الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٣٩ من سورة الرعد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 159 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٩ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) اختلف المفسرون في ذلك ، فقال الثوري ، ووكيع ، وهشيم ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : يدبر أمر السنة ، فيمحو ما يشاء ، إلا الشقاء والسعادة ، والحياة والموت .
وفي رواية : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) قال : كل شيء إلا الحياة والموت ، والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما .
وقال مجاهد : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت ) إلا الحياة والموت ، والشقاء والسعادة ، فإنهما لا يتغيران .
وقال منصور : سألت مجاهدا فقلت : أرأيت دعاء أحدنا يقول : اللهم ، إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم ، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم واجعله في السعداء .
فقال : حسن .
ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر ، فسألته عن ذلك ، فقال : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ) [ الدخان : 3 ، 4 ] قال : يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة ، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ، فأما كتاب الشقاوة والسعادة فهو ثابت لا يغير .
وقال الأعمش ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة : إنه كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء : اللهم ، إن كنت كتبتنا أشقياء فامحه ، واكتبنا سعداء ، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب .
رواه ابن جرير .
وقال ابن جرير أيضا : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن أبي حكيمة عصمة ، عن أبي عثمان النهدي; أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي : اللهم ، إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أم الكتاب ، فاجعله سعادة ومغفرة .
وقال حماد عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة عن ابن مسعود أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضا .
ورواه شريك ، عن هلال بن حميد ، عن عبد الله بن عكيم ، عن ابن مسعود ، بمثله .
وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا حجاج ، حدثنا خصاف ، عن أبي حمزة ، عن إبراهيم; أن كعبا قال لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين ، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة .
قال : وما هي ؟
قال : قول الله تعالى : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) .
ومعنى هذه الأقوال : أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ، ويثبت منها ما يشاء ، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، وهو الثوري ، عن عبد الله بن عيسى ، عن عبد الله بن أبي الجعد ، عن ثوبان قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر " .
ورواه النسائي وابن ماجه ، من حديث سفيان الثوري ، به .
وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر وفي الحديث الآخر : " إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض " .
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سهل بن عسكر ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام ، من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت - والدفتان لوحان - لله ، عز وجل [ كل يوم ثلاثمائة ] وستون لحظة ، يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .
وقال الليث بن سعد ، عن زياد بن محمد ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن فضالة بن عبيد ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " [ إن الله ] يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل ، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت " .
وذكر تمام الحديث .
رواه ابن جرير .
وقال الكلبي : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت ) قال : يمحو من الرزق ويزيد فيه ، ويمحو من الأجل ويزيد فيه .
فقيل له : من حدثك بهذا ؟
فقال : أبو صالح ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية فقال : يكتب القول كله ، حتى إذا كان يوم الخميس ، طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب ، مثل قولك : أكلت وشربت ، دخلت وخرجت ونحوه من الكلام ، وهو صادق ، ويثبت ما كان فيه الثواب ، وعليه العقاب .
وقال عكرمة ، عن ابن عباس : الكتاب كتابان : فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .
وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) يقول : هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة ، فهو الذي يمحو ، والذي يثبت : الرجل يعمل بمعصية الله ، وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله ، وهو الذي يثبت .
وروي عن سعيد بن جبير : أنها بمعنى : ( فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ) [ البقرة : 284 ] .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) يقول : يبدل ما يشاء فينسخه ، ويثبت ما يشاء فلا يبدله ، ( وعنده أم الكتاب ) يقول : وجملة ذلك عنده في أم الكتاب ، الناسخ والمنسوخ ، وما يبدل ، وما يثبت كل ذلك في كتاب .
وقال قتادة في قوله : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) كقوله ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) [ البقرة : 106 ] وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) قال : قالت كفار قريش حين أنزلت : ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) ما نراك يا محمد تملك من شيء ، ولقد فرغ من الأمر .
فأنزلت هذه الآية تخويفا ، ووعيدا لهم : إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا ، ونحدث في كل رمضان ، فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم ، وما نعطيهم ، وما نقسم لهم .
وقال الحسن البصري : ( يمحو الله ما يشاء ) قال : من جاء أجله ، فذهب ، ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله .
وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله .
وقوله : ( وعنده أم الكتاب ) قال : الحلال والحرام .
وقال قتادة : أي جملة الكتاب وأصله .
وقال الضحاك : ( وعنده أم الكتاب ) قال : كتاب عند رب العالمين .
وقال سنيد بن داود ، حدثني معتمر ، عن أبيه ، عن سيار ، عن ابن عباس; أنه سأل كعبا عن " أم الكتاب " ، فقال : علم الله ، ما هو خالق ، وما خلقه عاملون ، ثم قال لعلمه : " كن كتابا " .
فكانا كتابا .
وقال ابن جرير ، عن ابن عباس : ( وعنده أم الكتاب ) قال : الذكر ، [ والله أعلم ] .
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: يمحو الله ما يشاء من أمور عبادِه, فيغيّره, إلا الشقاء والسعادة، فإنهما لا يُغَيَّران .
*ذكر من قال ذلك: 20461- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا بحر بن عيسى, عن ابن أبي ليلى, عن المنهال, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ، قال: يدبّر الله أمرَ العباد فيمحو ما يشاءُ, إلا الشقاء والسعادة [والحياة] والموت .
(27) 20462- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا...
ابن أبي ليلى, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ، قال: كل شيء غير السعادة والشقاء, فإنهما قد فُرِغ منهما .
(28) 20463- حدثني علي بن سهل قال: حدثنا يزيد وحدثنا أحمد قال حدثنا أبو أحمد عن سفيان, عن ابن أبي ليلى, عن المنهال, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس يقول: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ، قال: إلا الشقاء والسعادة, والموت والحياة .
20464- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دُكَيْن وقَبِيصة قالا حدثنا سفيان, عن ابن أبي ليلى, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, مثله .
20465- حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا ابن أبي ليلى, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ، قال: قال ابن عباس: إلا الحياة والموت, والشقاء والسعادة .
20466- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم عن ابن أبي ليلى, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده الكتاب) ، قال: يقدِّر الله أمر السَّنَة في ليلة القَدْر, إلا الشقاوة والسَّعادة والموت والحياة .
20467- حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد في قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) ، قال: إلا الحياة والموت والسعادة والشقاوة فإنَّهما لا يتغيَّران .
20468- حدثنا عمرو قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا معاذ بن عقبة, عن منصور, عن مجاهد.
مثله .
(29) 20469- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله .
20470- ...
قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن منصور قال: قلت لمجاهد " إن كنت كتبتني سعيدًا فأثبتني, وإن كنت كتَبتَني شقيًّا فامحني" قال: الشقاء والسعادة قد فُرغ منهما .
(30) 20471- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد قال، حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا شريك, عن منصور, عن مجاهد: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) ، قال: ينـزل الله كل شيء في السَّنَة في ليلة القَدر, فيمحو ما يشاءُ من الآجال والأرزاق والمقادير, إلا الشقاء والسعادة, فإنهما ثابتان .
(31) 20472- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن منصور قال: سألت مجاهدًا فقلت: أرأيت دعاءَ أحدنا يقول: " اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم, وإن كان في الأشقياء فامحه واجعله في السعداء "، فقال: حَسنٌ .
ثم أتيته بعد ذلك بحَوْلٍ أو أكثر من ذلك, فسألته عن ذلك, فقال: إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [سورة الدخان:3 ، 4] قال: يُقْضى في ليلة القدر ما يكون في السَّنة من رزق أو مصيبة, ثم يقدِّم ما يشاء ويؤخر ما يشاء .
فأما كتاب الشقاء والسعادة فهو ثابتٌ لا يُغَيَّر .
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت من كتابٍ سوى أمّ الكتاب الذي لا يُغَيَّرُ منه شيء .
*ذكر من قال ذلك: 20473- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد, عن سليمان التَّيمي, عن عكرمة, عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ، قال: كتابان: كتابٌ يمحو منه ما يشاء ويثبت, وعنده أمّ الكتاب .
20474- حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا سهل بن يوسف قال: حدثنا سليمان التيمي, عن عكرمة, في قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ، قال: الكتابُ كتابان, كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت, وعنده أم الكتاب .
20475- ...
قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن سليمان التيمي, عن عكرمة, عن ابن عباس بمثله .
20475م- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, عن عكرمة قال: الكتاب كتابان، (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء, ويثبت كل ما أراد .
*ذكر من قال ذلك: 20476- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثام, عن الأعمش, عن شقيق أنه كان يقول: " اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء, فامحنَا واكتبنا سعداء, وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا, فإنك تمحو ما تشاءُ وتثبت وعندَك أمّ الكتاب " .
20477- حدثنا عمرو قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش, عن أبي وائل قال: كان مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات: " اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء, وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا, فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب " .
(32) 20478- ...
قال، حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثنا أبي, عن أبي حكيمة, عن أبي عثمان النَّهْديّ, أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شِقْوة أو ذنبًا فامحه, فإنك تمحو ما تشاء وتثبت .
وعندك أم الكتاب, فاجعله سعادةً ومغفرةً .
(33) 20479- ...
حدثنا معتمر, عن أبيه, عن أبي حكيمة, عن أبي عثمان قال: وأحسِبْني قد سمعتُه من أبي عثمان, مثله .
(34) 20480-...
قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة بن خالد, عن عصمة أبي حكيمة, عن أبي عثمان النهدي, عن عمر رحمه الله, مثله .
(35) 20481- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد قال، حدثنا أبو حكيمة قال: سمعت أبَا عُثْمان النَّهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول، وهو يطوف بالكعبة: اللهم إن كنت كتبتَني في أهل السعادة فأثبتني فيها, وإن كنت كتبت عليَّ الذّنب والشِّقوة فامحُني وأثبتني في أهل السّعادة, فإنك تمحو ما تشاء وتثبت, وعندك أمّ الكتاب .
(36) 20482- ...
قال: حدثنا الحجاج بن المنهال قال: حدثنا حماد, عن خالد الحذاء, عن أبي قلابة, عن ابن مسعود, أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني في [أهل] الشقاء فامحني وأثبتني في أهل السعادة .
(37) 20483- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ، يقول: هو الرجل يعمل الزمانَ بطاعة الله, ثم يعود لمعصية الله، فيموت على ضلاله, فهو الذي يمحو والذي يثبتُ: الرجلُ يعمل بمعصية الله, وقد كان سبق له خير حتى يموت, وهو في طاعة الله, فهو الذي يثبت .
(38) 20484- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك, عن هلال بن حميد, عن عبد الله بن عُكَيْم, عن عبد الله, أنه كان يقول: اللهم إن كُنْت كتبتني في السعداء فأثبتني في السعداء, فإنك تمحو ما تشاء وتثبت, وعندك أم الكتاب .
(39) 20485- حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد, عن أبي حمزة, عن إبراهيم, أن كعبًا قال لعمر رحمة الله عليه: يا أمير المؤمنين, لولا آية في كتاب الله لأنبأتك ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة قال: وما هي؟
قال: قولُ الله: (يمحو الله ما يشاءُ ويثبت وعندَهُ أم الكتاب) .
(40) 20486- حدثت من الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ، الآية يقول: (يمحو الله ما يشاء) ، يقول: أنسخُ ما شئت, وأصْنعُ من الأفعال ما شئت, إن شئتُ زدتُ فيها, وإن شئت نقصت .
20487- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عفان قال: حدثنا همام قال: حدثنا الكلبي قال: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) ، قال: يَمْحي من الرزق ويزيد فيه, ويمحي من الأجل ويزيد فيه .
(41) قلت: من حدّثك!
قال: أبو صالح, عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري, عن النبي صلى الله عليه وسلم .
فقدم الكلبيّ بعدُ, فسئل عن هذه الآية: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) ، قال: يكتب القول كُلُّه, حتى إذا كان يوم الخميسِ طُرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عليه عقاب, مثل قولك: أكلت, شربت, دخلت, خرجت, ذلك ونحوه من الكلام, وهو صادق, ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب .
(42) 20488- حدثنا الحسن قال: حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت الكلبي, عن أبي صالح نحوه, ولم يجاوز أبا صالح .
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنّ الله ينسخ ما يشاء من أحكام كِتَابه, ويثبت ما يشاء منها فلا ينسَخُه .
*ذكر من قال ذلك: 20489- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (يمحو الله ما يشاء) ، قال: من القرآن .
يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه, ويثبت ما يشاء فلا يبدله(وعنده أم الكتاب) ، يقول: وجملة ذلك عنده في أمّ الكتاب، الناسخ والمنسوخ, وما يبدل وما يثبت, كلُّ ذلك في كتاب .
(43) 20490- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) ، هي مثل قوله: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [سورة البقرة:106]، وقوله: (وعنده أم الكتاب) : أي جُملة الكتاب وأصله .
20491- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) ما يشاء, وهو الحكيم(وعنده أمّ الكتاب) ، وأصله .
20492- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (يمحو الله ما يشاء) ، بما ينـزل على الأنبياء,(ويثبت) ما يشاء مما ينـزل على الأنبياء، قال: (وعنده أم الكتاب) ، لا يغيَّر ولا يبدَّل .
20493- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: (يمحو الله ما يشاء) ، قال: ينسخ .
قال: (وعند أم الكتاب) ، قال: الذِكْرُ .
* * * وقال آخرون: معنى ذلك أنه يمحو من قد حان أجله, ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله .
*ذكر من قال ذلك: 20494- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي, عن عوف, عن الحسن في قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ، يقول: يمحو من جاء أجله فذهب, والمثبت الذي هو حيٌّ يجري إلى أجله .
20495- حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا عوف قال: سمعت الحسن يقول: (يمحو الله ما يشاء) ، قال: من جاء أجله(ويثبت) ، قال: من لم يجئ أجله إلى أجله .
20496- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا هوذة قال: حدثنا عوف, عن الحسن, نحو حديث ابن بشار .
20497- ...
قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد, عن قتادة, عن الحسن في قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ، قال: آجال بني آدم في كتاب، (يمحو الله ما يشاء) من أجله (ويثبت وعنده أم الكتاب) .
20498- ...
قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قول الله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) ، قالت قريش حين أنـزل: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ [سورة الرعد:38] : ما نراك، يا محمد تملك من شيء, ولقد فُرِغ من الأمر!
فأنـزلت هذه الآية تخويفًا ووعيدًا لهم: إنا إن شئنا أحدَثْنا له من أمرنا ما شئنا, ونُحْدِث في كل رمضان, فنمحو ونثبتُ ما نشاء من أرزاق الناس وَمصَائبهم, وما نعطيهم, وما نقسم لهم .
(44) 20499- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد نحوه .
20500- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه .
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ويغفر ما يشاء من ذنوب عباده, ويترك ما يشاء فلا يغفر .
* * * *ذكر من قال ذلك: 20501- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عمرو, عن عطاء, عن سعيد في قوله (يمحو الله ما يشاء ويثبت) ، قال: يثبت في البطن الشَّقاء والسعادة وكلَّ شيء, فيغفر منه ما يشاء ويُؤخّر ما يشاء .
(45) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بتأويل الآية وأشبهُها بالصّواب, القولُ الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد، وذلك أن الله تعالى ذكره توعَّد المشركين الذين سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الآياتِ بالعقوبة، وتهدَّدهم بها، وقال لهم: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ، يعلمهم بذلك أن لقضائه فيهم أجلا مُثْبَتًا في كتاب، هم مؤخَّرون إلى وقت مجيء ذلك الأجل.
ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل، يجيء الله بما شَاء ممن قد دَنا أجله وانقطع رزقه، أو حان هلاكه أو اتضاعه من رفعة أو هلاك مالٍ, فيقضي ذلك في خلقه, فذلك مَحْوُه، ويثبت ما شاء ممن بقي أجله ورزقه وأكله, (46) فيتركه على ما هو عليه فلا يمحوه .
وبهذا المعنى جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ما:- 20502- حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: حدثنا الليث بن سعد, عن زيادة بن محمد, عن محمد بن كعب القُرَظي, عن فَضالة بن عُبَيْد, عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يَفتح الذِّكر في ثلاث ساعات يَبْقَيْن من الليل, في الساعة أولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظُرُ فيه أحد غَيره, فيمحو ما يشاء ويثبتُ" .
ثم ذكر ما في الساعتين الأخريين .
(47) 20503- حدثنا موسى بن سهل الرمليّ قال: حدثنا آدم قال، حدثنا الليث قال: حدثنا زيادة بن محمد, عن محمد بن كعب القرظي, عن فضالة بن عبيد, عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ينـزل في ثلاث ساعات يَبْقَين من الليل, يفتح الذكر في الساعة الأولى الذي لم يره أحد غيره, يمحو ما يشَاء ويثبت ما يشاء " .
(48) 20504- حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس قال: إن لله لوحًا محفوظًا مسيرةَ خمسمِائة عام, من دُرَّة بيضاء لَها دَفَّتَان من ياقوت, والدَّفتان لَوْحان لله, كل يوم ثلاثمائة وستون لحظةً, يمحو ما يشَاء ويثبت وعنده أم الكتاب .
(49) 20505- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور قال: حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه قال: حدثني رجل, عن أبيه, عن قيس بن عباد, أنه قال: العاشر من رجب هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء .
(50) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) قال أبو جعفر: اختلفَ أهل التأويل في تأويل قوله: (وعنده أم الكتاب) ، فقال بعضهم: معناه: وعنده الحلال والحرام .
*ذكر من قال ذلك: 20506- حدثني المثنى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عقبة قال، حدثنا مالك بن دينار قال: سألت الحسن: قلت: (أمُّ الكتاب) ، قال: الحلال والحرام قال: قلت له: فما(الحمد لله رب العالمين) قال: هذه أمُّ القرآن .
* * * وقال آخرون: معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله .
*ذكر من قال ذلك: 20507- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وعنده أم الكتاب) ، قال: جملة الكتاب وأصله .
20508- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, مثله .
20509- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وعنده أم الكتاب) ، قال: كتابٌ عند رب العالمين .
20510- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق بن يوسف, عن جويبر عن الضحاك: (وعنده أم الكتاب) ، قال: جملة الكتاب وعلمه .
يعني بذلك ما يَنْسَخ منه وما يُثْبت .
20511- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (وعنده أم الكتاب) يقول: وجملة ذلك عنده في أمّ الكتاب: الناسخُ والمنسوخ, وما يبدّل, وما يثبت, كلُّ ذلك في كتاب .
* * * وقال آخرون في ذلك, ما: 20512- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا معتمر بن سليمان, عن أبيه, عن سيَّار, عن ابن عباس, أنه سأل كعبًا عن " أم الكتاب " قال: علم الله ما هو خَالقٌ وما خَلْقُه عاملون, فقال لعلمه: كُنْ كتابًا، فكان كتابًا .
(51) * * * وقال آخرون: هو الذكر .
*ذكر من قال ذلك: 20513- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال أبو جعفر: لا أدري فيه ابن جريج أم لا قال: قال ابن عباس: (وعنده أم الكتاب) قال: الذكر .
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: " وعنده أصل الكتاب وجملته "، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يمحُو ما يشاء ويثبت ما يشاء, ثم عقَّب ذلك بقوله: (وعنده أم الكتاب) ، فكان بيِّنًا أن معناه.
وعنده أصل المثبّت منه والمَمحوّ, وجملتُه في كتاب لديه .
* * * قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: وَيُثْبِتُ فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والكوفة: " وَيُثَبِّتُ" بتشديد " الباء " بمعنى: ويتركه ويقرُّه على حاله, فلا يمحوه.
* * * وقرأه بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين: وَيُثْبِتُ بالتخفيف, بمعنى: يكتب.
* * * وقد بيَّنَّا قبلُ أن معنى ذلك عندنا: إقرارُه مكتوبًا وتركُ محْوه على ما قد بيَّنَّا, فإذا كان ذلك كذلك فالتثبيتُ به أولى, والتشديدُ أصْوبُ من التخفيف, وإن كان التخفيف قد يحتمل توجيهه في المعنى إلى التشديد، والتشديد إلى التخفيف, لتقارب معنييهما .
* * * وأما " المحو ", فإن للعرب فيه لغتين: فأما مُضَر فإنها تقول: " محوت الكتَابَ أمحُوه مَحْوًا " وبه التنـزيل" ومحوته أمْحَاه مَحْوًا " .
وذُكِر عن بعض قبائل ربيعة: أنها تقول: " مَحَيْتُ أمْحَى ".
(52) ----------------------------- الهوامش : (27) الأثر : 20461 -" أبو كريب" ، هو" محمد بن العلاء بن كريب الكوفي الحافظ" شيخ الطبري ، مضى مرارًا لا تحصى كثرة .
و" بحر بن عيسى" ، فهذا شيء لم أعرفه ، ولم أجد له ذكرًا في كتاب على طول البحث ، ولكني أرجح أعظم الترجيح أن صواب هذا الإسناد .
" حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا بكر ، عن عيسى ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال ..." وتفسير ذلك : " ابن أبي ليلى" ، هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري" ، مضى مرارًا كثيرا ، و" عيسى" ، هو" عيسى بن المختار بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري" ، روى عن عم جده" ابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن" قال ابن سعد :" كان سمع مصنف ابن أبي ليلى" ، مترجم في التهذيب ، وغيره .
و" بكر" ، هو" بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري" ويقال له :" بكر بن عبيد" ، روى عن ابن عمه" عيسى بن المختار" ، و" أبو كريب" روى عن" بكر بن عبد الرحمن" هذا .
مترجم في التهذيب .
فمن أجل هذا السياق الصحيح في الرواية ، رجحت أن الصواب" حدثنا بكر ، عن عيسى ، عن ابن أبي ليلى" ، ولعل ذلك من مصنفه الذي رواه عنه عيسى بن المختار ، والله أعلم .
وهذا الأثر ، ذكره السيوطي في الدر المنثور 4 : 65 ، ونسبه إلى عبد الرزاق ، والفريابي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب مطولا ، والزيادة التي بين القوسين منه ، ومن تفسير ابن كثير 4 : 536 ، وذكر الخبر ، عن الثوري ، ووكيع ، وهشيم ، عن ابن أبي ليلى كما سيأتي في الآثار التالية من 20463 - 20466 .
(28) الأثر : 20462 -" ابن بشار" ، هو" محمد بن بشار العبدي" ،" بندار" أبو بكر الحافظ ، شيخ أبي جعفر ، مضى ما لا يعد كثرة .
و" ابن أبي ليلى" هو" محمد بن عبد الرحمن" ، سلف في الأثر قبله .
وقد وضعت نقطًا بين الرجلين ، لأنه هكذا إسناد باطل لا يقوم ، لأن ابن أبي ليلى توفي سنة 148 ، و" ابن بشار" ولد سنة 167 ، وتوفي سنة 252 ، فهذا قاطع في سقوط شيء من الإسناد ، وظني أن صوابه : " حدثنا ابن بشار ، قال حدثنا وكيع ، عن سفيان الثوري ، عن ابن أبي ليلى" ، لأن الخبرين بعده من طريق سفيان ، عن ابن أبي ليلى ، و" محمد بن بشار" ، إنما يروي عن وكيع ، وكيع يروي عن سفيان ، والله أعلم .
(29) الأثر : 20468 -" معاذ بن عقبة" ، لم أجد له ذكرًا ، وقد أعياني أن أعرف من يكون ، أو ما دخل هذا الإسناد من الاضطراب ، أخشى أن يكون :" معاذ بن هشام الدستوائي" عن" عقبة" ، محرفًا عن شيء آخر نحو" شعبة" .
(30) الأثر : 20470 -" إن كنت كتبتني سعيدًا ..." إشارة إلى حديث عبد الله بن مسعود في الدعاء ، كما سيأتي في الآثار التالية إلى آخر تفسير الآية .
والنقط هنا دلالة على أن الحديث عن" ابن بشار" شيخ الطبري ، كالذي قبله .
(31) الأثر : 20471 -" أحمد" هو" أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي" ، شيخ أبي جعفر ، سلف مرارًا ، انظر رقم : 159 ، 1841 .
و" أبو أحمد" ، هو" محمد بن عبد الله بن الزبير ، الزبيري" ، مضى أيضًا ، وانظر رقم : 159 ، 1841 .
ثم انظر الإسناد السالف رقم 20463 ، 20470 والإسناد الثاني في هذا الخبر ، تفسيره : " سعيد بن سليمان الضبي" ،" سعدويه" ، مضى مرارًا كثيرة ، آخرها رقم : 18511 ، والراوي عنه :" أحمد بن إسحاق" ، شيخ الطبري .
وكان في المطبوعة" بن سليمان" ، وهو خطأ .
(32) الأثران : 20476 ، 20477 -" شقيق" ، هو" شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي" ، وهو" أبو وائل" ، كما في الإسناد الثاني ، مضى مرارًا كثيرة جدًا ، كان أعلم أهل الكوفة بحديث" عبد الله بن مسعود" ، فقوله :" كان يكثر أن يدعو" ، الضمير في ذلك إلى عبد الله بن مسعود .
وساقه ابن كثير في تفسيره 4 : 536 ، مساقًا يوهم أنه شقيق بن سلمة نفسه الذي كان يكثر أن يدعو ، وقد أساء ، لأنه هو الذي غير لفظ الخبر الثاني .
وانظر الدر المنثور 4 : 67 .
(33) الأثر : 20478 -" معاذ بن هشام" هو الدستوائي ، روى عنه الجماعة ، مضى مرارًا منها : 4523 ، 5552 ، 6321 .
وأبوه" هشام بن أبي عبد الله ، سنبر"" أبو بكر الربعي" ، من بكر بن وائل ، ثقة مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 2 / 198 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 59 .
و" أبو حكيمة" ، اسمه" عصمة" ، ويقال" الغزال" ، روى عن أبي عثمان النهدي ، وروى عنه" قرة" و" سلام بن مسكين" ، و" الضحاك بن يسار" ، و" حماد بن سلمة" و" سليمان بن طرخان التيمي" .
قال أبو حاتم :" محله الصدق" ، وذكره أحمد في كتاب العلل 1 : 18 وقال :" أبو حكيمة" ، عصمة ، روى عنه قرة ، و" أظن التيمي يحدث عنه" ، وانظر التعليق على الخبر التالي ، وهو مترجم في الكبير للبخاري 4 / 1 / 63 ، والصغير له : 140 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 30 .
و" أبو عثمان النهدي" ، هو" عبد الرحمن بن مل" ، أدرك الجاهلية ، وأسلم على عهد رسول الله ولم يلقه ، مضى مرارًا كثيرة آخرها : 17151 .
وبهذا الإسناد نقله ابن كثير في تفسيره 4 : 536 ، وزاد في إسناده فقال :" عن أبي حكيمة عصمة" .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 66 ، ونسبه إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر .
ثم انظر التعليق على الآثار التالية .
(34) الأثر : 20479 -" معتمر" ، هو" معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة .
وأبوه هو" سليمان بن طرخان التيمي" ،" أبو المعتمر" ، ثقة روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة منها رقم : 6820 وهذا الإسناد مصداق ظن أحمد رضي الله عنه حيث قال :" وأظن التيمي يحدث عنه" ، كما سلف في تفسير الإسناد السالف .
(35) الأثر : 20480 -" قرة بن خالد السدوسي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة ، وانظر رقم : 9762 .
وكان في المطبوعة :" عصمة بن أبي حكيمة" ، غير ما في المخطوطة ، وكان فيها :" عصمة بن حكيمة" ، وكلاهما خطأ ، كما دل عليه ما أسلفنا في التعليق على الأثر : 20478 .
ومن طريق" قرة ، عن عصمة" ، رواه البخاري في الكبير 4 / 1 / 63 ،" عن عبد الله ، حدثنا أبو عامر قال حدثنا قرة" ولفظه :" اللهم إن كنت كتبت علي ذنبًا أو إثمًا أو ضغنًا ، فاغفره لي ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب".
ورواه الدولابي في الكني والأسماء 1 : 155 ، قال : حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا حماد بن مسعدة قال حدثنا قرة" ، ولم يقل :" أو ضغنًا" ، وقال :" فاغفر لي ، وامحه هني ، فإنك ..." .
(36) الأثر : 20481 -" المثنى" هو" المثنى بن إبراهيم الآملي" ، شيخ الطبري ، مضى مرارًا .
و" الحجاج" هو" حجاج بن النهال الأنماطي" ، من شيوخ البخاري ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة ، انظر رقم : 682 .
و" حماد" هو" حماد بن سلمة بن دينار" ، مضى مرارًا كثيرة ، انظر : 20342 .
(37) الأثر : 20482 - ما بين القوسين زيادة في المطبوعة ، وهو في المخطوطة :" في الشقاء" وانظر التعليق على الأثر التالي رقم : 20484 .
(38) الأثر : 20483 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 65 ، وزاد في نسبته إلى ابن أبي حاتم .
وفي المخطوطة مكان" فيموت على ضلاله" ،" فيعود على ضلاله" .
(39) الأثر : 20484 -" هلال بن حميد" و" هلال بن أبي حميد" ويقال :" ابن عبد الله" ، و" ابن عبد الرحمن" ، و" ابن مقلاص" ، الجهني ، ويقال له :" هلال الوزان" قال البخاري :" قال وكيع مرة : هلال بن حميد ، ومرة : هلال بن عبد الله ، ولا يصح" .
وانظر العلل لأحمد 1 : 106 ، 211 .
وقال ابن أبي حاتم" هلال بن أبي حميد الوزان ، أبو جهم الصيرفي .
ويقال أبو أمية ، وهو : هلال بن مقلاص الجهبذ ، مولى جهينة" ، وبنحوه قال ابن سعد .
و" هلال" ثقة مترجم في التهذيب والكبير 4 / 2 / 207 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 75 ، وابن سعد في الطبقات 6 : 227 .
و" عبد الله بن عكيم الجهني" ،" أبو معبد" ، كان كبيرًا قد أدرك الجاهلية ، وأدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا يعرف له سماع صحيح ، مترجم في التهذيب ، والكبير 3 / 1 / 39 ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 121 ، وابن سعد في الطبقات 6 : 77 .
وكان في المطبوعة" عبد الله بن حكيم" ، وفي تفسير ابن كثير 4 : 536 ،" عبد الله ابن عليم" ، وكلاهما خطأ .
وهذا الأثر ، أشار إليه ابن كثير في تفسير 4 : 536 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 67 ، وزاد في نسبته إلى ابن المنذر والطبراني ، وساقه وهو الأثر السالف : 20482 ، سياقًا واحدًا ، مع اختلاف في اللفظ .
(40) الأثر : 20485 -" الحجاج" هو" الحجاج بن المنهال" ، سلف قريبًا برقم : 20481 .
و" حماد" هو" حماد بن سلمة" ، مضى مرارًا .
وفي تفسير ابن كثير 4 : 537 ، روى هذا الخبر ، وفيه هناك" خصاف" ، ولكني أرجح أنه" حماد" ، كما في المخطوطة أيضًا و" خصاف" ، هو" خصاف بن عبد الرحمن الجزري" ، ليس بذاك ، مترجم في لسان الميزان 2 : 397 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 404 .
و" أبو حمزة" ، هو" ميمون الأعور التمار الراعي ، الكوفي ، هو صاحب إبراهيم النخعي ، ضعيف جدًا ذاهب الحديث ، قال العقيلي :" وأحاديثه عن إبراهيم خاصة مما لا يتابع عليه" .
قد سلف برقم : 6190 ، 11810 ، وانظر الكني للدولابي 1 : 157 .
و" إبراهيم" ، هو" إبراهيم بن يزيد النخعي" ، مضى مرارًا .
وهذا إسناد واه جدًا ، والعجب من السيد رشيد رضا في تعليقه على تفسير ابن كثير ( 4 : 537 ) حيث يقول :" من الغريب أن تبلغ الجرأة بكعب إلى هذا الحد الباطل شرعًا وعقلا .
ثم يعتدون بدينه وعلمه ويردون عنه ، والغريب هو تحامله على كعب الأحبار قبل التثبت من إسناد الخبر ، وما ذنب كعب إذا ابتلاه بذلك مثل" أبي حمزة الأعور" ؟
ولكن هكذا ديدن الشيخ ، إذا جاء ذكر كعب الأحبار ، يتهمه بلا بينة .
وخرج هذا الأثر السيوطي في الدر المنثور 4 : 67 ، ولم ينسبه إلى غير ابن جرير .
(41) هكذا جاء في المخطوطة ،" يمحى" أيضًا ، وهو صواب" محا الشيء يمحوه ، ويمحاه محوًا ومحيًا" ، والذي في المراجع الأخرى :" يمحو" .
وانظر ما سيأتي : 492 تعليق : 1 .
(42) الأثر : 20487 - الكلبي" ، هو" محمد بن السائب الكلبي" ، النسابة المفسر ، متكلم فيه بما لا يحتمل الرواية عنه ، وقد سلف قول الطبري فيه :" إنه ليس من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله" ( 1 : 66 ) ، وهذا من المواضع القليلة في تفسير أبي جعفر ، التي جاءت فيها الرواية عن الكلبي ، انظر ما سلف : 72 ، 246 ، 248 ، 12967 .
وهذا الخبر أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبير مختصرًا 3 / 2 / 114 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 66 ، وزاد نسبته إلى ابن مردويه ، ونقله ابن كثير في تفسيره 4 : 537 .
وانظر الإسناد التالي .
وكان في المطبوعة وابن كثير :" ونحو ذلك من الكلام" .
(43) الأثر : 20489 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 67 ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في المدخل .
ونقله ابن كثير في تفسيره 4 : 538 .
(44) الأثر : 20498 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 5 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، ونقله ابن كثير في تفسيره 4 : 538 .
(45) الأثر : 20501 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 68 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير ، ولفظه عنده :" ...
وكل شيء هو كائن ، فيقدم منه ما يشاء ..." ، وهذا أجود مما في مخطوطتنا .
(46) " الأكل" ، بضم فسكون ، الحظ من الدنيا ، من البقاء والرزق .
(47) ( الأثر : 20502 -" محمد بن سهل بن عسكر" ، شيخ الطبري ، مضى مرارًا ، انظر 5598 ، 5664 ، 5911 .
و"ابن أبي مريم" ، هو" سعيد بن أبي مريم" ، وهو" سعيد بن الحكم" ، ثقة روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 18404 .
و" زيادة بن محمد الأنصاري" ، منكر الحديث مضى برقم : 16943 ، 16944 .
وسلف هذا الأثر مطولا برقم : 16943 ، وسلف تخريجه وشرح إسناده ، وهو الخبر الذي أشار إليه البخاري في الكبير ، وقال" منكر الحديث" .
ويزاد في تخريجه : السيوطي في الدر المنثور 4 : 65 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والطبراني ونقله ابن كثير في تفسيره 4 : 537 .
ثم انظر الخبر التالي والتعليق عليه .
(48) الأثر : 20503 -" موسى بن سهل بن قادم الرملي" ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 878 ، 5434 ، 16944 ، انظر أيضًا" موسى بن سهل الرازي" رقم : 180 ، والتعليق عليه ، و" سهل بن موسى الرازي" رقم : 180 ، 4319 ، 9482 ، والتعليق عليها .
و" آدم" ، هو" آدم بن أبي إياس" .
وهذه طريق أخرى للخبر السالف، فهو منكر كمثله .
(49) الأثر : 20504 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 65 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير ، ونقله ابن كثير في تفسيره 4 : 537 .
(50) الأثر : 20505 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 66 ، ولم ينسبه إلى غير ابن جرير ، ثم ذكر بعده خبرًا مطولا عن قيس بن عباد ، ونسبه إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب .
(51) 20512 -" سيار" ، مولى خالد بن يزيد بن معاوية ، روى عن أبي الدرداء ، وابن عباس ، وأبي أمامة .
روى عنه سليمان التيمي ، وذكره ابن حبان في الثقات :" سيار بن عبد الله" ، قال ابن حجر :" لم نجد من سمى أباه عبد الله غير ابن حبان" .
وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 161 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 254 ، ولم يذكرا فيه جرحًا .
وكان في المطبوعة وحدها :" شيبان" .
والخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 68 ، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق ، ونقله ابن كثير في تفسيره 4 : 538 ، وفي جميعها" سيار" ، وهو الصواب .
(52) هذه اللغة منسوبة في اللسان وغيره إلى طيئ أيضًا ، و" أمحى" ، بفتح الحاء .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 334 ، وما سلف : 484 ، تعليق : 2 .
قوله تعالى : يمحو الله ما يشاء ويثبت أي يمحو من ذلك الكتاب ما يشاء أن يوقعه بأهله ويأتي به .
ويثبت ما يشاء ; أي يؤخره إلى وقته ; يقال : محوت الكتاب محوا ، أي أذهبت أثره .
ويثبت أي ويثبته ; كقوله : " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " أي والذاكرات الله .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويثبت بالتخفيف ، وشدد الباقون ; وفي قراءة ابن عباس ، واختيار أبي حاتم وأبي عبيد لكثرة من قرأ بها ; لقوله : يثبت الله الذين آمنوا .
[ ص: 288 ] وقال ابن عمر : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا السعادة والشقاوة والموت .
وقال ابن عباس : يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا أشياء ; الخلق والخلق والأجل والرزق والسعادة والشقاوة ; وعنه : هما كتابان سوى أم الكتاب ، يمحو الله منهما ما يشاء ويثبت .
وعنده أم الكتاب الذي لا يتغير منه شيء .
قال القشيري : وقيل السعادة والشقاوة والخلق والخلق والرزق لا تتغير ; فالآية فيما عدا هذه الأشياء ; وفي هذا القول نوع تحكم .
قلت : مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد ، وإنما يؤخذ : توقيفا ، فإن صح فالقول به يجب ويوقف عنده ، وإلا فتكون الآية عامة في جميع الأشياء ، وهو الأظهر والله أعلم ; وهذا يروى معناه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وابن مسعود وأبي وائل وكعب الأحبار وغيرهم ، وهو قول الكلبي .
وعن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول : اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة ; فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك أم الكتاب .
وقال ابن مسعود : اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم ، وإن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء واكتبني في السعداء ; فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ; وعندك أم الكتاب .
وكان أبو وائل يكثر أن يدعو : اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامح واكتبنا سعداء ، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب .
وقال كعب لعمر بن الخطاب : لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة .
يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .
وقال مالك بن دينار في المرأة التي دعا لها : اللهم إن كان في بطنها جارية فأبدلها غلاما فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب .
وقد تقدم في الصحيحين عن أبي هريرة قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه .
ومثله عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : [ ص: 289 ] من أحب فذكره بلفظه سواء ; وفيه تأويلان : أحدهما : معنوي ، وهو ما يبقى بعده من الثناء الجميل والذكر الحسن ، والأجر المتكرر ، فكأنه لم يمت .
والآخر : يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ ; والذي في علم الله ثابت لا تبدل له ، كما قال : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .
وقيل لابن عباس لما روى الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من أحب أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه كيف يزاد في العمر والأجل ؟
!
فقال : قال الله - عز وجل - : هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده .
فالأجل الأول أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته ، والأجل الثاني : يعني المسمى عنده - من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البرزخ لا يعلمه إلا الله ; فإذا اتقى العبد ربه ووصل رحمه زاده الله في أجل عمره الأول من أجل البرزخ ما شاء ، وإذا عصى وقطع رحمه نقصه الله من أجل عمره في الدنيا ما شاء ، فيزيده في أجل البرزخ ، فإذا تحتم الأجل في علمه السابق امتنع الزيادة والنقصان ; لقوله تعالى : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فتوافق الخبر والآية ; وهذه زيادة في نفس العمر وذات الأجل على ظاهر اللفظ ، في اختيار حبر الأمة ، والله أعلم .
وقال مجاهد : يحكم الله أمر السنة في رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، إلا الحياة والموت ، والشقاء والسعادة ; وقد مضى القول فيه .
وقال الضحاك : يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب ; وروى معناه أبو صالح عن ابن عباس .
وقال الكلبي : يمحو من الرزق ويزيد فيه ، ويمحو من الأجل ويزيد فيه ، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم سئل الكلبي عن هذه الآية فقال : يكتب القول كله ، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب ، مثل قولك : أكلت وشربت ودخلت وخرجت ونحوه ، وهو صادق ، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب .
وقال قتادة وابن زيد وسعيد بن جبير : يمحو الله ما يشاء من الفرائض والنوافل فينسخه ويبدله ، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه ، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب ; ونحوه ذكره [ ص: 290 ] النحاس والمهدوي عن ابن عباس ; قال النحاس : وحدثنا بكر بن سهل ، قال حدثنا أبو صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، يمحو الله ما يشاء يقول : يبدل الله من القرآن ما يشاء فينسخه ، ويثبت ما يشاء فلا يبدله ، وعنده أم الكتاب يقول : جملة ذلك عنده في أم الكتاب ، الناسخ والمنسوخ .
وقال سعيد بن جبير أيضا : يغفر ما يشاء - يعني - من ذنوب عباده ، ويترك ما يشاء فلا يغفره .
وقال عكرمة : يمحو ما يشاء - يعني بالتوبة - جميع الذنوب ويثبت بدل الذنوب حسنات قال تعالى : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا الآية .
وقال الحسن : يمحو الله ما يشاء من جاء أجله ، ويثبت من لم يأت أجله .
وقال الحسن : يمحو الآباء ، ويثبت الأبناء .
وعنه أيضا .
ينسي الحفظة من الذنوب ولا ينسي .
وقال السدي : يمحو الله ما يشاء يعني القمر ، ويثبت يعني الشمس ; بيانه قوله : فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة وقال الربيع بن أنس : هذا في الأرواح حالة النوم ; يقبضها عند النوم ، ثم إذا أراد موته فجأة أمسكه ، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه ; بيانه قوله : الله يتوفى الأنفس حين موتها الآية .
وقال علي بن أبي طالب يمحو الله ما يشاء من القرون ، كقوله : ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون ويثبت ما يشاء منها ، كقوله : ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فيمحو قرنا ، ويثبت قرنا .
وقيل : هو الرجل يعمل الزمن الطويل بطاعة الله ، ثم يعمل بمعصية الله فيموت على ضلاله ; فهو الذي يمحو ، والذي يثبت : الرجل يعمل بمعصية الله الزمان الطويل ثم يتوب ، فيمحوه الله من ديوان السيئات ، ويثبته في ديوان الحسنات ; ذكره الثعلبي والماوردي عن ابن عباس .
وقيل : يمحو الله ما يشاء - يعني الدنيا - ويثبت الآخرة .
وقال قيس بن عباد في اليوم العاشر من رجب : هو اليوم الذي يمحو الله فيه ما يشاء ، ويثبت فيه ما يشاء ، وقد تقدم عن مجاهد أن ذلك يكون في رمضان .
وقال ابن عباس : إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام ، من درة بيضاء ، لها دفتان من ياقوتة حمراء ، لله فيه كل يوم ثلاثمائة وستون نظرة ، يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء .
وروى أبو الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله سبحانه يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل فينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء .
والعقيدة أنه لا تبديل لقضاء الله ; وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء ، وقد تقدم أن من القضاء ما يكون واقعا محتوما ، وهو الثابت ; ومنه ما يكون مصروفا [ ص: 291 ] بأسباب ، وهو الممحو ، والله أعلم .
وقال الغزنوي : وعندي أن ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة ; فيحتمل التبديل ; لأن إحاطة الخلق بجميع علم الله محال ; وما في علمه من تقدير الأشياء لا يبدل .
وعنده أم الكتاب أي أصل ما كتب من الآجال وغيرها .
وقيل : أم الكتاب اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير .
وقد قيل : إنه يجري فيه التبديل .
وقيل : إنما يجري في الجرائد الأخر .
وسئل ابن عباس عن أم الكتاب فقال : علم الله ما هو خالق ، وما خلقه عاملون ; فقال لعلمه : كن كتابا ، ولا تبديل في علم الله ، وعنه أنه الذكر ; دليله قوله تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر وهذا يرجع معناه إلى الأول ; وهو معنى قول كعب .
قال كعب الأحبار : أم الكتاب علم الله تعالى بما خلق وبما هو خالق .
{ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ } من الأقدار { وَيُثْبِتُ } ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير لأن ذلك محال على الله، أن يقع في علمه نقص أو خلل ولهذا قال: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب.
فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابا ولمحوها أسبابا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ.
( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، ويعقوب " ويثبت " بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتشديد .
واختلفوا في معنى الآية : فقال سعيد بن جبير ، وقتادة : يمحو الله ما يشاء من الشرائع ، والفرائض فينسخه ويبدله ، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه .
وقال ابن عباس : يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة .
وروينا عن حذيفة بن أسيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين ، أو خمس وأربعين ليلة ، فيقول : يا رب أشقي أم سعيد ؟
فيكتبان ، فيقول : أي رب ، أذكر أم أنثى ؟
فيكتبان ، ويكتب عمله وأثره ، وأجله ، ورزقه ، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ، ولا ينقص " .
وعن عمر ، وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا يمحو السعادة ، والشقاوة أيضا ، ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء .
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول : اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبت علي الشقاوة فامحني ، وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب .
ومثله عن ابن مسعود .
وفي بعض الآثار : أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فترد إلى ثلاثة أيام ، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، حدثنا أبو جعفر الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث بن سعد ، حدثني زيادة بن محمد الأنصاري ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن فضالة بن عبيد ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ينزل الله عز وجل في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل ، فينظر في الساعة الأولى منهن في أم الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت " .
وقيل : معنى الآية : إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم ، فيمحو الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ، مثل قوله : أكلت ، شربت ، دخلت ، خرجت ، ونحوها من كلام هو صادق فيه ، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب ، هذا قول الضحاك والكلبي .
وقال الكلبي : يكتب القول كله ، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب .
وقال عطية ، عن ابن عباس : هو الرجل يعمل بطاعة الله عز وجل ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو ، والذي يثبت : الرجل يعمل بطاعة الله ، فيموت وهو في طاعة الله عز وجل فهو الذي يثبت .
وقال الحسن : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) أي من جاء أجله يذهب به ، ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله .
وعن سعيد بن جبير قال : ( يمحو الله ما يشاء ) من ذنوب العباد فيغفرها ويثبت ما يشاء فلا يغفرها .
وقال عكرمة : ( يمحو الله ما يشاء ) من الذنوب بالتوبة ، ويثبت بدل الذنوب حسنات ، كما قال الله تعالى : ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) ( الفرقان - 70 ) .
وقال السدي : ( يمحو الله ما يشاء ) يعني القمر ( ويثبت ) يعني الشمس ، بيانه قوله تعالى : ( فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ) ( الإسراء - 12 ) .
وقال الربيع : هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم ، فمن أراد موته محاه فأمسكه ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه ، بيانه قوله عز وجل : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) الآية ( الزمر - 42 ) .
( وعنده أم الكتاب ) أي : أصل الكتاب ، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير .
وقال عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : هما كتابان : كتاب سوى أم الكتاب ، يمحو منه ما يشاء ويثبت ، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء .
وعن عطاء ، عن ابن عباس قال : إن لله تعالى لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام ، من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت ، لله في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب ؟
فقال : علم الله ، ما هو خالق ، وما خلقه عاملون .
«يمحو الله» منه «ما يشاء ويثبت» بالتخفيف والتشديد فيه ما يشاء من الأحكام وغيرها «وعنده أم الكتاب» أصله الذي لا يتغير منه شيء وهو ما كتبه في الأزل.
يمحو الله ما يشاء من الأحكام وغيرها، ويُبْقي ما يشاء منها لحكمة يعلمها، وعنده أمُّ الكتاب، وهو اللوح المحفوظ.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظهرا من مظاهر شمول قدرته ، وسعة علمه ، وعظيم حكمته فقال : ( يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب ) .وقوله : ( يمحوا ) من المحو وهو إذهاب أثر الشئ بعد وجوده .وقوله : ( ويثبت ) من المحو وهو إذهاب أثر الشئ بعد وجوده .وقوله : ( ويثبت ) من الإِثبات وهو جعل الشئ ثابتا قارا فى مكان ما .وأم الكتاب : أصل الكتاب والمراد بأم الكتاب : اللوح المحفوظ ، أو علمه - سبحانه - المحيط بكل شئ .قال الفخر الرازى : " والعرب تسمى كل ما يجرى مجرى الأصل للشئ أمٍّا له ومنه أمٌّ الرأس للدماغ ، وأم القرى لمكة ، وكل مدينة فهى أُم لما حولها من القرى فكذلك أم الكتاب هو الذى يكون أصلا لجميع الكتب " .والمعنى : يمحو الله - تعالى - ما يشاء محوه ، ويثبت ما تريد إثباته من الخير أو الشر ومن السعادة أو الشقاوة ، ومن الصحة أو المرض ، ومن الغنى أو الفقر ، ومن غير ذلك مما يتعلق بأحوال خلقه .وعنده - سبحانه - الأصل الجامع لكل ما يتعلق بأحوال هذا الكون .قال - تعالى - : ( مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ .
.
.
) وقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السمآء والأرض إِنَّ ذلك فِي كِتَابٍ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ ) وللمفسرين فى معنى هذه الآية كلام طويل ، لخصه الإِمام الشوكانى تلخيصا حسنا فقال :قوله - سبحانه - : ( يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ) أى يمحو من ذلك الكتاب ويثبت ما يشاء منه ، وظاهر النظم القرآنى العموم فى كل شئ مما فى الكتاب ، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر .
.
ويبدل هذا بهذا ، ويجعل هذا مكان هذا .
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وقتادة وغيرهم .وقيل الآية خاصة بالسعادة والشقاوة .
وقيل يمحو ما يشساء من ديوان الحفظة ، وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب .وقيل " يمحو ما يشاء من الشرائع فينسخه ، ويثبت ما لا يشاء فلا ينسخه .
.
والأول أولى كما تفيده " ما " فى قوله " ما يشاء " من العموم مع تقدم ذكر الكتاب فى قوله " لكل أجل كتاب " ومع قوله " وعنده أم الكتاب " أى أصله وهو اللوح المحفوظ .فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء مما فى اللوح المحفوظ فيكون كالعدم ، ويثبت ما يشاء مما فيه فيجرى فيه قضاؤه وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته .وهذا لا ينافى ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله " جفَّ القلم " وذلك لأن المحو والإِثبات هو من جملة ما قضاه - سحبانه - .وقيل : إن أم الكتاب هو علم الله - تعالى - : بما خلق وبما هو خالق .
اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعاً من الشبهات في إبطال نبوته.
فالشبهة الأولى: قولهم: ﴿ مالهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِي الأسواق ﴾ وهذه الشبهة إنما ذكرها الله تعالى في سورة أخرى.
والشبهة الثانية: قولهم: الرسول الذي يرسله الله إلى الخلق لابد وأن يكون من جنس الملائكة كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملئكة ﴾ وقوله: ﴿ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ .
فأجاب الله تعالى عنه هاهنا بقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً ﴾ يعني أن الأنبياء الذين كانوا قبله كانوا من جنس البشر لا من جنس الملائكة فإذا جاز ذلك في حقهم فلم لا يجوز أيضاً مثله في حقه.
الشبهة الثالثة: عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة الزوجات وقالوا: لو كان رسولاً من عند الله لما كان مشتغلاً بأمر النساء بل كان معرضاً عنهن مشتغلاً بالنسك والزهد، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً ﴾ وبالجملة فهذا الكلام يصلح أن يكون جواباً عن الشبهة المتقدمة ويصلح أن يكون جواباً عن هذه الشبهة، فقد كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة مهيرة، وسبعمائة سرية.
ولداود مائة امرأة.
والشبهة الرابعة: قالوا لو كان رسولاً من عند الله لكان أي شيء طلبنا منه من المعجزات أتى به ولم يتوقف ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول، فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ وتقريره: أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر والعلة، وفي إظهار الحجة والبينة، فأما الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها ولا اعتراض لأحد عليه في ذلك.
الشبهة الخامسة: أنه عليه السلام كان يخوفهم بنزول العذاب وظهور النصرة له ولقومه.
ثم إن ذلك الموعود كان يتأخر فلما لم يشاهدوا تلك الأمور احتجوا بها على الطعن في نبوته، وقالوا: لو كان نبياً صادقاً لما ظهر كذبه.
فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ يعني نزول العذاب على الكفار وظهور الفتح والنصر للأولياء قضى الله بحصولها في أوقات معينة مخصوصة، ولكل حادث وقت معين ﴿ وَلِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ فقبل حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث فتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذباً.
الشبهة السادسة: قالوا: لو كان في دعوى الرسالة محقاً لما نسخ الأحكام التي نص الله تعالى على ثوبتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة والإنجيل، لكنه نسخها وحرفها نحو تحريف القبلة، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل، فوجب أن لا يكون نبياً حقاً.
فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: ﴿ يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب ﴾ ويمكن أيضاً أن يكون قوله: ﴿ لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ كالمقدمة لتقرير هذا الجواب، وذلك لأنا نشاهد أنه تعالى يخلق حيواناً عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة ثم يبقيه مدة مخصوصة ثم يميته ويفرق أجزاءه وأبعاضه فلما لم يمتنع أن يحيي أولاً، ثم يميت ثانياً فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات، ثم ينسخه في سائر الأوقات فكان المراد من قوله: ﴿ لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ ما ذكرناه، ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال: ﴿ يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب ﴾ والمعنى: أنه يوجد تارة ويعدم أخرى، ويحيي تارة ويميت أخرى، ويغني تارة ويفقر أخرى فكذلك لا يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية عند أهل السنة أو بحسب ما اقتضته رعاية المصالح عند المعتزلة فهذا اتمام التحقيق في تفسير هذه الآية، ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ فيه أقوال: الأول: أن لكل شيء وقتاً مقدراً فالآيات التي سألوها لها وقت معين حكم الله به وكتبه في اللوح المحفوظ فلا يتغير عن ذلك الحكم بسبب تحكماتهم الفاسدة ولو أن الله أعطاهم ما التمسوا لكان فيه أعظم الفساد.
الثاني: أن لكل حادث وقتاً معيناً قضى الله حصوله فيه كالحياة والموت والغنى والفقر والسعادة والشقاوة، ولا يتغير ألبتة عن ذلك الوقت.
والثالث: أن هذا من المقلوب والمعنى: أن لكل كتاب منزل من السماء أجلاً ينزله فيه، أي لكل كتاب وقت يعمل به، فوقت العمل بالتوراة والإنجيل قد انقضى ووقت العمل بالقرآن قد أتى وحضر.
والرابع: لكل أجل معين كتاب عند الملائكة الحفظة فللإنسان أحوال أولها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يصير شاباً ثم شيخاً، وكذا القول في جميع الأحوال من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحسن والقبح.
الخامس: كل وقت معين مشتمل على مصلحة خفية ومنفعة لا يعلمها إلا الله تعالى، فإذا جاء ذلك الوقت حدث ذلك الحادث ولا يجوز حدوثه في غيره.
واعلم أن هذه الآية صريحة في أن الكل بقضاء الله وبقدره وأن الأمور مرهونة بأوقاتها، لأن قوله: ﴿ لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ معناه أن تحت كل أجل حادث معين، ويستحيل أن يكون ذلك التعيين لأجل خاصية الوقت فإن ذلك محال، لأن الأجزاء المعروضة في الأوقات المتعاقبة متساوية، فوجب أن يكون اختصاص كل وقت بالحادث الذي يحدث فيه بفعل الله تعالى واختياره وذلك يدل على أن الكل من الله تعالى وهو نظير قوله عليه السلام: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة».
المسألة الثانية: ﴿ يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿ وَيُثَبّتْ ﴾ ساكنة الثاء خفيفة الباء من أثبت يثبت، والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء من التثبيت، وحجة من خفف أن ضد المحو الإثبات لا التثبت.
ولأن التشديد للتكثير، وليس القصد بالمحو التكثير، فكذلك ما يكون في مقابلته، ومن شدد احتج بقوله: ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ وقوله: ﴿ فَثَبّتُواْ ﴾ .
المسألة الثالثة: المحو ذهاب أثر الكتابة، يقال: محاه يمحوه محواً إذا أذهب أثره، وقوله: ﴿ وَيُثَبّتْ ﴾ قال النحويون: أراد ويثبته إلا أنه استغنى بتعدية للفعل الأول عن تعدية الثاني، وهو كقوله تعالى: ﴿ والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات ﴾ .
المسألة الرابعة: في هذه الآية قولان: القول الأول: إنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ.
قالوا: إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر، وهو مذهب عمر وابن مسعود.
والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والقول الثاني: أن هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض، وعلى هذا التقرير ففي الآية وجوه: الأول: المراد من المحو والإثبات: نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر بدلاً عن الأول.
الثاني: أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة، لأنهم مأمورون بكتابة كل قول وفعل ويثبت غيره، وطعن أبو بكر الأصم فيه فقال: إنه تعالى وصف الكتاب بقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ وقال أيضاً: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ .
أجاب القاضي عنه: بأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الذنوب والمباح لا صغيرة ولا كبيرة، وللأصم أن يجيب عن هذا الجواب فيقول: إنكم باصطلاحكم خصصتم الصغيرة بالذنب الصغير، والكبيرة بالذنب الكبير، وهذا مجرد اصطلاح المتكلمين.
أما في أصل اللغة فالصغير والكبير يتناولان كل فعل وعرض، لأنه إن كان حقيراً فهو صغير، وإن كان غير ذلك فهو كبير، وعلى هذا التقرير فقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ يتناول المباحات أيضاً.
الثالث: أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه، فإذا تاب عنه محي من ديوانه.
الرابع: ﴿ يَمْحُو الله مَا يَشَاء ﴾ وهو من جاء أجله.
ويدع من لم يجيء أجله ويثبته.
الخامس: أنه تعالى يثبت في أول السنة حكم تلك السنة فإذا مضت السنة محيت، وأثبت كتاب آخر للمستقبل.
السادس: يمحو نور القمر، ويثبت نور الشمس.
السابع: يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.
الثامن: أنه في الأرزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء والصدقة، وفيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى.
التاسع: تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو، وما حصل وحضر فهو الإثبات.
العاشر: يزيل ما يشاء ويثبت ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحداً فهو المنفرد بالحكم كما يشاء، وهو المستقل بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه.
واعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم.
فإن قال قائل: ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم وليس الأمر بأنف، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والإثبات؟
قلنا: ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه.
المسألة الخامسة: قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، وهو أن يعتقد شيئاً ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، وتمسكوا فيه بقوله: ﴿ يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ ﴾ .
واعلم أن هذا باطل لأن علم الله من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان كذلك كان دخول التغير والتبدل فيه محالاً.
المسألة السادسة: أما ﴿ أُمُّ الكتاب ﴾ فالمراد أصل الكتاب، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أماً له ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى، فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلاً لجميع الكتب، وفيه قولان: القول الأول: أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ، وجميع حوادث العالم العلوي والعالم السفلي مثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان الله ولا شيء معه ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة».
قال المتكلمون: الحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات على سبيل التفصيل، وعلى هذا التقدير: فعند الله كتابان: أحدهما: الكتاب الذي يكتبه الملائكة على الخلق وذلك الكتاب محل المحو والإثبات.
والكتاب الثاني: هو اللوح المحفوظ، وهو الكتاب المشتمل على تعين جميع الأحوال العلوية والسفلية، وهو الباقي.
روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله سبحانه وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء».
وللحكماء في تفسير هذين الكتابين كلمات عجيبة وأسرار غامضة.
والقول الثاني: إن أم الكتاب هو علم الله تعالى، فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات والمعدومات وإن تغيرت، إلا أن علم الله تعالى بها باق منزه عن التغير، فالمراد بأم الكتاب هو ذاك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
كانوا يعيبونه بالزواج والولاد، كما كانوا يقولون: ما لهذا الرسول يأكل الطعام، وكانوا يقترحون عليه الآيات، وينكرون النسخ فقيل: كان الرسل قبله بشراً مثله ذوي أزواج وذرية.
وما كان لهم أن يأتوا بآيات برأيهم ولا يأتون بما يقترح عليهم، والشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات؛ فلكل وقت حكم يكتب على العباد، أي: يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم ﴿ يَمْحُواْ الله مَا يَشَاء ﴾ ينسخ ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته، أو يتركه غير منسوخ، وقيل: يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة؛ لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل ﴿ وَيُثَبّتْ ﴾ غيره.
وقيل يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة، ويثبت إيمانهم وطاعتهم.
وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضاً من الأناسي وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، والكلام في نحو هذا واسع المجال ﴿ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب ﴾ أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ، لأنّ كل كائن مكتوب فيه.
وقرئ: ﴿ ويثبت ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ يَنْسَخُ ما يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ.
﴿ وَيُثْبِتُ ﴾ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
وقِيلَ يَمْحُو سَيِّئاتِ التّائِبِ ويُثْبِتُ الحَسَناتِ مَكانَها.
وقِيلَ يَمْحُو مِن كِتابِ الحَفَظَةِ ما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ جَزاءٌ ويَتْرُكُ غَيْرَهُ مُثْبَتًا أوْ يُثْبِتُ ما رَآهُ وحْدَهُ في صَمِيمِ قَلْبِهِ.
وقِيلَ يَمْحُو قَرْنًا ويُثْبِتُ آخَرِينَ.
وقِيلَ يَمْحُو الفاسِداتِ الكائِناتِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وَيُثَبِّتُ) بِالتَّشْدِيدِ.
﴿ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ أصْلُ الكُتُبِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ إذْ ما مِن كائِنٍ إلّا وهو مَكْتُوبٌ فِيهِ.
﴿ وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ وكَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما أوْعَدْناهم أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَهُ.
﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ لا غَيْرَ.
﴿ وَعَلَيْنا الحِسابُ ﴾ لِلْمُجازاةِ لا عَلَيْكَ فَلا تَحْتَفِلْ بِإعْراضِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ بِعَذابِهِمْ فَإنّا فاعِلُونَ لَهُ وهَذا طَلائِعُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{يَمْحُو الله مَا يَشَاء} ينسخ ما يشاء نسخه {وَيُثَبِّتُ} بدله ما يشاء أو يتركه غير منسوخ أو يمحو من ديوان الحفظة ما يشاء ويثبت غيره أو يمحو كفر التائبين ويثبت إيمانهم أو يميت من حان أجله وعكسه ويثبّت مدني وشامي وحمزة وعلي {وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب} أي أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب فيه
﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ أيْ يَنْسَخُ ما يَشاءُ نَسْخَهُ مِنَ الأحْكامِ لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ بِحَسَبِ الوَقْتِ ﴿ ويُثْبِتُ ﴾ بَدَلَهُ ما فِيهِ الحِكْمَةُ أوْ يُبْقِيهِ عَلى حالِهِ غَيْرَ مَنسُوخٍ أوْ يُثْبِتُ ما يَشاءُ إثْباتَهُ مُطْلَقًا أعَمُّ مِنهُما ومِنَ الإنْشاءِ ابْتِداءً وقالَ عِكْرِمَةُ: يَمْحُو بِالتَّوْبَةِ جَمِيعَ الذُّنُوبِ ويُثْبِتُ بَدَلَ ذَلِكَ حَسَناتٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُهُ وقالَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِمَّنْ حانَ أجَلُهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِمَّنْ لَمْ يَأْتِ أجَلُهُ وقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يَمْحُو مَن يَشاءُ مِنَ القُرُونِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ ﴾ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ﴾ وقالَ الرَّبِيعُ: هَذا في الأرْواحِ حالَةَ النَّوْمِ يَقْبِضُها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ فَمَن أرادَ مَوْتَهُ فَجْأةً أمْسَكَ رُوحَهُ فَلَمْ يُرْسِلْها ومَن أرادَ بَقاءَهُ أرْسَلَ رُوحَهُ بَيانُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ﴾ الآيَةَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ بِحَسَنَةٍ ولا بِسَيِّئَةٍ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ ويُثْبِتُ ما هو حَسَنَةٌ أوْ سَيِّئَةٌ وقِيلَ: يَمْحُو بَعْضَ الخَلائِقِ ويُثْبِتُ بَعْضًا مِنَ الأناسِيِّ وسائِرِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والأشْجارِ وصِفاتِها وأحْوالِها وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ وقالَ الحَسَنُ وفِرْقَةٌ: ذَلِكَ في آجالِ بَنِي آدَمَ يَكْتُبُ سُبْحانَهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ وقِيلَ: في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ آجالَ المَوْتى فَيَمْحُو أُناسًا مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبِتُهم في دِيوانِ الأمْواتِ وقالَ السُّدِّيُّ: يَمْحُو القَمَرَ ويُثْبِتُ الشَّمْسَ بَيانُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ﴾ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَمْحُو اللَّهُ تَعالى ما يَشاءُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ ويُثْبِتُ إلّا السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ والآجالَ فَإنَّها لا مَحْوَ فِيها ورَواهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وقِيلَ: هو عامٌّ في الرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ونُسِبَ إلى جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وكانُوا يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَجْعَلَهم سُعَداءَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ما دَعا عَبْدٌ قَطُّ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ إلّا وُسِّعَ عَلَيْهِ في مَعِيشَتِهِ يا ذا المَنِّ ولا يُمَنُّ عَلَيْهِ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ يا ذا الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَهْرُ اللّاجِئِينَ وجارِ المُسْتَجِيرِينَ ومَأْمَنُ الخائِفِينَ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ في أُمِّ الكِتابِ شَقِيًّا فامْحُ عَنِّي اسْمَ الشَّقاوَةِ وأثْبِتْنِي عِنْدَكَ سَعِيدًا وإنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ في أُمِّ الكِتابِ مَحْرُومًا مُقَتَّرًا عَلَيَّ رِزْقِي فامْحُ حِرْمانِيَ ويَسِّرْ رِزْقِيَ وأثْبِتْنِي عِنْدَكَ سَعِيدًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرِ فَإنَّكَ تَقُولُ في كِتابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: وهو يَطُوفُ بِالبَيْتِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أوْ ذَنْبًا فامْحُهُ واجْعَلْهُ سَعادَةً ومَغْفِرَةً فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ وعِنْدَكَ أُمُّ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شَقِيقِ أبِي وائِلٍ أنَّهُ كانَ يُكْثِرُ الدُّعاءَ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنا أشْقِياءَ فامْحُنا واكْتُبْنا سُعَداءَ وإنْ كُنْتَ كَتَبْتَنا سُعَداءَ فَأثْبِتْنا فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ قالَ: «يَمْحُو اللَّهُ تَعالى مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ ويَمْحُو مِنَ الأجَلِ ويَزِيدُ فِيهِ» فَقِيلَ لَهُ: مَن حَدَّثَكَ بِهَذا فَقالَ: أبُو صالِحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئابٍ الأنْصارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبُو حَيّانَ يَقُولُ: إنْ صَحَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ والرِّزْقَ والأجَلَ لا يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ مِنها وإلى التَّعْمِيمِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ قالَ بَعْدَ نَقْلِ كَثِيرٍ مِنَ الأقْوالِ: والأنْسَبُ تَعْمِيمُ كُلٍّ مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ لِيَشْمَلَ الكُلَّ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ مَوارِدُ الإنْكارِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ كَعْبٍ مِن أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْلا آيَةً في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لَأنْبَأْتُكَ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ قالَ: وما هي قالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ الآيَةَ يُشْعِرُ بِذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَحْوَ والإثْباتَ إذا كانا بِالنِّسْبَةِ إلى ما في أيْدِي المَلائِكَةِ ونَحْوِهِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والرِّزْقِ والأجَلِ وبَيْنَ غَيْرِها في أنَّ كُلًّا يَقْبَلُ المَحْوَ والإثْباتَ وإنْ كانا بِالنِّسْبَةِ إلى ما في العِلْمِ فَلا فَرْقَ أيْضًا بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ وبَيْنَ غَيْرِها في أنَّ كُلًّا لا يَقْبَلُ ذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ إنَّما تَعَلَّقَ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ وإلّا لَكانَ جَهْلًا وما في نَفْسٍ الأمْرِ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّغَيُّرُ والتَّبَدُّلُ وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَغَيُّرُ زَوْجِيَّةِ الأرْبَعَةِ مَثَلًا وانْقِلابُها إلى الفَرْدِيَّةِ مَعَ بَقاءِ الأرْبَعَةِ أرْبَعَةً هَذا مِمّا لا يَكُونُ أصْلًا ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن ذَلِكَ ولا يَأْبى هَذا عُمُومُ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ لِأنَّ المَشِيئَةَ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ والعِلْمَ بِالشَّيْءِ تابِعٌ لِما عَلَيْهِ الشَّيْءُ في نَفْسِ الأمْرِ فَهو سُبْحانَهُ لا يَشاءُ إلّا ما عَلَيْهِ الشَّيْءُ في نَفْسِ الأمْرِ قِيلَ: ويُشِيرُ إلى أنَّ ما في العِلْمِ لا يَتَغَيَّرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ .
(39) .
بِناءً عَلى أنَّ أُمَّ الكِتابِ هو العِلْمُ لِأنَّ جَمِيعَ ما يُكْتَبُ في صُحُفِ المَلائِكَةِ وغَيْرِها لا يَقَعُ حَيْثُما يَقَعُ إلّا مُوافِقًا لِما ثَبَتَ فِيهِ فَهو أُمٌّ لِذَلِكَ أيِ أصْلٌ لَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إثْباتَهُ مِمّا سُطِّرَ في الكُتُبِ وثابِتٌ عِنْدَهُ العِلْمُ الأزَلِيُّ الَّذِي لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا عَلى وفْقِ ما فِيهِ وتَفْسِيرُ أُمِّ الكِتابِ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِمّا رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والمَشْهُورُ أنَّها اللَّوْحُ المَحْفُوظُ قالُوا: وهو أصْلُ الكُتُبِ إذْ ما مِن شَيْءٍ مِنَ الذّاهِبِ والثّابِتِ إلّا وهو مَكْتُوبٌ فِيهِ كَما هو.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الذّاهِبُ والثّابِتُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا لا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِها وبِالآخِرَةِ أيْضًا لِقِيامِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى تَناهِي الأبْعادِ مُطْلَقًا والنَّقْلِيِّ عَلى تَناهِي اللَّوْحِ بِخُصُوصِهِ فَقَدْ جاءَ أنَّهُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ لَهُ دَفَّتانِ مِن ياقُوتٍ طُولُهُ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ وامْتِناعُ ظَرْفِيَّةِ المُتَناهِي لِغَيْرِ المُتَناهِي ضَرُورِيٌّ ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِعُمُومِ الذّاهِبِ والثّابِتِ يَلْتَزِمُ القَوْلَ بِالإجْمالِ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ التَّفْصِيلُ وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ بِما هو المَشْهُورُ والتَزَمَ القَوْلَ بِأنَّ ما فِيهِ لا يَتَغَيَّرُ وإنَّما التَّغَيُّرُ لِما في الكُتُبِ غَيْرِهِ وهَذا قائِلٌ بِعَدَمِ تَغَيُّرِ ما في العِلْمِ لِما عَلِمْتَ ورَأيْتَ في نُسْخَةٍ لِبَعْضٍ الأفاضِلِ كانَتْ عِنْدِي وفُقِدَتْ في حادِثَةِ بَغْدادَ أُلِّفَتْ في هَذِهِ المَسْألَةِ وفِيها أنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا ويُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ وتَبْدِيلُهُ حَتّى القَضاءُ الأزَلِيُّ واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنها أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن دُعائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في القُنُوتِ: «وقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ» وفِيهِ طَلَبُ الحِفْظِ مِن شَرِّ القَضاءِ الأوَّلِيِّ ولَوْ لَمْ يُمْكِنْ تَغْيِيرُهُ ما صَحَّ طَلَبُ الحِفْظِ مِنهُ ومِنها ما صَحَّ في حَدِيثِ التَّراوِيحِ مِن عُذْرِهِ عَنِ الخُرُوجِ إلَيْها وقَدِ اجْتَمَعَ النّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيها بِقَوْلِهِ: «خَشِيتُ أنْ تُفْرِضَ عَلَيْكم فَتَعْجِزُوا عَنْها» فَإنَّهُ لا مَعْنى لِهَذِهِ الخَشْيَةِ لَوْ كانَ القَضاءُ الأزَلِيُّ لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ فَإنَّهُ إنْ كانَ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنَّها سَتُفْرَضُ فَلا بُدَّ أنْ تُفْرَضَ وإنْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنَّها لا تُفْرَضُ فَمُحالٌ أنْ تُفْرَضَ عَلى ذَلِكَ الفَرْضِ عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ في حَدِيثِ فَرْضِ الصَّلاةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ بَعْدُ ما هو ظاهِرٌ في سَبْقِ القَضاءِ بِأنَّها خَمْسُ صَلَواتٍ مَفْرُوضَةٍ لا غَيْرَ فَما مَعْنى الخَشْيَةِ بَعْدَ العِلْمِ بِذَلِكَ لَوْلا العِلْمُ بِإمْكانِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ ومِنها ما صَحَّ أنَّهُ كانَ يَضْطَرِبُ حالُهُ الشَّرِيفُ لَيْلَةَ الهَواءِ الشَّدِيدِ حَتّى أنَّهُ لا يَنامُ وكانَ يَقُولُ في ذَلِكَ: أخْشى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ فَإنَّهُ لا مَعْنى لِهَذِهِ الخَشْيَةِ أيْضًا مَعَ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى أنَّ بَيْنَ يَدَيْها ما لَمْ يُوجَدْ إذْ ذاكَ كَظُهُورِ المَهْدِيِّ وخُرُوجِ الدَّجّالِ ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ودابَّةِ الأرْضِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي تَحَقُّقُهُ زَمانًا طَوِيلًا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ أنَّ القَضاءَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ وإنَّ ما قُضِيَ مِن أشْراطِها يُمْكِنُ تَبْدِيلُهُ ما خَشِيَ مِن ذَلِكَ ومِنها أنَّ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ كانُوا مِن أشَدِّ النّاسِ خَوْفًا مِنَ النّارِ حَتّى أنَّ مِنهم مَن كانَ يَقُولُ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: لَوْ نادى مُنادٍ كُلُّ النّاسِ في الجَنَّةِ إلّا واحِدًا لَظَنَنْتُ أنِّي ذَلِكَ الواحِدُ وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي لَهُ مَعَ إخْبارِ الصّادِقِ وتَبْشِيرِهِ لَهُ بِالجَنَّةِ والعِلْمُ بِأنَّ القَضاءَ لا يَتَغَيَّرُ ومِنها أنَّهُ لَوْلا إمْكانُ التَّغْيِيرِ لَلَغا الدُّعاءُ إذِ المَدْعُوُّ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِكَوْنِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ وإلّا فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ وطَلَبُ ما لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أوْ مُحالٌ أنْ يَكُونَ لَغْوٌ مَعَ أنَّهُ قَدْ ورَدَ الأمْرُ بِهِ والقَوْلُ بِأنَّهُ لِمُجَرَّدِ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ والِافْتِقارِ إلى اللَّهِ تَعالى وكَفى بِذَلِكَ فائِدَةٌ يَأْباهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ وأيْضًا أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَنْفَعُ الحَذَرُ مِنَ القَدَرِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْحُو بِالدُّعاءِ ما يَشاءُ مِنَ القَدَرِ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ الآيَةَ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَأُقِرَّنَّ عَيْنَكَ بِتَفْسِيرِها ولَأُقِرَّنَّ عَيْنَ أُمَّتِي بَعْدِي بِتَفْسِيرِها الصَّدَقَةُ عَلى وجْهِها وبِرُّ الوالِدَيْنِ واصْطِناعُ المَعْرُوفِ يُحَوِّلُ الشَّقاءَ سَعادَةً ويَزِيدُ في العُمْرِ ويَقِي مَصارِعَ السُّوءِ» وهَذا لا يَكادُ يُعْقَلُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ القَضاءَ لا يَتَغَيَّرُ وفي الأخْبارِ والآثارِ مِمّا هو ظاهِرٌ في إمْكانِ التَّغْيِيرِ ما لا يُحْصى كَثْرَةً ولَعَلَّ مِن ذَلِكَ الدُّعاءَ المارَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ إنَّ القَضاءَ المُعَلَّقَ يَرْجِعُ في المَآلِ إلى القَضاءِ المُبْرَمِ عِنْدَ مُثْبِتِهِ فَلا يُفِيدُهُ التَّعَلُّقُ بِذَلِكَ في وقْعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ ودَفْعِ ما يَرِدُ عَلى القَوْلِ بِالتَّغَيُّرِ مِن أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ التَّغَيُّرُ في ذاتِهِ تَعالى لِما أنَّهُ يَنْجَرُّ إلى تَغَيُّرِ العِلْمِ وهو يُوجِبُ التَّغَيُّرَ في ذاتِهِ تَعالى مِن صِفَةٍ إلى أُخْرى أوْ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الجَهْلُ وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرَها جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ في نَفْيِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالجُزْئِيّاتِ المُتَغَيِّرَةِ فَإنَّهم قالُوا: إنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ مَثَلًا أنَّ زَيْدًا في الدّارِ الآنَ ثُمَّ خَرَجَ عَنْها فَإمّا أنْ يَزُولَ ذَلِكَ العِلْمُ ولا يَعْلَمُ سُبْحانَهُ أنَّهُ في الدّارِ أوْ يَبْقى ذَلِكَ العِلْمُ بِحالِهِ والأوَّلُ يُوجِبُ التَّغَيُّرَ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ والثّانِي يُوجِبُ الجَهْلَ وكِلاهُما نَقْصٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ بِما دَفَعُوا بِهِ تِلْكَ الشُّبْهَةَ وهو ما ذُكِرَ في المَواقِفِ وشَرْحُهُ مِن مَنعِ لُزُومِ التَّغَيُّرِ فِيهِ تَعالى بَلِ التَّغَيُّرُ إنَّما هو في الإضافاتِ لِأنَّ العِلْمَ عِنْدَنا إضافَةٌ مَخْصُوصَةٌ وتَعَلُّقٌ بَيْنَ العالِمِ والمَعْلُومِ أوْ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ ذاتُ إضافَةٍ فَعَلى الأوَّلِ يَتَغَيَّرُ نَفْسُ العِلْمِ وعَلى الثّانِي يَتَغَيَّرُ إضافاتُهُ فَقَطْ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَلْزَمُ تَغَيُّرٌ في صِفَةٍ مَوْجُودَةٍ بَلْ في مَفْهُومٍ اعْتِبارِيٍّ وهو جائِزٌ وأجابَ كَثِيرٌ مِنَ الأشاعِرَةِ والمُعْتَزِلَةِ بِأنَّ العِلْمَ بِأنَّ الشَّيْءَ وُجِدَ والعِلْمَ بِأنَّهُ سَيُوجَدُ واحِدٌ فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ زَيْدًا سَيَدْخُلُ البَلَدَ غَدًا فَعِنْدَ حُصُولِ الغَدِ يُعْلَمُ بِهَذا العِلْمِ بِأنَّهُ دَخَلَ البَلَدَ الآنَ إذا كانَ عِلْمُهُ هَذا مُسْتَمِرًّا بِلا غَفْلَةٍ مُزِيلَةٍ لَهُ وإنَّما يَحْتاجُ أحَدُنا إلى عِلْمٍ آخَرَ مُتَجَدِّدٍ يَعْلَمُ بِهِ أنَّهُ دَخَلَ الآنَ لَطَرَيانِ الغَفْلَةِ عَنِ الأوَّلِ والبارِي تَعالى يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الغَفْلَةُ فَكانَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ وُجِدَ عَيْنُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيُوجَدُ فَلا يَلْزَمُ مِن تَغَيُّرِ المَعْلُومِ تَغَيُّرٌ في العِلْمِ ونِهايَةُ كَلامِهِ في هَذا المَقامِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ ما في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ الفِعْلُ أوِ التَّرْكُ وفِيهِ مِنَ الحَجْرِ عَلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ ما لا يَخْفى ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ التَّغَيُّرِ سِوى التَّغَيُّرِ في التَّعَلُّقاتِ وهو غَيْرُ ضارٍّ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ لا يَبْقى وُثُوقٌ بِشَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ كالحَشْرِ والنَّشْرِ وكَذا لا يَبْقى وُثُوقٌ بِالأخْبارِ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاتَمُ النَّبِيِّينَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ حِينَ أخْبَرَ ثُمَّ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِخِلافِهِ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُخْبِرْ ولا نَقْصَ في الإخْبارِ الأوَّلِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا كانَ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ إذْ ذاكَ وأيْضًا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ نَفْسِ الأمْرِ أوْ نَفْيُ كَوْنِ تَعَلُّقِ العِلْمِ عَنْ وقْفِهِ وكِلا النَّفِيَّيْنِ كَما تَرى يَقِي الجَوابَ عَمّا تَمَسَّكَ بِهِ وهو عَنْ بَعْضٍ ظاهِرٌ وعَنْ بَعْضٍ يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ فَتَأمَّلْ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ بَعْضُ الشِّيعَةِ القائِلِينَ بِجَوازِ البَداءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وفِيهِ ما فِيهِ هَذا.
ويَخْطُرُ لِي في الآيَةِ مَعْنًى لَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ وهو أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا قَبْلَ حِكايَةِ الأقْوالِ وهو مِمّا رَواهُ البَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ويُخَصَّصُ ذَلِكَ بِالأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ ويُرادُ بِأُمِّ الكِتابِ الأحْكامُ الأصْلِيَّةُ فَإنَّها مِمّا لا تَقْبَلُ النَّسْخَ وهي أصْلٌ لِكُلِّ كِتابٍ بِاعْتِبارِ أنَّ الأحْكامَ الفَرْعِيَّةَ الَّتِي فِيهِ إنَّما تَصِحُّ مِمَّنْ أتى بِها لَكِنْ لا يُساعِدُ عَلى هَذا المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ نَعَمْ هو مُناسِبٌ لِلْمَقامِ كَما لا يَخْفى وزَعَمَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ أنَّ في الآيَةِ قَلْبًا والأصْلُ لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ وتُعُقِّبَ بِأنْ لا يَجُوزَ ادِّعاءُ القَلْبِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عَلى أنَّهُ لا داعِيَ إلَيْهِ هُنا بَلْ قَدْ يُدَّعى فَسادُ المَعْنى عَلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَألْ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ فَهو شامِلٌ لِلْكَثِيرِ ولِهَذا فَسَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ بِالجَمْعِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( ويُثَبِّتُ ) <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وذلك أن اليهود عيّروا رسول الله وقالوا: لو كان هذا نبيّاً كما يزعم، لشغلته النبوة عن تزوج النساء.
فنزل وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ يا محمد وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً قال الكلبي: كَانَ لِسُلَيْمَانَ بنِ دَاودَ ثلاثمائة امرأة مهرية، وتسعمائة سرية، وكان لداود مائة امرأة.
ثم قال: وَما كانَ لِرَسُولٍ يعني: ليس ينبغي لرسول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلى قومه إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني: بأمر الله تعالى.
ويقال: معناه ما كان أحد يقدر أن يأتي بآية من الآيات إلا بإذن الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ أي: لكل أجل من آجال الدنيا كتاب مكتوب، لا يزاد عليه، ولا ينقص منه.
ويقال: لكل أجل وقت قد كتب فيه.
وقال الفراء: هذا مقدم ومؤخر أي: لكل كتاب أجل مثل قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: 19] أي: سكرة الحق بالموت، وكذلك قال ابن عباس.
ثمّ قال تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ روى شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن قريشاً لما نزلت هذه الآية وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد: 38] قالوا: ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر، فنزلت هذه الآية تخويفاً، ووعيداً لهم.
فإنّا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما نشاء، فيمحو الله مَا يَشَآءُ، وَيُثْبِتُ ما يشاء من أرزاق العباد، ومصايبهم فيما يعطيهم وبما يرزقهم ويقسم لهم (١) وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ «إلا الشقاوة والسعادة والموت والحياة» (٢) ا أنها قالت: «إن الحفظة إذا رفعت ديوان العبد، فإن كان في أوله وآخره خير، يمحو الله ما بينهما من السيئات، وإن لم يكن في أوله وآخره حسنات، يثبت ما فيه من السيئات» .
وقال مقاتل: يَمْحُوا اللَّهُ يعني: ينسخ الله ما يشاء من القرآن، وَيُثْبِتُ يقول: ويقر المحكم الناسخ ما يشاء فلا ينسخه.
ويقال: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ يعني: المعرفة عن قلب من يشاء وَيُثْبِتُ في قلب من يشاء.
وهو مثل قوله: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ [الرعد: 27]- وفي آية أخرى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ أي يمحو من الشرائع والكتب الممحوّة: التوراة، والإنجيل والزبور، والمثبت هو القرآن الذي أنزل على محمد ، وهذا القول هو المختار (٣) يقضي على العبد البلاء، فيدعو العبد، فيزول عنه كما روي في الخبر «الدُّعَاءُ يَرُدُّ البَلاَءَ» .
ثم قال تعالى: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ يعني: أصل الكتاب وجملته، وهو اللوح المحفوظ كتب فيه كل شيء قبل أن يخلقهم.
(١) عزاه السيوطي: 4/ 659 إلى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) عزاه السيوطي: 4/ 659 إلى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي.
(٣) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
<div class="verse-tafsir"
بالآية: مَنْ آمَنَ مِنْ أهْل الكتاب كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «١» وغيره.
قال ع «٢» : والمعنى مدحهم، وباقي الآية بيّن.
وقوله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ: المعنى أنَّ اللَّه سبحانه يمحو من الأمور ما يشاء، ويغيِّرها عن أحوالها مما سَبَقَ في علْمه مَحْوُهُ وتغييرُهُ، ويثبتها في الحَالةِ التي يَنْقُلُها إِليها حَسَبَ ما سَبَقَ في علْمه.
قال ع «٣» : وأصوَبُ ما يفسَّر به أُمُّ الْكِتابِ: أنه كتاب الأمورِ المجزومَةِ التي قدْ سَبَقَ القضاء فيها بمَا هو كائنٌ، وسبق ألاَّ تبدَّل ويبقَى المحْوُ والتثبيت في الأمور التي قد سَبَقَ في القضاء أنْ تبدَّل وتمحَى وتُثْبَتَ قال نحوه قتادة «٤» ، وقوله سبحانه: وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ: «إِن» : شرطٌ دخلَتْ عليها «ما» ، وقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، «أو» عاطفةٌ، وقوله: فَإِنَّما: جوابُ الشرط، ومعنى الآية: إِنْ نُبَقْكَ يا محمَّد، لترَى بعض الذي نَعِدُهم، أو نتوفينَّك قبل ذلك، فعلى كلا الوجْهَيْن، فإِنما يلزمُكَ البلاغَ فقَطْ، والضمير في قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا: عائد على كفَّار قريش كالذي في نَعِدُهُمْ.
وقوله: نَأْتِي: معناه: بالقُدْرة والأمر.
والْأَرْضَ: يريد بها اسم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفَّار المذكورين، المعنى: أو لم يروا أنا نأتي أرْضَ هؤلاء بالفَتْح/ عليك، فننقصها بمَا يَدْخُلُ في دِينِكَ من القبائلِ والبلادِ المجاورَة لهم، فما يؤمنهم أنْ نمكِّنك منْهم أيضاً قاله ابن عباس، وهذا على أن الآية مدنيّة «٥» ، ومن قال: إن الأرض
اسم جنسٍ، جعل انتقاص الأرض بتخريبِ العُمْران الذي يُحِلُّه اللَّه بالكُفَّار، وقيل:
الانتقاص بمَوْت البشر، ونقص الثمرات والبَرَكَةِ، وقيل: بموتِ العلماءِ والأخيارِ قاله ابن عباس أيضاً «١» ، وكلُّ ما ذكر يدخل في لفظ الآية، وجملةُ معنَى هذه الآية: الموعظَةُ وضَرْبُ المثل، وقال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ في كتاب العلم بسنده عن عطاء بن أبي رَبَاح في معنَى نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال: بذَهَابِ فقهائها، وخيار أهلها وعن وكيع «٢» نحوه.
وقال الحسن: نقصانُهَا: هو بظهور المسلمين على المُشْركين «٣» .
قال أبو عمر: وقول عطاء في تأويل الآية حَسَنٌ جِدًّا، تلَقَّاه أهل العلْمِ بالقبول، وقولُ الحسن أيضاً حسن.
انتهى.
وقوله سبحانه: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً: أي: العقوبات التي أحلَّها بهم، وسمَّاها مكراً على عُرْفِ تسمية العقوبة باسم الذنب، وباقي الآية تحذيرٌ ووعيدٌ.
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا: المعنى: ويكذِّبك يا محمَّد هؤلاءِ الكفرةُ ويقولون: لستَ مرسلاً.
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً: أي: شاهداً بيني وبينكم، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ: قال قتادة: يريدُ مَنْ آمَنَ منهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وغيره «٤» ، كَمُلَ تفسيرُ السُّورة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: " ويُثْبِتُ " ساكِنَةَ الثّاءِ خَفِيفَةَ الباء.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويُثَبِّتُ " مُشَدَّدَةَ الباءِ مَفْتُوحَةَ الثّاءِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: ويُثَبِّتُهُ، فاسْتَغْنى بِتَعْدِيَةِ الأوَّلِ مِنَ الفِعْلَيْنِ عَنْ تَعْدِيَةِ الثّانِي.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالَّذِي يَمْحُو ويُثْبِتُ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ في الرِّزْقِ، والأجَلِ، والسَّعادَةِ، والشَّقاوَةِ، وهَذا مَذْهَبُ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي وائِلٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنَّهُ النّاسِخُ والمَنسُوخُ، فَيَمْحُو المَنسُوخَ، ويُثْبِتُ النّاسِخَ، رَوى هَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ أيْ: يَنْسَخُ مِنَ القُرْآنِ ما يَشاءُ ﴿ وَيُثْبِتُ ﴾ أيْ: يَدَعُهُ ثابِتًا لا يَنْسَخُهُ، وهو المُحْكَمُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَمْحُو ما يَشاءُ، ويُثْبِتُ، إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، والحَياةَ والمَوْتَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ ما رَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: " «إذا مَضَتْ عَلى النُّطْفَةِ خَمْسٌ وأرْبَعُونَ لَيْلَةً، يَقُولُ المَلَكُ المُوَكَّلُ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟
فَيَقْضِي اللَّهُ تَعالى، ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَيَقُولُ: أشَقِىٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟
فَيَقْضِي اللَّهُ، ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَيَقُولُ: عَمَلُهُ وأجَلُهُ ؟
فَيَقْضِي اللَّهُ، ويَكْتُبُ المَلَكُ،ثُمَّ تُطْوى الصَّحِيفَةُ، فَلا يُزادُ فِيها ولا يُنْقَصُ مِنها» " .
والرّابِعُ: يَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ لا يُغَيَّرانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: يَمْحُو مَن جاءَ أجْلُهُ، ويُثْبِتُ مَن لَمْ يَجِئْ أجْلُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّادِسُ: يَمْحُو مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ ما يَشاءُ فَيَغْفِرُها، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُها، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والسّابِعُ: يَمْحُو ما يَشاءُ بِالتَّوْبَةِ، ويُثْبِتُ مَكانَها حَسَناتٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّامِنُ: يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، ويَثْبُتُ ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: القَوْلُ كُلُّهُ يُكْتَبُ، حَتّى إذا كانَ في يَوْمِ الخَمِيسِ، طُرِحَ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، مِثْلُ قَوْلِكَ: أكَلْتُ، شَرِبْتُ، دَخَلْتُ، خَرَجْتُ، ونَحْوُهُ، وهو صادِقٌ، ويُثْبِتُ ما فِيهِ الثَّوابُ والعِقابُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الكِتابِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وَهُوَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي أُثْبِتَ فِيهِ ما يَكُونُ ويَحْدُثُ.
ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ تَعالى في ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُ في الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ» " .
ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هُما كِتابانِ، كِتابٌ سِوى أُمِّ الكِتابِ يَمْحُو مِنهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ لا يُغَيَّرُ مِنهُ شَيْءٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنَ ولِيٍّ ولا واقٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن عُنِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عُنِيَ بِهِ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وشَبَهِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى مَدَحَهم بِأنَّهم لِشِدَّةِ إيمانِهِمْ يُسَرُّونَ بِما يَرِدُ عَلى النَبِيِّ مِن مُباحاتِ الشَرْعِ، وقالَ قَتادَةُ: عُنِيَ بِهِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ، و" ما أُنْزِلَ إلَيْكَ " يُرادُ بِهِ جَمِيعُ الشَرْعِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ:" بِالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ" اليَهُودُ والنَصارى، وذَلِكَ أنَّهم لَهم فَرَحٌ بِما يُنْزَلُ عَلى النَبِيِّ مِن تَصْدِيقِ شَرائِعِهِمْ وذِكْرِ أوائِلِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَضْعُفُ هَذا التَأْوِيلُ بِأنَّ هَمَّهم بِهِ أكْثَرُ مِن فَرَحِهِمْ فَلا يُعْتَدُّ بِفَرَحِهِمْ، ويَضْعُفُ أيْضًا بِأنَّ اليَهُودَ والنَصارى يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وقَدْ فَرَّقَ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ.
و"الأحْزابُ" قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَصارى والمَجُوسُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أحْزابُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ، وأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَطْرَحَ اخْتِلافَهُمْ، وأنْ يَصْدَعَ بِأنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِعِبادَةِ اللهِ وتَرْكِ الإشْراكِ والدُعاءِ إلَيْهِ، اعْتِقادُ المَآبِ إلَيْهِ، وهو الرُجُوعُ عِنْدَ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ: "وَكَذَلِكَ"، المَعْنى: كَما يَسَّرْنا هَؤُلاءِ لِلْفَرَحِ وهَؤُلاءِ لِإنْكارِ البَعْضِ، كَذَلِكَ ﴿ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ ، ويُحْتَمَلُ المَعْنى: والمُؤْمِنُونَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِهِ لِفَهْمِهِمْ لَهُ وسُرْعَةَ تَلَقِّيهِمْ، ثُمَّ عَدَّدَ النِعْمَةَ بِقَوْلِهِ: كَذَلِكَ جَعَلْناهُ، أيْ: سَهَّلْناهُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ وتَفَضَّلْنا.
و"حُكْمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والحُكَمُ: ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنَ المَعانِي، وجَعَلَهُ عَرَبِيًّا لَمّا كانَتِ العِبارَةُ عنهُ بِالعَرَبِيَّةِ.
ثُمَّ خاطَبَ مُحَذِّرًا مِنِ اتِّباعِ أهْواءِ هَذِهِ الفِرَقِ الضالَّةِ، والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وهو بِالمَعْنى يَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ عَلى: "واقِي" و"هادِي" و"والِي" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "والجُمْهُورُ يَقِفُونَ بِغَيْرِ ياءٍ، وهو الوَجْهُ"، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ.
في صَدْرِها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ، ورَدٌّ عَلى المُقْتَرَحِينَ مِن قُرَيْشٍ بِالمَلائِكَةِ، المُتَعَجِّبِينَ مِن بَعْثَةِ اللهِ بَشَرًا رَسُولًا، فالمَعْنى: أنَّ بَعْثَكَ يا مُحَمَّدُ لَيْسَ بِبِدْعٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في الأُمَمِ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ الآيَةُ، لَفْظُهُ لَفْظُ النَهْيِ والزَجْرِ، والمَقْصِدُ بِهِ إنَّما هو النَفْيُ المَحْضُ، لَكِنَّهُ نَفْيُ تَأْكِيدٍ بِهَذِهِ العِبارَةِ، ومَتى كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ عن أمْرٍ واقِعٍ تَحْتَ قُدْرَةِ المَنهِيِّ فَهي زَجْرٌ، ومَتى لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ مُؤَكِّدٌ.
و ﴿ بِإذْنِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَأْذَنَ اللهُ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي لَها آجالٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ كائِنٌ فِيها إلّا ولَهُ أجْلٌ في بَدْئِهِ وفي خاتِمَتِهِ، وكُلُّ أجَلٍ مَكْتُوبٌ مَحْصُورٌ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عن كَتْبِهِ الآجالَ الَّتِي لِلْأشْياءِ عامَّةً، وقالَ الضَحّاكُ، والفَرّاءُ: المَعْنى: لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا العَكْسُ غَيْرُ لازِمٍ، ولا وجْهَ لَهُ، إذِ المَعْنى تامٌّ في تَرْتِيبِ القُرْآنِ، بَلْ يُمْكِنُ هَدْمُ قَوْلِهِما بِأنَّ الأشْياءَ الَّتِي كَتَبَها اللهُ أزَلِيَّةً باقِيَةً كَتَنْعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ وغَيْرِهِ يُوجَدُ كِتابُها ولا أجْلَ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيُثَبِّتُ" بِتَشْدِيدِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِتَخْفِيفِها، وقَدْ تَخَبَّطَ الناسُ في مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ، والَّذِي يَتَلَخَّصُ بِهِ مُشْكِلُها: أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي قَدَّرَها اللهُ تَعالى في الأزَلِ، وعَلِمَها بِحالٍ ما، لا يَصِحُّ فِيها مَحْوٌ ولا تَبْدِيلٌ، وهي الَّتِي كُتِبَتْ في أُمِّ الكِتابِ، وسَبَقَ بِها القَضاءُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ، وأمّا الأشْياءُ الَّتِي قَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُبَدِّلُ فِيها ويَنْقُلُ كَغَفْرِ الذُنُوبِ بَعْدَ تَقْرِيرِها، وكَنَسْخِ آيَةٍ بَعْدَ تِلاوَتِها واسْتِقْرارِ حُكْمِها فَفِيها يَقَعُ المَحْوُ والتَثْبِيتُ فِيما يُقَيِّدُهُ الحَفَظَةُ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأمّا إذا رُدَّ الأمْرُ إلى القَضاءِ والقَدَرِ فَقَدْ مَحا اللهُ ما مَحا وثَبَّتَ ما ثَبَّتَ، وجاءَتِ العِبارَةُ مُسْتَقْبَلَةً لِمَحْيِ الحَوادِثِ، وهَذِهِ الأُمُورُ فِيما يُسْتَأْنَفُ مِنَ الزَمانِ، فَيَنْتَظِرُ البَشَرُ ما يَمْحُو أو ما يُثْبِتُ، وبِحَسْبِ ذَلِكَ خَوْفُهم ورَجاؤُهم ودُعاؤُهُمْ، وقالَتْ فُرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: هي في آجالِ بَنِي آدَمَ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى في لَيْلَةِ القَدْرِ -وَقِيلَ: لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبانَ- يَكْتُبُ آجالَ المَوْتى، فَيُمْحى ناسٌ مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبَتُونَ في دِيوانِ المَوْتى، وقالَ قَيْسُ بْنُ عُبادٍ: العاشِرُ مِن رَجَبٍ هو يَوْمُ يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَخْصِيصُ في الآجالِ أو غَيْرِها لا مَعْنى لَهُ، وإنَّما يَحْسُنُ مِنَ الأقْوالِ هُنا ما كانَ عامًّا في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَمِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى يُغَيِّرُ الأُمُورَ عَلى أحْوالِها، أعْنِي ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُغَيَّرَ عَلى ما قَدَّمْناهُ، فَيَمْحُو مِن تِلْكَ الحالَةِ ويُثْبِتُهُ في الَّتِي نَقَلَهُ إلَيْها، ورُوِيَ عن عُمْرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما كانا يَقُولانِ في دُعائِهِما: "اللهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنا في دِيوانِ الشَقاوَةِ فامْحُنا وأثْبِتْنا في دِيوانِ السَعادَةِ، فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وَتُثْبِتُ"، وهَذا دُعاءُ في غُفْرانِ الذُنُوبِ وعَلى جِهَةِ الجَزَعِ مِنهُما.
أيِ: اللهُمَّ إنْ كُنّا شَقِينا بِمَعْصِيَتِكَ، وكُتِبَتْ عَلَيْنا ذُنُوبٌ وشَقاوَةٌ فامْحُها عَنّا بِالمَغْفِرَةِ والطاعَةِ، وفي لَفْظِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ -فِي بَعْضِ الرِواياتِ- بَعْضٌ مِن هَذا، ولَمْ يَكُنْ دُعاؤُهُما البَتَّةَ في تَبْدِيلٍ سابِقِ القَضاءِ، ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ قالُوا: لَيْسَ لِمُحَمَّدٍ في هَذا الأمْرِ قُدْرَةٌ ولا حَظٌّ، فَنَزَلَتْ ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ أيْ: رُبَّما أذِنَ اللهُ مِن ذَلِكَ كَما تَكْرَهُونَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يَأْذَنُ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ، إلّا السَعادَةَ والشَقاوَةَ والآجالَ فَإنَّهُ لا مَحْوَ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوُ ما أصَّلْناهُ أوَّلًا في الآيَةِ.
وحُكِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن كِتابٍ حاشى أُمِّ الكِتابِ الَّذِي عِنْدَهُ الَّذِي لا يُغَيِّرُ مِنهُ شَيْئًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يَمْحُو كُلَّ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ كُلَّ ما أرادَ، ونَحْوُ هَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي هي سَهْلَةُ المُعارَضَةِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ أنَّ كَعْبًا قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ لَأنْبَأتُكَ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ: وما هِيَ؟
قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ ، وذَكَرَ أبُو المَعالِي في التَلْخِيصِ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ هو الَّذِي قالَ هَذِهِ المَقالَةَ المَذْكُورَةَ عن كَعْبٍ، وذَلِكَ عِنْدِي- لا يَصِحُّ عن عَلِيٍّ.
واخْتَلَفَتْ أيْضًا عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ ﴿ أُمُّ الكِتابِ ﴾ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الذِكْرُ، وقالَ كَعْبٌ: هو عِلْمُ اللهِ ما هو خالِقٌ وما خَلْقُهُ عامِلُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأصْوَبُ ما يُفَسَّرُ بِهِ ﴿ أُمُّ الكِتابِ ﴾ أنَّهُ دِيوانُ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ القَضاءُ فِيها بِما هو كائِنٌ، وسَبَقَ ألّا يُبَدَّلَ، ويَبْقى المَحْوُ والتَثْبِيتُ في الأُمُورِ الَّتِي سَبَقَ في القَضاءِ أنْ تُبَدَّلَ وتُمْحى وتُثْبَتَ، قالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ أُمُّ الكِتابِ ﴾ : الحَلالُ والحَرامُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِھَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ .
هذا عود إلى الردّ على المشركين في إنكارهم آية القرآن وتصميمهم على المطالبة بآية من مقترحاتهم تُماثل ما يؤثر من آيات موسى وآيات عيسى عليهما السلام ببيان أن الرسول لا يأتي بآيات إلاّ بإذن الله، وأن ذلك لا يكون عى مقترحات الأقوام، وذلك قوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ، فالجملة عطف على جملة ﴿ وكذلك أنزلناه حكماً عربياً ﴾ [الرعد: 37].
وأدمج في هذا الرد إزالة شبهة قد تعرض أو قد عرضت لبعض المشركين فيطعنون أو طعنوا في نبوءة محمد بأنه يتزوج النساء وأن شأن النبي أن لا يهتم بالنساء.
قال البغوي: روي أن اليهود وقيل إن المشركين قالوا: إن هذا الرجل ليست له همة إلا في النساء اه.
فتعين إن صحت الرواية في سبب النزول أن القائلين هم المشركون إذ هذه السورة مكية ولم يكن لليهود حديث مع أهل مكة ولا كان منهم في مكة أحد.
وليس يلزم أن يكون هذا نازلاً على سبب.
وقد تزوج رسول الله خديجة ثم سودة رضي الله عنهما في مكة فاحتمل أن المشركين قالوا قالةَ إنكار تعلقاً بأوهن أسباب الطعن في النبوءة.
وهذه شبهة تعرض للسذج أو لأصحاب التمويه، وقد يموّه بها المبشرون من النصارى على ضعفاء الإيمان فيفضلون عيسى عليه السلام على محمد بأن عيسى لم يتزوج النساء.
وهذا لا يروج على العقلاء لأن تلك بعض الحظوظ المباحة لا تقتضي تفضيلاً.
وإنما التفاضل في كل عمل بمقادير الكمالات الداخلة في ذلك العمل.
ولا يدري أحد الحكمة التي لأجلها لم يتزوج عيسى عليه السلام امرأةً.
وقد كان يحيى عليه السلام حَصوراً فلعل عيسى عليه السلام قد كان مثله لأن الله لا يكلفه بما يشق عليه وبما لم يكلف به غيره من الأنبياء والرسل.
وأما وصف الله يحيى عليه السلام بقوله: وحصوراً} فليس مقصوداً منه أنه فضيلة ولكنه أعلم أباه زكرياء عليه السلام بأنه لا يكون له نسل ليعلم أن الله أجاب دعوته فوهب له يحيى عليه السلام كرامة له، ثم قدّر أنه لا يكون له نسل إنفاذاً لتقديره فجعل امرأته عاقراً.
وقد تقدم بيان ذلك في تفسير سورة آل عمران.
وقد كان لأكثر الرسل أزواج ولأكثرهم ذرية مثل نوح وإبراهيم ولوط وموسى وداود وسليمان وغير هؤلاء عليهم السلام.
والأزواج: جمع زوج، وهو من مقابلة الجمع بالجمع، فقد يكون لبعض الرسل زوجة واحدة مثل: نوح ولوط عليهما السلام، وقد يكون للبعض عدة زوجات مثل: إبراهيم وموسى وداود وسليمان عليهم السلام.
ولما كان المقصود من الردّ هو عدم منافاة اتخاذ الزوجة لصفة الرسالة لم يكن داع إلى تعداد بعضهم زوجات كثيرة.
وتقدم الكلام على الزوج عند قوله تعالى: ﴿ وقلنا يآدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ في سورة البقرة (35).
والذرية: النسل.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال ومن ذريتي ﴾ في سورة البقرة (124).
وجملة وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } هي المقصود وهي معطوفة على جملة ﴿ ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك ﴾ .
وتركيب ﴿ ما كان ﴾ يدل على المبالغة في النفي، كما تقدم عند قوله: ﴿ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ في سورة العقود (116).
والمعنى: أن شأنك شأن من سبق من الرسل لا يأتون من الآيات إلاّ بما آتاهم الله.
وإذن الله: هو إذن التكوين للآيات وإعلام الرسول بأن ستكون آية، فاستعير الإتيان للإظهار، واستعير الإذن للخلق والتكوين.
تذييل لأنه أفاد عموم الآجال فشمل أجل الإتيان بآية من قوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ .
وذلك إبطال لتوهم المشركين أن تأخر الوعيد يدل على عدم صدقه.
وهذا ينظر إلى قوله تعالى: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب ﴾ [سورة العنكبوت: 53] فقد قالوا: ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ الآية [سورة الأنفال: 32].
وإذ قد كان ما سألوه من جملة الآيات وكان ما وعدوه آية على صدق الرسالة ناسب أن يذكر هنا أن تأخير ذلك لا يدل على عدم حصوله، فإن لذلك آجالاً أرادها الله واقتضتها حكمته وهو أعلم بخلقه وشؤونهم ولكن الجهلة يقيسون تصرفات الله بمثل ما تجري به تصرفات الخلائق.
والأجل: الوقت الموقت به عمل معزوم أو موعود.
والكتاب: المكتوب، وهو كناية عن التحديد والضبط، لأن شأن الأشياء التي يراد تحققها أن تكتب لئلا يخالف عليها.
وفي هذا الرد تعريض بالوعيد.
والمعنى: لكل واقع أجلٌ يقع عنده، ولكل أجل كتاب، أي تعيين وتحديد لا يتقدمه ولا يتأخر عنه.
وجملة يمحوا الله ما يشاء } مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن جملة ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ تقتضي أن الوعيد كائن وليس تأخيره مزيلاً له.
ولما كان في ذلك تأييس للناس عقب بالإعلام بأن التوبة مقبولة وبإحلال الرجاء محلّ اليأس، فجاءت جملة ﴿ يمحوا الله ما يشاء ويثبت ﴾ احتراساً.
وحقيقة المحو: إزالة شيء، وكثر في إزالة الخط أو الصورة، ومرجع ذلك إلى عدم المشاهدة، قال تعالى: ﴿ فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ﴾ [سورة الإسراء: 12].
ويطلق مجازاً على تغيير الأحوال وتبديل المعاني كالأخبار والتكاليف والوعد والوعيد فإن لها نسباً ومفاهيم إذا صادفت ما في الواقع كانت مطابقتُها إثباتاً لها وإذا لم تطابقه كان عدم مطابقتها محواً لأنه إزالة لمدلولاتها.
والتثبيت: حقيقته جعل الشيء ثابتاً قاراً في مكان، قال تعالى: ﴿ إذا لقيتم فئة فاثبتوا ﴾ [سورة الأنفال: 45].
ويطلق مجازاً على أضداد معاني المحو المذكورة.
فيندرج في ما تحتمله الآية عدةُ معانٍ: منها أنه يُعدم ما يشاء من الموجودات ويبقي ما يشاء منها، ويعفو عما يشاء من الوعيد ويُقرر، وينسخ ما يشاء من التكاليف ويبقي ما يشاء.
وكل ذلك مظاهر لتصرف حكمته وعلمه وقدرته.
وإذ قد كانت تعلقات القدرة الإلهية جارية على وفق علم الله تعالى كان ما في علمه لا يتغير فإنه إذا أوجَدَ شيئاً كان عالماً أنه سيوجده، وإذا أزال شيئاً كان عالماً أنه سيزيله وعالماً بوقت ذلك.
وأبهم الممحو والمثبت بقوله: ما يشاء} لتتوجه الأفهام إلى تعرّف ذلك والتدبر فيه لأن تحت ذا الموصول صوراً لا تحصى، وأسبابُ المشيئة لا تحصى.
ومن مشيئة الله تعالى محوَ الوعيد أن يلهم المذنبين التوبة والإقلاع ويخلق في قلوبهم داعية الامتثال.
ومن مشيئة التثبيت أن يصرف قلوب قوم عن النظر في تدارك أمورهم، وكذلك القول في العكس من تثبيت الخير ومحوه.
ومن آثار المحو تغير إجراء الأحكام على الأشخاص، فبينما ترى المحارب مبحوثاً عنه مطلوباً للأخذ فإذا جاء تائباً قبل القدرة عليه قُبل رجوعه ورفع عنه ذلك الطلب، وكذلك إجراء الأحكام على أهل الحرب إذا آمنوا ودخلوا تحت أحكام الإسلام.
وكذلك الشأن في ظهور آثار رضي الله أو غضبه على العبد فبينما ترى أحداً مغضوباً عليه مضروباً عليه المذلة لانغماسه في المعاصي إذا بك تراه قد أقلع وتاب فأعزه الله ونصره.
ومن آثار ذلك أيضاً تقليب القلوب بأن يجعل الله البغضاء محبةً، كما قالت هند بنتُ عتبة للنبيء صلى الله عليه وسلم بعدَ أن أسلمتْ: «ما كان أهل خباء أحبّ إليّ أن يذلوا من أهل خِبائك واليوم أصبحتُ وما أهل خباء أحب إليّ أن يعزوا من أهل خبائك».
وقد محا الله وعيد من بقي من أهل مكة فرفع عنهم السيف يوم فتح مكة قبل أن يأتوا مسلمين، ولو شاء لأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئصالهم حين دخوله مكة فاتحاً.
وبهذا يتحصل أن لفظ ﴿ ما يشاء ﴾ عام يشمل كل ما يشاؤه الله تعالى ولكنه مجمل في مشيئة الله بالمحو والإثبات، وذلك لا تصل الأدلة العقلية إلى بيانه، ولم يرد في الأخبار المأثورة ما يبينه إلا القليل على تفاوت في صحة أسانيده.
ومن الصحيح فيما ورد من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينَه وبينها إلاّ ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».
والذي يلوح في معنى الآية أن ما في أم الكتاب لا يقبل محواً، فهو ثابت وهو قسيم لما يشاء الله محوه.
ويجوز أن يكون ما في أم الكتاب هو عين ما يشاءُ الله محوه أو إثباته سواء كان تعييناً بالأشخاص أو بالذوات أو بالأنواع وسواء كانت الأنواع من الذوات أو من الأفعال، وأن جملة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أفادت أن ذلك لا يطلع عليه أحد.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ مراداً به الكتاب الذي كتبت به الآجال وهو قوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ ، وأن المحو في غير الآجال.
ويجوز أن يكون أم الكتاب مراداً به علم الله تعالى، أي يمحو ويثبت وهو عالم بأن الشيء سيُمحى أو يثبت.
وفي تفسير القرطبي عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يمحو الله ما يشاء ويثبت إلاّ السعادة والشقاوة والموت».
وروى مثله عن مجاهد.
وروى عن ابن عباس ﴿ يمحوا الله ما يشاء ويثبت ﴾ إلا أشياء الخَلْقَ بفتح الخاء وسكون اللام والخُلُق بضم الخاء واللام والأجل والرزقَ والسعادة والشقاوة، ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي لا يتغيّر منه شيء.
قلت: وقد تفرع على هذا قول الأشعري: إن السعادة والشقاوة لا يتبدلان خلافاً للماتريدي.
وعن عمر وابن مسعود ما يقتضي أن السعادة والشقاوة يقبلان المحو والإثبات.
فإذا حمل المحو على ما يجمع معاني الإزالة، وحُمل الإثبات على ما يجمع معانيَ الإبقاء، وإذا حمل معنى ﴿ أم الكتاب ﴾ على معنى ما لا يقبل إزالة ما قرر أنه حاصل أو أنه موعود به ولا يقبل إثبات ما قرر انتفاؤه، سواء في ذلك الأخبار والأحكام، كان ما في أم الكتاب قسيماً لما يمحى ويثبت.
وإذا حمل على أن ما يقبل المحو والإثبات معلوم لا يتغيّر علم الله به كان ما في أم الكتاب تنبيهاً على أن التغييرات التي تطرأ على الأحكام أو على الأخبار ما هي إلا تغييرات مقررة من قبلُ وإنما كان الإخبار عن إيجادها أو عن إعدامها مظهراً لما اقتضته الحكمة الإلهية في وقت ما.
و ﴿ أم الكتاب ﴾ لا محالة شيء مضاف إلى الكتاب الذي ذُكر في قوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ .
فإن طريقَة إعادة النكرة بحرف التعريف أن تكون المُعادة عينَ الأولى بأن يجعل التعريف تعريف العهد، أي وعنده أم ذلك الكتاب، وهو كتاب الأجل.
فكلمة ﴿ أمّ ﴾ مستعملة مجازاً فيما يُشبه الأم في كونها أصلاً لما تضاف إليه ﴿ أمُّ ﴾ لأن الأمّ يتولد منها المولود فكثر إطلاق أمّ الشيء على أصله، فالأمّ هنا مراد به ما هو أصل للمحو والإثبات اللذيْن هما من مظاهر قوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ ، أي لِما مَحْوُ وإثباتُ المشيئات مظاهرُ له وصادرة عنه، فأمُّ الكتاب هو علم الله تعالى بما سيريد محوه وما سيريد إثباته كما تقدم.
والعِندية عندية الاستئثار بالعلم وما يتصرف عنه، أي وفي ملكه وعلمه أمّ الكتاب لا يَطلع عليها أحد.
ولكن الناس يرون مظاهرها دون اطلاع على مدى ثبات تلك المظاهر وزوالها، أي أن الله المتصرف بتعيين الآجال والمواقيت فجعل لكل أجل حداً معيناً، فيكون أصل الكتاب على هذا التفسير بمعنى كله وقاعدته.
ويحتمل أن يكون التعريف في ﴿ الكتاب ﴾ الذي أضيف إليه ﴿ أم ﴾ أصل ما يُكتب، أي يُقدر في علم الله من الحوادث فهو الذي لا يُغيّر، أي يمحو ما يشاء ويثبت في الأخبار من وعد ووعيد، وفي الآثار من ثواب وعقاب، وعنده ثابتُ التقادير كلها غير متغيرة.
والعندية على هذا عندية الاختصاص، أي العلم، فالمعنى: أنه يمحو ما يشاء ويثبت فيما يبلغ إلى الناس وهو يعلم ما ستكون عليه الأشياء وما تستقر عليه، فالله يأمر الناس بالإيمان وهو يعلم مَن سيؤمن منهم ومن لا يؤمن فلا يفجؤه حادث.
ويشمل ذلك نسخَ الأحكام التكليفية فهو يشرعها لمصالح ثم ينسخها لزوال أسباب شرعها وهو في حال شَرْعها يعلم أنها آيلة إلى أن تنسخ.
وقرأ الجمهور ﴿ ويثبّت ﴾ بتشديد الموحدة من ثبّت المضاعف.
وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب ﴿ ويُثْبت ﴾ بسكون المثلثة وتخفيف الموحدة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً ﴾ يَعْنِي بِالأزْواجِ النِّساءَ، وبِالذَّرِّيَّةِ الأوْلادَ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنَّ مَن أرْسَلْناهُ قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ بَشَرٌ لَهم أزْواجٌ وذُرِّيَّةٌ كَسائِرِ البَشَرِ، فَلِمَ أنْكَرُوا رِسالَتَكَ وأنْتَ مِثْلُ مَن قَبْلَكَ.
الثّانِي: أنَّهُ نَهاهُ بِذَلِكَ عَنِ التَّبَتُّلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقِيلَ إنَّ اليَهُودَ عابَتْ عَلى النَّبِيِّ الأزْواجَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلى ذَلِكَ فِيهِمْ يُعَلِّمُهم أنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ قَبْلَهُ.
﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ سَألُوهُ آياتٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في هَذِهِ السُّورَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فِيهِمْ.
﴿ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لِكُلِّ كِتابٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ أجْلٌ.
وَهو مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مَعْناهُ لِكُلِّ أمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ تَعالى كِتابٌ كَتَبَهُ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
الثّالِثُ: لِكُلِّ أجَلٍ مِن آجالِ الخَلْقِ كِتابٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لِكُلِّ عَمَلٍ خَبَرٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ فَيُغَيِّرُهُ إلّا الشَّقاءَ والسَّعادَةَ فَإنَّهُما لا يُغَيَّرانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ في كِتابٍ سِوى أُمِّ الكِتابِ، وهُما كِتابانِ أحَدُهُما: أُمُّ الكِتابِ لا يُغَيِّرُهُ ولا يَمْحُو مِنهُ شَيْئًا كَما أرادَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَنْسَخُ ما يَشاءُ مِن أحْكامِ كِتابِهِ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها فَلا يَنْسَخُهُ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ يَمْحُو مَن قَدْ جاءَ أجْلُهُ ويُثْبِتُ مَن لَمْ يَأْتِ أجْلُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: يَغْفِرُ ما يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ، ويَتْرُكُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
السّادِسُ: أنَّهُ الرَّجُلُ يُقَدِّمُ الطّاعَةَ ثُمَّ يَخْتِمُها بِالمَعْصِيَةِ فَتَمْحُو ما قَدْ سَلَفَ، والرَّجُلُ يُقَدِّمُ المَعْصِيَةَ ثُمَّ يَخْتِمُها بِالطّاعَةِ فَتَمْحُو ما قَدْ سَلَفَ، وهَذا القَوْلُ مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
السّابِعُ: أنَّ الحَفَظَةَ مِنَ المَلائِكَةِ يَرْفَعُونَ جَمِيعَ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، فَيَمْحُو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنها ما لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، ويُثْبِتُ ما فِيهِ الثَّوابُ والعِقابُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: جُمْلَةُ الكِتابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِما خَلَقَ وما هو خالِقٌ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.
الرّابِعُ: هو الذِّكْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ الكِتابُ الَّذِي لا يُبَدَّلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
السّادِسُ: أنَّهُ أصْلُ الكِتابِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ﴾ قال: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فرحوا بكتاب الله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وصدقوا به ﴿ ومن الأحزاب من ينكر بعضه ﴾ يعني اليهود والنصارى والمجوس.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ﴾ قال: هذا من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، يفرحون بذلك.
وقرأ ﴿ ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ﴾ [ يونس: 40] ﴿ ومن الأحزاب من ينكر بعضه ﴾ قال: الأحزاب، الأمم اليهود والنصارى والمجوس، منهم من آمن به، ومنهم من أنكره.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الأحزاب ﴾ قال: من أهل الكتاب ﴿ من ينكر بعضه ﴾ قال: بعض القرآن.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ؛ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإليه مآب ﴾ قال: إليه مصير كل عبد.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما لك من الله من ولي ولا واق ﴾ قال: من أحد يمنعك من عذاب الله تعالى.
وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبتل، وقرأ قتادة رضي الله عنه ﴿ ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعد بن هشام قال: دخلت على عائشة- رضي الله عنها- فقلت: إني أريد أن أتبتل.
قالت: لا تفعل، أما سمعت الله يقول ﴿ ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي، عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح والسواك والختان» .
وأخرجه عبد الرزاق في المصنف بلفظ «الختان والسواك والتعطر والنكاح من سنتي» .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ يقول: لكل كتاب ينزل من السماء أجل فيمحو الله من ذلك ما يشاء ﴿ ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ .
وأخرج ابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد- رضي الله عنه-.
قال: قالت قريش حين أنزل ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرغ من الأمر.
فأنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً لهم ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ويحدث الله تعالى في كل رمضان فيمحو الله ما يشاء ﴿ ويثبت ﴾ من أرزاق الناس ومصائبهم، وما يعطيهم وما يقسم لهم.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: ينزل الله تعالى في كل شهر رمضان إلى سماء الدنيا، يدبر أمر السنة إلى السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء، إلا الشقوة والسعادة، والحياة والممات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ يمحو الله ما يشاء ﴾ هو الرجل، يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلاله، فهو الذي يمحو والذي يثبت، الرجل يعمل بمعصية الله تعالى وقد سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله سبحانه وتعالى.
وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: من أحد الكتابين هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي جملة الكتاب.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء، له دفتان من ياقوت، والدفتان لوحان لله كل يوم ثلاث وستون لحظة يمحو ما يشاء ﴿ ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل فينسخ الذكر في الساعة الأولى منها، ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت.
ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن، وهي داره التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها من بني آدم غير ثلاثة: النبيين والصديقين والشهداء، ثم يقول: طوبى لمن نزلك.
ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا بروحه وملائكته، فتنتفض، فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟
هل من داع فأجيبه؟
حتى يصلي الفجر، وذلك قوله: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ [ الإِسراء: 78] يقول: يشهده الله وملائكة الليل والنهار» .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ إلا الشقوة والسعادة، والحياة والموت» .
وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن مردويه، عن الكلبي رضي الله عنه في الآية قال: «يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه» .
فقيل له: من حدثك بهذا؟
قال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رباب الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: «ذلك كل ليلة القدر، يرفع ويخفض ويرزق، غير الحياة والموت والشقاوة والسعاة، فإن ذلك لا يزول» .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر، عن علي رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال له «لأقرن عينيك بتفسيرها، ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها، وبر الوالدين، واصطناع المعروف؛ يحول الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر.
وأخرج ابن جرير عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال: العاشر من رجب، هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال: لله أمر في كل ليلة العاشر من أشهر الحرام، أما العشر من الأضحى، فيوم النحر.
وأما العشر من المحرم، فيوم عاشوراء.
وأما العشر من رجب، ففيه ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: ونسيت ما قال في ذي القعدة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال وهو يطوف بالبيت: اللهم إن كنت كتبت علي شقاوة أو ذنباً فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي الدنيا في الدعاء، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما دعا عبد قط بهذه الدعوات، إلا وسع الله له في معيشته؛ يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإِكرام، يا ذا الطول، لا إله إلا أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندم في أم الكتاب شقياً فامح عني اسم الشقاء، وأثبتني عندك سعيداً، وإن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب محروماً مقتراً عليّ رزقي، فامح حرماني ويسر رزقي وأثبتني عندك سعيداً موفقاً للخير، فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن السائب بن ملجان من أهل الشام- وكان قد أدرك الصحابة رضي الله عنهم- قال: لما دخل عمر رضي الله عنه الشام، حمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا خطيباً كقيامي فيكم، فأمر بتقوى الله وصلة الرحم وصلاح ذات البين، وقال: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة وإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد.
لا يخلونّ رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما، ومن ساءته سيئته وسرته حسنته، فهو أمارة المسلم المؤمن، وأمارة المنافق الذي لا تسوءه سيئته ولا تسره حسنته، إن عمل خيراً لم يرج من الله في ذلك ثواباً؛ وإن عمل شراً لم يخف من الله في ذلك الشر عقوبة، وأجملوا في طلب الدنيا فإن الله قد تكفل بأرزاقكم، وكلّ سيتم له عمله الذي كان عاملاً، استعينوا الله على أعمالكم، فإنه يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب» صلى الله على نبينا محمد وآله وعليه السلام ورحمة الله، السلام عليكم.
قال البيهقي- رضي الله عنه-: هذه خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الشام، أثرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه والديلمي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان أبو رومي من شر أهل زمانه، وكان لا يدع شيئاً من المحارم إلا ارتكبه.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لئن رأيت أبا رومي في بعض أزقة المدينة، لأضربن عنقه» ؛ وإن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أتاه ضيف له فقال لامرأته: اذهبي إلى أبي رومي فخذي لنا منه بدرهم طعاماً حتى ييسره الله تعالى.
فقالت له: إنك لتبعثني إلى أبي رومي وهو من أفسق أهل المدينة؟!..
فقال: اذهبي، فليس عليك منه بأس إن شاء الله تعالى.
فانطلقت إليه فضربت عليه الباب، فقال: من هذا؟
قالت: فلانة.
قال: ما كنت لنا بزوّارة، ففتح لها الباب فأخذها بكلام رفث ومدّ يده إليها، فأخذها رعدة شديدة.
فقال لها: ما شأنك؟
قالت إن هذا عمل ما عملته قط.
قال أبو رومي: ثكلت أبا رومي أمه، هذا عمل عمله منذ هو صغير لا تأخذه رعدة ولا يبالي، على أبي رومي عهد الله، إن عاد لشيء من هذا أبداً، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مرحباً بأبي رومي، وأخذ يوسع له المكان، وقال له يا أبا رومي، ما عملت البارحة؟
فقال: ما عسى أن أعمل يا نبي الله؟
أنا شر أهل الأرض.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حوّل مكتبك إلى الجنة» فقال: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ .
وأخرج يعقوب بن سفيان وأبو نعيم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أبو رومي من شر أهل زمانه، وكان لا يدع شيئاً من المحارم إلا ارتكبه، فلما غدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من بعيد قال: «مرحباً بأبي رومي، وأخذ يوسع له المكان، فقال: يا أبا رومي، ما عملت البارحة؟
قال: ما عسى أن أعمل يا نبي الله؟
أنا شر أهل الأرض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حول مكتبك إلى الجنة، فقال: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: إن الله ينزل كل شيء يكون في السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء من الآجال والأرزاق والمقادير، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما ثابتان.
وأخرج ابن جرير عن منصور رضي الله عنه قال: سألت مجاهداً رضي الله عنه فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه منهم، واجعله في السعداء؟....
فقال: حسن.
ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك فقال: ﴿ انا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ﴾ [ الدخان: 3 و4] قال: يعني في ليلة القدر، ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء.
فأما كتاب الشقاء والسعادة، فهو ثابت لا يغير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإنهما لا يتغيران.
وأخرج ابن جرير، عن شقيق بن أبي وائل قال: كان مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحنا واكتبنا سعداء؛ وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء، فأثبتني في السعداء؛ وإن كنت كتبتني في الأشقياء، فامحني من الأشقياء وأثبتني في السعداء، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب.
وأخرج ابن جرير عن كعب رضي الله عنه أنه قال لعمر رضي الله عنه يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله، لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة.
قال: وما هي؟
قال: قول الله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في الآية، قال: يقول انسخ ما شئت واصنع في الآجال ما شئت، وإن شئت زدت فيها وإن شئت نقصت ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ قال: جملة الكتاب وعلمه، يعني بذلك ما ينسخ منه وما يثبت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في المدخل، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: يبدل الله ما يشاء من القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب الله تعالى.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: هي مثل قوله: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴾ [ البقرة: 106] وقوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي جملة الكتاب وأصله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: ﴿ يمحو الله ما يشاء ﴾ مما ينزل على الأنبياء ﴿ ويثبت ﴾ ما يشاء مما ينزل على الأنبياء ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ لا يغير ولا يبدل.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ يمحو الله ما يشاء ﴾ قال: ينسخ ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ قال: الذكر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: يمحو الله الآية بالآية ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ قال: أصل الكتاب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ قال: أجل بني آدم في كتاب ﴿ يمحو الله ما يشاء ﴾ قال: من جاء أجله ﴿ ويثبت ﴾ قال: من لم يجيء أجله بعد، فهو يجري إلى أجله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ يمحو الله ﴾ رزق هذا الميت ﴿ ويثبت ﴾ رزق هذا المخلوق الحي.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ قال: يثبت في البطن الشقاء والسعادة، وكل شيء هو كائن، فيقدم منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء.
وأخرج الحاكم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ مخففة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ قال: الذكر.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ عنده أم الكتاب ﴾ قال: الذكر.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن سيار عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه سأل كعباً رضي الله عنه عن أم الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون.
فقال لعلمه: كن كتاباً.
فكان كتاباً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ يقول: عنده الذي لا يبدل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ الآية، المحو (١) وقوله تعالى: ﴿ وَيُثْبِتُ ﴾ قال النحويون (٢) ﴿ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ وقول الشاعر (٣) بأيّ كِتَابٍ أم بأيَّةِ سنةٍ ...
ترى حُبَّهُم عارًا عليَّ وتَحسِبُ فلم يعمل الثاني.
وقوله تعالى: ﴿ وَيُثْبِتُ ﴾ قرئ (٤) ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ فَثَبِّتُوا ﴾ لأن يثبت مطاوع ثبت، واختلفوا في تفسير هذه الآية، فذهب قوم إلى أنها عامة في كل شيء، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وقالوا: إن الله تعالى يمحو من الرزق ويزيد فيه ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة، وهو مذهب عمر (٥) (٦) (٧) ، رواه أبو صالح عن عبد الله بن رئاب (٨) (٩) وهذا قول ابن عباس (١٠) أنه قال: " ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ إلا الشقاوة والسعادة، والموت" (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال ابن عباس (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقال آخرون: هذا المحو والإثبات في الآجال والأرزاق إذا ولد الإنسان أثبت أجله ورزقه، وإذا مات محيا.
وهذا (١٩) (٢٠) (٢١) وقال سعيد بيت جبير (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ﴾ من صفة النكرة التي هي قوله: ﴿ كِتَابٌ ﴾ على تقدير: لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء من ذلك الكتاب ويثبت، والراجع إلى النكرة محذوف.
فإن قيل: ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف به القلم؟
وليس الأمر بأنف؟
وكيف يستقيم مع هذا المحو والإثبات أيضًا مما جف به القلم؟
فلا يمحو إلا ما سبق في حكمه وقضائه محوه، وهذا معنى قوله: ﴿ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ قال ابن عباس (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وهل يمحى من أم الكتاب أم لا؟
يدل قول بعض المفسرين على أنه لا يمحى منه، فقد قال عكرمة عن ابن عباس (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) قال: "إن الله سبحانه في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في أم الكتاب الذي لا نظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" (٣٤) (١) "تهذيب اللغة" (محا) 4/ 3347.
(٢) "الحجة" 5/ 20.
(٣) هو الكميت يمدح آل البيت، انظر: "المحتسب" 1/ 183، و"الخزانة" 4/ 5، و"العين" 2/ 413، و"الهمع" 1/ 152، و"الدرر" 1/ 134، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (692)، و"المقاصد النحوية" 2/ 413.
(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ﴿ وَيُثْبِتُ ﴾ ساكنه الثاء خفيفة الباء "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (692)، و"المقاصد النحوية" 2/ 413، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ وَيُثَبِّت ﴾ مفتوحة الثاء مشددة الباء.
انظر: "السبعة" ص 359، و"إتحاف" ص 270، و"زاد المسير" 4/ 337، والقرطبي 9/ 329.
(٥) الطبري 13/ 167، 168، وعبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 132، الثعلبي 7/ 141 أ، و"زاد المسير" 4/ 337، والقرطبي 9/ 330، و"تفسير كتاب الله العزيز" 20/ 314.
(٦) الطبري 13/ 168، وابن أبي شيبة في "المصنف"، وابن أبي الدنيا في "الدعاء" كما في "الدر"، وابن المنذر والطبراني كما في "الدر" 4/ 123، والثعلبي 7/ 141 أ، و"زاد المسير" 4/ 337، والقرطبي 9/ 330.
(٧) الطبري 13/ 167، الثعلبي 7/ 141، و"زاد المسير" 4/ 337، القرطبي 9/ 330.
(٨) هو: عبد الله بن رياب، قال ابن فتحون في "أوهام الاستيعاب" عن ابن علي حسن ابن خلف أنه أحد السبعة أو الثمانية السابقين من الأنصار إلى الإسلام.
انظر: "الإصابة" 2/ 307.
(٩) الطبري 13/ 168 من طريق الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري عن النبي ، وعلق أحمد شاكر بقوله: محمد بن السائب الكلبي النسابة المفسر، متكلم فيه بما لا يحتمل الرواية عنه.
وهذا الخبر أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" مختصرًا 3/ 3/ 114، وخرجه السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 123، و"زاد نسبته" إلى ابن مردويه، ونقله ابن كثير في "تفسيره" 2/ 570.
وفي الثعلبي 7/ 140 ب، بالسند الذي ذكره الطبري خلافًا لما في المتن -هنا- حيث قال أبو صالح عن عبد الله بن رئاب عن جابر.
وانظر: "الدر المنثور" 4/ 123.
(١٠) الطبري 13/ 168.
(١١) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 127: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه محمد بن جابر اليمامي، وهو ضعيف من غير تعمد كذب، وقال السيوطي في "الدر" 4/ 123، أخرجه الطبراني في "الأوسط" وابن مردويه بسند ضعيف، وأخرجه الثعلبي بسنده 7/ 140 ب.
وروي عن ابن عباس ومجاهد نحوه كما سيأتي.
(١٢) الثعلبي 7/ 140 ب، القرطبي 9/ 329، وقد روى عن ابن عباس استثناء الشقاوة والسعادة والحياة والموت فقط.
انظر: الطبري 13/ 166، 167، و"زاد المسير" 4/ 337.
(١٣) الطبري 13/ 166، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 125، و"زاد المسير" 4/ 338، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 313.
(١٤) في (ب): زيادة واو (ولا يغيران).
(١٥) "زاد المسير" 4/ 338، و"تنوير المقباس" ص 159، والثعلبي 7/ 140 ب.
(١٦) "معاني القرآن" 2/ 66.
(١٧) "زاد المسير" 4/ 338، الثعلبي 7/ 140 ب، القرطبي 9/ 331.
(١٨) الطبري 13/ 168، الثعلبي 7/ 141 أ، "زاد المسير" 4/ 338، القرطبي 9/ 331.
(١٩) في (أ)، (ب): (وهو).
(٢٠) الطبري 13/ 189، وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 126، والثعلبي 7/ 141 ب، و"زاد المسير" 4/ 338، والقرطبي 9/ 332، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 313، 314.
(٢١) الثعلبي 7/ 141 ب.
(٢٢) الثعلبي 7/ 141 ب، القرطبي 9/ 331.
(٢٣) الطبري 13/ 168، الثعلبي 7/ 141 ب، القرطبي 9/ 331.
(٢٤) "الحجة" 5/ 21.
(٢٥) الطبرى 13/ 170، والثعلبي 7/ 140 ب، و"زاد المسير" 4/ 339، و"تفسيركتاب الله العزيز" 2/ 314.
(٢٦) الطبري 13/ 170، عبد الرزاق 2/ 338، ابن كثير 2/ 571،"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 314.
(٢٧) في (أ)، (ج): (لعكومه).
هكذا بالجمع في الروايات وعند عبد الرزاق 2/ 338 من رواية ابن عباس عن كعب (..
ثم قال لعلمه: كن كتابًا فكان كتابًا).
(٢٨) في (ب): بالواو (يمحى ويثبت).
(٢٩) في (ب): (ولا يمحى).
(٣٠) الطبري 13/ 167، 169، ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه كما في "الدر" 4/ 660، والثعلبي 7/ 140 ب، و"زاد المسير" 4/ 339، والقرطبي 9/ 329.
(٣١) الطبري 13/ 169.
(٣٢) الطبري 13/ 168، و"الدر" 4/ 125.
(٣٣) الطبري 13/ 169.
(٣٤) الطبري 13/ 170، وعلق عليه أحمد شاكر: منكر، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني كما في "الدر" 4/ 122، ابن كثير 2/ 570، الثعلبي 7/ 142 أ.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 154، 155: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" و"البزار" بنحوه، وفيه زيادة بن محمد الأنصاري وهو منكر الحديث.
اهـ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ ﴾ وقيل: يعني ينسخ ما يشاء من القرآن والأحكام، ويثبت منها ما يشاء، وقيل: هي في آجال بني آدم، وذلك أن الله تعالى قدر في ليلة القدر، وقيل: في ليلة النصف من شعبان بكتب أجل من يموت في ذلك العام، فيمحوه من ديوان الأحياء، ويثبت من لا يموت في ذلك العام، وقيل: إن المحو والإثبات على العموم في جميع الأشياء، وهذا تردّه القاعدة المتقررة أن القضاء لا يبدل، وأن علم الله لا يتغير، فقال بعضهم: المحو الإثبات في كل شيء إلا في السعادة والشقاوة الأخروية، والآجال ﴿ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب ﴾ أصل كل كتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الأشياء كلها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ متابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ و ﴿ مآبي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ بل زين ﴾ ونحوه بالإدغام: علي وهشام ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد وكذا في "حم المؤمن": عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب.
الباقون بفتحها.
﴿ ويثبت ﴾ مخففاً من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.
الآخرون بالتشديد من التثبيت ﴿ الكافر لمن ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير.
الباقون ﴿ الكفار ﴾ على الجمع.
الوقوف: ﴿ بالرحمن ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل: ﴿ متاب ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط لأن جواب "لو" محذوف أي لكان هذا القرآن.
﴿ جميعاً ﴾ ط في الموضعين ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أخذتهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ بما كسبت ﴾ ج لحق الخبر المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: ﴿ وجعلوا ﴾ يصلح استئنافاً أو حالاً بإضمار "قد" ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ سموهم ﴾ ط لحق الاستفهام ﴿ من القول ﴾ ط ﴿ عن السبيل ﴾ ه ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ أشق ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية ﴿ واق ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصول وجه يذكر في التفسير.
﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وظلها ﴾ ط ﴿ اتقوا ﴾ ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان الحالين أدل على الانتباه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ بعضه ﴾ ط ﴿ ولا أشرك به ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عربياً ﴾ ط ﴿ العلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب.
﴿ واق ﴾ ه ﴿ وذرية ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ كتاب ﴾ ه ﴿ ويثبت ﴾ ج والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام ﴿ الكتاب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ أطرافها ﴾ ط ﴿ لحكمه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ كل نفس ﴾ ط ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ مرسلاً ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط للعطف ﴿ الكتاب ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس والحسن ﴿ أرسلناك ﴾ كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتباً تتلى عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلم اقترحوا غيره؟
وقال في الكشاف: معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات.
ثم فسر كيف أرسله فقال: ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء.
ثم ذكر مقصود الإرسال فقال ﴿ لتتلو ﴾ أي لتقرأ ﴿ عليهم ﴾ الكتاب العظيم ﴿ الذي أوحينا إليك وهم يكفرون ﴾ وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿ بالرحمن ﴾ للمفسيرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم.
وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي : اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟
فقيل للنبي : ﴿ قل ﴾ لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته ﴿ هو ربي لا إله إلا هو ﴾ الواحد القهار المتعالي عن الشركاء.
﴿ عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿ وإليه متاب ﴾ رجوعي فيثيبني على مصابرتكم.
وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله لعلي : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.
فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب باسمك اللَّهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.
فأنزل الله الآية.
فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجهاً على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على غير الله لا على جحودهم أو إِشراكهم.
روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم - كأبي جهل وعبد الله بن أمية المخزومي - سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ عن مقارها وأزيلت عن مراكزها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي وقع به السير في البلاد فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً ﴿ أو كلم به الموتى ﴾ بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن.
قال الراوي: لما سري عن رسول الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فاخترت باب الرحمة.
وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ﴾ الآية.
وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن القرآن.
ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ﴿ ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً ﴾ ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن.
وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ﴾ وما بينهما اعتراض.
ثم قال رداً عليهم ﴿ بل لله الأمر جميعاً ﴾ قال أهل السنة: يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه.
وقالت المعتزلة: له القدرة على الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهار مفسدة يصرفه، أوله أن يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار.
قالوا: ويعضده قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ﴾ مشيئة الإلجاء ﴿ لهدى الناس جميعاً ﴾ أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين.
أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف الظاهر.
ومعنى ﴿ أفلم ييأس ﴾ أفلم يعلم.
وهذا لغة قوم من النخع.
وقال الزجاج: إنه مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي وابن عباس وجماعة ﴿ أفلم يتبين ﴾ وهو تفسير ﴿ أفلم ييأس ﴾ .
وقيل: إن قراءتهم أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات.
وهذا القول سخيف جداً والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه والله فرية ما فيها مرية.
وجوز أن يتعلق ﴿ أن لو يشاء ﴾ بـ ﴿ آمنوا ﴾ معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.
ثم أوعد الكافرين بقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا ﴾ يعني عامة الكفار ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم وسوء أعمالهم ﴿ قارعة ﴾ داهية تقرعهم من السبي والقتل ﴿ أو تحل ﴾ القارعة ﴿ قريباً من دارهم ﴾ فيتطاير إليهم شررها.
﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة.
وقيل: خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله لا يزال يبعث السرايا حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: ﴿ أو تحل ﴾ خطاباً أي تحل أنت يا محد قريباً من دراهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموماً وخصوصاً وكان كما وعد وكان معجزاً ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد ﴾ قد مر البحث في أول سورة آل عمران ثم ازداد في الوعيد فقال: ﴿ ولقد استهزىء ﴾ الآية.
والإملاء الإمهال وقد مر هناك.
والاستفهام في قوله: ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ للتقرير والتهديد.
ثم أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ﴾ ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك.
وجوز في الكشاف أن يقدر الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له شركاء فيكون قوله: "لله" من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: ﴿ وجعلوا لله ﴾ للحال ويضمر للمبتدأ خبر يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له ﴿ شركاء ﴾ فأقيم الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريراً للإلهية وتصريحاً بها وإنه هو الذي يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي.
ثم زاد في المحاجة فقال: ﴿ قل سموهم ﴾ أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه بأسمائهم.
وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسماً فافعل.
وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد.
قال في الكشاف: "أم" في قوله ﴿ أم تنبئونه ﴾ منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف.
أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجوداً وهو أرضيّ لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ وقد مر في أول "يونس".
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أم بظاهر من القول ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من غير أن يكون له حقيقة كقوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ وهذا الاحتجاج من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فللَّه در شأن التنزيل.
ثم بين سوء طريقتهم فقال: ﴿ بل للذين كفروا مكرهم ﴾ قال الواحدي: معنى "بل" ههنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا.
والكلام في أن المزين هو الله أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، وكذا البحث فيمن قرأ ﴿ وصدوا ﴾ بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم، والخلاف في قوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد فقال: ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب والأمراض لأنها قد تصيب المؤمنين أيضاً، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ﴿ ولعذاب الآخرة أشق ﴾ لأنه أشد وأدوم ﴿ وما لهم من الله ﴾ أي من عذابه ﴿ من واق ﴾ من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع رحمته منهم باختياره وحكمه.
ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ مثل الجنة ﴾ وتقديره عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة.
وقال غيره: الخبر ﴿ تجري ﴾ كما تقول صفة زيد أسمر.
وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار.
وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: ﴿ أكلها دائم ﴾ كأنه قال مثل الجنة ﴿ التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ﴾ كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه ﴿ أكلها دائم ﴾ كقوله: ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ ﴿ وظلها ﴾ دائم أيضاً.
والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: ﴿ وندخله ظلاً ظليلاً ﴾ قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه.
قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله : ﴿ كل من عليها فان ﴾ ، { ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حياً من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة.
وأجيب بأننا نخصص عموم كل شيء هالك بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ .
ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين ﴿ يفرحون بما أنزل إليك ﴾ من الشرائع والعلوم ﴿ ومن الأحزاب ﴾ الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم.
وإنما أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره قاله الحسن وقتادة.
واعترض عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره.
ويمكن أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة.
وقيل: الكتاب التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: أراد أن اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر الكفرة من ينكر بعضه.
واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل رسولنا.
وقوله: ﴿ بما أنزل ﴾ يفيد العموم.
وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص.
ثم لما بين عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: ﴿ قال إنما أمرت أن أعبد الله ﴾ ما أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية.
ثم ذكر أنه مع كماله مكمل فقال: ﴿ إليه أدعو ﴾ خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره كائناً من كان.
ثم ختم بذكر المعاد فقال: ﴿ وإليه أدعو ﴾ لا مرجع لي إلا إليه.
ومن تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط والمعاد.
ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ الضمير يعود إلى ما في قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ أو إلى القرآن في قوله: ﴿ ولو أن قرآنا ﴾ ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك أنزلنا إليك هذا القرآن.
وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار الجزاء ﴿ حكماً عربياً ﴾ نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب.
وقيل: سمي حكماً لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على أصول الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة.
روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله إلى أمور ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعدما حوله الله عنها فأوعد على ذلك.
وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل سورة البقرة.
قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله وقالت: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح.
ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله : ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.
وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ﴾ ولا بد لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد مفوض إلى مشيئته ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه.
وقيل: هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين.
والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي التكاليف فنزل: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ أي يثبته فاستغنى بالصريح عن الكناية.
والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها.
وفي الآية قولان: الأول أنها عامة وأنه يمحو من الرزق ويزيد فيه كذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر عن رسول الله .
والذاهبون إليه يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن كانوا أشقياء وهذا لا ينافي قوله: "جف القلم" لأن المحو والإثبات أيضاً من جملة ما قضى به.
الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ في "البقرة" في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ وقيل: يمحو من دويان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره.
واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله { ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها ﴾ وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب وكبائرها.
ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول المباحات أيضاً.
وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها الحسنة كقوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ .
وقيل: يثبت في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر للمستقبل.
وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.
أما قوله: ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ.
عن النبي : "كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة" فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات.
روى أبو الدرداء عن النبي : "إن الله في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء" .
وقيل: هو علم الله المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع.
ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: ﴿ وإما نرينك ﴾ يعني كيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا.
والبلاغ بمعنى التبليغ كالسلام والكلام.
ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ظهرت وقربت وأن تباشير الظفر قد طلعت ولاحت فقال: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ﴿ ننقصها من أطرافها ﴾ والأرض أرض مكة كان المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علواً، فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويزيد في بلاد الإسلام.
ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها وعلمائهاوصلحائها.
قال الواحدي.
الأليق بالمقام هو القول الأول.
وقد يوجه الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ والله يحكم ﴾ ومحل ﴿ لا معقب لحكمه ﴾ نصب على الحال والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه.
﴿ وهو سريع الحساب ﴾ عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم في الدنيا ثم في الآخرة.
ثم سلى نبيه بقوله: ﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى.
﴿ فللَّه المكر جميعاً ﴾ .
قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره.
وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره.
وقيل: أراد فللَّهَ جزاء مكر الماكرين.
قال الواحدي: والقول الأوّل أظهر بدليل قوله: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله وخلاف معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه.
وناقضت المعتزلة بأنه أثبت لكل نفس كسباً فدل على أنه مقدور العبد.
وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا هو مجموع القدرة والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد.
ثم ختم الآية بوعيد آخر إجمالي فقال: ﴿ وسيعلم الكفار ﴾ من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الواحدة فالمراد الجنس.
وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل.
وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون.
ثم ذكر حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً ﴾ والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق دعواه ولا شهادة أعلى من هذه الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته.
ثم عطف على اسم الله قوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانية واشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر.
فمن علم هذا الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي حق ورسول صدق.
وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح المحفوظ.
والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيداً.
ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على من الجارة.
واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه.
وقيل: المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري لأنهم يشهدون بنعمته في كتبهم.
والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز.
وقال الزجاج: الأشبه أن الله لا يستشهد على صحة حكمه بغيره.
وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله.
وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده.
التأويل: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً ﴾ ولذلك أمر بأن يقول في الجواب: ﴿ هو ربي ﴾ الذي رباني ﴿ لا إله إلا هو ﴾ لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي ﴿ سيرت به ﴾ جبال النفوس ﴿ أو قطعت به ﴾ أرض البشرية ﴿ أو كلم به ﴾ القلوب الميتة بتلاوته عليهم ﴿ تصيبهم بما صنعوا ﴾ من كفرهم بالرحمن ﴿ قارعة ﴾ من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر عنهم موجبة للشقاوة ﴿ أو تحل قريباً من دراهم ﴾ قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ممن يصحبهم: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** ﴿ حتى يأتي وعد الله ﴾ يدرك الشقاء الأزلي.
ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ﴿ ثم أخذتهم ﴾ أي أمسكتهم لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة ﴿ لهم عذاب في الحياة الدنيا ﴾ بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات ﴿ أكلها دائم ﴾ هي مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال ﴿ وظلها ﴾ أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم التابعة لشمس وجودهم على الدوام ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم السر والروح والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ﴿ ومن الأحزاب ﴾ النفس والهوى والقوى ﴿ من ينكر بعضه ﴾ لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ﴿ ولئن اتبعت أهواء ﴾ المخالفين بالشرك في الطلب ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ﴿ وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ﴾ فيه أن ارسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية قلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله في ذلك على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام ﴾ ﴿ يمحوا الله ما يشاء ﴾ لأهل السعادة من أفاعيل أهل الشقاوة ﴿ ويثبت ﴾ لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة ﴿ وعنده أم الكتاب ﴾ الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين ﴿ وإما نرينك ﴾ بالكشف بعض مقاماتهم كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار.
﴿ أنا نأتي الأرض ﴾ أرض البشرية فننقص منا بالازدياد في الأوصاف الروحانية.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: نزل هذا وذلك: أن اليهود عيروا رسول الله، وطعنوا في كثرة النساء والأولاد؛ [وقالوا: لو كان نبيّاً على ما يزعم لكان لا يمتع بالنساء؛ ولا يطلب الأولاد] كما يفعله غيره؛ وكانت النبوة تشغله عن ذلك.
فأنزل الله : ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا...
﴾ الآية، أي: الاستمتاع بالنساء واستكثاره [منهن] - لم يمنع عن الاختصاص بالنبوة والرسالة، على ما لم يمنع غيره من الرسل الذين كانوا من قبله.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: لا يملكون إنزال الآيات من أنفسهم؛ إنما يتولى الله إنزالها إذا شاء ذلك؛ وهو كقول عيسى؛ حيث قال: ﴿ وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ...
﴾ الآية [آل عمران: 49] أخبر أن ما يأتي من الآيات إنما يأتيها بإذن الله وبأمره؛ لا من نفسه.
يحتمل أن يكون جواب ما ذكر أهل التأويل، وجواب غير ذلك أيضاً؛ وهو طعنهم الرسل بالأكل والشرب والمشي في الأسواق، وسؤالهم الآيات التي سألوهم، وجواب إنكارهم الرسل من البشر يقول: لست أنت بأول رسول طعنت بما طعنك به قومك؛ ولكن كان قبلك رسل طعن قومهم بما طعن به قومك؛ وسألوهم من الآيات من سأل به قومك؛ فلم يكن ذلك لهم عذراً في رد ما ردّوا وترك ما تركوا؛ بل نزل بهم العذاب، فعلى ذلك قومك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ .
اختلف فيه: قال قائلون: لكل كتاب أجل؛ وهي: الكتب التي أنزلت على الرسل؛ يعمل بها إلى وقت؛ ثم تنسخ أو يترك العمل بها.
وقال قائلون: هو ما قال: لكل أجل كتاب؛ أي: لكل ذي أجل أجله؛ إلى وقت انقضائه؛ ليس يراد به الكتابة باليد؛ ولكن الإثبات؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ ﴾ أي: أثبت؛ ليس أن كتب هنالك باليد، فعلى ذلك قوله: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ أي: إثبات إلى وقت.
ويحتمل قوله: لكل كتاب أجل؛ أي: لكل ما كتب له الأجل؛ وجعل له الوقت؛ من العذاب ينزل بالمعاندين والنصر للرسل؛ فإنه لا يكون قبل ذلك الوقت، ولا يتأخر أيضاً عن ذلك الوقت؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً...
﴾ الآية [الأعراف: 34].
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ﴾ .
قال قائلون: قوله: ﴿ يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ المحو - هاهنا -: أن أنشأه في الابتداء بمحو؛ ليس على أن كان مثبتاً فمحاه، ولكن أنشأه هكذا ممحوّاً؛ وهو كقوله: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ ﴾ ليس أنه كان منشأ كذا ثم محي؛ ولكن أنشأه في [الابتداء ممحوّاً]، وكقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ ليس أنها كانت موضوعة [ثم رفعها]؛ ولكن أنشأها مرتفعة كما هي، فعلى ذلك هذا.
ثم يحتمل ذلك الأعمال التي كانت معفوّة في الأصل؛ من [نحو] أعمال الصبيان؛ والأعمال التي لا جزاء عليها.
وقال قائلون: على إحداث محو؛ ثم هو يحتمل وجوهاً: [يحتمل:] ما ينسخ من الأحكام - فهو على محو الحكم به؛ والعمل ليس على محو نفسه؛ ﴿ وَيُثْبِتُ ﴾ : وهو ما لا ينسخ؛ ولا يترك العمل به والحكم.
ويحتمل المحو: محو الأحوال؛ وهو ما ينقل ويحول من حال إلى حال؛ من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، يحوله وينقله من حال إلى حال أخرى؛ فذلك هو المحو.
ويحتمل المحو - أيضاً -: هو ما يختم به العمر؛ السعادة أو الشقاء: إذا كان كافراً ثم أسلم في آخر عمره - محيت الأعمال التي [كانت له] في حال كفره؛ فأبدلت حسنات، وإذا كان مسلماً ثم ختم بالكفر - محيت أعماله التي كانت له من الصالحات، فلم ينتفعوا بها.
أو أن يكون ما ذكر من المحو والإثبات: هو ما يكتب الحفظة من الأعمال والأفعال يمحي عنها ما لا جزاء لها ولا ثواب؛ ويبقى ما له الجزاء والثواب ويترك مكتوباً كما هو.
أو يكون للخلق مقاصد في أفعالهم؛ والحفظة لا يطّلعون على مقاصدهم؛ فيكتبون هم ما هو في الحقيقة حسنة؛ لقصده سيئة؛ على ظاهر ما عمل، أو حسنة في الظاهر؛ وهو في الحقيقة سيئة؛ فيغير ذلك؛ فيجعل ما هو في الحقيقة شر وفي الظاهر خير - شرّاً بالقصد، وما هو في الحقيقة خير وفي الظاهر شر - خيراً.
أو [أن] يكون في كتابة الحفظة لكنه من وجه آخر؛ وهو أن الحفظة يكتبون الأعمال؛ ثم يعارض ذلك بما في اللوح المحفوظ؛ فمحى من كتابة الحفظة من الزيادة؛ ويثبت فيها ما كان فيه من النقصان.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ .
هذا يحتمل: عنده الذي يعارض به كتب الملائكة.
ويحتمل: وعنده أُمّ الكتاب الذي يستنسخ منه الكتب التي أنزلت على الأنبياء والرسل؛ وهو [في] اللوح المحفوظ.
وفيه دلالة أن اختلاف الألسن لا يوجب تغيير المعنى؛ لأنه لا يدري أن تلك الكتب في اللوح بأي لسان هي، ثم أنزل منه كل كتاب على لسان الرسول الذي نزل عليه، وكذلك الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم؛ لا يحتمل أن يكتبوا بلسان الخلق؛ لأنه يظهر لو كانوا يكتبون بلسان هؤلاء؛ فدل أنهم إنما يكتبون بلسان أنفسهم، فهذا كله يدل أن اختلاف اللسان لا يوجب اختلاف المعنى.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ﴾ .
كأنه صلوات الله وسلامه عليه طمع أو سأله أن يريه جميع ما وعد [له]؛ من إنزال العذاب عليهم، وأنواع ما وعد؛ فقال: إن شئنا نريك بعض ما وعدناهم، وإن شئنا نتوفاك ولم نرك؛ فإنما عليك البلاغ؛ أي: ليس لك من الأمر شيء؛ أي: ليس إليك هذا إنما عليك البلاغ؛ وهو كقوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ...
﴾ الآية [آل عمران: 128] إنما عليك كذا؛ فيخرج مخرج العتاب والتوبيخ؛ ليس مخرج الوعد والعدة؛ إذ قوله: ذا، وذا، بحرف شك [ولا يجوز أن يضاف إليه ذلك.
وقوله: ﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ هذا في الظاهر حرف شك]، فهو يخرج على الوعد أو على النهي عن سؤال كان من رسول الله : فإن كان على النهي - فكأنه نهاه أن يسأل إنزال العذاب عليهم؛ يقول: إن شئنا أنزلنا وإن شئنا لم ننزل، وإن كان على الوعد؛ يقول: نريك بعض ما وعدنا؛ ولا نريك كله، وإلا ظاهره حرف شك.
وقوله: ﴿ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ﴾ يحتمل حساب ما وعد وجزاءه، ويحتمل الحساب المعروف؛ الذي يحاسبهم يوم القيامة.
والله أعلم.
[أي: لا يتركهم هملاً سدى، أو قوله: ﴿ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ﴾ أي: إلينا الحساب، أو لنا الحساب، وذلك جائز في اللغة].
<div class="verse-tafsir"
يزيل الله ما يشاء إزالته من خير أو شر أو سعادة أو شقاء وغيرها، ويثبت ما يشاء منها، وعنده اللوح المحفوظ، فهو مرجع كل ذلك، وما يظهر من محو أو إثبات مطابق لما هو فيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.6ZVzA"