الآية ١ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١ من سورة يونس

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة يونس [ وهي مكية ] أما الحروف المقطعة في أوائل السور ، فقد تقدم الكلام عليها [ مستوفى ] في أوائل سورة البقرة .

وقال أبو الضحى ، عن ابن عباس في قوله تعالى : " الر " ، أي : أنا الله أرى .

وكذا قال الضحاك وغيره .

( تلك آيات الكتاب الحكيم ) أي : هذه آيات القرآن المحكم المبين وقال مجاهد : ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم ) [ قال : التوراة والإنجيل ] .

[ وقال الحسن : التوراة والزبور ] .

وقال قتادة : ( تلك آيات الكتاب ) قال : الكتب التي كانت قبل القرآن .

وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الر قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم تأويله: أنا الله أرى.

* ذكر من قال ذلك: 17518- حدثنا يحيى بن داود بن ميمون الواسطي قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله : ( الر )، أنا الله أرى.

(1) 17519- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قوله: ( الر )، قال: أنا الله أرى.

وقال آخرون: هي حروف من اسم الله الذي هو " الرحمن ".

*ذكر من قال ذلك: 17520- حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا علي بن الحسين قال حدثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ( الر ) و ( حم ) و ( نون ) حروف " الرَّحمن " مقطعةً.

17521- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا عيسى بن عبيد عن الحسين بن عثمان قال: ذكر سالم بن عبد الله: ( الر ) و ( حم ) و ( نون )، فقال: اسم " الرحمن " مقطع ، ثم قال: " الرحمن ".

17522- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا مندل عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: ( الر ) و ( حم ) و ( نون )، هو اسم " الرحمن ".

17523- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن عامر : أنه سئل عن: ( الر ) و ( حم ) و ( ص )، قال: هي أسماء من أسماء الله مقطعة بالهجاء، فإذا وصلتها كانت اسمًا من أسماء الله تعالى.

* * * وقال آخرون: هي اسم من أسماء القرآن.

*ذكر من قال ذلك: 17524- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( الر )، اسم من أسماء القرآن.

* * * قال أبو جعفر : وقد ذكرنا اختلاف الناس ، وما إليه ذهب كل قائل في الذي قال فيه وما الصواب لدينا من القول في ذلك في نظيره، وذلك في أول " سورة البقرة "، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

(2) وإنما ذكرنا في هذا الموضع القدرَ الذي ذكرنا ، لمخالفة من ذكرنا قوله في هذا ، قوله في ( الم ) ، فأما الذين وفَّقوا بيْن معاني جميع ذلك، فقد ذكرنا قولهم هناك ، مكتفًى عن الإعادة ههنا.

(3) * * * القول في تأويل قوله تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) قال أبو جعفر: اختلف في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تلك آيات التوراة.

* ذكر من قال ذلك: 17525- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن مجاهد: ( تلك آيات الكتاب الحكيم )، قال: التوراة والإنجيل.

17526-.

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: ( تلك آيات الكتاب )، قال: الكُتُب التي كانت قبل القرآن.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: هذه آيات القرآن.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوّله: " هذه آيات القرآن "، ووجّه معنى (تلك) إلى معنى " هذه "، وقد بينا وجه توجيه ( تلك ) إلى هذا المعنى في " سورة البقرة " ، بما أغنى عن إعادته.

(4) * * * و ( الآيات )، الأعلام ، و (الكتاب)، اسم من أسماء القرآن، وقد بينا كل ذلك فيما مضى قبل.

(5) * * * وإنما قلنا: هذا التأويل أولى في ذلك بالصواب، لأنه لم يجيء للْتوراة والإنجيل قبلُ ذكرٌ ولا تلاوةٌ بعدُ، فيوجه إليه الخبر.

فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: والرحمن، هذه آيات القرآن الحكيم.

* * * ومعنى ( الحكيم ) ، في هذا الموضع، " المحكم " ، صرف " مُفْعَل " إلى " فعيل "، كما قيل: عَذَابٌ أَلِيمٌ ، بمعنى مؤلم، (6) وكما قال الشاعر: (7) *أمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ* (8) وقد بينا ذلك في غير موضع من الكتاب.

(9) فمعناه إذًا: تلك آيات الكتاب المحكم ، الذي أحكمه الله وبينه لعباده، كما قال جل ثناؤه: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [سورة هود : 1] ----------------------- الهوامش : (1) الأثر : 17518 - " يحيى بن داود بن ميمون الواسطي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 4451 ، 11545 .

(2) انظر ما سلف 1 : 205 - 224 .

(3) في المطبوعة : " ومكتفيًا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .

(4) انظر ما سلف 1 : 225 - 228 .

(5) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أي ) .

وتفسير " الكتاب " فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .

(6) انظر تفسير " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .

(7) هو عمرو بن معديكرب الزبيدي .

(8) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 1 : 283 .

(9) انظر ما سلف 1 : 283 ، 284 ، وغيره من المواضع في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

بسم الله الرحمن الرحيمسورة يونسسورة يونس عليه السلام مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر .

وقال ابن عباس إلا ثلاث آيات من قوله تعالى : فإن كنت في شك إلى آخرهن .

وقال مقاتل : إلا آيتين وهي قوله : فإن كنت في شك نزلت بالمدينة .

وقال الكلبي : مكية إلا قوله : ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به نزلت بالمدينة في اليهود .

وقالت فرقة : نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة وباقيها بالمدينة .بسم الله الرحمن الرحيمالر تلك آيات الكتاب الحكيم قوله تعالى ( الر ) قال النحاس : قرئ على أبي جعفر أحمد بن شعيب بن علي بن الحسين بن حريث قال : أخبرنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد أن عكرمة حدثه عن ابن عباس : الر ، وحم ، ونون حروف الرحمن مفرقة ; فحدثت به الأعمش فقال : عندك أشباه هذا ولا تخبرني به ؟

.

وعن ابن عباس أيضا قال : ( الر ) أنا الله أرى .

قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول ; لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب وأنشد :بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تاوقال الحسن وعكرمة : ( الر ) قسم .

وقال سعيد عن قتادة : ( الر ) اسم السورة ; قال : وكذلك كل هجاء في القرآن .

وقال مجاهد : هي فواتح السور .

وقال محمد بن يزيد : هي تنبيه ، وكذا حروف التهجي .

وقرئ ( الر ) من غير إمالة .

وقرئ بالإمالة لئلا تشبه " ما " و " لا " من الحروف .قوله تعالى تلك آيات الكتاب الحكيم ابتداء وخبر ; أي تلك التي جرى ذكرها [ ص: 221 ] آيات الكتاب الحكيم .

قال مجاهد وقتادة : أراد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ; فإن ( تلك ) إشارة إلى غائب مؤنث .

وقيل : ( تلك ) بمعنى هذه ; أي هذه آيات الكتاب الحكيم .

ومنه قول الأعشى :تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيبأي هذه خيلي .

والمراد القرآن وهو أولى بالصواب ; لأنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر ، ولأن الحكيم من نعت القرآن .

دليله قوله تعالى : الر كتاب أحكمت آياته وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة " البقرة " .

والحكيم : المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام ; قالهأبو عبيدة وغيره .

وقيل : الحكيم بمعنى الحاكم ; أي إنه حاكم بالحلال والحرام ، وحاكم بين الناس بالحق ; فعيل بمعنى فاعل .

دليله قوله : وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .

وقيل : الحكيم بمعنى المحكوم فيه ; أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر ، وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه ; فهو فعيل بمعنى المفعول ; قاله الحسن وغيره .

وقال مقاتل : الحكيم بمعنى المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف ; فعيل بمعنى مفعل ، كقول الأعشى يذكر قصيدته التي قالها :وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالهاقوله تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ‏}‏ وهو هذا القرآن، المشتمل على الحكمة والأحكام، الدالة آياته على الحقائق الإيمانية والأوامر والنواهي الشرعية، الذي على جميع الأمة تلقيه بالرضا والقبول والانقياد‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

سورة يونس عليه الصلاة والسلام مكية إلا ثلاث آيات من قوله : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) إلى آخرها .

بسم الله الرحمن الرحيم ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم ( 1 ) .

( الر ) و " المر " قرأ أهل الحجاز والشام وحفص : بفتح الراء فيهما .

وقرأ الآخرون : بالإمالة .

قال ابن عباس والضحاك : " الر " أنا الله أرى ، و " المر " أنا الله أعلم وأرى .

وقال سعيد بن جبير " الر " و " حم " و " ن " حروف اسم الرحمن ، وقد سبق الكلام في حروف التهجي .

( تلك آيات الكتاب الحكيم ) أي : هذه ، وأراد بالكتاب الحكيم القرآن .

وقيل : أراد بها الآيات التي أنزلها من قبل ذلك ، ولذلك قال : " تلك " ، وتلك إشارة إلى غائب مؤنث ، والحكيم : المحكم بالحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، فعيل بمعنى مفعل ، بدليل قوله : " كتاب أحكمت آياته " ( هود - 1 ) .

وقيل : هو بمعنى الحاكم ، فعيل بمعنى فاعل ، دليله قوله عز وجل : " وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس " ( البقرة - 213 ) .

وقيل : هو بمعنى المحكوم ، فعيل بمعنى المفعول .

قال الحسن : حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وبالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الر» الله أعلم بمراده بذلك «تلك» أي هذه الآيات «آيات الكتاب» القرآن والإضافة بمعنى من «الحكيم» المحكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(الر) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

سورة يونس من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجي .وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين ، أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة .فالسور التى افتتحت بحرف واحد ثلاثة ، وهى سورة : ص ، ق ، ن .والسور التى افتتحت بحرفين تسعين ، وهي : طه ، طس ، يس ، وحم فى ست سور ، هي : غافر ، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف .والسور التى بتدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة ، وهى : ألم فى ست سور هى : البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة ، والر فى خمس سور هى : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر ، وطسم فى سورتين هما : الشعراء ، القصص .وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الأعراف ، الرعد ، وسورتان بدئتا بخمسة أحرف وهما : مريم ، والشورى .فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة .وهذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم فى رأيين رئيسين :الرأي الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .وإلى هذا الرأي ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبي ، وسفيان والثوري ، وغيرهم من العلماء .

فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن فى فواتح السور .ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها .

وعن علي - رضي الله عنه - قال : " إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي " وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه " .ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأي ، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس ، لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .وقد أجيب عن ذلك ، بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإِفهام عنها عند كل الناس ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوئل السور .أما الرأي الثاني فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه .وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتي :1 - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح " وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة " ص " وسورة " يس " .ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه .2 - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدالة على انقضاء سورة .

وابتداء أخرى .3 - وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته فمثلا " ألم " أصلها أنا الله أعلم .4 - وقيل : إنها اسم الله الأعظم ، إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلوا من مقال .

والتي أوصلها السيوطي فى كتابه " الإِتقان " إلى أكثر من عشرين قولا .5 - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها .

فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإِنصات والتدبر لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجاري كلامهم ، وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيترتب على ذلك أن يسمعوا حكما ، وهدايات قد تكون سببا فى إيمانهم .

ولعل مما يشهد بصحة هذا الرأي : أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة ، تتحدث عن القرآن وعن كونه معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - فى أغلب المواضع .ومن ذلك قوله - تعالى - : فى أول سورة البقرة ( الم .

ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) وقوله سبحانه فى أول سورة هود : ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) وقوله - سبحانه - فى أول سورة إبراهيم : ( الار كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ) وهكذا نرى أن كثيرا من السور التى افتتحت بالحروف المقطعة ، قد أعقبت هذا الافتتاح بالحديث الصريح أو الضمني عن القرآن الكريم ، وأن هذه السور إذا تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الأساسية إثبات وحدانية الله ، وإثبات صحة الرسالة المحمدية ، وإثبات أن هذا القرآن الذى هو معجزة الرسول الخالدة - منزل من عند الله - تعالى - .هذه خلاصة لآراء العلماء فى المراد بالحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية .

ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " الإِتقان " للسيوطي ، وإلى كتاب " البرهان " للزركشي ، وإلى تفسير الآلوسى .ثم قال - تعالى - ( تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم ) .( تِلْكَ ) اسم إِشارة والمشار إليه الآيات .

والمراد بهما آيات القرآن الكريم .

ويندرج فيها ىيات السورة التى معنا .والكتاب : مصدر كتب كالكتب ، وأصل الكتب : ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط والمراد به القرآن الكريم على الصحيح .قال الآلوسى : " وأما حمل الكتاب على الكتب التى خلت قبل القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما ، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة فهو فى غاية البعد " .والحكيم - بزنة فعيل - مأخذو من الفعل حكم بمعنى منع .

تقول حكمت الفرس أي وضعت الحكمة فى فمها لمنعها من الجموح والنفور .والمقصود أن هذا الكتاب ممتنع عن الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض والاختلاف .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : " وفي وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه منها : أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى شاتماله على الحكمة - فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر - ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم ، بدليل قوله - تعالى - : ( وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ وَمَا اختلف فِيهِ ) ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم والإِحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا تغيره الدهور أو المراد منه براءته من الكذب والتناقض .والمعنى : تلك الآيات السامية ، والمنزلة عليك يا محمد ، هى آيات الكتاب ، المشتمل على الحكمة والصواب المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية .وصحت الإِشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها ، لأن الإِشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإِنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنزول القرآن عليه ، كما فى قوله : - تعالى - : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) ووعد الله - تعالى - لا يتخلف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله جل جلاله: ﴿ الر ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وعاصم ﴿ الر ﴾ بفتح الراء على التفخيم، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويحيى عن أبي بكر: بكسر الراء على الإمالة.

وروي عن نافع وابن عامر وحماد عن عاصم، بين الفتح والكسر، واعلم أن كلها لغات صحيحة.

قال الواحدي: الأصل ترك الإمالة في هذه الكلمات نحو ما ولا، لأن ألفاتها ليست منقلبة عن الياء، وأما من أمال فلأن هذه الألفاظ أسماء للحروف المخصوصة، فقصد بذكر الإمالة التنبيه على أنها أسماء لا حروف.

المسألة الثانية: اتفقوا على أن قوله: ﴿ الر ﴾ وحده ليس آية، واتفقوا على أن قوله: ﴿ طه  ﴾ وحده آية.

والفرق أن قوله: ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده بخلاف قوله: ﴿ طه ﴾ فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده.

المسألة الثالثة: الكلام المستقصى في تفسير هذا النوع من الكلمات قد تقدم في أول سورة البقرة إلا أنا نذكر هاهنا أيضاً بعض ما قيل.

قال ابن عباس ﴿ الر ﴾ معناه أنا الله أرى.

وقيل أنا الرب لا رب غيري.

وقيل ﴿ الر ﴾ و ﴿ حم  ﴾ و ﴿ ن  ﴾ اسم الرحمن.

قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ يحتمل أن يكون إشارة إلى ما في هذه السورة من الآيات، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن، وأيضاً فالكتاب الحكيم يحتمل أن يكون المراد منه هو القرآن، ويحتمل أن يكون المراد منه غير القرآن، وهو الكتاب المخزون المكنون عند الله تعالى الذي منه نسخ كل كتاب، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ  فِى كِتَٰبٍ مَّكْنُونٍ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ  ﴾ وقال: ﴿ يَمْحُوْا الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب  ﴾ .

وإذا عرفت ما ذكرنا من الاحتمالات تحصل هاهنا حينئذ وجوه أربعة من الاحتمالات: الاحتمال الأول: أن يقال: المراد من لفظة ﴿ تِلْكَ ﴾ الإشارة إلى الآيات الموجودة في هذه السورة، فكان التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم الذي هو القرآن، وذلك لأنه تعالى وعد رسوله عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء، ولا يغيره كرور الدهر، فالتقدير أن تلك الآيات الحاصلة في سورة ﴿ الر ﴾ هي آيات ذلك الكتاب المحكم الذي لا يمحوه الماء.

الاحتمال الثاني: أن يقال: المراد أن تلك الآيات الموجودة في هذه السورة هي آيات الكتاب المخزون المكنون عند الله.

واعلم أن على هذين القولين تكون الإشارة بقولنا: ﴿ تِلْكَ ﴾ إلى آيات هذه السورة وفيه إشكال، وهو أن ﴿ تِلْكَ ﴾ يشار بها إلى الغائب، وآيات هذه السورة حاضرة، فكيف يحسن أن يشار إليه بلفظ ﴿ تِلْكَ ﴾ .

واعلم أن هذا السؤال قد سبق مع جوابه في تفسير قوله تعالى: ﴿ الٓمٓ  ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

الاحتمال الثالث والرابع: أن يقال: لفظ ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن، والمراد بها: هي آيات القرآن الحكيم، والمراد أنها هي آيات ذلك الكتاب المكنون المخزون عند الله تعالى، وفي الآية قولان آخران: أحدهما: أن يكون المراد من ﴿ الكتاب الحكيم ﴾ التوراة والإنجيل، والتقدير: أن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في التوراة والإنجيل، والمعنى: أن القصص المذكورة في هذه السورة موافقة للقصص المذكورة في التوراة والإنجيل، مع أن محمداً عليه الصلاة والسلام ما كان عالماً بالتوراة والإنجيل، هذه الموافقة لا يمكن إلا إذا خص الله تعالى محمداً بإنزال الوحي عليه.

والثاني: وهو قول أبي مسلم: أن قوله: ﴿ الر ﴾ إشارة إلى حروف التهجي، فقوله: ﴿ الر تِلْكَ ءايات الكتاب ﴾ يعني هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت علامات لهذا الكتاب الذي آيات به وقع التحدي.

فلولا امتياز هذا الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز، وإلا لكان اختصاصه بهذا النظم، دون سائر الناس القادرين على التلفظ بهذه الحروف محالاً.

المسألة الثانية: في وصف الكتاب بكونه حكيماً وجوه: الأول: أن الحكيم هو ذو الحكمة بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة.

الثاني: أن يكون المراد وصف الكلام بصفة من تكلم به.

قال الأعشى: وغريبة تأتي الملوك حكيمة *** قد قلتها ليقال من ذا قالها الثالث: قال الأكثرون ﴿ الحكيم ﴾ بمعنى الحاكم، فعيل بمعنى فاعل دليله قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس  ﴾ فالقرآن كالحاكم في الاعتقادات لتميز حقها عن باطلها، وفي الأفعال لتميز صوابها عن خطئها، وكالحاكم على أن محمداً صادق في دعوى النبوة، لأن المعجزة الكبرى لرسولنا عليه الصلاة والسلام، ليست إلا القرآن الرابع: أن ﴿ الحكيم ﴾ بمعنى المحكم.

والأحكام معناه المنع من الفساد، فيكون المراد منه أنه لا يمحوه الماء، ولا تحرقه النار، ولا تغيره الدهور.

أو المراد منه براءته عن الكذب والتناقض.

الخامس: قال الحسن: وصف الكتاب بالحكيم، لأنه تعالى حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه، فعلى هذا ﴿ الحكيم ﴾ يكون معناه المحكوم فيه.

السادس: أن ﴿ الحكيم ﴾ في أصل اللغة: عبارة عن الذي يفعل الحكمة والصواب، فكان وصف القرآن به مجازاً، ووجه المجاز هو أنه يدل على الحكمة والصواب، فمن حيث إنه يدل على هذه المعاني صار كأنه هو الحكيم في نفسه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الر ﴾ تعديد للحروف على طريق التحدي.

و ﴿ تِلْكَ ءايات الكتاب ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات والكتاب السورة.

و ﴿ الحكيم ﴾ ذو الحكمة لاشتماله عليها ونطقه بها.

أو وصف بصفة محدثة.

قال الأعشى: وَغَرِيبَةٍ تَأْتِي الْمُلُوكَ حَكِيمَة ** قَدْ قُلْتُها لِيُقَالَ مَنْ ذَا قَالَهَا الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه.

و ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ اسم كان، وعجباً: خبرها.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ عجب ﴾ فجعله اسماً وهو نكرة و ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ خبراً وهو معرفة، كقوله: يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ والأجود أن تكون (كان) تامة، وأن أوحينا بدلاً من عجب.

فإن قلت: فما معنى اللام في قوله: ﴿ كَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ﴾ ؟

وما هو الفرق بينه وبين قولك: أكان عند الناس عجباً؟

قلت: معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، ونصبوه علماً لهم يوجهون نحوه استهزائهم وإنكارهم، وليس في عند الناس هذا المعنى، والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر، وأن يكون رجلاً من أفناء رجالهم، دون عظيم من عظمائهم، فقد كانوا يقولون: العجب أنّ الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلاّ يتيم أبي طالب، وأن يذكر لهم البعث وينذر بالنار ويبشر بالجنة، وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب، لأنّ الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلاّ بشر مثلهم.

وقال الله تعالى: ﴿ قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً ﴾ [الإسراء: 95] وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب أيضاً، لأنّ الله تعالى: إنما يختار من استحق الاختيار، لجمعه أسباب الاستقلال بما اختير له من النبوّة.

والغنى والتقدم في الدنيا ليس من تلك الأسباب في شيء ﴿ وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى ﴾ [سبأ: 37] والبعث للجزاء على الخير والشرّ هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجباً؟

إنما العجب العجيب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء ﴿ أَنْ أَنذِرِ الناس ﴾ أن هي المفسرة؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول: ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، وأصله: أنه أنذر الناس، على معنى: أن الشأن قولنا أنذر الناس.

و ﴿ أَنَّ لَهُمْ ﴾ الباء معه محذوف ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ أي سابقة وفضلاً ومنزلة رفيعة.

فإن قلت: لم سميت السابقة قدماً؟

قلت: لما كان السعي والسبق بالقدم، سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدماً، كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد.

وباعاً لأنّ صاحبها يبوع بها، فقيل: لفلان قدم في الخير.

وإضافته إلى صدق دلالة على زيادة فضل، وأنه من السوابق العظيمة، وقيل: مقام صدق ﴿ إِنَّ هَذَا ﴾ إن هذا الكتاب وما جاء به محمد ﴿ لسحر ﴾ ومن قرأ: ﴿ لساحر ﴾ فهذا إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كاذبين في تسميته سحراً، وفي قراءة أبيّ: ﴿ ما هذا إلاّ سحر ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ يُونُسَ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وتِسْعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر ﴾ فَخَّمَها ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ قالُونَ وحَفْصٍ وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وأمالَها الباقُونَ إجْراءً لِألِفِ الرّاءِ مَجْرى المُنْقَلِبَةِ مِنَ الياءِ.

﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ مِنَ الآيِ والمُرادُ مِنَ الكِتابِ أحَدُهُما، ووَصْفُهُ بِالحَكِيمِ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحُكْمِ أوْ لِأنَّهُ كَلامٌ حَكِيمٌ، أوْ مُحْكَمٌ آياتُهُ لَمْ يُنْسَخْ شَيْءٌ مِنها.

﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِلتَّعَجُّبِ و ﴿ عَجَبًا ﴾ خَبَرُ كانَ واسْمُهُ: ﴿ أنْ أوْحَيْنا ﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ أوْ عَلى « أنَّ كانَ» تامَّةٌ و ﴿ أنْ أوْحَيْنا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ عَجَبًا ﴾ ، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم جَعَلُوهُ أُعْجُوبَةً لَهم يُوَجِّهُونَ نَحْوَهُ إنْكارَهم واسْتِهْزاءَهم.

﴿ إلى رَجُلٍ مِنهُمْ ﴾ مِن أفَناءِ رِجالِهِمْ دُونَ عَظِيمٍ مِن عُظَمائِهِمْ.

قِيلَ كانُوا يَقُولُونَ العَجَبَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجِدْ رَسُولًا يُرْسِلُهُ إلى النّاسِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ، وهو مِن فَرْطِ حَماقَتِهِمْ وقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى الأُمُورِ العاجِلَةِ وجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ.

هَذا وإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَقْصُرُ عَنْ عُظَمائِهِمْ فِيما يَعْتَبِرُونَهُ إلّا في المالِ وخِفَّةُ الحالِ أعُونُ شَيْءٍ في هَذا البابِ، ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ كَذَلِكَ.

وقِيلَ تَعَجَّبُوا مِن أنَّهُ بَعَثَ بَشَرًا رَسُولًا كَما سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ « الأنْعامِ» .

﴿ أنْ أنْذِرِ النّاسَ ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ أوِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَتَكُونُ في مَوْقِعِ مَفْعُولِ أوْحَيْنا.

﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عَمَّمَ الإنْذارَ إذْ قَلَّما مِن أحَدٍ لَيْسَ فِيهِ ما يَنْبَغِي أنْ يُنْذَرَ مِنهُ، وخَصَّصَ البِشارَةَ بِالمُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ لِلْكَفّارِ ما يَصِحُّ أنْ يُبَشَّرُوا بِهِ حَقِيقَةً ﴿ أنَّ لَهُمْ ﴾ بِأنَّ لَهم ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ سابِقَةٌ ومَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ سُمِّيَتْ قَدَمًا لِأنَّ السَّبْقَ بِها كَما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ يَدًا لِأنَّها تُعْطى بِاليَدِ، وإضافَتُها إلى الصِّدْقِ لِتَحَقُّقِها والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم إنَّما يَنالُونَها بِصِدْقِ القَوْلِ والنِّيَّةِ.

﴿ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنُونَ الكِتابَ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكُوفِيُّونَ « لَساحِرٌ» عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الرَّسُولِ  ، وفِيهِ اعْتِرافٌ بِأنَّهم صادَفُوا مِنَ الرَّسُولِ  أُمُورًا خارِقَةً لِلْعادَةِ مُعْجِزَةً إيّاهم عَنِ المُعارَضَةِ.

وقُرِئَ « ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُّبِينٌ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الر} ونحوه ممال حمزة وعلى وأبوعمرو وهو تعديد للحروف على طريق التحدي {تِلْكَ آيات الكتاب} اشارة إلى ما تضمتنه السورة من الآيات والكتاب السورة {الحكيم} ذي الحكمة لاشمتاله عليها أو المحكم عن الكذب والاقتراف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ يُونُسَ مَكِّيَّةٌ عَلى المَشْهُورِ واسْتَثْنى مِنها بَعْضُهم ثَلاثَ آياتٍ 1 ﴿ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ ﴾ ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ ﴿ وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ﴾ قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في المَدِينَةِ، وحَكى ابْنُ الفُرْسِ والسَّخاوِيُّ أنَّ مِن أوَّلِها إلى رَأْسِ أرْبَعِينَ آيَةً مَكِّيٌّ والباقِي مَدَنِيٌّ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رِوايَتانِ فَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ ومِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْهُ أنَّها مَكِّيَّةٌ وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ الرِّوايَةُ الأُولى، وآياتُها مِائَةٌ وتِسْعٌ عِنْدَ الجَمِيعِ غَيْرَ الشّامِيِّ فَإنَّها عِنْدَهُ مِائَةٌ وعَشْرُ آياتٍ ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِسُورَةِ بَراءَةَ أنَّ الأُولى خُتِمَتْ بِذِكْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهَذِهِ ابْتُدِئَتْ بِهِ وأيْضًا أنَّ في الأُولى بَيانًا لِما يَقُولُهُ المُنافِقُونَ عِنْدَ نُزُولِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ وفي هَذِهِ بَيانٌ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ في القُرْآنِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾ الآيَةَ وقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ ﴾ وأيْضًا في الأوْلى ذَمُّ المُنافِقِينَ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ والتَّذَكُّرِ إذا أصابَهُمُ البَلاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ ﴾ عَلى أحَدِ الأقْوالِ وفي هَذِهِ ذَمٌّ لِمَن يُصِيبُهُ البَلاءُ فَيَرْعَوِي ثُمَّ يَعُودُ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ إلى أنْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ وأيْضًا في الأُولى بَراءَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وفي هَذِهِ بَراءَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن عَمَلِهِمْ لَكِنْ مِن دُونِ أمْرٍ بِقِتالٍ بَلْ أُمِرَ فِيها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُظْهِرَ البَراءَةَ فِيها عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِالإعْراضِ وتَخْلِيَةِ السَّبِيلِ كَما قِيلَ عَلى ضِدِّ ما في الأُولى وهَذا نَوْعٌ مِنَ المُناسَبَةِ أيْضًا وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والعَجَبُ مِنَ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَيْفَ لَمْ يَلُحْ لَهُ في تَناسُقِ الدُّرَرِ وجْهُ المُناسَبَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وذِكْرُ وجْهِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ وقَدْ يُوجَدُ في الأسْقاطِ ما لا يُوجَدُ في الأسْفاطِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر ﴾ بِتَفْخِيمِ الرّاءِ المَفْتُوحَةِ وهو الأصْلُ وأمالَ أبُو عَمْرٍو وبَعْضُ القُرّاءِ إجْراءً لِألِفِ الرّاءِ مَجْرى الألِفِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الياءِ فَإنَّهم يُمِيلُونَها تَنْبِيهًا عَلى أصْلِها، وفي الإمالَةِ هُنا دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّ را حَرْفٌ كَما ولا فَقْدَ صَرَّحُوا أنَّ الحُرُوفَ يَمْتَنِعُ فِيها الإمالَةُ وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ بَيْنَ والمُرادُ مِن (الر) عَلى ما رَوى جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنا اللَّهُ أرى، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها بَعْضُ الرَّحْمَنِ وتَمامِهِ حَم ون، وعَنْ قَتادَةَ أنَّها بَعْضُ الرّاحِمِ وهو مِن أسْماءِ القُرْآنِ وقِيلَ: هي أسْماءٌ لِلْأحْرُفِ المَعْلُومَةُ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي أُتِيَ بِها مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ بِطَرِيقِ التَّحَدِّي وعَلَيْهِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والكَلامُ فِيها وفي نَظائِرِها شَهِيرٌ.

والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها اسْمٌ لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ السُّورَةُ مُسَمّاةٌ بِكَذا وهو أظْهَرُ مِنَ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ لِعَدَمِ سَبْقِ العِلْمِ بِالتَّسْمِيَةِ بَعْدُ فَحَقُّها الإخْبارُ بِها لا جَعْلُها عُنْوانَ المَوْضُوعِ لِتَوَقُّفِهِ عَلى عِلْمِ المُخاطَبِ بِالِانْتِسابِ والإشارَةُ إلَيْها قَبْلَ جَرَيانِ ذِكْرِها لِصَيْرُورَتِها في حُكْمِ الحاضِرِ لِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى جَناحِ الذِّكْرِ كَما يُقالُ في الصُّكُوكِ: هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ وجُوِّزَ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ لائِقٍ بِالمَقامِ كاذْكُرْ واقْرَأْ وكَلِمَةُ ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلَيْها إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿ الر ﴾ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَدْ نَزَلَ حُضُورُ مادَّتِها مَنزِلَةَ ذِكْرِها فَأُشِيرَ إلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ الكَلِماتُ المُؤَلَّفَةُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ إلَخْ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها اسْمًا لِلسُّورَةِ فَقَدْ نَوَّهْتُ بِالإشارَةِ إلَيْها بَعْدَ تَنْوِيهِها بِتَعْيِينِ اسْمِها أوِ الأمْرِ بِذِكْرِها أوْ بِقِراءَتِها وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِها في الفَخامَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ آياتُ الكِتابِ ﴾ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿ الر ﴾ مُبْتَدَأً فَهو إمّا مُبْتَدَأٌ ثانٍ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ والمَعْنى هي آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهُ مُتَرْجَمَةٌ بِاسْمٍ مُسْتَقِلٍّ والمَقْصُودُ بِبَيانِ بَعْضِيَّتِها مِنهُ وصْفِيَّتُها بِما أُشِيرَ إلى اتِّصافِهِ بِهِ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ والصِّفاتِ الكامِلَةِ والمُرادُ بِالكِتابِ إمّا جَمِيعُ القُرْآنِ العَظِيمِ وإنْ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ إمّا بِاعْتِبارِ تَعَيُّنِهِ وتَحَقُّقِهِ في العِلْمِ أوْ في اللَّوْحِ أوْ بِاعْتِبارِ نُزُولِهِ جُمْلَةً إلى بَيْتِ العِزَّةِ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا وإمّا جَمِيعُ القُرْآنِ النّازِلِ وقْتَئِذٍ المُتَفاهِمِ بَيْنَ النّاسِ إذْ ذاكَ فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى المَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ يُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِ ما نَزَلَ في كُلِّ كَذا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ عَنِ السَّلَفِ تَفْوِيضُ مَعْنى ﴿ الر ﴾ وأمْثالِهِ إلى اللَّهِ تَعالى وحَيْثُ لَمْ يَظْهَرِ المُرادُ مِنها لا مَعْنى لِلتَّعَرُّضِ لِإعْرابِها وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ يَجُوزُ في الإشارَةِ أنْ تَكُونَ لِآياتِ هَذِهِ السُّورَةِ وأنْ تَكُونَ لِآياتِ القُرْآنِ ويَجُوزُ في الكِتابِ أنْ يُرادَ بِهِ السُّورَةُ وأنْ يُرادَ القُرْآنُ فَتَكُونُ الصُّوَرُ أرْبَعًا إحْداها الإشارَةُ إلى آياتِ القُرْآنِ والكِتابِ بِمَعْنى السُّورَةِ ولا يَصِحُّ إلّا بِتَخْصِيصِ آياتٍ أوْ تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ وثانِيها عَكْسُهُ ولا مَحْذُورَ فِيهِ وثالِثُها الإشارَةُ إلى آياتِ السُّورَةِ والكِتابِ بِمَعْنى السُّورَةِ ورابِعُها الإشارَةُ إلى آياتِ القُرْآنِ والكِتابِ بِمَعْنى القُرْآنِ ومَرْجِعُ إفادَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما بِاعْتِبارِ صِفَةِ الكِتابِ الآتِيَةِ وجُوِّزَ الإشارَةُ إلى الآياتِ لِكَوْنِها في حُكْمِ الحاضِرِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ كَما في المِثالِ المَذْكُورِ آنِفًا وفي أمالِيِّ ابْنِ الحاجِبِ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حاضِرًا بَلْ يَكْفِي أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا ذِهْنًا وفي الكَشّافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ ﴾ ما يُؤَيِّدُهُ وأوْثَرُ لَفْظِ تِلْكَ لِما أشارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ ولِكَوْنِهِ في حُكْمِ الغائِبِ مِن وجْهٍ ولا يَخْلُو ما ذَكَرُوهُ عَنْ دَغْدَغَةٍ وأمّا حَمْلُ الكِتابِ عَلى الكُتُبِ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَ القُرْآنِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ فَهو في غايَةِ البُعْدِ فَتَأمَّلْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَكِيمِ 1﴾ صِفَةٌ لِلْكِتابِ ووُصِفَ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحُكْمِ فَيُرادُ بِالحَكِيمِ ذُو الحِكْمَةِ عَلى أنَّهُ لِلنِّسْبَةِ كَلابِنٍ وتامِرٍ وقَدْ يُعْتَبَرُ تَشْبِيهُ الكِتابِ بِإنْسانٍ ناطِقٍ بِالحِكْمَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ وإثْباتُ الحِكْمَةِ قَرِينَةٌ لَها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كَلامٌ حَكِيمٌ فالمَعْنى حَكِيمٌ قائِلُهُ فالتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ كَلَيْلِهِ قائِمٌ ونَهارُهُ صائِمٌ وقِيلَ: لِأنَّ آياتِهِ مُحْكَمَةٌ لَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ بِكِتابٍ آخَرَ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مكية، وهي مائة وتسع آيات قال الله عزّ وجلّ: الر قال ابن عباس: «معناه: أنا الله أرى» (١) (٢) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ: يعني: هذه آيات الكتاب الذي أنزل عليك يا محمد، ويقال: تلك الآيات التي وعدتك يوم الميثاق أن أوحينا إليك الكتاب.

الْحَكِيمِ قال مقاتل: يعني: المحكم من الباطل، لا كذب فيه ولا اختلاف.

وقال الكلبي: يعني: أحكم بحلاله وحرامه ويقال: الْكِتابِ الْحَكِيمِ يعني: الحاكم على الكتب كلها، ويقال: تِلْكَ آياتُ يعني: حجج وبراهين، وهي التي احتج بها النبي  على دعواه.

ثم قال تعالى: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً، لأن أهل مكة كانوا يتعجبون ويقولون أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا فنزل: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ يقول: أعجب أهل مكة أن أختار عبداً من عبيّدي وأرسله إلى عبادي من جنسهم وحسبهم، حتى يقدروا أن ينظروا إليه فيعرفونه ولا ينكرونه.

ثم بيَّن ما أوحى الله تعالى إليه فقال: أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ، يعني: خوف أهل مكة بما في القرآن مِن الوعيد.

ويقال: في الآية تقديم، ومعناه: تلك آيات الكتاب الحكيم للناس، أكان عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس؟

وقال عامة المفسرين على ظاهر التنزيل.

ثم قال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا، أي بما في القرآن مِن الثواب في الجنة.

أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ، قال مقاتل: يعني: بأن أعمالهم التي قدموها بين أيديهم ستكون خيرا عند ربهم وهي الجنة، وقال ابن عباس: «يعني: السعادة عند ربهم وهي الجنة» .

وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «يعني: شفاعة محمد  ، لهم شفيع صدق عند ربهم» .

وقال الحسن: هي رضوان الله في الجنة، وقال القتبي: قَدَمَ صِدْقٍ يعني عَمَلاً صالحاً قدموه.

قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر لسحر بغير ألف، يعني: أن هذا القرآن لسحر مُّبِينٌ، يعني: كذب بيّن ظاهر، وقرأ الباقون: لَساحِرٌ مُبِينٌ.

يعني: أن الذي يقرأ عليهم القرآن لساحر مبين.

فالساحر اسم، والسحر فعل.

فإن قيل: إذا قال الكفار هذا القول، فما الحكمة في حكاية كلامهم في القرآن؟

قيل له: الحكمة فيه من وجوه أحدها: أنهم كانوا يقولون قولاً فيما بينهم، فيظهر قولهم عند النبيّ  ، فكان في ذلك علامة لنبوته لمن أيقن به.

والثاني: أن في ذلك تعزية للنبي  ليصبر على ذلك، كما قال: فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ، والثالث: أن في ذلك تنبيهاً لمن بعده أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يمتنع بما يسمع من المكروه.

(١) عزاه السيوطي 4/ 339 إلى ابن مردويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات وابن النجار.

(٢) عزاه السيوطي: 4/ 340 إلى ابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة يونس]

/ بعضها نزل بمكة، وبعضها بالمدينة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله عز وجل: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ المراد ب الْكِتابِ: القرآن، والْحَكِيمِ: بمعنى مُحْكَم، ويمكن أنْ يكون: «حكيم» بمعنى ذي حكمة، فهو على النّسب.

وقوله عز وجل: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ...

الآية: قال ابن عباس وغيره: سبب هذه الآية استبعاد قُرَيْش أَنْ يبعث اللَّه بشراً رسولاً «١» ، والقَدَمُ هنا مَا قُدِّم، واختلف في المراد بها هاهنا، فقال ابنُ عبَّاس ومجاهد والضحاك وغيرهم: هي الأعمال الصَّالحات من العبادات «٢» .

وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هي شفاعة محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، وقال ابن عباس أيضاً وغيره: هي السعادةُ السَّابقة لهم في اللَّوْح المحفوظ «٤» ، وهذا أليق الأقوال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ يُونُسَ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى عَطِيَّةُ، وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.

ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلَهُ: ﴿ وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ \[يُونُسَ ٤٠\] .

وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فِيها ثَلاثُ آياتٍ مِنَ المَدَنِيِّ أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ \[يُونُسَ ٩٤\] إلى رَأْسِ ثَلاثِ آياتٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

وقالَ مُقاتِلٌ هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ، قَوْلُهُ: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ والَّتِي تَلِيها [يُونُسَ ٩٤،٩٥] .

وقالَ بَعْضُهم: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ والَّتِي تَلِيها [يُونُسَ ٥٨،٥٩] .

﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ فَأمّا قَوْلُهُ: (آلر) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " آلر " بِفَتْحِ الرّاءِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " آلر " عَلى الهِجاءِ مَكْسُورَةً.

وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ سُورَةِ (البَقَرَةِ) ما يَشْتَمِلُ عَلى بَيانِ هَذا الجِنْسِ.

وقَدْ خُصَّتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِسِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناها: أنا اللَّهُ أرى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنا اللَّهُ الرَّحْمَنُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بَعْضُ اسْمٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ.

رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " آلر " و " حَم " و " نُونْ " حُرُوفُ الرَّحْمَنِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وفي قَوْلِهِ: " تِلْكَ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى " هَذِهِ " قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الإشارَةَ إلى الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: هَذِهِ الأقاصِيصُ الَّتِي تَسْمَعُونَها، تِلْكَ الآياتُ الَّتِي وُصِفَتْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

والثّانِي: أنَّ الإشارَةَ إلى الآياتِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، مِنَ القُرْآنِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ " تِلْكَ " إشارَةٌ إلى " آلر " وأخَواتِها مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ، أيْ: تِلْكَ الحُرُوفُ المُفْتَتَحَةُ بِها السُّورُ هي (آياتُ الكِتابِ) لِأنَّ الكِتابَ بِها يُتْلى، وألْفاظُهُ إلَيْها تَرْجِعُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (الحَكِيمُ) بِمَعْنى المُحْكَمُ المُبَيَّنُ المُوَضَّحُ؛ والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ فَعِيلًا في مَعْنى مُفْعِلٍ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ما لَدَيَّ عَتِيدٌ  ﴾ أيْ: مُعَدٍّ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ السُورَةُ هي مَكِّيَّةٌ، قالَ مُقاتِلٌ: إلّا آيَتَيْنِ وهي قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ  ﴾ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ  ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَ مِن أوَّلِها نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ آيَةً بِمَكَّةَ وباقِيها بِالمَدِينَةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ الناسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ﴾ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في فَواتِحِ السُوَرِ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها تَتَرَتَّبُ هُنا، وفي هَذا المَوْضِعِ قَوْلٌ يَخْتَصُّ بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والشَعْبِيُّ: "الر" و"حم" و"ن" هو "الرَحْمَنُ" قُطِّعَ اللَفْظُ في أوائِلِ هَذِهِ السُوَرِ.

واخْتُلِفَ عن نافِعٍ في إمالَةِ الراءِ، والقِياسُ ألّا تُمالَ.

وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ القُرّاءُ، وعِلَّةُ مَن أمالَ الراءَ أنْ يَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّها اسْمٌ لِلْحَرْفِ ولَيْسَتْ بِحَرْفٍ في نَفْسِها وإنَّما الحَرْفُ "ر".

وقَوْلُهُ تَعالى: "تِلْكَ" قِيلَ: هو بِمَعْنى: "هَذِهِ"، وقَدْ يُشْبِهُ أنْ يَتَّصِلَ المَعْنى بِـ "تِلْكَ" دُونَ أنْ نُقَدِّرَها بَدَلَ غَيْرِها، والنَظَرُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ إنَّما يَتَرَكَّبُ عَلى الخِلافِ في فَواتِحِ السُوَرِ فَتَدَبَّرْهُ.

و"الكِتابِ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: المُرادُ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وهو الأظْهَرُ، و"الحَكِيمِ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُحْكَمٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ  ﴾ ، أيْ مُعْتَدٌّ مُعَدٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ "حَكِيمٍ" بِمَعْنى: ذُو حِكْمَةٍ فَهو عَلى النَسَبِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "فَهُوَ مِثْلُ ألِيمٍ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ" ثُمَّ قالَ: هو الَّذِي أحْكَمَهُ وبَيَّنَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَساقَ قَوْلَيْنِ عَلى أنَّهُما واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جَرِيحٍ، وغَيْرُهُما: نُسِبَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ قُرَيْشًا اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وقالَ الزَجّاجُ: إنَّما عَجِبُوا مِن إخْبارِهِ أنَّهم يُبْعَثُونَ مِنَ القُبُورِ، إذِ النِذارَةُ والبِشارَةُ تَتَضَمَّنانِ ذَلِكَ، وكَثُرَ كَلامُهم في ذَلِكَ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: أما وجَدَ اللهُ مَن يَبْعَثُ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ؟

ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقاوِيلِ الَّتِي اخْتَصَرْتُها لِشُهْرَتِها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ: "أكانَ" تَقْرِيرٌ، والمُرادُ بِـ "الناسِ": قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ.

و"عَجَبًا" خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها: "أنْ أوحَيْنا"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أكانَ لِلنّاسِ عَجَبٌ"، وجَعَلَ الخَبَرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "أنْ أوحَيْنا"، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ الِاسْمَ مَعْرِفَةٌ والخَبَرُ نَكِرَةٌ وهَذا القَلْبُ لا يَصِحُّ ولا يَجِيءُ إلّا شاذًّا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ..........................

∗∗∗ يَكُونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءُ ولَفْظَةُ العَجَبِ هُنا لَيْسَتْ بِمَعْنى التَعَجُّبِ فَقَطْ، بَلْ مَعْناهُ: أوَصَلَ إنْكارُهم وتَعَجُّبُهم إلى التَكْذِيبِ؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلى رَجْلٍ" بِسُكُونِ الجِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَ الوَحْيُ وقَسَّمَهُ عَلى النِذارَةِ لِلْكافِرِينَ والبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.

والقَدَمُ هُنا-: ما قَدَّمَ.

واخْتُلِفَ في المُرادِ بِها هاهُنا فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هي الأعْمالُ الصالِحَةُ مِنَ العِباداتِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هي شَفاعَةُ مُحَمَّدٍ  ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وغَيْرُهُ: هي المُصِيبَةُ بِمُحَمَّدٍ  بِمَوْتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا، وغَيْرُهُ: هي السَعادَةُ السابِقَةُ لَهم في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، وهَذا ألْيَقُ الأقْوالِ بِالآيَةِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ حَسّانَ: لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ الناسُ أنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العالِي طَمَّتْ عَلى البَحْرِ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ  في صِفَةِ جَهَنَّمَ: « "حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ"» أيْ ما قَدَّمَ لَها مِن خَلْقِهِ، هَذا عَلى أنَّ "الجَبّارَ" اسْمُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَن جَعَلَهُ اسْمَ جِنْسٍ كَأنَّهُ أرادَ الجَبّارِينَ مِن بَنِي آدَمَ، فالقَدَمُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الجارِحَةُ.

والصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الصَلاحِ، كَما تَقُولُ: رَجُلٌ صِدْقٌ ورَجُلُ سُوءٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ الكافِرُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: "أكانَ وحْيُنا إلى بَشَرٍ عَجَبًا؟" قالَ الكافِرُونَ عنهُ كَذا وكَذا؟

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أنْذَرَ وبَشَّرَ قالَ الكافِرُونَ كَذا وكَذا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ: "إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ"، وقَرَأ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عنهُ: "إنَّ هَذا لَساحِرٌ"، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "قالَ الكافِرُونَ ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ".

وقَوْلُهم في الإنْذارِ والبِشارَةِ سِحْرٌ إنَّما هو بِسَبَبٍ أنَّهُ فَرَّقَ بِذَلِكَ كَلِمَتَهم وحالَ بَيْنَ القَرِيبِ وقَرِيبِهِ فَأشْبَهَ بِذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ الساحِرُ فَظَنُّوهُ مِن ذَلِكَ البابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدم القول في الحروف الواقعة في فواتح بعض السور في أول سورة البقرة فهي بمنزلة الأعداد المسرودة، لا محل لها من الإعراب، ولا يُنطق بها إلا على حال السكت، وحالُ السكت يعامَل معاملة الوقف، فلذلك لا يُمد اسم رَا في الآية، وإن كان هو في اللغة بهمزة في آخره لأنه بالسكت تحذف الهمزة كما تحذف في الوقف لثقل السكوت على الهمزة في الوقف والسكت، فبذلك تصير الكلمة على حرفين فلا تمد.

ولذلك أجمع القراء على عدم مد الحروف: را.

ها.

يا.

طا.

حا.

التي في أوائل السور وإن كانت تلك الأسماء ممدودة في استعمال اللغة.

اسم الإشارة يجوز أن يكون مراداً به جميع آي القرآن التي نزلت قبل هذه السورة باعتبار حضور تلك الآيات في أذهان الناس من المؤمنين وغيرهم، فكأنها منظورة مشاهدة، فصحت الإشارة إليها إذ هي متلوة محفوظة فمن شاء أن يسمعها ويتدبرها أمكنه ذلك ولأن الخوض في شأنها هو حديث الناس في نواديهم وأسمارهم وشغلهم وجدالهم، فكانت بحيث تتبادر إلى الأذهان عند ورود الإشارة إليها.

واسمُ الإشارة يُفسر المقصودَ منه خبرُه وهو ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ كما فسره في قوله تعالى: ﴿ فهذا يومُ البعث ﴾ [الروم: 56] وقوله تعالى: ﴿ قال هذا فراقُ بيني وبينك ﴾ [الكهف: 78].

قال في «الكشاف»: تصَوَّر فراقاً بينهما سيقع قريباً فأشار إليه بهذا.

وقد تقدم شيء من هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿ ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ﴾ في سورة [الأنعام: 88].

فالمقصود من الإشارة إما الحث على النظر في آيات القرآن ليتبين لهم أنه من عند الله ويعلموا صدق من جاءهم به.

وإما إقناعهم من الآيات الدالة على صدق النبي بآيات الكتاب الحكيم فإنهم يسألون النبي آيةً على صدقه، كما دل عليه قوله في هذه السورة [يونس: 15] ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتتِ بقرآن غير هذا أو بَدله ﴾ فقيل لهم ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ ، أي ما هو آية واحدة بل آيات كثيرة، فإن الإعجاز حاصل بكل سورة منه.

ولأنه اشتمل على الحقائق السامية والهدى إلى الحق والحكمة؛ فرجل أمي ينشأ في أمة جاهلة يجيء بمثل هذا الهدى والحكمة لا يكون إلا موحى إليه بوحي إلهي، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارْتاب المبطلون ﴾ [العنكبوت: 48].

وعليه فاسم الإشارة مبتدأ و ﴿ آيات ﴾ خبره.

وإضافة ﴿ آيات ﴾ إلى ﴿ الكتاب ﴾ إضافة شبيهة بالبيانية وإن كان الكتاب بمنزلة الظرف للآيات باختلاف الاعتبار، وهو معنى الإضافة البيانية عند التحقيق.

ويجوز أن تجعل الإشارة ب ﴿ تلك ﴾ إلى حروف ﴿ ألر ﴾ لأن المختار في الحروف المقطعة في فواتح السور أن المقصود من تعدادها التحدي بالإعجاز، فهي بمنزلة التهجي للمتعلم.

فيصح أن يجعل (ألر) في محل ابتداء ويكون اسم الإشارة خبراً عنه.

والمعنى تلك الحروف آيات الكتاب الحكيم، أي من جنسها حروف الكتاب الحكيم، أي جميع تراكيبه من جنس تلك الحروف.

والمقصود تسجيل عجزهم عن معارضته بأن آيات الكتاب الحكيم كلها من جنس حروف كلامهم فما لكم لا تستطيعون معارضتها بمثلها إن كنتم تكذّبون بأن الكتاب منزل من عند الله، فلولا أنه من عند الله لكان اختصاصه بهذا النظم المعجز دون كلامهم محالاً إذ هو مركب من حروف كلامهم.

والكتاب: القرآن.

فالتعريف فيه للعهد.

ويجوز جعل التعريف دالاً على معنى الكمال في الجنس، كما تقول: أنتَ الرجل.

والحكيم: وصف إما بمعنى فاعل، أي الحاكم على الكتب بتمييز صحيحها من محرفها، مثل قوله: ﴿ ومُهيمِناً عليه ﴾ [المائدة: 48]، وقوله: ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ [البقرة: 213].

وإما بمعنى مُفعَل بفتح العين، أي مُحكَم، مثل عَتِيد، بمعنى مُعَد.

وإما بمعنى ذي الحِكمة لاشتماله على الحكمة والحق والحقائق العالية، إذ الحكمة هي إصابة الحق بالقول والعمل فوُصف بوصف ذي الحكمة من الناس على سبيل التوسع الناشئ عن البليغ كقول الأعشى: وغريبةٍ تأتي الملوك حَكِيمة *** قد قلتُها ليقال مَن ذَا قالها وإما أن يكون وُصِفَ بوصف منزّله المُتكلم به، كما مشَى عليه صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين ﴾ [يس: 1، 3] واختيار وصف ﴿ الحكيم ﴾ من بين أوصاف الكمال الثابتة للقرآن؛ لأن لهذا الوصف مزيد اختصاص بمقام إظهار الإعجاز من جهة المعنى بعد إظهار الإعجاز من جهة اللفظ بقوله: ﴿ الر تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ ، ولِما اشتملت عليه السورة من براهين التوحيد وإبطال الشرك.

وإلى هذا المعنى يشير قوله بعد هذا: ﴿ قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثتُ فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون ﴾ [يونس 16].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ يُونُسَ هِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ إلى آخِرِهِنَّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ( الر ) فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنا اللَّهُ أرى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

والثّانِي: هي حُرُوفٌ مِنِ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو الرَّحْمَنُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيُّ.

وَقالَ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ( الر ) و ( حم ) و ( ن ) لِلرَّحْمَنِ مَقاطِعُ.

الثّالِثُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّها فَواتِحُ افْتَتَحَ اللَّهُ بِها القُرْآنَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ تِلْكَ آياتُ ﴾ أيْ هَذِهِ آياتٌ، كَما قالَ الأعْشى: تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ أيْ هَذِهِ خَيْلِي.

وَفي ﴿ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: الزَّبُورُ، قالَهُ مَطَرٌ.

الثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ الحَكِيمِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى مُحْكَمٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ كالنّاطِقِ بِالحِكْمَةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَعَثَ مُحَمَّدًا  رَسُولًا أنْكَرَ العَرَبُ ذَلِكَ أوْ مَن أنْكَرَ مِنهم فَقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وَهَذا لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ ومَعْناهُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ مِن كُفْرِ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ  لِأنَّهُ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى سائِرِ الأُمَمِ رُسُلًا مِنهم.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ لَهم ثَوابًا حَسَنًا بِما قَدَّمُوا مِن صالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: سابِقُ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أيْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الذِّكْرِ الأوَّلِ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّالِثُ: أنَّ لَهم شَفِيعَ صِدْقٍ يَعْنِي مُحَمَّدًا  يَشْفَعُ لَهم، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الرّابِعُ: أنَّ لَهم سَلَفَ صِدْقٍ تَقَدَّمُوهم بِالإيمانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّ لَهُمُ السّابِقَةَ بِإخْلاصِ الطّاعَةِ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ خَلْفَنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ قَدَمَ الصِّدْقِ أنْ يُوافِقَ الطّاعَةَ صِدْقُ الجَزاءِ، ويَكُونُ القَدَمُ عِبارَةً عَنِ التَّقَدُّمِ، والصِّدْقُ عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الر ﴾ قال: فواتح السور، أسماء من أسماء الله.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات وابن النجار في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الر ﴾ قال: أنا الله ارى.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ الر ﴾ قال: أنا الله أرى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ الر ﴾ قال: أنا الله أرى.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الر ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ ن ﴾ قال: اسم مقطع.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ الر ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ ن ﴾ قال: حروف الرحمن مفرقة.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي وفي قوله: ﴿ الر ﴾ قال: ألف ولام وراء من الرحمن.

أما قوله: ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله تعالى ﴿ تلك ﴾ يعني هذه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ قال: الكتب التي خلت قبل القرآن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ الر ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: أنا الله الرحمن (١) (٢) (٣) وقال قتادة: (الر) اسم من أسماء القرآن (٤) (٥) ﴿ الر ﴾ فاتحة السورة (٦) (٧) ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾ .

وقال أبو عبيدة: الله أعلم بما أراد بهذه الحروف (٨) (٩) وقرأ القراء الراءَ بالإمالة في ﴿ الر ﴾ وتركها (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وفإن قلت: فإن الأسماء لا تكون على حرفين أحدهما حرف لين، وإنما تكون على هذه الصفة الحروف نحو: (لا) و (ما)، فالقول: إن هذه الأسماء لم تمتنع أن تكون على حرفين أحدهما حرف لين؛ لأن التنوين لا يلحقها، فيؤمن لامتناع التنوين من اللحاق لها أن تبقى على حرف واحد، وإذا أمن ذلك لم يمتنع أن يكون الاسم على حرفين أحدهما حرف لين ألا ترى أنهم قالوا: هذه شاة (١٨) ومثل شاة في كونها على حرفين أحدهما حرف لين لما دخلت (١٩) (٢٠) (٢١) ...

لا هَنَاكِ المَرْتَعُ فاجتمع ألفان فحذف أحدهما لالتقاء الساكنين فبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف لين، أنشد اليزيدي (٢٢) فياشرَّ مُلْكٍ ملْكِ قيس بن عاصم ...

على أن قيسًا لم يطأ باه مَحْرَم (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ولم يعد ﴿ الر ﴾ آية كما عد ﴿ طه ﴾ ؛ لأن آخره لا يشاكل رؤوس الآي التي بعده [إذ هي بمنزلة المردف بالباء، و ﴿ طه ﴾ عدّ؛ لأنه يشاكل رؤوس الآي التي بعده (٢٨) (٢٩) قوله تعالى ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾ قال أبو عبيدة: المعنى هذه آيات (٣٠) (٣١) وقال صاحب النظم: نظم هذه الفاتحة مثل نظم قوله تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} إلا أن الكتاب مذكر فقال (ذلك) والآيات مؤنثة وقال (تلك) قال: وربما أخرج ذلك على ما تقدم وربما أخرج علي ما تأخرج وأخرج هاهنا (٣٢)  (٣٣) وأراد بـ ﴿ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ القرآن في قول أكثر المفسرين (٣٤) ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ وقيل: إنه بمعنى المحكم (٣٥) (٣٦) ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ  ﴾ .

قال الأزهري: وهذا سائغ في اللغة، والقرآن يبين بعضه بعضًا، وإنما جاز ذلك؛ لأن (حكمت) تجري مجرى (أحكمت) في المعنى فرد إلى الأصل والله أعلم (٣٧) وقد قال الأعشى: وغريبة تأتي الملوك حكيمة ...

قد قلتها ليقال من ذا قالها (٣٨) يذكر قصيدته ويعني بالحكيمة المحكمة.

وقال الحسن في قوله: ﴿ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه (٣٩) (١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 64، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 537، ومكي بن أبي طالب في "تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 101، وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1921 من رواية عكرمة عنه، ولفظه: (الر) حروف الرحمن مفرقة، ورواه ابن جرير 11/ 79 بلفظ: (الر) و (حم) و (ن) حروف الرحمن مفرقة.

(٢) رواه ابن جرير 11/ 79، وابن أبي حاتم 6/ 1921، والنحاس في "معاني القرآن الكريم" 3/ 275، والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" باب: ما جاء في حروف المقطعات في فواتح السور 1/ 232، والثعلبي 7/ 3 أ، والبغوي 4/ 119، وغيرهم.

انظر: "الدر المنثور" 3/ 534، والأثر ضعيف؛ لأن في سنده شريك، وهو صدوق يخطئ كثيراً، وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق اختلط.

(٣) رواه ابن جرير 11/ 79، وابن أبي حاتم 6/ 1921، والثعلبي 7/ 3 أ، والبغوي 4/ 119.

(٤) رواه ابن جرير 11/ 79، وابن أبي حاتم 6/ 1921، والثعلبي 7/ 3 أ.

(٥) هو: عطية بن الحارث الهمداني.

(٦) رواه الثعلبي 7/ 3 أ.

(٧) في (م): (الكلام).

(٨) في "مجاز القرآن" 1/ 27: (الم) افتتاح، مبتدأ كلام، شعار للسورة، ولم أجد من ذكره بلفظ المؤلف.

(٩) ذهب كثير من المحققين إلى أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل بعض السور بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد قرر هذا القول الزمخشري في "كشافه" 1/ 95 - 98، ونسبه الرازي في "تفسيره" 1/ 6 إلى المبرد والمحققين، وحكاه القرطبي في "تفسيره" 1/ 155، عن الفراء وقطرب، وذهب إليه ابن كثير وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ المزي، انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 38.

والذي أختاره هو الرأي القائل بان هذه الحروف مما استأثر الله بعلمه فلا يصل أحد إلى معرفة المراد منها حيث لم يصح عن الرسول  بيان المراد منها، ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين، وليس مع أحد المختلفين حجة قاطعة، فالوقف في مثل هذه الحالة أسلم حتى يتبين الحق في هذا المقام.

أما وصف القرآن بأنه هدى وتبيان فلا يبطله أن تجيء في أوائل بعض سوره مثل هذه الحروف؛ إذ لا تعلق لها بتكليف ولا خبر، وقد يكون ورودها تنبيهًا على القدرة التامة في جانب الرب، والقصور في جانب العبد، كأسرار الله في الكون والتكاليف.

والله أعلم.

(١٠) قرأ ابن كثير وأبو جعفر وقالون ويعقوب وحفص بالفتح، وقرأ ورش بين اللفظين، وقرأ الباقون بالإمالة.

انظر: "التيسير في القراءات السبع" ص120، "تحبير التيسير" ص121، "إتحاف فضلاء البشر" ص 246.

(١١) في (ح): (لا)، وهو خطأ.

(١٢) ساقط من (ى).

(١٣) في (ى): (الأسماء).

(١٤) ساقط من (ى).

(١٥) في (ى): (إلي).

(١٦) ساقط من (ى).

(١٧) ساقط من (ى).

(١٨) في "لسان العرب": (شوه) والشاة: أصلها شاهية فحذفت الهاء الأصلية، وأثبتت هاء العلامة التي تنقلب تاء في الإدراج.

(١٩) في (م): (دخل).

(٢٠) الباءة: النكاح والتزوج، وفيه لغات: الباهُ والباءُ والباءة والباهة.

انظر: "مجمل اللغة" (بوأ) 1/ 138، "لسان العرب" (بهه) 1/ 380، "النهاية في غريب الحديث والأثر" (بوأ) 1/ 160.

(٢١) هو الفرزدق، وتمام البيت كما في "ديوانه" 1/ 408: ومضت لمسلمة الركاب مودعًا ...

فارعي فزارة لا هناك المرتع والبيت منسوب للفرزدق أيضًا في: "شرح أبيات سيبويه" 2/ 294، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 340، و"كتاب سيبويه" 1/ 184، و"المقتضب" 1/ 167 وروايته في هذه المصادر: راحت بمسلمة البغال عشية ...

فارعي فزارة ..........

إلخ والبيت من قصيدة يهجو بها الفرزدق الأمير عمر بن هبيرة الفزاري لما تولى العراق بعد عزل عبد الملك بن بشر عن البصرة، وسعيد بن عمرو عن الكوفة، ورحيل مسلمة بن عبد الملك إلى الشام.

(٢٢) هو: يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي البصري أبو محمد النحوي، المعروف باليزيدي لاتصاله بالأمير يزيد بن منصور خال المهدي لتأديب أولاده، وقد أدب المأمون أيضًا، وكان ثقة عالمًا حجة في القراءة، أخباريًّا نحويًّا لغويًّا، نظيرًا للكسائي، وتوفي سنة 202 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 14/ 146،"نزهة الألباء" ص 69، "الحجة للقراء السبعة" 4/ 245، فقد نص أبو علي في هذا الموضوع أن المذكورر أبو محمد لا غيره.

(٢٣) لم أهتد لمصادره.

(٢٤) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 245.

(٢٥) ساقط من (ى).

(٢٦) في (م): (وإذا).

(٢٧) في (ح): (أباه)، وهو خطأ، وفي (ى) و (م): (باهً)، إلا أنها لم تشكل في (ى)، وانظر النص في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 246.

(٢٨) الصحيح أن الآية إنما تعلم بتوقيف من الشارع، ولا مجال للقياس في ذلك، وما ذكره المؤلف غير مطرد؛ فإن (المص) آية في سورة الأعراف، وآخرها لا يشاكل رؤوس الآي التي بعدها.

وانظر: "البرهان" للزركشي 1/ 252، "الإتقان" 1/ 88.

(٢٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٣٠) "مجاز القرآن" 1/ 272.

(٣١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 5.

(٣٢) ساقط من (م).

(٣٣) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 538.

(٣٤) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 80، والسمرقندي 2/ 87، والثعلبي 7/ 3 ب، والبغوي 4/ 119.

(٣٥) هذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 272.

(٣٦) "تفسير مقاتل" 137 ب.

(٣٧) "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 886 بنحوه.

(٣٨) البيت للأعشى الكبير في "ديوانه" ص 151، "خزانة الأدب" 4/ 259، "الدرر اللوامع" 1/ 269.

(٣٩) رواه الثعلبي 7/ 3 ب، والبغوي 4/ 119.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الر ﴾ تكلمنا في أول البقرة على حروف الهجاء التي في أوائل السور ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الكتاب ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والكتاب هنا القرآن ﴿ الحكيم ﴾ من الحكمة أو من الحكم أو من الأحكام للأمر أي أحكمه الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الۤر ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

﴿ لساحر ﴾ بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ لسحر ﴾ ﴿ حقاً أنه ﴾ بالفتح.

يزيد.

﴿ ضياء ﴾ بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يفصل ﴾ بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي.

الباقون بالنون.

﴿ واطمأنوا ﴾ بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ الۤر ﴾ ق كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ إذنه ﴾ ط ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط، ﴿ حقاً ﴾ ط، إلا لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح.

﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ط ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ نفصل ﴾ بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ﴿ يفصل ﴾ حالاً.

﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه لا لأن ﴿ أولئك ﴾ خبر "إن" ﴿ بإيمانهم ﴾ ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله ﴿ وآخر دعواهم ﴾ معطوف على ﴿ دعواهم ﴾ الأوّل ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: اتفقوا على أن قوله ﴿ الر ﴾ ليس بآية وعلى أن ﴿ طه ﴾ آية.

ولعل الفرق أن ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس ﴿ الۤر ﴾ معناه أنا الله أرى.

وقيل: لا رب غيري.

وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة.

وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها.

وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور.

ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن.

واعلم أنه  لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه.

ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ نصب على أنه خبر كان واسمه ﴿ أن أوحينا ﴾ وفائدة اللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد  بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً  ﴾ .

وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى  ﴾ وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد  في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين.

و "أن" في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس.

وقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم ﴾ أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين.

ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله  المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء.

وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية.

ومعنى ﴿ قدم صدق ﴾ سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير.

قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير.

وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.

والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً.

وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد  .

أما قوله: ﴿ قال الكافرون ﴾ فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك.

ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي  ، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر.

ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين.

وقد مر في الأعراف تفسير قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الخ.

والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش.

والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.

قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.

ففي قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله ﴿ ما من شفيع ﴾ إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد.

ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم.

قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل.

ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ﴿ أفلا تذكرون ﴾ فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله.

ثم شرع في إثبات المعاد فقال: ﴿ إليه مرجعكم ﴾ أي رجوعكم ﴿ جميعاً ﴾ مجموعين.

وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وفيه تأكيدان كما مر.

ثم قال: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون  ﴾ يعني أنه  لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق.

ومن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق.

ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي.

وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام.

وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل متعلق بـ ﴿ يجزي ﴾ أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر.

والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة.

وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟

واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه  خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك.

هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله  كاذباً في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ الخ.

فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟

ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟

سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟

فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.

ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت.

ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.

فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟

قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.

ومنها أنه  خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة.

وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى.

فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟

قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.

ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله  علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات.

ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.

ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.

ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء.

ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟

ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟

ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء.

وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله  برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة.

ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.

وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.

والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.

والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة.

ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً.

ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟

ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم.

فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.

وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.

ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.

وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر.

فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله  أعلم بحقائق الأمور.

ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء".

وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود.

والضياء أقوى من النور.

ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله  : { ﴿ يسألونك عن الأهلة  ﴾ ﴿ وقدره منازل ﴾ قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل.

ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ.

وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه.

ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.

وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله  : ﴿ إن عدة الشهور  ﴾ الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: ﴿ ما خلق الله ذلك ﴾ المذكور ﴿ إلا ﴾ ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل.

وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل.

ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض  ﴾ .

ومعنى قوله: ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ كقوله: ﴿ وما خلق الله من شيء  ﴾ وقد مر في آخر "الأعراف".

وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر.

قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد.

ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله  : ﴿ وهم من الساعة مشفقون  ﴾ واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ﴿ ورضوا ﴾ مع ذلك ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ الحسية الخسيسة ﴿ واطمأنوا بها ﴾ سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد ﴿ أولئك مأواهم النار ﴾ فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات.

وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ استكملوا من جهة القوة النظرية ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله  : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة.

ومعنى قوله: ﴿ بإيمانهم ﴾ أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله  : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم  ﴾ وقوله  : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.

والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار" .

وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.

فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان.

قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تجري ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله.

والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية.

وفي قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق.

ومعنى ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم.

﴿ دعواهم فيها ﴾ قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله  ﴾ وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله.

وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية.

قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.

وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى.

وقيل: أي تمنيهم كقوله: ﴿ ولهم ما يدعون  ﴾ أي ما يتمنونه.

وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله  عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.

وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد ﴾ هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد ﴿ لله ﴾ على أن الضمير للشأن.

قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه.

قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد.

وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله  قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".

التأويل: ﴿ الۤر ﴾ فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد  كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد.

والثانية من الحق لنبيه  إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك.

وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ تلك ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك.

والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها ﴿ إلى رجل منهم ﴾ لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله ﴿ قدم صدق ﴾ محمد  لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لساحر مبين ﴾ صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس.

إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية ﴿ ثم استوى ﴾ على العرش القلب ﴿ يدبر ﴾ أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء.

﴿ إليه مرجعكم جميعاً ﴾ فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال.

ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس ﴿ بالقسط ﴾ أي لكل بحسب كماله ونقصانه.

جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس.

وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات ﴿ إن في اختلاف ﴾ ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية ﴿ وما خلق الله ﴾ في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال ﴿ لآيات ﴾ دالة على التوحيد ﴿ لقوم يتقون ﴾ الأخلاق الذميمة ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ : قد ذكرنا الوجه في الحروف المقطعات في صدر الكتاب.

وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ : قال بعضهم: الحكيم هو الله، كأنه قال: ذلك الكتاب آيات الله.

وقال بعضهم: الحكيم هو صفة القرآن.

والكتاب يحتمل وجهين: يحتمل أنه سماه حكيماً فعيلا بمعنى أنه محكم، وجائز تسمية المفعول باسم الفعيل؛ نحو: قتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح ونحو ذلك، فيه الحلال والحرام، والأمر والنهي، أو محكم متقن مبرأ من الباطل والكذب والاختلاف، وهو ما وصفه  : ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ...

﴾ الآية [فصلت: 42].

والثاني: حكيماً لما أن من تأمل فيه ونظر وفهم ما أودع فيه وأدرج، صار حكيماً وهو ما وصفه وسماه مجيداً، أي: من تأمله ونظر فيه صار مجيداً شريفاً.

والحكيم هو المصيب في الحقيقة إن كان صفة القرآن أو صفة الله، فإن كان صفة لله، فهو حكيم واضع كل شيء موضعه، وإن كان صفة للقرآن فهو كذلك أيضاً واضع كل شيء موضعه.

وقوله: ﴿ آيَاتُ ﴾ : يحتمل آيات الكتاب المعروف، ويحتمل الحجج والبراهين، أي: حجج الكتاب وبراهينه أو أعلامه، وقد تقدم ذكر الآيات في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل [أي قد عجبوا] أن أوحينا إلى رجل منهم.

ويحتمل: أيعجبون أن أوحينا إلى رجل منهم على الاستئناف، كانوا يعجبون من ثلاث: من إنزال القرآن على رجل منهم يعجز الخلائق عن إتيان مثله، ويعجبون من الوحي إلى رجل منهم وإرساله رسولا من بين الكل أو من البشر؛ كقوله: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا...

 ﴾ ، وكانوا يعجبون من البعث؛ كقولهم: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً...

﴾ الآية [ق: 3].

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي: من البشر، أي: لا تعجبوا أن أوحينا إلى رجل من البشر؛ فإن الإيحاء إلى من هو من البشر أبلغ في الحجاج وأقطع للعذر، وأقرب إلى الرأفة والرحمة؛ لأن البشر يعرفون خروج ما هو خارج عن طوق البشر ووسعهم، ولا يعرفون ذلك من غير جوهرهم وغير جنسهم، ويألف كل جنس بجنسه وكل جوهر بجوهره، ولا يألف غير جوهره ولا غير جنسه، فإذا كان ما وصفنا كان بعث الرسول من جنس المبعوث إليهم وجوهرهم أبلغ في الحجاج وأقطع للعذر، وأقرب إلى الرأفة والرحمة.

ويحتمل قوله: ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي: من الأميين، أي: لا يعجبون أن أوحينا إلى رجل منهم، أي: أمي فإن ذلك أبلغ في التعريف والحجاج؛ لأنه بعث أميّاً لم يعرفوه بدراسة الكتب المتقدمة أو تلاوة شيء منها، ولا عرفوه اختلف إلى أحد منهم في تعليم كتبهم، ولا عرف أنه كتب شيئاً ولا خط خطا قط، ثم أخبر عما في كتبهم على موافقة ما فيها، وكانت كتبهم بغير لسانه؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله  ؛ فذلك أبلغ في إثبات الرسالة والحجاج، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ ﴾ : قال بعضهم: الإنذار يكون في كل مكروه مرهوب، والبشارة في كل محبوب مرغوب.

وقال بعضهم: ﴿ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ ﴾ يعني: الكفار بالنار.

﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ثم اختلفوا في قوله: ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ : قال بعضهم: إن لهم الجنة عند ربهم.

وقيل: إن لهم الأعمال الصالحة يقدمون عليها.

وقيل: قدم صدق: محمد  يشفع لهم عند ربهم.

[وقيل: إن لهم الجنة عند ربهم].

وقيل: إن لهم [ثواب أعمالهم] الصالحة التي قدموها بين أيديهم ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ ، أي: سلف خير أو سلف وعْد وعِد لهم بذلك وكأن أصله من القدم.

قال أبو عوسجة: يقال في الكلام: لفلان عندي قدم صدق ويد صدق، أي: نعمة قد أسلفها إليّ.

وقال القتبي: قدم صدق: يعني عملا صالحاً قدموه.

وعن ابن عباس:  - قال: سبق لهم السعادة في الذكر الأول.

من قال: قدم صدق هو الشفاعة، فالقدم كناية عن الشفاعة والصدق، أي واقعة.

ومن قال: وعدوا ثواب أعمالهم أي تقدم لهم وعد حق وصدق.

ويحتمل ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ أي: ثبتت قدمهم لا تزل، على ما وصف من ثبوت قدم المؤمنين والقرار فيه، وتزل قدم الكافرين؛ كقوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ : ومن قرأ (لسِحْرٌ) عنى هذا القرآن.

ومن قرأ (لَسَاحِرٌ) بالألف عنى به النبي.

ثم السحر هو الذي يتراءى في الظاهر أنه حق وهو في الحقيقة باطل لا شيء، ثم هو يأخذ الأبصار ويأخذ العقول.

فأما الذي يأخذ الأبصار فهو ما يتراءى الشيء على غير ما هو في الحقيقة، والذي يأخذ العقول هو أن يذهب بعقله فيصير مجنوناً.

وقال فرعون لموسى: ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً  ﴾ أي: مجنوناً، لكن هؤلاء لم يريدوا بقولهم: (لسِحْر مبِين): السحر الذي يأخذ العقول، ولكن أرادوا السحر الذي يأخذ الأبصار؛ يقولون: إنه وإن كان أخذ الأبصار في الظاهر فهو لا شيء في الحقيقة، ولكن في قولهم: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ دليل أنهم عجزوا عن رده، وعرفوا أنه حق، ولكن هم أرادوا التمويه على الناس؛ كقول فرعون لسحرته حين آمنوا برب موسى: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ  ﴾ أراد أن يموه على الناس؛ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ الر ﴾ سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.

هذه الآيات المتلوة في هذه السورة آيات القرآن المحكم المتقن المشتمل على الحكمة والأحكام.

<div class="verse-tafsir" id="91.alp1K"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل