من قبل ذلك ، ولذلك قال : " تلك " ، وتلك إشارة إلى غائب مؤنث ، والحكيم : المحكم بالحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، فعيل بمعنى مفعل ، بدليل قوله : " كتاب أحكمت آياته " ( هود - 1 ) .
وقيل : هو بمعنى الحاكم ، فعيل بمعنى فاعل ، دليله قوله عز وجل : " وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس " ( البقرة - 213 ) .
وقيل : هو بمعنى المحكوم ، فعيل بمعنى المفعول .
قال الحسن : حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وبالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه .
«الر» الله أعلم بمراده بذلك «تلك» أي هذه الآيات «آيات الكتاب» القرآن والإضافة بمعنى من «الحكيم» المحكم.
(الر) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
سورة يونس من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجي .وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين ، أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة .فالسور التى افتتحت بحرف واحد ثلاثة ، وهى سورة : ص ، ق ، ن .والسور التى افتتحت بحرفين تسعين ، وهي : طه ، طس ، يس ، وحم فى ست سور ، هي : غافر ، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف .والسور التى بتدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة ، وهى : ألم فى ست سور هى : البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة ، والر فى خمس سور هى : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر ، وطسم فى سورتين هما : الشعراء ، القصص .وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الأعراف ، الرعد ، وسورتان بدئتا بخمسة أحرف وهما : مريم ، والشورى .فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة .وهذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم فى رأيين رئيسين :الرأي الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .وإلى هذا الرأي ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبي ، وسفيان والثوري ، وغيرهم من العلماء .
فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن فى فواتح السور .ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها .
وعن علي - رضي الله عنه - قال : " إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي " وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه " .ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأي ، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس ، لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .وقد أجيب عن ذلك ، بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإِفهام عنها عند كل الناس ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوئل السور .أما الرأي الثاني فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتي :1 - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح " وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة " ص " وسورة " يس " .ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه .2 - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدالة على انقضاء سورة .
وابتداء أخرى .3 - وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته فمثلا " ألم " أصلها أنا الله أعلم .4 - وقيل : إنها اسم الله الأعظم ، إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلوا من مقال .
والتي أوصلها السيوطي فى كتابه " الإِتقان " إلى أكثر من عشرين قولا .5 - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها .
فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإِنصات والتدبر لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجاري كلامهم ، وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيترتب على ذلك أن يسمعوا حكما ، وهدايات قد تكون سببا فى إيمانهم .
ولعل مما يشهد بصحة هذا الرأي : أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة ، تتحدث عن القرآن وعن كونه معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - فى أغلب المواضع .ومن ذلك قوله - تعالى - : فى أول سورة البقرة ( الم .
ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) وقوله سبحانه فى أول سورة هود : ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) وقوله - سبحانه - فى أول سورة إبراهيم : ( الار كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ) وهكذا نرى أن كثيرا من السور التى افتتحت بالحروف المقطعة ، قد أعقبت هذا الافتتاح بالحديث الصريح أو الضمني عن القرآن الكريم ، وأن هذه السور إذا تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الأساسية إثبات وحدانية الله ، وإثبات صحة الرسالة المحمدية ، وإثبات أن هذا القرآن الذى هو معجزة الرسول الخالدة - منزل من عند الله - تعالى - .هذه خلاصة لآراء العلماء فى المراد بالحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية .
ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " الإِتقان " للسيوطي ، وإلى كتاب " البرهان " للزركشي ، وإلى تفسير الآلوسى .ثم قال - تعالى - ( تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم ) .( تِلْكَ ) اسم إِشارة والمشار إليه الآيات .
والمراد بهما آيات القرآن الكريم .
ويندرج فيها ىيات السورة التى معنا .والكتاب : مصدر كتب كالكتب ، وأصل الكتب : ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط والمراد به القرآن الكريم على الصحيح .قال الآلوسى : " وأما حمل الكتاب على الكتب التى خلت قبل القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما ، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة فهو فى غاية البعد " .والحكيم - بزنة فعيل - مأخذو من الفعل حكم بمعنى منع .
تقول حكمت الفرس أي وضعت الحكمة فى فمها لمنعها من الجموح والنفور .والمقصود أن هذا الكتاب ممتنع عن الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض والاختلاف .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : " وفي وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه منها : أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى شاتماله على الحكمة - فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر - ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم ، بدليل قوله - تعالى - : ( وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ وَمَا اختلف فِيهِ ) ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم والإِحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا تغيره الدهور أو المراد منه براءته من الكذب والتناقض .والمعنى : تلك الآيات السامية ، والمنزلة عليك يا محمد ، هى آيات الكتاب ، المشتمل على الحكمة والصواب المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية .وصحت الإِشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها ، لأن الإِشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإِنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنزول القرآن عليه ، كما فى قوله : - تعالى - : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) ووعد الله - تعالى - لا يتخلف .