الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٥٧ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٧ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أن ما ادخره الله لنبيه يوسف ، عليه السلام ، في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجل ، مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا كما قال تعالى في حق سليمان ، عليه السلام : ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) [ ص : 39 ، 40 ] .
والغرض أن يوسف ، عليه السلام ، ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته ، وأسلم الملك على يدي يوسف ، عليه السلام .
قاله مجاهد .
وقال محمد بن إسحاق لما قال يوسف للملك : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) قال الملك : قد فعلت .
فولاه فيما ذكروا عمل إطفير وعزل إطفير عما كان عليه ، يقول الله عز وجل : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ) فذكر لي - والله أعلم - أن إطفير هلك في تلك الليالي ، وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة إطفير راعيل ، وأنها حين دخلت عليه قال : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟
قال : فيزعمون أنها قالت : أيها الصديق ، لا تلمني ، فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ، ناعمة في ملك ودنيا ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت ، فيزعمون أنه وجدها عذراء ، فأصابها فولدت له رجلين أفرائيم بن يوسف ، وميشا بن يوسف وولد لأفرائيم نون ، والد يوشع بن نون ، ورحمة امرأة أيوب ، عليه السلام .
وقال الفضيل بن عياض : وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق ، حتى مر يوسف ، فقالت : الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته ، والملوك عبيدا بمعصيته .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولثواب الله في الآخرة ، ( خير للذين آمنوا ) يقول: للذين صدقوا الله ورسوله، مما أعطى يوسف في الدنيا من تمكينه له في أرض مصر ، (وكانوا يتقون)، يقول: وكانوا يتقون الله، فيخافون عقابه في خلاف أمره واستحلال محارمه ، فيطيعونه في أمره ونهيه .
قوله تعالى : ولأجر الآخرة خير أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا ; لأن أجر الآخرة دائم ، وأجر الدنيا ينقطع ; وظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق ; وأنشدوا :أما في رسول الله يوسف أسوة لمثلك محبوسا على الظلم والإفك أقام جميل الصبر في الحبس برهةفآل به الصبر الجميل إلى الملكوكتب بعضهم إلى صديق له :وراء مضيق الخوف متسع الأمن وأول مفروح به آخر الحزنفلا تيأسن فالله ملك يوسفا خزائنه بعد الخلاص من السجنوأنشد بعضهم :إذا الحادثات بلغن النهى وكادت تذوب لهن المهجوحل البلاء وقل العزاء فعند التناهي يكون الفرجوالشعر في هذا المعنى كثير .
{ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ } من أجر الدنيا { لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } أي: لمن جمع بين التقوى والإيمان، فبالتقوى تترك الأمور المحرمة من كبائر الذنوب وصغائرها، وبالإيمان التام يحصل تصديق القلب، بما أمر الله بالتصديق به، وتتبعه أعمال القلوب وأعمال الجوارح، من الواجبات والمستحبات.
( ولأجر الآخرة ) ثواب الآخرة ( خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) .
فلما اطمأن يوسف في ملكه دبر في جمع الطعام بأحسن التدبير ، وبنى الحصون والبيوت الكثيرة ، وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة ، وأنفق بالمعروف حتى خلت السنون المخصبة ودخلت السنون المجدبة بهول لم يعهد الناس بمثله .
وروي أنه كان قد دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار ، فلما دخلت سنة القحط كان أول من أخذه الجوع هو الملك في نصف الليل فنادى يا يوسف الجوع الجوع !
.
فقال يوسف : هذا أوان القحط .
ففي السنة الأولى من سني الجدب هلك كل شيء أعدوه في السنين المخصبة ، فجعل أهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام ، فباعهم أول سنة بالنقود حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه ، وباعهم السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء ، وباعهم السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع ، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق في يد أحد عبد ولا أمة ، وباعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها ، وباعهم السنة السادسة بأولادهم حتى استرقهم ، وباعهم السنة السابعة برقابهم [ حتى استرقهم ] ، ولم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا له .
فقال الناس : ما رأينا يوما كاليوم ملكا أجل ولا أعظم من هذا .
ثم قال يوسف للملك : كيف رأيت صنع ربي فيما خولني فما ترى في ذلك ؟
فقال له الملك : الرأي رأيك ونحن لك تبع .
قال : فإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ، ورددت عليهم أملاكهم .
وروي أن يوسف كان لا يشبع من طعام في تلك الأيام ، فقيل له : أتجوع وبيدك خزائن الأرض ؟
.
فقال : أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع ، وأمر يوسف عليه السلام طباخي الملك أن يجعلوا غداءه نصف النهار ، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين ، فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار .
قال : وقصد الناس مصر من كل أوب يمتارون الطعام فجعل يوسف لا يمكن أحدا منهم - وإن كان عظيما - من أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس ، وتزاحم الناس عليه وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب الناس في سائر البلاد من القحط والشدة ، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس ، فأرسل بنيه إلى مصر للميرة ، وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه ، فذلك قوله تعالى :
«ولأجر الآخرة خير» من أجر الدنيا «للذين آمنوا وكانوا يتقون» ودخلت سنو القحط وأصاب أرض كنعان والشام.
ولَثواب الآخرة عند الله أعظم من ثواب الدنيا لأهل الإيمان والتقوى الذين يخافون عقاب الله، ويطيعونه في أمره ونهيه.
( وَلأَجْرُ الآخرة خَيْرٌ ) وأبقى ( لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ) يالله - إيماناً حقا ( وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ) خالقهم - عز وجل - فى لك ما يأتون وما يذرون ، بأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه .وهكذا كافأ الله - تعالى - يوسف على صبره وتقواه وإحسانه ، بما يستحقه من خير وسعادة فى الدنيا والآخرة .ثم تطوى السورة بعد ذلك أحداثاً تكل معرفتها إلى فهم القارئ وفطنته ، فهى لم تحدثنا - مثلاً - عن الطريقة التى اتبعها يوسف فى إدراته لخزائن أرض مصر ، اكتفاء بقوله ( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) للدلالة على كفايته وأمانته .كذلك لم تحدثنا عن أحوال الناس فى السنوات السعب العجاف ، وفى السنوات الخضر لأن هذا مقرر ومعروف فى دنيا الناس .كذلك لم تحدثنا عن صلة الملك وحاشيته بيوسف ، بعد أن صار أميناً على خزائن الأرض ، بل أفسحت المجال كله للحديث عن يوسف ، إنزالاً للناس منازلهم ، إذ هو صاحب التفسير الصحيح لرؤيا الملك ، وصاحب الأفكار الحكيمة التى أنقذت الأمة من فقر سبع سنوات شداد ، وصابح الدعوة إلى وحدانية الله - تعالى - وإخلاص العبادة له ، بين قوم يشركون مع الله فى العبادة آلهة أخرى .
فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن يوسف عليه السلام لما التمس من الملك أن يجعله على خزائن الأرض لم يحك الله عن الملك أنه قال: قد فعلت، بل الله سبحانه قال: ﴿ وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الارض ﴾ فهاهنا المفسرون قالوا في الكلام محذوف وتقديره: قال الملك قد فعلت، إلا أن تمكين الله له في الأرض يدل على أن الملك الملك قد أجابه إلى ما سأل.
وأقول: ما قالوه حسن، إلا أن هاهنا ما هو أحسن منه وهو أن إجابة الملك له سبب في عالم الظاهر وأما المؤثر الحقيقي: فليس إلا أنه تعالى مكنه في الأرض، وذلك لأن ذلك الملك كان متمكناً من القبول ومن الرد، فنسبة قدرته إلى القبول وإلى الرد على التساوي، وما دام يبقى هذ التساوي امتنع حصول القبول، فلابد وأن يترجح القبول على الرد في خاطر ذلك الملك، وذلك الترجح لا يكون إلا بمرجح يخلقه الله تعالى، إذا خلق الله تعالى ذلك المرجح حصل القبول لا محالة، فالتمكن ليوسف في الأرض ليس إلا من خلق الله تعالى في قلب ذلك الملك بمجموع القدرة والداعية الجازمة اللتين عند حصولهما يجب الأثر، فلهذا السبب ترك الله تعالى ذكر إجابة الملك واقتصر على ذكر التمكين الإلهي، لأن المؤثر الحقيقي ليس إلا هو.
المسألة الثانية: روي أن الملك توجه وأخرج خاتم الملك وجعله في أصبعه وقلد بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت، فقال يوسف عليه السلام: أما السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي، وجلس على السرير ودانت له القوم، وعزل الملك قطفير زوج المرأة المعلومة ومات بعد ذلك وزوجه الملك امرأته، فلما دخل عليها قال أليس هذا خيراً مما طلبت، فوجدها عذراء فولدت له ولدين أفرايم وميشا وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء، وأسلم على يده الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى ثم بالحلي والجواهر في السنة الثانية ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم سنين فقالوا والله ما رأينا ملكاً أعظم شأناً من هذا الملك حتى صار كل الخلق عبيداً له فلما سمع ذلك قال إني أشهد الله أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع لأحد ممن يطلب الطعام أكثر من حمل البعير لئلا يضيق الطعام على الباقين هكذا رواه صاحب الكشاف والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وكذلك ﴾ الكاف منصوبة بالتمكين، وذلك إشارة إلى ما تقدم يعني به ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبنا إياه من قلب الملك وإنجائنا إياه من غم الحبس، وقوله: ﴿ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض ﴾ أي أقدرناه على ما يريد برفع الموانع وقوله: ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء ﴾ يتبوأ في موضع نصب على الحال تقديره مكناه متبوأ وقرأ ابن كثير: ﴿ نَشَاء ﴾ بالنون مضافاً إلى الله تعالى والباقون بالياء مضافاً إلى يوسف.
واعلم أن قوله: ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء ﴾ يدل على أنه صار في الملك بحيث لا يدافعه أحد، ولا ينازعه منازع بل صار مستقلاً بكل ما شاء وأراد ثم بين تعالى ما يؤكد أن ذلك من قبله فقال: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء ﴾ .
واعلم أنه تعالى ذكر أولاً أن ذلك التمكين كان من الله لا من أحد سواه وهو قوله: ﴿ كذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الارض ﴾ ثم أكد ذلك ثانياً بقوله: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء ﴾ وفيه فائدتان: الفائدة الأولى: أن هذا يدل على أن الكل من الله تعالى.
قال القاضي: تلك المملكة لما لم تتم إلا بالأمور فعلها الله تعالى صارت كأنها حصلت من قبله تعالى.
وجوابه: أنا ندعي أن نفس تلك المملكة إنما حصلت من قبل الله تعالى، لأن لفظ القرآن يدل على قولنا، والبرهان القاطع الذي ذكرناه يقوي قولنا، فصرف هذا اللفظ إلى المجاز لا سبيل إليه.
الفائدة الثانية: أنه أتاه ذلك بمحض المشيئة الإلهية والقدرة النافذة.
قال القاضي: هذه الآية تدل على أنه تعالى يجري أمر نعمه على ما يقتضيه الصلاح.
قلنا: الآية تدل على أن الأمور معلقة بالمشيئة الإلهية والقدرة المحضة فأمارعاية قيد الصلاح، فأمر اعتبرته أنت من نفسك مع أن اللفظ لا يدل عليه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ﴾ وذلك لأن إضاعة الأجر إما أن يكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حق الله تعالى، فكانت الإضاعة ممتنعة.
واعلم أن هذا شهادة من الله تعالى على أن يوسف عليه السلام كان من المحسنين ولو صدق القول بأنه جلس بين شعبها الأربع لامتنع أن يقال: إنه كان من المحسنين، فهاهنا لزم إما تكذيب الله في حكمه على يوسف بأنه كان من المحسنين وهو عين الكفر أو لزم تكذيب الحشوي فيما رواه وهو عين الإيمان والحق.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَجْرُ الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأول: في تفسير هذه الآية قولان: القول الأول: المراد منه أن يوسف عليه السلام وإن كان قد وصل إلى المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الدنيا إلا أن الثواب الذي أعده الله له في الآخرة خير وأفضل وأكمل وجهات الترجيح قد ذكرناها في هذا الكتاب مراراً وأطواراً، وحاصل تلك الوجوه أن الخير المطلق هو الذي يكون نفعاً خالصاً دائماً مقروناً بالتعظيم، وكل هذه القيود الأربعة حاصلة في خيرات الآخرة ومفقودة في خيرات الدنيا.
القول الثاني: أن لفظ الخير قد يستعمل لكون أحد الخيرين أفضل من الآخر كما يقال: الجلاب خير من الماء وقد يستعمل لبيان كونه في نفسه خيراً من غير أن يكون المراد منه بيان التفضيل كما يقال: الثريد خير من الله يعني الثريد خير من الخيرات حصل بإحسان من الله.
إذا ثبت هذا فقوله: ﴿ وَلاَجْرُ الاخرة خَيْرٌ ﴾ إن حملناه على الوجه الأول لزم أن تكون ملاذ الدنيا موصوفة بالخيرية أيضاً، وأما إن حملناه على الوجه الثاني لزم أن لا يقال إن منافع الدنيا أيضاً خيرات بل لعله يفيد أن خير الآخرة هو الخير، وأما ما سواه فعبث.
المسألة الثانية: لا شك أن المراد من قوله: ﴿ وَلاَجْرُ الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ شرح حال يوسف عليه السلام فوجب أن يصدق في حقه أنه من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهذا تنصيص من الله عز وجل.
على أنه كان في الزمان السابق من المتقين، وليس هاهنا زمان سابق ليوسف عليه السلام يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال الله فيه: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ فكان هذا شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان في ذلك الوقت من المتقين، وأيضاً قوله: ﴿ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ﴾ شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان من المحسنين، وقوله: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ﴾ شهادة من الله تعالى على أنه من المخلصين فثبت أن الله تعالى شهد بأن يوسف عليه السلام كان من المتقين ومن المحسنين ومن المخلصين، والجاهل الحشوي يقول: إنه كان من الأخسرين المذنبين، ولا شك أن من لم يقل بقول الله سبحانه وتعالى مع هذه التأكيدات كان من الأخسرين.
المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله تعالى: ﴿ وَلاَجْرُ الاخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ يدل على بطلان قول المرجئة: الذين يزعمون أن الثواب يحصل في الآخرة لمن لم يتق الكبائر.
قلنا: هذا ضعيف، لأنا إن حملنا لفظ خير على أفعل التفضيل لزم أن يكون الثواب الحاصل للمتقين أفضل ولا يلزم أن لا يحصل لغيرهم أصلاً، وإن حملناه على أصل معنى الخيرية، فهذا يدل على حصول هذا الخير للمتقين ولا يدل على أن غيرهم لا يحصل لهم هذا الخير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولأَجْرُ الأخرة خَيْرٌ ﴾ لهم.
قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا، وما له في الآخرة من خلاق، وتلا هذه الآية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ ولِّنِي أمْرَها والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ.
﴿ إنِّي حَفِيظٌ ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ في أمْرِهِ لا مَحالَةَ آثَرَ ما تَعُمُّ فَوائِدُهُ وتُجِلُّ عَوائِدُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ طَلَبِ التَّوْلِيَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لَها والتَّوَلِّي مِن يَدِ الكافِرِ إذا عُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إقامَةِ الحَقِّ وسِياسَةِ الخَلْقِ إلّا بِالِاسْتِظْهارِ بِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَلِكَ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ.
﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ﴾ في أرْضِ مِصْرَ.
﴿ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ ﴾ يَنْزِلُ مِن بِلادِها حَيْثُ يَهْوى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « نَشاءُ» بِالنُّونِ.
﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ بَلْ نُوَفِّي أُجُورَهم عاجِلًا وآجِلًا.
﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ الشِّرْكَ والفَواحِشَ لِعَظَمِهِ ودَوامِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا} يريد يوسف وغيره من المؤمنين إلى يوم القيامة {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} الشرك والفواحش قال سفيان بن عيينة المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق وتلا الآية روي أن الملك توج يوسف وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللا بالدر والياقوت فقال اما السرير فأشدبه ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك وأما التاج فليس من لبساى ولا لباس آبائي فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوض الملك إليه أمره وعزل قطفير ثم مات بعد فزوجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين أفراثيم وميشا وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر فى سنين القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها ثم بالحلي والجواهر في الثانية ثم بالدواب في الثالثة ثم بالعبيد والإماء في الرابعة ثم بالدور والعقار في الخامسة ثم بأولادهم في السادسة ثم برقابهم في السابعة حتى استرقهم جميعاً ثم أعتق أهل مصر عن آخرهم ورد عليهم أملاكهم وكان لا يبيع لأحد من الممتارين أكثر من حمل بعير وأصاب أرض كنعان نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا وذلك قوله
﴿ ولأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ .
(57) .
قَدْ وُضِعَ فِيهِ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ ﴿ المُحْسِنِينَ ﴾ وجُمِعَ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ والمَعْنى ولَأجْرُهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ والإضافَةُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وجَعَلَ في تَعْقِيبِ الجُمْلَةِ المُثْبَتَةِ بِالجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ إشْعارٌ بِأنَّ مَدارَ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ إحْسانُ مَن تُصِيبُهُ الرَّحْمَةُ المَذْكُورَةُ وفي ذِكْرِ الجُمْلَةِ الثّالِثَةِ المُؤَكَّدَةِ بَعْدَ دَفْعِ تَوَهُّمِ انْحِصارِ ثَمَراتِ الإحْسانِ فِيما ذَكَرَ مِنَ الأجْرِ العاجِلِ ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِمَّنْ نَشاءُ مَن نَشاءُ أنْ نُصِيبَهُ بِالرَّحْمَةِ مِن عِبادِنا الَّذِينَ آمَنُوا واسْتَمَرُّوا عَلى التَّقْوى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ولَعَلَّ الظّاهِرَ حَمْلُ ( مَن ) عَلى ما هو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ النِّعْمَةُ الَّتِي لا تَكُونُ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ وبِالأجْرِ ما كانَ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ يَبْقى أمْرُ وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ عَلى حالِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَتَفَضَّلُ عَلى مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا كَيْفَ كانُوا ونُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِالمُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما لا في مُقابَلَةِ شَيْءٍ ونُوَفِّي أُجُورَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى التَّقْوى مِنهم ونُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا ما نُعْطِيهِمْ في مُقابَلَةِ إيمانِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى التَّقْوى وما نُعْطِيهِمْ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ المُقِيمِ خَيْرٌ لَهم مِمّا نُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا لِعِظَمِهِ ودَوامِهِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إطْلاقَ الرَّحْمَةِ عَلى ما يُصِيبُ الكافِرَ مِن نَحْوِ المُلْكِ والغِنى مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةٍ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ ويَقْتَضِيهِ قَوْلُهم: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى كافِرٍ وأُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهم: في ( الرَّحْمَنِ ) أنَّهُ الَّذِي يَرْحَمُ المُؤْمِنَ والكافِرَ في الدُّنْيا ظاهِرٌ في صِحَّةِ إطْلاقِ الرَّحْمَةِ عَلى ما يُصِيبُ الكافِرَ مِن ذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ظاهِرٌ في صِحَّةِ القَوْلِ بِكَوْنِ الكافِرِ مَرْحُومًا في الجُمْلَةِ وأمْرُ الإشْعارِ سَهْلٌ وقَوْلُهم: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى كافِرٍ إنَّما قالَهُ البَعْضُ بِناءً عَلى أخْذٍ يُحْمَدُ عاقِبَتُها في تَعْرِيفِها وإنْ أبَيْتَ ولا أظُنُّ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَبَّرَ عَمّا ذُكِرَ بِالرَّحْمَةِ رِعايَةً لِجانِبِ مَنِ انْدَرَجَ في عُمُومِ ( مَن ) مِنَ المُؤْمِنِينَ.
نَعَمْ يُرَدُّ عَلى تَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ هُنا بِالنِّعْمَةِ الَّتِي لا تَكُونُ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمال والأجْرِ بِما كانَ ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: المُؤْمِنُ يُثابُ عَلى حَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ والفاجِرُ يُعَجَّلُ لَهُ الخَيْرُ في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ وتَلا الآيَةَ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ ما يُصِيبُ الكافِرَ مِمّا تَقَدَّمَ في مُقابَلَةِ عَمَلٍ لَهُ وأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ هو إلّا ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ﴾ وقَدْ يُجابُ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ حَمَلَ ﴿ المُحْسِنِينَ ﴾ عَلى ما يَشْمَلُ الكُفّارَ الفاعِلِينَ لِما يُحْسُنُ كَصِلَةِ الرَّحِمِ ونُصْرَةِ المَظْلُومِ وإطْعامِ الفَقِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَحَصْرُ الدَّلالَةِ فِيما ذُكِرَ مَمْنُوعٌ نَعَمْ إنَّ هَذا الأثَرَ يُعَكِّرُ عَلى التَّفْسِيرِ السّابِقِ عَكَرًا بَيِّنًا إذِ الآيَةُ عَلَيْهِ لا تَعَرُّضَ فِيها لِلْكافِرِ أصْلًا فَلا مَعْنى لِتِلاوَتِها إثْرَ ذَلِكَ الكَلامِ.
وعَمَّمَ بَعْضُهُمُ الأوْقاتِ في ﴿ نُصِيبُ ﴾ - ﴿ ولا نُضِيعُ ﴾ فَقالَ نُصِيبُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ بَلْ نُوَفِّي أُجُورَهم عاجِلًا وآجِلًا وأُيِّدَ بِأنَّهُ لا مُوجِبَ لِلتَّخْصِيصِ وأنَّ خَبَرَ سُفْيانَ يَدُلُّ عَلى العُمُومِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالدُّنْيا فَإنَّما خَصَّهُ لِيَكُونَ ما بَعْدَهُ تَأْسِيسًا وبِأنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْخَبَرِ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَجْمُوعِ الآيَةِ وفِيهِ ما فِيهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ﴿ المُحْسِنِينَ ﴾ بِالصّابِرِينَ ولَعَلَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ رَأى ذَلِكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ وأيًّا ما كانَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ في الآخِرَةِ أفْضَلُ مِمّا أعْطاهُ في الدُّنْيا مِنَ المُلْكِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي يعني: أجعله في خاصة نفسي.
فلما خرج يوسف من السجن، ودّع أهل السجن، ودعا لهم وقال: اللهم اعطف قلوب الصالحين عليهم، ولا تستر الأخبار عليهم.
فمن ثم تقع الأخبار عند أهل السجن، قبل أن تقع عند عامة الناس.
ولما دخل يوسف على الملك وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً، فأجابه يوسف بذلك كله.
ثم تكلم يوسف بالعبرانية، فلم يحسنها الملك، فقال: ما هذا اللسان يا يوسف؟
قال: هذا لسان آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام.
ثم كلمه بالعربية، فلم يحسنها الملك، فقال: ما هذا اللسان؟
فقال: لسان عمي إسماعيل فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ في المنزلة أَمِينٌ على ما وكلتك.
قَالَ له يوسف : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ يعني: على خراج مصر إِنِّي حَفِيظٌ للتدبير.
ويقال: حَفِيظٌ بما وكلت به عَلِيمٌ بجميع الألسن.
ويقال: عَلِيمٌ بأخذها ووضعها مواضعها.
وإنما سأل ذلك صلاحاً للخلق، لأنه علم أنه ليس أحد يقوم بإصلاح ذلك الأمر مثله.
ويقال: حَفِيظٌ عَلِيمٌ يعني: عليماً بساعة الجوع.
وكان الملك يأكل في كل يوم نصف النهار.
فلما كانت الليلة التي قضى الله بالقحط فيها، أمر يوسف بأن يتخذ طعام الملك بالليل، فلما أصبح الملك قال: الجوع الجوع.
فأتي بطعام مهيئ، قال: وما يدريكم بذلك؟
قالوا: أمرنا بذلك يوسف، ففوض الملك أموره كلها إلى يوسف، وهو قوله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ يعني: صنعنا ليوسف فِي الْأَرْضِ يعني: أرض مصر يَتَبَوَّأُ مِنْها يعني: ينزل منها حَيْثُ يَشاءُ.
قرأ ابن كثير حَيْثُ نَشاءُ بالنون يعني: حيث يشاء الله.
وقرأ الباقون: بالياء حَيْثُ يَشاءُ يوسف نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ نختص بنعمتنا: النبوة، والإسلام، والنجاة من نشاء وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يعني: لا نبطل ثواب الموحدين، حتى نوفيّه جزاءه في الدنيا، ومع ذلك له ثواب في الآخرة، فذلك قوله تعالى: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ يعني: ثواب الآخرة أفضل مما أعطي في الدنيا لِلَّذِينَ آمَنُوا أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى وَكانُوا يَتَّقُونَ الشرك.
وروي في الخبر: أن زوج زليخا مات، وبقيت امرأته زليخا.
فجلست يوماً على الطريق، فمر عليها يوسف في حشمه، فقالت زليخا: الحمد لله الذي جعل العبد ملكاً بطاعته، وجعل الملك مملوكا بمعصيته.
وتزوجها يوسف فوجدها عذراء، وأخبرت أن زوجها كان عنيناً، لم يصل إليها.
ثم وقع القحط بالناس حتى أكلوا جميع ما في أيديهم، واحتاجوا إلى ما عند يوسف.
وكان يوسف قد جمع في وقت الخصب مقدار ما يكفي السنين المجدبة للأكل والبيع، فجعل الناس يعطونه أموالهم: العروض، والرقيق، والعقار، وغير ذلك، ويأخذون منه الطعام.
ووقع القحط بأرض كنعان، حتى أصاب آل يعقوب الحاجة إلى الطعام، فقال يعقوب لبنيه: إنهم يزعمون أن بمصر ملكاً يبيع الطعام، فخرج بنو يعقوب وهم عشرة نحو مصر حتى أتوا يوسف فدخلوا عليه، وعليه زي الملوك فلم يعرفوه، فعرفهم يوسف، وكلموه بالعبرانية، فأرسل يوسف إلى الترجمان، وهو يعلم لسانهم.
ولكنه أراد أن يشتبه عليهم، فذلك قوله تعالى: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ يعني: عرف يوسف أنهم إخوته وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ يعني: لم يعرفوا أنه يوسف، لأنهم كانوا فارقوه في حال الصغر، وكان يوسف عليه زي الملوك، بخلاف ما كانوا كانوا رأوه في حال الصغر.
روى أسباط عن السدي وغيره، قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحب أمره الذي يلي البيع والتجارة.
فبعث يعقوب بنيه إلى مصر، فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ عرفهم.
فلما نظر إليهم، قال: أخبروني ما أمركم؟
فإني أنكر شأنكم.
قالوا: نحن قوم من أرض الشام.
قال: فما جاء بكم؟
قالوا: جئنا نمتار طعاماً.
قال: كأنكم عيون كم أنتم؟
قالوا: عشرة.
قال: أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم أمير ألف رجل، فأخبروني خبركم.
قالوا: إنا إخوة بنو رجل صديق، وإنا كنا اثني عشر، فكان أبونا يحب أخاً لنا، وهو هلك في الغنم، ووجدنا قميصه ملطخاً بالدم، فأتينا به أبانا، فكان أحبنا إلى أبينا منا.
قال: فإلى من سكن منكم أبوكم بعده؟
قالوا: إلى أخ له أصغر منه.
قال: فكيف تخبروني أنه صديق، وهو يختار الصغير منكم دون الكبير؟
وكيف تخبروني أنه هلك، وبقي قميصه؟
فلو كان اللصوص قتلوه لأخذوا قميصه، ولو كان الذئب أكله لمزق قميصه.
فإذا كلامكم متناقض، احبسوهم.
ثم قال: إِن كُنتُمْ صادقين في مقالتكم، فخلفوا عندي بعضكم، واتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ قالوا: اختر أينا شئت، فارتهن شمعون، ثم أمر يوسف بوفاء كيلهم، فذلك قوله تعالى: وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ يعني: كال لهم كيلهم، وأعطى كل واحد منهم حمل بعير، ثم قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ يعني: أفضل من يضيف ويكرم الذي نزل به فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ يعني: بأخيكم فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي فيما تستقبلون وَلا تَقْرَبُونِ يعني: ولا تستقبلوا إليَّ مرة أخرى، فإني لا أعطي لكم الطعام.
قال الزجاج: القراءة بالكسر يعني: بكسر النون وهو الوجه.
ويجوز وَلا تَقْرَبُونِ بفتح النون، لأنها نون الجماعة كما قال: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] بفتح النون.
قال: ويكون وَلا تَقْرَبُونِ لفظه لفظ الخبر، ومعناه: معنى النهي.
<div class="verse-tafsir"
اتصف بها نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، إِذ كان خلقه القرآن، كما روته عائشةُ في الصحيحِ، وكما ذكر اللَّه سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] انتهى.
وقوله: إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ، فيه وعيدٌ، وقوله: مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ: المعنى: فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسوة، وامرأة العزيزِ معَهُنَّ، وقال لهنَّ: مَا خَطْبُكُنَّ ...
الآية: أي: أيُّ شيء كانَتْ قصَّتَكُن، فجاوب النساءُ بجوابٍ جيدٍ، تظهر منه براءَةُ أَنفُسِهِنَّ، وأعطَيْنَ يوسُفَ بعْضَ براءةٍ، فقلْنَ: حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ، فلما سمعت امرأة العزيزِ مقالَتَهُنَّ وَحَيْدَتَهُنَّ، حضَرَتْها نيَّةٌ وتحقيقٌ، فقالتِ: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، أي: تبيَّنَ الحقُّ بعد خفائِهِ قاله الخليل وغيره، قال البخاريُّ: حَاشَ وحَاشَى: تنزيهٌ واستثناء، وحَصْحَصَ: وَضَح.
انتهى.
ثم أقرَّتْ على نفسها بالمراودةِ، والتزمت الذنْبَ، وأبرأَتْ يوسُفَ البراءةَ التامَّة.
وقوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ إِلى قوله: إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ:
اختلف فيه أَهْلُ التأويل، هل هو مِنْ قولِ يوسُفَ أَو من قول امرأة العزيز.
وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي: المعنى: أن الملك، لَمَّا تَبَيَّنَتْ له براءة يُوسُفُ وتحقَّق في القصَّة أمانته، وفَهِمَ أيضاً صبره وعُلُوَّ همته، عظُمَتْ عنده منزلتُهُ، وتيقَّن حُسْنَ خلاله، فقال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، فلما جاءه وكلَّمه قال:
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ: قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «١» : قوله: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ: أي: متمكِّن مما أردتَّ، أمين على ما ائتمنت عليه من شيء أمَّا أمانته فلظهورِ برائته، وأمَّا مكانته، فلثبوت عفَّته: ونَزَاهَتِهِ/ انتهى، وَلَمَّا فهم يوسُفُ عليه السلام من المَلِكِ أنَّه عزم على تصريفه والاستعانة بِنَظَرِهِ، قال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ، لما في ذلك من مصالح العباد.
قال ع «٢» : وطِلبَةُ يوسُفَ للعملِ إِنما هي حِسْبَةٌ منه عليه السلام في رغبته في أن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ المَعْنى: ما نُعْطِي يُوسُفَ في الآخِرَةِ، خَيْرٌ مِمّا أعْطَيْناهُ في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ في الصَّبْرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ المَعْنى: إنَّ المَلِكَ لِما تَبَيَّنَتْ لَهُ بَراءَةُ يُوسُفَ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ، وتَحَقَّقَ في القِصَّةِ أمانَتُهُ، وفَهِمَ أيْضًا صَبْرَهُ وجَلَدَهُ -عَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ عِنْدَهُ، وتَيَقَّنَ حُسْنَ خِلالِهِ فَقالَ: ﴿ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ .
وهَذا الَّذِي أمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ -بِتَثَبُّتِهِ في السِجْنِ- أنْ يَرْتَقِيَ إلى أعْلى المَنازِلِ، فَتَأمَّلْ أنَّ المَلِكَ قالَ أوَّلًا -حِينَ تَحَقَّقَ عِلْمُهُ-: ﴿ ائْتُونِي بِهِ ﴾ فَقَطْ، فَلَمّا فَعَلَ يُوسُفُ ما فَعَلَ، فَظَهَرَتْ أمانَتُهُ وصَبْرُهُ وعُلُوُّ هِمَّتِهِ وجَوْدَةُ نَظَرِهِ قالَ: ﴿ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ ، فَلَمّا جاءَهُ وكَلَّمَهُ قالَ: ﴿ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ ﴾ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ رَأى مِن كَلامِهِ وحُسْنِ مَنطِقِهِ ما صَدَّقَ بِهِ الخَبَرَ أو أرْبى عَلَيْهِ؛ إذِ المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ، ثُمَّ لَمّا زاوَلَ الأعْمالَ مَشى القُدَمِيَّةَ حَتّى ولِيَ خُطَّةَ العَزِيزِ.
و"أمِينٌ" مِنَ الأمانَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى آمِنٌ.
وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن نَمَطِ الكَلامِ، ويَنْحَطُّ إكْرامُ يُوسُفَ كَثِيرًا.
ويُرْوى أنَّ المَلِكَ لَمّا أدْنى يُوسُفَ قالَ لَهُ: إنِّي أُشارِكُكَ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا أنِّي أُحِبُّ أنْ لا تُشْرِكُنِي في أهْلِي، وألّا تَأْكُلَ عِنْدِي، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: أتَأْنَفُ أنْ آكُلَ مَعَكَ؟!
أنا أحَقُّ أنْ آنَفُ، أنا ابْنُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ، وابْنُ إسْحاقَ الذَبِيحِ، وابْنُ يَعْقُوبَ الصِدِّيقِ، وفي هَذا الحَدِيثِ بُعْدٌ وضَعْفٌ.
وقَدْ قالَ ابْنُ مَيْسَرَةَ: إنَّما جَرى هَذا في أوَّلِ أمْرِهِ، كانَ يَأْكُلُ مَعَ العَزِيزِ، فَلَمّا جَرَتْ قَصَّةُ المَرْأةِ قالَتْ لِلْعَزِيزِ: أتَدَعُ هَذا يُؤاكِلُكَ؟
فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ فَكُلْ مَعَ العَبِيدِ، فَأنِفَ وقالَ ما تَقَدَّمُ.
أمّا أنَّ الظاهِرَ مِن قِصَّتِهِ وقْتَ مُحاوَرَةِ المَلِكِ أنَّهُ كانَ عَلى عُبُودِيَّةٍ، وإلّا كانَ اللائِقُ بِهِ أنْ يَنْتَحِيَ بِنَفْسِهِ عن عَمَلِ الكافِرِ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا أهْلَ أوثانٍ، ومُحاوَرَةُ يُوسُفَ لِصاحِبِي السِجْنِ تَقْضِي بِذَلِكَ.
وسَمّى اللهُ تَعالى فِرْعَوْنَ مِصْرَ مَلِكًا؛ إذْ هي حِكايَةُ اسْمٍ مَضى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ زَمَنُهُ، ولَوْ كانَ حَيًّا لَكانَ حُكْمًا لَهُ إذا قِيلَ لِكافِرٍ: "مَلِكٌ أو أمِيرٌ"، ولِهَذا «كَتَبَ النَبِيُّ إلى هِرَقْلَ فَقالَ: "عَظِيمُ الرُومِ "،» ولَمْ يَقُلْ: مَلِكًا ولا أمِيرًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ، والحَقُّ أنْ يُسْلِمَ ويُسْلِمُوا.
وأمّا كَوْنُهُ عَظِيمَهم فَتِلْكَ صِفَةٌ لا تُفارِقُهُ كَيْفَما تَقَلَّبُ، ولَوْ كَتَبَ لَهُ النَبِيُّ : "أمِيرُ الرُومِ "، لَتَمَسَّكَ بِتِلْكَ الحُجَّةِ عَلى نَحْوِ تَمَسُّكِ زِيادٍ في قَوْلِهِ: "شَهِدَ -واللهِ- لِي أبُو الحَسَنِ ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ الآيَةُ.
فَهِمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المَلِكِ أنَّهُ عَلى تَصْرِيفِهِ والِاسْتِعانَةِ بِنَظَرِهِ في المُلْكِ، فَألْقى يَدَهُ في الفِعْلِ الَّذِي يُمْكِنُهُ فِيهِ المَعْدِلَةَ، ويَتَرَتَّبُ لَهُ الإحْسانُ إلى مَن يَجِبُ، ووَضْعُ الحَقِّ عَلى أهْلِهِ وعِنْدَ أهْلِهِ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: في هَذِهِ الآيَةِ ما يُبِيحُ لِلرَّجُلِ الفاضِلِ أنْ يَعْمَلَ لِلرَّجُلِ الفاجِرِ بِشَرْطِ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ يُفَوَّضُ إلَيْهِ في فَعْلِ ما لا يُعارِضُ فِيهِ، فَيُصْلِحُ مِنهُ ما يَشاءُ، وأمّا إنْ كانَ عَمَلُهُ بِحَسْبَ اخْتِيارِ الفاجِرِ وشَهَواتِهِ وفُجُورِهِ فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وطُلْبَةُ يُوسُفِ لِلْعَمَلِ إنَّما هي حِسْبَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ لِرَغْبَتِهِ في أنْ يَقَعَ العَدْلُ، ونَحْوَ هَذا هو دُخُولُ أبِي بَكْرٍ الصَدِّيقِ في الخِلافَةِ، مَعَ نَهْيِهِ المُسْتَشِيرَ لَهُ مِنَ الأنْصارِ أنْ يَتَأمَّرَ عَلى اثْنَيْنِ، الحَدِيثُ بِكَمالِهِ.
فَجائِزٌ لِلْفاضِلِ أنْ يَعْمَلَ وأنْ يَطْلُبَ العَمَلَ إذا رَأى ألّا عِوَضَ مِنهُ، وجائِزٌ أيْضًا لِلْمَرْءِ أنْ يُثْنِيَ عَلى نَفْسِهِ بِالحَقِّ إذا جُهِلَ أمْرُهُ.
والخَزائِنُ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَخْتَزِنُهُ المَمْلَكَةُ مِن طَعامٍ ومالٍ وغَيْرِهِ.
و ﴿ حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ صِفَتانِ تَعُمُّ وُجُوهَ التَثْقِيفِ والحَيْطَةِ لا خَلَلَ مَعَهُما لِعامِلٍ، وقَدْ خَصَّصَ الناسُ بِهاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ أشْياءَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: حَفِيظٌ بِالحِسابِ عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعَتْنِي عَلِيمٌ بِسِنِي الجُوعِ، وهَذا كُلُّهُ تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، وإنَّما أرادَ بِاتِّصافِهِ أنْ يَعْرِفَ المَلِكُ بِالوَجْهِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ الكَوْنَ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، فاتَّصَفَ بِأنَّهُ يَحْفَظُ المُجْبى مِن كُلِّ جِهَةٍ تَحْتاجُ إلى الحِفْظِ، ويَعْلَمُ التَناوُلَ أجْمَعَ، ورُوِيَ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: " مِصْرُ خِزانَةُ الأرْضِ"، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ مَمْلَكَةُ فِرْعَوْنَ إلّا بِها فَقَطْ، ويُؤَكِّدُ أنْ تُسَمّى خِزانَةَ الأرْضِ بِصِيتِها في بِلادِ الأرْضِ وتَوَسُّطِها، فَمِنها يَنْتَقِلُ الناسُ إلى أقْطارِ الأرْضِ، وهي مَحِلُّ كُلَّ جالِبٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ الآيَةُ.
الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيلِ صُنْعِ اللهِ بِهِ، أيْ: ولِهَذِهِ الأفْعالِ المَنصُوصَةِ دَرَجْناهُ في الرُتَبِ ونَقَلْناهُ فَمَكَّنا لَهُ في الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرُوِيَ أنَّ العَزِيزَ ماتَ في تِلْكَ اللَيالِي، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَلْ عَزَلَهُ المَلِكُ، ثُمَّ ماتَ قِطْفِيرُ فَوَلّاهُ المَلِكُ مَكانَهُ وزَوَّجَهُ زَوْجَتَهُ، فَلَمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَرُوسًا قالَ لَها: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا كُنْتِ أرَدْتِ؟
فَقالَتْ لَهُ: أيُّها الصَدِّيقُ، كُنْتُ في غايَةِ الجَمالِ وكُنْتُ شابَّةً عَذْراءَ، وكانَ زَوْجِي لا يَطَأُ، فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي في حُبِّكَ، فَدَخَلَيُوسُفُ بِها فَوَجَدَها بِكْرًا، ووَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ.
ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ عَزَلَ العَزِيزَ ووَلّاهُ مَوْضِعَهُ، ثُمَّ عَظُمَ مُلْكُ يُوسُفَ وتَغَلَّبَ عَلى حالِ المَلِكِ أجْمَعَ، قالَ مُجاهِدٌ: وأسْلَمَ المَلِكُ آخِرَ أمْرِهِ، ودَرُسَ أمْرُ العَزِيزِ وذَهَبَتْ دُنْياهُ وماتَ وافْتَقَرَتْ زَوْجَتُهُ وزَمِنَتْ وشاخَتْ، فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأيّامِ لَقِيَتْ يُوسُفَ في طَرِيقٍ والجُنُودُ حَوْلَهُ ووَراءَهُ، وعَلى رَأْسِهِ بُنُودٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْها ﴿ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ، فَصاحَتْ بِهِ وقالَتْ: سُبْحانَ مَن أعَزَّ العَبِيدَ بِالطاعَةِ، وأذِلَّ الأرْبابَ بِالمَعْصِيَةِ، فَعَرَفَها، وقالَتْ لَهُ: تَعْطِفُ عَلَيَّ وارْزُقْنِي شَيْئًا فَدَعاها وكَلَّمَها، وأشْفَقَ لِحالِها، ودَعا اللهَ تَعالى فَرَدَّ عَلَيْها جَمالَها وتَزَوَّجَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا مِنَ القِصَصِ ما لا يُوقَفُ عَلى صِحَّتِهِ، ويَطُولُ الكَلامُ بِسَوْقِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَيْثُ يَشاءُ" عَلى الإخْبارِ عن يُوسُفَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "حَيْثُ نَشاءُ" بِالنُونِ عَلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: حَيْثُ يَشاءُ اللهُ مَن تَصَرُّفِ يُوسُفَ عَلى اخْتِلافِ تَصَرُّفِهِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ الحَسَنِ، وشَيْبَةَ، ونافِعٍ، وأبِي جَعْفَرٍ -بِخِلافٍ عَنِ الثَلاثَةِ المَدَنِيِّينَ- وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ: "حَيْثُ يَشاءُ مِنَ المَحارِيبِ والمُتَعَبَّداتِ"، وأحْوالِ الطاعاتِ، فَهي قُرَبٌ يُرِيدُها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ويَشاؤُها، وإمّا أنْ يَكُونَ مَعْناها: "حَيْثُ يَشاءُ يُوسُفُ "، لَكِنْ أضافَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ المَشِيئَةَ الَّتِي لِيُوسُفَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو عَبْدٌ مِن عَبِيدِهِ، وكانَتْ مَشِيئَتُهُ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعالى وقَوَّتِهِ، كَما قالَ: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ مِن أبِي عَلَيٍّ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ وتَحَفُّظٌ مِن أنَّ أفْعالَ العِبادِ مِن فاعِلَيْنِ، فَتَأمَّلْهُ.
واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى حَدِّ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ و ﴿ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ وقَوْلُهُ: "يَتَبَوَّأُ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، و ﴿ حَيْثُ يَشاءُ ﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، أو عَلى المَفْعُولِ بِهِ، كَما قالَ الشَمّاخُ: ......................
حَيْثُ تُكْوى النَواحِزُ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
ولَمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإحْسانَ مِنَ العَبْدِ والجَرْيَ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ لا يَضِيعُ عِنْدَ اللهِ، ولا بُدَّ مِن حُسْنِ عاقِبَتِهِ في الدُنْيا أعَقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ حالَ الآخِرَةِ أحْمَدُ، وأحْرى أنْ يُجْعَلَ غَرَضًا ومَقْصَدًا، وهَذا هو الَّذِي يُنْتَزَعُ مِنَ الآيَةِ بِحَسْبَ التَقَيُّدِ بَيْنَ الإيمانِ والتَقْوى مِنَ الناسِ، وفِيها -مَعَ ذَلِكَ- إشارَةٌ إلى أنَّ حالَهُ مِنَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن حالِهِ العَظِيمَةِ في الدُنْيا.
<div class="verse-tafsir"
تقدم تفسير آية ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ﴾ آنفاً.
والتبوؤ: اتخاذ مكان للبوء، أي الرجوع، فمعنى التبوؤ النزول والإقامة.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ﴾ في [سورة يونس: 87].
وقوله: يتبوأ منها حيث يشاء } كناية عن تصرفه في جميع مملكة مصر فهو عند حلوله بمكان من المملكة لو شاء أن يحل بغيره لفعل، فجملة ﴿ يتبوأ ﴾ يجوز أن تكون حالاً من ﴿ يوسف، ويجوز أن تكون بياناً لجملة مكنا ليوسف في الأرض ﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿ حيث يشاء ﴾ بياء الغيبة وقرأ ابن كثير ﴿ حيث نشاء ﴾ بنون العظمة، أي حيث يشاء الله، أي حيث نأمره أو نلهمه.
والمعنى متحد لأنه لا يشاء إلا ما شاءه الله.
وجملة ﴿ نصيب برحمتنا من نشاء ﴾ إلى آخرها تذييل لمناسبة عمومه لخصوص ما أصاب يوسف عليه السلام من الرحمة في أحواله في الدنيا وما كان له من مواقف الإحسان التي كان ما أعطيه من النعم وشرف المنزلة جزاء لها في الدنيا، لأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
ولأجره في الآخرة خير من ذلك له ولكل من آمن واتقى.
والتعبير في جانب الإيمان بصيغة الماضي وفي جانب التقوى بصيغة المضارع، لأن الإيمان عقد القلب الجازم فهو حاصل دفعة واحدة وأما التقوى فهي متجددة بتجدّد أسباب الأمر والنهي واختلاف الأعمال والأزمان.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: اسْتَخْلَصَهُ المَلِكُ الأكْبَرُ الوَلِيدُ بْنُ الرَّيّانِ عَلى عَمَلِ إظْفِيرَ وعَزَلَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: وأسْلَمَ عَلى يَدِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَلَكَ بَعْدَ سَنَةٍ ونِصْفٍ.
فَرَوى مُقاتِلٌ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (لَوْ أنَّ يُوسُفَ قالَ: إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ لَمَلَكَ في وقْتِهِ ذَلِكَ)» .
ثُمَّ ماتَ إظْفِيرُ فَزَوَّجَهُ المَلِكُ بِامْرَأةِ إظْفِيرَ راعِيلَ، فَدَخَلَ بِها يُوسُفُ فَوَجَدَها عَذْراءَ ووَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ أفْرائِيمَ ومَنشا ابْنَيْ يُوسُفَ.
وَمَن زَعَمَ أنَّها زُلَيْخا قالَ لَمْ يَتَزَوَّجْها يُوسُفُ وأنَّها لَمّا رَأتْهُ في مَوْكِبِهِ بَكَتْ، ثُمَّ قالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ المُلُوكَ عَبِيدًا بِالمَعْصِيَةِ، وجَعَلَ العَبِيدَ بِالطّاعَةِ مُلُوكًا، فَضَمَّها إلَيْهِ فَكانَتْ في عِيالِهِ حَتّى ماتَتْ عِنْدَهُ ولَمْ يَتَزَوَّجْها.
﴿ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَتَّخِذُ مِن أرْضِ مِصْرَ مَنزِلًا حَيْثُ يَشاءُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: يَصْنَعُ في الدُّنْيا ما يَشاءُ لِتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا بِالرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ.
﴿ وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ بِالجَزاءِ.
وَمِنهم مَن حَمَلَها عَلى الدُّنْيا، ومِنهم مَن حَمَلَها عَلى الآخِرَةِ، والأصَحُّ ما قَدَّمْناهُ.
واخْتُلِفَ فِيما أُوتِيَهُ مِن هَذا الحالِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ثَوابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما ابْتَلاهُ.
الثّانِي: أنَّهُ أنْعَمَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ تَفَضُّلًا مِنهُ، وثَوابُهُ باقٍ عَلى حالِهِ في الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا مِن أجْرِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ أجْرَ الآخِرَةِ دائِمٌ، وأجْرَ الدُّنْيا مُنْقَطِعٌ.
الثّانِي: ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِيُوسُفَ مِنَ التَّشاغُلِ بِمُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِها لِما فِيهِ مِنَ التَّبِعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال: سألت الحسن رضي الله عنه فقلت: يا أبا سعيد، قوله: ﴿ ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ ما هي؟
قال: يا مالك، اتقوا المحارم، خمصت بطونهم.
تركوا المحارم وهم يشتهونها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ ذكر العلماء في هذه الآية قولين أحدهما: أن المعنى ما يعطي الله تعالى من ثواب الآخرة، خير للمؤمنين الذين يعدلون ويؤثرون الصواب في تقوى الله تعالى، من التمكين في الدنيا (والملك، والمعنى أن ما يعطي الله يوسف في الآخرة خير مما أعطاه في الدنيا) (١) (٢) (٣) الوجه الثاني (٤) ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ ، وأصحاب النار لا خير في مستقرهم البتة.
وهذا بيان عما يوجب طلب أجر الآخرة والحرص عليه بلزوم طاعة الله واجتناب معصيته.
(١) ما بين المعقوفين مكرر في (أ)، (ج).
(٢) هنا زائد (في) في (أ)، (ب).
(٣) "زاد المسير" 4/ 24، والرازي 18/ 164، و"البحر المحيط" 5/ 320، وابن عطية 8/ 10، والطبري 13/ 7.
(٤) ذكره الرازي 18/ 164.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض ﴾ الإشارة بذلك إلى ما تقدم من جميل صنع الله به، ورُوي أن الملك ولاه في موضع العزيز، وأسند إليه جميع الأمور حتى تغلب على أمره أنه باع من أهل مصر في أعوام القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق لهم شيء منها، ثم بالحلي، ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى تملكهم جميعاً ثم أعتقهم وردّ عليهم أملاكهم ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ ﴾ الرحمة هنا يراد بها الدنيا وكذلك الأجر في قوله: ولا نضيع أجر المحسنين بدليل قوله بعد ذلك: ولأجر الآخرة خير، فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب بها من يشاء من مؤمن وكافر ومطيع وعاص، وأن المحسن لابد له من أجره في الدنيا، فالأول: في المشيئة، والثاني: واقع لا محالة، ثم أخبر أن أجر الآخرة خير من ذلك كله: للذين آمنوا، وكانوا يتقون، وفي الآية إشارة إلى أن يوسف عليه السلام جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ حيث نشاء ﴾ بالنون: ابن كثير.
الآخرون بياء الغيبة ﴿ أني أوف ﴾ بفتح ياء المتكلم: نافع غير إسماعيل: ﴿ لفتيانه ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ حمزة وعلي وخلف غير أبي بكر وحماد.
الباقون ﴿ لفتيته ﴾ ﴿ خير حافظاً ﴾ ﴿ يكتل ﴾ بيان الغيبة: حمزة علي وخلف.
الباقون بالنون.
﴿ تؤتوني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو يزيد وإسماعيل في الوصل.
الوقوف: ﴿ لنفسي ﴾ ج ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ حيث نشاء ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ من أبيكم ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ المنزلين ﴾ ه ﴿ ولا تقربون ﴾ ه ﴿ لفاعلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ حافظاً ﴾ ص ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط لتمام جواب "لما" ﴿ ما نبغي ﴾ ط لأن ما بعده جملة مستأنفة موضحة للاستفهامية أو المنفية قبلها ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والعطف على ونحن نمير ﴿ كيل بعير ﴾ ه ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ قال الله ﴾ قيل: يسكت بين الفعل والاسم لأن القائل يعقوب لا الله ، والأحسن أن يفرق بينهما بقوة النغمة فقط لئلا يلزم الفصل بين القائل والمقول ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ متفرقة ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ توكلت ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ أبوهم ﴾ ط لأن جواب "لما" محذوف أي سلموا بإذن الله ﴿ قضاها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.
التفسير: الأظهر أن هذا الملك هو الريان لا العزيز لأن قوله ﴿ أستخلصه لنفسي ﴾ يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له وقد كان يوسف قبل ذلك خالصاً للعزيز.
وفي قول يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ دلالة أيضاً على ما قلنا.
والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك، ومن عادة الملوك أن يتفردوا بالأشياء النفسية.
روي أن جبريل دخل على يوسف في السجن وقال: قل اللَّهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب.
فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه فجاءه الرسول وقال: أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله وكتب على باب السجن: "هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء" ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً جدداً، فما دخل على الملك قال: اللَّهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه.
﴿ فلما كلمه ﴾ احتمل أن يكون ضمير الفاعل ليوسف وللملك.
وهذا أولى لأن مجالس الملوك لا يحسن ابتداء الكلام فيها لغيرهم.
يروى أن الملك قال له: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك.
قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن.
ومكان خروجهن، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك بعينها، فتعجب من وفور علمه وحدسه - وكان قد علم من حاله ما علم من نزاهة ساحته وعدم مسارعته في الخروج من السجن - وقد وصف له الشرابي من جده في الطاعة والإحسان إلى سكان السجن ما وصف فعظم اعتقاده فيه فعند ذلك ﴿ قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ ويندرج في المكان كمال القدرة والعلم.
أما القدرة فظاهرة، وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير يتوقف على العلم بأفعال الخير وبأضدادها، وكونه أميناً متفرع عن كونه حكيماً لأن لا يفعل لداعي الشهوة وإنما يفعله لداعي الحكمة.
قال المفسرون: لما حكى يوسف رؤيا الملك وعبرها بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها الصديق؟
قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن والأهراء وتجمع الطعام فيها فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟
فقال يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض ﴾ اللام للعهد أي ولني خزائن أرض مصر.
والخزائن جمع الخزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ ﴿ إني حفيظ ﴾ للأمانات وأموال الخزائن ﴿ عليم ﴾ بوجوه التصرف فيها على وجه الغبطة والمصلحة.
وقيل: حفيظ لوجوه أياديكم عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والشفقة.
قال الواحدي: هذا الطلب خطيئة منه فكانت عقوبته أن أخر عنه المقصود سنة.
عن ابن عباس أن النبي قال: "رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكن لما قال ذلك أخره الله عنه سنة" وقال آخرون: إن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه لأن النبي يجب عليه رعاية الأصلح لأمته بقدر الإمكان، وقد علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضنك فأراد السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى دفع الظلم والضر عن الناس إلا بالاستعانة من كافر أو فاسق فله أن يستظهر به، على أن مجاهداً قد زعم أن الملك كان قد أسلم.
وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه فكان في حكم التابع لا المتبوع.
ووصف نفسه بالحفظ والعلم على سبيل المبالغة لم يكن لأجل التمدح ولكن للتوصل إلى الغرض المذكور.
﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقريب والإنجاء من السجن ﴿ مكنا ليوسف في الأرض ﴾ أرض مصر وهي أربعون فرسخاً في أربعين.
﴿ يتبؤّأ منها حيث يشاء ﴾ هو أو نشاء نحن على القراءتين والمراد بيان استقلاله بالتقلب والتصرف فيها بحيث لا ينازعه أحد.
﴿ نصيب برحمتنا من نشاء ﴾ فيه أن الكل من الله وبتيسيره.
وقالت المعتزلة: تلك المملكة لما لم تتم إلا بأمور فعلها الله صارت كأنها من قبل الله ، وعلقوا أيضاً المشيئة بالحكمة ورعاية الأصلح.
والأشاعرة ناقشوا في هذا القيد.
﴿ ولا نضيع أجر المحسنين ﴾ لأن إضاعة الأجر تكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حقه تعالى.
﴿ ولأجر الآخرة خير ﴾ من أجر الدنيا أو خير في نفسه.
وفي قوله المحسنين وقوله: ﴿ للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ إشارة إلى أن يوسف كان في الزمان السابق من المحسنين ومن المتقين ففيه دلالة على نزاهة يوسف عن كل سوء.
قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.
يروى.
أن الملك توجه وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقال له: أما السرير فأشدّ به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي.
فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك.
فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعد فزوّجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين: افراثيم وميشا.
وأقام العدل بمصر وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجل ولا أعظم منه فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني مما ترى؟
قال: الرأي رأيك.
قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم.
وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس.
وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا فذلك قوله : ﴿ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ﴾ لم يعرفوه لأن طول العهد ينسي ولاعتقادهم أنه قد هلك أو لذهابه عن أوهامهم حين فارقوه مبيعاً بدراهم معدودة ثم رأوه ملكاً مهيباً جالساً على السرير في زي الفراعنة، ويحتمل أن يكون بينه وبينهم مسافة وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج.
وإنما عرفهم لأن أثر تغيير الهيئات عليهم كان أقل لأنه فارقهم وهم رجال ولم يغيروا زيهم عما هو عادتهم، ولأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، ويحتمل أن يكون عرفهم بالوحي.
وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرفوا له.
﴿ ولما جهزهم بجهازهم ﴾ هو ما يحتاج إليه في كل باب ومنه جهاز العروس والميت.
قال الليث: جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازاً للسفر.
قال: وسمعت أهل البصرة يحكون الجهاز بالكسر.
وقال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة جيدة ﴿ قال ائتنوني بأخ لكم من أبيكم ﴾ قال العلماء: لا بد من كلام يجر هذا الكلام فروي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: ما أنتم؟
وما شأنكم فإني أنكركم.
قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد وجئنا نمتار.
فقال: لعلكم جئتم عيوناً؟
قالوا: معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب.
قال: كم أنتم؟
قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد.
فقال: فكم أنتم ههنا؟
قالوا: عشرة قال: فأين الأخ الحادي عشر؟
قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك.
قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون؟
قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد.
قال: فدعوا بعضكم عندي رهيناً وأتوني بأخيكم من أبيكم يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم.
فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده.
وقيل: كانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا: إن لنا شيخاً كبيراً وأخاً آخر فبقي معه ولا بد لهما من حملين آخرين.
فاستدل الملك ببقائه عند أبيه على زيادة محبته إياه وكونه فائقاً في الجمال والأدب فاستدعى منهم إحضاره.
وقيل: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيداً فريداً؟
فقالوا: بل بقي عنده واحد.
فقال لهم: لم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟
قالوا: لا بل لزيادة محبته.
فقال: إن أباكم رجل عالم حكيم.
ثم إنه خصه بمزيد المحبة مع أنكم فضلاء أدباء فلا بد أن يكون هو زائداً عليكم في الكمال والجمال فائتوني به لأشاهده.
والأوّل قول المفسرين، والآخران محتملان.
ولما طلب منهم إحضار الأخ جمع لهم بين الترغيب والترهيب فالأوّل قوله: ﴿ ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ المضيفين وكان قد أحسن ضيافتهم أو زاد لكل من الأب والأخ الغائب حملاً، والثاني ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ﴾ مجزوم على النهي أو لأنه داخل في حكم الجزاء كأنه قيل: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا ﴿ قالوا سنراود عنه أباه ﴾ سنخادعه عنه ونجتهد حتى ننتزعه من يده ﴿ وإنا لفاعلون ﴾ كل ما في وسعنا في هذا الباب أو لقادرون على ذلك.
﴿ وقال لفتيانه ﴾ أو ﴿ لفتيته ﴾ قراءتان وهما جمع فتى كالأخوان والإخوة في أخ ففعلة للقلة ووجهه أن هذا العمل من الأسرار فوجب كتمانه عن العدد الكثير، وفعلان للكثرة ووجهه أنه قال: ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ والرحال عدد كثير ويناسبه الجم الغفير من الغلمان الكيالين، والبضاعة ما قطع من المال للتجارة، والرحال جمع رحل والمراد به ههنا ما يستصبحه الرجل معه من الأثاث.
والأكثرون على أنه أمر بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجه لا يعرفون بدليل قوله: ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ﴾ وفرغوا ظروفهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا وكانت بضاعتهم النعل والأدم.
وقيل: أمر بوصفها على وجه عرفوها، والمعنى لعلهم يعرفون حق ردّها.
أما السبب الذي لأجله أمر يوسف بذلك فقيل: ليعلموا كرم يوسف فيبعثهم ذلك على المعاودة.
وقيل: خاف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يدعوهم إلى الرجوع، أو أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان قحط، أو لأن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم، أو أراد أن يرجعوا ليعرفوا سبب الرد لأنهم أولاد الأنبياء فيحترزوا أن يكون ذلك على سبيل السهو، أو أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم عيب ولا منة فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه.
وقيل: ﴿ يرجعون ﴾ متعدٍ أي لعلهم يردونها.
﴿ قالوا: يا أبانا منع منا الكيل ﴾ أرادوا قول يوسف ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ﴾ لأن إنذار المنع بمنزلة المنع يؤيده قراءة من قرأ ﴿ نكتل ﴾ بالنون أي نرفع المانع ونأخذ من الطعام ما نحتاج إليه، ويحتمل أن يراد بالمنع أنهم إذا طلبوا الطعام لأبيهم والأخ المخلف فلعله منع من ذلك، ويقوّي هذا الاحتمال قراءة الغيبة أي ﴿ يكتل ﴾ أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا.
﴿ قال هل آمنكم عليه ﴾ ضمنوا كونهم حافظين له فقال يعقوب: إنك ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف فهل يكون أماني الآن إلا كأماني فيما قبل يعني كما لم يحصل الأمان وقتئذ فكذا الآن.
والظاهر أن ههنا إضماراً والتقدير فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وقال: ﴿ فالله خير حافظاً ﴾ و ﴿ حافظاً ﴾ نصب على التمييز واحتمل الثاني الحال نحو "لله درّه فارساً" وهو أرحم الراحمين} أرجوا أن لا يجمع عليّ مصيبتين.
وقيل: إنه تذكر يوسف فقال: فالله خير حافظاً أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي ﴿ ولما فتحوا متاعهم ﴾ هو عام في كل ما يستمتع به ويجوز أن يراد به ههنا الطعام أو الأوعية.
أما قوله ﴿ ما نبغي ﴾ فالبغي بمعنى الطلب و "ما" نافية أو استفهامية.
المعنى ما نطلب شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى أو أيّ شيء نطلب وراء هذا نستظهر بالبضاعة المردودة إلينا.
﴿ ونمير أهلنا ﴾ في رجوعنا إلى الملك ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ فما يصيبه شيء مما يخافه ﴿ ونزداد ﴾ باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا فأيّ شيء نبغي وراء هذه المباغي؟!.
ويجوز أن يكون البغي بمعنى الكذب والتزيد في القول على أن "ما" نافية أي ما نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا تلك الكرامة.
قال في الكشاف: فعلى هذا التفسير لا يكون قوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على معنى قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ وإنما يكون قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ بياناً لصدقهم، وقوله: ﴿ ونمير ﴾ معطوفاً على ﴿ ما نبغي ﴾ أو يكون كلاماً مبتدأ أي ونبغي أن نمير كما تقول: سعيت في حاجة فلان ويجب أو ينبغي أن أسعى ويجوز أن يراد ما نبغي ما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا.
ثم بينوا كونهم مصيبين في رأيهم بقولهم: ﴿ هذه بضاعتنا ﴾ نستظهر بها ونميرأهلنا إلى آخره.
يقال: ماره يميره إذا أتاه بميرة أي بطعام ﴿ ذلك كيل يسير ﴾ أي ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه ما يكال لأجل أخينا.
وقال مقاتل.
ذلك إشارة إلى كيل بعير أي ذلك القدر سهل على الملك لا يضايقنا فيه ولا يطول مقامنا بسببه.
واختاره الزجاج.
وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام يعقوب يعني أن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.
﴿ قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً ﴾ تعطوني ما أثق به من عند الله وهو الحلف ﴿ لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ﴾ استثناء من أعم العام في المفعول وقد يقع مثل هذا الاستثناء في الإثبات إذا استقام المعنى نحو "قرأت إلا يوم كذا" وإن شئت فأوّله بالنفي أي لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا بعلة واحدة هي أن يحاط بكم أي تهلكوا جميعاً قاله مجاهد، أو تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به قاله قتادة: ﴿ على ما نقول ﴾ من طلب الموثق وإعطائه ﴿ وكيل ﴾ مطلع رقيب.
قال جمهور المفسرين: إنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد خوفاً عليهم من إصابة العين.
وههنا مقامان: الأوّل أن الإصابة بالعين حق لإطباق كثير من الأمة ولما روي أن رسول الله كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة." أي جامعة لشر من لمه إذا جمعه أو المراد ملمة والتغيير للمزاوجة.
وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله في أول النهار فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فرءَته معافى.
فقال: إن جبرائيل أتاني فرقاني وقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك.قال: فأفقت.
"وروي أنه دخل رسول الله بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا: يا رسول الله أصابته العين.
قال: أفلا تسترقون له من العين؟
وعنه : العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر" وقالت عائشة: كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين.
المقام الثاني في الكشف عن حقيقته.
قال الجاحظ: يمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم.
واعترض الجبائي وغيره بأنه لو كان كذلك لأثر في غير المستحسن كتأثيره في المستحسن.
وأجيب بأن المستحسن إن كان صديقاً للعائن عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، وإن كان عدواً حصل له خوف شديد من حصوله، وعلى التقديرين يسخن الروح وينحصر في داخل القلب ويحصل في الروح الباصرة كيفية مسخنة مؤثرة، فلهذا السبب أمر النبي العائن بالوضوء من أصابته العين بالاغتسال منه.
وقال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن غير الله ذلك الشخص حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به.
وقال الحكماء: ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً أو وهمياً كما للماشي على الجذع، أو تصوّرياً كما في الحركات البدنية، وقد يكون للنفوس خواص عجيبة تتصرف غير أبدانها بحسبها فمنها المعجز ومنها السحر ومنها الإصابة بالعين.
أما الجبائي وغيره ممن أنكر العين فقد قالوا: إن أولاد يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بكمالهم وجمالهم وهيئتهم فلم يأمن يعقوب أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم.
وقيل: إنه كان عالماً بأن الملك ولده إلا أن الله لم يأمره بإظهاره وكان غرضه أن يصل بنيامين إليه في غيبتهم قاله إبراهيم النخعي.
واعلم أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ولكنه بعد السعي البليغ يجب أن يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فهو بقضاء الله وقدره وأن الحذر لا يغني عن القدر فلهذا قال يعقوب: ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ فقوله الأوّل مبني على رعاية الأسباب والوسائط، وقوله الثاني إلى آخر الآية إشارة إلى الحقيقة وتفويض الأمر بالكلية إلى مسبب الأسباب.
وقد صدقه الله في ذلك بقوله: ﴿ ما كان يغني عنهم من الله من شيء ﴾ قال ابن عباس: ما كان ذلك التفرق يردّ قضاء الله .
وقال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم.
وقال آخرون: ما كان يغني عنهم رأي يعقوب شيئاً قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وأخذ الأخ وتضاعف المصيبة على الأب ﴿ إلا حاجة ﴾ استثناء منقطع أي ولكن حاجة ﴿ في نفس يعقوب قضاها ﴾ وهي إظهار الشفقة والنصيحة، أو الخوف من إصابة العين، أو من حسد أهل مصر، أو من قصد الملك.
ثم مدحه الله بقوله: ﴿ وإنه لذو علم ﴾ يعنى علمه بأن الحذر لا يدفع القدر ﴿ لما علمناه ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي لتعليمنا إياه، أو للذي علمناه.
وقيل: العلم الحفظ والمراقبة.
وقيل: المضاف محذوف أي لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وإشارة إلى كونه عاملاً بعلمه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ مثل علم يعقوب أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم.
وقيل: المراد بأكثر الناس المشركون لا يعلمون أنالله كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة.
التأويل: لما تبين لملك الروح قدر يوسف القلب وأمانته وصدقه وحسن استعداده سعى في خلاصه من سجن صفات البشرية ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لصلاح جميع رعايا ممكلة روحانية وجسمانية.
كما قال النبي : "إن في جسد بني آدم مضغة، إن صلحت صلح بها سائر الجسد وإن فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب" .
وللقلب اختصاص آخر بالله دون سائر المخلوقات قال : "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ اجعلني على خزائن ﴾ أرض الجسد فإن لله في كل عضو من الأعضاء خزانة من اللطف إن استعمله الإنسان فيما خلق ذلك العضو لأجله، وخزانة من القهر إن استعمله في ضده ﴿ إني حفيظ ﴾ للخزائن ﴿ عليم ﴾ باستعمالها فيما ينفعها دون ما يضرها ﴿ نصيب برحمتنا ﴾ فيه أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكولة إلى مشيئة الله .
﴿ وجاء إخوة يوسف ﴾ وهم الأوصاف البشرية ﴿ فعرفهم ﴾ يوسف القلب لأنه ينظر بنور الله ﴿ وهم له منكرون ﴾ لبقائهم في الظلمة حرمانهم عن النور.
﴿ ولما جهزهم ﴾ يشير إلى أن يوسف القلب لما التجأت إليه الأوصاف البشرية بدل صفاتها الذميمة النفسانية بالصفات الحميدة الروحانية، فاستدعى منهم إحضار بنيامين السر لأن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد التبديل المذكور، وإذا حضر معه يوفى بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية ﴿ اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ فيه أن البضاعة كل عمل من الأعمال البدنية التي تحيا بها الأوصاف البشرية إلى حضرة يوسف مردودة إليها، لأن القلب مستغن عنها.
وإنما الأوصاف البشرية محتاجة إليها لأن النفس تتأدب وتتزكى بها كما قال ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ﴾ وأن تربية القلب بالأعمال القلبية كالنيات الصالحة ولهذا قال : "نية المؤمن خير من عمله" .
وكالعزائم الخالصة والأخلاق الحميدة والتوكل والإخلاص.
ثم قال: كمال تربية القلب بالتخلية وتجلي صفات الحق وصفات ذاته ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ من صفة الأمارية إلا المأمورية والاطمئنان فيستحق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ردّت إلينا ﴾ فوائده ما ترجع إلى يوسف القلب ﴿ ونمير أهلنا ﴾ الأعضاء والجوارح نحصل لهم قوّة زائدة على الطاعة بواسطة رسوخ الملكة له ﴿ ونحفظ أخانا ﴾ من الحوادث النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ونزداد ﴾ بواسطة حضور السر عند القلب ﴿ كيل بعير ﴾ من الفوائد الربانية ﴿ وذلك كيل يسير ﴾ لمن يسره الله ﴿ لتأتنني به ﴾ مع الفوائد الربانية ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ إلا أن يغالب عليكم الأحكام الأزلية ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ لا تتقربوا إلى القلب بنوع واحد من المعاملات فللأسباب مدخل في التقريب إلا أن الكل موكل إلى مسبب الأسباب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ ﴾ يعني: يوسف [فلما جاءه الرسول، قال: ﴿ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ : فيه دلالة أن قول يوسف] للرجل.
﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .
إنما طلب بذلك براءة نفسه فيما اتهم به، ليس كما قال أهل التأويل؛ لأنه لو كان غير ذلك لكان لا يرد الرسول إليه ولكنه خرج والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ .
يحتمل هذا من وجهين: أحدهما: أَهُنَّ على كيدهن بعدُ، أم رجعن عن ذلك؟
والثاني: ليعلم الملك براءته مما قرف به واتهم.
[ليظهر عنده أنه كان بريئاً مما قرف به واتهم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ .
إنهن كدن ثم قال لهن الملك: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ﴾ هذا يدل أن الملك قد علم أنهن راودن يوسف عن نفسه؛ لأنه قال: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ ﴾ ولم يقل لهن: أراودتن أم لا؟
ولكنه قطع القول فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .
بدأ بهن حتى أقررن أنه كان بريئاً ما قرف به واتهم، ثم أقرت امرأة الملك بعد ذلك لما أقر النسوة؛ فقالت: ﴿ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ﴾ .
قيل: الآن تبين الحق وتحقق.
﴿ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ في قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .
وقوله: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ ما شأنكن وأمركن، والخطب: الشأن، وراودتن: قد ذكرناه.
وقوله: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ .
قيل: معاذ الله، وقيل: هي كلمة تنزيه وتبرئة من القبيح.
وقوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .
قال أهل التأويل: الزنا، ولكن قوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ هو السوء الذي قالت، ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ هو ذلك السوء قالت إنه أراده بها قلن ما علمنا منه ذلك.
وقوله: ﴿ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ﴾ .
قد ذكرناه أنه تبين وتحقق.
وفي قوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .
دلالة أن لم يكن منه ما قاله [أهل] التأويل من حلّ السراويل وغيره؛ لأنه لو كان منه ذلك لكُنّ قد علمن منه السوء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
قوله: ذلك الرد الذي كان منه وترك الإجابة لرسول الملك؛ حيث قال: ﴿ ٱئْتُونِي بِهِ ﴾ ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب؛ في أهله إذا غاب عني؛ ردّاً لقولها: ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ وتصديقاً لقوله؛ حيث قال: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .
وقال بعض أهل التأويل: ذلك ليعلم الله أني لم أخنه؛ يعني الزوج بالغيب، لكن هذا بعيد، إنه قد علم يوسف أن الله قد علم أنه لم يخنه بالغيب.
وقول أهل التأويل لما قال يوسف: ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ قال له الملك: ولا حين هممت ما هممت؟
فقال: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ ﴾ : هذا مما لا نعلمه.
وقد ذكرنا التأويل في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ ما يحل ويسع أن يتكلم به، وفساد تأويل أهل التأويل من الوجوه التي ذكرنا.
ومعنى قوله: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ .
أي: عصم ربي.
والله أعلم.
إنه لما قال ذلك؛ ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ؛ لما عصمني الله عن ذلك، ولو لم يكن عصمني لكنت أخونه ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ أي: [ما] عصم ربي؛ لأن النفس جبلت وطبعت على الميل إلى الشهوات واللذات، والهوى فيها والرغبة والتوقي عن المكروهات والشدائد؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ أثبت للنفس الهوى وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها، هذا يدل أن قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ هو محبة الاختيار والإيثار في الدين لا ما تختار النفس وتؤثر، النفس أبداً تختار وتؤثر ما هو ألذّ وأشهى، وتنفر عن الشدائد والمكروهات، على هذا طبعت وجبلت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ ﴾ أي: [لا يجعل] فعل الكيد والخيانة هدى ورشداً، إنما يجعل فعل الكيد والخيانة ضلالا وغواية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ [أي: أجعله لنفسي خالصاً لحوائجي وأن يكون قوله: ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ ]: أصدر لرأيه وأطيع أمره، في هذا يقع استخلاصه إياه؛ ولذلك قال: ﴿ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ...
﴾ الآية لا أن يجعله لحاجة نفسه خالصاً دون الناس لا يشرك غيره فيه؛ دليله ما ذكر في حرف حَفْصَة (إنك اليوم لدينا مطاع أمين).
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ .
ولم يذكر فيه أنه أتى به، ولكن قال: فلما كلمه؛ فهذا يدل أنه قد أتى به وإن لم يذكر أنه أتى به؛ حيث قال: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ قيل: المكين: الوجيه، وقيل: المكين: الأمين المرضي عندنا والأمين على ما استأمناك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ ﴾ .
سأل هذا لما علم أنه ليس في وسعهم القيام بإصلاح ذلك الطعام، وعلم أنه لو ولي غيره الخزائن لم يعرف إنزال الناس منازلهم؛ في تقديم من يجب تقديمه، والقيام بحاجة الأحق من غيره.
وعلم أنه إليه يرجع، ويقع حوائج أكثر الناس، وبه قوام أبدانهم؛ فسأله ليقوم بذلك كله، وعلى يديه يجري.
ولذلك قال: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قال بعضهم: حفيظ لما وليت عليم بأمره.
وقيل: حفيظ أي: حاسب، عليم: أي بالألسن كلها.
وقيل: حفيظ لما في الأرض من غلة؛ عالم بها.
وعن ابن عباس : حفيظ لما تحت يدي، عليم بالناس.
وقيل: حفيظ بصير بتقديره عالم بساعات الجوع حين يقع، إني حفيظ لما استحفظت عليم بحوائج الناس، أو عليم بتقديم الأحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: كما برأنا يوسف مما قرف به، وأظهرنا براءته منه؛ مكناه في الأرض حتى احتاج أهل نواحي مصر وأهل الآفاق إليه.
أو أن يقال: كما حفظناه وأنجيناه؛ مما قصد به إخوته من الهلاك؛ نمكن له في الأرض.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ ﴾ جوابه: كما مكنا ليوسف في الأرض بعدما أخرج من عليه الإيواء والضم، كذلك نمكنك في الأرض ونؤوي؛ بعدما أخرجك من عليه إيواؤك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ﴾ .
أي: ينزل منها حيث يشاء، أو يسكن منها حيث يشاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَتِنَا ﴾ سعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ﴾ .
ويحتمل ﴿ بِرَحْمَتِنَا ﴾ : أمر الدين من النبوة والعصمة، وهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يختص أحداً برحمته ولا يصيب من رحمته إنساناً دون إنسان، وعلى قولهم لم يكن من الله إلى رسول من الرحمة إلا وكان إلى إبليس مثله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
أي: لا نضيع أجر من أحسن صحبة الله في الدنيا والآخرة؛ أي نجزيه جزاء إحسانه أو يقول: ولا نضيع أجر من أحسن صحبة نعم الله وقبلها بالشكر له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
أي ثواب الآخرة وأجرها خير لهم من ثواب الدنيا وأجرها.
وقوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ .
صدقوا.
﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ الشرك.
أو ﴿ آمَنُواْ ﴾ صدقوا؛ ﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ المعاصي والفواحش.
<div class="verse-tafsir"
ولَثوابُ الله الَّذي أعدّه في الآخرة خير من ثواب الدنيا للذين آمنوا بالله وكانوا يتقونه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.0q52o"