الآية ٥٥ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٥٥ من سورة يوسف

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ ٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٥ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فقال يوسف ، عليه السلام : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) مدح نفسه ، ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره ، للحاجة .

وذكر أنه ) حفيظ ) أي : خازن أمين ، ( عليم ) ذو علم وبصر بما يتولاه .

قال شيبة بن نعامة : حفيظ لما استودعتني ، عليم بسني الجدب .

رواه ابن أبي حاتم .

وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه ، ولما في ذلك من المصالح للناس وإنما سأل أن يجعل على خزائن الأرض ، وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات ، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها ، ليتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد ، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه ، وتكرمة له; ولهذا قال تعالى :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه: قال يوسف للملك: اجعلني على خزائن أرضك.

* * * وهي جمع " خِزَانة ".

* * * و " الألف واللام " دخلتا في" الأرض " خلفًا من الإضافة ، كما قال الشاعر: &; 16-149 &; (3) والأَحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ (4) * * * وهذا من يوسف صلوات الله عليه، مسألة منه للملك أن يولّيه أمر طعام بلده وخراجها ، والقيام بأسباب بلده ، ففعل ذلك الملك به، فيما بلغني، كما:- 19453 - حدثني يونس قال ،أخبرنا ابن وهب قال ،قال ابن زيد في قوله: (اجعلني على خزائن الأرض)، قال: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام قال: فأسلم سلطانه كُلَّه إليه ، وجعل القضاء إليه ، أمرُه وقضاؤه نافذٌ.

19454- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا إبراهيم بن المختار ، عن شيبة الضبي ، في قوله: (اجعلني على خزائن الأرض)، قال: على حفظ الطعام (5) .

* * * وقوله: (إني حفيظ عليم) اختلف أهل التأويل في تأويله.

فقال بعضهم: معنى ذلك: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني .

*ذكر من قال ذلك: 19455 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: (إني حفيظ عليم)، إني حافظ لما استودعتني ، عالم بما وليتني .

قال: قد فعلت.

19456 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (إني حفيظ عليم)، يقول: حفيظ لما وليت ، عليم بأمره.

19457 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا إبراهيم بن المختار ، عن شيبة الضبي في قوله: (إني حفيظ عليم) يقول: إني حفيظ لما استودعتني ، عليم بسني المجاعة.

(6) * * * وقال آخرون: إني حافظ للحساب ، عليم بالألسن .

*ذكر من قال ذلك: 19458 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو ، عن الأشجعي: (إني حفيظ عليم) ، حافظ للحساب ، عليم بالألسن.

* * * قال أبو جعفر : وأولى القولين عندنا بالصواب ، قولُ من قال: معنى ذلك: " إني حافظ لما استودعتني ، عالم بما أوليتني"، لأن ذلك عقيب قوله: (اجعلني على خزائن الأرض)، ومسألته الملك استكفاءه خزائن الأرض ، فكان إعلامه بأن عنده خبرةً في ذلك وكفايته إياه ، أشبه من إعلامه حفظه الحساب، ومعرفته بالألسن .

(7) * * * ---------------------- الهوامش: (3) هو النابغة الذبياني .

(4) سلف البيت وتخريجه وشرحه 5 : 160 /13 : 106 ، وهو : لَهُـمْ شِـيمَةٌ لَـمْ يُعْطِهَـا الدَّهُرْ غَيْرَهُم مِـنَ النَّـاسِ , والأَحْـلامُ غيْرُ عَوَازِبِ (5) الأثر : 19454 -" إبراهيم بن المختار التميمي" ، ممن يتقى حديثه ، وبخاصة من رواية محمد بن حميد عنه ، مضى برقم : 4038 ، 14365 ، 17631 .

و "شيبة الضبي" ، هو" شيبة بن نعامة الضبي" ،" أبو نعامة" ، ضعيف الحديث لا يحتج به ، مترجم في الكبير 2 / 2 / 143 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 335 ، وميزان الاعتدال 1 : 452 ، ولسان الميزان 3 : 159 .

وانظر الإسناد الآتي رقم : 19457 .

(6) الأثر : 19457 - انظر بيانه في التعليق على رقم : 19454 .

(7) انظر تفسير" حفيظ" فيما سلف 15 : 449 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك ، وتفسير" عليم" في فهارس اللغة ( علم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [ ص: 186 ] فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : قال اجعلني على خزائن الأرض قال سعيد بن منصور : سمعت مالك بن أنس يقول : مصر خزانة الأرض ; أما سمعت إلى قوله : اجعلني على خزائن الأرض أي على حفظها ، فحذف المضاف .

إني حفيظ لما وليت عليم بأمره .

وفي التفسير : إني حاسب كاتب ; وأنه أول من كتب في القراطيس .

وقيل : حفيظ لتقدير الأقوات عليم بسني المجاعات .

قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكن أخر ذلك عنه سنة .

قال ابن عباس : لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الملك فتوجه ورداه بسيفه ، ووضع له سريرا من ذهب ، مكللا بالدر والياقوت ، وضرب عليه حلة من إستبرق ; وكان طول السرير ثلاثين ذراعا وعرضه عشرة أذرع ، عليه ثلاثون فراشا وستون مرفقة ، ثم أمره أن يخرج ، فخرج متوجا ، لونه كالثلج ، ووجهه كالقمر ; يرى الناظر وجهه من صفاء لون وجهه ، فجلس على السرير ودانت له الملوك ، ودخل الملك بيته مع نسائه ، وفوض إليه أمر مصر ، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه .

قال ابن زيد : كان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة غير الطعام ، فسلم سلطانه كله إليه ، وهلك قطفير تلك الليالي ، فزوج الملك يوسف راعيل امرأة العزيز ، فلما دخل عليها قال : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟

!

فقالت : أيها الصديق لا تلمني ; فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك الله من الحسن فغلبتني نفسي .

فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له رجلين : إفراثيم بن يوسف ، ومنشا بن يوسف .

وقال وهب بن منبه : إنما كان تزويجه زليخاء امرأة العزيز بين دخلتي الإخوة ، وذلك أن زليخاء مات زوجها ويوسف في السجن ، وذهب مالها وعمي بصرها بكاء على يوسف ، فصارت تتكفف الناس ، فمنهم من يرحمها ومنهم من لا يرحمها ، وكان يوسف يركب في كل أسبوع مرة في موكب زهاء مائة ألف من عظماء قومه ، فقيل لها : لو تعرضت له لعله يسعفك بشيء ; ثم قيل لها : لا تفعلي ، فربما ذكر بعض ما كان منك من المراودة والسجن فيسيء إليك ، فقالت : أنا أعلم بخلق حبيبي منكم ، ثم تركته حتى إذا ركب في موكبه ، قامت فنادت بأعلى صوتها : سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم ، وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم ، فقال يوسف : ما هذه ؟

فأتوا بها ; فقالت : أنا التي كنت أخدمك على صدور قدمي ، وأرجل جمتك بيدي ، وتربيت في بيتي ، [ ص: 187 ] وأكرمت مثواك ، لكن فرط ما فرط من جهلي وعتوي فذقت وبال أمري ، فذهب مالي ، وتضعضع ركني ، وطال ذلي ، وعمي بصري ، وبعدما كنت مغبوطة أهل مصر صرت مرحومتهم ، أتكفف الناس ، فمنهم من يرحمني ، ومنهم من لا يرحمني ، وهذا جزاء المفسدين ; فبكى يوسف بكاء شديدا ، ثم قال لها : هل بقيت تجدين مما كان في نفسك من حبك لي شيئا ؟

فقالت : والله لنظرة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها ، لكن ناولني صدر سوطك ، فناولها فوضعته على صدرها ، فوجد للسوط في يده اضطرابا وارتعاشا من خفقان قلبها ، فبكى ثم مضى إلى منزله فأرسل إليها رسولا : إن كنت أيما تزوجناك ، وإن كنت ذات بعل أغنيناك ، فقالت للرسول : أعوذ بالله أن يستهزئ بي الملك !

لم يردني أيام شبابي وغناي ومالي وعزي أفيريدني اليوم وأنا عجوز عمياء فقيرة ؟

!

فأعلمه الرسول بمقالتها ، فلما ركب في الأسبوع الثاني تعرضت له ، فقال لها : ألم يبلغك الرسول ؟

فقالت : قد أخبرتك أن نظرة واحدة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا وما فيها ; فأمر بها فأصلح من شأنها وهيئت ، ثم زفت إليه ، فقام يوسف يصلي ويدعو الله ، وقامت وراءه ، فسأل الله تعالى أن يعيد إليها شبابها وجمالها وبصرها ، فرد الله عليها شبابها وجمالها وبصرها حتى عادت أحسن ما كانت يوم راودته ، إكراما ليوسف - عليه السلام - لما عف عن محارم الله ، فأصابها فإذا هي عذراء ، فسألها ; فقالت : يا نبي الله إن زوجي كان عنينا لا يأتي النساء ، وكنت أنت من الحسن والجمال بما لا يوصف ; قال : فعاشا في خفض عيش ، في كل يوم يجدد الله لهما خيرا ، وولدت له ولدين ; إفراثيم ومنشا .

وفيما روي أن الله تعالى ألقى في قلب يوسف من محبتها أضعاف ما كان في قلبها ، فقال لها : ما شأنك لا تحبينني كما كنت في أول مرة ؟

فقالت له : لما ذقت محبة الله تعالى شغلني ذلك عن كل شيء .الثانية : قال بعض أهل العلم : في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر ، والسلطان الكافر ، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه ، فيصلح منه ما شاء ; وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك .

وقال قوم : إن هذا كان ليوسف خاصة ، وهذا اليوم غير جائز ; والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه .

والله أعلم .

قال الماوردي : فإن كان المولي ظالما فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين : أحدهما - جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده ; لأن يوسف ولي من قبل فرعون ، [ ص: 188 ] ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره .

الثاني : أنه لا يجوز ذلك ; لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم ، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم ; فأجاب من ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قبل فرعون بجوابين : أحدهما : أن فرعون يوسف كان صالحا ، وإنما الطاغي فرعون موسى .

الثاني : أنه نظر في أملاكه دون أعماله ، فزالت عنه التبعة فيه .

قال الماوردي : والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام : أحدها : ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه كالصدقات والزكوات ، فيجوز توليه من جهة الظالم ، لأن النص على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه ، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التقليد .

والقسم الثاني : ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الاجتهاد في مصرفه كأموال الفيء ، فلا يجوز توليه من جهة الظالم ; لأنه يتصرف بغير حق ، ويجتهد فيما لا يستحق .

والقسم الثالث : ما يجوز أن يتولاه لأهله ، وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام ، فعقد التقليد محلول ، فإن كان النظر تنفيذا للحكم بين متراضيين ، وتوسطا بين مجبورين جاز ، وإن كان إلزام إجبار لم يجز .الثالثة : ودلت الآية أيضا على جواز أن يخطب الإنسان عملا يكون له أهلا ; فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها .

وعن أبي بردة قال : قال أبو موسى : أقبلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعي رجلان من الأشعريين ، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ، فكلاهما سأل العمل ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يستاك ، فقال : ما تقول يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس .

قال قلت : والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما ، وما شعرت أنهما يطلبان العمل ، قال : وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت ، فقال : لن - أو - لا نستعمل على عملنا من أراده وذكر الحديث ; خرجه مسلم أيضا وغيره ; فالجواب : أولا : أن يوسف - عليه السلام - إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره ، وهكذا الحكم اليوم ، لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في [ ص: 189 ] القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه ، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك ، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك ، كما قال يوسف - عليه السلام - : فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب ; لقوله - عليه السلام - لعبد الرحمن : لا تسأل الإمارة وأيضا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليلا على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه ، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك ; وهذا معنى قوله - عليه السلام - : ( وكل إليها ومن أباها لعلمه بآفاتها ، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها ، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها ، وهو معنى قوله : أعين عليها .

الثاني : أنه لم يقل : إني حسيب كريم ، وإن كان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ولا قال : إني جميل مليح ، إنما قال : إني حفيظ عليم فسألها بالحفظ والعلم ، لا بالنسب والجمال .

الثالث : إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه ، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى : فلا تزكوا أنفسكم .

الرابع : أنه رأى ذلك فرضا متعينا عليه ; لأنه لم يكن هنالك غيره ، وهو الأظهر ، والله أعلم .الرابعة ودلت الآية أيضا على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل ; قال الماوردي : وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات ، ولكنه مخصوص فيما اقترن بوصله ، أو تعلق بظاهر من مكسب ، وممنوع منه فيما سواه ، لما فيه من تزكية ومراءاة ، ولو ميزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله ; فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله ، ولما يرجو من الظفر بأهله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالَ } يوسف طلبا للمصلحة العامة: { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ } أي: على خزائن جبايات الأرض وغلالها، وكيلا حافظا مدبرا.

{ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } أي: حفيظ للذي أتولاه، فلا يضيع منه شيء في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع، والتصرف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه.

فلذلك طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، فجعله الملك على خزائن الأرض وولاه إياها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ف ( قال ) يوسف ( اجعلني على خزائن الأرض ) الخزائن : جمع خزانة ، وأراد خزائن الطعام والأموال ، والأرض : أرض مصر أي : خزائن أرضك .

وقال الربيع بن أنس : على خراج مصر ودخله .

( إني حفيظ عليم ) أي : [ حفيظ للخزائن عليم بوجوه مصالحها .

وقيل : حفيظ عليم ] كاتب حاسب .

وقيل : حفيظ لما استودعتني ، عليم بما وليتني .

وقيل : حفيظ للحساب عليم بالألسن أعلم لغة كل من يأتيني .

وقال الكلبي : حفيظ بتقديره في السنين الخصبة [ في الأرض الجدبة ] عليم بوقت الجوع حين يقع ، فقال له الملك .

ومن أحق به منك ؟

!

فولاه ذلك ، وقال له : إنك اليوم لدينا مكين ، ذو مكانة ومنزلة ، أمين على الخزائن .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الفنجوي حدثنا مخلد بن جعفر البقرجي حدثنا الحسن بن علويه ، حدثنا إسماعيل بن عيسى ، حدثنا إسحاق بن بشر ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ، ولكنه أخره لذلك سنة فأقام في بيته سنة مع الملك " .

وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما انصرمت السنة من اليوم الذي سأل الإمارة دعاه الملك فتوجه [ وقلده بسيفه ] ووضع له سريرا من ذهب مكلل بالدر والياقوت ، وضرب عليه حلة من إستبرق ، وطول السرير ثلاثون ذراعا ، وعرضه عشرة أذرع ، عليه ثلاثون فراشا وستون مقرمة ، ثم أمره أن يخرج ، فخرج متوجا ، ولونه كالثلج ، ووجهه كالقمر ، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه ، فانطلق حتى جلس على السرير ، ودانت له الملوك ، ودخل الملك بيته وفوض إليه أمر مصر وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه قاله ابن إسحاق .

وقال ابن زيد : وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلم سلطانه كله إليه ، وجعل أمره ، وقضاءه نافذا ، قالوا : ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي فزوج الملك يوسف راعيل امرأة قطفير فلما دخل عليها قال : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟

فقالت : أيها الصديق لا تلمني ، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ودنيا ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له ولدين : أفراثيم بن يوسف وميشا بن يوسف .

واستوثق ليوسف ملك مصر أي : اجتمع ، فأقام فيهم العدل ، وأحبه الرجال والنساء ، فذلك قوله تعالى :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال» يوسف «اجعلني على خزائن الأرض» أرض مصر «إني حفيظ عليم» ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل كاتب حاسب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأراد يوسف أن ينفع العباد، ويقيم العدل بينهم، فقال للملك: اجعلني واليًا على خزائن "مصر"، فإني خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما أتولاه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا طلب يوسف - عليه السلام - من الملك بعزة وإباء أن يجعله فى الوظيفة التى يحسن القيام بأعبائها ( قَالَ اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) والخزائن جمع خزانة - بكسر الخاء وهى اسم للمكان الذى يخزن فيه الشئ ، والمراد بالأرض : أرض مصر .أى : قال يوسف - عليه السلام - للملك : اجعلنى - أيها الملك - المتصرف الأول فى خزائن أرض مملتك ، المشتملة على ما يحتاج إليه الناس من أموال وأطعمة ، لأنى شديد الحفظ لما فيها ، عليم بوجوه تصريفها فيما يفيد وينفع .

.

.فأنت ترى أن يوسف - عليه السلام - لم يسأل الملك شيئا لنفسه من أعراض الدنيا ، وإنما طلب منه أن يعينه فى منصب يتمكن بواسطته من القيام برعاية مصالح الأمة ، وتدبير شئونها .

.

.

لأنها مقبلة على سنوات عجاف ، تحتاج إلى خبرة يوسف وأمانته وكفاءته وعلمه .

.

.قال صاحب الكشاف : " وصف يوسف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه ، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى - وإقامة الحق ، وبسط العدل ، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد ، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه فى ذلك ، فطلب التولية ابتغاء وجه الله - لا لحب الملك والدنيا "وقال القرطبى ما ملخصه : " ودلت الآية - أيضاً - على جواز أن يطلب الإِنسان عملاً يكون له أهلاً .فإن قيل : فإن ذلك يعارضه ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الأحاديث الصحيحة من نهيه عن طلب الإِمارة .

.

.فالجواب : أولاً : أن يوسف - عليه السلام - إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه فى العدل والإِصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم ، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه ، فإنه لم يكن هناك غيره .

.

.الثانى : أنه لم يقل اجعلنى على خزائن الأرض لأنى حسيب كريم ، وإن كان كذلك ، ولم يقل إنى جميل مليح .

.

.

وإنما قال ( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) فسألها بالحفظ والعلم لا بالنسب والجمال .الثالث : إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه ، وصار ذلك مستثنى من قوله - تعالى - ( فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ .

.

) والخلاصة أن يوسف - عليه السلام - إنما قال ما قال للملك ، ، وطلب ما طلب منه ، لأنه علم أن هذا المنصب لا يصلح له أحد سواه فى ذلك الوقت وفى تلك الظروف ، فهو يريد من ورائه خدمة الأمة لأجر منفعة شخصية لنفسه .

.

.وما قاله إنما هو من باب التحدث بنعمة الله - تعالى - الذى أعطاه هذه الصفات الكريمة ، والمناقب العالية ، وليس من باب تزكية النفس المحظورة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في هذا الملك فمنهم من قال: هو العزيز، ومنهم من قال: بل هو الريان الذي هو الملك الأكبر، وهذا هو الأظهر لوجهين: الأول: أن قول يوسف: ﴿ اجعلنى على خَزَائِنِ الأرض ﴾ يدل عليه.

الثاني: أن قوله: ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ﴾ يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له، وقد كان يوسف عليه السلام قبل ذلك خالصاً للعزيز، فدل هذا على أن هذا الملك هو الملك الأكبر.

المسألة الثانية: ذكروا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام وهو في الحبس وقال: قل اللهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه من السجن، وتقرير الكلام: أن الملك عظم اعتقاده في يوسف لوجوه: أحدها: أنه عظم اعتقاده في علمه، وذلك لأنه لما عجز القوم عن الجواب وقدر هو على الجواب الموافق الذي يشهد العقل بصحته مال الطبع إليه.

وثانيها: أنه عظم اعتقاده في صبره وثباته، وذلك لأنه بعد أن بقي في السجن بضع سنين لما أذن له في الخروج ما أسرع إلى الخروج بل صبر وتوقف وطلب أولاً ما يدل على براءة حاله عن جميع لتهم.

وثالثها: أنه عظم اعتقاده في حسن أدبه، وذلك لأنه اقتصر على قوله: ﴿ مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ  ﴾ وإن كان غرضه ذكر امرأة العزيز فستر ذكرها، وتعرض لأمر سائر النسوة مع أنه وصل إليه من جهتها أنواع عظيمة من البلاء وهذا من الأدب العجيب.

ورابعها: براءة حاله عن جميع أنواع التهم فإن الخصم أقر له بالطهارة والنزاهة والبراءة عن الجرم.

وخامسها: أن الشرابي وصف له جده في الطاعات واجتهاده في الإحسان إلى الذين كانوافي السجن.

وسادسها: أنه بقي في السجن بضع سنين، وهذه الأمور كل واحد منها يوجب حسن الاعتقاد في الإنسان، فكيف مجموعها، فلهذا السبب حسن اعتقاد الملك فيه وإذا أراد الله شيئاً جمع أسبابه وقواها.

إذا عرفت هذا فنقول: لما ظهر للملك هذه الأحوال من يوسف عليه السلام رغب أن يتخذه لنفسه فقال: ﴿ ائتونى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ﴾ روي أن الرسول قال ليوسف عليه السلام ثم إلى الملك متنظفاً من درن السجن بالثياب النظيفة والهيئة الحسنة فكتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء، ولما دخل عليه قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم دخل عليه وسلم ودعا له بالعبرانية والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك وهذا الملك طلب أن يكون يوسف له وحده وأنه لا يشاركه فيه غيره لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة الرفيعة فلما علم الملك أنه وحيد زمانه وفريد أقرانه أراد أن ينفرد به.

روي أن الملك قال ليوسف عليه السلام ما من شيء إلا وأحب أن تشركني فيه إلا في أهلي وفي أن لا تأكل معي فقال يوسف عليه السلام، أما ترى أن آكل معك، وأنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق الذبيح بن إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن المراد فلما كلم الملك يوسف عليه السلام قالوا لأن في مجالس الملوك لا يحسن لأحد أن يبتدئ بالكلام وإنما الذي يبتدئ به هو الملك، والثاني: أن المراد: فلما كلم يوسف الملك قيل: لما صار يوسف إلى الملك وكان ذلك الوقت ابن ثلاثين سنة، فلما رآه الملك حدثاً شاباً قال للشرابي: هذا هو الذي علم تأويل رؤياي مع أن السحرة والكهنة ماعلموها قال نعم، فأقبل على يوسف وقال: إني أحب أن أسمع تأويل الرؤيا منك شفاهاً، فأجاب بذلك الجواب شفاهاً وشهد قلبه بصحته، فعند ذلك قال له: ﴿ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ ﴾ يقال: فلان مكين عند فلان بين المكانة أي المنزلة، وهي حالة يتمكن بها صاحبها مما يريد.

وقوله: ﴿ أَمِينٌ ﴾ أي قد عرفنا أمانتك وبراءتك مما نسبت إليه.

واعلم أن قوله: ﴿ مِكِينٌ أَمِينٌ ﴾ كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب، وذلك لأنه لابد في كونه مكيناً من القدرة والعلم.

أما القدرة فلأن بها يحصل المكنة.

وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير لا يحصل إلا به إذ لو لم يكن عالماً بما ينبغي وبما لا ينبغي لا يمكنه تخصيص ما ينبغي بالفعل، وتخصيص ما لا ينبغي بالترك، فثبت أن كونه مكيناً لا يحصل إلا بالقدرة والعلم.

أما كونه أميناً فهو عبارة عن كونه حكيماً لا يفعل الفعل لداعي الشهوة بل إنما يفعله لداعي الحكمة، فثبت أن كونه مكيناً أميناً يدل على كونه قادراً، وعلى كونه عالماً بمواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وعلى كونه بحيث يفعل لداعي الحكمة لا لداعية الشهوة، وكل من كان كذلك فإنه لا يصدر عنه فعل الشر والسفه فلهذا المعنى لما حاولت المعتزلة إثبات أنه تعالى لا يفعل القبيح قالوا إنه تعالى لا يفعل القبيح لأنه تعالى عالم بقبح القبيح عالم بكونه غنياً عنه وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح قالوا: وإنما يكون غنياً عن القبيح إذا كان قادراً، وإذا كان منزهاً عن داعية السفه فثبت أن وصفه بكونه مكيناً أميناً نهاية ما يمكن ذكره في هذا الباب ثم حكى تعالى أن يوسف عليه السلام قال في هذا المقام ﴿ اجعلنى على خَزَائِنِ الارض إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون: لما عبر يوسف عليه السلام رؤيا الملك بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنون المجدبة بعنا الغلات فيحصل بهذا الطريق مال عظيم فقال الملك ومن لي بهذا الشغل فقال يوسف: ﴿ اجعلنى على خَزَائِنِ الارض ﴾ أي على خزائن أرض مصر وأدخل الألف واللام على الأرض، والمراد منه المعهود السابق.

روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أنه قال: «رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لأستعمله من ساعته لكنه لما قال ذلك أخره عنه سنة» وأقول هذا من العجائب لأنه لما تأبى عن الخروج من السجن سهل الله عليه ذلك على أحسن الوجوه ولما تسارع في ذكر الالتماس أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه وهذا يدل على أن ترك التصرف والتفويض بالكلية إلى الله تعالى أولى.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: لم طلب يوسف الإمارة والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة وأيضاً فكيف طلب الإمارة من سلطان كافر، وأيضاً لم لم يصبر مدة ولم أظهر الرغبة في طلب الأمارة في الحالة، وأيضاً لم طلب أمر الخزائن في أول الأمر، مع أن هذا يورث نوع تهمة وأيضاً كيف جوز من نفسه مدح نفسه بقوله: ﴿ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ مع أنه تعالى يقول: ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ وأيضاً فما الفائدة في قوله: ﴿ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ وأيضاً لم ترك الاستثناء في هذا فإن الأحسن أن يقول: إني حفيظ عليم إن شاء الله بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا  إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا  ﴾ فهذه أسئلة سبعة لابد من جوابها فنقول: الأصل في جواب هذه المسائل أن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه، فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان، إنما قلنا: إن ذلك التصرف كان واجباً عليه لوجوه: الأول: أنه كان رسولاً حقاً من الله تعالى إلى الخلق، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان، والثاني: وهو أنه عليه السلام علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم، فلعله تعالى أمره بأن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق، والثالث: أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول.

وإذا ثبت هذا فنقول: إنه عليه السلام كان مكلفاً برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فكان هذا الطريق واجباً عليه ولما كان واجباً سقطت الأسئلة بالكلية، وأما ترك الاستثناء فقال الواحدي: كان ذلك من خطيئة أوجبت عقوبة وهي أنه تعالى أخر عنه حصول ذلك المقصود سنة، وأقول: لعل السبب فيه أنه لو ذكر هذا الاستثناء لاعتقد فيه الملك أنه إنما ذكره لعلمه بأنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء، وأما قوله لم مدح نفسه فجوابه من وجوه: الأول: لا نسلم أنه مدح نفسه لكنه بين كونه موصوفاً بهاتين الصفتين النافعتين في حصول هذا المطلوب، وبين البابين فرق وكأنه قد غلب على ظنه أنه يحتاج إلى ذكر هذا الوصف لأن الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكنه ما كان عالماً بأنه يفي بهذا الأمر، ثم نقول هب أنه مدح نفسه إلا أن مدح النفس إنما يكون مذموماً إذا قصد الرجل به التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل، فأما على غير هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم فقوله تعالى: ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ المراد منه تزكية النفس حال مايعلم كونها غير متزكية، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى ﴾ أما إذا كان الإنسان عالماً بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه والله أعلم.

قوله ما الفائدة في وصفه نفسه بأنه حفيظ عليم؟

قلنا: إنه جار مجرى أن يقول حفيظ بجميع الوجوه التي منها يمكن تحصيل الدخل والمال، عليم بالجهات التي تصلح لأن يصرف المال إليها، ويقال: حفيظ بجميع مصالح الناس، عليم بجهات حاجاتهم أو يقال: حفيظ لوجوه أياديك وكرمك، عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والخضوع وهذا باب واسع يمكن تكثيره لمن أراده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ اجعلنى على خَزَائِنِ الأرض ﴾ ولني خزائن أرضك ﴿ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ أمين أحفظ ما تستحفظنيه، عالم بوجوه التصرف، وصفا لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أنّ أحداً غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض، لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة» فإن قلت: كيف جاز أن يتولى عملا من يد كافر ويكون تبعاً له وتحت أمره وطاعته؟

قلت: روى مجاهد أنه كان قد أسلم: وعن قتادة.

هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملاً من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه.

وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق.

فله أن يستظهر به.

وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في حكم التابع له والمطيع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ ولِّنِي أمْرَها والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ.

﴿ إنِّي حَفِيظٌ ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ في أمْرِهِ لا مَحالَةَ آثَرَ ما تَعُمُّ فَوائِدُهُ وتُجِلُّ عَوائِدُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ طَلَبِ التَّوْلِيَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لَها والتَّوَلِّي مِن يَدِ الكافِرِ إذا عُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إقامَةِ الحَقِّ وسِياسَةِ الخَلْقِ إلّا بِالِاسْتِظْهارِ بِهِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَلِكَ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ.

﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ﴾ في أرْضِ مِصْرَ.

﴿ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ ﴾ يَنْزِلُ مِن بِلادِها حَيْثُ يَهْوى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « نَشاءُ» بِالنُّونِ.

﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

﴿ وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ بَلْ نُوَفِّي أُجُورَهم عاجِلًا وآجِلًا.

﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ الشِّرْكَ والفَواحِشَ لِعَظَمِهِ ودَوامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال!

يوسف {اجعلني على خزائن الأرض} ولى على خزائن أرضك يعني مصر {إِنّى حَفِيظٌ} أمين أحفظ ما تستحفظنيه {عَلِيمٌ} عالم بوجوه التصرف وصف نفسه بالأمانة والكفاية وهما طلبة الملوك ممن يولونه وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد ولعلمه أن أحداً غيره لا يقوم مقامه في ذلك فطلبه ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا وفي الحديث رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة قالوا وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان جائر وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به وقيل كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى وكان في حكم التابع له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ وفي مَعْناهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أيْ أرْضِكَ الَّتِي تَحْتَ تَصَرُّفِكَ وقِيلَ: أرادَ بِالأرْضِ الجِنْسَ وبِخَزائِنِها الطَّعامَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنها و( عَلى ) مُتَعَلِّقَةٌ عَلى ما قِيلَ بِمُسْتَوْلٍ مُقَدَّرٍ والمَعْنى ولِّنِي عَلى أمْرِها مِنَ الإيرادِ والصَّرْفِ ﴿ إنِّي حَفِيظٌ ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها ﴿ عَلِيمٌ ﴾ .

(55) .

بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيها وقِيلَ: بِوَقْتِ الجُوعِ وقِيلَ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ عَلِيمٌ بِالألْسُنِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِالحَقِّ إذا جُهِلَ أمْرُهُ: وجَوازُ طَلَبِ الوِلايَةِ إذا كانَ الطّالِبُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ العَدْلِ وإجْراءِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ وإنْ كانَ مِن يَدِ الجائِرِ أوِ الكافِرِ ورُبَّما يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ إذا تَوَقَّفَ عَلى وِلايَتِهِ إقامَةُ واجِبٍ مَثَلًا وكانَ مُتَعَيَّنًا لِذَلِكَ وما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لا تَسْألِ الإمارَةَ فَإنَّكَ إنْ أُوتِيتَها عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها وإنْ أُعْطِيتَها مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها» وارِدٌ في غَيْرِ ما ذُكِرَ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَلَّ إيثارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتِلْكَ الوِلايَةِ خاصَّةً إنَّما كانَ لِلْقِيامِ بِما هو أهَمُّ أُمُورِ السَّلْطَنَةِ إذْ ذاكَ مِن تَدْبِيرِ أمْرِ السِّنِينَ لِكَوْنِهِ مِن فُرُوعِ تِلْكَ الوِلايَةِ لا لِمُجَرَّدِ عُمُومِ الفائِدَةِ كَما قِيلَ.

وجاءَ في رِوايَةِ أنَّ المَلِكَ لَمّا كَلَّمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَصَّ رُؤْياهُ لَهُ قالَ: ما تَرى أيُّها الصِّدِّيقُ قالَ: تَزْرَعُ في سِنِي الخِصْبِ زَرْعًا كَثِيرًا فَإنَّكَ لَوْ زَرَعْتَ فِيها عَلى حَجْرٍ نَبَتَ وتَبْنِي الخَزائِنَ وتَجْمَعُ فِيها الطَّعامَ بِقَصَبِهِ وسُنْبُلِهِ فَإنَّهُ أبْقى لَهُ ويَكُونُ القَصَبُ عَلَفًا لِلدَّوابِّ فَإذا جاءَتِ السُّنُونُ بِعْتُ ذَلِكَ فَيَحْصُلُ لَكَ مالٌ عَظِيمٌ فَقالَ المَلِكُ: ومَن لِي بِهَذا ومَن يَجْمَعُهُ ويَبِيعُهُ لِي ويَكْفِينِي العَمَلُ فِيهِ فَقالَ: ﴿ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ ..

إلَخْ والظّاهِرُ أنَّهُ أجابَهُ لِذَلِكَ حِينَ سَألَهُ وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ إجابَتَهُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ غِنًى عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ لا سِيَّما بَعْدَ تَقْدِيمِ ما تَنْدَرِجُ تَحْتَهُ أحْكامُ السَّلْطَنَةِ جَمِيعُها وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ: ﴿ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ لاسْتَعْمَلَهُ مِن ساعَتِهِ ولَكِنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ سَنَةً» ثُمَّ إنَّهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَوَّجَهُ وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ ورَدّاهُ بِسَيْفِهِ ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ طُولُهُ ثَلاثُونَ ذِراعًا وعَرْضُهُ عَشْرَةُ أذْرُعٍ ووَضَعَ عَلَيْهِ الفُرُشَ وضَرَبَ عَلَيْهِ حُلَّةً مَنِ إسْتَبْرَقٍ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا السَّرِيرُ فَأشُدُّ بِهِ مُلْكَكَ وأمّا الخاتَمُ فَأُدَبِّرُ بِهِ أمْرَكَ وأمّا التّاجُ فَلَيْسَ مِن لِباسِي ولا لِباسِ آبائِي فَقالَ: قَدْ وضَعْتُهُ إجْلالًا لَكَ وإقْرارًا بِفَضْلِكَ فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ وفَوَّضَ إلَيْهِ المَلِكُ أمَرَهُ وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ وأحَبَّتْهُ الرِّجالُ والنِّساءُ وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأُولى بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ وفي الثّانِيَةِ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ وفي الثّالِثَةِ بِالدَّوابِّ والمَواشِي وفي الرّابِعَةِ بِالعَبِيدِ والجَوارِي وفي الخامِسَةِ بِالضَّياعِ والعَقارِ وفي السّادِسَةِ بِالأوْلادِ وفي السّابِعَةِ بِالرِّقابِ حَتّى اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا وكانَ ذَلِكَ مِمّا يَصِحُّ في شَرْعِهِمْ فَقالُوا: ما رَأيْنا كاليَوْمِ مَلِكًا أجَلَّ وأعْظَمَ مِنهُ فَقالَ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ رَأيْتَ صُنْعَ اللَّهِ تَعالى فِيما خَوَّلَنِي فَما تَرى في هَؤُلاءِ فَقالَ المَلِكُ: الرَّأْيُ رَأْيُكَ ونَحْنُ لَكَ تَبَعٌ فَقالَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ تَعالى وأُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ أعْتَقْتُهم ورَدَدْتُ إلَيْهِمْ أمْلاكَهم.

ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في ذَلِكَ إظْهارُ قُدْرَتِهِ وكَرَمِهِ وانْقِيادُهم بَعْدَ ذَلِكَ لِأمْرِهِ حَتّى يَخْلُصَ إيمانُهم ويَتَّبِعُوهُ فِيما يَأْمُرُهم بِهِ فَلا يُقالُ: ما الفائِدَةُ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المالِ العَظِيمِ ثُمَّ إضاعَتِهِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ المُدَّةِ فِيما يُرْوى لا يَشْبَعُ مِنَ الطَّعامِ فَقِيلَ لَهُ: أتَجُوعُ وخَزائِنُ الأرْضِ بِيَدِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ شَبِعْتُ أنْسى الجائِعَ وأمَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَبّاخِي المَلِكِ أنْ يَجْعَلُوا غِذاءَهُ نِصْفَ النَّهارِ وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَذُوقَ طَعْمَ الجُوعِ قَلّا يَنْسى الجِياعَ قِيلَ: ومِن ثَمَّ جَعَلَ المُلُوكُ غِذاءَهم نِصْفَ النَّهارِ وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى ما آتاهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي يعني: أجعله في خاصة نفسي.

فلما خرج يوسف من السجن، ودّع أهل السجن، ودعا لهم وقال: اللهم اعطف قلوب الصالحين عليهم، ولا تستر الأخبار عليهم.

فمن ثم تقع الأخبار عند أهل السجن، قبل أن تقع عند عامة الناس.

ولما دخل يوسف على الملك وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً، فأجابه يوسف بذلك كله.

ثم تكلم يوسف بالعبرانية، فلم يحسنها الملك، فقال: ما هذا اللسان يا يوسف؟

قال: هذا لسان آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام.

ثم كلمه بالعربية، فلم يحسنها الملك، فقال: ما هذا اللسان؟

فقال: لسان عمي إسماعيل فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ في المنزلة أَمِينٌ على ما وكلتك.

قَالَ له يوسف  : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ يعني: على خراج مصر إِنِّي حَفِيظٌ للتدبير.

ويقال: حَفِيظٌ بما وكلت به عَلِيمٌ بجميع الألسن.

ويقال: عَلِيمٌ بأخذها ووضعها مواضعها.

وإنما سأل ذلك صلاحاً للخلق، لأنه علم أنه ليس أحد يقوم بإصلاح ذلك الأمر مثله.

ويقال: حَفِيظٌ عَلِيمٌ يعني: عليماً بساعة الجوع.

وكان الملك يأكل في كل يوم نصف النهار.

فلما كانت الليلة التي قضى الله بالقحط فيها، أمر يوسف بأن يتخذ طعام الملك بالليل، فلما أصبح الملك قال: الجوع الجوع.

فأتي بطعام مهيئ، قال: وما يدريكم بذلك؟

قالوا: أمرنا بذلك يوسف، ففوض الملك أموره كلها إلى يوسف، وهو قوله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ يعني: صنعنا ليوسف فِي الْأَرْضِ يعني: أرض مصر يَتَبَوَّأُ مِنْها يعني: ينزل منها حَيْثُ يَشاءُ.

قرأ ابن كثير حَيْثُ نَشاءُ بالنون يعني: حيث يشاء الله.

وقرأ الباقون: بالياء حَيْثُ يَشاءُ يوسف نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ نختص بنعمتنا: النبوة، والإسلام، والنجاة من نشاء وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يعني: لا نبطل ثواب الموحدين، حتى نوفيّه جزاءه في الدنيا، ومع ذلك له ثواب في الآخرة، فذلك قوله تعالى: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ يعني: ثواب الآخرة أفضل مما أعطي في الدنيا لِلَّذِينَ آمَنُوا أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى وَكانُوا يَتَّقُونَ الشرك.

وروي في الخبر: أن زوج زليخا مات، وبقيت امرأته زليخا.

فجلست يوماً على الطريق، فمر عليها يوسف في حشمه، فقالت زليخا: الحمد لله الذي جعل العبد ملكاً بطاعته، وجعل الملك مملوكا بمعصيته.

وتزوجها يوسف فوجدها عذراء، وأخبرت أن زوجها كان عنيناً، لم يصل إليها.

ثم وقع القحط بالناس حتى أكلوا جميع ما في أيديهم، واحتاجوا إلى ما عند يوسف.

وكان يوسف قد جمع في وقت الخصب مقدار ما يكفي السنين المجدبة للأكل والبيع، فجعل الناس يعطونه أموالهم: العروض، والرقيق، والعقار، وغير ذلك، ويأخذون منه الطعام.

ووقع القحط بأرض كنعان، حتى أصاب آل يعقوب الحاجة إلى الطعام، فقال يعقوب لبنيه: إنهم يزعمون أن بمصر ملكاً يبيع الطعام، فخرج بنو يعقوب وهم عشرة نحو مصر حتى أتوا يوسف فدخلوا عليه، وعليه زي الملوك فلم يعرفوه، فعرفهم يوسف، وكلموه بالعبرانية، فأرسل يوسف إلى الترجمان، وهو يعلم لسانهم.

ولكنه أراد أن يشتبه عليهم، فذلك قوله تعالى: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ يعني: عرف يوسف أنهم إخوته وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ يعني: لم يعرفوا أنه يوسف، لأنهم كانوا فارقوه في حال الصغر، وكان يوسف عليه زي الملوك، بخلاف ما كانوا كانوا رأوه في حال الصغر.

روى أسباط عن السدي وغيره، قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحب أمره الذي يلي البيع والتجارة.

فبعث يعقوب بنيه إلى مصر، فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ عرفهم.

فلما نظر إليهم، قال: أخبروني ما أمركم؟

فإني أنكر شأنكم.

قالوا: نحن قوم من أرض الشام.

قال: فما جاء بكم؟

قالوا: جئنا نمتار طعاماً.

قال: كأنكم عيون كم أنتم؟

قالوا: عشرة.

قال: أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم أمير ألف رجل، فأخبروني خبركم.

قالوا: إنا إخوة بنو رجل صديق، وإنا كنا اثني عشر، فكان أبونا يحب أخاً لنا، وهو هلك في الغنم، ووجدنا قميصه ملطخاً بالدم، فأتينا به أبانا، فكان أحبنا إلى أبينا منا.

قال: فإلى من سكن منكم أبوكم بعده؟

قالوا: إلى أخ له أصغر منه.

قال: فكيف تخبروني أنه صديق، وهو يختار الصغير منكم دون الكبير؟

وكيف تخبروني أنه هلك، وبقي قميصه؟

فلو كان اللصوص قتلوه لأخذوا قميصه، ولو كان الذئب أكله لمزق قميصه.

فإذا كلامكم متناقض، احبسوهم.

ثم قال: إِن كُنتُمْ صادقين في مقالتكم، فخلفوا عندي بعضكم، واتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ قالوا: اختر أينا شئت، فارتهن شمعون، ثم أمر يوسف بوفاء كيلهم، فذلك قوله تعالى: وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ يعني: كال لهم كيلهم، وأعطى كل واحد منهم حمل بعير، ثم قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ يعني: أفضل من يضيف ويكرم الذي نزل به فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ يعني: بأخيكم فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي فيما تستقبلون وَلا تَقْرَبُونِ يعني: ولا تستقبلوا إليَّ مرة أخرى، فإني لا أعطي لكم الطعام.

قال الزجاج: القراءة بالكسر يعني: بكسر النون وهو الوجه.

ويجوز وَلا تَقْرَبُونِ بفتح النون، لأنها نون الجماعة كما قال: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] بفتح النون.

قال: ويكون وَلا تَقْرَبُونِ لفظه لفظ الخبر، ومعناه: معنى النهي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

اتصف بها نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، إِذ كان خلقه القرآن، كما روته عائشةُ في الصحيحِ، وكما ذكر اللَّه سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] انتهى.

وقوله: إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ، فيه وعيدٌ، وقوله: مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ: المعنى: فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسوة، وامرأة العزيزِ معَهُنَّ، وقال لهنَّ: مَا خَطْبُكُنَّ ...

الآية: أي: أيُّ شيء كانَتْ قصَّتَكُن، فجاوب النساءُ بجوابٍ جيدٍ، تظهر منه براءَةُ أَنفُسِهِنَّ، وأعطَيْنَ يوسُفَ بعْضَ براءةٍ، فقلْنَ: حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ، فلما سمعت امرأة العزيزِ مقالَتَهُنَّ وَحَيْدَتَهُنَّ، حضَرَتْها نيَّةٌ وتحقيقٌ، فقالتِ: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، أي: تبيَّنَ الحقُّ بعد خفائِهِ قاله الخليل وغيره، قال البخاريُّ: حَاشَ وحَاشَى: تنزيهٌ واستثناء، وحَصْحَصَ: وَضَح.

انتهى.

ثم أقرَّتْ على نفسها بالمراودةِ، والتزمت الذنْبَ، وأبرأَتْ يوسُفَ البراءةَ التامَّة.

وقوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ إِلى قوله: إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ:

اختلف فيه أَهْلُ التأويل، هل هو مِنْ قولِ يوسُفَ أَو من قول امرأة العزيز.

وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي: المعنى: أن الملك، لَمَّا تَبَيَّنَتْ له براءة يُوسُفُ وتحقَّق في القصَّة أمانته، وفَهِمَ أيضاً صبره وعُلُوَّ همته، عظُمَتْ عنده منزلتُهُ، وتيقَّن حُسْنَ خلاله، فقال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، فلما جاءه وكلَّمه قال:

إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ: قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «١» : قوله: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ: أي: متمكِّن مما أردتَّ، أمين على ما ائتمنت عليه من شيء أمَّا أمانته فلظهورِ برائته، وأمَّا مكانته، فلثبوت عفَّته: ونَزَاهَتِهِ/ انتهى، وَلَمَّا فهم يوسُفُ عليه السلام من المَلِكِ أنَّه عزم على تصريفه والاستعانة بِنَظَرِهِ، قال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ، لما في ذلك من مصالح العباد.

قال ع «٢» : وطِلبَةُ يوسُفَ للعملِ إِنما هي حِسْبَةٌ منه عليه السلام في رغبته في أن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُبَرِّئُ ﴾ في القائِلِ لِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ، وهي الَّتِي تَقَدَّمَتْ في الآيَةِ قَبْلَها.

فالَّذِينَ قالُوا: هو يُوسُفُ، اخْتَلَفُوا في سَبَبِ قَوْلِهِ لِذَلِكَ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ غَمَزَهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ ؟

فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ: ﴿ لَمْ أخُنْهُ ﴾ ذَكَرَ أنَّهُ قَدْ هَمَّ بِها فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ ذَلِكَ، خافَ أنْ يَكُونَ قَدْ زَكّى نَفْسَهُ، فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا قالَهُ، قالَ لَهُ المَلَكُ الَّذِي مَعَهُ: اذْكُرْ ما هَمَمْتَ بِهِ، فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ لَمّا قالَهُ، قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: ولا يَوْمَ حَلَلْتَ سَراوِيلَكَ، فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والَّذِينَ قالُوا: هَذا قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ، فالمَعْنى: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي أنِّي كُنْتُ راوَدْتُهُ.

والَّذِينَ قالُوا: هو العَزِيزُ، فالمَعْنى: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ، لِأنَّهُ قَدْ خَطَرَ لِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ ويَعْقُوبُ إلّا رُوَيْسًا: " بِالسُّوءِ إلّا " بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ بِتَحْقِيقِ الثّانِيَةِ وحَذْفِ الأُولى.

ورَوى نَظِيفٌ عَنْ قُنْبُلٍ بِتَحْقِيقِ الأُولى وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ووَرْشٌ، ورُوَيْسٌ بِتَحْقِيقِ الأُولى وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، مِثْلُ: " السُّوء عِلّا " .

ورَوى ابْنُ فُلَيْحٍ بِتَحْقِيقِ الثّانِيَةِ وقَلْبِ الأُولى واوًا، وأدْغَمَها في الواوِ الَّتِي قَبْلَها.

فَتَصِيرُ واوًا مَكْسُورَةً مُشَدَّدَةً قَبْلَ هَمْزَةِ " إلّا " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: إلّا أنَّ رَحْمَةَ رَبِّي عَلَيْها المُعْتَمَدُ.

قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المَعْنى: إلّا مَن عَصَمَ رَبِّي.

وقِيلَ: " ما " بِمَعْنى " مَن " .

قالَ الماوَرْدِيُّ: ومَن قالَ: هو قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ، فالمَعْنى: إلّا مَن رَحِمَ رَبِّي في قَهْرِهِ لِشَهْوَتِهِ، أوْ في نَزْعِها عَنْهُ.

ومَن قالَ: هو قَوْلُ العَزِيزِ، فالمَعْنى: إلّا مَن رَحِمَ رَبِّي بِأنْ يَكْفِيَهُ سُوءَ الظَّنِّ، أوْ يُثَبِّتَهُ فَلا يَعْجَلُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والقَوْلُ بِأنَّ هَذا قَوْلُ يُوسُفَ، أصَحُّ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ العُلَماءَ عَلَيْهِ.

والثّانِي: لِأنَّ المَرْأةَ كانَتْ عابِدَةَ وثَنٍ، وما تَضَمَّنَتْهُ " الآيَةُ " ألْيَقُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ يُوسُفَ مِن قَوْلِ مَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا تَبَيَّنَ المَلِكُ عُذْرَ يُوسُفَ وعَلِمَ أمانَتَهُ، قالَ: ﴿ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ أيْ: أجْعَلُهُ خالِصًا لِي، لا يَشْرَكُنِي فِيهِ أحَدٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ في بَعْضِ ما مَضى أنَّ يُوسُفَ قالَ في مَجْلِسِ المَلِكِ: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ ، فَكَيْفَ قالَ المَلِكُ: " ائْتُونِي بِهِ " وهو حاضِرٌ عِنْدَهُ ؟!

فالجَوابُ: أنَّ أرْبابَ هَذا القَوْلِ يَقُولُونَ: أمَرَ المَلِكُ بِإحْضارِهِ لِيُقَلِّدَهُ الأعْمالَ في غَيْرِ المَجْلِسِ الَّذِي اسْتَحْضَرَهُ فِيهِ لِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا.

قالَ وهْبٌ: لَمّا دَخَلَ يُوسُفُ عَلى المَلِكِ، وكانَ المَلِكُ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا، كانَ كُلَّما كَلَّمَهُ بِلِسانٍ، أجابَهُ يُوسُفُ بِذَلِكَ اللِّسانِ، فَعَجِبَ المَلِكُ، وكانَ يُوسُفُ يَوْمَئِذٍ ابْنَ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَقالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ شِفاهًا فَذَكَرَها لَهُ، قالَ: فَما تَرى أيُّها الصِّدِّيقُ ؟

قالَ: أرى أنْ تَزْرَعَ زَرْعًا كَثِيرًا في هَذِهِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ، وتَجْمَعَ الطَّعامَ، فَيَأْتِيكَ النّاسُ فَيَمْتارُونَ، وتَجْمَعُ عِنْدَكَ مِنَ الكُنُوزِ مالَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ، فَقالَ المَلِكُ: ومَن لِي بِهَذا ؟

فَقالَ يُوسُفُ: ﴿ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويُرِيدُ: بِقَوْلِهِ: ﴿ مَكِينٌ أمِينٌ ﴾ أيْ: قَدْ مَكَّنْتُكَ في مُلْكِي وائْتَمَنتُكَ فِيهِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَكِينُ: الوَجِيهُ، والأمِينُ: الحافِظُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ أيْ: خَزائِنِ أرْضِكَ.

وَفِي المُرادِ بِالخَزائِنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ الأمْوالِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: خَزائِنُ الطَّعامِ فَحَسْبُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سَألَ ذَلِكَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ بُعِثُوا بِالعَدْلِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لا أحَدَ أقْوَمُ بِذَلِكَ مِنهُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: حَفِيظٌ لِما ولَّيْتَنِي، عَلِيمٌ بِالمَجاعَةِ مَتى تَكُونُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي، عَلِيمٌ بِهَذِهِ السِّنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ، عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ أنَّ النّاسَ كانُوا يَرِدُونَ عَلى المَلِكِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ فَيَتَكَلَّمُونَ بِلُغاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.

واخْتَلَفُوا، هَلْ ولّاهُ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ، أمْ لا ؟

عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ولّاهُ بَعْدَ سَنَةٍ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ، لَوْ لَمْ يَقُلْ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، لاسْتَعْمَلَهُ مِن ساعَتِهِ، ولَكِنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ سَنَةً» " .

وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: " «لَوْ أنَّ يُوسُفَ قالَ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، لَمَلَكَ مِن وقْتِهِ» " .

قالَ مُجاهِدٌ: أسْلَمَ المَلِكُ عَلى يَدِ يُوسُفَ، وقالَ أهْلُ السِّيَرِ: أقامَ في بَيْتِ المَلِكِ سَنَةً، فَلَمّا انْصَرَمَتْ، دَعاهُ المَلِكُ، فَتَوَّجَهُ، ورَدّاهُ بِسَيْفِهِ، وأمَرَ لَهُ بِسَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ، وضَرَبَ عَلَيْهِ كِلَّةً مِن إسْتَبْرَقٍ، فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ كالقَمَرِ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، ولَزِمَ المَلِكُ بَيْتَهُ، وفَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ، وعَزَلَ قِطْفِيرَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وجَعَلَ يُوسُفَ مَكانَهُ، ثُمَّ إنْ قِطْفِيرَ هَلَكَ في تِلْكَ اللَّيالِي، فَزَوَّجَ المَلِكُ يُوسُفَ بِامْرَأةٍ قِطْفِيرَ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها قالَ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا تُرِيدِينَ ؟

فَقالَتْ: أيُّها الصِّدِّيقُ لا تَلُمْنِي، فَإنِّي كُنْتُ امْرَأةً حَسْناءَ في مُلْكٍ ودُنْيا، وكانَ صاحِبِي لا يَأْتِي النِّساءَ، فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي، فَلَمّا بَنى بِها يُوسُفُ وجَدَها عَذْراءَ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَيْنِ، إفْرايِيمَ، ومِيشا، واسْتَوْسَقَ لَهُ مُلْكُ مِصْرَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَلَّكَهُ بَعْدَ سَنَةٍ ونِصْفٍ، حَكاهُ مُقاتِلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ الأمْرَ مِن وقْتِهِ، قالَهُ وهْبٌ، وابْنُ السّائِبِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ يُوسُفُ: ﴿ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ تَرْكَ الِاسْتِثْناءِ أوْجَبَ عُقُوبَةً بِأنْ أُخِّرَ تَمْلِيكُهُ، عَلى ما ذَكَرْنا عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ أضْمَرَ الِاسْتِثْناءَ، كَما أضْمَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ﴾ والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ أنَّ حِفْظِي وعِلْمِي يَزِيدانِ عَلى حِفْظِ غَيْرِي وعِلْمِهِ، فَلَمْ يَحْتَجْ هَذا إلى الِاسْتِثْناءِ، لِعَدَمِ الشَّكِّ فِيهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَدَحَ نَفْسَهُ بِهَذا القَوْلِ، ومِن شَأْنِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ التَّواضُعُ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا خَلا مَدْحُهُ لِنَفْسِهِ مِن بَغْيٍ وتَكَبُّرٍ، وكانَ مُرادُهُ بِهِ الوُصُولَ إلى حَقٍّ يُقِيمُهُ وعَدْلٍ يُحْيِيهِ وجَوْرٍ يُبْطِلُهُ، كانَ ذَلِكَ جَمِيلًا جائِزًا، وقَدْ قالَ نَبِيُّنا  : " «أنا أكْرَمُ ولَدِ آدَمَ عَلى رَبِّهِ» "، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: واللَّهِ ما مِن آيَةٍ إلّا وأنا أعْلَمُ أبِلَيْلٍ نَزَلَتْ، أمْ بِنَهارٍ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أعْلَمُ أحَدًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الإبِلُ لَأتَيْتُهُ.

فَهَذِهِ الأشْياءُ، خَرَجَتْ مَخْرَجَ الشُّكْرِ لِلَّهِ، وتَعْرِيفِ المُسْتَفِيدِ ما عِنْدَ المُفِيدِ، ذَكَرَ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: في قِصَّةِ يُوسُفَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالفَضْلِ عِنْدَ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَحْظُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، قالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْعامِ الَّذِي أنْعَمْنا عَلَيْهِ في دَفْعِ المَكْرُوهِ عَنْهُ، وتَخْلِيصِهِ مِن السِّجْنِ، وتَقْرِيبِهِ مِن قَلْبِ المَلِكِ، أقْدَرْناهُ عَلى ما يُرِيدُ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْزِلُ حَيْثُ أرادَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والمُفَضَّلُ: ﴿ حَيْثُ نَشاءُ ﴾ بِالنُّونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا ﴾ أيْ: نَخْتَصُّ بِنِعْمَتِنا مِنَ النُّبُوَّةِ والنَّجاةِ ﴿ مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.

يُقالُ: إنَّ يُوسُفَ باعَ أهْلَ مِصْرَ الطَّعامَ بِأمْوالِهِمْ، وحُلِيِّهِمْ، ومَواشِيهِمْ، وعَقارِهِمْ، وعَبِيدِهِمْ، ثُمَّ بِأوْلادِهِمْ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ، ثُمَّ قالَ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ تَرى صُنْعَ رَبِّي ؟

فَقالَ المَلِكُ: إنَّما نَحْنُ لَكَ تَبَعٌ، قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ أعْتَقْتُ أهْلَ مِصْرَ ورَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أمْلاكَهم.

وكانَ يُوسُفُ لا يَشْبَعُ في تِلْكَ الأيّامِ، ويَقُولُ: إنِّي أخافُ أنْ أنْسى الجائِعَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ المَعْنى: إنَّ المَلِكَ لِما تَبَيَّنَتْ لَهُ بَراءَةُ يُوسُفَ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ، وتَحَقَّقَ في القِصَّةِ أمانَتُهُ، وفَهِمَ أيْضًا صَبْرَهُ وجَلَدَهُ -عَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ عِنْدَهُ، وتَيَقَّنَ حُسْنَ خِلالِهِ فَقالَ: ﴿ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ .

وهَذا الَّذِي أمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ -بِتَثَبُّتِهِ في السِجْنِ- أنْ يَرْتَقِيَ إلى أعْلى المَنازِلِ، فَتَأمَّلْ أنَّ المَلِكَ قالَ أوَّلًا -حِينَ تَحَقَّقَ عِلْمُهُ-: ﴿ ائْتُونِي بِهِ ﴾ فَقَطْ، فَلَمّا فَعَلَ يُوسُفُ ما فَعَلَ، فَظَهَرَتْ أمانَتُهُ وصَبْرُهُ وعُلُوُّ هِمَّتِهِ وجَوْدَةُ نَظَرِهِ قالَ: ﴿ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ ، فَلَمّا جاءَهُ وكَلَّمَهُ قالَ: ﴿ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ ﴾ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ رَأى مِن كَلامِهِ وحُسْنِ مَنطِقِهِ ما صَدَّقَ بِهِ الخَبَرَ أو أرْبى عَلَيْهِ؛ إذِ المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ، ثُمَّ لَمّا زاوَلَ الأعْمالَ مَشى القُدَمِيَّةَ حَتّى ولِيَ خُطَّةَ العَزِيزِ.

و"أمِينٌ" مِنَ الأمانَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى آمِنٌ.

وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن نَمَطِ الكَلامِ، ويَنْحَطُّ إكْرامُ يُوسُفَ كَثِيرًا.

ويُرْوى أنَّ المَلِكَ لَمّا أدْنى يُوسُفَ قالَ لَهُ: إنِّي أُشارِكُكَ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا أنِّي أُحِبُّ أنْ لا تُشْرِكُنِي في أهْلِي، وألّا تَأْكُلَ عِنْدِي، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: أتَأْنَفُ أنْ آكُلَ مَعَكَ؟!

أنا أحَقُّ أنْ آنَفُ، أنا ابْنُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ، وابْنُ إسْحاقَ الذَبِيحِ، وابْنُ يَعْقُوبَ الصِدِّيقِ، وفي هَذا الحَدِيثِ بُعْدٌ وضَعْفٌ.

وقَدْ قالَ ابْنُ مَيْسَرَةَ: إنَّما جَرى هَذا في أوَّلِ أمْرِهِ، كانَ يَأْكُلُ مَعَ العَزِيزِ، فَلَمّا جَرَتْ قَصَّةُ المَرْأةِ قالَتْ لِلْعَزِيزِ: أتَدَعُ هَذا يُؤاكِلُكَ؟

فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ فَكُلْ مَعَ العَبِيدِ، فَأنِفَ وقالَ ما تَقَدَّمُ.

أمّا أنَّ الظاهِرَ مِن قِصَّتِهِ وقْتَ مُحاوَرَةِ المَلِكِ أنَّهُ كانَ عَلى عُبُودِيَّةٍ، وإلّا كانَ اللائِقُ بِهِ أنْ يَنْتَحِيَ بِنَفْسِهِ عن عَمَلِ الكافِرِ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا أهْلَ أوثانٍ، ومُحاوَرَةُ يُوسُفَ لِصاحِبِي السِجْنِ تَقْضِي بِذَلِكَ.

وسَمّى اللهُ تَعالى فِرْعَوْنَ مِصْرَ مَلِكًا؛ إذْ هي حِكايَةُ اسْمٍ مَضى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ زَمَنُهُ، ولَوْ كانَ حَيًّا لَكانَ حُكْمًا لَهُ إذا قِيلَ لِكافِرٍ: "مَلِكٌ أو أمِيرٌ"، ولِهَذا «كَتَبَ النَبِيُّ  إلى هِرَقْلَ فَقالَ: "عَظِيمُ الرُومِ "،» ولَمْ يَقُلْ: مَلِكًا ولا أمِيرًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ، والحَقُّ أنْ يُسْلِمَ ويُسْلِمُوا.

وأمّا كَوْنُهُ عَظِيمَهم فَتِلْكَ صِفَةٌ لا تُفارِقُهُ كَيْفَما تَقَلَّبُ، ولَوْ كَتَبَ لَهُ النَبِيُّ  : "أمِيرُ الرُومِ "، لَتَمَسَّكَ بِتِلْكَ الحُجَّةِ عَلى نَحْوِ تَمَسُّكِ زِيادٍ في قَوْلِهِ: "شَهِدَ -واللهِ- لِي أبُو الحَسَنِ ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ الآيَةُ.

فَهِمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المَلِكِ أنَّهُ عَلى تَصْرِيفِهِ والِاسْتِعانَةِ بِنَظَرِهِ في المُلْكِ، فَألْقى يَدَهُ في الفِعْلِ الَّذِي يُمْكِنُهُ فِيهِ المَعْدِلَةَ، ويَتَرَتَّبُ لَهُ الإحْسانُ إلى مَن يَجِبُ، ووَضْعُ الحَقِّ عَلى أهْلِهِ وعِنْدَ أهْلِهِ.

قالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: في هَذِهِ الآيَةِ ما يُبِيحُ لِلرَّجُلِ الفاضِلِ أنْ يَعْمَلَ لِلرَّجُلِ الفاجِرِ بِشَرْطِ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ يُفَوَّضُ إلَيْهِ في فَعْلِ ما لا يُعارِضُ فِيهِ، فَيُصْلِحُ مِنهُ ما يَشاءُ، وأمّا إنْ كانَ عَمَلُهُ بِحَسْبَ اخْتِيارِ الفاجِرِ وشَهَواتِهِ وفُجُورِهِ فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وطُلْبَةُ يُوسُفِ لِلْعَمَلِ إنَّما هي حِسْبَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ لِرَغْبَتِهِ في أنْ يَقَعَ العَدْلُ، ونَحْوَ هَذا هو دُخُولُ أبِي بَكْرٍ الصَدِّيقِ في الخِلافَةِ، مَعَ نَهْيِهِ المُسْتَشِيرَ لَهُ مِنَ الأنْصارِ أنْ يَتَأمَّرَ عَلى اثْنَيْنِ، الحَدِيثُ بِكَمالِهِ.

فَجائِزٌ لِلْفاضِلِ أنْ يَعْمَلَ وأنْ يَطْلُبَ العَمَلَ إذا رَأى ألّا عِوَضَ مِنهُ، وجائِزٌ أيْضًا لِلْمَرْءِ أنْ يُثْنِيَ عَلى نَفْسِهِ بِالحَقِّ إذا جُهِلَ أمْرُهُ.

والخَزائِنُ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَخْتَزِنُهُ المَمْلَكَةُ مِن طَعامٍ ومالٍ وغَيْرِهِ.

و ﴿ حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ صِفَتانِ تَعُمُّ وُجُوهَ التَثْقِيفِ والحَيْطَةِ لا خَلَلَ مَعَهُما لِعامِلٍ، وقَدْ خَصَّصَ الناسُ بِهاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ أشْياءَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: حَفِيظٌ بِالحِسابِ عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعَتْنِي عَلِيمٌ بِسِنِي الجُوعِ، وهَذا كُلُّهُ تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، وإنَّما أرادَ بِاتِّصافِهِ أنْ يَعْرِفَ المَلِكُ بِالوَجْهِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ الكَوْنَ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، فاتَّصَفَ بِأنَّهُ يَحْفَظُ المُجْبى مِن كُلِّ جِهَةٍ تَحْتاجُ إلى الحِفْظِ، ويَعْلَمُ التَناوُلَ أجْمَعَ، ورُوِيَ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: " مِصْرُ خِزانَةُ الأرْضِ"، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ مَمْلَكَةُ فِرْعَوْنَ إلّا بِها فَقَطْ، ويُؤَكِّدُ أنْ تُسَمّى خِزانَةَ الأرْضِ بِصِيتِها في بِلادِ الأرْضِ وتَوَسُّطِها، فَمِنها يَنْتَقِلُ الناسُ إلى أقْطارِ الأرْضِ، وهي مَحِلُّ كُلَّ جالِبٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ الآيَةُ.

الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيلِ صُنْعِ اللهِ بِهِ، أيْ: ولِهَذِهِ الأفْعالِ المَنصُوصَةِ دَرَجْناهُ في الرُتَبِ ونَقَلْناهُ فَمَكَّنا لَهُ في الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرُوِيَ أنَّ العَزِيزَ ماتَ في تِلْكَ اللَيالِي، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَلْ عَزَلَهُ المَلِكُ، ثُمَّ ماتَ قِطْفِيرُ فَوَلّاهُ المَلِكُ مَكانَهُ وزَوَّجَهُ زَوْجَتَهُ، فَلَمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَرُوسًا قالَ لَها: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا كُنْتِ أرَدْتِ؟

فَقالَتْ لَهُ: أيُّها الصَدِّيقُ، كُنْتُ في غايَةِ الجَمالِ وكُنْتُ شابَّةً عَذْراءَ، وكانَ زَوْجِي لا يَطَأُ، فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي في حُبِّكَ، فَدَخَلَيُوسُفُ بِها فَوَجَدَها بِكْرًا، ووَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ.

ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ عَزَلَ العَزِيزَ ووَلّاهُ مَوْضِعَهُ، ثُمَّ عَظُمَ مُلْكُ يُوسُفَ وتَغَلَّبَ عَلى حالِ المَلِكِ أجْمَعَ، قالَ مُجاهِدٌ: وأسْلَمَ المَلِكُ آخِرَ أمْرِهِ، ودَرُسَ أمْرُ العَزِيزِ وذَهَبَتْ دُنْياهُ وماتَ وافْتَقَرَتْ زَوْجَتُهُ وزَمِنَتْ وشاخَتْ، فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأيّامِ لَقِيَتْ يُوسُفَ في طَرِيقٍ والجُنُودُ حَوْلَهُ ووَراءَهُ، وعَلى رَأْسِهِ بُنُودٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْها ﴿ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ  ﴾ ، فَصاحَتْ بِهِ وقالَتْ: سُبْحانَ مَن أعَزَّ العَبِيدَ بِالطاعَةِ، وأذِلَّ الأرْبابَ بِالمَعْصِيَةِ، فَعَرَفَها، وقالَتْ لَهُ: تَعْطِفُ عَلَيَّ وارْزُقْنِي شَيْئًا فَدَعاها وكَلَّمَها، وأشْفَقَ لِحالِها، ودَعا اللهَ تَعالى فَرَدَّ عَلَيْها جَمالَها وتَزَوَّجَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا مِنَ القِصَصِ ما لا يُوقَفُ عَلى صِحَّتِهِ، ويَطُولُ الكَلامُ بِسَوْقِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَيْثُ يَشاءُ" عَلى الإخْبارِ عن يُوسُفَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "حَيْثُ نَشاءُ" بِالنُونِ عَلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: حَيْثُ يَشاءُ اللهُ مَن تَصَرُّفِ يُوسُفَ عَلى اخْتِلافِ تَصَرُّفِهِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ الحَسَنِ، وشَيْبَةَ، ونافِعٍ، وأبِي جَعْفَرٍ -بِخِلافٍ عَنِ الثَلاثَةِ المَدَنِيِّينَ- وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ: "حَيْثُ يَشاءُ مِنَ المَحارِيبِ والمُتَعَبَّداتِ"، وأحْوالِ الطاعاتِ، فَهي قُرَبٌ يُرِيدُها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ويَشاؤُها، وإمّا أنْ يَكُونَ مَعْناها: "حَيْثُ يَشاءُ يُوسُفُ "، لَكِنْ أضافَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ المَشِيئَةَ الَّتِي لِيُوسُفَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو عَبْدٌ مِن عَبِيدِهِ، وكانَتْ مَشِيئَتُهُ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعالى وقَوَّتِهِ، كَما قالَ: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ مِن أبِي عَلَيٍّ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ وتَحَفُّظٌ مِن أنَّ أفْعالَ العِبادِ مِن فاعِلَيْنِ، فَتَأمَّلْهُ.

واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى حَدِّ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ و ﴿ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ  ﴾ وقَوْلُهُ: "يَتَبَوَّأُ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، و ﴿ حَيْثُ يَشاءُ ﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، أو عَلى المَفْعُولِ بِهِ، كَما قالَ الشَمّاخُ: ......................

حَيْثُ تُكْوى النَواحِزُ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

ولَمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإحْسانَ مِنَ العَبْدِ والجَرْيَ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ لا يَضِيعُ عِنْدَ اللهِ، ولا بُدَّ مِن حُسْنِ عاقِبَتِهِ في الدُنْيا أعَقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ حالَ الآخِرَةِ أحْمَدُ، وأحْرى أنْ يُجْعَلَ غَرَضًا ومَقْصَدًا، وهَذا هو الَّذِي يُنْتَزَعُ مِنَ الآيَةِ بِحَسْبَ التَقَيُّدِ بَيْنَ الإيمانِ والتَقْوى مِنَ الناسِ، وفِيها -مَعَ ذَلِكَ- إشارَةٌ إلى أنَّ حالَهُ مِنَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن حالِهِ العَظِيمَةِ في الدُنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

السين والتاء في ﴿ أستخلصه ﴾ للمبالغة، مثلها في استجاب واستأجر.

والمعنى أجْعَلْه خالصاً لنفسي، أي خاصّاً بي لا يشاركني فيه أحد.

وهذا كناية عن شدة اتصاله به والعمل معه.

وقد دلّ الملكَ على استحقاق يوسف عليه السلام تقريبَهُ منه ما ظهر من حكمته وعلمه، وصبره على تحمّل المشاق، وحسن خلقه، ونزاهته، فكل ذلك أوجب اصطفاءه.

وجملة ﴿ فلما كلمه ﴾ مفرّعة على جملة محذوفة دل عليها ﴿ وقال الملك ائتوني به ﴾ .

والتقدير: فأتوه به، أي بيوسف عليه السلام فحضر لديه وكلّمه ﴿ فلما كلمه ﴾ .

والضمير المنصوب في ﴿ كلمه ﴾ عائد إلى الملك، فالمكلّم هو يوسف عليه السلام.

والمقصود من جملة ﴿ فلما كلمه ﴾ إفادة أن يوسف عليه السلام كلم الملك كلاماً أعجب الملك بما فيه من حكمة وأدب.

ولذلك فجملة ﴿ قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ جواب (لَمّا).

والقائل هو الملك لا محالة.

والمكين: صفة مشبهة من مكُن بضم الكاف إذا صار ذا مكانة، وهي المرتبة العظيمة، وهي مشتقة من المكان.

والأمين: فعيل بمعنى مفعول، أي مأمون على شيء، أي موثوق به في حفظه.

وترتّب هذا القول على تكليمه إياه دالّ على أن يوسف عليه السلام كلّم الملك كلام حكيم أديب فلما رأى حسن منطقه وبلاغة قوله وأصالة رأيه رآه أهلاً لثقته وتقريبه منه.

وهذه صيغة تولية جامعة لكل ما يحتاج إليه ولي الأمر من الخصال، لأن المكانة تقتضي العلم والقدرة؛ إذ بالعلم يتمكن من معرفة الخير والقصد إليه، وبالقدرة يستطيع فعل ما يبدو له من الخير؛ والأمانة تستدعي الحكمة والعدالة، إذ بالحكمة يوثر الأفعال الصالحة ويترك الشهوات الباطلة، وبالعدالة يوصل الحقوق إلى أهلها.

وهذا التنويه بشأنه والثناء عليه تعريض بأنه يريد الاستعانة به في أمور مملكته وبأن يقترح عليه ما يرجو من خير، فلذلك أجابه بقوله: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ .

وجملة ﴿ قال اجعلني على خزائن الأرض ﴾ حكاية جوابه لكلام الملك ولذلك فصلت على طريقة المحاورات.

و ﴿ على ﴾ هنا للاستعلاء المجازي، وهو التصرف والتمكن، أي اجعلني متصرّفاً في خزائن الأرض.

و ﴿ خزائن ﴾ جمع خِزانة بكسر الخاء، أي البيت الذي يختزن فيه الحبوب والأموال.

والتعريف في ﴿ الأرض ﴾ تعريف العهد، وهي الأرض المعهودة لهم، أي أرض مصر.

والمراد من ﴿ خزائن الأرض ﴾ خزائن كانت موجودة، وهي خزائن الأموال؛ إذ لا يخلو سلطان من خزائن معدودة لنوائب بلاده لا الخزائن التي زيدت من بعد لخزن الأقوات استعداداً للسنوات المعبر عنها بقوله: ﴿ مما تحصنون ﴾ [سورة يوسف: 48].

واقتراح يوسف عليه السلام ذلك إعداد لنفسه للقيام بمصالح الأمة على سنة أهل الفضل والكمال من ارتياح نفوسهم للعلم في المصالح، ولذلك لم يسأل مالاً لنفسه ولا عَرَضاً من متاع الدنيا، ولكنه سأل أن يوليه خزائن المملكة ليحفظ الأموال ويعدل في توزيعها ويرفق بالأمة في جمعها وإبلاغها لمحالّها.

وعلّل طلبه ذلك بقوله: إني حفيظ عليم} المفيد تعليل ما قبلها لوقوع (إنّ) في صدر الجملة فإنه علم أنه اتصف بصفتين يعسر حصول إحداهما في الناس بله كلتيهما، وهما: الحفظ لما يليه، والعلم بتدبير ما يتولاه، ليعلم الملك أن مكانته لديه وائتمانه إياه قد صادفا محلهما وأهلهما، وأنه حقيق بهما لأنه متصف بما يفي بواجبهما، وذلك صفة الحفظ المحقّق للائتمان، وصفة العلم المحققّ للمكانة.

وفي هذا تعريف بفضله ليهتدي الناس إلى اتباعه وهذا من قبيل الحِسبَة.

وشبه ابن عطية بمقام يوسفَ عليه السلام هذا مقام أبي بكر رضي الله عنه في دخوله في الخلافة مع نهيه المستشير له من الأنصار من أن يتأمر على اثنين.

قلت: وهو تشبيه رشيق، إذ كلاهما صدّيق.

وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممّن يتهم على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة.

وقد علم يوسف عليه السلام أنه أفضل الناس هنالك لأنه كان المؤمن الوحيد في ذلك القطر، فهو لإيمانه بالله يبث أصول الفضائل التي تقتضيها شريعة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام.

فلا يعارض هذا ما جاء في «صحيح مسلم» عن عبد الرحمان بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عبد الرحمان لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتَها عن مسألة وُكلتَ إليها وإن أعطيتَها عن غير مسألة أُعنت عليها " لأن عبد الرحمان بن سمرة لم يكن منفرداً بالفضل من بين أمثاله ولا راجحاً على جميعهم.

ومن هذه الآية أخذ فقهاء المذهب جواز طلب القضاء لمن يعلم أنه أهل وأنه إن لم يُوَلّ ضاعت الحقوق.

قال المازري: «يجب على من هو أهل الاجتهاد والعدالة السعي في طلب القضاء إن عَلم أنه إن لم يلِه ضاعت الحقوق أو وليه مَن لا يحلّ أن يولى.

وكذلك إن كان وَلِيَه من لا تحلّ توليته ولا سبيل لعزله إلا بطلب أهله».

وقال ابن مرزوق: لم أقف على هذا لأحد من قدماء أهل المذهب غير المازري.

وقال عياض في كتاب الإمارة، أي من «شرح صحيح مسلم»، ما ظاهره الاتفاق على جواز الطلب في هذه الحالة، وظاهر كلام ابن رشد في «المقدمات» حِرمة الطلب مطلقاً.

قال ابن مرزوق: وإنما رأيت مثل ما نقل المازري أو قريباً منه للغزالي في «الوجيز».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ العَزِيزِ أيْ: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ.

﴿ إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الأمّارَةُ بِسُوءِ الظَّنِّ.

الثّانِي: بِالِاتِّهامِ عِنْدَ الِارْتِيابِ.

﴿ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنْ كَفاهُ سُوءَ الظَّنِّ.

الثّانِي: أنْ يُثْنِيَهُ حَتّى لا يَعْمَلَ.

فَهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ قَوْلُ العَزِيزِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنْ كُنْتُ راوَدْتُ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّ النَّفْسَ باعِثَةٌ عَلى السُّوءِ إذا غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْها.

﴿ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إلّا ما رَحِمَ رَبِّي مَن نَزَعَ شَهْوَتَهُ مِنهُ.

الثّانِي: إلّا ما رَحِمَ رَبِّي في قَهْرِهِ لِشَهْوَةِ نَفْسِهِ، فَهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ مِن قَوْلِ امْرَأةِ العَزِيزِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ يُوسُفَ، واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا في سَبَبِهِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: ولا حِينَ حَلَلْتَ السَّراوِيلَ؟

فَقالَ: وما أبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ ذَلِكَ غَمَزَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ؟

فَقالَ ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ المَلِكَ الَّذِي مَعَ يُوسُفَ قالَ لَهُ: اذْكُرْ ما هَمَمْتَ بِهِ، فَقالَ: ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ كَرِهَ نَبِيُّ اللَّهِ أنْ يَكُونَ قَدْ زَكّى نَفْسَهُ فَقالَ ﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّها مائِلَةٌ إلى الهَوى بِالأمْرِ بِالسُّوءِ.

الثّانِي: أنَّها تَسْتَثْقِلُ مِن عَزائِمِ الأُمُورِ ما إنْ لَمْ يُصادِفْ حَزْمًا أفْضَتْ إلى السُّوءِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ وهَذا قَوْلُ المَلِكِ الأكْبَرِ لَمّا عَلِمَ أمانَةَ يُوسُفَ اخْتارَهُ لِيَسْتَخْلِصَهُ لِنَفْسِهِ في خاصِّ خِدْمَتِهِ.

﴿ فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ ﴾ لِأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِكَلامِهِ عَلى عَقْلِهِ، وبِعِصْمَتِهِ عَلى أمانَتِهِ فَقالَ: ﴿ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ ﴾ وهَذِهِ مَنزِلَةُ العاقِلِ العَفِيفِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ مَكِينٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: وجِيهٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: مُتَمَكِّنٌ في المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ أمِينٌ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى: آمِنٌ لا تَخافُ العَواقِبَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: مَأْمُونٌ ثِقَةٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: حافِظٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ أيْ عَلى خَزائِنِ أرْضِكَ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ بَعْضِ المُتَعَمِّقَةِ أنَّ الخَزائِنَ ها هُنا الرِّجالُ؛ لِأنَّ الأفْعالَ والأقْوالَ مَخْزُونَةٌ فِيهِمْ فَصارُوا خَزائِنَ لَها.

الثّانِي: وهو قَوْلُ أصْحابِ الظّاهِرِ أنَّها خَزائِنُ الأمْوالِ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَهُ جَمِيعَ الخَزائِنِ، قالَهُابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ سَألَهُ خَزائِنَ الطَّعامِ، قالَهُ شَيْبَةُ بْنُ نَعامَةَ الضَّبِّيُّ.

وَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أنْ يَخْطِبَ الإنْسانُ عَمَلًا يَكُونُ لَهُ أهْلًا وهو بِحُقُوقِهِ وشُرُوطِهِ قائِمٌ.

فِيما حَكى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَزَعَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ عَمَلِ البَحْرَيْنِ ثُمَّ دَعانِي إلَيْها فَأبَيْتُ، فَقالَ: لِمَ؟

وقَدْ سَألَ يُوسُفُ العَمَلَ.

فَإنْ كانَ المُوَلِّي ظالِمًا فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في جَوازِ الوِلايَةِ مِن قِبَلِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: جَوازُها إنْ عَمِلَ بِالحَقِّ فِيما تَقَلَّدَهُ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وُلِّيَ مِن قِبَلِ فِرْعَوْنَ، ولِأنَّ الِاعْتِبارَ في حَقِّهِ بِفِعْلِهِ لا بِفِعْلِ غَيْرِهِ.

الثّانِي: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ لِما فِيهِ مِن تَوَلِّي الظّالِمِينَ بِالمَعُونَةِ لَهم وتَزْكِيَتِهِمْ بِتَنْفِيذِ أعْمالِهِمْ.

وَأجابَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ عَنْ وِلايَتِهِ مِن قِبَلِ فِرْعَوْنَ بِجَوابَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ كانَ صالِحًا، وإنَّما الطّاغِي فِرْعَوْنُ مُوسى.

الثّانِي: أنَّهُ نَظَرَ لَهُ في أمْلاكِهِ دُونَ أعْمالِهِ فَزالَتْ عَنْهُ التَّبِعَةُ فِيهِ.

والأصَحُّ مِن إطْلاقِ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ أنْ يُفْصَّلَ ما يَتَوَلّاهُ مِن جِهَةِ الظّالِمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: ما يَجُوزُ لِأهْلِهِ فِعْلُهُ مِن غَيْرِ اجْتِهادٍ في تَنْفِيذِهِ كالصَّدَقاتِ والزَّكَواتِ فَيَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مِن جِهَةِ الظّالِمِينَ لِأنَّ النَّصَّ عَلى مُسْتَحِقِّيهِ قَدْ أغْنى عَنِ الِاجْتِهادِ فِيهِ، وجَوازُ تَفَرُّدِ أرْبابِهِ بِهِ قَدْ أغْنى عَنِ التَّنْفِيذِ.

والقِسْمُ الثّانِي: ما لا يَجُوزُ أنْ يَتَفَرَّدُوا بِهِ ويَلْزَمُ الِاجْتِهادُ في مَصْرِفِهِ كَأمْوالِ الفَيْءِ فَلا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مِن جِهَةِ الظّالِمِ لِأنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَجْتَهِدُ فِيما لا يَسْتَحِقُّ.

والقِسْمُ الثّالِثُ: ما يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّاهُ أهْلُهُ ولِلِاجْتِهادِ فِيهِ مَدْخَلٌ كالقَضايا والأحْكامِ، فَعَقْدُ التَّقْلِيدِ فِيهِ مَحْلُولٌ، فَإنْ كانَ النَّظَرُ تَنْفِيذًا لِحُكْمٍ بَيْنَ مُتَراضِيَيْنِ أوْ تَوَسُّطًا بَيْنَ مَجْبُورَيْنِ جازَ، وإنْ كانَ إلْزامُ إجْبارٍ لَمْ يَجُزْ.

﴿ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِما ولَّيْتَنِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: حَفِيظٌ بِالكِتابِ، عَلِيمٌ بِالحِسابِ، حَكاهُ ابْنُ سُراقَةَ، وأنَّهُ أوَّلُ مَن كَتَبَ في القَراطِيسِ.

الثّالِثُ: حَفِيظٌ بِالحِسابِ، عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، قالَهُ الأشْجَعُ عَنْ سُفْيانَ.

الرّابِعُ: حَفِيظٌ لِما ولَّيْتَنِي، قالَهُ قَتادَةُ، عَلِيمٌ بِسِنِي المَجاعَةِ، قالَهُ شَيْبَةُ الضَّبِّيُّ.

وَفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنَّ يَصِفَ نَفْسَهُ بِما فِيهِ مِن عِلْمٍ وفَضْلٍ، ولَيْسَ هَذا عَلى الإطْلاقِ في عُمُومِ الصِّفاتِ ولَكِنْ مَخْصُوصٌ فِيما اقْتَرَنَ بِوُصْلَةٍ أوْ تَعَلَّقَ بِظاهِرٍ مِن مَكْسَبٍ، ومَمْنُوعٌ مِنهُ فِيما سِواهُ لِما فِيهِ مِن تَزْكِيَةٍ ومُراءاةٍ، ولَوْ تَنَزَّهَ الفاضِلُ عَنْهُ لَكانَ ألْيَقَ بِفَضْلِهِ، فَإنَّ يُوسُفَ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ لِما سَبَقَ مِن حالِهِ ولِما يَرْجُوهُ مِنَ الظَّفَرِ بِأهْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم والحاكم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: استعملني عمر رضي الله عنه على البحرين، ثم نزعني وغرمني اثني عشر ألفاً، ثم دعاني بعد إلى العمل فأبيت، فقال: لم؟

وقد سأل يوسف عليه السلام العمل، وكان خيراً منك.

فقلت: إن يوسف عليه السلام نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا ابن أميمة، وأنا أخاف أن أقول بغير حلم، وأن أفتي بغير علم، وأن يضرب ظهري ويشتم عرضي ويؤخذ مالي.

وأخرج الخطيب في رواية مالك، عن جابر رضي الله عنه قال: كان يوسف عليه السلام لا يشبع، فقيل له: ما لك لا تشبع وبيدك خزائن الأرض؟!....

قال: إني إذا شبعت، نسيت الجائع.

وأخرج وكيع في الغرر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان، عن الحسن رضي الله عنه قال: قيل ليوسف عليه السلام: تجوع وخزائن الأرض بيدك؟

قال: إني أخاف أن أشبع فأنسى الجيعان.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن شيبة بن نعامة الضبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ يقول: على جميع الطعام إني حفيظ لما استودعتني عليهم بسنين المجاعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ قال: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام، فأسلم سلطانه كله له، وجعل القضاء إليه أمره، وقضاؤه نافذ.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني حفيظ ﴾ قال: لما وليت، ﴿ عليم ﴾ بأمره.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني حفيظ عليم ﴾ قال: حفيظ للحساب، عليم بالألسن.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الأشجعي رضي الله عنه مثله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ﴾ قال المفسرون (١) (٢) (٣) (٤) وقوله: ﴿ الْأَرْضِ ﴾ قال المفسرون (٥) وقال أهل العربية (٦) (٧) والأحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ يريد: وأحلامهم.

روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال: قال رسول الله  : "رحم الله يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة" (٨) فإن قيل: لِمَ طلب يوسف الإمارة، والنبي  قال لعبد الرحمن بن سمرة "يا عبد الرحمن لا تسل الإمارة" (٩) والجواب من هذا ما ذكره أبو إسحاق (١٠)  أنه لا أحد أقوم بذلك ولا أوضع له في مواضعه منه، فسأل ذلك إرادة للصلاح.

وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يضيع من ذلك عندي شيء، عليم بما أفعل ويصلح ملكك.

وقال قتادة (١٢) قال ابن إسحاق (¬3) وأبو إسحاق (١٣) فإن قيل (١٤) والجواب أن يقال: أما تركه الاستثناء فإن ذلك كان منه خطيئة أوجبت عليه من الله العقوبة، بأن أخر تمليكه عن ذلك الوقت، ذكر مقاتل ابن سليمان (¬6): أن النبي  قال: "إن يوسف قال: إني حفيظ عليم، لو قال: إن شاء الله، لملك من وقته ذلك"، ويمكن أن يقال: إنه أضمر في نفسه الاستثناء دان لم يتلفظ به.

أو يقال: أراد أن حفظي يزيد على حفظ غيري، وكذلك علمي، وكان هذا مما لا يدخل فيه شك حتى يحتاج إلى الاستثناء، وأما مدحه نفسه فإن مثل هذا إذا خلا من البغي والاستطالة، وكان المراد فيه الوصول إلى حق يقيمه، وعدل يحييه، وجور يبطله، كان ذلك جائزًا جميلًا.

كقول القائل: إني لحافظ كتاب الله، عالم بتفسيره، عارف بشرائع الإسلام، يقصد بهذا القول قصد أن يتعلم منه إنسان فيفيده مما علمه الله حسن ذلك منه، ولم يحمل ذلك على تزكية النفس إذا عري قوله من الخيلاء والكبر، ذكر هذا كله أبو بكر (١٥) وقال الكلبي فيما رواه عن ابن عباس (١٦) (١) الثعلبي 7/ 89 ب.

(٢) كذا في جميع النسخ والصحيح "الأهرام" كما في الوسيط 2/ 618.

(٣) في (ج): (بحكمتك).

(٤) في (ب): (هذا) من غير باء.

(٥) الرازي 18/ 160، البغوي 4/ 251، ابن عطية 8/ 7.

(٦) الطبري 13/ 5، الثعلبي 7/ 90 أ.

(٧) جزء من عجز بيت، وتمامه: لهم شيمة لم يعطها الدهر غيرهم ...

من الناس، والأحلام غير عوازب للنابغة الذبياني.

انظر "ديوانه" ص 56، والطبري 13/ 5، وفي القرطبي 9/ 212 عجزه: من الجود والأحلام غير كواذب (٨) الثعلبي 7/ 90 أ، و"زاد المسير" 243/ 4، والقرطبي 213/ 9 قال الحافظ ابن جر في "الكاف الشاف" ص 90 "أخرجه الثعلبي عن ابن عباس من رواية إسحاق ابن بشر عن جويبر عن الضحاك عنه وهذا إسناد ساقط، وقال الألباني.

موضوع، انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (329).

(٩) الحديث أخرجه البخاري (6622) كتاب الإيمان والنذور، باب قول الله تعالى == ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ ﴾ وفي (¬6722) كتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده وفي مواضع أخرى (¬7146)، (¬7147).

وأخرجه مسلم (¬1824) في الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 116.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 116.

(١٢) "زاد المسير" 4/ 244، والرازي 18/ 160.

(١٣) "تفسيرمقاتل" 155 أ، و"زاد المسير" 4/ 243.

(١٤) "زاد المسير" 4/ 244، 245.

(١٥) "تنوير المقباس" ص 151، الثعلبي 7/ 90 أ.

(١٦) "تنوير المقباس" ص 151، الثعلبي 7/ 90 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ قيل: إنه من كلام امرأة العزيز متصلاً بما قبله، والضمير في يعلم وأخنه على هذا ليوسف عليه السلام أي: ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال غيبته، والإشارة بذلك إلى توقفه عن الخروج من السجن حتى تظهر براءته ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي ﴾ اختلف أيضاً هل هو من كلام امرأة العزيز، أو من كلام يوسف، فإن كان من كلامها فهو اعتراف بعد الاعتراف، وإن كان من كلامه فهو اعتراف بما همْ به على وجه خطورة على قلبه، لا على وجه العزم والقصد، وقاله في عموم الأحوال على وجه التواضع ﴿ إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء ﴾ النفس هنا للجنس والنفوس ثلاثة أنواع: أمارة بالسوء، ولوّامة وهي التي تلوم صاحبها، ومطمئنة ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي ﴾ استثناء من النفس إذ هي بمعنى النفوس، أي الأنفس المرحومة وهي المطمئنة، فما على هذا بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون ظرفية أي إلا حين رحمة الله ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ أي: أجعله خاصتي وخلاصتي قال أولاً ائتوني به، فلما تبين له حاله قال: أستخلصه لنفسي ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ أي فلما رأى حُسن كلامه وعرف وفور عقله وعلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين، والمكين من التمكين، والأمين من الأمانة ﴿ قَالَ اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض ﴾ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبة منه في العدل وإقامة الحق والإحسان، وكان هذا الملك كافراً، ويستدل بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال، وقيل: إن الملك أسلم، وأراد بقوله خزائن الأرض: أرض مصر إذ لم يكن للملك غيرها، والخزائن كل ما يخزن من طعام ومال وغير ذلك ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ صفتان تعمان وجوه المعرفة والضبط للخزائن وقيل: حفيظ للحساب عليم بالألسن، واللفظ أعم من ذلك، ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جعل أمره وإذا كان في ذلك فائدة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ حيث نشاء ﴾ بالنون: ابن كثير.

الآخرون بياء الغيبة ﴿ أني أوف ﴾ بفتح ياء المتكلم: نافع غير إسماعيل: ﴿ لفتيانه ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ حمزة وعلي وخلف غير أبي بكر وحماد.

الباقون ﴿ لفتيته ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ ﴿ يكتل ﴾ بيان الغيبة: حمزة علي وخلف.

الباقون بالنون.

﴿ تؤتوني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو يزيد وإسماعيل في الوصل.

الوقوف: ﴿ لنفسي ﴾ ج ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ حيث نشاء ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ من أبيكم ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ ولا تقربون ﴾ ه ﴿ لفاعلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ حافظاً ﴾ ص ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط لتمام جواب "لما" ﴿ ما نبغي ﴾ ط لأن ما بعده جملة مستأنفة موضحة للاستفهامية أو المنفية قبلها ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والعطف على ونحن نمير ﴿ كيل بعير ﴾ ه ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ قال الله ﴾ قيل: يسكت بين الفعل والاسم لأن القائل يعقوب لا الله  ، والأحسن أن يفرق بينهما بقوة النغمة فقط لئلا يلزم الفصل بين القائل والمقول ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ متفرقة ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ توكلت ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ أبوهم ﴾ ط لأن جواب "لما" محذوف أي سلموا بإذن الله ﴿ قضاها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.

التفسير: الأظهر أن هذا الملك هو الريان لا العزيز لأن قوله ﴿ أستخلصه لنفسي ﴾ يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له وقد كان يوسف قبل ذلك خالصاً للعزيز.

وفي قول يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ دلالة أيضاً على ما قلنا.

والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك، ومن عادة الملوك أن يتفردوا بالأشياء النفسية.

روي أن جبريل دخل على يوسف في السجن وقال: قل اللَّهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب.

فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه فجاءه الرسول وقال: أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله وكتب على باب السجن: "هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء" ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً جدداً، فما دخل على الملك قال: اللَّهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه.

﴿ فلما كلمه ﴾ احتمل أن يكون ضمير الفاعل ليوسف وللملك.

وهذا أولى لأن مجالس الملوك لا يحسن ابتداء الكلام فيها لغيرهم.

يروى أن الملك قال له: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك.

قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن.

ومكان خروجهن، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك بعينها، فتعجب من وفور علمه وحدسه - وكان قد علم من حاله ما علم من نزاهة ساحته وعدم مسارعته في الخروج من السجن - وقد وصف له الشرابي من جده في الطاعة والإحسان إلى سكان السجن ما وصف فعظم اعتقاده فيه فعند ذلك ﴿ قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ ويندرج في المكان كمال القدرة والعلم.

أما القدرة فظاهرة، وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير يتوقف على العلم بأفعال الخير وبأضدادها، وكونه أميناً متفرع عن كونه حكيماً لأن لا يفعل لداعي الشهوة وإنما يفعله لداعي الحكمة.

قال المفسرون: لما حكى يوسف رؤيا الملك وعبرها بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟

قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن والأهراء وتجمع الطعام فيها فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟

فقال يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ اللام للعهد أي ولني خزائن أرض مصر.

والخزائن جمع الخزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ ﴿ إني حفيظ ﴾ للأمانات وأموال الخزائن ﴿ عليم ﴾ بوجوه التصرف فيها على وجه الغبطة والمصلحة.

وقيل: حفيظ لوجوه أياديكم عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والشفقة.

قال الواحدي: هذا الطلب خطيئة منه فكانت عقوبته أن أخر عنه المقصود سنة.

عن ابن عباس أن النبي  قال: "رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكن لما قال ذلك أخره الله  عنه سنة" وقال آخرون: إن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه لأن النبي يجب عليه رعاية الأصلح لأمته بقدر الإمكان، وقد علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضنك فأراد السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى دفع الظلم والضر عن الناس إلا بالاستعانة من كافر أو فاسق فله أن يستظهر به، على أن مجاهداً قد زعم أن الملك كان قد أسلم.

وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه فكان في حكم التابع لا المتبوع.

ووصف نفسه  بالحفظ والعلم على سبيل المبالغة لم يكن لأجل التمدح ولكن للتوصل إلى الغرض المذكور.

﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقريب والإنجاء من السجن ﴿ مكنا ليوسف في الأرض ﴾ أرض مصر وهي أربعون فرسخاً في أربعين.

﴿ يتبؤّأ منها حيث يشاء ﴾ هو أو نشاء نحن على القراءتين والمراد بيان استقلاله بالتقلب والتصرف فيها بحيث لا ينازعه أحد.

﴿ نصيب برحمتنا من نشاء ﴾ فيه أن الكل من الله وبتيسيره.

وقالت المعتزلة: تلك المملكة لما لم تتم إلا بأمور فعلها الله صارت كأنها من قبل الله  ، وعلقوا أيضاً المشيئة بالحكمة ورعاية الأصلح.

والأشاعرة ناقشوا في هذا القيد.

﴿ ولا نضيع أجر المحسنين ﴾ لأن إضاعة الأجر تكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حقه تعالى.

﴿ ولأجر الآخرة خير ﴾ من أجر الدنيا أو خير في نفسه.

وفي قوله المحسنين وقوله: ﴿ للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ إشارة إلى أن يوسف كان في الزمان السابق من المحسنين ومن المتقين ففيه دلالة على نزاهة يوسف عن كل سوء.

قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.

يروى.

أن الملك توجه وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقال له: أما السرير فأشدّ به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي.

فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك.

فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعد فزوّجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين: افراثيم وميشا.

وأقام العدل بمصر وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني مما ترى؟

قال: الرأي رأيك.

قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم.

وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس.

وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا فذلك قوله  : ﴿ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ﴾ لم يعرفوه لأن طول العهد ينسي ولاعتقادهم أنه قد هلك أو لذهابه عن أوهامهم حين فارقوه مبيعاً بدراهم معدودة ثم رأوه ملكاً مهيباً جالساً على السرير في زي الفراعنة، ويحتمل أن يكون بينه وبينهم مسافة وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج.

وإنما عرفهم لأن أثر تغيير الهيئات عليهم كان أقل لأنه فارقهم وهم رجال ولم يغيروا زيهم عما هو عادتهم، ولأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، ويحتمل أن يكون عرفهم بالوحي.

وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرفوا له.

﴿ ولما جهزهم بجهازهم ﴾ هو ما يحتاج إليه في كل باب ومنه جهاز العروس والميت.

قال الليث: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازاً للسفر.

قال: وسمعت أهل البصرة يحكون الجهاز بالكسر.

وقال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة جيدة ﴿ قال ائتنوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ قال العلماء: لا بد من كلام يجر هذا الكلام فروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: ما أنتم؟

وما شأنكم فإني أنكركم.

قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد وجئنا نمتار.

فقال: لعلكم جئتم عيوناً؟

قالوا: معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب.

قال: كم أنتم؟

قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد.

فقال: فكم أنتم ههنا؟

قالوا: عشرة قال: فأين الأخ الحادي عشر؟

قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك.

قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون؟

قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد.

قال: فدعوا بعضكم عندي رهيناً وأتوني بأخيكم من أبيكم يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم.

فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده.

وقيل: كانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا: إن لنا شيخاً كبيراً وأخاً آخر فبقي معه ولا بد لهما من حملين آخرين.

فاستدل الملك ببقائه عند أبيه على زيادة محبته إياه وكونه فائقاً في الجمال والأدب فاستدعى منهم إحضاره.

وقيل: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيداً فريداً؟

فقالوا: بل بقي عنده واحد.

فقال لهم: لم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟

قالوا: لا بل لزيادة محبته.

فقال: إن أباكم رجل عالم حكيم.

ثم إنه خصه بمزيد المحبة مع أنكم فضلاء أدباء فلا بد أن يكون هو زائداً عليكم في الكمال والجمال فائتوني به لأشاهده.

والأوّل قول المفسرين، والآخران محتملان.

ولما طلب منهم إحضار الأخ جمع لهم بين الترغيب والترهيب فالأوّل قوله: ﴿ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ المضيفين وكان قد أحسن ضيافتهم أو زاد لكل من الأب والأخ الغائب حملاً، والثاني ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ﴾ مجزوم على النهي أو لأنه داخل في حكم الجزاء كأنه قيل: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا ﴿ قالوا سنراود عنه أباه ﴾ سنخادعه عنه ونجتهد حتى ننتزعه من يده ﴿ وإنا لفاعلون ﴾ كل ما في وسعنا في هذا الباب أو لقادرون على ذلك.

﴿ وقال لفتيانه ﴾ أو ﴿ لفتيته ﴾ قراءتان وهما جمع فتى كالأخوان والإخوة في أخ ففعلة للقلة ووجهه أن هذا العمل من الأسرار فوجب كتمانه عن العدد الكثير، وفعلان للكثرة ووجهه أنه قال: ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ والرحال عدد كثير ويناسبه الجم الغفير من الغلمان الكيالين، والبضاعة ما قطع من المال للتجارة، والرحال جمع رحل والمراد به ههنا ما يستصبحه الرجل معه من الأثاث.

والأكثرون على أنه أمر بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجه لا يعرفون بدليل قوله: ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ﴾ وفرغوا ظروفهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا وكانت بضاعتهم النعل والأدم.

وقيل: أمر بوصفها على وجه عرفوها، والمعنى لعلهم يعرفون حق ردّها.

أما السبب الذي لأجله أمر يوسف بذلك فقيل: ليعلموا كرم يوسف فيبعثهم ذلك على المعاودة.

وقيل: خاف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يدعوهم إلى الرجوع، أو أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان قحط، أو لأن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم، أو أراد أن يرجعوا ليعرفوا سبب الرد لأنهم أولاد الأنبياء فيحترزوا أن يكون ذلك على سبيل السهو، أو أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم عيب ولا منة فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه.

وقيل: ﴿ يرجعون ﴾ متعدٍ أي لعلهم يردونها.

﴿ قالوا: يا أبانا منع منا الكيل ﴾ أرادوا قول يوسف ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ﴾ لأن إنذار المنع بمنزلة المنع يؤيده قراءة من قرأ ﴿ نكتل ﴾ بالنون أي نرفع المانع ونأخذ من الطعام ما نحتاج إليه، ويحتمل أن يراد بالمنع أنهم إذا طلبوا الطعام لأبيهم والأخ المخلف فلعله منع من ذلك، ويقوّي هذا الاحتمال قراءة الغيبة أي ﴿ يكتل ﴾ أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا.

﴿ قال هل آمنكم عليه ﴾ ضمنوا كونهم حافظين له فقال يعقوب: إنك ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف فهل يكون أماني الآن إلا كأماني فيما قبل يعني كما لم يحصل الأمان وقتئذ فكذا الآن.

والظاهر أن ههنا إضماراً والتقدير فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وقال: ﴿ فالله خير حافظاً ﴾ و ﴿ حافظاً ﴾ نصب على التمييز واحتمل الثاني الحال نحو "لله درّه فارساً" وهو أرحم الراحمين} أرجوا أن لا يجمع عليّ مصيبتين.

وقيل: إنه تذكر يوسف فقال: فالله خير حافظاً أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي ﴿ ولما فتحوا متاعهم ﴾ هو عام في كل ما يستمتع به ويجوز أن يراد به ههنا الطعام أو الأوعية.

أما قوله ﴿ ما نبغي ﴾ فالبغي بمعنى الطلب و "ما" نافية أو استفهامية.

المعنى ما نطلب شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى أو أيّ شيء نطلب وراء هذا نستظهر بالبضاعة المردودة إلينا.

﴿ ونمير أهلنا ﴾ في رجوعنا إلى الملك ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ فما يصيبه شيء مما يخافه ﴿ ونزداد ﴾ باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا فأيّ شيء نبغي وراء هذه المباغي؟!.

ويجوز أن يكون البغي بمعنى الكذب والتزيد في القول على أن "ما" نافية أي ما نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا تلك الكرامة.

قال في الكشاف: فعلى هذا التفسير لا يكون قوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على معنى قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ وإنما يكون قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ بياناً لصدقهم، وقوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على ﴿ ما نبغي ﴾ أو يكون كلاماً مبتدأ أي ونبغي أن نمير كما تقول: سعيت في حاجة فلان ويجب أو ينبغي أن أسعى ويجوز أن يراد ما نبغي ما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا.

ثم بينوا كونهم مصيبين في رأيهم بقولهم: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ نستظهر بها ونميرأهلنا إلى آخره.

يقال: ماره يميره إذا أتاه بميرة أي بطعام ﴿ ذلك كيل يسير ﴾ أي ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه ما يكال لأجل أخينا.

وقال مقاتل.

ذلك إشارة إلى كيل بعير أي ذلك القدر سهل على الملك لا يضايقنا فيه ولا يطول مقامنا بسببه.

واختاره الزجاج.

وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام يعقوب يعني أن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.

﴿ قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً ﴾ تعطوني ما أثق به من عند الله وهو الحلف ﴿ لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ﴾ استثناء من أعم العام في المفعول وقد يقع مثل هذا الاستثناء في الإثبات إذا استقام المعنى نحو "قرأت إلا يوم كذا" وإن شئت فأوّله بالنفي أي لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا بعلة واحدة هي أن يحاط بكم أي تهلكوا جميعاً قاله مجاهد، أو تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به قاله قتادة: ﴿ على ما نقول ﴾ من طلب الموثق وإعطائه ﴿ وكيل ﴾ مطلع رقيب.

قال جمهور المفسرين: إنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد خوفاً عليهم من إصابة العين.

وههنا مقامان: الأوّل أن الإصابة بالعين حق لإطباق كثير من الأمة ولما روي أن رسول الله  كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة." أي جامعة لشر من لمه إذا جمعه أو المراد ملمة والتغيير للمزاوجة.

وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله  في أول النهار فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فرءَته معافى.

فقال: إن جبرائيل  أتاني فرقاني وقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك.قال: فأفقت.

"وروي أنه دخل رسول الله  بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين.

قال: أفلا تسترقون له من العين؟

وعنه  : العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر" وقالت عائشة: كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين.

المقام الثاني في الكشف عن حقيقته.

قال الجاحظ: يمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم.

واعترض الجبائي وغيره بأنه لو كان كذلك لأثر في غير المستحسن كتأثيره في المستحسن.

وأجيب بأن المستحسن إن كان صديقاً للعائن عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، وإن كان عدواً حصل له خوف شديد من حصوله، وعلى التقديرين يسخن الروح وينحصر في داخل القلب ويحصل في الروح الباصرة كيفية مسخنة مؤثرة، فلهذا السبب أمر النبي  العائن بالوضوء من أصابته العين بالاغتسال منه.

وقال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن غير الله ذلك الشخص حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به.

وقال الحكماء: ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً أو وهمياً كما للماشي على الجذع، أو تصوّرياً كما في الحركات البدنية، وقد يكون للنفوس خواص عجيبة تتصرف غير أبدانها بحسبها فمنها المعجز ومنها السحر ومنها الإصابة بالعين.

أما الجبائي وغيره ممن أنكر العين فقد قالوا: إن أولاد يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بكمالهم وجمالهم وهيئتهم فلم يأمن يعقوب أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم.

وقيل: إنه كان عالماً بأن الملك ولده إلا أن الله  لم يأمره بإظهاره وكان غرضه أن يصل بنيامين إليه في غيبتهم قاله إبراهيم النخعي.

واعلم أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ولكنه بعد السعي البليغ يجب أن يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فهو بقضاء الله وقدره وأن الحذر لا يغني عن القدر فلهذا قال يعقوب: ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ فقوله الأوّل مبني على رعاية الأسباب والوسائط، وقوله الثاني إلى آخر الآية إشارة إلى الحقيقة وتفويض الأمر بالكلية إلى مسبب الأسباب.

وقد صدقه الله  في ذلك بقوله: ﴿ ما كان يغني عنهم من الله من شيء ﴾ قال ابن عباس: ما كان ذلك التفرق يردّ قضاء الله  .

وقال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم.

وقال آخرون: ما كان يغني عنهم رأي يعقوب شيئاً قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وأخذ الأخ وتضاعف المصيبة على الأب ﴿ إلا حاجة ﴾ استثناء منقطع أي ولكن حاجة ﴿ في نفس يعقوب قضاها ﴾ وهي إظهار الشفقة والنصيحة، أو الخوف من إصابة العين، أو من حسد أهل مصر، أو من قصد الملك.

ثم مدحه الله  بقوله: ﴿ وإنه لذو علم ﴾ يعنى علمه بأن الحذر لا يدفع القدر ﴿ لما علمناه ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي لتعليمنا إياه، أو للذي علمناه.

وقيل: العلم الحفظ والمراقبة.

وقيل: المضاف محذوف أي لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وإشارة إلى كونه عاملاً بعلمه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ مثل علم يعقوب أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم.

وقيل: المراد بأكثر الناس المشركون لا يعلمون أنالله  كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة.

التأويل: لما تبين لملك الروح قدر يوسف القلب وأمانته وصدقه وحسن استعداده سعى في خلاصه من سجن صفات البشرية ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لصلاح جميع رعايا ممكلة روحانية وجسمانية.

كما قال النبي  : "إن في جسد بني آدم مضغة، إن صلحت صلح بها سائر الجسد وإن فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب" .

وللقلب اختصاص آخر بالله دون سائر المخلوقات قال  : "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ اجعلني على خزائن ﴾ أرض الجسد فإن لله  في كل عضو من الأعضاء خزانة من اللطف إن استعمله الإنسان فيما خلق ذلك العضو لأجله، وخزانة من القهر إن استعمله في ضده ﴿ إني حفيظ ﴾ للخزائن ﴿ عليم ﴾ باستعمالها فيما ينفعها دون ما يضرها ﴿ نصيب برحمتنا ﴾ فيه أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكولة إلى مشيئة الله  .

﴿ وجاء إخوة يوسف ﴾ وهم الأوصاف البشرية ﴿ فعرفهم ﴾ يوسف القلب لأنه ينظر بنور الله ﴿ وهم له منكرون ﴾ لبقائهم في الظلمة حرمانهم عن النور.

﴿ ولما جهزهم ﴾ يشير إلى أن يوسف القلب لما التجأت إليه الأوصاف البشرية بدل صفاتها الذميمة النفسانية بالصفات الحميدة الروحانية، فاستدعى منهم إحضار بنيامين السر لأن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد التبديل المذكور، وإذا حضر معه يوفى بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ فيه أن البضاعة كل عمل من الأعمال البدنية التي تحيا بها الأوصاف البشرية إلى حضرة يوسف مردودة إليها، لأن القلب مستغن عنها.

وإنما الأوصاف البشرية محتاجة إليها لأن النفس تتأدب وتتزكى بها كما قال  ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم  ﴾ وأن تربية القلب بالأعمال القلبية كالنيات الصالحة ولهذا قال  : "نية المؤمن خير من عمله" .

وكالعزائم الخالصة والأخلاق الحميدة والتوكل والإخلاص.

ثم قال: كمال تربية القلب بالتخلية وتجلي صفات الحق وصفات ذاته ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ من صفة الأمارية إلا المأمورية والاطمئنان فيستحق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ردّت إلينا ﴾ فوائده ما ترجع إلى يوسف القلب ﴿ ونمير أهلنا ﴾ الأعضاء والجوارح نحصل لهم قوّة زائدة على الطاعة بواسطة رسوخ الملكة له ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ من الحوادث النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ونزداد ﴾ بواسطة حضور السر عند القلب ﴿ كيل بعير ﴾ من الفوائد الربانية ﴿ وذلك كيل يسير ﴾ لمن يسره الله ﴿ لتأتنني به ﴾ مع الفوائد الربانية ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ إلا أن يغالب عليكم الأحكام الأزلية ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ لا تتقربوا إلى القلب بنوع واحد من المعاملات فللأسباب مدخل في التقريب إلا أن الكل موكل إلى مسبب الأسباب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ ﴾ يعني: يوسف [فلما جاءه الرسول، قال: ﴿ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ : فيه دلالة أن قول يوسف] للرجل.

﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .

إنما طلب بذلك براءة نفسه فيما اتهم به، ليس كما قال أهل التأويل؛ لأنه لو كان غير ذلك لكان لا يرد الرسول إليه ولكنه خرج والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ .

يحتمل هذا من وجهين: أحدهما: أَهُنَّ على كيدهن بعدُ، أم رجعن عن ذلك؟

والثاني: ليعلم الملك براءته مما قرف به واتهم.

[ليظهر عنده أنه كان بريئاً مما قرف به واتهم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ .

إنهن كدن ثم قال لهن الملك: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ﴾ هذا يدل أن الملك قد علم أنهن راودن يوسف عن نفسه؛ لأنه قال: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ ﴾ ولم يقل لهن: أراودتن أم لا؟

ولكنه قطع القول فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .

بدأ بهن حتى أقررن أنه كان بريئاً ما قرف به واتهم، ثم أقرت امرأة الملك بعد ذلك لما أقر النسوة؛ فقالت: ﴿ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

قيل: الآن تبين الحق وتحقق.

﴿ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ في قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي  ﴾ .

وقوله: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ ما شأنكن وأمركن، والخطب: الشأن، وراودتن: قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ .

قيل: معاذ الله، وقيل: هي كلمة تنزيه وتبرئة من القبيح.

وقوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .

قال أهل التأويل: الزنا، ولكن قوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ هو السوء الذي قالت، ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا  ﴾ هو ذلك السوء قالت إنه أراده بها قلن ما علمنا منه ذلك.

وقوله: ﴿ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

قد ذكرناه أنه تبين وتحقق.

وفي قوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .

دلالة أن لم يكن منه ما قاله [أهل] التأويل من حلّ السراويل وغيره؛ لأنه لو كان منه ذلك لكُنّ قد علمن منه السوء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

قوله: ذلك الرد الذي كان منه وترك الإجابة لرسول الملك؛ حيث قال: ﴿ ٱئْتُونِي بِهِ ﴾ ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب؛ في أهله إذا غاب عني؛ ردّاً لقولها: ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ وتصديقاً لقوله؛ حيث قال: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي  ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ذلك ليعلم الله أني لم أخنه؛ يعني الزوج بالغيب، لكن هذا بعيد، إنه قد علم يوسف أن الله قد علم أنه لم يخنه بالغيب.

وقول أهل التأويل لما قال يوسف: ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ قال له الملك: ولا حين هممت ما هممت؟

فقال: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ ﴾ : هذا مما لا نعلمه.

وقد ذكرنا التأويل في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا  ﴾ ما يحل ويسع أن يتكلم به، وفساد تأويل أهل التأويل من الوجوه التي ذكرنا.

ومعنى قوله: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ .

أي: عصم ربي.

والله أعلم.

إنه لما قال ذلك؛ ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ؛ لما عصمني الله عن ذلك، ولو لم يكن عصمني لكنت أخونه ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ أي: [ما] عصم ربي؛ لأن النفس جبلت وطبعت على الميل إلى الشهوات واللذات، والهوى فيها والرغبة والتوقي عن المكروهات والشدائد؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ  وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا  فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ  فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ  ﴾ أثبت للنفس الهوى وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها، هذا يدل أن قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ هو محبة الاختيار والإيثار في الدين لا ما تختار النفس وتؤثر، النفس أبداً تختار وتؤثر ما هو ألذّ وأشهى، وتنفر عن الشدائد والمكروهات، على هذا طبعت وجبلت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ ﴾ أي: [لا يجعل] فعل الكيد والخيانة هدى ورشداً، إنما يجعل فعل الكيد والخيانة ضلالا وغواية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ [أي: أجعله لنفسي خالصاً لحوائجي وأن يكون قوله: ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ ]: أصدر لرأيه وأطيع أمره، في هذا يقع استخلاصه إياه؛ ولذلك قال: ﴿ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ...

﴾ الآية لا أن يجعله لحاجة نفسه خالصاً دون الناس لا يشرك غيره فيه؛ دليله ما ذكر في حرف حَفْصَة (إنك اليوم لدينا مطاع أمين).

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ .

ولم يذكر فيه أنه أتى به، ولكن قال: فلما كلمه؛ فهذا يدل أنه قد أتى به وإن لم يذكر أنه أتى به؛ حيث قال: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ قيل: المكين: الوجيه، وقيل: المكين: الأمين المرضي عندنا والأمين على ما استأمناك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ ﴾ .

سأل هذا لما علم أنه ليس في وسعهم القيام بإصلاح ذلك الطعام، وعلم أنه لو ولي غيره الخزائن لم يعرف إنزال الناس منازلهم؛ في تقديم من يجب تقديمه، والقيام بحاجة الأحق من غيره.

وعلم أنه إليه يرجع، ويقع حوائج أكثر الناس، وبه قوام أبدانهم؛ فسأله ليقوم بذلك كله، وعلى يديه يجري.

ولذلك قال: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قال بعضهم: حفيظ لما وليت عليم بأمره.

وقيل: حفيظ أي: حاسب، عليم: أي بالألسن كلها.

وقيل: حفيظ لما في الأرض من غلة؛ عالم بها.

وعن ابن عباس  : حفيظ لما تحت يدي، عليم بالناس.

وقيل: حفيظ بصير بتقديره عالم بساعات الجوع حين يقع، إني حفيظ لما استحفظت عليم بحوائج الناس، أو عليم بتقديم الأحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: كما برأنا يوسف مما قرف به، وأظهرنا براءته منه؛ مكناه في الأرض حتى احتاج أهل نواحي مصر وأهل الآفاق إليه.

أو أن يقال: كما حفظناه وأنجيناه؛ مما قصد به إخوته من الهلاك؛ نمكن له في الأرض.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ ﴾ جوابه: كما مكنا ليوسف في الأرض بعدما أخرج من عليه الإيواء والضم، كذلك نمكنك في الأرض ونؤوي؛ بعدما أخرجك من عليه إيواؤك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ﴾ .

أي: ينزل منها حيث يشاء، أو يسكن منها حيث يشاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَتِنَا ﴾ سعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا  ﴾ .

ويحتمل ﴿ بِرَحْمَتِنَا ﴾ : أمر الدين من النبوة والعصمة، وهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يختص أحداً برحمته ولا يصيب من رحمته إنساناً دون إنسان، وعلى قولهم لم يكن من الله إلى رسول من الرحمة إلا وكان إلى إبليس مثله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

أي: لا نضيع أجر من أحسن صحبة الله في الدنيا والآخرة؛ أي نجزيه جزاء إحسانه أو يقول: ولا نضيع أجر من أحسن صحبة نعم الله وقبلها بالشكر له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

أي ثواب الآخرة وأجرها خير لهم من ثواب الدنيا وأجرها.

وقوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ .

صدقوا.

﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ الشرك.

أو ﴿ آمَنُواْ ﴾ صدقوا؛ ﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ المعاصي والفواحش.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال يوسف للملك: ولّني على حفظ خزائن المال والأقوات في أرض مصر، فإني خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما أتولاه.

<div class="verse-tafsir" id="91.yeENY"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر