الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 122 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ) الآية ، يقول تعالى منكرا على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر ، كما أخبر تعالى عن القرون الماضية من قولهم : ( أبشر يهدوننا ) [ التغابن : 6 ] وقال هود وصالح لقومهما : ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ) [ الأعراف : 63 : 69 ] وقال تعالى مخبرا عن كفار قريش أنهم قالوا : ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد .
قال : فأنزل الله عز وجل : ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ) وقوله : ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ) اختلفوا فيه ، فقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( أن لهم قدم صدق [ عند ربهم ] ) يقول : سبقت لهم السعادة في الذكر الأول .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ) يقول : أجرا حسنا ، بما قدموا .
وكذا قال الضحاك ، والربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
وهذا كقوله تعالى : ( لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا ) [ الكهف : 2 ، 3 ] وقال مجاهد : ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ) قال : الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم .
[ وقال عمرو بن الحارث عن قتادة أو الحسن ( أن لهم قدم صدق عند ربهم ] ) قال : محمد صلى الله عليه وسلم شفيع لهم .
وكذا قال زيد بن أسلم ، ومقاتل بن حيان .
وقال قتادة : سلف صدق عند ربهم .
واختار ابن جرير قول مجاهد - أنها الأعمال الصالحة التي قدموها - قال : كما يقال : " له قدم في الإسلام " ومنه قول [ حسان ] رضي الله عنه .
لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع وقول ذي الرمة : لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر وقوله تعالى : ( قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) أي : مع أنا بعثنا إليهم رسولا منهم ، رجلا من جنسهم ، بشيرا ونذيرا ، ( قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) أي : ظاهر ، وهم الكاذبون في ذلك .
القول في تأويل قوله تعالى : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أكان عجبًا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم بإنذارهم عقابَ الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أنَّ الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر، فتعجَّبوا من وحينا إليه.
(10) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 17527- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدًا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد !
فأنـزل الله تعالى: ( أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم ) ، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا [سورة يوسف: 109].
17528- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: عجبت قريش أن بُعث رجل منهم.
قال: ومثل ذلك: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [سورة الأعراف: 65]، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ، [سورة الأعراف: 73] ، قال الله: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ ، [سورة الأعراف: 69].
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: أما كان عجبًا للناس أن أوحينا إلى رجل منهم : أن أنذر الناس، وأن بشر الذين آمنوا بالله ورسوله: ( أن لهم قدم صدق ) ، عطفٌ على ( أنذر ) .
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( قدم صدق )، فقال بعضهم: معناه: أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا من صالح الأعمال.
* ذكر من قال ذلك: 17529- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ( أن لهم قدم صدق عند ربهم )، قال: ثواب صِدق.
17530-.
.
.
.
قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد: ( أن لهم قدم صدق عند ربهم )، قال: الأعمال الصالحة.
17531- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم )، يقول: أجرًا حسنًا بما قدَّموا من أعمالهم.
17532- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن حبان، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، عن مجاهد: ( أن لهم قدم صدق عند ربهم )، قال: صلاتهم وصومهم، وصدقتُهم، وتسبيحُهم.
(11) 17533- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( قدم صدق )، قال: خير.
17534- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( قدم صدق ) ، مثله.
17535- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
17536-.
.
.
.
قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: ( قدم صدق )، ثواب صدق ، ( عند ربهم ) .
17537- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
17538- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق )، قال: " القدم الصدق " ، ثواب الصّدق بما قدّموا من الأعمال.
* * * وقال آخرون: معناه: أن لهم سابق صدق في اللوح المحفوظ من السعادة.
* ذكر من قال ذلك: 17539- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح عن علي، عن ابن عباس قوله: ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم )، يقول: سبقت لهم السعادة في الذِّكر الأَوّل.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك أنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم شفيع لهم، قَدَمَ صدق.
* ذكر من قال ذلك: 17540- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة ، أو الحسن ، : ( أن لهم قدم صدق عند ربهم )، قال: محمدٌ شفيعٌ لهم.
(12) 17541- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ) : أي سلَفَ صدقٍ عند ربهم.
17542- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، في قوله: ( أن لهم قدم صدق عند ربهم )، قال: محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثوابَ.
* * * وذلك أنه محكيٌّ عن العرب: " هؤلاء أهْلُ القَدَم في الإسلام " أي هؤلاء الذين قدَّموا فيه خيرًا، فكان لهم فيه تقديم.
ويقال: " له عندي قدم صِدْق ، وقدم سوء "، وذلك ما قدَّم إليه من خير أو شر، ومنه قول حسان بن ثابت: لَنَــا القَــدَمُ العُلْيَـا إِلَيْـكَ وَحَلْفُنَـا لأَوّلِنَــا فِــي طَاعَــةِ اللـهِ تَـابِعُ (13) وقول ذي الرمة: لَكُــمْ قَــدَمٌ لا يُنْكِـرُ النَّـاسُ أَنَّهَـا مَـعَ الحَسَـبِ العَادِيِّ طَمَّتْ عَلَى البَحْرِ (14) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وبشر الذين آمنوا أنّ لهم تقدِمة خير من الأعمال الصالحة عند ربِّهم.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2) قال أبو جعفر : اختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: ( إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ )، بمعنى: إن هذا الذي جئتنا به ، يعنون القرآن ، لسحر مبين.
* * * وقرأ ذلك مسروق، وسعيد بن جبير ، وجماعة من قراء الكوفيين: ( إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ).
* * * وقد بينت فيما مضى من نظائر ذلك: أن كل موصوف بصفةٍ ، يدل الموصوف على صفته، وصفته عليه.
(15) والقارئ مخيَّرٌ في القراءة في ذلك، وذلك نظير هذا الحرف: ( قال الكافرون إن هذا لسحر مبين ) ، و " لساحر مبين ".
(16) وذلك أنهم إنما وصفوه بأنه " ساحر "، ووصفهم ما جاءهم به أنه " سحر " يدل على أنهم قد وصفوه بالسحر.
وإذْ كان ذلك كذلك ، فسواءٌ بأيِّ ذلك قرأ القارئ، لاتفاق معنى القراءتين.
* * * وفي الكلام محذوف ، استغني بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره ، وهو: " فلما بشرهم وأنذرهم وتلا عليهم الوحي" ، قال الكافرون : إن هذا الذي جاءنا به لسحرٌ مبين.
* * * قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذًا: أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم: أن أنذر الناس ، وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم؟
فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم، قال المنكرون توحيد الله ورسالة رسوله: إن هذا الذي جاءنا به محمدٌ لسحر مبين أي : يبين لكم عنه أنه مبطِلٌ فيما يدعيه.
(17) --------------------------- الهوامش : (10) انظر تفسير " الوحي " و " الإنذار " فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) ، ( نذر ) .
(11) الأثر : 17532 - " زيد بن حباب التميمي " ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 11490 .
وكان في المطبوعة : " يزيد بن حبان " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فتصرف أسوأ التصرف .
و " إبراهيم بن يزيد الخوزي " ، ضعيف ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17313 .
و " الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث " ، ثقة ، مضى برقم : 16259 ، 17313 .
وكان في المطبوعة والمخطوطة : " الوليد بن عبد الله ، عن أبي مغيث " ، وهو خطأ محض .
(12) الأثر : 17540 - " فضيل بن عمرو بن الجون " ، لم أجد له ترجمة .
ولا أدري أهو " فضيل بن عمرو الفقيمي " ، أو غيره !
.
(13) مضى البيت وتخريجه فيما سلف 13 : 209 ، وروايته هناك : " لنا القدم الأولى " .
(14) ديوانه 272 ، من قصيدته في مدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، يقول بعده : خِـلاَلَ النَّبِـيِّ المُصْطَفَـى عِنْـدَ رَبِّهِ وَعُثْمَـانَ وَالفَـارُوقِ بَعْـدَ أَبِـي بَكْرِ ورواية ديوانه : " طمت على الفخر " .
(15) في المطبوعة : " نزل الموصوف " ، وفي المخطوطة : " ترك " ، وصواب قراءتها ما أثبت .
(16) انظر ما سلف 11 : 216 ، 217 .
(17) انظر تفسير " السحر " و " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة ( سحر ) ، ( بين ) .
قوله تعالى أكان للناس عجبا استفهام معناه التقرير والتوبيخ .
و ( عجبا ) خبر كان ، واسمها ( أن أوحينا ) وهو في موضع رفع ; أي كان إيحاؤنا عجبا للناس .
وفي قراءة عبد الله " عجب " على أنه اسم كان .
والخبر ( أن أوحينا ) .إلى رجل منهم قرئ " رجل " بإسكان الجيم .
وسبب النزول فيما روي عن ابن عباس أن الكفار قالوا لما بعث محمد : إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا .
وقالوا : ما وجد الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب ; فنزلت : أكان للناس يعني أهل مكة ( عجبا ) .
وقيل : إنما تعجبوا من ذكر البعث .[ ص: 222 ] قوله تعالى ( أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ) في موضع نصب بإسقاط الخافض ; أي بأن أنذر الناس ، وكذا أن لهم قدم صدق وقد تقدم معنى النذارة والبشارة وغير ذلك من ألفاظ الآية .واختلف في معنى قدم صدق فقال ابن عباس : قدم صدق منزل صدق ; دليله قوله تعالى : وقل رب أدخلني مدخل صدق .
وعنه أيضا أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم .
وعنه أيضا قدم صدق سبق السعادة في الذكر الأول ، وقاله مجاهد .
الزجاج : درجة عالية .
قال ذو الرمة :لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العالي طمت على البحرقتادة : سلف صدق .
الربيع : ثواب صدق .
عطاء : مقام صدق .
يمان : إيمان صدق .
وقيل : دعوة الملائكة .
وقيل : ولد صالح قدموه .
الماوردي : أن يوافق صدق الطاعة الجزاء .
وقال الحسن وقتادة أيضا : هو محمد صلى الله عليه وسلم ; فإنه شفيع مطاع يتقدمهم ; كما قال : أنا فرطكم على الحوض .
وقد سئل صلى الله عليه وسلم فقال : هي شفاعتي توسلون بي إلى ربكم .
وقال الترمذي الحكيم : قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود .
وعن الحسن أيضا : مصيبتهم في النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال عبد العزيز بن يحيى : ( قدم صدق ) قوله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وقال مقاتل : أعمالا قدموها ; واختاره الطبري .
قال الوضاح :صل لذي العرش واتخذ قدما تنجيك يوم العثار والزللوقيل : هو تقديم الله هذه الأمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة .
كما قال : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق .
وحقيقته أنه كناية عن السعي في العمل الصالح ; فكنى عنه بالقدم كما يكنى عن الإنعام باليد وعن الثناء باللسان .
وأنشد حسان :[ ص: 223 ]لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابعيريد السابقة بإخلاص الطاعة ، والله أعلم .
وقال أبو عبيدة والكسائي : كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم ; يقال : لفلان قدم في الإسلام ، له عندي قدم صدق وقدم شر وقدم خير .
وهو مؤنث وقد يذكر ; يقال : قدم حسن وقدم صالحة .
وقال ابن الأعرابي : القدم التقدم في الشرف ; قال العجاج :زل بنو العوام عن آل الحكم وتركوا الملك لملك ذي قدموفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لي خمسة أسماء .
أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب يريد آخر الأنبياء ; كما قال تعالى : وخاتم النبيين .قوله تعالى قال الكافرون إن هذا لساحر مبين قرأ ابن محيصن وابن كثير والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش ( لساحر ) نعتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقرأ الباقون " لسحر " نعتا للقرآن وقد تقدم معنى السحر في " البقرة " .
ومع هذا فأعرض أكثرهم، فهم لا يعلمون، فتعجبوا {أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} عذاب الله، وخوفهم نقم الله، وذكرهم بآيات الله. {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} إيمانا صادقا {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أي: لهم جزاء موفور وثواب مذخور عند ربهم بما قدموه وأسلفوه من الأعمال الصالحة الصادقة. فتعجب الكافرون من هذا الرجل العظيم تعجبا حملهم على الكفر به، فـ {قَالَ الْكَافِرُونَ} عنه: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} أي: بين السحر، لا يخفى بزعمهم على أحد، وهذا من سفههم وعنادهم، فإنهم تعجبوا من أمر ليس مما يتعجب منه ويستغرب، وإنما يتعجب من جهالتهم وعدم معرفتهم بمصالحهم. كيف لم يؤمنوا بهذا الرسول الكريم، الذي بعثه الله من أنفسهم، يعرفونه حق المعرفة، فردوا دعوته، وحرصوا على إبطال دينه، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
قوله تعالى : ( أكان للناس عجبا ) العجب : حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة .
وسبب نزول الآية : أن الله عز وجل لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا قال المشركون : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا .
فقال تعالى : ( أكان للناس ) يعني : أهل مكة ، الألف فيه للتوبيخ ، ( عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، ( أن أنذر الناس ) أي : أعلمهم مع التخويف ، ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ) واختلفوا فيه : قال ابن عباس : أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم .
قال الضحاك : ثواب صدق .
وقال الحسن : عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه .
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : هو السعادة في الذكر الأول .
وقال زيد بن أسلم : هو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
وقال عطاء : مقام صدق لا زوال له ، ولا بؤس فيه .
وقيل : منزلة رفيعة .
وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته ، كقولهم : مسجد الجامع ، وحب الحصيد ، وقال أبو عبيدة : كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم ، يقال : لفلان قدم في الإسلام ، وله عندي قدم صدق وقدم سوء ، وهو يؤنث فيقال : قدم حسنة ، وقدم صالحة .
( قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ) قرأ نافع وأهل البصرة والشام : " لسحر " بغير ألف يعنون القرآن ، وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة : " لساحر " بالألف يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم .
«أكان للناس» أي أهل مكة، استفهام إنكار والجار والمجرور حال من قوله «عَجبا» بالنصب خبر كان، وبالرفع اسمها والخبر وهو اسمها على الأولى «أن أوحينا» أي إيحاؤنا «إلى رجل منهم» محمد «أن» مفسرة «أنذر» خوِّف «الناس» الكافرين بالعذاب «وبشر الذين آمنوا أن» أي بأن «لهم قدم» سلف «صدق عند ربهم» أي أجرا حسناً بما قدموه من الأعمال «قال الكافرون إن هذا» القرآن المشتمل على ذلك «لَسِحْرٌ مبين» بيِّن، وفي قراءة لَساحرٌ، والمشار إليه النبي.
أكان أمرًا عجبًا للناس إنزالنا الوحي بالقرآن على رجل منهم ينذرهم عقاب الله، ويبشِّر الذين آمنوا بالله ورسله أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا من صالح الأعمال؟
فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي الله وتلاه عليهم، قال المنكرون: إنَّ محمدًا ساحر، وما جاء به سحر ظاهر البطلان.
ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من دعوته فقال : ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) .
.روى الضحاك عن ابن عباس قال : لما بعث الله - تعالى - رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ، فأنزل الله - تعالى - : ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً .
.
.
الآية ) .والهمزة فى قوله " أكان " لإنكار تعجبهم ، ولتعجب السامعين منه لوقوعه فى غير موضعه .وقوله ( لِلنَّاسِ ) جار ومجرور حالا من قوله ( عَجَباً ) والمراد بهم مشركوا مكة ومن لف لفهم فى إنكار ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - .وقوله : ( عَجَباً ) خبر كان ، والعجب والتعجيب - استعظام أمر خفي سببه .وقوله : ( أَنْ أَوْحَيْنَآ ) فى تأويل مصدر أي : إيحاؤنا ، وهو اسم كان .
والوحي : الإِعلام فى خفاء ، والمقصود به ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - من قرآن وغيره .وقوله : ( إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ ) أي إلى بشر من جنسهم يعرفهم ويعرفونه .وقوله : ( أَنْ أَنذِرِ الناس ) الإِنذار إخبار معه تخويف فى مدة تتسع التحفظ من المخوف منه ، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار ، وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى - :والمراد بالناس هنا : جميع الذين يمكنه - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغهم دعوته .وقوله : ( وَبَشِّرِ الذين آمنوا ) البشارة : إخبار معه ما يسر فهو أخص من الخبر ، سمي بذلك لأن أثره يظهر على البشرة التى هى ظاهر الجلد .وقوله : ( أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) أي أن لهم سابقة ومنزلة رفيعة عند ربهم .وأصل القدم العضو المخصوص .
وأطلقت على السبق ، لكونها سببه وآلته ، فسمى المسبب باسم السبب من باب المجاز المرسل ، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطي باليد .وأصل الصدق أن يكون فى الأقوال ، ويستعمل أحيانا فى الأفعال فيقال : فلان صدق فى القتال ، إذا وفاه حقه ، فيعبر بصفة الصدق عن كل فعل فاضل .وإضافة القدم إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم : مسجد الجامع ، والأصل قدم صدق .
أي محققة مقررة .
وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق .
ثم جعل الصدق كأنه صاحبها .ويجوز أن تكون إضافة القدم إلى الصدق من باب إضافة المسبب إلى السبب ، وفي ذلك تنبيه إلى أن ما نالوه من منازل رفيعة عند ربهم .
إنما هو بسبب صدقهم فى أقوالهم وأفعالهم ونياتهم .قال الإِمام ابن جرير ما ملخصه : واختلف أهل التأويل فى معنى قوله : ( قَدَمَ صِدْقٍ ) فقال بعضهم معناه : أن لهم أجرا حسنا بسبب ما قدموه من عمل صالح .
.وقال آخرون معناه : أن لهم سابق صدق فى اللوح المحفوظ من السعادة .وقال آخرون : معنى ذلك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - شفيع لهم .ثم قال : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال معناه : أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستحقون بها منه الثواب ، وذلك أنه محكي عن العرب قولهم : هؤلاء أهل القدم فى الإِسلام .
أي هؤلاء الذين قدموا فيه خيرا ، فكان لهم فيه تقديم .ويقال : لفلان عندي قدم صدق وقدم سوء ، وذلك بسبب ما قدم إليه من خير أو شر ، ومنه قول حسان بن ثابت - رضي الله عنه - :لنا القدم العليا إليك وخلفنا ...
لأولنا فى طاعة الله تابعومعنى الآية الكريمة : أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على شاكلتهم ، أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكي يبلغهم الدين الحق ، أمرا عجبا ، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه - صلى الله عليه وسلم - حتى لكأن النبوة فى زعمهم تتنافى مع البشرية .إن الذى يدعو إلى العجب حقا هو ما تعجبوا منه ، لأن الله - تعالى - اقتضت حكمته أن يجعل رسله إلى الناس من البشر ، لأن كل جنس يأنس لجنسه ، وينفر من غيره ، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : فما معننى اللام فى قوله ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ) وما الفرق بينه وبين قولك : كان عند الناس عجبا؟قلت : معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها .
ونصبوه علما لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم ، وليس فى " عند الناس " هذا المعنى .والذي تعجبوا منه أو يوحي إلى بشر .
وأن يكون رجلا من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم ، فقد كانوا يقولون : العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب ، وأن يذكر لهم البعث .
وينذر بالنار ويبشر بالجنة .
وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب ، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشر مثلهم .وقال الله - تعالى - : ( قُل لَوْ كَانَ فى الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً ) وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب - أيضاً - لأن الله - تعالى - إنما يختار من استحق الاختيار لجمعه أسباب الاستقلال لما ختير له من النبوة .
والغنى والتقدم فى الدنيا ليس من تلك الأسباب فى شيء قال - تعالى - : ( وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى ) والبعث للجزاء على الخير والشر .
هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجبا إنما العجب والمنكر فى العقول ، تعطيل الجزاء .وقدم - سبحانه - خبر كان وهو ( عَجَباً ) على اسمها وهو ( أَنْ أَوْحَيْنَآ ) .
لأن المقصود بالإِنكار فى الآية إنما هو تعجبهم ودهشتهم من أن يكون الرسول بشراً .وقدم - سبحانه - الإِنذار على التبشير ، لأن التخلية مقدمة على التحلية ، وإزالة مالا ينبغي مقدم فى الرتبة على فعل ما ينبغي .ولم ذكر المنذر به ، لتهويله وتعميمه حتى يزداد خوفهم وإقبالهم على الدين الحق ، الذى يؤدي اتباعه إلى النجاة من العذاب .وخص التبشير بالمؤمنين لأنهم وحدهم المستحقون له ، بخلاف الإِنذار فإنه يشمل المؤمن والكافر .
ولذا قال - سبحانه - ( أَنْ أَنذِرِ الناس ) أي جميع الناس .وذكر - سبحانه - فى جانب التبشير المبشر به - وهو حصولهم على المنزلة الرفيعة عند ربهم - لكي تقوى رغبتهم فى طاعته .
ومحبتهم لعبادته ، وبذلك ينالون ما بشرهم به .ثم وضح - سبحانه - ما قاله الكافرون عند مجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدعوته فقال : ( قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) .أي : قال الكافرون المتعجبون من أن يكون - صلى الله عليه وسلم - رسولا إليهم ، إن هذا الإِنسان الذى يدعى النبوة لساحر بيِّن السحر واضحه - حيث إنه استطاع بقوة تأثيره فى النفوس أن يفرق بين الابن وأبيه ، والأخ وأخيه .وعلى هذا القراءة التى وردت عن ابن كثير والكوفيين تكون الإِشارة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - .وقرأ الباقون : ( إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) أي : إن هذا القرآن لسحر واضح ، لأنه خارق للعادة فى جذبه النفوس إلى الإِيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - .قال أبو حيان ما ملخصه : " ولما كان قولهم فيما لا يمكن أن يكون سحرا ظاهر الفساد ، لم يحتج إلى جواب ، لأنهم يعلمون نشأته معهم بمكة ، وخلطتهم له ، - وأنه لا علم له بالسحر - وقد أتاهم بعد بعثته بكتاب إلهي مشتمل على مصالح الدنيا والآخرة مع الفصاحة والبلاغة التى أعجزتهم .
.وقولهم هذا؛ هو دين الكفرة مع أنبيائهم .
فقد قال فرعون وقومه فى موسى - عليه السلام - ( إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) وقال قوم عيسى فيه عندما جاءهم بالبينات ( هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) ودعوى السحر إنما هو على سبيل العناد والجحد .وقال الآلوسى " وفي قولهم هذا اعتراف منهم بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر .
نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ، ولكنهم يسمونه سحرا تماديا فى العناد ، كما هو شنشنة المكابر اللجوج ، وشنشنة المفحم المحجوج " .وجاءت الجملة الكريمة بدون حرف عطف ، لكونها استئنافا مبنيا على سؤال مقدر ، فكأنه قيل : فماذا قالوا بعد هذا التعجب؟
فكان الجواب : ( قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) .ويرى الإِمام ابن جرير أن الآية فيها كلام محذوف ، فقال قال : - رحمه الله - : " وفي الكلام حذف استغنى بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره ، وتأويل الكلام : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا لهم أن هلم قدم صدق عند ربهم ، فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم وبشرهم وأنذرهم قال المنكرون لتوحيد الله ورسالة رسوله إن هذا الذى جاءنا به محمد - صلى الله عليه وسلم - لسحر مبين " .وقد اشتملت جملة ( إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) على جملة من المؤكدات ، للإِشارة إلى رسوخهم فى الكفر ، وإلى أنهم مع وضوح الأدلة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يزدادوا إلا جحودا وعنادا ، وصدق الله إذ يقول : ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ ) ثم
في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن كفار قريش تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً بالرسالة والوحي، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك التعجب.
أما بيان كون الكفار تعجبوا من هذا التخصيص فمن وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَٰهًا وَٰحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا وَٱصْبِرُوا عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴾ وإذا بلغوا في الجهالة إلى أن تعجبوا من كون الإله تعالى واحداً، لم يبعد أيضاً أن يتعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً بالوحي والرسالة!
والثاني: أن أهل مكة كانوا يقولون: إن الله تعالى ما وجد رسولاً إلى خلقه إلا يتيم أبي طالب!
والثالث: أنهم قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ وبالجملة فهذا التعجب يحتمل وجهين: أحدهما: أن يتعجبوا من أن يجعل الله بشراً رسولاً، كما حكى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿ أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً ﴾ والثاني: أن لا يتعجبوا من ذلك بل يتعجبوا من تخصيص محمد عليه الصلاة والسلام بالوحي والنبوة مع كونه فقيراً يتيماً، فهذا بيان أن الكفار تعجبوا من ذلك.
وأما بيان أن الله تعالى أنكر عليهم هذا التعجب فهو قوله في هذه الآية: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ ﴾ فإن قوله: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ﴾ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإنكار، لأن يكون ذلك عجباً.
وإنما وجب إنكار هذا التعجب لوجوه: الأول: أنه تعالى مالك الخلق وملك لهم والمالك والملك هو الذي له الأمر والنهي والإذن والمنع.
ولا بد من إيصال تلك التكاليف إلى أولئك المكلفين بواسطة بعض العباد.
وإذا كان الأمر كذلك كان إرسال الرسول أمراً غير ممتنع، بل كان مجوزاً في العقول.
الثاني: أنه تعالى خلق الخلق للاشتغال بالعبودية كما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ ﴾ وقال: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ﴾ ثم إنه تعالى أكمل عقولهم ومكنهم من الخير والشر، ثم علم تعالى أن عباده لا يشتغلون بما كلفوا به، إلا إذا أرسل إليهم رسولاً ومنبهاً.
فعند هذا يجب وجوب الفضل والكرم والرحمة أن يرسل إليهم ذلك الرسول، وإذا كان ذلك واجباً فكيف يتعجب منه.
الثالث: أن إرسال الرسل أمر ما أخلى الله تعالى شيئاً من أزمنة وجود المكلفين منه، كما قال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ ﴾ فكيف يتعجب منه مع أنه قد سبقه النظير، ويؤكده قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ وسائر قصص الأنبياء عليهم السلام.
الرابع: أنه تعالى إنما أرسل إليهم رجلاً عرفوا نسبه وعرفوا كونه أميناً بعيداً عن أنواع التهم والأكاذيب ملازماً للصدق والعفاف.
ثم إنه كان أمياً لم يخالط أهل الأديان، وما قرأ كتاباً أصلاً ألبتة، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم ويخبرهم عن وقائعهم، وذلك يدل على كونه صادقاً مصدقاً من عند الله، ويزيل التعجب، وهو من قوله: ﴿ هُوَ الذي بَعَثَ فِي الاميين رَسُولاً مّنْهُمْ ﴾ وقال: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كتاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ الخامس: أن مثل هذا التعجب كان موجوداً عند بعثة كل رسول، كما في قوله: ﴿ وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ ﴿ وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا ﴾ إلى قوله: ﴿ أوعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ على رَجُلٍ مّنْكُمْ ﴾ السادس: أن هذا التعجب إما أن يكون من إرسال الله تعالى رسولاً من البشر، أو سلموا أنه لا تعجب في ذلك، وإنما تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام بالوحي والرسالة.
أما الأول: فبعيد لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لابد من منبه ورسول يعرفهم تمام ما يحتاجون إليه في أديانهم كالعبادات وغيرها.
وإذا ثبت هذا فنقول: الأولى أن يبعث إليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم إليه أكمل والفهم به أقوى، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً ﴾ وقال: ﴿ قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً ﴾ .
وأما الثاني: فبعيد لأن محمداً عليه الصلاة والسلام كان موصوفاً بصفات الخير والتقوى والأمانة، وما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيماً فقيراً، وهذا في غاية البعد، لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سبباً لنقصان الحال عنده، ولا أن يكون الغنى سبباً لكمال الحال عنده.
كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى ﴾ فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص الله تعالى محمداً بالوحي والرسالة كلام فاسد.
المسألة الثانية: الهمزة في قوله: ﴿ أَكَانَ ﴾ لإنكار التعجب ولأجل التعجيب من هذا التعجب و ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ اسم كان وعجباً خبره، وقرأ ابن عباس ﴿ عجب ﴾ فجعله اسماً وهو نكرة و ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ خبره وهو معرفة كقوله: يكون مزاجها عسل وماء.
والأجود أن تكون كان تامة، وأن أوحينا، بدلاً من عجب.
المسألة الثالثة: أنه تعالى قال: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ﴾ ولم يقل أكان عند الناس عجباً، والفرق أن قوله: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ﴾ معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء والتعجب إليه!
وليس في قوله: أكان عند الناس عجباً هذا المعنى.
المسألة الرابعة: ﴿ أن ﴾ مع الفعل في قولنا: ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ في تقدير المصدر وهو اسم كان وخبره، هو قوله: ﴿ عَجَبًا ﴾ وإنما تقدم الخبر على المبتدأ هاهنا لأنهم يقدمون الأهم، والمقصود بالإنكار في هذه الآية إنما هو تعجبهم، وأما ﴿ أن ﴾ في قوله: ﴿ أَنْ أَنذِرِ الناس ﴾ فمفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، وأصله أنه أنذر الناس على معنى أن الشأن قولنا أنذر الناس.
المسألة الخامسة: أنه تعالى لما بين أنه أوحى إلى رسوله، بين بعده تفصيل ما أوحى إليه وهو الإنذار والتبشير.
أما الإنذار فللكفار والفساق ليرتدعوا بسبب ذلك الإنذار عن فعل ما لا ينبغي، وأما التبشير فلأهل الطاعة لتقوى رغبتهم فيها.
وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التحلية، وإزالة ما لا ينبغي مقدم في الرتبة على فعل ما ينبغي.
المسألة السادسة: قوله: ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ فيه أقوال لأهل اللغة وأقوال المفسرين.
أما أقوال أهل اللغة فقد نقل الواحدي في البسيط منها وجوهاً.
قال الليث وأبو الهيثم: القدم السابقة، والمعنى: أنهم قد سبق لهم عند الله خير.
قال ذو الرمة: وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة *** لهم قدم معروفة ومفاخر وقال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير، وقال ابن الأنباري: القدم كناية عن العمل الذي يتقدم فيه، ولا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.
واعلم أن السبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني، أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم، فسمى المسبب باسم السبب، كما سميت النعمة يداً، لأنها تعطى باليد.
فإن قيل: فما الفائدة في إضافة القدم إلى الصدق في قوله سبحانه: ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ .
قلنا: الفائدة التنبيه على زيادة الفضل وأنه من السوابق العظيمة، وقال بعضهم: المراد مقام صدق.
وأما المفسرون فلهم أقوال فبعضهم حمل ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ على الأعمال الصالحة؛ وبعضهم حمله على الثواب، ومنهم من حمله على شفاعة محمد عليه الصلاة والسلام، واختار ابن الأنباري هذا الثاني وأنشد: صل لذي العرش واتخذ قدما *** بنجيك يوم العثار والزلل المسألة السابعة: أن الكافرين لما جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشرهم وأتاهم من عند الله تعالى بما هو اللائق بحكمته وفضله قالوا متعجبين ﴿ إِنَّ هذا لساحر مُّبِينٌ ﴾ أي إن هذا الذي يدعي أنه رسول هو ساحر.
والابتداء بقوله: ﴿ قَالَ الكافرون ﴾ على تقدير فلما أنذرهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين، قال القفال: وإضمار هذا، غير قليل في القرآن.
المسألة الثامنة: قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي ﴿ إِنَّ هذا لساحر ﴾ والمراد منه محمد صلى الله عليه وسلم، والباقون ﴿ لسحر ﴾ والمراد به القرآن.
واعلم أن وصف الكفار القرآن بكونه سحراً يدل على عظم محل القرآن عندهم، وكونه معجزاً.
وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة، فاحتاجوا إلى هذا الكلام.
واعلم أن إقدامهم على وصف القرآن بكونه سحراً، يحتمل أن يكونوا ذكروه في معرض الذم، ويحتمل أنهم ذكروه في معرض المدح، فلهذا السبب اختلف المفسرون فيه.
فقال بعضهم: أرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر، ولكنه باطل في الحقيقة، ولا حاصل له، وقال أخرون: أرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله، جار مجرى السحر.
واعلم أن هذا الكلام لما كان في غاية الفساد لم يذكر جوابه، وإنما قلنا إنه في غاية الفساد، لأنه صلى الله عليه وسلم كان منهم، ونشأ بينهم وما غاب عنهم، وما خالط أحداً سواهم، وما كانت مكة بلدة العلماء والأذكياء، حتى يقال: إنه تعلم السحر أو تعلم العلوم الكثيرة منهم فقدر على الإتيان بمثل هذا القرآن.
وإذا كان الأمر كذلك، كان حمل القرآن على السحر كلاماً في غاية الفساد، فلهذا السبب ترك جوابه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُدَبِّرُ ﴾ يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعل المتحري للصواب الناظر في أدبار الأمور وعواقبها، لئلا يلقاه ما يكره آخراً.
و ﴿ الامر ﴾ أمر الخلق كله وأمر ملكوت السموات والأرض والعرش.
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟
قلت: قد دلّ بالجملة قبلها على عظمة شأنه وملكه بخلق السموات والأرض، مع بسطتها واتساعها في وقت يسير، وبالاستواء على العرش، وأتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة على العظمة وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره، وكذلك قوله: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ دليل على العزة والكبرياء، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾ [النبأ: 38] و ﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة، أي ذلك العظيم الموصوف بما وصف به هو ربكم، وهو الذي يستحق منكم العبادة ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان، فضلاً عن جماد لا يضرّ ولا ينفع ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ فإن أدنى التفكر والنظر ينبهكم على الخطأ فيما أنتم عليه ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ أي لا ترجعون في العاقبة إلاّ إليه فاستعدوا للقائه ﴿ وَعَدَ الله ﴾ مصدر مؤكد لقوله: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ و ﴿ حَقًّا ﴾ مصدر مؤكد لقوله: ﴿ وَعَدَ الله ﴾ .
﴿ إنَّهُ يبدؤ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه، وهو أنّ الغرض ومقتضى الحكمة بابتداء الخلق وإعادته هو جزاء المكلفين على أعمالهم.
وقرئ: ﴿ أنه يبدؤ الخلق ﴾ بمعنى لأنه.
أو هو منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله: أي وعد الله وعداً بدأ الخلق ثم إعادته.
والمعنى: إعادة الخلق بعد بدئه.
وقرئ: ﴿ وعد الله ﴾ ، على لفظ الفعل.
ويبدئ، من أبدأ.
ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً، أي حقّ حقاً بدأ الحلق، كقوله: أَحَقّاً عِبَادَ اللَّهِ أَنّ لَسْتُ جَائِيا ** وَلاَ ذَاهِباً إلاّ عَلَيَّ رَقِيبُ وقرئ: ﴿ حق أنه يبدؤ الخلق ﴾ كقولك: حق أنّ زيداً منطلق ﴿ بالقسط ﴾ بالعدل، وهو متعلق بيجزى.
والمعنى: ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم.
أو بقسطهم وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا حين آمنوا وعملوا صالحاً، لأنّ الشرك ظلم.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13] والعصاة: ظلاّم أنفسهم، وهذا أوجه، لمقابلة قوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ يُونُسَ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وتِسْعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر ﴾ فَخَّمَها ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ قالُونَ وحَفْصٍ وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وأمالَها الباقُونَ إجْراءً لِألِفِ الرّاءِ مَجْرى المُنْقَلِبَةِ مِنَ الياءِ.
﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ مِنَ الآيِ والمُرادُ مِنَ الكِتابِ أحَدُهُما، ووَصْفُهُ بِالحَكِيمِ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحُكْمِ أوْ لِأنَّهُ كَلامٌ حَكِيمٌ، أوْ مُحْكَمٌ آياتُهُ لَمْ يُنْسَخْ شَيْءٌ مِنها.
﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِلتَّعَجُّبِ و ﴿ عَجَبًا ﴾ خَبَرُ كانَ واسْمُهُ: ﴿ أنْ أوْحَيْنا ﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ أوْ عَلى « أنَّ كانَ» تامَّةٌ و ﴿ أنْ أوْحَيْنا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ عَجَبًا ﴾ ، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم جَعَلُوهُ أُعْجُوبَةً لَهم يُوَجِّهُونَ نَحْوَهُ إنْكارَهم واسْتِهْزاءَهم.
﴿ إلى رَجُلٍ مِنهُمْ ﴾ مِن أفَناءِ رِجالِهِمْ دُونَ عَظِيمٍ مِن عُظَمائِهِمْ.
قِيلَ كانُوا يَقُولُونَ العَجَبَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجِدْ رَسُولًا يُرْسِلُهُ إلى النّاسِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ، وهو مِن فَرْطِ حَماقَتِهِمْ وقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى الأُمُورِ العاجِلَةِ وجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ.
هَذا وإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَقْصُرُ عَنْ عُظَمائِهِمْ فِيما يَعْتَبِرُونَهُ إلّا في المالِ وخِفَّةُ الحالِ أعُونُ شَيْءٍ في هَذا البابِ، ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ كَذَلِكَ.
وقِيلَ تَعَجَّبُوا مِن أنَّهُ بَعَثَ بَشَرًا رَسُولًا كَما سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ « الأنْعامِ» .
﴿ أنْ أنْذِرِ النّاسَ ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ أوِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَتَكُونُ في مَوْقِعِ مَفْعُولِ أوْحَيْنا.
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عَمَّمَ الإنْذارَ إذْ قَلَّما مِن أحَدٍ لَيْسَ فِيهِ ما يَنْبَغِي أنْ يُنْذَرَ مِنهُ، وخَصَّصَ البِشارَةَ بِالمُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ لِلْكَفّارِ ما يَصِحُّ أنْ يُبَشَّرُوا بِهِ حَقِيقَةً ﴿ أنَّ لَهُمْ ﴾ بِأنَّ لَهم ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ سابِقَةٌ ومَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ سُمِّيَتْ قَدَمًا لِأنَّ السَّبْقَ بِها كَما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ يَدًا لِأنَّها تُعْطى بِاليَدِ، وإضافَتُها إلى الصِّدْقِ لِتَحَقُّقِها والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم إنَّما يَنالُونَها بِصِدْقِ القَوْلِ والنِّيَّةِ.
﴿ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنُونَ الكِتابَ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكُوفِيُّونَ « لَساحِرٌ» عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الرَّسُولِ ، وفِيهِ اعْتِرافٌ بِأنَّهم صادَفُوا مِنَ الرَّسُولِ أُمُورًا خارِقَةً لِلْعادَةِ مُعْجِزَةً إيّاهم عَنِ المُعارَضَةِ.
وقُرِئَ « ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُّبِينٌ» .
<div class="verse-tafsir"
والهمزة فى {أكان للناس عجبا} لانكار التعجب والتعجيب منه {أن أوحينا} اسم كان وعجبا خبره واللام في للناس متعلق بمحذوف هو صفة لعجبا فلما تقدم صار حالاً {إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ أن أنذر الناس} بأن أنذرا أو هي مفسرة إذ الإيحاء فيه معنى القول {وبشر الذين آمنوا} أَنَّ لَهُمْ بأن لهم ومعنى اللام في للناس أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منه والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر وأن يكون رجلاً من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم فقد كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب وأن يذكر لهم البعث وينذر بالنيران ويبشر بالجنان وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلاَّ بشراً مثلهم وإرسال اليتيم أو الفقير ليس
بعجب أيضاً لأن الله تعالى إنما يختار للنبوة من جمع أسبابها والغنى والتقدم في الدنيا ليس من أسبابها والبعث للجزاء على الخير والشر هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجباً إنما العجب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء {قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ} أي سابقة وفضلاً ومنزلة رفيعة ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدماً كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد وباعاً لأن صاحبها يبوع بها فقيل لفلان قدم في الخير وإضافتها إلى صدق دلالة على زيادة فضل وأنه من السوابق العظيمة أو مقام صدق أو سبق السعادة {قَالَ الكافرون إن هذا} الكتاب {لسحر مبين} مدني وبصري وشامي ومن قرأ لساحر فهذه إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كاذبين في تسميته سحراً
﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ تَعَجُّبِهِمْ ولِتَعْجِيبِ السّامِعِينَ مِنهُ لِوُقُوعِهِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ والمُرادُ بِالنّاسِ كُفّارُ العَرَبِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ الجِنْسِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكُفْرِهِمُ الَّذِي هو المَدارُ لِتَعَجُّبِهِمْ كَما تَعَرَّضَ لَهُ فِيما بَعْدُ لِتَحْقِيقِ ما فِيهِ مِنَ الشَّرِكَةِ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَهم وتَعْيِينِ مَدارِ التَّعْجِيبِ في زَعْمِهِمْ ثُمَّ تَبْيِينِ خَطَئِهِمْ وإظْهارِ بُطْلانِ زَعْمِهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿ عَجَبًا ﴾ كَما هو القاعِدَةُ في نَعْتِ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَ عَلَيْها وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِعَجَبًا بِناءً عَلى التَّوَسُّعِ المَشْهُورِ في الظُّرُوفِ وبَعْضُهم جَعَلَها مُتَعَلِّقَةً بِهِ لا عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ عَجِبْتُ لِسَعْيِ الدَّهْرِ بَيْنِي وبَيْنَها بَلْ عَلى طَرِيقِ التَّبْيِينِ كَما في ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ وسُقْيا لَكَ ومِثْلَ ذَلِكَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلى المَصْدَرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِالتَّعَلُّقِ بِمُقَدَّرٍ في التَّحْقِيقِ وقِيلَ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى المُعْجَبِ والمَصْدَرُ إذا كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْ فاعِلٍ يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ وجُوِّزَ أيْضًا تَعَلُّقُهُ بِكانَ وإنْ كانَتْ ناقِصَةً بِناءً عَلى جَوازِهِ و ﴿ عَجَبًا ﴾ خَبَرُ كانَ قُدِّمَ عَلى اسْمِها وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْ أوْحَيْنا ﴾ لِكَوْنِهِ مَصَبَّ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وتَشْوِيقًا إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ في الِاسْمِ ضَرْبَ تَفْصِيلٍ فَفي تَقْدِيمِهِ رِعايَةٌ لِلْأصْلِ نَوْعُ إخْلالٍ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (عَجَبٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهو نَكِرَةٌ والخَبَرُ ﴿ أنْ أوْحَيْنا ﴾ وهو مَعْرِفَةٌ لِأنَّ أنَّ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ المُضافِ إلى المَعْرِفَةِ فَهو كَقَوْلِ حَسّانَ: كَأنَّ سَبِيئَةً مِن بَيْنِ رَأْسٍ يَكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى القَلْبِ وفي قَبُولِهِ مُطْلَقًا أوْ إذا تَضَمَّنَ لَطِيفَةً خِلافٌ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ اشْتِراطُ التَّضَمُّنِ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ هُنا، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ أنَّهُ قالَ: إنَّما جازَ ذَلِكَ في البَيْتِ مِن حَيْثُ كانَ عَسَلٌ وماءٌ جِنْسَيْنِ فَكَأنَّهُ قالَ: يَكُونُ مِزاجُها العَسَلَ والماءَ ونَكِرَةُ الجِنْسِ تُفِيدُ مُفادَ مَعْرِفَتِهِ ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: خَرَجْتُ فَإذا أسَدٌ بِالبابِ أيْ فَإذا الأسَدُ بِالبابِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما لِأنَّكَ في المَوْضِعَيْنِ لا تُرِيدُ أسَدًا مُعَيَّنًا ولِهَذا لَمْ يَجُزْ هَذا في قَوْلِكَ: كانَ قائِمٌ أخاكَ وكانَ جالِسٌ أباكَ لِأنَّهُ لَيْسَ في جالِسٍ وقائِمٍ مَعْنى الجِنْسِيَّةِ الَّتِي تَتَلاقى مَعْنى نَكِرَتِها ومَعْرِفَتِها ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا كانَ الوَحْيَ لِلنّاسِ هَذا الجِنْسَ مِنَ الفِعْلِ وهو التَّعَجُّبُ ولا يَخْفى أنَّ المَصْدَرَ المُتَحَصِّلَ هو المَصْدَرُ المُضافُ إلى المَعْرِفَةِ كَما سَمِعْتَ فاعْتِبارُهُ مُحَلًّى بِألِ الجِنْسِيَّةِ خِلافُ الظّاهِرِ وأجازَ بَعْضُهُمُ الإخْبارَ عَنِ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ في بابِ النَّواسِخِ خاصَّةً سَواءٌ كانَ هُناكَ نَفْيٌ أوْ ما في حُكْمِهِ أمْ لا.
وابْنُ جِنِّيٍّ يُجَوِّزُ ذَلِكَ إذا كانَ نَفْيٌ أوْ ما في حُكْمِهِ ولا يُجَوِّزُ إذا لَمْ يَكُنْ وفي الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ عَلى النّاسِخِ وهو في حُكْمِ النَّفْيِ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ كانَ تامَّةً و(عَجَبٌ) فاعِلٌ لَها و ﴿ أنْ أوْحَيْنا ﴾ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِعَجَبٍ أيْ لِأنْ أوْحَيْنا أوْ مِن أنْ أوْحَيْنا أوْ هو بَدَلٌ مِنهُ كُلٌّ مِن كُلٍّ أوْ بَدَلُ اشْتِمالِ والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى كَوْنِهِ عَجَبًا لا إلى حُدُوثِهِ وكَوْنُ الإبْدالِ في حُكْمِ تَنْحِيَةِ المُبْدَلِ مِنهُ لَيْسَ مَعْناهُ إهْدارَهُ بِالمَرَّةِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ واقْتَصَرَ في اللَّوامِحِ عَلى أنَّ ﴿ لِلنّاسِ ﴾ خَبَرُ كانَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ رَكِيكٌ مَعْنًى لِأنَّهُ يُفِيدُ إنْكارَ صُدُورِهِ مِنَ النّاسِ لا مُطْلَقًا وفِيهِ رَكاكَةٌ ظاهِرَةٌ فافْهَمْ وإنَّما قِيلَ: لِلنّاسِ لا عِنْدَ النّاسِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ أُعْجُوبَةً لَهم وفِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى ﴿ إلى رَجُلٍ مِنهُمْ ﴾ أيْ إلى بَشَرٍ مِن جِنْسِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً: ﴿ أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ أوْ إلى رَجُلٍ مِن أفْناءِ رِجالِهِمْ مِن حَيْثُ المالُ لا مِن حَيْثُ النَّسَبُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مِن مَشاهِيرِهِمْ فِيهِ وكانَ مِنهُ بِمَكانٍ لا يُدْفَعُ فَهو كَقَوْلِهِمْ: مَبْحَثٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ ﴾ إلَخْ ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: العَجَبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجِدْ رَسُولًا يُرْسِلُهُ إلى النّاسِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ والعَجَبُ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ أمّا في قَوْلِهِمُ الأوَّلِ فَحَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ بَعْثَ المَلَكِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ كَوْنِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ مَلائِكَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا ﴾ وأمّا عامَّةُ البَشَرِ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ مُفاوَضَةِ المَلائِكَةِ لِأنَّها مَنُوطَةٌ بِالتَّناسُبِ فَبَعْثُ المَلَكِ إلَيْهِمْ مُزاحِمٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ وإنَّما الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ بَعْثُ المَلَكِ مِن بَيْنِهِمْ إلى الخَواصِّ المُخْتَصِّينَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدِينَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقِينَ بِكِلا العالَمَيْنِ الرُّوحانِيِّ والجُسْمانِيِّ لِيَتَأتّى لَهُمُ الِاسْتِفاضَةُ والإفاضَةُ وهَذا تابِعٌ لِلِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ كَما لا يَخْفى وأمّا في قَوْلِهِمُ الثّانِي فَلِأنَّ مَناطَ الِاصْطِفاءِ لِلْإيحاءِ إلى شَخْصٍ هو التَّقَدُّمُ في الِاتِّصافِ بِما عَلِمْتَ والسَّبْقُ في إحْرازِ الفَضائِلِ وحِيازَةِ المَلَكاتِ السَّنِيَّةِ جِبِلَّةً واكْتِسابًا ولا رَيْبَ لِأحَدٍ في أنَّ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القَدَحَ المُعَلّى مِن ذَلِكَ بَلْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ غايَةُ الغاياتِ القاصِيَةِ ونِهايَةُ النِّهاياتِ النّائِيَةِ يَقُولُ رائِيهِ وأحْسَنُ مِنكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي ∗∗∗ ومِثْلُكَ قَطُّ لَمْ تَلِدِ النِّساءُ خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِن كُلِّ عَيْبٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَما تَشاءُ وكَذا يَقُولُ: ولَوْ صُوِّرَتْ نَفْسُكَ لَمْ تَزِدْها عَلى ما فِيكَ مِن كَرَمِ الطِّباعِ وأمّا التَّقَدُّمُ في الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والسَّبْقُ في نَيْلِ الحُظُوظِ الدَّنِيَّةِ فَلا دَخْلَ لَهُ في ذَلِكَ قَطْعًا بَلْ لَهُ إخْلالٌ بِهِ غالِبًا وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أبْياتٍ: لَكِنَّ مِن رُزِقَ الحِجا حُرِمَ الغِنى ∗∗∗ ضِدّانِ مُفْتَرِقانِ أيَّ تَفَرُّقِ وما ذَكَرُوهُ مِنَ اليُتْمِ إنْ رُجِعَ إلى ما في الآيَةِ عَلى التَّوْجِيهِ الثّانِي فَبُطْلانُهُ بُطْلانُهُ وإنْ أرادُوا أنَّ أصْلَ اليُتْمِ مانِعٌ مِنَ الإيحاءِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو أظْهَرُ بُطْلانًا وأوْضَحُ هَذَيانًا وما ألْطَفَ ما قِيلَ إنَّ أنْفَسَ الدُّرِّ يَتِيمُهُ وقِيلَ لِلْحَسَنِ: لِمَ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتِيمًا؟
فَقالَ: لِئَلّا يَكُونُ لِمَخْلُوقٍ عَلَيْهِ مِنَّةٌ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي آواهُ وأدَّبَهُ ورَبّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ هَذا ﴾ والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلى رَجُلٍ مِنهُمْ ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الَّذِي أرادَهُ صاحِبُ الكَشّافِ ولَمْ يَرْتَضِهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وزَعَمَ أنَّ التَّحامِيَ عَنْهُ أوْلى ثُمَّ قالَ: والَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ أنَّ المُرادَ إلى مَشْهُورٍ بَيْنَهم يَعْرِفُونَ نَسَبَهُ وجَلالَتَهُ وأمانَتَهُ وعِفَّتَهُ كَما قالَ سُبْحانَهُ في آخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلُ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ فَإنَّ هَذا هو مَحَلُّ إنْكارِ العَجَبِ ويَكُونُ هَذا وجْهَ مُناسَبَةِ وضْعِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ تِلْكَ واعْتِلاقِ أوَّلِ هَذِهِ بِآخِرِ تِلْكَ ونَظِيرِهِ ﴿ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ ﴾ ﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ إلى آخِرِ ما قالَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّهُ وإنْ كانَ أعْظَمَ مِمّا ذُكِرَ لَكِنَّ السِّياقَ يَقْتَضِي بَيانَ كُفْرِهِمْ وتَذْلِيلِهِمْ وتَحْقِيرِ مَن أعَزَّهُ اللَّهُ تَعالى وعَظَّمَهُ والَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ تَعَيُّنُ الوَجْهِ الأوَّلِ هُنا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَسُولًا أنْكَرَتِ العَرَبُ ذَلِكَ أوْ مَن أنْكَرَ مِنهم فَقالُوا: اللَّهُ تَعالى أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ: ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ ﴾ الآيَةَ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ الآيَةَ.
فَلَمّا كَرَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الحُجَجَ قالُوا: وإذا كانَ بَشَرًا فَغَيْرُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ أحَقَّ بِالرِّسالَةِ فَلَوْلا نَزَلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ الآيَةَ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما حُكِيَ في الوَجْهِ الثّانِي سَبَبٌ لِنُزُولِ آيَةٍ أُخْرى ﴿ أنْ أنْذِرِ النّاسَ ﴾ أيْ أخْبِرْهم بِما فِيهِ تَخْوِيفٌ لَهم مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ يُمْكِنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبْلِيغُهم ذَلِكَ لا ما أُرِيدَ بِالنّاسِ أوَّلًا وهو النُّكْتَةُ في إيثارِ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ وكَوْنُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ عِنْدَ إعادَةِ المَعْرِفَةِ لَيْسَ عَلى الإطْلاقِ و(أنْ) هي المُفَسِّرَةُ لِمَفْعُولِ الإيحاءِ المُقَدَّرِ وقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْها ما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ وهو الإيحاءُ أوْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ المُثْقَلَةِ عَلى أنَّ اسْمَها ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ خَبَرُها وفي وُقُوعِها خَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ دُونَ تَأْوِيلِ وتَقْدِيرِ قَوْلٍ اخْتِلافٌ فَذَهَبَ صاحِبُ الكَشْفِ إلى أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها التَّفْسِيرُ وخالَفَهُ غَيْرُ واحِدٍ في ذَلِكَ وذَهَبُوا إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ خَبَرِهِ وخَبَرِ غَيْرِهِ وقالَ بَعْضُهُمْ: هي المَصْدَرِيَّةُ الخَفِيفَةُ في الوَضْعِ بِناءً عَلى أنَّها تُوصِلُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ والكَثِيرُ عَلى المَنعِ وذَكَرَ أبُو حَيّانَ هَذا الِاحْتِمالَ هُنا مَعَ أنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ في المُغْنِي أنَّ مَذْهَبَهُ المَنعُ لِما أنَّهُ يَفُوتُ مَعْنى الأمْرِ إذا سُبِكَ بِالمَصْدَرِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُفَوِّتُ مَعْنى المُضِيِّ والحالِيَّةِ والِاسْتِقْبالِ المَقْصُودُ أيْضًا مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى جَوازِ وصْلِها بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وأُجِيبُ بِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: بِأنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا فَإنَّ المَصْدَرَ يَدُلُّ عَلى الزَّمانِ التِزامًا فَقَدْ تُنْصَبُ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ فَلا يَفُوتُ مَعْناهُ بِالكُلِّيَّةِ بِخِلافِ الأمْرِ والنَّهْيِ فَإنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْمَصْدَرِ وعَلَيْهِما أصْلًا.
وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّ المَصْدَرَ كَما يَجُوزُ أخْذُهُ مِن جَوْهَرِ الكَلِمَةِ يَجُوزُ أخْذُهُ مِنَ الهَيْئَةِ وما يُتْبِعُها فَيُقَدَّرُ في هَذا ونَحْوِهِ أوْحَيْنا إلَيْهِ الأمْرَ بِالإنْذارِ كَما قُدِّرَ في - أنْ لا تَزْنِي خَيْرٌ - عَدَمُ الزِّنا خَيْرٌ ولا يَخْفى أنَّ هَذا البَحْثَ يَجْرِي في أنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِأنَّها مَصْدَرِيَّةٌ أيْضًا وإنَّ أقَلَّ الِاحْتِمالاتِ مُؤْنَةً احْتِمالُ التَّفْسِيرِ ﴿ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِما أوْحَيْناهُ إلَيْكَ وصَدَّقُوهُ ﴿ أنَّ لَهُمْ ﴾ أيْ بِأنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ أيْ سابِقَةٍ ومَنزِلَةٍ رَفِيعَةٍ ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ وأصْلُ القَدَمِ العُضْوُ المَخْصُوصُ وأُطْلِقَتْ عَلى السَّبَقِ مَجازًا مُرْسَلًا لِكَوْنِها سَبَبَهُ وآلَتَهُ وأُرِيدَ مِنَ السَّبْقِ الفَضْلُ والشَّرَفُ والتَّقَدُّمُ المَعْنَوِيُّ إلى المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ مَجازًا أيْضًا فالمَجازُ هُنا بِمَرْتَبَتَيْنِ وقِيلَ: المُرادُ تَقَدُّمُهم عَلى غَيْرِهِمْ في دُخُولِ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ» وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى أدْخُلَها أنا وعَلى الأُمَمِ حَتّى تَدْخُلَها أُمَّتِي» .
وقِيلَ: تَقَدُّمُهم في البَعْثِ وأصْلُ الصِّدْقِ ما يَكُونُ في الأقْوالِ ويُسْتَعْمَلُ كَما قالَ الرّاغِبُ في الأفْعالِ فَيُقالُ: صَدَقَ في القِتالِ إذا وفاهُ حَقَّهُ وكَذا في ضِدِّهِ يُقالُ: كَذَبَ فِيهِ فَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ فاضِلٍ ظاهِرًا وباطِنًا ويُضافُ إلَيْهِ كَمَقْعَدِ صِدِقٍ ومَدْخَلِ صِدْقٍ ومُخْرَجِ صِدْقٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وصَرَّحُوا هُنا بِأنَّ الإضافَةَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ والأصْلُ قَدَمُ صِدْقِ أيِّ مُحَقَّقَةٌ مُقَرَّرَةٌ وفِيهِ مُبالَغَةٌ لِجَعْلِها عَيْنَ الصِّدْقِ ثُمَّ جَعْلِ الصِّدْقِ كَأنَّهُ صاحِبُها ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِن إضافَةِ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما نالُوهُ مِنَ المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ كانَ بِسَبَبِ صِدْقِ القَوْلِ والنِّيَّةِ وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَذا التَّنْبِيهَ قَدْ يَحْصُلُ عَلى الِاعْتِبارِ الأوَّلِ لِأنَّ الصِّدْقَ قَدْ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ تَوْفِيَةِ الأُمُورِ الفاضِلَةِ حَقَّها لِلُزُومِ الصِّدْقِ لَها حَتّى كَأنَّها تُوجَدُ بِدُونِهِ ويَكْفِي مِثْلُهُ في ذَلِكَ التَّنْبِيهِ وهَذا كَما قالُوا: إنَّ أبا لَهَبٍ يُشِيرُ إلى أنَّهُ جَهَنَّمِيٌّ وفِيهِ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى ويَجُوزُ إلى يُرادُ بِالقَدَمِ المَقامَ بِإطْلاقِ الحالِ وإرادَةِ المَحَلِّ وعَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّ القَدَمَ الشَّيْءُ الَّذِي تُقَدِّمُهُ قُدّامَكَ لِيَكُونَ عُدَّةً لَكَ حِينَ تُقْدِمُ عَلَيْهِ ويُشْعِرُ بِأنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ وبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهم وقالَ إنَّهُ كالنَّقْضِ وقِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ لِلْحُسْنى مِنَ العَبْدِ كَما أنَّ اليَدَ اسْمٌ لِلْحُسْنى مِنَ السَّيِّدِ وفَعَلُوا ذَلِكَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ العَبْدِ والسَّيِّدِ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ ولا يَكادُ يَصِحُّ في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العادِيِّ طَمَتْ عَلى البَحْرِ وقَوْلِهِ: وأنْتَ امْرُؤٌ مِن أهْلِ بَيْتِ ذُؤابَةٍ ∗∗∗ لَهم قَدَمٌ مَعْرُوفَةٌ في المَفاخِرِ والسَّبْقِ هو الأسْبَقُ إلى الذِّهْنِ في ذَلِكَ وكَذا في قَوْلِ حَسّانَ: لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ وخَلْفَنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ (وقَوْلِ الآخَرِ) صَلِّ لِذِي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَمًا ∗∗∗ تُنْجِيكَ يَوْمَ العِثارِ والزَّلَلِ مُحْتَمِلٌ لِسائِرِ المَعانِي وهَلْ يُطْلَقُ عَلى سابِقَةِ السُّوءُ أوْ لا الظّاهِرُ الأوَّلُ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ وقالَ صاحِبُ الِانْتِصافِ لَمْ يُسَمُّوا سابِقَةَ السُّوءِ قَدَمًا إمّا لِكَوْنِ المَجازِ يَطَّرِدُ وإمّا لِأنَّهُ غَلَبَ في العُرْفِ عَلى سابِقَةِ الخَيْرِ وفِيهِ نَظَرٌ وتَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَهُ بِالأجْرِ وابْنِ مَسْعُودٍ بِالعَمَلِ لا يَخْرُجُ عَمّا ذَكَرْنا مِن مَعانِيهِ وكَذا تَفْسِيرُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ والحَسَنِ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ لَهُ بِرَأْسِ المَوْجُوداتِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَرْجِعُ إلى تَفْسِيرِهِ بِالخَيْرِ والسَّعادَةِ كَما قالَهُ جَمْعٌ وكَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَيْرًا وسَعادَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِمّا لا يَمْتَرِي فِيهِ مُؤْمِنٌ أوْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ شَفاعَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والأمْرُ في ذَلِكَ حِينَئِذٍ في غايَةِ الظُّهُورِ وخُصَّ التَّبْشِيرُ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِالكَفّارِ وتَبْشِيرُهم إنْ آمَنُوا راجِعٌ إلى تَبْشِيرِ المُؤْمِنِينَ وهَذا بِخِلافِ الإنْذارِ فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالمُؤْمِنِ والكافِرِ ولِذَلِكَ ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ ولَمْ يَذْكُرْ جَلَّ وعَلا المُنْذَرَ بِهِ لِلتَّعْمِيمِ والتَّهْوِيلِ وذَكَرَ المُبَشَّرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ لِتَقْوى رَغْبَةُ المُؤْمِنِينَ فِيما يُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ وقَدَّمَ الإنْذارَ عَلى التَّبْشِيرِ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ وإزالَةِ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمَةٌ في الرُّتْبَةِ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي ﴿ قالَ الكافِرُونَ ﴾ هُمُ المُتَعَجِّبُونَ وإيرادُهم بِهَذا العُنْوانِ عَلى بابِهِ وتَرْكُ العاطِفِ لِجَرَيانِهِ مَجْرى البَيانِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ أوْ لِكَوْنِهِ اسْتِئْنافًا مَبْنِيًّا عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا بَعْدَ التَّعَجُّبِ هَلْ بَقُوا عَلى التَّرَدُّدِ والِاسْتِبْعادِ أوْ قَطَعُوا فِيهِ بِشَيْءٍ؟
فَقِيلَ: قالَ الكافِرُونَ عَلى طَرِيقَةِ التَّأْكِيدِ ﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيْ ما أُوحِيَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الكِتابِ المُنْطَوِي عَلى الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ وزَعَمَ الخازِنُ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا أيْ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرْ وبَشِّرْ فَلَمّا جاءَهم بِالوَحْيِ وأنْذَرَهم قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا ﴿لَساحِرٌ مُبِينٌ 2﴾ أيْ ظاهِرٌ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكُوفِيُّونَ (لَساحِرٌ) عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى رَجُلٍ وعَنَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: (ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ) وأرادُوا بِالسِّحْرِ الحاصِلَ بِالمَصْدَرِ وفي هَذا اعْتِرافٌ بِأنَّ ما عايَنُوهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ نازِلٌ مِن حَضْرَةِ خَلّاقِ القُوى والقَدَرِ ولَكِنَّهم يُسَمُّونَهُ بِما قالُوا تَمادِيًا في العِنادِ كَما هو شَنْشَنَةُ المُكابِرِ اللَّجُوحِ ونَشْنَشَةُ المُفْحَمِ المَحْجُوجِ <div class="verse-tafsir"
مكية، وهي مائة وتسع آيات قال الله عزّ وجلّ: الر قال ابن عباس: «معناه: أنا الله أرى» (١) (٢) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ: يعني: هذه آيات الكتاب الذي أنزل عليك يا محمد، ويقال: تلك الآيات التي وعدتك يوم الميثاق أن أوحينا إليك الكتاب.
الْحَكِيمِ قال مقاتل: يعني: المحكم من الباطل، لا كذب فيه ولا اختلاف.
وقال الكلبي: يعني: أحكم بحلاله وحرامه ويقال: الْكِتابِ الْحَكِيمِ يعني: الحاكم على الكتب كلها، ويقال: تِلْكَ آياتُ يعني: حجج وبراهين، وهي التي احتج بها النبي على دعواه.
ثم قال تعالى: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً، لأن أهل مكة كانوا يتعجبون ويقولون أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا فنزل: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ يقول: أعجب أهل مكة أن أختار عبداً من عبيّدي وأرسله إلى عبادي من جنسهم وحسبهم، حتى يقدروا أن ينظروا إليه فيعرفونه ولا ينكرونه.
ثم بيَّن ما أوحى الله تعالى إليه فقال: أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ، يعني: خوف أهل مكة بما في القرآن مِن الوعيد.
ويقال: في الآية تقديم، ومعناه: تلك آيات الكتاب الحكيم للناس، أكان عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس؟
وقال عامة المفسرين على ظاهر التنزيل.
ثم قال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا، أي بما في القرآن مِن الثواب في الجنة.
أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ، قال مقاتل: يعني: بأن أعمالهم التي قدموها بين أيديهم ستكون خيرا عند ربهم وهي الجنة، وقال ابن عباس: «يعني: السعادة عند ربهم وهي الجنة» .
وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «يعني: شفاعة محمد ، لهم شفيع صدق عند ربهم» .
وقال الحسن: هي رضوان الله في الجنة، وقال القتبي: قَدَمَ صِدْقٍ يعني عَمَلاً صالحاً قدموه.
قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر لسحر بغير ألف، يعني: أن هذا القرآن لسحر مُّبِينٌ، يعني: كذب بيّن ظاهر، وقرأ الباقون: لَساحِرٌ مُبِينٌ.
يعني: أن الذي يقرأ عليهم القرآن لساحر مبين.
فالساحر اسم، والسحر فعل.
فإن قيل: إذا قال الكفار هذا القول، فما الحكمة في حكاية كلامهم في القرآن؟
قيل له: الحكمة فيه من وجوه أحدها: أنهم كانوا يقولون قولاً فيما بينهم، فيظهر قولهم عند النبيّ ، فكان في ذلك علامة لنبوته لمن أيقن به.
والثاني: أن في ذلك تعزية للنبي ليصبر على ذلك، كما قال: فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ، والثالث: أن في ذلك تنبيهاً لمن بعده أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يمتنع بما يسمع من المكروه.
(١) عزاه السيوطي 4/ 339 إلى ابن مردويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات وابن النجار.
(٢) عزاه السيوطي: 4/ 340 إلى ابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة يونس]
/ بعضها نزل بمكة، وبعضها بالمدينة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عز وجل: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ المراد ب الْكِتابِ: القرآن، والْحَكِيمِ: بمعنى مُحْكَم، ويمكن أنْ يكون: «حكيم» بمعنى ذي حكمة، فهو على النّسب.
وقوله عز وجل: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ...
الآية: قال ابن عباس وغيره: سبب هذه الآية استبعاد قُرَيْش أَنْ يبعث اللَّه بشراً رسولاً «١» ، والقَدَمُ هنا مَا قُدِّم، واختلف في المراد بها هاهنا، فقال ابنُ عبَّاس ومجاهد والضحاك وغيرهم: هي الأعمال الصَّالحات من العبادات «٢» .
وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هي شفاعة محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، وقال ابن عباس أيضاً وغيره: هي السعادةُ السَّابقة لهم في اللَّوْح المحفوظ «٤» ، وهذا أليق الأقوال
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَعَثَ مُحَمَّدًا أنْكَرَتِ الكُفّارُ ذَلِكَ، وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والمُرادُ بِالنّاسِ هاهُنا: أهْلُ مَكَّةَ، والمُرادُ بِالرَّجُلِ: مُحَمَّدٌ .
ومَعْنى " مِنهم ": يَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَأمّا الألِفُ فَهي لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ والِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ في كَوْنِهِمْ عَجِبُوا مِن إرْسالِ مُحَمَّدٍ، مَحْذُوفٌ هاهُنا، وهو مُبَيَّنٌ في قَوْلِهِ: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ ﴾ أيْ: فَكَما وضَّحَ لَكم هَذا التَّفاضُلَ بِالمُشاهَدَةِ، فَلا تُنْكِرُوا تَفْضِيلَ اللَّهِ مَن شاءَ بِالنُّبُوَّةِ؛ وإنَّما حَذْفَهُ هاهُنا اعْتِمادًا عَلى ما بَيَّنَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ.
قالَ: وقِيلَ: إنَّما عَجِبُوا مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، لِأنَّ الإنْذارَ والتَّبْشِيرَ يَتَّصِلانِ بِهِما، فَكانَ جَوابُهم في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
وَفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الثَّوابُ الحَسَنُ بِما قَدَّمُوا مِن أعْمالِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَنْهُ أبُو صالِحٍ قالَ: عَمَلٌ صالِحٌ يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ في الذِّكْرِ الأوَّلِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سابِقَةُ صِدْقٍ.
والثّالِثُ: شَفِيعُ صِدْقٍ، وهو مُحَمَّدٌ يَشْفَعُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: سَلَفُ صِدْقٍ تَقَدَّمُوهم بِالإيمانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والخامِسُ: مَقامُ صِدْقٍ لا زَوالَ عَنْهُ، قالَهُ عَطاءٌ.
والسّادِسُ: أنَّ قَدَمَ الصِّدْقِ: المَنزِلَةُ الرَّفِيعَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ والسّابِعُ: أنَّ القَدَمَ هاهُنا: مُصِيبَةُ المُسْلِمِينَ بِنَبِيِّهِمْ وما يَلْحَقُهم مِن ثَوابِ اللَّهِ عِنْدَ أسَفِهِمْ عَلى فَقْدِهِ ومَحَبَّتِهِمْ لِمُشاهَدَتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ آثَرَ القَدَمَ هاهُنا عَلى اليَدِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ اليَدَ في مَوْضِعِ الإحْسانِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ القَدَمَ ذُكِرَتْ هاهُنا لِلتَّقَدُّمِ، لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِتَقَدُّمِ السّاعِي عَلى قَدَمَيْهِ، والعَرَبُ تَجْعَلُها كِنايَةً عَنِ العَمَلِ الَّذِي يُتَقَدَّمُ فِيهِ ولا يَقَعُ فِيهِ تَأخُّرٌ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها مَعَ الحَسَبِ العادِيِّ طَمَّتْ عَلى البَحْرِ فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ إضافَةِ القَدَمِ إلى الصِّدْقِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ مَدْحٌ لِلْقَدَمِ وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى الصِّدْقِ، فَقَدْ مَدَحْتَهُ؛ ومِثْلُهُ: ﴿ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ .
وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم، فَلَمّا أتاهُمُ الوَحْيُ " قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لَساحِرٌ " بِألِفٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " لَسِحْرٌ " بِغَيْرِ ألِفٍ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ ﴾ فَمَن قالَ: ساحِرٌ، أرادَ الرَّجُلَ؛ ومَن قالَ: سِحْرٌ، أرادَ الَّذِي أُوحِيَ، سِحْرٌ، أيِ: الَّذِي تَقُولُونَ أنْتُمْ فِيهِ: إنَّهُ وحْيٌ، سِحْرٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا أنْذَرَهم بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ، أخْبَرَهم أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في (الأعْرافِ ٥٤) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَقْضِيهِ.
وقالَ غَيْرُهُ يَأْمُرُ بِهِ ويُمْضِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَشْفَعُ أحَدٌ إلّا أنْ يَأْذَنَ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَجْرِ لِلشَّفِيعِ ذِكْرٌ قَبْلَ هَذا، ولَكِنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا كانُوا يَقُولُونَ: الأصْنامُ شُفَعاؤُنا.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا ثانِيَ مَعَهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّفْعِ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أحَدٌ، ثُمَّ خَلَقَ الأشْياءَ.
فَقَوْلُهُ: " إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ " أيْ: مِن بَعْدِ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ فَكانَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وحِّدُوهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاعْبُدُوهُ وحْدَهُ.
وقَوْلُهُ: " تَذَكَّرُونَ " مَعْناهُ: تَتَّعِظُونَ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ السُورَةُ هي مَكِّيَّةٌ، قالَ مُقاتِلٌ: إلّا آيَتَيْنِ وهي قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَ مِن أوَّلِها نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ آيَةً بِمَكَّةَ وباقِيها بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ الناسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ﴾ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في فَواتِحِ السُوَرِ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها تَتَرَتَّبُ هُنا، وفي هَذا المَوْضِعِ قَوْلٌ يَخْتَصُّ بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والشَعْبِيُّ: "الر" و"حم" و"ن" هو "الرَحْمَنُ" قُطِّعَ اللَفْظُ في أوائِلِ هَذِهِ السُوَرِ.
واخْتُلِفَ عن نافِعٍ في إمالَةِ الراءِ، والقِياسُ ألّا تُمالَ.
وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ القُرّاءُ، وعِلَّةُ مَن أمالَ الراءَ أنْ يَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّها اسْمٌ لِلْحَرْفِ ولَيْسَتْ بِحَرْفٍ في نَفْسِها وإنَّما الحَرْفُ "ر".
وقَوْلُهُ تَعالى: "تِلْكَ" قِيلَ: هو بِمَعْنى: "هَذِهِ"، وقَدْ يُشْبِهُ أنْ يَتَّصِلَ المَعْنى بِـ "تِلْكَ" دُونَ أنْ نُقَدِّرَها بَدَلَ غَيْرِها، والنَظَرُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ إنَّما يَتَرَكَّبُ عَلى الخِلافِ في فَواتِحِ السُوَرِ فَتَدَبَّرْهُ.
و"الكِتابِ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: المُرادُ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وهو الأظْهَرُ، و"الحَكِيمِ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُحْكَمٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ ، أيْ مُعْتَدٌّ مُعَدٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ "حَكِيمٍ" بِمَعْنى: ذُو حِكْمَةٍ فَهو عَلى النَسَبِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "فَهُوَ مِثْلُ ألِيمٍ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ" ثُمَّ قالَ: هو الَّذِي أحْكَمَهُ وبَيَّنَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَساقَ قَوْلَيْنِ عَلى أنَّهُما واحِدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جَرِيحٍ، وغَيْرُهُما: نُسِبَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ قُرَيْشًا اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وقالَ الزَجّاجُ: إنَّما عَجِبُوا مِن إخْبارِهِ أنَّهم يُبْعَثُونَ مِنَ القُبُورِ، إذِ النِذارَةُ والبِشارَةُ تَتَضَمَّنانِ ذَلِكَ، وكَثُرَ كَلامُهم في ذَلِكَ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: أما وجَدَ اللهُ مَن يَبْعَثُ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ؟
ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقاوِيلِ الَّتِي اخْتَصَرْتُها لِشُهْرَتِها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ: "أكانَ" تَقْرِيرٌ، والمُرادُ بِـ "الناسِ": قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ.
و"عَجَبًا" خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها: "أنْ أوحَيْنا"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أكانَ لِلنّاسِ عَجَبٌ"، وجَعَلَ الخَبَرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "أنْ أوحَيْنا"، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ الِاسْمَ مَعْرِفَةٌ والخَبَرُ نَكِرَةٌ وهَذا القَلْبُ لا يَصِحُّ ولا يَجِيءُ إلّا شاذًّا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ..........................
∗∗∗ يَكُونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءُ ولَفْظَةُ العَجَبِ هُنا لَيْسَتْ بِمَعْنى التَعَجُّبِ فَقَطْ، بَلْ مَعْناهُ: أوَصَلَ إنْكارُهم وتَعَجُّبُهم إلى التَكْذِيبِ؟
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلى رَجْلٍ" بِسُكُونِ الجِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَ الوَحْيُ وقَسَّمَهُ عَلى النِذارَةِ لِلْكافِرِينَ والبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
والقَدَمُ هُنا-: ما قَدَّمَ.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِها هاهُنا فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هي الأعْمالُ الصالِحَةُ مِنَ العِباداتِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هي شَفاعَةُ مُحَمَّدٍ ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وغَيْرُهُ: هي المُصِيبَةُ بِمُحَمَّدٍ بِمَوْتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا، وغَيْرُهُ: هي السَعادَةُ السابِقَةُ لَهم في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، وهَذا ألْيَقُ الأقْوالِ بِالآيَةِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ حَسّانَ: لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ الناسُ أنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العالِي طَمَّتْ عَلى البَحْرِ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: « "حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ"» أيْ ما قَدَّمَ لَها مِن خَلْقِهِ، هَذا عَلى أنَّ "الجَبّارَ" اسْمُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَن جَعَلَهُ اسْمَ جِنْسٍ كَأنَّهُ أرادَ الجَبّارِينَ مِن بَنِي آدَمَ، فالقَدَمُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الجارِحَةُ.
والصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الصَلاحِ، كَما تَقُولُ: رَجُلٌ صِدْقٌ ورَجُلُ سُوءٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ الكافِرُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: "أكانَ وحْيُنا إلى بَشَرٍ عَجَبًا؟" قالَ الكافِرُونَ عنهُ كَذا وكَذا؟
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أنْذَرَ وبَشَّرَ قالَ الكافِرُونَ كَذا وكَذا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ: "إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ"، وقَرَأ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عنهُ: "إنَّ هَذا لَساحِرٌ"، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.
وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "قالَ الكافِرُونَ ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ".
وقَوْلُهم في الإنْذارِ والبِشارَةِ سِحْرٌ إنَّما هو بِسَبَبٍ أنَّهُ فَرَّقَ بِذَلِكَ كَلِمَتَهم وحالَ بَيْنَ القَرِيبِ وقَرِيبِهِ فَأشْبَهَ بِذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ الساحِرُ فَظَنُّوهُ مِن ذَلِكَ البابِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين ءامنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن جملة ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ [يونس: 1] بما فيها من إبهام الداعي إلى التوقف على آيات الكتاب الحكيم تثير سؤالاً عن ذلك الداعي فجاءت هذه الجملة تبيّن أن وجه ذلك هو استبعاد الناس الوحي إلى رجل من الناس استبعادَ إحالة.
وجاءت على هذا النظم الجامع بين بيان الداعي وبين إنكار السبب الذي دَعا إليه وتجهيل المتسببين فيه، ولك أن تجعله استئنافاً ابتدائياً، لأنه مبدأ الغرض الذي جاءت له السورة، وهو الاستدلال على صدق الرسول وإثبات البعث.
فالهمزة للاستفهام المستعمل في الإنكار، أي كيف يتعجبون من ذلك تعجب إحالة.
وفائدة إدخال الاستفهام الإنكاري على (كان) دون أن يقال: أعجِبَ الناسُ، هي الدلالة على التعجيب من تَعَجُّبهم المراد به إحالة الوحي إلى بَشر.
والمعنى: أحدث وتقرر فيهم التعجب من وحينا، لأن فعل الكون يشعر بالاستقرار والتمكن فإذا عبر به أشعَرَ بأن هذا غير متوقَّع حصوله.
و ﴿ للناس ﴾ متعلق ب ﴿ كَان ﴾ لزيادة الدلالة على استقرار هذا التعجب فيهم، لأن أصل اللام أن تفيد الملك، ويستعار ذلك للتمكن، أي لتمكن الكون عجباً من نفوسهم.
و ﴿ عَجباً ﴾ خبر ﴿ كان ﴾ مقدم على اسمها للاهتمام به لأنه محل الإنكار.
و ﴿ أنْ وأحينا ﴾ اسم كان، وجيء فيه ب (أنْ) والفعل دون المصدر الصريح وهو وَحْينا ليتوسل إلى ما يفيده الفعل من التجدد وصيغة المضي من الاستقرار تحقيقاً لوقوع الوحي المتعجب منه وتجدده وذلك ما يزيدهم كمداً.
والعجب: مصدر عَجِب، إذا عَدَّ الشيءَ خارجاً عن المألوف نادر الحصول.
ولما كان التعجب مبدأ للتكذيب وهم قد كذبوا بالوحي إليه ولم يقتصروا على كونه عجيباً جاء الإنكار عليهم بإنكار تعجبهم من الإيحاء إلى رجل من البشر لأن إنكار التعجب من ذلك يؤول إلى إنكار التكذيب بالأوْلى ويَقلع التكذيب من عروقه.
ويجوز أن يكون العجب كناية عن إحالة الوقوع، كما في قوله تعالى: ﴿ قالت يا ويْلتي أألِدُ وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله ﴾ في سورة [هود: 72، 73] وقوله: ﴿ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ﴾ في سورة [الأعراف: 63].
وكانت حكاية تعجبهم بإدماج ما يفيد الرد عليهم بأن الوحي كانَ إلى رجل من الناس وذلك شأن الرسالات كلها كما قال تعالى: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يُوحى إليهم ﴾ [النحل: 43] وقال: ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ [الأنعام: 9] وقال: ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ [الإسراء: 95].
وأطلق ﴿ الناس ﴾ على طائفة من البشر، والمراد المشركون من أهل مكة لأنهم المقصود من هذا الكلام.
وهذا الإطلاق مثل ما في قوله: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ [آل عمران: 173].
وعن ابن عباس أنكرت طائفة من العرب رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: الله أعظم من أن يكون له رسول بشراً، فأنزل الله تعالى: ﴿ أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس ﴾ .
و ﴿ أن ﴾ في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ تفسيرية لفعل ﴿ أوحينا ﴾ لأن الوحي فيه معنى القول.
و ﴿ الناس ﴾ الثاني يعم جميع البشر الذين يمكن إنذارهم، فهو عموم عرفي.
ولكون المراد ب ﴿ الناس ﴾ ثانياً غير المراد به أولَ ذُكر بلفظه الظاهر دون أن يقال: أن أنذرهم.
ولما عطف على الأمر بالإنذار الأمرُ بالتبشير للذين آمنوا بقي ﴿ الناس ﴾ المتعلق بهم الإنذار مخصوصاً بغير المؤمنين.
وحذف المنذر به للتهويل، ولأنه يُعلم حاصله من مقابلته بقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم قَدَم صدق ﴾ ، وفعل التبشير يتعدى بالباء، فالتقدير: وبشر الذين آمنوا بأن لهم قدم صدق، فحذف حرف الجر مع (أنَّ) جرياً على الغالب.
والقَدم: اسم لما تَقدم وسلَف، فيكون في الخير والفضل وفي ضده.
قال ذو الرمة: لكم قَدم لا ينكِر الناس ألها *** مع الحَسَب العادِيّ طَمَّت على البحر وذكر المازري في «المُعْلم» عن ابن الأعرابي: أن القدم لا يعبر به إلا عن معنى المقدم لكن في الشرف والجلالة.
وهو فَعَل بمعنى فاعل مثل سلَف وثَقَل.
قال ابن عطية: ومن هذه اللفظة قول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم: " حتى يضع رب العزة فيها قَدَمه فتقول قط قط " يشير إلى حديث أنس بن مالك قال نبيء الله صلى الله عليه وسلم ما تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة (وفي رواية الجبار) فيها قدمه فتقول قط قط، وعزتك.
ويُزوَى بعضُها إلى بعض.
وهذا أحد تأويلين لمعنى «قَدمه».
وأصل ذلك في «المُعلم على صحيح مسلم» للمازري وعزاه إلى النضر بن شميل.
والمراد ب ﴿ قدم صدق ﴾ في الآية قدم خَير، وإضافة ﴿ قدم ﴾ إلى ﴿ صِدق ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة.
وأصله قدمٌ صِدقٌ، أي صادق وهو وصف بالمصدر: فعلى قول الجمهور يكون وصف ﴿ صدق ﴾ ل ﴿ قدم ﴾ وصفاً مقيِّداً.
وعلى قول ابن الأعرابي يكون وصفاً كاشفاً.
والصدق: موافقة الشيء لاعتقاد المعتقد، واشتهر في مطابقة الخَبر.
ويضاف شيء إلى (صدق) بمعنى مصادفته للمأمول منه المرضي وأنه لا يخيب ظن آمل كقوله: ﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ﴾ [يونس: 90] وقوله: ﴿ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴾ [القمر: 55].
وقوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ تفسير لفعل ﴿ أوحينا ﴾ .
وإنما اقتصر على ذكر هذا الموحى به لأن ذلك هو الذي حملهم على التكذيب إذ صادف صرفهم عن ضلاله دينهم وسمعوا منه تفضيل المؤمنين عليهم.
وإيضاً في ذكر المفسِّر إدماج لبشارة المؤمنين بهذه المزية.
﴿ قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لساحر مُّبِينٌ ﴾ هذه الجملة بدل اشتمال من جملة: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ الخ.
ووجه هذا الإبدال أن قولهم هذا ينبئ عن بلوغ التعجب من دعوى الوحي والرسالة من نفوسهم مزيد الإحالة والتكذيب حتى صاروا إلى القول: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ [يونس: 76] أو ﴿ إن هذا لساحِر مبين ﴾ فاسم الإشارة راجع إلى ما تضمنته جملة ﴿ أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ﴾ .
وقرأه الجمهور «لسِحْر» بكسر السين وسكون الحاء على أن المراد به الحاصل بالمصدر، أي أن هذا الكلام كلام السحرِ، أي أنه كلام يُسحر به.
فقد كان من طرق السحر في أوهامهم أن يقول الساحر كلاماً غير مفهوم للناس يوهمهم أن فيه خصائص وأسماء غير معروفة لغير السحرة، فالإشارة إلى الوحي.
وقرأه ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي ﴿ لسَاحر ﴾ فالإشارة إلى رجل من قوله: ﴿ إلى رجل منهم ﴾ وهو النبي صلى الله عليه وسلم وإن وصفهم إياه بالسحر ينبئ بأنهم كذبوا بكونه من عند الله ولم يستطيعوا أن يدعوه هذياناً وباطلاً فهرعوا إلى ادعائه سِحراً، وقد كان من عقائدهم الضالة أن من طرائق السحر أن يقول الساحر أقوالاً تستنزل عقول المسحورين.
وهذا من عجزهم من الطعن في القرآن بمطاعن في لفظه ومعانيه.
والسحر: تخييل ما ليس بكائن كائناً.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ يعلمون الناس السحر ﴾ في سورة [البقرة: 102].
والمبين: اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بان، أي ظهر، أي سحر واضح ظاهر.
وهذا الوصف تلفيق منهم وبهتان لأنه ليس بواضح في ذلك بل هو الحق المبين.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ يُونُسَ هِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ إلى آخِرِهِنَّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ( الر ) فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنا اللَّهُ أرى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.
والثّانِي: هي حُرُوفٌ مِنِ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو الرَّحْمَنُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيُّ.
وَقالَ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ( الر ) و ( حم ) و ( ن ) لِلرَّحْمَنِ مَقاطِعُ.
الثّالِثُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّها فَواتِحُ افْتَتَحَ اللَّهُ بِها القُرْآنَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ تِلْكَ آياتُ ﴾ أيْ هَذِهِ آياتٌ، كَما قالَ الأعْشى: تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ أيْ هَذِهِ خَيْلِي.
وَفي ﴿ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: الزَّبُورُ، قالَهُ مَطَرٌ.
الثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ الحَكِيمِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى مُحْكَمٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ كالنّاطِقِ بِالحِكْمَةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَعَثَ مُحَمَّدًا رَسُولًا أنْكَرَ العَرَبُ ذَلِكَ أوْ مَن أنْكَرَ مِنهم فَقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وَهَذا لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ ومَعْناهُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ مِن كُفْرِ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ لِأنَّهُ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى سائِرِ الأُمَمِ رُسُلًا مِنهم.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ لَهم ثَوابًا حَسَنًا بِما قَدَّمُوا مِن صالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: سابِقُ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أيْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الذِّكْرِ الأوَّلِ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّ لَهم شَفِيعَ صِدْقٍ يَعْنِي مُحَمَّدًا يَشْفَعُ لَهم، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
الرّابِعُ: أنَّ لَهم سَلَفَ صِدْقٍ تَقَدَّمُوهم بِالإيمانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ لَهُمُ السّابِقَةَ بِإخْلاصِ الطّاعَةِ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ خَلْفَنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ قَدَمَ الصِّدْقِ أنْ يُوافِقَ الطّاعَةَ صِدْقُ الجَزاءِ، ويَكُونُ القَدَمُ عِبارَةً عَنِ التَّقَدُّمِ، والصِّدْقُ عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك، ومن أنكر منهم قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد.
فأنزل الله: ﴿ أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم...
﴾ الآية.
﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم...
﴾ [ الأنبياء: 7] الآية.
فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا: وإذا كان بشراً فغير محمد كان أحق بالرسالة ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [ الزخرف: 31] يقولون: أشرف من محمد يعني الوليد بن المغيرة من مكة، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف، فأنزل الله رداً عليهم ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ [ الزخرف: 32] الآية.
والله أعلم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ﴾ قال: ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أن لهم قدم صدق عند ربهم ﴾ قال: أجراً حسناً بما قدموا من أعمالهم.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ قدم صدق عند ربهم ﴾ قال: القدم هو العمل الذي قدموا.
قال الله: ﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ [ يس: 12] والآثار ممشاهم قال: مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين اسطوانتين من مسجدهم، ثم قال: «هذا أثر مكتوب» .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع في قوله: ﴿ قدم صدق ﴾ قال: ثواب صدق.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ قدم صدق ﴾ قال: يقدمون عليه عند ربهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قدم صدق ﴾ قال: خير.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ قدم صدق ﴾ قال: سلف صدق.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قدم صدق ﴾ أي سلف صدق.
وأخرج أبو الشيخ عن بكار بن مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ قدم صدق عند ربهم ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن لهم قدم صدق عند ربهم ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم شفيع لهم يوم القيامة.
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن لهم قدم صدق عند ربهم ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم شفيع لهم يوم القيامة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿ قدم صدق عند ربهم ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم شفيع صدق لهم يوم القيامة.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ لهم قدم صدق ﴾ قال: سلف صدق.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ أن لهم قدم صدق عند ربهم ﴾ قال: مصيبتهم في نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ قدم صدق ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.
أما قوله تعالى: ﴿ قال الكافرون إن هذا لسحر مبين ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن زائدة قال: قرأ سليمان في يونس عند الآيتين ﴿ ساحر مبين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ﴾ الآية، قال ابن عباس والمفسرون: عجبت قريش من إرسال الله (١) إلى العباد، وقالوا أما (٢) ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ (أن) في محل الرفع؛ لأنه اسم لِكان بمنزلة قولك: إيحاؤنا.
وقوله تعالى: ﴿ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ﴾ (أن) نصب بـ (أوحينا)، قال عطاء، عن ابن عباس: عجبوا أن اخترت من خلقي رجلاً منهم يعرفونه ويعرفون أباه وأمه، وفيهم وُلد ونشأ يسمونه الأمين، لا يعدلون به أحدًا في صغره، ولا شابًا في شبابه، ولا كهلًا في سنه، فكذبوه ورموه بكل (٤) (٥) ﴿ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ .
قال الليث وأبو الهيثم: القدم: السابقة، وكذلك القُدمة، والمعنى أنه قد سبق لهم عند الله خير (٦) وقال ذو الرّمة: وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابةٍ ...
لهم قدم معروفة ومفاخر (٧) قال: القدم السابقة وما تقدموا فيه غيرهم (٨) وقال أحمد بن يحيى في هذه الآية: القدم كل ما قدمت من خير، قال: وتقدَّمَتْ فيه لفلان قدم: أي تقدم في الخير (٩) وقال ابن الأنباري: القدم: كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه تأخر ولا إبطاء؛ لأن العادة جارية بتقدم الساعي على قدميه، فالقدم كنت (١٠) وأنشد لحسان يخاطب (١١) : لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ...
لأولنا في طاعة (١٢) (١٣) (١٤) هذا الذي ذكرنا معنى القدم في اللغة.
فأما التفسير فقال ابن عباس: أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم (١٥) وقال مجاهد والحسن: يعني الأعمال الصالحة (١٦) وقال الوالبي عن ابن عباس: سبقت لهم السعادة (١٧) وقال ابن زيد: محمد شفيع لهم (١٨) (١٩) صَلِّ لذي العرش واتخذ قدما ...
تنجيك يوم العثار والزلل (٢٠) وأكثر أهل التفسير والمعاني على هذا (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ الْكَافِرُونَ ﴾ تم الكلام عند قوله: ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴾ ، قال عطاء، عن ابن عباس: أخرجوا محمدًا من علمهم فيه بالأمانة والصدق إلى غير علمهم فكفروا (٢٨) وقرئ: (لساحر) بالألف (٢٩) ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ﴾ فمن قال (ساحر) أراد به الرجل، ومن قال (سحر) أراد الذي أُوحي سحر.
(١) في (ح) و (ي): (إرسال محمد).
(٢) في (ح) و (ي): (ما).
(٣) ذكره النحاس في "معاني القرآن الكريم" 3/ 276، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 224، ورواه عن ابن عباس بمعناه ابن جرير 11/ 81، وابن أبي حاتم 6/ 1922، والثعلبي 7/ 3 ب، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 535.
(٤) ساقط من (ى).
(٥) في (م): (بشيرًا).
(٦) "تهذيب اللغة" (قدم) 3/ 2902، ونحوه في كتاب "العين" (قدم) 5/ 122، وليس لأبي الهيثم سوى الكلمتين الأوليين.
(٧) البيت في "ديوان ذي الرمة" 2/ 1044، و"تهذيب اللغة" (قدم) 3/ 2902، و"لسان العرب" (قدم) 6/ 3552.
(٨) النص في "تهذيب اللغة"، الموضع السابق، دون تعيين القائل.
(٩) "تهذيت اللغة" (قدم) 3/ 2902.
(١٠) في (ي): (كفت)، وفي (م): (كعب)، وكلاهما خطأ.
(١١) في (ح) و (ز): (مخاطبًا).
(١٢) في "الزاهر" ملة.
وما ذكره الواحدي موافق لديوان حسان.
(١٣) البيت في "ديوان حسان" ص 148.
(١٤) "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 353 بنحوه، وذكر بعضه الرازي في "تفسيره" 17/ 7.
(١٥) رواه ابن جرير 11/ 81، والثعلبي 7/ 4 أ، والبغوي 4/ 120.
(١٦) رواه عن مجاهد الإمام ابن جرير 11/ 81، وبنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1923 - 1924، ورواه عن الحسن بنحوه الثعلبي 7/ 4 أ، والبغوي 4/ 120.
(١٧) رواه ابن جرير 11/ 82، وابن أبي حاتم 6/ 1922 - 1923، والثعلبي 7/ 4 أ، والبغوي 4/ 120، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 535، وعند جميعهم زيادة نصها: في الذكر الأول.
(١٨) لم أجده من ذكره عن ابن زيد وإنما روي عن أبي زيد، فقد رواه عنه الثعلبي 7/ 4 أ، وبنحوه البغوي 4/ 120، وذكره البخاري معلقًا في "صحيحه" كتاب التفسير، سورة يونس، وابن جرير 11/ 82.
(١٩) "المذكر والمؤنث" 1/ 229 لكنه لم يذكر فيه البيت المذكور وقد ذكره في كتابه "الزاهر" 1/ 353 لكنه لم يختر قولًا معينًا بعد أن ذكر في الآية أربعة أقوال، وانظر: "تفسير الرازي" 17/ 7، "البحر المحيط" 5/ 120.
(٢٠) البيت لوضاح اليمن، كما في "تفسير القرطبي" 8/ 307، "البحر المحيط" 5/ 122، "الدر المصون" 6/ 146، وقبل هذا البيت: ما لَكَ وضاحُ دائم الغزل ...
ألست تخشى تقارب الأجل (٢١) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 81 - 83، "معاني القرآن" للنحاس 3/ 276.
(٢٢) يعني ابن سليمان، انظر: "تفسيره" ص 137 ب.
(٢٣) لم تذكر المصادر التي بين يدي قوله هذا، وقد رواه ابن جرير 11/ 82 عنه، عن قتادة بلفظ: سلف صدق عند ربهم.
(٢٤) لم أقف على قولهما.
(٢٥) "تفسير غريب القرآن" له ص 194.
(٢٦) "مجاز القرآن" 1/ 273 ولفظه: قدم صدق عند ربهم: مجازه: سابقة صدق عند ربهم، ويقال: له قدمٌ في الإسلام وفي الجاهلية.
وانظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 4 ب.
(٢٧) هكذا في جميع النسخ، والأولى أن يقول: وذكرناه.
(٢٨) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 538.
(٢٩) قرأ الكوفيون وابن كثير وخلف (لساحر) بالألف، وقرأ الباقون (لسحر) من غير ألف.
انظر كتاب "السبعة" ص 322، "إرشاد المبتدي" ص 301، "النشر في القراءات العشر" 2/ 256.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس ﴾ الهمزة للإنكار، وعجباً خبر كان، وأن أوحينا اسمها، وأن أنذر: تفسير للوحي، والمراد بالناس هنا كفار قريش وغيرهم، وإلى رجل هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى الآية: الرد على من استبعد النبوة أو تعجب من أن يبعث الله رجلاً.
﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ أي عمل صالح قدَّموه.
وقال ابن عباس: السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ ﴿ قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعنون ما جاء به من القرآن، وقرئ لساحر يعنون به النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون كلامهم هذا تفسير لما ذكر قبل من تعجبهم من النبوة، ويكون خبراً مستأنفاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الۤر ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
﴿ لساحر ﴾ بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ لسحر ﴾ ﴿ حقاً أنه ﴾ بالفتح.
يزيد.
﴿ ضياء ﴾ بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يفصل ﴾ بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي.
الباقون بالنون.
﴿ واطمأنوا ﴾ بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ الۤر ﴾ ق كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ إذنه ﴾ ط ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط، ﴿ حقاً ﴾ ط، إلا لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح.
﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ط ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ نفصل ﴾ بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ﴿ يفصل ﴾ حالاً.
﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه لا لأن ﴿ أولئك ﴾ خبر "إن" ﴿ بإيمانهم ﴾ ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله ﴿ وآخر دعواهم ﴾ معطوف على ﴿ دعواهم ﴾ الأوّل ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: اتفقوا على أن قوله ﴿ الر ﴾ ليس بآية وعلى أن ﴿ طه ﴾ آية.
ولعل الفرق أن ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس ﴿ الۤر ﴾ معناه أنا الله أرى.
وقيل: لا رب غيري.
وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة.
وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها.
وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور.
ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن.
واعلم أنه لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه.
ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ نصب على أنه خبر كان واسمه ﴿ أن أوحينا ﴾ وفائدة اللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ .
وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ﴾ وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين.
و "أن" في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس.
وقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم ﴾ أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين.
ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء.
وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية.
ومعنى ﴿ قدم صدق ﴾ سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير.
قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير.
وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.
والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً.
وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد .
أما قوله: ﴿ قال الكافرون ﴾ فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك.
ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي ، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر.
ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين.
وقد مر في الأعراف تفسير قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.
ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الخ.
والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش.
والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.
قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.
ففي قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله ﴿ ما من شفيع ﴾ إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد.
ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم.
قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل.
ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ﴿ أفلا تذكرون ﴾ فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله.
ثم شرع في إثبات المعاد فقال: ﴿ إليه مرجعكم ﴾ أي رجوعكم ﴿ جميعاً ﴾ مجموعين.
وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وفيه تأكيدان كما مر.
ثم قال: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ يعني أنه لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق.
ومن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق.
ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي.
وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام.
وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل متعلق بـ ﴿ يجزي ﴾ أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر.
والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة.
وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟
واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك.
هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله كاذباً في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ الخ.
فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟
ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟
سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟
فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.
ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت.
ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.
فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟
قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.
ومنها أنه خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة.
وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى.
فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟
قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.
ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات.
ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.
ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.
ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء.
ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟
ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟
ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء.
وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة.
ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.
وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.
والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.
والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة.
ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً.
ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟
ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم.
فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.
وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.
ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.
وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر.
فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله أعلم بحقائق الأمور.
ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء".
وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود.
والضياء أقوى من النور.
ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله : { ﴿ يسألونك عن الأهلة ﴾ ﴿ وقدره منازل ﴾ قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل.
ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ.
وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه.
ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.
وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله : ﴿ إن عدة الشهور ﴾ الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: ﴿ ما خلق الله ذلك ﴾ المذكور ﴿ إلا ﴾ ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل.
وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل.
ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ .
ومعنى قوله: ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ كقوله: ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ وقد مر في آخر "الأعراف".
وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر.
قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد.
ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله : ﴿ وهم من الساعة مشفقون ﴾ واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ﴿ ورضوا ﴾ مع ذلك ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ الحسية الخسيسة ﴿ واطمأنوا بها ﴾ سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد ﴿ أولئك مأواهم النار ﴾ فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات.
وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ استكملوا من جهة القوة النظرية ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة.
ومعنى قوله: ﴿ بإيمانهم ﴾ أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ وقوله : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.
والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار" .
وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.
فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان.
قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تجري ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله.
والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية.
وفي قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق.
ومعنى ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم.
﴿ دعواهم فيها ﴾ قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ﴾ وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله.
وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية.
قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.
وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى.
وقيل: أي تمنيهم كقوله: ﴿ ولهم ما يدعون ﴾ أي ما يتمنونه.
وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.
وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد ﴾ هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد ﴿ لله ﴾ على أن الضمير للشأن.
قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه.
قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد.
وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .
وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".
التأويل: ﴿ الۤر ﴾ فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد.
والثانية من الحق لنبيه إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك.
وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ تلك ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك.
والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها ﴿ إلى رجل منهم ﴾ لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله ﴿ قدم صدق ﴾ محمد لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لساحر مبين ﴾ صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس.
إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية ﴿ ثم استوى ﴾ على العرش القلب ﴿ يدبر ﴾ أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء.
﴿ إليه مرجعكم جميعاً ﴾ فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال.
ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس ﴿ بالقسط ﴾ أي لكل بحسب كماله ونقصانه.
جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس.
وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات ﴿ إن في اختلاف ﴾ ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية ﴿ وما خلق الله ﴾ في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال ﴿ لآيات ﴾ دالة على التوحيد ﴿ لقوم يتقون ﴾ الأخلاق الذميمة ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله : ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ : قد ذكرنا الوجه في الحروف المقطعات في صدر الكتاب.
وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ : قال بعضهم: الحكيم هو الله، كأنه قال: ذلك الكتاب آيات الله.
وقال بعضهم: الحكيم هو صفة القرآن.
والكتاب يحتمل وجهين: يحتمل أنه سماه حكيماً فعيلا بمعنى أنه محكم، وجائز تسمية المفعول باسم الفعيل؛ نحو: قتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح ونحو ذلك، فيه الحلال والحرام، والأمر والنهي، أو محكم متقن مبرأ من الباطل والكذب والاختلاف، وهو ما وصفه : ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ...
﴾ الآية [فصلت: 42].
والثاني: حكيماً لما أن من تأمل فيه ونظر وفهم ما أودع فيه وأدرج، صار حكيماً وهو ما وصفه وسماه مجيداً، أي: من تأمله ونظر فيه صار مجيداً شريفاً.
والحكيم هو المصيب في الحقيقة إن كان صفة القرآن أو صفة الله، فإن كان صفة لله، فهو حكيم واضع كل شيء موضعه، وإن كان صفة للقرآن فهو كذلك أيضاً واضع كل شيء موضعه.
وقوله: ﴿ آيَاتُ ﴾ : يحتمل آيات الكتاب المعروف، ويحتمل الحجج والبراهين، أي: حجج الكتاب وبراهينه أو أعلامه، وقد تقدم ذكر الآيات في غير موضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل [أي قد عجبوا] أن أوحينا إلى رجل منهم.
ويحتمل: أيعجبون أن أوحينا إلى رجل منهم على الاستئناف، كانوا يعجبون من ثلاث: من إنزال القرآن على رجل منهم يعجز الخلائق عن إتيان مثله، ويعجبون من الوحي إلى رجل منهم وإرساله رسولا من بين الكل أو من البشر؛ كقوله: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا...
﴾ ، وكانوا يعجبون من البعث؛ كقولهم: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً...
﴾ الآية [ق: 3].
ثم يحتمل قوله: ﴿ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي: من البشر، أي: لا تعجبوا أن أوحينا إلى رجل من البشر؛ فإن الإيحاء إلى من هو من البشر أبلغ في الحجاج وأقطع للعذر، وأقرب إلى الرأفة والرحمة؛ لأن البشر يعرفون خروج ما هو خارج عن طوق البشر ووسعهم، ولا يعرفون ذلك من غير جوهرهم وغير جنسهم، ويألف كل جنس بجنسه وكل جوهر بجوهره، ولا يألف غير جوهره ولا غير جنسه، فإذا كان ما وصفنا كان بعث الرسول من جنس المبعوث إليهم وجوهرهم أبلغ في الحجاج وأقطع للعذر، وأقرب إلى الرأفة والرحمة.
ويحتمل قوله: ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي: من الأميين، أي: لا يعجبون أن أوحينا إلى رجل منهم، أي: أمي فإن ذلك أبلغ في التعريف والحجاج؛ لأنه بعث أميّاً لم يعرفوه بدراسة الكتب المتقدمة أو تلاوة شيء منها، ولا عرفوه اختلف إلى أحد منهم في تعليم كتبهم، ولا عرف أنه كتب شيئاً ولا خط خطا قط، ثم أخبر عما في كتبهم على موافقة ما فيها، وكانت كتبهم بغير لسانه؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله ؛ فذلك أبلغ في إثبات الرسالة والحجاج، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ ﴾ : قال بعضهم: الإنذار يكون في كل مكروه مرهوب، والبشارة في كل محبوب مرغوب.
وقال بعضهم: ﴿ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ ﴾ يعني: الكفار بالنار.
﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ثم اختلفوا في قوله: ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ : قال بعضهم: إن لهم الجنة عند ربهم.
وقيل: إن لهم الأعمال الصالحة يقدمون عليها.
وقيل: قدم صدق: محمد يشفع لهم عند ربهم.
[وقيل: إن لهم الجنة عند ربهم].
وقيل: إن لهم [ثواب أعمالهم] الصالحة التي قدموها بين أيديهم ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ ، أي: سلف خير أو سلف وعْد وعِد لهم بذلك وكأن أصله من القدم.
قال أبو عوسجة: يقال في الكلام: لفلان عندي قدم صدق ويد صدق، أي: نعمة قد أسلفها إليّ.
وقال القتبي: قدم صدق: يعني عملا صالحاً قدموه.
وعن ابن عباس: - قال: سبق لهم السعادة في الذكر الأول.
من قال: قدم صدق هو الشفاعة، فالقدم كناية عن الشفاعة والصدق، أي واقعة.
ومن قال: وعدوا ثواب أعمالهم أي تقدم لهم وعد حق وصدق.
ويحتمل ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ أي: ثبتت قدمهم لا تزل، على ما وصف من ثبوت قدم المؤمنين والقرار فيه، وتزل قدم الكافرين؛ كقوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ : ومن قرأ (لسِحْرٌ) عنى هذا القرآن.
ومن قرأ (لَسَاحِرٌ) بالألف عنى به النبي.
ثم السحر هو الذي يتراءى في الظاهر أنه حق وهو في الحقيقة باطل لا شيء، ثم هو يأخذ الأبصار ويأخذ العقول.
فأما الذي يأخذ الأبصار فهو ما يتراءى الشيء على غير ما هو في الحقيقة، والذي يأخذ العقول هو أن يذهب بعقله فيصير مجنوناً.
وقال فرعون لموسى: ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً ﴾ أي: مجنوناً، لكن هؤلاء لم يريدوا بقولهم: (لسِحْر مبِين): السحر الذي يأخذ العقول، ولكن أرادوا السحر الذي يأخذ الأبصار؛ يقولون: إنه وإن كان أخذ الأبصار في الظاهر فهو لا شيء في الحقيقة، ولكن في قولهم: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ دليل أنهم عجزوا عن رده، وعرفوا أنه حق، ولكن هم أرادوا التمويه على الناس؛ كقول فرعون لسحرته حين آمنوا برب موسى: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ﴾ أراد أن يموه على الناس؛ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أكان باعثًا للناس على التعجب أن أنزلنا الوحي على رجل من جنسه؛ آمرين إياه أن يحذرهم من عذاب الله؟!
وأخبرْ -أيها الرسول- الذين آمنوا بالله بما يسرهم؛ أن لهم منزلة عالية جزاء على ما قدموه من عمل صالح عند ربهم سبحانه، قال الكافرون: إن هذا الرجل الَّذي جاء بهذه الآيات لساحر ظاهر السحر.
<div class="verse-tafsir" id="91.maADk"