الآية ٤٩ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٤٩ من سورة يوسف

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ٤٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٩ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٩ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال : ( يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ) ثم بشرهم بعد الجدب في العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك ( عام فيه يغاث الناس ) أي : يأتيهم الغيث ، وهو المطر ، وتغل البلاد ، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم ، من زيت ونحوه ، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم : يدخل فيه حلب اللبن أيضا .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ( وفيه يعصرون ) يحلبون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من يوسف عليه السلام للقوم عما لم يكن في رؤيا ملكهم ، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله دلالةً على نبوته وحجة على صدقة، كما:- 19377- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال: ثم زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها ، فقال: (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون).

* * * ويعني بقوله: (فيه يغاث الناس)، بالمطر والغيث .

* * * وبنحو ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 19378 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس)، قال: فيه يغاثون بالمطر.

19379 - حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن جويبر ، عن الضحاك: (فيه يغاث الناس)، قال: بالمطر.

19380 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ،قال ابن عباس: (ثم يأتي من بعد ذلك عام)، قال: أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه ، وكان الله قد علمه إياه، ( عام فيه يغاث الناس) ، بالمطر.

19381 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (فيه يغاث الناس)، بالمطر.

* * * وأما قوله: (وفيه يعصرون)، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: وفيه يعصرون العنب والسمسم وما أشبه ذلك .

*ذكر من قال ذلك: 19382 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس: (وفيه يعصرون) ، قال: الأعناب والدُّهْن.

19383- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ،قال ابن عباس: (وفيه يعصرون)، السمسم دهنًا ، والعنب خمرًا ، والزيتون زيتًا.

19384- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: (عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)، يقول: يصيبهم غيث ، فيعصرون فيه العنب ، ويعصرون فيه الزيت ، ويعصرون من كل الثمرات.

19385 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن &; 16-130 &; ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (وفيه يعصرون)، قال: يعصرون أعنابهم.

19386 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي: (وفيه يعصرون)، قال: العنب.

19387 - حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن جويبر ، عن الضحاك: (وفيه يعصرون)، قال: الزيت.

19388 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة: " وفيه يعصرون " قال: كانوا يعصرون الأعناب والثمرات.

19389- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (وفيه يعصرون)، قال: يعصرون الأعناب والزيتون والثمار من الخصب.

هذا علم آتاه الله يوسف لم يُسْأل عنه.

* * * وقال آخرون: معنى قوله: (وفيه يعصرون)، وفيه يَحْلِبون.

*ذكر من قال ذلك: 19390 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني فضالة ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس: (وفيه يعصرون)، قال: فيه يحلبون.

19391 - حدثني المثنى قال ،أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال ، حدثنا الفرج بن فضالة ، عن علي بن أبي طلحة قال: كان ابن عباس يقرأ: " وَفِيهِ تَعْصرُونَ" بالتاء ، يعني: تحتلبون.

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعض قرأة أهل المدينة والبصرة والكوفة: (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) ، بالياء ، بمعنى ما وصفت، من قول من قال: عصر الأعناب والأدهان .

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: " وَفِيهِ تَعْصِرُونَ"، بالتاء .

وقرأ بعضهم: " وَفِيهِ يُعْصَرُونَ"، بمعنى: يمطرون.

وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، لخلافها ما عليه قرأة الأمصار .

* * * قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك أن لقارئه الخيارَ في قراءته بأي القراءتين الأخريين شاء ، إن شاء بالياء، ردًّا على الخبر به عن " الناس " ، على معنى: فيه يُغاث الناس وفيه يَعْصرون أعنابهم وأدهانهم ، وإن شاء بالتاء، ردًّا على قوله: (إلا قليلا مما تحصنون)، وخطابًا به لمن خاطبه بقوله: يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ ، لأنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار باتفاق المعنى ، وإن اختلفت الألفاظ بهما .

وذلك أن المخاطبين بذلك كان لا شك أنهم إذا أغيثوا وعَصَروا، أغيث الناس الذين كانوا بناحيتهم وعصروا.

وكذلك كانوا إذا أغيث الناس بناحيتهم وعصروا ، أغيث المخاطبون وعَصَروا ، فهما متفقتا المعنى ، وإن اختلفت الألفاظ بقراءة ذلك .

* * * وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مَذهب كلام العرب، (14) يوجه معنى قوله: (وفيه يعصرون) إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث ، ويزعم أنه من " العَصَر " و " العُصْرَة " التي بمعنى المنجاة ، (15) من قول أبي زبيد الطائي: صَادِيًــا يَسْــتَغِيثُ غَــيْرَ مُغَـاثٍ وَلَقَــدْ كَــانَ عُصْــرَةَ المَنْجُـودِ (16) أي المقهور.

ومن قول لبيد: فَبَـاتَ وَأَسْـرَى الْقَـوْمُ آخِـرَ لَيْلِهِـمْ وَمَــا كَـانَ وقافًـا بِغَـيْرِ مُعَصَّـرِ (17) وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين .

* * * وأما القول الذي رَوَى الفرج بن فضالة، عن علي بن أبي طلحة ، (18) فقولٌ لا معنى له ، لأنه خلاف المعروف من كلام العرب، وخلاف ما يعرف من قول ابن عباس.

---------------------- الهوامش: (14) يعني أبا عبيدة معمر بن المثنى ، فهو قائل ذلك في كتابه مجاز القرآن 1 : 313 ، 314 .

(15) في المطبوعة والمخطوطة (من العصر والعصر) التي بمعنى المناجاة، والصواب من مجاز القرآن لأبي عبيدة .

(16) أمالي اليزيدي : 8 ، وجمهرة أشعار العرب : 138 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 313 واللسان ( نجد ) و ( عصر ) ، وغيرها ، من قصيدة رثى بها أخاه اللجلاج ، وكان مات عطشًا في طريق مكة .

يقول قبله ، وهو من جيد الشعر : كُــلَّ مَيْـتٍ قَـدِ اغْتَفَرَتُ فَـلاَ أَجْـ ـزَعُ مِــنْ وَالِـــدٍ وَلاَ مَوْلُــودِ غَــيْرَ أَنَّ اللّجْــلاجَ هَـدَّ جَنَـاحِي يَــوْمَ فَارَقْتُــهُ بِــأَعْلَى الصَّعِيـدِ فِــي ضَـرِيحٍ عَلَيْـهِ عِـبْءٌ ثَقِيـلٌ مِــنْ تُــرَابٍ وَجَــنْدَلٍ مَنْضـودِ عَـنْ يَمِيـنِ الطَّـرِيقِ عِنْـدَ صَدٍ حَرَّ انَ يَدْعُــو بــاللَّيْلِ غَــيْرَ مَعُـودِ و" المنجود" المكروب ، والمقهور ، والهالك ، كله جيد .

(17) ديوانه ، القصيدة 14 ، بيت رقم : 12 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 295 ، 314 ، واللسان ( عصر ) ، و غيرها ، من قصيدة ذكر فيها من هلك من قومه ، وهذا البيت من ذكر قيس بن جزء ابن خالد بن جعفر ، وكان خرج غازيًا فظفر ، فلما رجع مات فجأه على ظهر فرسه ، بات على فرسه ربيئة لأصحابه ، وعليه الدرع ، فهرأه البرد فقتله .

ففي ذلك يقول لبيد : وقيسُ بـن جَـزْءٍ يَـوْمَ نَادَى صِحَابَهُ فَعَـاجُوا عَلَيْـهِ مِـنْ سَـوَاهِمَ ضمَّـرِ طَوَتْـهُ المَنَايَـا فَـوْقَ جَـرْدَاءَ شَطْبَةٍ تَــدِفُّ دَفِيــفَ الطَّـائحِ المُتَمَطِّـرِ فَبَــــات ........................

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

يقول : نادى صحابه ، فعطفوا عليه خيلا قد لوحها السفر وهزلها ، وقد أخذته يد الموت وهو على ظهر فرسه الجرداء الطويلة ،" تدف" ، أي تطير طيرانًا كما يفعل الطائر وهو قريب من وجه الأرض ، و" الرائح المتمطر" ، وهو الطائر الذي يؤوب إلى فراخه ، طائرًا في المطر ، هاربًا منه ، فذلك أسرع له .

يقول : فبات عليها هلكًا ، وسار أصحابه ، ولم يتأخر عنهم إلا لأمر أصابه .

ورواية الديوان :" بدار معصر" ، وذكر الرواية الأخرى .

(18) انظر رقم : 19391 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون قوله تعالى : ثم يأتي من بعد ذلك عام هذا خبر من يوسف - عليه السلام - عما لم يكن في رؤيا الملك ، ولكنه من علم الغيب الذي أتاه الله .

قال قتادة : زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها إظهارا لفضله ، وإعلاما لمكانه من العلم وبمعرفته .فيه يغاث الناس من الإغاثة أو الغوث ; غوث الرجل قال واغوثاه ، والاسم الغوث والغواث والغواث ، واستغاثني فلان فأغثته ، والاسم الغياث ; صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها .

والغيث المطر ; وقد غاث الغيث الأرض أي أصابها ; وغاث الله البلاد يغيثها غيثا ، وغيثت الأرض تغاث غيثا ، فهي أرض مغيثة ومغيوثة ; فمعنى " يغاث الناس " يمطرون ." وفيه يعصرون " قال ابن عباس : يعصرون الأعناب والدهن ; ذكره البخاري .

وروى حجاج عن ابن جريج قال : يعصرون العنب خمرا والسمسم دهنا ، والزيتون زيتا .

وقيل : أراد حلب الألبان لكثرتها ; ويدل ذلك على كثرة النبات .

وقيل : " يعصرون " أي ينجون ; وهو من العصرة ، وهي المنجاة .

قال أبو عبيدة والعصر بالتحريك الملجأ والمنجاة ، وكذلك العصرة ; قال أبو زبيد :صاديا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصرة المنجودوالمنجود الفزع .

واعتصرت بفلان وتعصرت أي التجأت إليه .

قال أبو الغوث : يعصرون يستغلون ; وهو من عصر العنب .

واعتصرت ماله أي استخرجته من يده .

وقرأ عيسى " تعصرون " بضم التاء وفتح الصاد ، ومعناه : تمطرون ; من قول الله : وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا وكذلك معنى " تعصرون " بضم التاء وكسر الصاد ، فيمن قرأه كذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } أي: بعد السبع الشداد { عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } أي: فيه تكثر الأمطار والسيول، وتكثر الغلات، وتزيد على أقواتهم، حتى إنهم يعصرون العنب ونحوه زيادة على أكلهم، ولعل استدلاله على وجود هذا العام الخصب، مع أنه غير مصرح به في رؤيا الملك، لأنه فهم من التقدير بالسبع الشداد، أن العام الذي يليها يزول به شدتها،.ومن المعلوم أنه لا يزول الجدب المستمر سبع سنين متواليات، إلا بعام مخصب جدا، وإلا لما كان للتقدير فائدة، فلما رجع الرسول إلى الملك والناس، وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤيا، عجبوا من ذلك، وفرحوا بها أشد الفرح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ) أي : يمطرون ، من الغيث : وهو المطر .

وقيل : ينقذون ، من قول العرب استغثت فلانا فأغاثني ( وفيه يعصرون ) قرأ حمزة والكسائي : " تعصرون " بالتاء ، لأن الكلام كله على الخطاب ، وقرأ الآخرون بالياء ردا إلى الناس ، ومعناه : يعصرون العنب خمرا ، والزيتون زيتا ، والسمسم دهنا .

وأراد به كثرة النعيم والخير .

وقال أبو عبيدة : يعصرون أي ينجون من الكروب والجدب ، والعصر والعصرة : المنجاة والملجأ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم يأتي من بعد ذلك» أي السبع المجدبات «عام فيه يغاث الناس» بالمطر «وفيه يعصرون» الأعناب وغيرها لخصبه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم يأتي من بعد هذه السنين المجدبة عام يغاث فيه الناس بالمطر، فيرفع الله تعالى عنهم الشدة، ويعصرون فيه الثمار من كثرة الخِصْب والنماء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) تبشير لهم بأن الخير سيأتيهم ، بعد تلك السنوات الشداد ، فقد جرت سنة الله - تعالى - أن يعقب العسر باليسر .ولفظ ( يغاث ) من الغوث بمعنى إزالة الهم والكرب عن طريق الأمطار التى يسوقها الله - تعالى - لهم بعد تلك السنوات الشداد التى قل فيها المطر .يقال : غاث الله - تعالى - البلاد غيثا ، إذا ساق لها المطر بعد أن يئسوا من نزوله ، ويعصرون من العصر وهو الضغط على ما من شأنه أن يعصر ، لإِخراج ما فيه من مائع سواء كان هذا المائع زيتاً أم ماء أم غيرهما .أى : ثم يأتى من بعد تلك السنين السبع الشداد ، عام فيه تزول الهموم والكروب ونقص الأموال عن الناس ، بسبب إرسال الله - تعالى - المطر عليهم ، فتخضر الأرض وتنبتمن كل زوج بهيج ، وفيه يعصرون من ثمار مزروعاتهم ما من شأنه أن يعصر كالزيتون وما يشبهه .وهذا كناية عن بدء حلول الرخاء بهم ، بعد تلك السنوات الشداد ، وما قاله يوسف - عليه السلام - عن هذا العام الذى يأتى فى أعقاب السنوات السبع الشداد ، لا مقابل له فى رؤيا الملك ، بل هو خارج عنها ، وذلك لزيادة التبشير لملك والناس ، ولإِفهامهم أن هذا العلم إنما بوحى من الله - تعالى - الذى يجب أن يخلص له الجميع العبادة والطاعة .وإلى هنا نرى أن يوسف - عليه السلام - قد فسر رؤيا الملك تفسيرا سليما حكيما ، من نتائجه الخير للملك وقومه .

.

.فماذا فعل الملك مع يوسف - عليه السلام - بعد ذلك؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه عليه السلام ذكر تعبير تلك الرؤيا فقال: ﴿ تَزْرَعُونَ ﴾ وهو خبر بمعنى الأمر، كقوله: ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ  ﴾ ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ  ﴾ وإنما يخرج الخبر بمعنى الأمر، ويخرج الأمر في صورة الخير للمبالغة في الإيجاب، فيجعل كأنه وجد فهو يخبر عنه والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ وقوله: ﴿ دَأَبًا ﴾ قال أهل اللغة: الدأب استمرار الشيء على حالة واحدة وهو دائب بفعل كذا إذا استمر في فعله، وقد دأب يدأب دأباً ودأباً أي زراعة متوالية في هذه السنين.

قال أبو علي الفارسي: الأكثرون في دأب الإسكان ولعل الفتحة لغة، فيكون كشمع وشمع، ونهر ونهر.

قال الزجاج: وانتصب دأباً على معنى تدأبون دأباً.

وقيل: إنه مصدر وضع في موضع الحال، وتقديره تزرعون دائبين فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون كل ما أردتم أكله فدوسوه ودعوا الباقي في سنبله حتى لا يفسد ولا يقع السوس فيه، لأن إبقاء الحبة في سنبله يوجب بقاءها على الصلاح ﴿ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾ أي سبع سنين مجدبات، والشداد الصعاب التي تشتد على الناس، وقوله: ﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ هذا مجاز، فإن السنة لا تأكل فيجعل أكل أهل تلك السنين مسنداً إلى السنين.

وقوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ الإحصان الإحراز، وهو إلقاء الشيء في الحصن يقال أحصنه إحصاناً إذا جعله في حرز، والمراد إلا قليلاً مما تحرزون أي تدخرون وكلها ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما، وقوله: ﴿ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس ﴾ قال المفسرون السبعة المتقدمة سنو الخصب وكثرة النعم والسبعة الثانية سنو القحط والقلة وهي معلومة من الرؤيا، وأما حال هذه السنة فما حصل في ذلك المنام شيء يدل عليه بل حصل ذلك من الوحي فكأنه عليه السلام ذكر أنه يحصل بعد السبعة المخصبة والسبعة المجدبة سنة مباركة كثيرة الخير والنعم، وعن قتادة زاده الله علم سنة.

فإن قيل: لما كانت العجاف سبعاً دل ذلك على أن السنين المجدبة لا تزيد على هذا العدد، ومن المعلوم أن الحاصل بعد انقضاء القحط هو الخصب وكان هذا أيضاً من مدلولات المنام، فلم قلتم إنه حصل بالوحي والإلهام؟

قلنا: هب أن تبدل القحط بالخصب معلوم من المنام، أما تفصيل الحال فيه، وهو قوله: ﴿ فِيهِ يُغَاثُ الناس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ لا يعلم إلا بالوحي، قال ابن السكيت يقال: غاث الله البلاد يغيثها غيثاً إذا أنزل فيها الغيث وقد غيثت الأرض تغاث، وقوله: ﴿ يُغَاثُ الناس ﴾ معناه يمطرون، ويجوز أن يكون من قولهم: أغاثه الله إذا أنقذه من كرب أو غم، ومعناه ينقذ الناس فيه من كرب الجدب، وقوله: ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ أي يعصرون السمسم دهناً والعنب خمراً والزيتون زيتاً، وهذا يدل على ذهاب الجدب وحصول الخصب والخير، وقيل: يحلبون الضروع، وقرئ ﴿ يَعْصِرُونَ ﴾ من عصره إذا نجاه، وقيل: معناه يمطرون من أعصرت السحابة إذا عصرت بالمطر، ومنه قوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَاء ثَجَّاجاً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تَزْرَعُونَ ﴾ خبر في معنى الأمر، كقوله: ﴿ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وتجاهدون ﴾ [الصف: 11] وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب إيجاد المأمور به، فيجعل كأنه يوجد، فهو يخبر عنه.

والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ .

﴿ دَأَبًا ﴾ بسكون الهمزة وتحريكها، وهما مصدرا: دأب في العمل، وهو حال من المأمورين، أي دائبين: إمّا على تدأبون دأباً، وإمّا على إيقاع المصدر حالاً، بمعنى: ذوي دأب ﴿ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ لئلا يتسوس.

و ﴿ يَأْكُلْنَ ﴾ من الإسناد المجازي: جعل أكل أهلهنّ مسنداً إليهنّ ﴿ تحصنون ﴾ تحرزون وتخبؤن ﴿ فِيهِ يُغَاثُ الناس ﴾ من الغوث أو من الغيث.

يقال: غيثت البلاد، إذا مطرت.

ومنه قول الأعرابية: غثنا ماشئنا.

﴿ يَعْصِرُونَ ﴾ بالياء والتاء: يعصرون العنب والزيتون والسمسم.

وقيل: يحلبون الضروع.

وقرئ: ﴿ يعصرون ﴾ ، على البناء للمفعول، من عصره إذا أنجاه، وهو مطابق للإغاثة ويجوز أن يكون المبني للفاعل بمعنى ينجون، كأنه قيل: فيه يغاث الناس وفيه يغيثون أنفسهم، أي يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضاً وقيل ﴿ يَعْصِرُونَ ﴾ يمطرون، من أعصرت السحابة.

وفيه وجهان: إمّا أن يضمن أعصرت معنى مطرت، فيعدّى تعديته.

وإمّا أن يقال: الأصل أعصرت عليهم فحذف الجار وأوصل الفعل.

تأوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأنّ العام الثامن يجيء مباركاً خصيباً كثير الخير غزير النعم، وذلك من جهة الوحي.

وعن قتادة: زاده الله علم سنة.

فإن قلت: معلوم أنّ السنين المجدبة إذا انتهت كان انتهاؤها بالخصب، وإلا لم توصف بالانتهاء، فلم قلت إنّ علم ذلك من جهة الوحي؟

قلت: ذلك معلوم علماً مطلقاً لا مفصلاً.

وقوله ﴿ فِيهِ يُغَاثُ الناس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ تفصيل لحال العام، وذلك لا يعلم إلا بالوحي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا ﴾ أيْ عَلى عادَتِكُمُ المُسْتَمِرَّةِ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِمَعْنى دائِبِينَ، أوِ المَصْدَرِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أيْ تَدْأبُونَ دَأبًا وتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا.

وقَرَأ حَفْصٌ (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكِلاهُما مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ.

وقِيلَ تَزْرَعُونَ أمْرٌ أخْرَجَهُ في صُورَةِ الخَبَرِ مُبالَغَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ ﴾ لِئَلّا يَأْكُلَهُ السُّوسُ، وهو عَلى الأوَّلِ نَصِيحَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العِبارَةِ.

﴿ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ ﴾ في تِلْكَ السِّنِينَ.

﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ أيْ يَأْكُلُ أهْلَهُنَّ ما ادَّخَرْتُمْ لِأجْلِهِنَّ فَأُسْنِدَ إلَيْهِنَّ عَلى المَجازِ تَطْبِيقًا بَيْنَ المُعَبِّرِ والمُعَبَّرِ بِهِ.

﴿ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ ﴾ تُحْرِزُونَ لِبُذُورِ الزِّراعَةِ.

﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ ﴾ يُمْطَرُونَ مِنَ الغَيْثِ أوْ يُغاثُونَ مِنَ القَحْطِ مِنَ الغَوْثِ.

﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ ما يُعْصَرُ كالعِنَبِ والزَّيْتُونِ لِكَثْرَةِ الثِّمارِ.

وقِيلَ يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ المُسْتَفْتِي، وقُرِئَ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ مِن عَصَرَهُ إذا أنْجاهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَبْنِيُّ لِلْفاعِلِ مِنهُ أيْ يُغِيثُهُمُ اللَّهُ ويُغِيثُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ عَلَيْهِمْ فَعُدِّيَ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَطَرِ.

وَهَذِهِ بِشارَةٌ بَشَّرَهم بِها بَعْدَ أنْ أوَّلَ البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، وابْتِلاعَ العِجافِ السِّمانَ بِأكْلِ ما جُمِعَ في السِّنِينَ المُخْصِبَةِ في السِّنِينَ المُجْدِبَةِ، ولَعَلَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ أوْ بِأنَّ انْتِهاءَ الجَدْبِ بِالخِصْبِ، أوْ بِأنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ عَلى أنْ يُوَسِّعَ عَلى عِبادِهِ بَعْدَ ما ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ} أي من بعد أربع عشرة سنة عام {فِيهِ يُغَاثُ الناس} من الغوث أي يجاب مستغيثهم أو من الغيث أى يمطرون يقال غثيت البلاد إذا مطرت {وفيه يعصرون} العنب الزيتون والسمسم فيتخذون الأشربة والأدهان تعصرون حمزة فأول البقرات السمان

والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركا كثيرا لخير غزير النعم وذلك من جهة الوحي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أيِ السِّنِينَ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ مِنَ الشِّدَّةِ وأكْلِ المُدَّخَرِ مِنَ الحُبُوبِ ﴿ عامٌ ﴾ هو كالسَّنَةِ لَكِنَّ كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ فِيما فِيهِ الرَّخاءُ والخِصْبُ، والسُّنَّةُ فِيما فِيهِ الشِّدَّةُ والجَدْبُ ولِهَذا يُعَبَّرُ عَنِ الجَدْبِ بِالسَّنَةِ، وكَأنَّهُ تَحاشِيًا عَنْ ذَلِكَ وتَنْبِيهًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى اخْتِلافِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّوابِقِ عَبَّرَ بِهِ دُونَ السَّنَةِ ﴿ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ ﴾ أيْ يُصِيبُهم غَيْثٌ أيْ مَطَرٌ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ فَهو مِن غاثَ الثُّلاثِيِّ اليائِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: غُثْنا ماشِيَتَنا؛ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ أذى البَراغِيثُ إذا البَراغِيثُ، وقِيلَ: هو مِنَ الغَوْثِ أيِ الفَرَجِ، يُقالُ: أغاثَنا اللَّهُ تَعالى إذا أمَدَّنا بِرَفْعِ المَكارِهِ حِينَ أظَلَّتْنا فَهو رُباعِيٌّ واوِيٌّ ﴿ وفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ مِنَ العَصْرِ المَعْرُوفِ أيْ يَعْصِرُونَ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْصَرَ مِنَ العِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ ونَحْوِها مِنَ الفَواكِهِ لِكَثْرَتِها، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الغَيْثِ المُسْتَلْزِمِ لَهُ عادَةً كَما اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ تَصْرِيفِهِمْ في الحُبُوبِ: إمّا لِأنَّ اسْتِلْزامَ الغَيْثِ لَهُ لَيْسَ كاسْتِلْزامِهِ لِلْحُبُوبِ إذِ المَذْكُوراتُ يَتَوَقَّفُ صَلاحُها عَلى أُمُورٍ أُخْرى غَيْرِ المَطَرِ، وإمّا لِمُراعاةِ جانِبِ المُسْتَفْتِي بِاعْتِبارِ حالَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ بِشارَةً لَهُ، وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها حُسْنُ مُوقِعِ تَغْلِيبِهِ عَلى النّاسِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالفَوْقانِيَّةِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِيَحْلُبُونَ وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العَصْرِ المَعْرُوفِ لِأنَّ في الحَلْبِ عَصْرُ الضَّرْعِ لِيَخْرُجَ الدَّرُّ، وتَكْرِيرُ فِيهِ إمّا كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ ما يَقَعُ فِيهِ زَمانًا وعُنْوانًا، وإمّا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَعْدادِ مَنافِعِ ذَلِكَ العامِ، ولِأجْلِهِ قُدِّمَ في المَوْضِعَيْنِ عَلى العامِلِ فَإنَّ المَقامَ بَيانُ أنَّهُ يَقَعُ في ذَلِكَ العامِ هَذا وذاكَ لا بَيانَ أنَّهُما يَقَعانِ في ذَلِكَ العامِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْخِيرُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ عَلى مَعْنى أنَّ غَيْثَهم في تِلْكَ السِّنِينَ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى عامِهِمْ ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الأخِيرِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وفي الأوَّلِ لِرِعايَةِ حالِهِ.

وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأعْرَجُ وعِيسى البَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ عِيسى -تُعْصَرُونَ- بِالفَوْقانِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا مِن عَصَرَهُ اللَّهُ تَعالى إذا أنْجاهُ أيْ يُنْجِيهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ يُغاثُ النّاسُ ﴾ وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وغَيْرِهِ أخَذَ المَبْنِيَّ لِلْفاعِلِ مِنَ العَصْرِ بِمَعْنى النَّجاةِ أيْضًا، وفي البَحْرِ تَفْسِيرُ العَصْرِ والعُصْرَةِ بِالضَّمِّ بِالمَنجا، وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: مَعْناهُ عَصِيرُونَ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ عَلَيْهِمْ أيْ حانَ وقْتُ عَصْرِ الرِّياحِ لَها لِتُمْطِرَ، فَعَلى صِلَةِ الفِعْلِ كَما عَصَرْتُ اللَّيْمُونَ عَلى الطَّعامِ فَحُذِفَتْ وأُوصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، أوْ تَضَمَّنَ أعْصَرَتْ مَعْنى مَطَرَتْ فَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ، وفي الصِّحاحِ عَصَرَ القَوْمُ أيْ أُمْطِرُوا، ومِنهُ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ، وفِيهِ ﴿ يَعْصِرُونَ ﴾ وظاهِرُهُ أنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّضْمِينِ عَلَيْهِ، وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ (يُعْصِّرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ وتَشْدِيدِها مِن عَصَّرَ مُشَدَّدًا لِلتَّكْثِيرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (وفِيهِ تِعِصِّرُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ والعَيْنِ والصّادِ وتَشْدِيدِها، وأصْلُهُ -يَعْتَصِرُونَ- فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى العَيْنِ، وأتْبَعَ حَرَكَةَ التّاءِ لِحَرَكَةِ العَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنِ اعْتَصَرَ العِنَبُ ونَحْوَهُ أوْ مِنِ اعْتَصَرَ بِمَعْنى نَجا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرَقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي ثُمَّ إنَّ أحْكامَ هَذا العامِ المُبارَكِ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ عِلْمٌ آتاهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَهُ لَمْ يَكُنْ فِيما سُئِلَ عَنْهُ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَنَيا أنَّ ذَلِكَ بِالوَحْيِ وهو الظّاهِرُ، ولَقَدْ أتى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِ في آخِرِ فَتْواهُ عَلى عَكْسِ ما فَعَلَ أوَّلًا عِنْدَ الجَوابِ عَنْ رُؤْيا صاحِبَيْهِ حَيْثُ أتى بِذَلِكَ في أوَّلِها ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ البِشارَةَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ تَكُنْ عَنْ وحْيٍ بَلْ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّ انْتِهاءَ الجَدْبِ الخِصْبُ، أوْ لِأنَّ السُّنَّةَ الآلِهِيَّةَ عَلى أنْ يُوَسِّعَ عَلى عِبادِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ ما ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأجْمَلَ في البِشارَةِ، وإنَّ حَصْرَ الجَدْبِ يَقْتَضِي تَغْيِيرَهُ بِخِصْبِ ما لا عَلى ما ذَكَرَهُ خُصُوصًا عَلى ما تَقْتَضِيهِ بَعْضُ القِراآتِ مِن إغاثَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَإنَّها لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ أفْتاهم وأرْشَدَهم وبَشَّرَهم كانَ يَتَوَقَّعُ وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَصْنَعُ لِرَجُلٍ طَعامَ اثْنَيْنِ فَيُقَرِّبُهُ إلى الرَّجُلِ فَيَأْكُلُ نِصْفَهُ ويَدَعُ نِصْفَهُ حَتّى إذا كانَ يَوْمٌ قَرَّبَهُ لَهُ فَأكَلَهُ كُلَّهُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا أوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الشِّدادِ، واسْتَدَلَّ البَلْخِيُّ بِتَأْوِيلِهِ لِذَلِكَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الرُّؤْيا عَلى ما عُبِّرَتْ أوَّلًا فَإنَّهم كانُوا قَدْ قالُوا: ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) فَلَوْ كانَ ما قالُوهُ مُؤَثِّرًا شَيْئًا لَأعْرَضَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ تَأْوِيلِها وفِيهِ بَحْثٌ، فَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي رَزِينٍ الرُّؤْيا عَلى جَناحِ طائِرٍ ما لَمْ تُعَبَّرْ فَإذا عُبِّرَتْ وقَعَتْ، ولا تَقُصُّها إلّا عَلى وادٍّ وذِي رَأْيٍ، ولَعَلَّهُ إذا صَحَّ هَذا يَلْتَزِمُ القَوْلُ بِأنَّ الحُكْمَ عَلى الرُّؤْيا بِأنَّها ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) وأنَّها لا ذَيْلَ لَها لَيْسَ مِنَ التَّعْبِيرِ في شَيْءٍ، وإلّا فالجَمْعُ بَيْنَ ما هُنا وبَيْنَ الخَبَرِ مُشْكِلٌ.

وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِما يَحْتَمِلُ مِنَ الرُّؤْيا وُجُوهًا فَيَعْبُرُ بِأحَدِها فَيَقَعُ عَلَيْهِ، واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ أيْضًا عَلى صِحَّةِ رُؤْيا الكافِرِ وهو ظاهِرٌ، وقَدْ ذَكَرُوا لِلِاسْتِفْتاءِ عَنِ الرُّؤْيا آدابًا: مِنها أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ عِنْدَ غُرُوبِها أوْ في اللَّيْلِ، وقالُوا: إنَّ تَعْبِيرَها مَنامًا هو تَعْبِيرُها في نَفْسِ الأمْرِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَعْبِيرٍ بَعْدُ، وأكْثَرُوا القَوْلَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِها، وأكْثَرُ ما قِيلَ مِمّا لا يَظْهَرُ لِي سِرُّهُ ولا أدْرِي بَعْضَ ذَلِكَ إلّا كَأضْغاثِ أحْلامٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وهو الساقي وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ يعني: تذكر بعد حين، أي بعد سبع سنين.

وقال الزجاج: أصل ادَّكَرَ إدتكر.

ولكن التاء أبدلت بالدال وأدغم الدال في الدال.

وقال القتبي: الأمة الصنف من الناس والجماعة كقوله تعالى: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: 38] ثم تستعمل الأمة في الأشياء المختلفة.

يقال للإمام: أمة كقوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل: 120] لأنه سبب للاجتماع.

ويسمى الدين أمة كقوله: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف: 22] أي: على دين، لأن القوم يجتمعون على دين واحد، فيقام ذلك اللفظ مقامه.

ويسمى الحين أمة كقوله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ وكقوله: إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [هود: 8] وإنما سمي الحين أيضا أمة، لأن الأمة من الناس ينقرضون في حين، فيقام الأمة مقام الحين.

وقرأ بعضهم وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ يعني: بعُدَ نسيانٍ يقال: أمَهْتُ أي: نسيت.

وقال الفراء: يقال رجل مأموه، كأنه ليس معه عقل.

فلما تذكر الساقي حال يوسف، جاء وجثا بين يدي الملك، وقال: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ يعني: بتأويل ما رأيت من الرؤيا.

وروي عن الحسن: أنه كان يقرأ: أنا آتيكم بِتَأْوِيلِهِ، وقراءة العامة أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فقال: وما يدريك يا غلام، ولست بمعبّر ولا كاهن؟

فقصَّ عليه أمره الذي كان وقت كونه في السجن برؤيته الرؤيا، وتعبير يوسف لها، وصدق تعبيره على نحو ما وصفه له، وأخبره بحال يوسف وحكمته وعلمه وفهمه، قال: فَأَرْسِلُونِ يعني: أرسلني أيها الملك إلى يُوسُفُ خاطبه بلفظ الجماعة، كما يخاطب الملوك.

فأرسله الملك، فلما جاء إلى يوسف في السجن، فدخل عليه، واعتذر إليه بما أنساه الشيطان ذكر ربه، وقال: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ يعني: يا يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق، والصِّدِّيقُ الكثير الصدق: يعني: أيها الصادق فيما عبرت لنا أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ أي يبتلعهنّ سَبْعٌ عِجافٌ هزلى وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ يعني: إلى أهل مصر لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَدْرك ومنزلتك.

ويقال: أَرْجِعُ إِلَى الناس، يعني: إلى الملك لكي يعلم مكانك، فيكون ذلك سبباً لخلاصك إذا علم تعبير رؤياه.

فعبر يوسف رؤياه وهو في الحبس، فقال: أما السبع البقرات السمان فهي سبع سنين خصب، أما السبع العجاف فهي سبع سنين شدة وقحط، ولا يكون في أرض مصر البر.

وأما السبع السنبلات الخضر فهي الخصب، واليابسات هي القحط.

قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً يعني: ازرعوا سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً يعني: دائماً فَما حَصَدْتُمْ من الزرع فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ يعني: في كعبرته.

فهو أبقى لكم لكي لا يأكله السوس إذا كانت في الكعبرة، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ يعني: تدرسون بقدر ما تحتاجون إليه، فتأكلون.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الخصب سَبْعٌ شِدادٌ يعني: القحط سنين مجدبات يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ يعني: ما وراء السبع السنين.

ويقال: مَا قَدَّمْتُمْ يعني: ما جمعتم لهنّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ يعني: تدّخرون، وتخزنون.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ القحط عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ يعني: يمطر الناس، والغيث: المطر.

ويقال: هو من الإغاثة يعني: يغاثون بسعة الرزق وَفِيهِ يَعْصِرُونَ يعني: ينجون من الشدة، ويقال: يعصرون العنب والزيتون.

قرأ حمزة والكسائي: تَعْصِرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة.

يعني: الناس.

وقرأ بعضهم يَعْصِرُونَ بضم الياء، ونصب الصاد، يعني: يمطرون من قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَآءً ثَجَّاجاً [النبأ: 14] فرجع الساقي إلى الملك وأخبره بذلك.

قال تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ قال بعضهم: كان الملك رأى الرؤيا ونسيها، فأتاه يوسف فأخبره بما رأى، وأخبره بتفسيره.

ولكن في ظاهر الآية، دليل أن الملك كان ذاكراً لرؤياه، وأن يوسف عبّر رؤياه وهو في السجن، قبل أن ينتهي إلى الملك وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ يعني: بيوسف فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ برسالة الملك: أنَّ الملك يدعوك قالَ يوسف للرسول ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ يعني: إلى سيدك وهو الملك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ يعني: سله حتى يتبيّن له أني مظلوم في حبسي، أو ظالم إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ يعني: إن سيدي وخالقي عالم بما كان منهن.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدّثنا إبراهيم الدبيلي.

- قال: حدّثنا أبو عبيد الله، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: قال رسول الله  : (١) (٢) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الحسن بْنُ أَبي الحسن «١» : «أَنَا آتِيكُمْ» ، وكذلك في مُصْحَف أُبيٍّ.

وقوله: فَأَرْسِلُونِ: استئذان في المضيّ.

وقوله: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا: المعنى: فجاء الرسُولُ، وهو الساقِي، إِلى يوسُفَ، فقال له: يوسُفُ أيها الصديق، وسمَّاه صِدِّيقاً من حيث كانَ جَرَّب صَدقه في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهو بناء مبالغة مِنَ الصِّدْق، ثم قال له: أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ، أي: فيمَنْ رأَى في المنامِ سَبْعَ بقراتٍ.

وقوله: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، أي: تأويل هذه الرؤيا، فيزولَ هَمُّ المَلِكِ لذلك، وهَمُّ الناس، وقيل: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ مكانَتَك من العلْمِ، وكُنُهَ فضلك فيكونَ ذلك سببا لتخلّصك ودَأَباً: معناه: ملازمةً لعادَتِكم في الزِّراعة.

وقوله: فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ: إِشارة برَأْي نافعٍ بحسب طعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِهَا التي لا تبقَى عامين بوجْهٍ إِلا بحيلةِ إِبقائها في السُّنْبُلِ، والمعنَى: اتركوا الزرْعَ في السُّنبُلِ إِلا ما لا غِنَى عنه للأكْلِ فيجتمع الطَّعام هكذا، ويتركَّب ويؤكَل الأَقْدَمُ فالأقدم، وروي أنَّ يوسُفَ عليه السلام لَمَّا خَرَجَ وَوَصَفَ هذا الترتيبَ للمَلِكِ، وأعجبه أمره، قال له المَلِكُ: قَدْ أسْنَدتُّ إِليك تولِّيَ هذا الأمْرِ في الأطْعِمَةِ هذه السنينَ المُقْبِلَة، فكان هذا أوَّلَ ما ولي يوسف، وتُحْصِنُونَ معناه: تحرزون وتحزنون قاله ابن عباس «٢» ، وهو مأخوذٌ من الحِصْنِ، وهو الحِرْز والمَلْجَأُ ومنه: تحصُّن النساءِ لأنه بمعنى التحرُّز.

وقوله: يُغاثُ النَّاسُ: جائز أنْ يكون من الغَيث، وهو قول ابن عبَّاس «٣» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ ﴾ إنْ قِيلَ: لِمَ أشارَ إلى السِّنِينَ وهي مُؤَنَّثَةٌ بِـ " ذَلِكَ " ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ القاسِمِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّبْعَ مُؤَنَّثَةٌ، ولا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِها، فَأشْبَهَتِ المُذَكَّرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ  ﴾ فَذَكَّرَ مُنْفَطِرًا لَمّا لَمْ يَكُنْ في السَّماءِ عَلَمُ التَّأْنِيثِ، قالَ الشّاعِرُ: فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضٌ أبَقَلَ إبْقالَها فَذَكَّرَ " أبَقَلَ " لِما وصَفْنا.

والثّانِي: أنَّ " ذَلِكَ " إشارَةٌ إلى الجَدْبِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، والأوَّلُ قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

قالَ قَتادَةُ: زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ عامٍ لَمْ يَسْألُوهُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُصِيبُهُمُ الغَيْثُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُغاثُونَ بِالخِصْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " يَعْصِرُونَ " بِالياءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتّاءِ، فَوَجَّها الخِطابَ إلى المُسْتَفْتِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ: " يَعْصِرُونَ " خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَعْصِرُونَ العِنَبَ والزَّيْتَ والثَّمَراتِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: يَعْصِرُونَ بِمَعْنى يَحْتَلِبُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: تَفْسِيرُ " يَعْصِرُونَ " يَحْتَلِبُونَ الألْبانَ لِسَعَةِ خَيْرِهِمْ واتِّساعِ خِصْبِهِمْ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: فَما عِصْمَةُ الأعْرابِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم ∗∗∗ طَعامٌ ولا دَرٌّ مِنَ المالِ يُعْصَرُ أيْ: يُحْلَبُ.

والثّالِثُ: يَنْجُونَ، وهو مِنَ العَصَرِ، والعَصَرِ: النَّجاءُ، والعُصْرَةُ: المَنجاةُ.

ويُقالُ: فُلانٌ في عُصْرَةٍ: إذا كانَ في حِصْنٍ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ أيْ: غِياثًا لِلْمَغْلُوبِ المَقْهُورِ، وقالَ عَدِيٌّ: لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي والرّابِعُ: يُصِيبُونَ ما يُحِبُّونَ، رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المُعْتَصِرُ: الَّذِي يُصِيبُ الشَّيْءَ ويَأْخُذُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ.

ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ: فَإنَّما العَيْشُ بِرَيّانِهِ ∗∗∗ وأنْتَ مِن أفْنانِهِ مُعْتَصَرُ والخامِسُ: يُعْطُونَ ويُفْضِلُونَ لِسَعَةِ عَيْشِهِمْ، رَواهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " يُعْصَرُونَ " بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يُمْطَرُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعِ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى الناسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ الناسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ المَعْنى: فَجاءَ الرَسُولُ -وَهُوَ الساقِي- إلى يُوسُفَ فَقالَ لَهُ: يا يُوسُفُ، ﴿ أيُّها الصِدِّيقُ ﴾ ، وسَمّاهُ صِدِّيقًا مِن حَيْثُ كانَ جَرَّبَ صِدْقَهُ في غَيْرِ شَيْءٍ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن (صَدَقَ)، وسُمِّيَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ صِدِّيقًا مِن (صَدَّقَ غَيْرَهُ) إذْ مَعَ كُلِّ تَصْدِيقٍ صِدْقٌ، فالمُصَدِّقُ بِالحَقائِقِ صادِقٌ أيْضًا، وعَلى هَذا الأساسِ سُمِّيَ المُؤْمِنُونَ صِدِّيقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ  ﴾ .

ثُمَّ قالَ: ﴿ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ ﴾ أيْ: فِيمَن رَأى في المَنامِ سَبْعَ بَقَراتٍ، وحَكى النَقّاشُ حَدِيثًا رَوى فِيهِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ دَخَلَ عَلى يُوسُفَ في السِجْنِ وبَشَّرَهُ بِعَطْفِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وأخْرَجَهُ مِنَ السَجْنِ، وأنَّهُ قَدْ أحْدَثَ لِلْمَلِكِ مَنامَةً جَعَلَها سَبَبًا لِفَرَجِ يُوسُفَ، ويُرْوى أنَّ المَلِكَ كانَ يَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَخْرُجْنَ مِنَ النَهْرِ، وتَخْرُجُ وراءَها سَبْعٌ عِجافٌ، فَتَأْكُلُ العِجافُ السِمانَ، فَكانَ يُعْجَبُ كَيْفَ غَلَبَتْها؟

وكَيْفَ وسِعَتِ السِمانَ في بُطُونِ العِجافِ؟

وكانَ يَرى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وقَدِ التَفَّتْ بِها سَبْعٌ يابِساتٌ حَتّى كانَتْ تُغَطِّي خُضْرَتَها فَعَجِبَ أيْضًا لِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: تَأْوِيلَ هَذِهِ الرُؤْيا فَيَزُولُ هَمُّ المَلِكِ لِذَلِكَ وهَمُّ الناسِ، وقِيلَ: ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ مَكانَتَكَ مِنَ العِلْمِ وكُنْهَ فَضْلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَخَلُّصِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ تَزْرَعُونَ ﴾ الآيَةُ.

تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ: أحَدُها: تَعْبِيرٌ بِالمَعْنى وبِاللَفْظِ.

والثانِي: عَرْضُ رَأْيٍ وأمْرٌ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ ﴾ ، والثالِثُ: الإعْلامُ بِالغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثامِنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ هَذا ألّا يَكُونَ غَيْبًا، بَلْ عِلْمُ العِبارَةِ أعْطى انْقِطاعَ الجَدْبِ بَعْدَ سَبْعٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَقْطَعُهُ إلّا خَصْبٌ شافٍ، كَما أعْطى أنَّ النَهْرَ مِثالٌ لِلزَّمانِ؛ إذْ هو أشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ فَجاءَتِ البَقَراتُ مِثالًا لِلسِّنِينَ.

و"دَأبًا" مَعْناهُ: مُلازَمَةً لِعادَتِكم في الزِراعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها ...........

البَيْتُ وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "دَأْبًا" بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "دَأبًا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وأبُو عَمْرٍو يُسَهِّلُ الهَمْزَةَ عِنْدَ دَرْجِ القِراءَةِ، وهُما مِثْلُ: نَهْرٍ ونَهَرٍ، والناصِبُ لِقَوْلِهِ: "دَأبًا" "تَزْرَعُونَ" عِنْدَ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ؛ إذْ في قَوْلِهِ: "تَزْرَعُونَ" تَدْأبُونَ، وهي عِنْدَهُ مِثْلُ: (قَعَدَ القُرْفُصاءَ)، و(اشْتَمَلَ الصَمّاءَ) وسِيبَوَيْهَ يَرى نَصْبَ هَذا كُلِّهِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِ المَصْدَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الظاهِرُ، كَأنَّهُ قالَ: "تَزْرَعُونَ تَدْأبُونَ دَأبًا".

وقَوْلُهُ: ﴿ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ ﴾ هي إشارَةٌ بِرَأْيٍ نَبِيلٍ نافِعٍ بِحَسْبَ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُنْبُلِ؛ فَإنَّ الحَبَّةَ إذا بَقِيَتْ في خِبائِها انْحَفَظَتْ والمَعْنى: اتْرُكُوا الزَرْعَ في السُنْبُلِ إلّا ما لا غِنى عنهُ لِلْأكْلِ، فَيَجْتَمِعُ الطَعامُ هَكَذا ويَتَرَكَّبُ، ويُؤَكِّلُ الأقْدَمَ فالأقْدَمَ، فَإذا جاءَتِ السُنُونَ الجَدْبَةُ تَقَوَّتَ الناسُ الأقْدَمَ فالأقْدَمَ مِن ذَلِكَ المُدَّخَرِ، وادَّخَرُوا أيْضًا الشَيْءَ الَّذِي يُصابُ في أعْوامِ الجَدْبِ عَلى قِلَّتِهِ، وحَمَلَتِ الأعْوامُ بَعْضُها بَعْضًا حَتّى يَتَخَلَّصَ الناسُ، وإلى هَذِهِ السِنِينَ أشارَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في دُعائِهِ عَلى قُرَيْشٍ: « "اللهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ "،» فابْتَدَأ ذَلِكَ بِهِمْ، ونَزَلَتْ سَنَةً حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتّى دَعا لَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فارْتَفَعَ ذَلِكَ عنهم ولَمْ يَتَمادَ سَبْعَ سِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا خَرَجَ ووَصَفَ هَذا التَرْتِيبَ لِلْمَلِكِ وأعْجَبَهُ أمْرُهُ، قالَ لَهُ المَلِكُ، قَدْ أسْنَدْتُ إلَيْكَ تَوَلِّي هَذا الأمْرِ في الأطْعِمَةِ هَذِهِ السِنِينَ المُقْبِلَةَ، فَكانَ هَذا أوَّلُ ما ولِيَ يُوسُفُ.

وأسْنَدَ الأكْلَ إلى السِنِينَ في قَوْلِهِ: "يَأْكُلْنَ" اتِّساعًا مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ فِيها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ والنَهارَ مُبْصِرًا  ﴾ ، وكَما قالَ: (نَهارُكَ بَطّالٌ ولَيْلُكَ قائِمٌ)، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَمّى فِعْلُ الجَدْبِ وإيباسِ البالاتِ أكْلًا، وفي الحَدِيثِ: « "فَأصابَتْهم سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ"» وقالَ الأعْرابِيُّ في السَنَةِ: (جَمَشَتِ النَجْمَ، وألْحَبَتِ اللَحْمَ، وأحْجَنَتِ العَظْمَ).

و"تُحْصِنُونَ" مَعْناهُ: تُحْرِزُونَ وتُخَزِّنُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ، وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ، ومِنهُ تَحَصُّنُ النِساءِ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَحَرُّزِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:" يُغاثُ" جائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَيْثِ - وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وَمُجاهِدٍ، وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أيْ: يُمْطَرُونَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن (أغاثَهُمُ اللهُ) إذا فَرَّجَ عنهُمْ، ومِنهُ الغَوْثُ وهو الفَرَجُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، "يَعْصِرُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الصادِ، وقَرَأ حَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ ذَلِكَ بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هي مِن عَصْرِ النَباتاتِ كالزَيْتُونِ والعِنَبِ والقَصَبِ والسِمْسِمِ والفُجْلِ وجَمِيعِ ما يُعْصَرُ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصْرٍ لِأشْياءَ كَثِيرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَعْصِرُوا شَيْئًا مُدَّةَ الجَدْبِ، والحَلْبُ مِنهُ لِأنَّهُ عَصْرٌ لِلضَّرْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ والعُصْرِ وهو المَلْجَأُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ ومِنهُ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقْ ∗∗∗ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: وصاحِبِي وهْوَةٌ مُسْتَوْهِلٌ زَعِلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ يَحُولُ بَيْنَ حِمارِ الوَحْشِ والعَصَرِ وَمِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: فَباتَ وأسْرى القَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وما كانَ وقّافًا بِغَيْرِ مُعْصَّرِ أيْ: بِغَيْرِ مُلْتَجَأٍ، فالآيَةُ عَلى مَعْنى: يَنْجُونَ بِالعُصْرَةِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ، وعِيسى، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "يُعْصَرُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصادِ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ، أيْ: يُؤْتُونَ بِعُصْرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن: عَصَرَتِ السَحابُ ماءَها عَلَيْهِمْ، قالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: مَعْناها: يُمْطَرُونَ، وحَكى النِقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ: "يُعَصِّرُونَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصادِ وشَدِّها وجَعْلِها مِن عَصْرِ البَلَلِ، ورَدَّ الطَبَرِيُّ عَلى مَن جَعَلَ اللَفْظَةَ مِنَ العُصْرَةِ رَدًّا كَثِيرًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عبر الرؤيا بجميع ما دلّت عليه، فالبقرات لسنين الزراعة، لأن البقرة تتخذ للإثمار.

والسِمَن رمز للخصب.

والعجَف رمز للقحط.

والسنبلات رمز للأقوات؛ فالسنبلات الخضر رمز لطعام ينتفع به، وكونها سبعاً رمز للانتفاع به في السبع السنين، فكل سنبلة رمز لطعام سنة، فذلك يقتاتونه في تلك السنين جديداً.

والسنبلات اليابسات رمز لما يدخر، وكونُها سبعاً رمز لادخارها في سبع سنين لأن البقرات العجاف أكلت البقرات السمان، وتأويل ذلك: أن سني الجدب أتت على ما أثمرته سنو الخصب.

وقوله: ﴿ تزرعون ﴾ خبر عما يكون من عملهم، وذلك أن الزرع عادتهم، فذكره إياه تمهيد للكلام الآتي ولذلك قيده ب ﴿ دأباً ﴾ .

والدأب: العادة والاستمرار عليها.

وتقدم في قوله: ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ في سورة آل عمران (11).

وهو منصوب على الحال من ضمير ﴿ يزرعون ﴾ ، أي كدَأبكم.

وقد مزج تعبيره بإرشاد جليل لأحوال التموين والادخار لمصلحة الأمة.

وهو منام حكمته كانت رؤيا الملك لطفاً من الله بالأمة التي آوت يوسف عليه السّلام، ووحيا أوحاه الله إلى يوسف عليه السّلام بواسطة رؤيا الملك، كما أوحى إلى سليمان عليه السّلام بواسطة الطير.

ولعل الملك قد استعد للصلاح والإيمان.

وكان ما أشار به يوسف عليه السّلام على الملك من الادخار تمهيداً لشرع ادخار الأقوات للتموين، كما كان الوفاء في الكيل والميزان ابتداء دعوة شعيب عليه السّلام، وأشار إلى إبقاء ما فضل عن أقواتهم في سنبله ليكون أسلم له من إصابة السوس الذي يصيب الحب إذا تراكم بعضه على بعض فإذا كان في سنبله دفع عنه السوس، وأشار عليهم بتقليل ما يأكلون في سنوات الخصب لادخار ما فضل عن ذلك لزمن الشدة، فقال: ﴿ إلاّ قليلاً مما تأكلون ﴾ .

والشداد: وصف لسني الجدب، لأن الجدب حاصل فيها، فوصفها بالشدة على طريقة المجاز العقلي.

وأطلق الأكل في قوله: ﴿ يأكلن ﴾ على الإفناء، كالذي في قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ [سورة النساء: 2].

وإسناده بهذا الإطلاق إلى السنين إسنادُ مجاز عقلي، لأنهن زمن وقوع الفناء.

والإحصان: الإحراز والادخار، أي الوضع في الحصن وهو المطمور.

والمعنى: أن تلك السنين المجدبة يفنى فيها ما ادخر لها إلا قليلاً منه يبقى في الإهراء.

وهذا تحريض على استكثار الادخار.

وأما قوله: ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس} فهو بشارة وإدخال المسرة والأمل بعد الكلام المؤيس، وهو من لازم انتهاء مدة الشدة، ومن سنن الله تعالى في حصول اليسر بعد العسر.

و ﴿ يغاث ﴾ معناه يعطون الغيث، وهو المطر.

والعصر: عصر الأعناب خموراً.

وتقدم آنفاً في قوله: ﴿ أعصر خمراً ﴾ [سورة يوسف: 36].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ﴾ الآيَةِ.

وَهَذِهِ الرُّؤْيا رَآها المَلِكُ الأكْبَرُ الوَلِيدُ بْنُ الرَّيّانِ وفِيها لُطْفٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ سَبَبًا لِخَلاصِ يُوسُفَ مِن سِجْنِهِ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ نَذِيرًا بِجَدْبٍ أخَذُوا أُهْبَتَهُ وأعَدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ.

﴿ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا لَمْ يَعْلَمْ تَأْوِيلَ رُؤْياهُ نادى بِها في قَوْمِهِ لِيَسْمَعَ بِها مَن يَكُونُ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَأْوِيلِها فَيَعْبُرُها لَهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أخْلاطُ أحْلامٍ، قالَهُ مَعْمَرٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: ألْوانُ أحْلامٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أهاوِيلُ أحْلامٍ قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أكاذِيبُ أحْلامٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِيهِ خامِسٌ: شُبْهَةُ أحْلامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأضْغاثُ ما لا تَأْوِيلَ لَهُ مِنَ الرُّؤْيا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: كَضِغْثِ حُلْمٍ عَزَّ مِنهُ حالِمُهُ.

وَرَوى هِشامٌ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إذا تَقارَبَ الزَّمانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيا المُؤْمِنِ تَكْذِبُ)» .

وفي تَقارُبِ الزَّمانِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِواءُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأنَّهُ وقْتُ اعْتِدالٍ تَنْفَتِقُ فِيهِ الأنْوارُ وتَطْلَعُ فِيهِ الثِّمارُ فَكانَ أصْدَقَ الزَّمانِ في تَعْبِيرِ الرُّؤْيا.

الثّانِي: أنَّهُ آخِرُ الزَّمانِ وعِنْدَ انْتِهاءِ أمَدِهِ.

والأضْغاثُ جَمْعٌ واحِدُهُ ضِغْثٌ والضِّغْثُ الحُزْمَةُ مِنَ الحَشِيشِ المَجْمُوعِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، وقِيلَ هو مَلْءُ الكَفِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴾ وقالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: خَوْذٌ كَأنَّ فِراشَها وُضِعَتْ بِهِ ∗∗∗ أضْغاثُ رَيْحانٍ غَداةَ شَمالِ والأحْلامُ جَمْعُ حُلْمِ، والحُلْمُ الرُّؤْيا في النَّوْمِ، وأصْلُهُ الأناةُ، ومِنهُ الحِلْمُ ضِدُّ الطَّيْشِ فَقِيلَ لِما يُرى في النَّوْمِ حُلْمٌ لِأنَّها حالُ أناةٍ وسُكُونٍ.

﴿ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ التَّأْوِيلُ الأوَّلُ مِمّا تُئَوَّلُ بِهِ الرُّؤْيا هو الحَقُّ المَحْكُومُ بِهِ لِأنَّ يُوسُفَ عَرَّفَهم تَأْوِيلَها بِالحَقِّ، وإنَّما قالَ يُوسُفُ لِلْغُلامَيْنِ ﴿ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ لِأنَّهُ مِنهُ نَذِيرُ نُبُوَّةٍ.

وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى صَرَفَ هَؤُلاءِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا لُطْفًا بِيُوسُفَ لِيَتَذَكَّرَ الَّذِي نَجا مِنهُما حالَهُ فَتَدْعُوهُمُ الحاجَةُ إلَيْهِ فَتَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي بَعْدَ حِينٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بَعْدَ نِسْيانٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: بَعْدَ أُمَّةٍ مِنَ النّاسِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الحَسَنُ: أُلْقِيَ يُوسُفُ في الجُبِّ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ في العُبُودِيَّةِ والسِّجْنِ والمُلْكِ ثَمانِينَ سَنَةً وجُمِعَ لَهُ شَمْلُهُ فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً.

وَقُرِئَ وادَّكَرَ بَعْدَ أمَةٍ بِفَتْحِ الألِفِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، والأمَةُ: بِالتَّخْفِيفِ النِّسْيانُ.

﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِمَن عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَأْوِيلِهِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْهُ لَهم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنِ السِّجْنُ بِالمَدِينَةِ فانْطَلَقَ إلى يُوسُفَ حِينَ أُذِنَ لَهُ وذَلِكَ بَعْدَ أرْبَعِ سِنِينَ بَعْدَ فِراقِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا ﴾ احْتَمَلَ تَسْمِيَتُهُ بِالصِّدِّيقِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِصِدْقِهِ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُما.

الثّانِي: لِعِلْمِهِ بِنُبُوَّتِهِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الصّادِقِ والصِّدِّيقِ أنَّ الصّادِقَ في قَوْلِهِ بِلِسانِهِ، والصَّدِّيقَ مَن تَجاوَزَ صِدْقُهُ لِسانَهُ إلى صِدْقِ أفْعالِهِ في مُوافَقَةِ حالِهِ، لا يَخْتَلِفُ سِرُّهُ وجَهْرُهُ، فَصارَ كُلُّ صِدِّيقٍ صادِقًا ولَيْسَ كُلُّ صادِقٍ صِدِّيقًا.

﴿ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي السُّنُونَ المُخَصَّباتُ.

﴿ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي السُّنُونَ المُجْدَباتُ.

﴿ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ﴾ والخُضْرُ الخِصْبُ لِأنَّ الأرْضَ بِنَباتِها خَضْراءُ، واليابِساتُ هي الجَدْبُ لِأنَّ الأرْضَ فِيهِ يابِسَةٌ، كَما أنَّ ماشِيَةَ الخِصْبِ سِمانٌ، وماشِيَةَ الجَدْبِ عِجافٌ.

﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ ﴾ أيْ لِكَيْ أرْجِعَ إلى النّاسِ وهو المَلِكُ وقَوْمُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَلِكَ وحْدَهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالنّاسِ تَعْظِيمًا لَهُ.

وَ ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ لِأنَّهُ طَمِعَ أنْ يَعْلَمُوا وأشْفَقَ أنْ لا يَعْلَمُوا، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي تَأْوِيلَها.

وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهُ شَكًّا في عِلْمِ يُوسُفَ.

لِأنَّهُ قَدْ وقَرَ في نَفْسِهِ عِلْمُهُ وصَدَّقَهُ، ولَكِنْ تَخَوَّفَ أحَدَ أمْرَيْنِ إمّا أنْ تَكُونَ الرُّؤْيا كاذِبَةً، وإمّا ألّا يُصَدِّقُوا تَأْوِيلَها لِكَراهَتِهِمْ لَهُ فَيَتَأخَّرُ الأمْرُ إلى وقْتِ العِيانِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تِباعًا مُتَوالِيَةً.

الثّانِي: يَعْنِي العادَةَ المَأْلُوفَةَ في الزِّراعَةِ.

﴿ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ ﴾ يَعْنِي فَيَخْرُجُ مِن سُنْبُلِهِ لِأنَّ ما في السُّنْبُلِ مُدَّخَرٌ لا يُؤْكَلُ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ أمْرٌ، والأوَّلُ خَبَرٌ، ويَجُوزُ لِكَوْنِهِ نَبِيًّا أنْ يَأْمُرَ بِالمَصالِحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ الأوَّلُ أيْضًا أمْرًا وإنْ كانَ الأظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ خَبَرٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ ﴾ يَعْنِي المُجْدَباتِ لِشِدَّتِها عَلى أهْلِها.

وَحَكى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ أنَّ يُوسُفَ كانَ يَصْنَعُ طَعامَ اثْنَيْنِ فَيُقَرِّبُهُ إلى رَجُلٍ فَيَأْكُلُ نِصْفَهُ ويَدَعُ نِصْفَهُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمًا قَرَّبَهُ لَهُ فَأكَلَهُ كُلَّهُ، فَقالَ يُوسُفُ: هَذا أوَّلُ يَوْمِ السَّبْعِ الشِّدادِ.

﴿ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ يَعْنِي تَأْكُلُونَ فِيهِنَّ ما ادَّخَرْتُمُوهُ لَهُنَّ.

﴿ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِمّا تَدَّخِرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مِمّا تُخَزِّنُونَ في الحُصُونِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: إلّا قَلِيلًا مِمّا تَبْذُرُونَ لِأنَّ في اسْتِبْقاءِ البِذْرِ تَحْصِينَ الأقْواتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُغاثُونَ بِنُزُولِ الغَيْثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يُغاثُونَ بِالخِصْبِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْصِرُونَ العِنَبَ والزَّيْتُونَ مِن خِصْبِ الثِّمارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أيْ فِيهِ يَجْلِبُونَ المَواشِيَ مِن خِصْبِ المَراعِيَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: يَعْصِرُونَ السَّحابَ بِنُزُولِ الغَيْثِ وكَثْرَةِ المَطَرِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا  ﴾ .

قالَهُ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ.

الرّابِعُ: تَنْجُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ وهي المَنجاةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثِ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ الخامِسُ: تُحْسِنُونَ وتُفَضِّلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَوْ كانَ في أمْلاكِنا مَلِكٌ ∗∗∗ يَعْصِرُ فِينا مِثْلَ ما تَعْصِرْ أيْ يُحْسِنُ: وهَذا القَوْلُ مِن يُوسُفَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وإنَّما هو اسْتِئْنافُ خَبَرٍ أطْلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِن آياتِ نُبُوَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم..

«لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه- والله يغفر له- حين سئل عن البقرات العجاف والسمان.

ولو كنت مكانه- والله يغفر له- حين أتاه الرسول، لبادرتهم الباب.

ولكنه أراد أن يكون له العذر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: لم يرض يوسف عليه السلام أن أفتاهم بالتأويل حتى أمرهم بالرفق، فقال: ﴿ تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله ﴾ لأن الحب إذا كان في سنبله لا يؤكل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ قال: أراد يوسف عليه السلام بالبقاء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ قال في بعض القراءة الأولى: هو أبقى له لا يؤكل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم رضي الله عنه أن يوسف عليه السلام في زمانه كان يصنع لرجل طعام اثنين، فيقربه إلى الرجل فيأكل نصفه ويدع نصفه، حتى إذ ما كان يوماً قرَّبهُ له فأكله فقال له يوسف عليه السلام: هذا أول يوم من السبع الشداد.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد ﴾ قال: هن السنون المحول الجدوب.

وفي قوله: ﴿ يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ يقول: يأكلن ما كنتم اتخذتم فيهن من القوت ﴿ إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ أي مما تدخرون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ مما تحصنون ﴾ يقول: تخزنون.

وفي قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ يقول: الأعناب والدهن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عام فيه يغاث الناس ﴾ يقول: يصيبهم فيه غيث ﴿ وفيه يعصرون ﴾ يقول: يعصرون فيه العنب، ويعصرون فيه الزيت، ويعصرون من كل الثمرات.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ يحتلبون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ يحتلبون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ﴾ قال: يغاث الناس بالمطر، ﴿ وفيه يعصرون ﴾ الثمار والأعناب والزيتون من الخصب.

وهذا علم آتاه الله علمه لم يكن فيما سئل عنه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام...

﴾ الآية.

قال: زادهم يوسف عليه السلام علم سنة لم يسألوه عنه.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام ﴾ قال: أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه وكان الله تعالى قد علمه إياه ﴿ فيه يغاث الناس ﴾ بالمطر ﴿ وفيه يعصرون ﴾ السمسم دهناً، والعنب خمراً، والزيتون زيتاً.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد- رضي الله عنه ﴿ فيه يغاث الناس ﴾ قال: بالمطر ﴿ وفيه يعصرون ﴾ قال: يعصرون أعنابهم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك- رضي الله عنه ﴿ فيه يغاث الناس ﴾ قال: يغاث الناس بالمطر ﴿ وفيه يعصرون ﴾ قال: الزيت.

وأخرج ابن جرير، عن علي بن طلحة رضي الله عنه قال: كان ابن عباس رضي الله عنه يقرأ ﴿ وفيه تعصرون ﴾ بالتاء، يعني تحتلبون.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عبدان المروزي رضي الله عنه عن عيسى بن عبيد عن عيسى بن عمير الثقفي رضي الله عنه قال: سمعته يقرأ ﴿ فيه يغاث الناس وفيه تعصرون ﴾ بالتاء، يعني الغياث المطر، ثم قرأ ﴿ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ ﴾ الآية، قال المفسرون (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى السبع في قوله: ﴿ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾ والسبع (٣) ﴿ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ  ﴾ هذا مذهب الكلبي (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ﴾ قال ابن السكيت (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ أي يعصرون السمسم دهنًا، والعنب خمرًا، والزيتون زيتًا، وهذا قول ابن عباس (٧) (٨) (٩) (١٠) ﴿ أَعْصِرُ خَمْرًا  ﴾ .

وقال أبو عبيدة (١١) (١٢) (١٣) ولقد كان عُصْرة المَنْجُودِ أي: ملجأ الكروب.

وقال عدي بن زيد: لو بغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقْ ...

كُنْتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعْتِصَارِي (١٤) أي: التجائي، وأنشد أيضًا للبيد (١٥) وذكر أبو إسحاق (١٦) (١٧) وقال أبو عبيد (١٨) (١٩) وإنما العَيْشُ بربَّانه (٢٠) أي آخذ منها ما شئت.

وروي عن ابن عباس (٢١) (٢٢) (٢٣) فما عصمت الأعراب إن لم يكن لهم ...

طعامٌ ولا درٌّ من الماء يُعْصَرُ أي: يحلب.

وروى ابن الأنباري (٢٤) لو كان في أمْلاكِنَا واحِدٌ ...

يَعْصرُ فينا كالذي يُعْصَرُ (٢٥) أي: يعطينا كالذي يعطى ويفضل ويحسن.

وذكر الأزهري (٢٦) واختار أبو علي الفارسي (٢٧) ﴿ يَعْصِرُونَ ﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون من العصر الذي يراد به الضغط الذي لحق ما فيه دهن أو ماء نحو الزيتون والسمسم والعنب والتمر، ليخرج ذلك منه.

الذي يدل على صحة هذا التأويل ما روي أنهم لم يعصروا في السنين الشداد زيتًا ولا عنبًا، فيكون المعنى: تعصرون للخصب الذي أتاكم كما كنتم تعصرون أيام الخصب، وقبل الجدب الذي دفعتم إليه.

قال: ويكون يعصرون من العصر الذي هو الالتجاء (٢٨) (٢٩) وصاحبي وَهْوه مُسْتَوْ [هِلٌ] (٣٠) فلقوله: "يغاث الناس" جعل الفاعلين الناس لتقدم ذكرهم.

ومن قرأ بالتاء (٣١) ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ ويؤيد القراءة الأولى قرب الناس من الفعل، ويؤيد الثانية أن المخاطبة يجوز أن تكون للمستفتين وغيرهم، إلا أن الخطاب والغيبة إذا اجتمعا غلب الخطاب على الغيبة كما يغلب التذكير على التأنيث.

قال أبو عبيد: في هذه الآيات دليل على أن الرؤيا إنما تكون على ما عبرت عليه إذا أصيب بها وجه العبارة، فإذا عدل عن الصواب في عبارتها لم يكن على ما عبرت.

ألا ترى أن الملك لما اقتص رؤياه على الملأ قالوا: أضغاث أحلام، فلم يكن على ما قالوا، ففسرها يوسف بعدهم، فأبان الصواب فيها، وشوهد تأويلها بتفسيره.

(١) الطبري 12/ 232، الثعلبي 7/ 86 أ، ابن عطية 7/ 525.

(٢) الطبري 12/ 232، الثعلبي 7/ 86 أ، ابن عطية 7/ 525، عبد الرزاق 2/ 324، ابن المنذر كما في "الدر" 4/ 41.

(٣) "زاد المسير" 4/ 233، عن ابن القاسم الأنباري.

(٤) "تنوير المقباس" ص 150.

(٥) "تفسير مقاتل" 154 ب.

(٦) "تهذيب اللغة" (غاث) 3/ 2616.

(٧) الطبري 12/ 232، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 41، و"زاد المسير" 4/ 234، وابن أبي حاتم 7/ 2154.

(٨) الطبري 12/ 232.

(٩) الطبري 12/ 233، و"زاد المسير" 4/ 234، وابن أبي حاتم 7/ 2154.

(١٠) الثعلبي 7/ 287، و"زاد المسير" 4/ 234، وابن عطية 7/ 529.

(١١) "مجاز القرآن" 1/ 313.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(١٣) لأبي زبيد الطائي عجز بيت، وصدره: صاديًا يستغيث غير مغاث من قصيدة له يرثي بها اللجاج ابن أخته، وكان من أحب الناس إليه، انظر "ديوانه" ص 44، و"جمهرة أشعار العرب" ص 260، و"الاقتضاب" ص 390، و"اللسان" (عصر) 5/ 2969، و"أمالي اليزيدي" ص 8، و"المحتسب" 1/ 345، والطبري 12/ 233، والقرطبي 9/ 205، و"تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2458.

(١٤) البيت لعدي بن زيد في "ديوانه" ص 93، و"الأغاني" 2/ 94، و"الحيوان" 5/ 138، 593.

انظر: "الكتاب" 1/ 462، و"مجاز القرآن" 1/ 314، و"الجمهرة" 2/ 154، و"اللسان" (عصر) 5/ 2971، والعيني 4/ 454، و"شواهد المغني" 255، و"الخزانة" 3/ 594، 4/ 460، 524، و"البحر المحيط" 5/ 316، و"تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2459، و"الشعر والشعراء" ص 133، وكتاب "العين" 4/ 342.

(١٥) البيت للبيد، ويروى: (بغير معصَّر) "ديوانه" ص 68.

انظر: "الكتاب" 1/ 410، و"الأغاني" 2/ 26، والشنتمري 1/ 462، والجمهرة 2/ 154، و"اللسان" (عصر) 5/ 2969، العيني 4/ 454، و"شواهد المغني" / 255، و"الخزانة" 3/ 394، و"مجاز القرآن" 1/ 295، 314، والطبري 12/ 234، و"تهذيب اللغة" 3/ 2458.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 114.

(١٧) ذكر هذا القول الطبري 12/ 233، وتعقبه فقال: "وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسِّر القرآن على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: "وفيه يعصرون" إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث ويزعم أنه من العصر والعُصْرَة التي بمعنى المنجاة ...

إلى أن قال: وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين.

اهـ.

وتعقب ابن عطية 7/ 531، الطبري فقال: "ورد الطبري على من جعل اللفظة من العصرة ردًّا كثيرًا بغير حجة".

(١٨) "تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2461، و"اللسان" (عصر) 5/ 2970.

(١٩) "ديوانه" ص 61، وفيه "مقتفر" بدل "معتصر"، وأمالي القالي 1/ 245، و"مقاييس اللغة" 2/ 483، 4/ 344، و"مجمل اللغة" 2/ 457، و"تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2461، و"اللسان" (عصر) 5/ 2970.

وبلا نسبة في "المخصص" 12/ 232.

(٢٠) في (ج): (ريانة).

(٢١) الطبري 12/ 233، الثعلبي 7/ 87 أ، من رواية علي بن طلحة، وتعقب هذا القول الطبري بقوله "قول لا معنى له، لأنه خلاف المعروف من كلام العرب، وخلاف ما يعرف من قول ابن عباس" 16/ 132.

(٢٢) "زاد المسير" 4/ 234.

(٢٣) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في "زاد المسير" 4/ 234 برواية: (من المال).

(٢٤) "زاد المسير" 4/ 235.

(٢٥) "ديوانه" ص 154، و"تاج العروس" (عصر) 7/ 230، و"مقاييس اللغة" 4/ 344، و"اللسان" (عصر) 5/ 2970، و"كتاب العين" 1/ 297، و"مجمل اللغة" 672/ 3.

(٢٦) "تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2461.

(٢٧) "الحجة" 4/ 425.

(٢٨) في (ج): (التجاء).

(٢٩) من قصيدة له قال عنها ابن قتيبة في الشعراء / 426: هي أجود شعره.

قوله (صاحبي) يريد فرسه، (الوهوه) من الخيل النشيط سريع الجري، (المستوهل): الفزع النشيط، الزعل: النشيط الأشر (العصر): الملجأ.

انظر: "ديوانه" ص 96، و"المعاني" ص 26، و"الجمهرة" 2/ 354، و"اللسان" (وهي) 13/ 563، و"تهذيب اللغة" 4/ 3967، و"كتاب العين" 4/ 88، و"تاج العروس" (وهي) 119/ 19.

(٣٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(٣١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر (يعصرون) بالياء وقرأ حمزة والكسائي تعصرون) بالتاء.

انظر: "السبعة" ص 349، و"إتحاف" ص 265، والطبري 12/ 233.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا ﴾ هو ساقي الملك ﴿ وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي بعد حين ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق ﴾ يقدر قبله محذوف لابد منه وهو فأرسلوه فقال: يا يوسف، وسماه صديقاً لأنه كان قد جرب صدقه في تعبير الرؤيا وغيرها، والصديق مبالغة من الصدق ﴿ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بقرات ﴾ أي فيمن رأى سبع بقرات وكان الملك قد رأى سبع بقرات سمان أكلتهن سبع عجاف فعجب كيف علتهن وكيف وسعت في بطونهنّ، ورأى سبع سنبلات خضر، وقد التفت بها سبع يابسات حتى غطت خضرته ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ ﴾ هذا تعبير للرؤيا، وذلك أنه عبر البقرات السمان بسبع سنين مخصبة وعبر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبة فكذلك السنبلات الخضر واليابسة ﴿ دَأَباً ﴾ بسكون الهمزة وفتحها مصدر دأب على العمل إذا داوم عليه، وهو مصدر في موضع الحال ﴿ فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ هذا بأيٌ أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلمهم حيلة يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴾ أي لا تدرسوا منه إلا ما يحتاج إلى الأكل خاصة ﴿ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾ يعني سبع سنين ذات شدّة وجوع ﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ أي تأكلون فيهنّ ما اخترتم من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازاً ﴿ مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ أي تخزنون وتخبئون ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ ﴾ هذا زيادة على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن ﴿ يُغَاثُ الناس ﴾ يحتمل أن يكون من الغيث يمطرون، أو من الغوث: أي يفرج الله عنهم ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ أي يعصرون الزيتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعصر ﴿ وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ ﴾ قيل: هنا محذوف، وهو فرجع الرسول إلى الملك فقص عليه مقالة يوسف، فرأى علمه وعقله، فقال: ائتوني به ﴿ قَالَ ارجع إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ ﴾ لما أمر الملك بإخراج يوسف من السجن، وإتيانه إليه أراد يوسف أن يبرئ نفسه مما نسب إليه، من مراودة امرأة العزيز عن نفسها، وأن يعلم الملك وغيره أنه سجن ظلماً، فذكر طرفاً من قصته لينظر الملك فيها فيتبين له الأمر، وكان هذا الفعل من يوسف صبراً وحلماً، إذا لم يُجِبْ إلى الخروج من السجن ساعةَ دُعِيَ إلى ذلك بعد طول المدّة، ومع ذلك فإنه لم يذكر امرأة العزيز رعياً لذمام زوجها وستراً لها، بل ذكر النسوة التي قطعن أيديهنّ ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ الآية جمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، فسألهنّ عن قصة يوسف، وأسند المراودة إلى جميعهن، لأنه لم يكن عنده علم بأنّ امرأة العزيز هي التي راودته وحدها ﴿ قُلْنَ حاش للَّهِ ﴾ تبرئة ليوسف أو تبرئة لأنفسهن من مراودته وتكون تبرئة ليوسف بقولهن: ما علمنا عليه من سوء ﴿ الآن حَصْحَصَ الحق ﴾ اي تبين وظهر، ثم اعترفت على نفسها بالحق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ إني أراني أعصر ﴾ بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن كثير في ﴿ أراني ﴾ كليهما.

الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل: ﴿ نبينا ﴾ بغير همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ ترزقانه ﴾ مختلسة: الحلواني عن قالون ﴿ نبأتكما ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ ربي إني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ آبائي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ إني أرى ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ رؤياي ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة.

أبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم ﴿ للرؤيا ﴾ ممالة: عليّ، وأبو عمرو بالإمالة اللطيفة.

﴿ لعلي أرجع ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو ﴿ دأبا ﴾ بفتح الهمزة: حفص.

الآخرون بالسكون ﴿ تعصرون ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعليّ وخلف والمفضل.

الباقون على الغيبة.

﴿ ما بال النسوة ﴾ بضم النون: الشموني والبرجمي ﴿ نفسي ﴾ ﴿ رحم ربي ﴾ بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ فتيان ﴾ ط ﴿ خمراً ﴾ ج فصلاً بين القضيتين مع اتفاق الجملتين ﴿ الطير منه ﴾ ط للعدول عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا.

﴿ نبئنا بتأويله ﴾ ج لاحتمال التعليل.

﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ أن يأتيكما ﴾ ط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ط ﴿ من سلطان ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ إلا إياه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ خمراً ﴾ ج فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين ﴿ من رأسه ﴾ ط لأن قوله: ﴿ قضى ﴾ جواب قولهما كذبنا وما رأينا رؤيا ﴿ تستفتيان ﴾ ط لاستئناف حكاية أخرى ﴿ عند ربك ﴾ ز ﴿ سنين ﴾ ه ط ﴿ يابسات ﴾ ط ﴿ تعبرون ﴾ ه ﴿ أحلام ﴾ ج للنفي مع العطف ﴿ بعالمين ﴾ ه ﴿ فأرسلون ﴾ ه ﴿ ياباسات ﴾ لا لتعلق "لعلى" ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ دأباً ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ تحصنون ﴾ ه ﴿ يعصرون ﴾ ه ﴿ ائتوني به ﴾ ج ﴿ أيديهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ز لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل.

﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ج للحذف أي عن السوء ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: تقدير الكلام فحبسوه ﴿ ودخل معه ﴾ أي مصاحباً له في الدخول ﴿ السجن فتيان ﴾ غلامان للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلاً عن أئمة التفسير أو استدلالاً برؤياهما المناسبة لحرفتهما.

رفع إلى الملك أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فأمر بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف ﴿ قال أحدهما إني أراني ﴾ أي في المنام لقولهما: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ وهو حكاية حال ماضية ﴿ أعصر خمراً ﴾ أي عنباً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.

وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب.

والضمير في قوله: ﴿ بتأويله ﴾ يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ عبارة الرؤيا.

وكان أهل السجن يقصون عليه رؤياهم فيؤوّلها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا.

وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا اصبرا تؤجروا.

فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟

فقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل إبراهيم.

فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت.

وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته.

وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ﴿ قال لا يأتيكما طعام ﴾ إلى آخره هذا ليس بجواب لهما ظاهراً وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يؤثق بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة.

أو أراد أن يبين علوّ مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم.

بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس مقصوراً على شيء دون غيره وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون  ﴾ أي أخبركما ﴿ قبل أن يأتيكما ﴾ أنه أي طعام هو وأيّ لون هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سماً أم لا.

فقد روي أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً مسموماً فأرسله إليه.

ثم قال: ﴿ ذلكما ﴾ أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ.

ثم بيّن سيرته وملته مشيراً فيه إلى أنه رسول من عند الله ومنبهاً على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على الكفر فقال: ﴿ إني تركت ﴾ أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير مظهر للتوحيد خوفاً منهم لأنه كان تحت أيديهم.

وإنما كررت لفظة "هم" تنبيهاً على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضاً بأن إيداعه السجن بعد معاينة الآيات الشاهدة على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد الإنكار.

والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: ﴿ من شيء ﴾ الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب وغيرهم ﴿ ذلك ﴾ التوحيد ﴿ من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة.

وعن بعضهم إنا لا نشكر الله على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ أراد يا صاحبي السجن كقوله "يا سارق الليلة" خصهما بهذا النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: ﴿ أصحاب النار  ﴾ فسبب التعييين أنهما استفتياه في بين الساكنين.

ثم أنكر عليهم عبارة الأصنام فقال: ﴿ أأرباب متفرقون ﴾ في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من اختلاف الأعراض والأبعاض ﴿ خير ﴾ إن فرض فيهم خير ﴿ أم الله الواحد القهار ﴾ لأن وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهاراً غالباً غير مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء ﴿ أنتم وآباؤكم ﴾ والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا أسماء فارغة عن المسميات ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ بتسميتها ﴿ من سلطان ﴾ أي حجة.

ثم لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ثم ذكر ما حكم به فقال: ﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ﴾ الثابت بالبراهين ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مبدأ المبادىء والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبوداً ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام بالاستقلال فعلاً وتأثيراً.

ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال: ﴿ أما أحدكما ﴾ يعني الشرابي ﴿ فيسقي ربه ﴾ سيده ﴿ خمرا ﴾ يروى أنه قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه.

وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك.

قوله: ﴿ قضي الأمر ﴾ قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالاً برؤياهما فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما.

وقيل: جحدا رؤياهما.

وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى.

﴿ وقال ﴾ يوسف ﴿ للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني.

والضمير في ﴿ ظن ﴾ إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعاً بنجاته فما المعنى للظن؟

وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية.

والأصح أنه قضي بذلك على سبيل ألبت والقطع لقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلكما مما علمني ربي ﴾ فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  ﴾ أما الضمير في قوله: ﴿ فأنساه الشيطان ﴾ فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان.

ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله  أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله  ، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين.

والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب.

والأكثرون على أن المراد في الآية سبع سنين.

وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين.

وعن النبي  : " رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن" وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، لأطيلن حبسك.

فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي.

قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة.

فقد روي أن النبي  لم يأخذه النوم ليلة من الليالي وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام.

وقال  حكاية عن عيسى  : ﴿ من أنصاري إلى الله  ﴾ ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن يوسف  عوتب على قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ لوجوه منها: أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء وقال: هل من حاجة؟

فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه.

ومنها أنه قال: ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ وهذا يقتضي نفي الشرك على الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

فقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ كالمناقض لهذا الكلام.

ومنها أنه قال: ﴿ عند ربك ﴾ ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب الدار ورب الغلام متسعملاً في كلامهم.

ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: ﴿ يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ﴾ ثم إنه  إذا أراد أمراً هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى ﴿ قالوا ﴾ إنها ﴿ أضغاث أحلام ﴾ ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها.

واعلم أن الله  خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من طريق الحواس،وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة،فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إل عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر.

ثم منها ما هي منتسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالأضغاث.

وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد يعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها.

ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: ﴿ إني أرى ﴾ حكاية حال ماضية.

وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع الوصف وصفاً للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا قيل سمان بالجر ليكون وصفاً لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولاً ثم يعلم من الوصف أن المميز بالجنس موصوف بالسمن.

والعجف هو الهزال الذل الذي ليس بعده هزال، والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه نقيضه.

وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: ﴿ وأخر يابسات ﴾ التقدير وسبعاً أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد.

وإنما لم يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده.

وقولهم "ثلاثة فرسان" و "خمسة أصحاب" لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله ﴿ وأخر ﴾ مجروراً عطفاً على ﴿ سنبلات ﴾ لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع بالسبع، وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في ﴿ للرؤيا ﴾ للبيان كما قلنا في ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين  ﴾ أو لأن عمل العامل فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر معموله، أو لأن قوله: ﴿ للرؤيا ﴾ خبر "كان" كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن مهن مستقل به و ﴿ تعبرون ﴾ خبر آخر أو حال أو لتضمن ﴿ تعبرون ﴾ معنى تنتدبون لعبارة الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر.

والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن الواحد قد يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار.

فالمراد هي حلم أضغاث أحلام.

وقد يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم "فلان يركب الخيل ويلبس العمائم" وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ولم يلبس إلا عمامة واحدة.

ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاماً أخر.

واللام في ﴿ الأحلام ﴾ اما للعهد كأنهم أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل الرؤيا.

ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وذلك قوله  : ﴿ واذكر ﴾ وأصله "اذتكر" قلبت التاء والذال كلاهما دالاً مهملة وأدغمت.

﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة.

وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة.

وقرىء ﴿ بعد أمه ﴾ بوزن عمه.

ومعنى ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ أخبركم به عمن عنده علمه ﴿ فأرسلون ﴾ إليه لأسلأله والخطاب للملك والجمع للتعظيم أو له وللملأ حوله.

والمعنى مروني باستعباره.

وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.

وههنا إضمار والمراد فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف ﴿ أيها الصديق ﴾ البليغ الكامل في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل.

وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ما يفيد المدح لمعلمه.

وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف باختلاف العبارات.

وقوله: ﴿ لعلي أرجع ﴾ فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من الموانع التي لا تحصى كثرة.

وكذا في قوله: ﴿ لعلهم يعلمون ﴾ فضلك ومكانك من العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر المعبرين وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا، و مثله في هذه السورة ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون  ﴾ .

﴿ قال ﴾ يوسف في جواب الفتوى ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ وهو خبر في معنى الأمر يفيد المبالغة في إيجاب أيجاد المأمور به.

قال في الكشاف: والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ وأقول: يمكن أن يكون قوله: ﴿ تزرعون ﴾ إخباراً عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، وقوله: ﴿ فما حصدتم ﴾ إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت.

و ﴿ دأباً ﴾ بتسكين الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه.

وانتصابه على الحال أي تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأباً.

وإنما أمرهم بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه السوس ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك ﴾ فيه دليل على أن ﴿ تزرعون ﴾ إخبار لا أمر ﴿ سبع ﴾ سنين ﴿ شداد ﴾ على الناس ﴿ يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون ﴿ إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ تحرزون وتخبؤن.

والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت ﴿ وفيه يعصرون ﴾ العنب والزيتون والسمسم.

وقيل: يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين.

ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن.

فقال المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي.

عن قتادة: زاده الله علم سنة.

وقيل: عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب.

والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال.

وأيضاً في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي.

ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: ﴿ ائتوني به ﴾ فجعل الله  علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه أن العلم سبب للخلاص في المحن الأخروية أيضاً.

﴿ فلما جاءه الرسول ﴾ وهو الشرابي فقال: أجب الملك ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ ما شأنهن وما حالهن ﴿ إن ربي ﴾ أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز الذي رباه ﴿ بكيدهن عليم ﴾ وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لعبد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه.

وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته عند العزيز حتى يرضى بسجنه.

ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش.

ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضاً فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا بالترغيب في الخيانة.

عن النبي  : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني.

ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة" قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك إلى تقبيح أمره عنده، وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .

﴿ قال ﴾ الملك بعد إحضار النسوة ﴿ ما خطبكن ﴾ ما شأنكن العظيم ﴿ إذ راودتن يوسف ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن أو إلى زليخا؟

قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم.

وقيل: خاطبهن جميعاً لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة العزيز.

﴿ قلن حاش لله ﴾ تعجباً من عفته ونزاهته ﴿ قالت امرأت العزيز ﴾ حين عرفت أن لا بد من الاعتراف ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض.

وقال الزجاج: اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.

أما قوله  : ﴿ ذلك ليعلم ﴾ إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول - وعليه الأكثرون - أنه حكاية قول يوسف.

قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به.

والإشارة إلى الحداثة الحاضرة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة.

وعن ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن عند عود الرسول إليه.

ومحل ﴿ بالغيب ﴾ نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو الاستتار وراء الأبواب المغلقة.

وقيل: هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟

وأجيب بأنه إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفي تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه خان حكم لله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائناً لم يهد الله كيده.

ولا يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من المرأة دليل على نزاهة يوسف  من كل سوء.

قال أهل التحقيق: إنه لما راعى حرمة سيدته في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي ﴾ دون أن يقول "ما بال زليخا" أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء الشهادة.

فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها.

فقالت المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه.

ولما كان قول يوسف  ذلك ليعلم جارياً مجرى تزكية النفس على الإطلاق أو في هذه الواقعة وقد قال  : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم  ﴾ أتبع ذلك قوله: ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لأمارة بالسوء ﴾ ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي.

وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله  وتسهيله وصرفه ﴿ إلا ما رحم ربي ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة: القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف  ما كان حاضراً في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن ﴿ وأن الله لا يهدي ﴾ فيه تعريض فأنها لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله منه ﴿ وما أبرىء نفسي ﴾ من الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قلت ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ أو حين أودعته السجن.

ثم إنها اعتذرت عما كان منها فقالت: ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ كنفس يوسف ﴿ إن ربي غفور رحيم ﴾ أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.

قال المحققون.

النفس الإنسانية شيء واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء.

وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة.

ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة.

وتمسكت الأشاعرة بقوله: ﴿ إلا ما رحم ﴾ ظاهراً لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه.

وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق.

التأويل: لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه.

والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني.

وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً ﴿ إني تركت ملة قوم ﴾ فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة ﴿ أما أحدكما فيسقي ربه ﴾ أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً ﴿ وأما الآخر ﴾ وهو البدن ﴿ فيصلب ﴾ بنخيل الموت ﴿ فيأكل ﴾ طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة ﴿ قضي ﴾ في الأزل هذا ﴿ الأمر ﴾ ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية.

ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان ﴾ هن الصفات المذكورة ﴿ يأكلهن سبع عجاف ﴾ هن أضدادها وهي: القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع ﴿ يا أيها الملأ ﴾ يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ أفتوني ﴾ فيما رأيت في غيب الملكوت ﴿ وما نحن بتأويل الأحلام ﴾ أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا ﴿ فأرسلون ﴾ فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات ولانفس فيما يفهم من لسان الغيب ﴿ أيها الصديق ﴾ لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ "حدثني قلبي عن ربي" قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ﴿ فذروه في سنبله ﴾ أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ﴿ إلا قليلاً ﴾ مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري.

ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان.

وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام ﴾ أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته.

ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ﴿ ما بال النسوة ﴾ لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله ﴿ قطعن أيديهن ﴾ من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ الذين يبيعون الدين بالدنيا.

ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة ﴿ فألهمها فجورها وتقواها  ﴾ وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ﴿ إن ربي غفور ﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿ رحيم ﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ﴾ .

ذكر أنه رأى، وليس فيه ذكر أنه رأى في المنام، ولكن ذكر في آخر الرؤيا؛ دل أنه رأى في المنام بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .

وفيه: أن من الرؤيا ما هو حق ولها حقيقة، ومنها باطل لا حقيقة لها؛ لأنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ فكأن، الرؤيا هي حق، ولها حقيقة؛ بتأويل عواقبها، وأضغاث أحلام: لا حقيقة لها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ﴾ .

أما البقرات: هي السنون، والسمان: هي المخصبات الواسعات.

﴿ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ .

العجاف: هي المجدبات.

﴿ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ ﴾ .

السنبلات: سنبلات: وخضر: عبارة عما يحصد.

﴿ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾ .

عبارة عما لا يحصد أي: لا يكون فيه ما يحصد.

فيه دلالة أن في الرؤيا ما يكون مصرحاً مشاراً إليه يعلم بالبديهة، ومنها ما يكون كناية مبهماً غير مفسر؛ لا يعلم إلا بالنظر فيها والتفكر والتأمل؛ لأنه قال: ﴿ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ ﴾ ، وسبع: هو سبع لا غير، وبقرات: هن كناية عن السنين، وسمان: كناية عن الخصب والسعة، يأكلهن على حقيقة الأكل لا غير.

وكذلك ﴿ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ السبع: هو سبع، والعجاف: كناية عن الشدة والجدب، وسبع سنبلات: هنّ عَيْن السنبلات، وخضر: هي كناية عما يحصد، ويابسات: كناية عما لا يكون فيه ما يحصد.

ففيه: أن من الخطاب ما لا يكون مصرحاً مبيناً مشاراً إليه؛ يفهم المراد منه بالبديهة وقت قرع الخطاب السمع، ومنه ما يكون مبهماً غير مفسر؛ فهو على وجهين: منه ما يفهم بالنظر فيه والتفكر.

والثاني: لا يفهم بالبديهة ولا بالنظر فيه والتفكر، إلا ببيان يقرن به سوى ذلك، على هذا تخرج المخاطبات فيما بين الله وبين الخلق والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .

خاطب الأشراف من قومه والعلماء بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ ﴾ على ما ذكرنا فيما تقدم أن الملأ: هو اسم للأشراف منهم والرؤساء، وهكذا العادة في الملوك؛ أنهم إذا خاطبوا إنما يخاطبون أعقلهم وأعظمهم منزلة عندهم وأكرم مثواهم.

دلّ قوله: ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ أنه إنما رأى ذلك في المنام والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ...

﴾ الآية.

كأنه نهاهم أن يتكلفوا التعبير للرؤيا التي رآها؛ إذا لم يكن لهم بها علم، وكذلك الواجب على كل من سئل عن شيء لا يُعلم ألا يشتغل به، ولا يتكلف علمه؛ إذا لم يكن له به علم؛ حيث قال: ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ﴾ .

قال بعضهم: أباطيل أحلام كاذبة وقال بعضهم: أخلاط أحلام؛ مثل أضغاث النبات تجمع فيكون فيها ضروب مختلفة، وهو كما قيل في قوله: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ  ﴾ أي: جماعة من أغصان الشجر.

وقال بعضهم: ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ﴾ : الضغث، والأضغاث: ما لا يكون له تأويل، ويقال لنوع من الكلأ: ضغث وهو الحلفا؛ يشبه البردي وغيره.

وقيل: إن الضغث والأحلام: هما اسمان لشيء لا معنى له، ولا تأويل، وهما واحد، وأصل الأحلام: كأن مخرجه من وجهين: أحدهما: العقول؛ دليله: قوله: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ  ﴾ أي: عقولهم ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ  ﴾ .

والثاني: من الاحتلام، وهو [ما ذكرنا] من الحلم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ...

 ﴾ : الآية فيشبه أن يكون يخرج على هذا؛ لأن الصبي ما لم يعقل لا يلعب به الشيطان، ولا يحتلم؛ لأن الاحتلام هو من لعب الشيطان به، فسمى الرؤيا الباطلة الكاذبة أحلاماً؛ لأنها من لعب الشيطان به، كما سمى احتلام الصبي حلماً؛ لأنه إذا بلغ العقل لعب به الشيطان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴾ .

يحتمل قوله  : ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴾ لما لا تأويل لها؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: لا شفيع لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴾ لها تأويل، ولكن نحن لا نعلمها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا ﴾ .

من الهلاك، وهو الساقي الذي ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ .

أي: تذكر بعد أُمّة، قال الأُمّة - هاهنا -: الحين، أي: ذكر بعد حين ووقت؛ كقوله  : ﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ  ﴾ قيل: حين ووقت معدود، وقال الحسن: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي: بعد أمّة من الناس.

ويقرأ (بعد أمه) قال أبو عَوْسجة: الأمه: النسيان والسهو؛ أي: تذكر بعد نسيان وسهو؛ كقوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ  ﴾ يقال منه في الكلام: أمه يأمه أمها؛ فهو آمه، وأمه؛ أي: نسي.

والأمة: من الأمم والقرون التي مضت.

والأمة: النعمة، والأمم جمع.

والأمة أيضاً: الدِّين والسُّنة؛ كقوله  : ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ أي: على دين.

ويقال: الأمة: القامة أيضاً؛ يقال: فلان حسن الأمة؛ أي: حسن القامة، ويقال: الأمم: القريب.

فهو يحتمل هاهنا الوجهين اللذين ذكرناهما؛ أي: ذكر بعد حين ووقت، أو بعد نسيان؛ من قرأه بالنصب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ .

معناه: أي أنا أنبئكم ببيان تأويلها لا أنه كان ينبئهم هو بنفسه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَرْسِلُونِ ﴾ .

﴿ يُوسُفُ ﴾ فيه إضمار؛ كأنه قال: فأرسلوني إلى يوسف، وليس في تلاوة الآية أنه أرسل إليه، ولا إتيانه إليه، ولكن فيه دليل أنه أرسل إليه فأتاه؛ فلما أتاه قال له: ﴿ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ ﴾ .

قيل: الصدّيق: هو كثير الصدق؛ كما يقال: شِرِّيب وفِسِّيق وسِكّير؛ إذا كثر ذلك منه، والصديق: هو الذي لم يؤخذ عليه كذب قط، أو سماه صديقاً لما عرف أنه رسول الله، وهو ما قال في إبراهيم: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً  ﴾ .

أو يقول: ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ أي: أنا أتعلم منه؛ فأنبئكم بتأويله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾ .

فأفتاها له وعبرها عليه؛ وهو ما قال: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً ﴾ إلى آخر ما ذكر.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ .

هذا تفسير رؤيا الملك للذي سأله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: يحتمل: يعلمون أن هذه الرؤيا حق ولها حقيقة؛ ليس كما قال أولئك: أضغاث أحلام.

والثاني: يعلمون فضلك على غيرك من الناس، أو يعلمون أنك تصلح لحاجاتهم التي في حال يقظتهم؛ فيرفعونها إليك؛ كما أصلحت ما كان لهم في حال نومهم، ثم علمهم الزراعة، وجمع الطعام والادخار أن كيف يدّخر حتى يبقى إلى ذلك الوقت، فقال: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً ﴾ قال بعضهم: أي: دائماً؛ أي: تداومون الزراعة فيها.

وقال أبو عوسجة: دأبا: من الدوب؛ من الجدّ والتعب.

وقال القتبي: دأبا: أي: جدّاً في الزراعة ومتابعة.

وكله واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ .

لا تنقوه؛ لأن ذلك أبقى له من إذا نقي وميز، إلا قليلا مما تأكلون؛ فتنقونه إن شئتم؛ أي: قدر ما تأكلون.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾ .

قيل: مجدبات من الشدة.

﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ .

أي: ما ادخرتم لهن.

﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ .

قال بعضهم: تدخرون.

وقال بعضهم: تحرزون.

قال أبو عوسجة: أحصنته، أي: ادخرته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ ﴾ .

قال بعضهم: هو من الغيث؛ وهو المطر؛ أي: يمطرون.

وقيل: يغاثون بالمطر؛ من الإغاثة والغوث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هو من عصر الأعناب والدهن والزيت وغيره؛ إنما هو إخبار عن الخصب والسعة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يَعْصِرُونَ ﴾ أي: ينجون؛ يقول: من العصر يعني الملجأ: أي يلجئون إلى الغيث، والعصرة المنجاة؛ وهو قول أبي عبيدة.

وأمّا قول غيره من أهل الأدب والتأويل: فهو من العصر؛ يعني: عصر العنب وغيره والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم يجيء بعد تلك السنين المجدبة عام تنزل فيه الأمطار، وتنبت الزروع، ويعصر فيه الناس ما يحتاج للعصر كالعنب والزيتون والقصب.

<div class="verse-tafsir" id="91.DwokP"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل