الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٠٣ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 41 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٣ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
"كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين"أي : ونهلك المكذبين بالرسل ، ( كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ) [ أي ] حقا : أوجبه تعالى على نفسه الكريمة : كقوله ( كتب على نفسه الرحمة ) [ الأنعام : 12 ] كما جاء في الصحيحين ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي "
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قل ، يا محمد ، لهؤلاء المشركين من قومك : انتظروا مثل أيام الذين خلوا من قبلكم من الأمم السالفة الذين هلكوا بعذاب الله، فإن ذلك إذا جاء لم يهلك به سواهم، ومن كان على مثل الذي هم عليه من تكذيبك، ثم ننجّي هناك رسولَنَا محمدًا صلى الله عليه وسلم ومن آمن به وصدّقه واتبعه على دينه، كما فعلنا قبل ذلك برُسلنا الذين أهلكنا أممهم ، فأنجيناهم ومن آمن به معهم من عذابنا حين حقّ على أممهم ، (كذلك حقا علينا ننج المؤمنين) ، يقول: كما فعلنا بالماضين من رسلنا فأنجيناها والمؤمنين معها وأهلكنا أممها، كذلك نفعل بك ، يا محمد، وبالمؤمنين ، فننجيك وننجي المؤمنين بك ، حقًّا علينا غير شك.
* * *
قوله تعالى ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنينقوله تعالى ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا أي من سنتنا إذا أنزلنا بقوم عذابا أخرجنا من بينهم الرسل والمؤمنين ، وثم معناه ثم اعلموا أنا ننجي رسلنا .كذلك حقا علينا أي واجبا علينا ; لأنه أخبر ولا خلف في خبره .
وقرأ يعقوب .
ثم ننجي مخففا .
وقرأ الكسائي وحفص ويعقوب .
ننجي المؤمنين مخففا ; وشدد الباقون ; وهما لغتان فصيحتان : أنجى ينجي إنجاء ، ونجى ينجي تنجية بمعنى واحد .
{ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ْ} من مكاره الدنيا والآخرة، وشدائدهما { كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا ْ} أوجبناه على أنفسنا { نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ْ} وهذا من دفعه عن المؤمنين، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا فإنه -بحسب ما مع العبد من الإيمان- تحصل له النجاة من المكاره.
( ثم ننجي رسلنا ) قرأ يعقوب " ننجي " خفيف مختلف عنه ، ( والذين آمنوا ) معهم عند نزول العذاب معناه : نجينا ، مستقبل بمعنى الماضي ، ( كذلك ) كما نجيناهم ، ( حقا ) واجبا ، ( علينا ننج المؤمنين ) قرأ الكسائي وحفص ويعقوب " ننجي " بالتخفيف والآخرون بالتشديد ، ونجى وأنجى بمعنى واحد .
«ثم نُنجّي» المضارع لحكاية الحال الماضي «رسلنا والذين آمنوا» من العذاب «كذلك» الإنجاء «حقا علينا نُنجي المؤمنين» النبي وأصحابه حين تعذيب المشركين.
ثم ننجِّي رسلنا والذين آمنوا معهم، وكما نجينا أولئك ننجِّيك -أيها الرسول- ومن آمن بك تفضلا منَّا ورحمة.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل فقالك ( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين ) .والجملة الكريمة عطف على محذوف ، والتقدير : تلك سنتنا فى خلقنا نهلك الأمم المكذبة ( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا ) الذين أرسلناهم لإِخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان ، الكاف فى ( كذلك ) بمعنى : مثل ، وهى صفة لمصدر محذوف ، واسم الإِشارة يعود على الإِتجاه الذى تكفل الله به للرسل السابقين ولمن آمن بهم ولفظ ( حقا ) منصوب بفعل مقدر أى : حق ذلك علينا حقا أى : مثل ذلك الإِتجاء الذى تكلفن به لرسلنا ولمن آمن بهم .
ننج المؤمنين بك - أيها الرسول الكريم - ، ونعذب المصرين على تكذيبك ، وهذا وعد أخذناه على ذاتنا فضلا منا وكرما .( سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) وبذلك ترى الآيات الكريمة قد حضت الضالين على الاقتداء بقوم يونس - عليه السلام - لكى ينجوا من العذاب ، وذكرتهم بنفاذ إرادة الله وقدتره ، ودعتهم إلى التفكر فى ملكوت السموات والأرض ، وأخبرتهم بأن سنة الله ماضية فى إنجاء المؤمنين ، وفى إهلاك المكذبين .وبعد هذا الحديث المتنوع الذى زخرت به سورة يونس - عليه السلام - عن وحدانية الله وقدرته ، وعن صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم ، وعن النفس الإِنسانية وأحوالها ، وعن يوم القيامة وأهوالها .
.
واعلم أن المعنى هل ينتظرون إلا أياماً مثل أيام الأمم الماضية، والمراد أن الأنبياء المتقدمين عليهم السلام كانوا يتوعدون كفار زمانهم بمجيء أيام مشتملة على أنواع العذاب، وهم كانوا يكذبون بها ويستعجلونها على سبيل السخرية، وكذلك الكفار الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام هكذا كانوا يفعلون.
ثم إنه تعالى أمره بأن يقول لهم: ﴿ فانتظروا إِنّى مَعَكُم مّنَ المنتظرين ﴾ ثم إنه تعالى قال: ﴿ ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا والذين ءامَنُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي في رواية نصير ﴿ نُنَجّى ﴾ خفيفة، وقرأ الباقون: مشددة وهما لغتان وكذلك في قوله: ﴿ نُنجِى المؤمنين ﴾ .
المسألة الثانية: (ثم) حرف عطف، وتقدير الكلام كانت عادتنا فيما مضى أن نهلكهم سريعاً ثم ننجي رسلنا.
المسألة الثالثة: لما أمر الرسول في الآية الأولى أن يوافق الكفار في انتظار العذاب ذكر التفصيل فقال: العذاب لا ينزل إلا على الكفار وأما الرسول وأتباعه فهم أهل النجاة.
ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ حَقّا عَلَيْنَا نُنجِى المؤمنين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: أي مثل ذلك الإنجاء ننصر المؤمنين ونهلك المشركين وحقاً علينا اعتراض، يعني حق ذلك علينا حقاً.
المسألة الثانية: قال القاضي قوله: ﴿ حَقّاً عَلَيْنَا ﴾ المراد به الوجوب، لأن تخليص الرسول والمؤمنين من العذاب إلى الثواب واجب ولولاه لما حسن من الله تعالى أن يلزمهم الأفعال الشاقة وإذا ثبت وجوبه لهذا السبب جرى مجرى قضاء الدين للسبب المتقدم.
والجواب: أنا نقول إنه حق بسبب الوعد والحكم، ولا نقول إنه حق بسبب الاستحقاق، لما ثبت أن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وقائع الله تعالى فيهم.
كما يقال: (أيام العرب) لوقائعها ﴿ ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا ﴾ معطوف على كلام محذوف يدلّ عليه قوله: ﴿ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا، على حكاية الأحوال الماضية ﴿ والذين ءامَنُواْ ﴾ ومن آمن معهم، كذلك ﴿ نُنجِ المؤمنين ﴾ مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم، ونهلك المشركين.
و ﴿ حَقّاً عَلَيْنَا ﴾ اعتراض، يعني: حقّ ذلك علينا حقاً.
وقرئ: ﴿ ننجّ ﴾ بالتشديد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِثْلَ وقائِعِهِمْ ونُزُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ إذْ لا يَسْتَحِقُّونَ غَيْرَهُ مِن قَوْلِهِمْ أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِها.
﴿ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ﴾ لِذَلِكَ أوْ فانْتَظَرُوا هَلاكِي إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ هَلاكَكم.
﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ الأُمَمَ ثُمَّ نُنْجِي رُسُلَنا ومَن آمَنَ بِهِمْ، عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ.
﴿ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ ﴾ كَذَلِكَ الإنْجاءُ أوْ إنْجاءٌ كَذَلِكَ نُنْجِي مُحَمَّدًا وصَحْبَهُ حِينَ نُهْلِكُ المُشْرِكِينَ، و ﴿ حَقًّا عَلَيْنا ﴾ اعْتِراضٌ ونَصْبُهُ بِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ.
وقِيلَ بَدَلٌ مِن كَذَلِكَ.
وقَرَأ حَفْصٌ والكِسائِيُّ (نُنْجِي) مُخَفَّفًا.
<div class="verse-tafsir"
{ثُمَّ نُنَجّى رُسُلُنَا} معطوف على كلام محذوف يدل عليه إلا مثل
أيام الذين خلوا من قبلهم كأنه قيل نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا على حكاية الأحوال الماضية {والذين آمنوا} من آمن معهم {كَذَلِكَ حَقّا عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين} أي مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم ونهلك المشركين وحقا علينا اعتراض أى وحق ذلك علينا حقا ننجى
يونس (١٠٤ _ ١٠٧)
بالتخفيف على وحفص
﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وعَنِ الكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ بِالتَّخْفِيفِ وهو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ مُسارَعَةً إلى التَّهْدِيدِ ومُبالَغَةً في تَشْدِيدِ الوَعِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ الأُمَمَ ثُمَّ نُنَجِّي المُرْسَلَ إلَيْهِمْ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِهِمْ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِتَهْوِيلِ أمْرِها بِاسْتِحْضارِ صُوَرِها وتَأْخِيرِ حِكايَةِ التَّنْجِيَةِ عَنْ حِكايَةِ الإهْلاكِ عَلى عَكْسِ ما جاءَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ 103﴾ أيْ نُنْجِيهِمْ إنْجاءً كَذَلِكَ الإنْجاءِ الَّذِي كانَ لِمَن قَبْلَهم عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الإنْجاءِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِمَعْنى مِثْلَ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولِ المُطْلَقِ ويُحْتَمَلُ عِنْدَ بَعْضٍ أنْ يَكُونَ في مَوْقِعِ الحالِ مِنَ الإنْجاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ﴿ نُنَجِّي ﴾ بِتَأْوِيلِ نَفْعَلُ الإنْجاءَ حالَ كَوْنِهِ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ و ﴿ حَقًّا ﴾ نُصِبَ بِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ وفائِدَتُها الِاهْتِمامُ بِالإنْجاءِ وبَيانُ أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ وهو المُرادُ بِالحَقِّ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الواجِبُ ومَعْنى كَوْنِ الإنْجاءِ واجِبًا أنَّهُ كالأمْرِ الواجِبِ عَلَيْهِ تَعالى وإلّا فَلا وُجُوبَ حَقِيقَةً عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةٌ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ ويُسْتَفادُ مِنهُ أنَّهُ لا بَأْسَ (1) الجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةً إذا بَقِيَ شَيْءٌ مِن مُتَعَلِّقاتِها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الكافِ الَّتِي هي بِمَعْنى مِثْلَ أوْ مِنَ المَحْذُوفِ الَّذِي نابَتْ عَنْهُ وقِيلَ: إنَّ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مَنصُوبٌ - بِنُنْجِي الأوَّلِ - و ﴿ حَقًّا ﴾ مَنصُوبٌ بِالثّانِي وهو خِلافُ الظّاهِرِ والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا الجِنْسُ المُتَناوِلُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعُهم وإمّا الأتْباعُ فَقَطْ وإنَّ ما لَمْ يُذْكَرْ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَدارَ الإنْجاءِ هو الإيمانُ وجِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَها مُقَرِّرًا لِمَضْمُونِهِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الدلائل: من الشمس، والقمر، والنجوم، وَما فِى الْأَرْضِ، من الجبال، والبحار، والأشجار، والثمار، فاعتبروا به.
ثم قال حين لم يعتبروا به: وَما تُغْنِي الْآياتُ يعني: ما تنفع العلامات، التي في السموات والأرض وَالنُّذُرُ يعني: الرسل عَنْ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يرغبون في الإيمان، ولا يطلبون الحق.
وقال أبو العالية: لا تنفع الآيات والرسل عَنْ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ أي علم الله في سابق علمه أنهم لا يؤمنون.
ويقال: عَنْ هاهنا صلة، ومعناه: وَمَا تُغْنِى الآيات والنذر قوماً لا يؤمنون، يعني: علم الله في الأزل أنهم لا يؤمنون.
ثم خَوَّفَهُمْ فقال تعالى: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: أن يصيبهم العذاب، مثل ما أصاب الأمم الخالية.
قُلْ فَانْتَظِرُوا يعني: انتظروا العذاب إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ.
ويقال انتظروا لهلاكي، فإني معكم من المنتظرين لهلاككم.
قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا يعني: أنجيناهم من العذاب والهلاك، وَالَّذِينَ آمَنُوا معهم.
انصرف هذا إلى قوله: مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا يعني: أنجيناهم من العذاب، وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني: أنجيناهم معهم.
ومعناه: إذا جاءهم العذاب ينجي الله تعالى محمدا ، ومن آمن معه، كما أنجى سائر الرسل، والذين آمنوا معهم.
كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا يعني: هكذا واجب علينا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ من العذاب.
قرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص: ثُمَّ نُنَجِّي.
بجزم النون وتخفيف الجيم، وقرأ الباقون: نُنَجِّي بالنصب والتشديد.
وكذلك في قوله نُنْجِ الْمُؤْمِنينَ ومعناها واحد: نجّيته، وأنجيته.
<div class="verse-tafsir"
الناس بإِدخالِ الإِيمَانِ في قُلُوبهم، واللَّه عَزَّ وجلّ قد شاء غير ذلك، والرِّجْسَ هنا بمعنى العذاب.
وقوله سبحانه: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الآية: هذه الآية أمْر للكفَّار بالاعتبار والنَّظَرِ في المصْنُوعات الدالَّة على الصَّانع من آيات السموات وأفلاكِها وكواكِبِها وسحابِها ونَحْوِ ذلك، والأرْضِ ونباتِهَا ومعادِنِها وغيرِ ذلك، المعنى: انظروا في ذلك بالواجب، فهو يُنْهِيكُمْ إِلى المعرفة باللَّه وبوَحْدَانيته، ثم أخبر سبحانه أنَّ الآيات والنُّذُرَ- وهم الأنبياء- لا تُغْنِي إِلا بمشيئته ف «مَا» على هذا: نافيةٌ، ويجوز أن تكون استفهاما في ضمنه نَفْيُ وقوعِ الغِنَى، وفي الآية على هذا: توبيخٌ لحاضِرِي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
قال ص: والنُّذُرُ: جمع نذيرٍ، إِما مصدرٌ بمعنى الإِنذارات، وإِما بمعنى مُنْذِرٍ.
انتهى.
وقوله سبحانه: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ...
الآية:
وعيدٌ إِذَا لَجُّوا في الكُفْرِ، حل بهم العذاب.
وقوله سبحانه: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا: أي: عادةُ اللَّه سَلَفَتْ بإِنجاء رسله ومتَّبعيهم عند نزولِ العذاب بالكَفَرَةِ كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ.
قال ص: أي: مثلَ ذلك الإِنجاء الذي نجينا الرسُلَ ومؤمنيهم نُنْجِي من آمن بك.
انتهى، وخط المُصْحف في هذه اللفظة «نُنْجٍ» بجيم مطلقة دون ياء، وكلهم قرأ «نُنجِّ» - مشددة الجيم- إِلا الكسائيَّ وحفصاً عن عاصم فإِنهما قرآ بسكون النون وتخفيف الجيم «١» .
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ.
﴿ إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: مِثْلَ وقائِعِ اللَّهِ بِمَن سَلَفَ قَبْلَهم، والعَرَبُ تُكَنِّي بِالأيّامِ عَنِ الشُّرُورِ والحُرُوبِ، وقَدْ تُقْصَدُ بِها أيّامُ السُّرُورِ والأفْراحِ إذا قامَ دَلِيلٌ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فانْتَظِرُوا ﴾ هَلاكِي ﴿ إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ﴾ لِنُزُولِ العَذابِ بِكم ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مِنَ العَذابِ إذا نَزَلَ، فَلَمْ يَهْلَكْ قَوْمٌ قَطُّ إلّا نَجا نَبِيُّهم والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ، وحَفْصٌ، والكِسائِيُّ في قِراءَتِهِ ورِوايَتِهِ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ﴿ نُنْجِ المُؤْمِنِينَ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ.
ثُمَّ في هَذا الإنْجاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ إذا نَزَلَ بِالمُكَذِّبِينَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والثّانِي: نُنْجِيهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ النّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أيُّها الناسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللهِ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِن المُؤْمِنِينَ ﴾ هَذا وعِيدٌ وحَضٌّ عَلى الإيمانِ، أيْ: إذا لَجُّوا في الكُفْرِ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ، وإذا آمَنُوا نَجَوْا، هَذِهِ سُنَّةُ اللهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، فَهَلْ عِنْدَ هَؤُلاءِ غَيْرُ ذَلِكَ؟
وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَوْقِيفِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ فانْتَظِرُوا ﴾ مُهادَنَةٌ ما، وهي مِن جُمْلَةِ ما نَسَخَهُ القِتالُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا ﴾ الآيَةُ، لَمّا كانَ العَذابُ لَمْ تُحْصَرْ مُدَّتُهُ وكانَ النَبِيُّ والمُؤْمِنُونَ بَيْنَ أظْهُرِ الكَفَرَةِ وقَعَ التَصْرِيحُ بِأنَّ عادَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ سَلَفَتْ بِإنْجاءِ رُسُلِهِ ومُتَّبِعِيهِمْ، فالتَخْوِيفُ -عَلى هَذا- أشَدُّ، وكُلُّهم قَرَأ: "نُنَجِّي" مُشَدَّدَةَ الجِيمِ إلّا الكِسائِيَّ وحَفْصًا عن عاصِمٍ فَإنَّهُما قَرَآ: "نُنْجِي" بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ عاصِمٌ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "نُجِّي" بِضَمِّ النُونِ وحَذْفِ الثانِيَةِ وشَدِّ الجِيمِ، كَأنَّ النُونَ أُدْغِمَتْ فِيها، وهي قِراءَةٌ لا وجْهَ لَها، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَجّاجُ.
وَحَكى أبُو حاتِمٍ نَحْوَها عَنِ الأعْمَشِ، وخَطُّ المُصْحَفِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ "نُنْجِ" بِجِيمٍ مُطْلَقَةٍ دُونَ ياءٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ الكِسائِيُّ في سُورَةِ مَرْيَمَ: "ثُمَّ نُنْجِي الَّذِينَ اتَّقَوْا" بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، والباقُونَ بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ، والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها الناسُ ﴾ الآيَةُ، مُخاطَبَةٌ عامَّةٌ لِلنّاسِ أجْمَعِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، يَدْخُلُ تَحْتَها كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِالشَكِّ في دِينِ الإسْلامِ، وهَذِهِ الآيَةُ يَتَّسِقُ مَعْناها بِمَحْذُوفاتٍ يَدُلُّ عَلَيْها هَذا الظاهِرُ الوَجِيزُ، والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَأنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ اللهَ، كَذَلِكَ فَلَيْسَ هو بِأهْلٍ أنْ يُشَكَّ فِيهِ، وإنَّما يُشَكُّ في دِينِكم ويُرْفَضُ، وأمّا لا أعْبُدُ أحَدًا غَيْرَهُ، فاقْتَضَتْ فَصاحَةُ الكَلامِ وإيجازُهُ اخْتِصارَ هَذا كُلِّهِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَعْبُودِهِ وخَصَّ مِن أوصافِهِ ﴿ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ ﴾ لِما فِيها مِنَ التَذْكِيرِ لِلْمَوْتِ وقَرْعِ النُفُوسِ بِهِ، والمَصِيرِ إلى اللهِ بَعْدَهُ، والنَقْدِ لِلْأصْنامِ الَّتِي كانُوا يَعْتَقِدُونَها ضارَّةً ونافِعَةً.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على جملة ﴿ ما تغني الآيات والنذر ﴾ [يونس: 101] باعتبار ما اشتملت عليه من ذكر النُذُر.
فهي خطاب من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أي يتفرع على انتفاء انتفاعهم بالآيات والنذر وعلى إصْرارهم أنْ يُسأل عنهم: ماذا ينتظرون، ويجاب بأنهم ما ينتظرون إلا مِثل ما حلّ بمن قبلهم ممن سِيقت قصصهم في الآيات الماضية، ووقع الاستفهام ب ﴿ هل ﴾ لإفادتها تحقيق السؤال وهو باعتبار تحقيق المسؤول عنه وأنه جدير بالجواب بالتحْقيق.
والاستفهام مجاز تهكمي إنكاري، نزلوا منزلة من ينتظرون شيئاً يأتيهم ليؤمنوا، وليس ثمة شيء يصلح لأن ينتظروه إلا أن ينتظروا حلول مثل أيام الذين خلوا من قبلهم التي هلكوا فيها.
وضمن الاستفهام معنى النفي بقرينة الاستثناء المفرَّغ.
والتقدير: فهل ينتظرون شيئاً مَا ينتظرون إلاّ مثل أيام الذين خلوا من قبلهم.
وأطلقت الأيام على ما يقع فيها من الأحداث العظيمة.
ومن هذا إطلاق «أيام العرب» على الوقائع الواقعة فيها.
وجملة: ﴿ قل فانتظروا ﴾ مفرعة على جملة: ﴿ فهل ينتظرون ﴾ .
وفصل بين المفرّع والمفرّع عليه ب ﴿ قُل ﴾ لزيادة الاهتمام.
ولينتقل من مخاطبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم قومه وبذلك يصير التفريع بين كلامين مختلفَي القائل شبيهاً بعطف التلقين الذي في قوله تعالى: ﴿ قال ومن ذريتي ﴾ [البقرة: 124].
على أن الاختلاف بين كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم في مقام الوحي والتبليغ اختلاف ضعيف لأنهما آئلان إلى كلام واحد.
وهذا موقع غريب لفاء التفريع.
وبهذا النسج حصل إيجاز بديع لأنه بالتفريع اعتبر ناشئاً عن كلام الله تعالى فكأنّ الله بلغه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلّغه قومه فليس له فيه إلاّ التبليغ، وهو يتضمن وعد الله نبيئه بأنه يرى ما ينتظرهم من العذاب، فهو وعيد وهو يتضمن النصر عليهم.
وسيصرح بذلك في قوله: ﴿ ثم ننجي رسلنا ﴾ .
وجملة: ﴿ إني معكم من المنتظرين ﴾ استئناف بياني ناشئ عن جملة: ﴿ انتظروا ﴾ لأنها تثير سؤال سائل يقول: ها نحن أولاء ننتظر وأنت ماذا تفعل.
وهذا مستعمل كناية عن ترقبه النصر إذ لا يظن به أنه ينتظر سوءاً فتعين أنه ينتظر من ذلك ضد ما يحصل لهم، فالمعية في أصل الانتظار لا في الحاصل بالانتظار.
و(مع) حال مؤكدة.
و ﴿ من المنتظرين ﴾ خبر (إنّ) ومفاده مفاد (مع) إذ ماصدق المنتظرين هم المخاطبون المنتظرون.
و ﴿ ثم ننجّي رسلنا ﴾ عطف على جملة: ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا ﴾ لأن مثل تلك الأيام يومُ عذاب.
ولما كانوا مهددين بعذاب يحل بموضع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عجل الله البشارة للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنه ينجيهم من ذلك العذاب بقدرته كما أنجى الرسل من قبله.
وجملة: ﴿ كذلك حقاً علينا ننجِّي المؤمنين ﴾ تذييل.
والإشارة ب ﴿ كذلك ﴾ إلى الإنجاء المستفاد من ﴿ ثم ننجِّي ﴾ .
و ﴿ حقّاً علينا ﴾ جملة معترضة لأن المصدر بدل من الفعل، أي حق ذلك علينا حقاً.
وجعله اللّهُ حقاً عليه تحقيقاً للتفضل به والكرامة حتى صار كالحق عليه.
وقرأ الجمهور ﴿ نُنَجّي المؤمنين ﴾ بفتح النون الثانية وتشديد الجيم على وزان ﴿ ننجي رسلنا ﴾ .
وقرأ الكسائي، وحفص عن عاصم ﴿ نُنْجي المؤمنين ﴾ بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم من الإنجاء.
فالمخالفة بينه وبين نظيره الذي قبله تفنن، والمعنى واحد.
وكتب في المصحف ﴿ ننج المؤمنين ﴾ بدون ياء بعد الجيم على صورة النطق بها للاتقاء الساكنيْن.
” <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ سُبُلَ الهُدى والضَّلالاتِ.
﴿ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الإثْمُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ما لا خَيْرَ فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ يَعْنِي لا يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ تَعالى أمْرَهُ ونَهْيَهُ ويَحْتَمِلُ أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَعْتَبِرُونَ بِحُجَجِهِ ودَلائِلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ويجعل الرجس ﴾ قال: السخط.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ويجعل الرجس ﴾ قال: الرجس الشيطان، والرجس العذاب.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ وما تغني الآيات والنذر عن قوم ﴾ يقول: عند قوم لا يؤمنون نسخت قوله: ﴿ حكمة بالغة فما تغني النذر ﴾ [ القمر: 5] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ﴾ قال: وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع في قوله: ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾ قال: خوّفهم الله عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر نجى الله رسله والذين آمنوا فقال: ﴿ ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية، هذا إخبار عما كان الله يفعل في الأمم الماضية من إنجاء الرسل والمصدقين لهم عما يعذب به من كفر، وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أي: مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين بمحمد من عذابي، والتأويل: ننجي المؤمنين إنجاءً مثل ذلك الإنجاء، وقوله تعالى: ﴿ حَقًّا عَلَيْنَا ﴾ أي واجبًا علينا، قاله ابن عباس (١) (٢) (٣) (١) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 220.
(٢) انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 113، والثعلبي 7/ 31 أ، والبغوي 4/ 154.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).
<div class="verse-tafsir"
﴿ انظروا ﴾ أمرٌ بالاعتبار والنظر في آيات الله ﴿ وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني: من قضى الله عليه أنه لا يؤمن، وما نافية أو استفهامية يراد بها النفي ﴿ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ ﴾ الآية: تهديد ﴿ حَقّاً عَلَيْنَا ﴾ اعتراض بين العامل ومعموله وهما كذلك، وننج المؤمنين ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ الوجه هنا بمعنى القصد والدين ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ منسوخ بالقتال، وكذلك قوله: ﴿ واصبر حتى يَحْكُمَ الله ﴾ وعد بالنصر والظهور على الكفار.
القراءات: ﴿ وأنا ﴾ مثل ﴿ أنشانا ﴾ و ﴿ نجعل ﴾ بالنون: يحيى وحماد.
الآخرون بالياء التحتانية.
﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: نصر وروح ويزيد.
﴿ ننجي المؤمنين ﴾ من الإنجاء أيضاً: علي وسهل ويعقوب وحفص والمفضل.
الآخرون بالتشديد فيهما.
الوقوف: ﴿ الطيبات ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الفاء ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ الممترين ﴾ ه لا للعطف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لا لتعلق لو بما قبلها ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ يونس ﴾ ط ﴿ حين ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط أي وهو يجعل ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط للفصل بينالاستخبار والإخبار.
﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ من المنتظرين ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ج لاحتمال يراد ننجيهم كإنجاء الرسل أو يكون الوقف على ﴿ آمنوا ﴾ والتقدير ننجي المؤمنين إنجاء كذلك و ﴿ حقا علينا ﴾ اعتراض.
﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوفاكم ﴾ ج لاحتمال أن يراد وقد أمرت ﴿ المؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ حنيفاً ﴾ ج للعطف مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ولا يضرك ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج للعطف مع حق الفصل بين المتضادين ﴿ لفضله ﴾ ط ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للعطف مع النفي ﴿ بوكيل ﴾ ه ط ﴿ يحكم الله ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده أراد أن يذكر ما وقع عليه الختم في واقعة بني إسرائيل فقال: ﴿ ولقد بوأنا ﴾ أي أسكناهم مسكن صدق أو إسكان صدق فيكون المبوأ اسم مكان أو مصدراً، والعرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق ليعلم أن كل ما يظن به من الخير ويطلب منه فإنه يصدق ذلك الظن ويوجد فيه فيكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً.
والمراد ببني إسرائيل إما اليهود الذين كانوا في زمن موسى فمبوّأ الصدق الشام ومصر وما يدانيها فإنها بلاد كثيرة الخصب غزيرة الأرزاق ومع ذلك فقد أورثهم الله جميع ما كان تحت تصرف فرعون وقومه من الناطق والصامت ﴿ فما اختلفوا ﴾ في دنيهم وما تشعبوا فيه شعباً وكانوا على طريقة واحدة حتى قرأوا التوراة فقابلوها بضد المقصود منها وبدلوا الاتفاق بالاختلاف وأحدثوا المذاهب المتعددة، وإما اليهود المعاصرون لرسول الله ، وإلى هذا ذهب جم غفير من المفسرين.
عن ابن عباس:هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل الصدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من طيبات تلك البلاد رطباً وتمراً ليس في غيرها، فبقوا على دينهم ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم سبب العلم وهو القرآن النازل على محمد فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به قوم وبقي على الكفر آخرون.
وبالجملة فالله يقضي بين المحقين منهم والمبطلين في يوم الجزاء لأن دار التكليف ليست دار القضاء.
ولما بيّن كيفية اختلاف اليهود في شأن كتابهم أو في شأن رسوله حقق حقيقته وحقيقة ما أنزل عليه بقوله: ﴿ فإن كنت في شك ﴾ والشك في اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض ومنه شك الجوهر في العقد، وشككته بالرمح أي خرقته وانتظمته، والشكيكة الفرقة من الناس، والشكاك البيوت المصطفة.
والشاك يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه، والخطاب فيه للرسول في الظاهر والمراد أمته كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم ﴾ والدليل عليه قوله بعيد ذلك ﴿ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ﴾ ولأنه لو كان شاكاً في شأنه لكان غيره بالشك أولى.
ويمكن أن يقال: الخطاب للرسول حقيقة ولكن ورد على سبيل الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلاً والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بوقوع الشرط ولا عدم وقوعه، بل المراد استلزام الأول للثاني على تقدير وقوع الأول.
وقد يكونان محالين كقول القائل: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين.
وفيه من الفوائد الإرشاد إلى طلب الدلائل لأجل مزيد اليقين وحصول الطمأنينة، وفيه استمالة لأمته والحث لهم على السؤال عما كانوا منه في شك، وفيه أن أهل الكتاب من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك فيكون الغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى الرسول لا وصف الرسول بالشك، ولذلك قال عند نزوله: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق.
وعن ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم.
وقيل: "إن" نافية أي فما كنت في شك يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقيناً.
وقيل: الخطاب لكل سامع يتأتى منه الشك.
ومن المسؤول منه قال المحققون: هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا وتميم الداري وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم.
ومنهم من قال: الكل سواء لأنهم إذا بلغوا حد التواتر وقرأوا آية من التوراة والإنجيل تدل على البشارة بمقدم محمد فقد حصل الغرض، لأن تلك الآية لما بقيت مع توفر دواعيهم على تحريف نعته كانت من أقوى الدلائل.
والظاهر أن المقصود من السؤال معرفة حقيقة القرآن وصحة نبوة محمد لقوله: ﴿ مما أنزلنا إليك ﴾ وقيل: السؤال راجع إلى قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ .
ثم إنه لما بين الطريق المزيل للشك شهد بحقيته فقال: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ ثم إن فرق المكلفين بعد المصدقين إما متوقفون في صدقه وإما مكذبون فنهى الفريقين مخاطباً في الظاهر لنبيه قائلاً ﴿ فلا تكونن من الممترين ولا تكونن ﴾ الآية.
والمراد فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية وانتفاء التكذيب، وفيه من التهييج والبعث على اليقين والتصديق ما فيه.
ثم لما زجر كل فريق عما زجر بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء وعباداً ختم لهم بالحسنى فلا يتغيرون عن حالهم ألبتة.
أما الأولون فأشار إليهم بقوله: ﴿ إن الذين حقت ﴾ الآية.
وقد مر مثله في هذه السورة.
وقالت المعتزلة: إن عدم إيمان هذا الفريق إلى حين وقوع اليأس وموتهم على الكفر مكتوب عند الله وثبت عليهم قوله في الأزل بما يجري عليهم، لكنها كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد.
وقالت الأشاعرة: كلمته حكمة وإرادته وخلقه فيهم الكفر، وقد مر أمثال هذه الأبحاث مراراً كثيرة.
وأما الآخرون فذلك قوله: ﴿ فلولا كانت ﴾ أي فهلا حصلت ﴿ قرية ﴾ واحدة ﴿ آمنت ﴾ تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل معانية العذاب ﴿ فنفعها إيمانها ﴾ لوقوعه في وقت الاختيار والتكليف دون أوان اليأس والاضطرار ﴿ إلا قوم يونس ﴾ هو استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها.
وقيل: إن "لولا" في هذا المقام بمعنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس.
يروى أن يونس بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً كما سيجيء في سورة الأنبياء، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة.
وقيل: قال لهم يونس إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.
وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل منهم كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده.
وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟
فقال لهم: قولوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم ومتعوا بالإيمان والأعمال الصالحة وبالخيرات الدنيوية إلى حين انقضاء آجالهم.
وعن الفضيل بن عياض قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.
ثم بيّن أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال: ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ قالت الأشاعرة: هذه القضية تفيد الشمول والإحاطة لكنه ما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه ما أراد إيمان الكل.
وأول المعتزلة المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر.
وأجيب بأن الكلام في الإيمان الذي كان يطلبه النبي منهم وهو الإيمان المنوط به التكليف لا الإيمان القسري الذي لا ينتفع به المكلف، فلو حمل الإيمان المذكور في الآية وكذا المشيئة على إيمان الإلجاء ومشيئة القسر لم ينتظم الكلام.
ثم ذكر أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق وتعالى فقال: ﴿ أفأنت تكره ﴾ فأولى الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الكلام في المكره من هو وما هو إلا الله وحده.
فحمل المعتزلة هذا الإكراه على الإلجاء ومعناه أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان.
وحمل الأشاعرة الإكراه على خلق الإيمان ومعناه أنه قادر على خلق الإيمان والكفر فيهم لا أنت بدليل قوله: ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ﴾ أي الكفر والفسق ﴿ على الذين لا يعقلون ﴾ وفسر المعتزلة الإذن بمنح الألطاف والرجس بالخذلان، لأن الرجس هو العذاب والخذلان سببه، وخصصوا النفس بالنفس المعلوم إيمانها والذين لا يعقلون يعني المصرين على الكفر.
واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ وما كان لنفس ﴾ على أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع لأن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحجر.
وإذا كان أصل الشرع - وهو الإيمان بإذن الله - فما ترتب عليه أولى.
أجابت المعتزلة بأن المراد بالإذن التوفيق والتسهيل والألطاف.
ولما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال: ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ أي شيء فيهما من الآيات والعبر.
ثم ذكر أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حكم الله عليه في الأزل بالشقاء فقال: ﴿ وما تغني ﴾ يحتمل أن تكون "ما" نافية أي لا تفيد هذه ﴿ الآيات والنذر ﴾ وهي جمع نذير صفة أو مصدر في حق المحكوم عليهم بعدم الإيمان.
وأن تكون} استفهامية للإنكار بمعنى أي شيء يغني عنهم؟
ثم قال: ﴿ فهل ينتظرون ﴾ والمراد أن الأنبياء المتقدمين كانوا يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب أو بوقائع الله فيهم وهم يكذبونهم ويسخرون منهم، وكذلك كان يفعل الكفار المعاصرون للرسول فقال ﴿ قل فانتظروا ﴾ وفيه تهديد ووعيد بأنه سينزل بهؤلاء مثل ما أنزل بأولئك من الإهلاك بعد إنجاء الرسول وأتباعه كما حكى تلك الأحوال الماضية بقوله: ﴿ ثم ننجي رسلنا ﴾ الآية.
قالت المعتزلة: ﴿ حقاً علينا ﴾ المراد به الوجوب والاستحقاق إذ لا يحسن تعذيب الرسول والمؤمنين.
وقالت الأشاعرة: إنه حق بحسب الوعد والحكم فإن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً.
ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين طريقته وطريقة المشركين فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ والمعنى يا أهل مكة إن كنتم لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أوّلاً وعلى الإعادة ثانياً كما مر مراراً، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر والردع، أو لأنه قد قدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي.
وفي الآية إشارة إلى أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه.
ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: ﴿ وأمرت أن أكون ﴾ أي بأن أكون ﴿ من المؤمنين ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وأن أقم وجهك ﴾ ولا تدع نظراً إلى المعنى كأنه قيل له: كن مؤمناً ثم أقم ولا تدع، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي إلي أن أقم.
قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال، ومعنى ﴿ أقم وجهك ﴾ استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً.
و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ﴿ الدين ﴾ أو من الوجه.
قال المحققون: الوجه ههنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظراً تاماً فإنه يقيم وجهه في مقابلته لا يصرفه عنه.
ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ﴾ أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، وكنى عنه بالفعل للاختصار.
و "إذا" جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأن إضافة التصرف بالاستقلال إلى ما سوى مدبر الكل وضع للشيء في غير موضعه.
ثم صرح بأنه مبدأ الكائنات ومنتهى الحاجات لا غيره فقال: ﴿ وإن يمسسك الله ﴾ الآية.
وقد مر تفسير مثلها في أول سورة الأنعام.
قال الواحدي: ﴿ وإن يردك بخير ﴾ من القلب وأصله وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهمابالآخر.
وأقول في تخصيص الإرادة بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه بالذات والشر بالعرض.
ثم ختم السورة بما يستدل به على قضائه وقدره في الهداية والضلال فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ الآية.
وفسرها الأشاعرة بأن من حكم له في الأزل بالاهتداء فسيقع له ذلك، وإن من حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه كما مر في سورة الأنعام ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ﴾ الآية.
وقالت المعتزلة: المراد أنه بين الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة، فمن اختار الهدى فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فلا يعود وباله إلا على نفسه.
يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه.
ثم أمره باتباع الوحي والتنزيل فإن وصل إليه بسبب الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين.
ولبعضهم في الصبر: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يحكم الله في أمري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر التأويل: ﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل ﴾ يعني متولدات الروح العلوي من القلب والسر دون النفس لأنها من البنات لا من البنين ﴿ مبوأ صدق ﴾ منزلاً علياً في العالم النوراني ﴿ وزقناهم من الطيبات ﴾ من الفيض الرباني الفائض على الروح لأن الروح مستوٍ على عرش القلب، فكل ما فاض من صفة الروحانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فما اختلف القلب والسر حتى جاءهم دعوة النبي : فمن قبلها صار مقبولا، ومن ردها كان مردوداً.
وبوجه آخر ﴿ مبوأ صدق ﴾ بين الأصبعين من أصابع الرحمن ﴿ فما اختلفوا ﴾ حتى أدركهم علم الله الأزلي بالسعادة والشقاء ﴿ فإن كنت في شك ﴾ خلق الإنسان ضعيفاً، فإذا انفتح عليه أبواب الكرامات وهبت رياح السعادات فربما ظن أنه مما يخادع به الأطفال فلا يدري هل هو من كرامة الاجتباء أو من وخامة الابتلاء، فكان النبي من خصوصية ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ يرتع في هذه الرياض وباختصاص ﴿ يوحي إلي ﴾ يسقى بكساسات المناولات من تلك الحياض.
فشك عند سكره أنها من شهود التلوين أو من كشوف التمكين، فأدركته العناية الأزلية فأكرم بخطاب ﴿ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن ﴾ بل كان هذا النهي نهي التكوين فما كان ممترياً ولهذا قال: والله لا أشك ولا أسأل.
﴿ إلا مثل أيام الذين خلوا ﴾ من أنه كل ميسر لما خلق له ﴿ قل فانتظروا ﴾ ظهور ما قدر لكم ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ بالفناء عن النفس وصفاتها حنيفاً طاهراً عن لوث الالتفات إلى ما سواه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ تأويله - والله أعلم - أي: انظروا إلى آثار نعمه وإحسانه التي في السماوات والأرض [لكي تشكروه أو يقول: انظروا إلى آثار ربوبيته وألوهيته في السماوات والأرض] فتوحدوه وتؤمنوا به أو يقول: انظروا إلى آثار سلطانه وقدرته فتخافوا نقمته وعقابه، أو انظروا إلى أجناس الخلق واتساقه على تقدير واحد ليدلكم على وحدانيته ونحو ذلك، ليس شيء في السماوات والأرض يقع عليه البصر إلا وفيه دلالة الربوبية حتى طرفة العين ولحظة البصر.
وقوله: ﴿ وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ ﴾ \[يحتمل وجوهاً: يحتمل وما تغني الآيات والنذر عن قوم\] همتهم المكابرة والمعاندة، إنما تغني الآيات من همته القبول والانقياد، وأما من همته المكابرة والعناد فلا تغني؛ وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ...
﴾ الآية [الأنعام: 111].
ويحتمل وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون في الدنيا، إنما تنفع وتغني لقوم يؤمنون، فأما من لا يؤمن فلا تغني.
والثالث: ﴿ وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ ﴾ يحتمل الرسل، ويحتمل المواعيد التي أوعدوا والأحوال التي تغيرت على أوائلهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي: فهل ينتظرون بي يوماً من الهلاك إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟!
أي: إلا مثل ما انتظر الذين خلوا من قبلهم برسلهم من الهلاك، فهو يخرج على التوبيخ لانتظارهم هلاك الرسل وذهاب أمرهم.
ويحتمل وجهاً آخر: فهل ينتظرون من نزول العذاب بهم إلا مثل ما انتظر أولئك من نزول العذاب بهم؟!
إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.
ويحتمل قوله: فهل ينتظرون من تأخيرهم الإيمان إلى وقت نزول العذاب بهم [إلا مثل ما أخر الذين خلوا من قبلهم الإيمان إلى وقت نزول العذاب بهم]، فهذا يخرج على الإياس من إيمانهم، أي لا يؤمنون إلى ذلك الوقت الذي لا ينفعهم إيمانهم.
والوجه الأول على التوبيخ والتعيير.
وقوله: ﴿ قُلْ فَٱنْتَظِرُوۤاْ ﴾ بي ذلك ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ ﴾ ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
قوله: ﴿ نُنَجِّي ﴾ أي: أنجينا الرسل والذين آمنوا؛ لأنه لم يكن بعده رسول، وتأويله - والله أعلم - أنه وعده أن ينجي الرسل والذين آمنوا كذلك حقا علينا أن ينجز ما وعدنا أن ينجي الرسل والذين آمنوا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم نُنْزل بهم العقاب، ونُنَجِّي رسلنا، ونُنَجِّي الذين آمنوا معهم، فلا يصيبهم ما أصاب قومهم، كما أنجينا أولئك الرسل والمؤمنين معهم ننخي رسول الله والمؤمنين معه إنجاءً حقًّا ثابتًا علينا.
<div class="verse-tafsir" id="91.WM1Kl"