الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٢٠٩ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 55 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠٩ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال الله تعالى مخبرا عن عدله في خلقه : أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم ، والإنذار لهم وبعثة الرسل إليهم وقيام الحجج عليهم ; ولهذا قال : ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون .
ذكرى وما كنا ظالمين ) كما قال تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [ الإسراء : 15 ] ، وقال تعالى : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا [ وما كنا مهلكي القرى إلا ] وأهلها ظالمون ) [ القصص : 59 ] .
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى) قال: الرسل.
قال ابن جُرَيج: و قوله: (ذِكْرَى) قال: الرسل.
قوله: (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) يقول: وما كنا ظالميهم في تعذيبناهم وإهلاكهم, لأنا إنما أهلكناهم, إذ عتوا علينا, وكفروا نعمتنا, وعبدوا غيرنا بعد الإعذار عليهم والإنذار, ومتابعة الحجج عليهم بأن ذلك لا ينبغي أن يفعلوه, فأبوا إلا التمادي في الغيّ.
" ذكرى " قال الكسائي : " ذكرى " في موضع نصب على الحال .
النحاس : وهذا لا يحصل ، والقول فيه قول الفراء وأبي إسحاق أنها في موضع نصب على المصدر ; قال الفراء : أي يذكرون ذكرى ; وهذا قول صحيح ; لأن معنى إلا لها منذرون إلا لها مذكرون .
و ( ذكرى ) لا يتبين فيه الإعراب ; لأن فيها ألفا مقصورة .
ويجوز " ذكرى " بالتنوين ، ويجوز أن يكون ( ذكرى ) في موضع رفع على إضمار مبتدأ .
قال أبو إسحاق : أي إنذارنا ذكرى .
وقال الفراء : أي ذلك ذكرى ، وتلك ذكرى .
وقال ابن الأنباري قال بعض المفسرين : ليس في ( الشعراء ) وقف تام إلا قوله إلا لها منذرون وهذا عندنا وقف حسن ; ثم يبتدئ " ذكرى " على معنى هي ذكرى أي يذكرهم ذكرى ، والوقف على " ذكرى " أجود .
وما كنا ظالمين في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم .
( ذِكْرَى ) لهم وإقامة حجة عليهم.
( وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ) فنهلك القرى, قبل أن ننذرهم, ونأخذهم وهم غافلون عن النذر, كما قال تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ .
( ذكرى ) محلها نصب ، أي : ينذرونهم ، تذكرة ، وقيل : رفع أي : تلك ذكرى ( وما كنا ظالمين ) في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم .
«ذكرى» عظة لهم «وما كنا ظالمين» في إهلاكهم بعد إنذارهم ونزل ردا لقول المشركين.
وما أهلكنا مِن قرية من القرى في الأمم جميعًا، إلا بعد أن نرسل إليهم رسلا ينذرونهم، تذكرة لهم وتنبيهًا على ما فيه نجاتهم، وما كنا ظالمين فنعذب أمة قبل أن نرسل إليها رسولا.
وقوله : ( ذكرى ) مفعول لأجله ، فيكون المعنى : لقد اقتضت سنتنا وعدالتنا ، أننا لا نهلك قرية من القرى الظالم أهلها ، إلا بعد أن نرسل فى أهل تلك القرى رسلا منذرين ، لكى يذكروهم بالدين الحق .
.
.
وليس من شأننا أن نكون ظالمين لأحد ، بل من شأننا العدالة والإنصاف ، وتقديم النصيحة والإرشاد والإنذار للفاسقين عن أمرنا ، قبل أن ننزل بهم عذابنا .وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً ) وقوله - سبحانه - : ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ).
اعلم أنه تعالى لما بين أنهم لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، وأنه يأتيهم العذاب بغتة أتبعه بما يكون منهم عند ذلك على وجه الحسرة فقال: ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ كما يستغيث المرء عند تعذر الخلاص، لأنهم يعلمون في الآخرة أن لا ملجأ، لكنهم يذكرون ذلك استرواحاً.
فأما قوله تعالى: ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ فالمراد أنه تعالى بين أنهم كانوا في الدنيا يستعجلون العذاب، مع أن حالهم عند نزول العذاب طلب النظرة ليعرف تفاوت الطريقين فيعتبر به، ثم بين تعالى أن استعجال العذاب على وجه التكذيب إنما يقع منهم ليتمتعوا في الدنيا، إلا أن ذلك جهل، وذلك لأن مدة التمتع في الدنيا متناهية قليلة، ومدة العذاب الذي يحصل بعد ذلك غير متناهية، وليس في العقل ترجيح لذات متناهية قليلة على آلام غير متناهية، وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف، فقال له عظني، فلم يزد على تلاوة هذه الآية، فقال ميمون: لقد وعظت فأبلغت، وقرئ ﴿ يُمَتَّعُونَ ﴾ بالتخفيف، ثم بين أنه لم يهلك قرية إلا وهناك نذير يقيم عليهم الحجة.
أما قوله تعالى: ﴿ ذِكْرِى ﴾ فقال صاحب الكشاف: ذكرى منصوبة بمعنى تذكرة، إما لأن أنذر وذكر متقاربان، فكأنه قيل مذكرون تذكرة، وإما لأنها حال من الضمير في ﴿ مُنذِرُونَ ﴾ ، أي ينذرونهم ذوي تذكرة، وإما لأنها مفعول له على معنى أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة، أو مرفوعة عل أنها خبر مبتدأ محذوف بمعنى هذه ذكرى، والجملة اعتراضية أو صفة بمعنى منذرون ذوو ذكرى، وجعلوا ذكرى لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها، ووجه آخر وهو أن يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولاً له، والمعنى وما أهلكنا من أهل قرية قوم ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم، ﴿ وَمَا كُنَّا ظالمين ﴾ فنهلك قوماً غير ظالمين، وهذا الوجه عليه المعول، فإن قلت كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا، ولم تعزل عنه في قوله: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ ﴾ قلت: الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُنذِرُونَ ﴾ رسل ينذرونهم ﴿ ذِكْرِى ﴾ منصوبة بمعنى تذكرة.
إمّا لأنّ (أنذر، وذكر) متقاربان، فكأنه قيل: مذكرون تذكرة.
وإمّا لأنها حال من الضمير في ﴿ منذرون ﴾ أي، ينذرونهم ذوي تذكرة.
وإمّا لأنها مفعول له؛ على معنى: أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة.
أو مرفوعة على أنها خبر مبتدأ محذوف، بمعنى: هذه ذكرى.
والجملة اعتراضية.
أو صفة بمعنى: منذرون ذوو ذكرى.
أو جعلوا ذكرى لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها.
ووجه آخر؛ وهو أن يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولاً له.
والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعدما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم، ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصوا مثل عصيانهم ﴿ وَمَا كُنَّا ظالمين ﴾ فنهلك قوماً غير ظالمين.
وهذا الوجه عليه المعوّل.
فإن قلت: كيف عزلت الواو عن الجملة بعد (إلا) ولم تعزل عنها في قوله: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ ﴾ [الحجر: 4] ؟
قلت: الأصل: عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله: ﴿ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ [الكهف: 22] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ ﴾ أنْذَرُوا أهْلَها إلْزامًا لِلْحُجَّةِ.
﴿ ذِكْرى ﴾ تَذْكِرَةً ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى العِلَّةِ أوِ المَصْدَرِ لِأنَّها في مَعْنى الإنْذارِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةُ ﴿ مُنْذِرُونَ ﴾ بِإضْمارِ ذَوُو، أوْ بِجَعْلِهِمْ ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ، أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ.
﴿ وَما كُنّا ظالِمِينَ ﴾ فَنُهْلِكُ غَيْرَ الظّالِمِينَ، أوْ قَبْلَ الإنْذارِ.
<div class="verse-tafsir"
{ذِكْرِى} منصوبة بمعنى تذكرة لأن أنذر وأذكر متقاربان فكأنه قيل مذكرون تذكرة أو حال من الضمير فى منذرون أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو مفعول له أي ينذرون لأجل التذكرة والموعظة أو المرفوعة على أنها خبر مبتدأ محذوف بمعنى هذه ذكرى والجملة اعتراضية أو صفة بمعنى منذرون ذوو ذكرى أو تكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولاً له والمعنى وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم {وَمَا كُنَّا ظالمين} فنهلك قوماً غير ظالمين
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِكْرى ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ مُنْذِرُونَ ﴾ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الزَّجّاجِ، فَعَلى الحالِ إمّا أنْ يُقَدَّرَ (ذَوِي ذِكْرى) أوْ يُقَدَّرَ (مُذَكِّرِينَ) أوْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ اعْتِبارًا لِلْمُبالَغَةِ، وعَلى المَصْدَرِ فالعامِلُ ﴿ مُنْذِرُونَ ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى مُذَكِّرُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ ذِكْرى، أيْ تَذْكِرَةً.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى (هَذِهِ ذِكْرى) والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى (مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى أوْ مُذَكِّرِينَ) أوْ جُعِلُوا نَفْسَ الذِّكْرى مُبالَغَةً لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها.
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ(أهْلَكْنا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: ما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ ظالِمِينَ إلّا بَعْدَما ألْزَمْناهُمُ الحُجَّةَ بِإرْسال المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ، فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الوَجْهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وبُيِّنَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ: لِأنَّهُ وعِيدٌ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ، وبِأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُجْعَلُوا نَكالًا وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ كالأُمَمِ السَّوالِفِ، حَيْثُ فَعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، فَجُوزُوا بِما جُوزُوا، وحِينَئِذٍ يَتَلاءَمُ الكَلامُ، انْتَهى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ أنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها، إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ تابِعًا لَهُ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلى الأداةِ، والمَفْعُولُ لَهُ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(أهْلَكْنا).
ويَتَخَرَّجُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ - وإنْ كانا لَمْ يَنْصِبا عَلى المَفْعُولِ لَهُ هُنا، وكانَ ذَلِكَ لِما في نَصْبِهِ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ - وأمْرُ الِالتِئامِ سَهْلٌ كَما لا يَخْفى.
﴿ وما كُنّا ظالِمِينَ ﴾ أيْ لَيْسَ شَأْنُنا أنْ يَصْدُرَ عَنّا بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ما هو في صُورَةِ الظُّلْمِ لَوْ صَدَرَ مَن غَيْرِنا، بِأنْ نُهْلِكَ أحَدًا قَبْلَ إنْذارِهِ، أوْ بِأنْ نُعاقِبَ مَن لَمْ يَظْلِمْ، ولِإرادَةِ نَفْيِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - قالَ: وما كُنّا دُونَ: (وما نَظْلِمُ).
<div class="verse-tafsir"
ثم خوفهم فقال: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ يعني: من أهل قرية فيما خلا إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ يعني: رسلاً ينذرونهم ذِكْرى يعني: العذاب تذكرة وتفكراً، قال بعضهم: إن ذِكْرى في موضع النصب.
وقال بعضهم: في موضع رفع.
أما من قال: في موضع النصب، فيقول: لها منذرون يذكرونهم ذكرى، يعني: يعظونهم عظة.
ومن قال: إنه في موضع رفع فيقول: لها منذرون هم ذكرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ يعني: بإهلاكنا إياهم.
ثم قال عز وجل: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ.
روي عن الحسن أنه قرأ وما تنزلت به الشياطون شبههُ بقوله: كافرون ومسلمون.
قال أبو عبيدة: وهذا وهم، لأن واحدها شيطان، والنون فيه أصلية، أما مسلمون وكافرون فالنون فيهما زائدة في الجمع، لأن واحدهما مسلم وكافر.
وقال بعضهم: هذا غلط على الحسن، لأنه كان فصيحاً لا يخفى عليه، وإنما الغلط من الراوي، ومعنى الآية: أن المشركين كانوا يقولون: إن الشيطان هو الذي يقرأ عليه.
قال الله تعالى ردا لقولهم: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ يعني: وما جاز لهم وَما يَسْتَطِيعُونَ ذلك، وقد حيل بينهم وبين السمع.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «لا يستطيعون أن يحملوا القرآن، ولو فعلوا ذلك لاحترقوا» .
ثم قال عز وجل: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ يعني: إنهم عن الاستماع لمحجوبون وممنوعون.
ثم قال فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وذلك حين دعي إلى دين آبائه، فأخبره الله تعالى أنه لو اتخذ إلها آخر عذبه الله تعالى، وإن كان كريماً عليه كقوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] فكيف بغيره.
وروي في الخبر: «أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: أرميا، بأن يخبر قومه بأن يرجعوا عن المعصية، فإنهم إن لم يرجعوا أهلكتهم، فقال أرميا: يا رب إنهم أولاد أنبيائك، أولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، أفتهلكهم بذنوبهم؟
قال الله تعالى: وإنما أكرمت أنبيائي لأنهم أطاعوني، ولو أنهم عصوني لعذبتهم، وإن كان إبراهيم خليلي» ويقال: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الخطاب للنبي المراد به غيره، لأنه علم أن النبيّ لا يتخذ إلهاً آخر ثم قال فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ إن عبدت غيري، فتكون من الهالكين.
<div class="verse-tafsir"
في العَجَمِ، وإن كان أفصح الناس، وقرأ الحسن «١» : الأَعْجَمِيِّينَ.
قال أبو حاتم: أراد جمع الأعجمي المنسوب إلى العجم.
وقال الثعلبيُّ: معنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس بعربيّ اللسان، فقرأه عليهم بغير لغة العرب- لما آمنوا أنفة من اتباعه، انتهى.
وقوله تعالى: كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ.
قال ع «٢» : وسَلَكْناهُ معناه: أدخلناه، والضمير فيه للكفر الذي يتضمنه قوله:
مَّا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١٩٩] قاله الحسن «٣» ، وقيل الضمير للتكذيب، وقيل للقرآن ورُجِّحَ بأَنَّهُ المتبادر إلى الذهن، والمجرمون أراد به مجرمي كل أُمَّةٍ، أي: أنَّ هذه عادة الله فيهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب، فكفّار قريش كذلك وهَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أي:
مؤخّرون.
وقوله سبحانه: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ توبيخٌ لقريش على استعجالهم العذاب، وقولهم للنبي صلى الله عليه وسلّم: أَسْقِطْ علينا كِسَفاً من السماء، وقولهم: أين ما تعدنا؟
ثم خاطب سبحانه نَبِيَّهُ- عليه السلام- بقوله: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ.
قال عِكْرِمَةُ: سِنِينَ: يريد عمر الدنيا «٤» ، ثم أخبر تعالى أنّه لم يهلك قرية من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الحِجْرِ: ١٢) .
والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: كَيْ لا يُؤْمِنُوا.
فَأمّا العَذابُ الألِيمُ، فَهو عِنْدَ المَوْتِ.
﴿ فَيَقُولُوا ﴾ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ ﴿ هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾ أيْ: مُؤَخَّرُونَ لَنُؤْمِنُ ونُصَدِّقُ.
قالَ مُقاتِلٌ: فَلَمّا أوْعَدَهم رَسُولُ اللَّهِ بِالعَذابِ، قالُوا: فَمَتى هُوَ؟
تَكْذِيبًا بِهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: عُمْرُ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ.
﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ ﴾ بِالعَذابِ في الدُّنْيا ﴿ إلا لَها مُنْذِرُونَ ﴾ يَعْنِي: رُسُلًا تُنْذِرُهُمُ العَذابَ.
﴿ ذِكْرى ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ﴿ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ ما أغْنى عنهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ ﴾ ﴿ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ ﴾ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى ما يَتَحَصَّلُ لِسامِعِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ﴾ الآيَةُ.
و"سَلَكْناهُ" مَعْناهُ: أدْخَلْناهُ، والضَمِيرُ فِيهِ لِلْكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ الرُمّانِيُّ: لا وجْهَ لِهَذا إلّا أنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ، وإنَّما الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ وإخْطارُهُ بِالبالِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ الضَمِيرَ لِلتَّكْذِيبِ المَفْهُومِ، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كَذَلِكَ جَعَلْناهُ في قُلُوبٍ"، ورُوِيَ عنهُ "نَجْعَلُهُ".
و"المُجْرِمُونَ" أرادَ بِهِ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: هَؤُلاءِ كَذَلِكَ.
وكَشَفَ الغَيْبُ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَيَأْتِيهِمْ" بِالياءِ، أيِ: العَذابُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَتَأْتِيهِمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، يَعْنِي الساعَةَ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَيَرَوْهُ بَغْتَةً"، ومِن قَوْلِ كُلِّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿ هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَمَنِّي مِنهم والرَغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَغْبَةُ.
ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ تَعالى في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَماءِ كِسْفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهم لِمُحَمَّدٍ : أيْنَ ما تَعُدُّنا؟
أيْ:إنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم ذَلِكَ لِأنَّ عَذابَنا بِالمِرْصادِ إذا حانَ حِينُهُ.
ثُمَّ خاطَبَ مُحَمَّدًا بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في أنَّ مُدَّةَ الإرْجاءِ والإمْهالُ والإمْلاءُ لا يَعْنِي مَنعَ نُزُولِ العَذابِ بَعْدَها، ووُقُوعَ النِقْمَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أفَرَأيْتَ" الآيَةُ، قالَ عِكْرِمَةُ: "سِنِينَ" يُرِيدُ: عُمْرُ الدُنْيا، ولِأبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ قِصَّةٌ في هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً مِنَ القُرى إلّا بَعْدَ إرْسالِ مَن يُنْذِرُهم عَذابَ اللهِ تَعالى ذِكْرى لَهم وتَبْصِرَةً وإقامَةَ حُجَّةٍ؛ ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ ﴾ و"ذِكْرى" عِنْدَ الكِسائِيِّ نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وهو قَوْلُ الزَجّاجِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ ذِكْرى، ثُمَّ نَفى عن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ الظُلْمَ؛ إذْ هو مِمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أي هذه ذكرى، فذكرى في موضع رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف دلت عليه قرينة السياق كقوله تعالى في سورة الأحقاف (35) ﴿ بَلاَغ ﴾ أي هذا بلاغ، وفي سورة إبراهيم (52) ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ وفي سورة ص (49) ﴿ هَذا ذِكْر ﴾ والمعنى: هذه ذكرى لكم يا معشر قريش.
وهذا المعنى هو أحسن الوجوه في موقع قوله: ﴿ ذكرى ﴾ وهو قول أبي إسحاق الزجاج والفراء وإن اختلفا في تقدير المحذوف قال ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: ليس في الشعراء وقف تام إلاّ قوله: ﴿ إلا لها منذرون ﴾ [الشعراء: 208].
وقد تردد الزمخشري في موقع قوله: ﴿ ذكرى ﴾ بوجوه جعلها جميعاً على اعتبار قوله: ﴿ ذكرى ﴾ تكملة للكلام السابق وهي غير خلية عن تكلف.
والذكرى: اسم مصدر ذَكَّر.
وجملة: ﴿ وما كنا ظالمين ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على ﴿ ذكرى ﴾ أي نذكّركم ولا نظلم، وأن تكون حالاً من الضمير المستتر في ﴿ ذكرى ﴾ لأنه كالمصدر يقتضي مسنداً إليه، وعلى الوجهين فمفاد ﴿ وما كنا ظالمين ﴾ الإعذار لكفار قريش والإنذار بأنهم سيحلّ بهم هلاك.
وحذف مفعول ﴿ ظالمين ﴾ لقصد تعميمه كقوله تعالى: ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ [الكهف: 49].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كَذَلِكَ أدْخَلْنا الشِّرْكَ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
الثّانِي: التَّكْذِيبُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: القَسْوَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ قال: هذا القرآن ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ قال: جبريل.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ قال: الروح الأمين: جبريل رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فهم مثل ريش الطواويس.
وأخرج ابن مردويه عن الحسن أظنه عن سعد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «الأوان الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وأن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ قال: بلسان قريش.
ولو كان غير عربي ما فهموه.
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس والبيهقي في شعب الإِيمان عن بريدة في قوله: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ قال: بلسان جرهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بريدة، مثله.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: كان نفر من قريش من أهل مكة قدموا على قوم من يهود من بني قريظة لبعض حوائجهم، فوجدوهم يقرأون التوراة فقال القرشيون: ماذا نلقى ممن يقرأ توراتكم هذه؟
لهؤلاء أشد علينا من محمد وأصحابه.
فقال اليهود: نحن من أولئك برآء.
أولئك يكذبون على التوراة وما أنزل الله في الكتب إنما أرادوا عرض الدنيا.
فقال القرشيون: فإذا لقيتموهم فسوِّدوا وجوههم وقال المنافقون: وما يعلمه إلا بشر مثله.
وأنزل الله: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ إلى قوله: ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وصفته، ونعته، وأمره.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يقول: في الكتب التي أنزلها على الأولين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ قال: كتب الأولين ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: يعني بذلك اليهود والنصارى، كانوا يعلمون أنهم يجدون محمداً مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل أنه رسول الله.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أو لم يكن لهم آية ﴾ بالياء.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: عبد الله بن سلاممبشر بن عبيد القرشي في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية ﴾ يقول: أو لم يكن لهم القرآن آية.
وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: كانوا خمسة؛ أسد، وأسيد، وابن يامين، وثعلبة، وعبد الله بن سلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: يقول لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين لكانت العرب أشر الناس فيه، لا يفهمونه ولا يدرون ما هو.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: لو أنزله الله عجمياً لكانوا أخسر الناس به لأنهم لا يعرفون العجمية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: الفرس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ كذلك سلكناه ﴾ قال: الشرك جعلناه ﴿ في قلوب المجرمين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جهضم قال: «رؤي النبي صلى الله عليه وسلم كأنه متحير فسألوه عن ذلك فقال: ولم...
!
ورأيت عدوّي يلون أمر أمتي من بعدي.
فنزلت ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ﴾ ، ﴿ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ﴾ ، ﴿ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ فطابت نفسه» .
وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن عبد الملك؛ أنه كان لا يدع أن يقول في خطبته كل جمعة: إنما أهل الدنيا فيها على وجل لم تمض لهم نية، ولم تطمئن لهم دار حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجعاتها، ولا يبقى فيها شيء، ثم يتلو ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ﴾ ، ﴿ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ﴾ ، ﴿ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴾ قال: الرسل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴾ قال: ما أهلك الله من قرية إلا من بعد ما جاءتهم الرسل، والحجة، والبيان من الله.
ولله الحجة على طلقة ﴿ ذكرى ﴾ قال: تذكرة لهم، وموعظة وحجة لله ﴿ وما كنا ظالمين ﴾ يقول: ما كنا لنعذبهم إلا من بعد البينة والحجة والعذر.
حتى نرسل الرسل، وننزل الكتب، وفي قوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ يعني القرآن ﴿ وما ينبغي لهم أن ينزلوا به وما يستطيعون ﴾ يقول لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه ﴿ إنهم عن السمع لمعزولون ﴾ قال: عن سمع السماء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ قال: زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد؛ فأخبرهم الله أنها لا تقدر على ذلك ولا تستطيعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا وهو محجور عليهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذِكْرَى ﴾ قال ابن عباس: موعظة مني.
وقال مقاتل: تذكرة (١) قال أبو إسحاق: ﴿ ذِكْرَى ﴾ تكون (٢) ﴿ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ﴾ معناه: إلا لها مذكرون ذكرى.
قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع على معنى: إنذارنا ذكرى على خبر الابتداء (٣) (٤) (٥) قوله: ﴿ ومَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ قال مقاتل: وما كنا ظالمين فنعذب على غير ذنب (٦) وقال غيره: ﴿ ومَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ إذ أُهلكوا؛ لأنا قدمنا الإنذار والتذكير (٧) (١) "تفسير مقاتل" 55 أ، ولفظه: "العذاب يذكر، ويفكر".
(٢) تكون.
في نسخة (ج).
(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 102.
(٤) في نسخة (أ)، (ب)، زيادة: إلا لها مذكرون ذكرى، قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع.
وهي تكرار لما سبق من قول أبي إسحاق.
(٥) "معاني القرآن" للفراء2/ 284.
وذكرهما أيضًا ابن جرير 19/ 117.
(٦) "تفسير مقاتل" 55 أ.
(٧) "تفسير الثعلبي" 8/ 117 أ، ولم ينسبه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين ﴾ الضمير للقرآن ﴿ الروح الأمين ﴾ يعني جبريل عليه السلام ﴿ على قَلْبِكَ ﴾ إشارة إلى حفظه إياه لأن القلب هو الذي يحفظ ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ ﴾ يعني كلام العرب هو متعلق بنزل أو المنذرين ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأولين ﴾ المعنى أن القرآن مذكور في كتب المتقدّمين ففي ذلك دليل على صحته ثم أقام الحجة على قريش بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بني إِسْرَائِيلَ ﴾ بأنه من عند الله آية لكم وبرهان، والمراد من أسلم من بني إسرائيل: كعبد الله بن سلام وقيل: الذين كانوا يبشرون بمبعثه عليه الصلاة والسلام ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ على بَعْضِ الأعجمين ﴾ الآية جمع أعجم، وهو الذي لا يتكلم سواء كان إنساناً أو بهيمة أو جماداً والأعجمي: المنسوب إلى العجم أي غير العرب وقيل: بمعنى الأعجم، ومعنى الآية: أن القرآن لو نزل على من لا يتكلم، ثم قرأه عليهم لا يؤمنوا لإفراط عنادهم، ففي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم على كفرهم به مع وضوح برهانه ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ معنى ﴿ سَلَكْنَاهُ ﴾ .
أدخلناه، والضمير للتكذيب الذي دل عليه ما تقدم من الكلام، أو القرآن أي سلكناه في قلوبهم مكذباً به، وتقدير قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مثل هذا السلك سلكناه، ﴿ المجرمين ﴾ : يحتمل أن يريد به قريشاً أو الكفار المتقدمين و ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ : تفسير للسلك الذي سلكه في قلوبهم ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ تمنوا أن يؤخروا حين لم ينفعهم التمني ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ توبيخ لقريش على استعجالهم بالعذاب في قولهم: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ [النمل: 10] ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء ﴾ [الأنفال: 32] وشبه ذلك ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ﴾ المعنى أن مدّة إمهالهم لا تغني مع نزول العذاب بعدها، وإن طالت مدة سنين، لأن كل ما هو آت قريب، قال بعضهم ﴿ سِنِينَ ﴾ يريد به عمر الدنيا ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ ﴾ المعنى أن الله لم يهلك قوماً إلا بعد أن أقام الحجة عليهم بأن أرسل إليهم رسولاً فأنذرهم فكذبوه ﴿ ذكرى ﴾ منصوب على المصدر من معنى الإنذار، أو على الحال من الضمير من منذرون، أو على المفعول من أجله، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين ﴾ الضمير للقرآن، وهو ردّ على من قال أنه كهانة نزلت به الشياطين على محمد ﴿ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أي ما يمكنهم ذلك ولا يقدرون عليه، ولفظ: ﴿ مَا يَنبَغِي ﴾ تارة يستعمل بمعنى لا يمكن وتارة بمعنى لا يليق ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ ﴾ تعليل لكون الشياطين لا يستطيعون الكهانة، لأنهم منعوا من استراق السمع منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان أمر الكهان كثيراً منتشراً قبل ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليكة ﴾ بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذلك في "صاد": اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.
الآخرون ﴿ الأيكة ﴾ معرفاً مجروراً.
﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز.
الآخرون بسكونها ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ونزل به ﴾ مخففاً ﴿ الروح الأمين ﴾ مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب.
الباقون ﴿ نزل ﴾ مشدداً ﴿ الروح الأمين ﴾ منصوبين ﴿ أو لم تكن ﴾ بتاء التأنيث ﴿ آية ﴾ بالرفع: ابن عامر.
الباقون بالياء التحتانية ﴿ آية ﴾ بالنصب: ﴿ فتوكل ﴾ بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون بالواو ﴿ من تنزل الشياطين ﴾ بتشديد التاء وكذلك ﴿ تنزل ﴾ البزي وابن فليح ﴿ يتبعهم ﴾ بالتخفيف: نافع ﴿ وادي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة.
الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ج ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ المخسرين ﴾ ج ه ﴿ المستقيم ﴾ ج ه ﴿ مفسدين ﴾ ج ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ط ﴿ المسحرين ﴾ ه لا ﴿ الكاذبين ﴾ ه ج ﴿ نصف آي القرآن ﴾ ﴿ الصادقين ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الظلة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ه ﴿ الأعجمين ﴾ ه لا ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ لا يؤمنون ﴾ مستأنف للبيان ولو جعل حالاً فلا وقف ﴿ الأليم ﴾ ه لا ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا ﴿ منظرون ﴾ ه ط ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ما أغنى ﴾ جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط ﴿ يمتعون ﴾ ه ط ﴿ منذرون ﴾ ه وقد يوقف عليها بناء على أن ﴿ ذكرى ﴾ ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على ﴿ ذكرى ﴾ جائز ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ يستطيعون ﴾ ه ط ﴿ المعزولون ﴾ ه ط ﴿ المعذبين ﴾ ج ه ﴿ الأقربين ﴾ ج ه للعطف ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ج ﴿ الرحيم ﴾ ه لا ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ أثيم ﴾ ج ه بناء على أن ﴿ يلقون ﴾ حال من ضمير ﴿ الشياطين ﴾ اي تنزل ملقين السمع أو صفة ﴿ لكل افاك ﴾ وإن جعل مستأنفاً كأن قائلاً قال: لم تنزل؟
فقيل: يفعلون كيت وكيت فلك الوقف.
﴿ كاذبون ﴾ ه ط ﴿ الغاوون ﴾ ه ط ﴿ يهيمون ﴾ ه لا ﴿ لا يفعلون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ ينقلبون ﴾ ه.
التفسير: القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخاً مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل "أخوهم شعيب".
يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل.
قال في الكشاف: قرئ ﴿ أصحاب ليكة ﴾ بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ﴿ ليكة ﴾ بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن ﴿ ليكة ﴾ اسم لا يعرف.
قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك.
أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسراً فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيداً ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وزنوا بالقسطاطس المستقيم ﴾ وقد مر في سورة سبحان.
قال في الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه "فعلاس" وإلا فهو رباعي.
قلت: إن كان مكرراً فوزنه "فعلال" أيضاً.
وقوله ﴿ ولا تبخسوا ﴾ تأكيداً آخر وقد سبق في "هود".
والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين.
قال في الكشاف: الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله ﴿ وما أنت إلا بشر ﴾ وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحراً وكونه بشراً وهناك جعل المعنى الثاني مقرراً للأول.
قلت: الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحاً قلل في الخطاب فقللوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب.
"وإن" في قولهم ﴿ وإن نظنك ﴾ هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر.
واللام في قوله ﴿ لمن الكاذبين ﴾ هي الفارقة.
والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش.
والمعنى إن كنت صادقاً في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء.
وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله: ﴿ ربي أعلم بما تعملون ﴾ يروى أن شعيباً بعث إلى أمتين: اصحاب مدين وأصحاب الأيكة.
فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الحرّ فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلٍ ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا.
وحين سلى رسول الله بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلاً ﴿ وإنه ﴾ اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ أي منزله.
والباء في ﴿ نزل به ﴾ علىالقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولاً آخر هو الروح أي جعل الله الروح الأمين نازلاً به على قلبك محفوظاً مفهوماً ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد .
ويجوز أن يكون قوله ﴿ لسان ﴾ متعلقاً ﴿ بنزل ﴾ أي نزله ﴿ بلسان عربي ﴾ لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه.
ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله ﴿ على قلبك ﴾ أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك.
والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان.
ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاماً طويلاً في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال ﴿ نزله على قلبك ﴾ ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول.
قوله ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في تلك الزبر.
وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة.
وقيل: الضمير فيه وفي ﴿ أن يعلمه ﴾ للنبي وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر.
من قرأ ﴿ يكن ﴾ بالتذكير و ﴿ آية ﴾ بالنصب على الخبر والاسم ﴿ أن يعلمه ﴾ فظاهر، ومن قرأ ﴿ تكن ﴾ بالتأنيث و ﴿ آية ﴾ بالرفع على الاسم والخبر ﴿ أن يعلمه ﴾ فقيل: ليست بقوية لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً.
ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في ﴿ تكن ﴾ وجملته ﴿ آية أن يعلمه ﴾ و ﴿ لهم ﴾ لغواً أو ﴿ لهم آية ﴾ ﴿ وأن يعلمه ﴾ بدل من آية.
قال جار الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو.
ثم أكد بقوله ﴿ ولو نزلناه ﴾ ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه.
وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحاً معجزاً متحدّى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً.
ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا السلك ﴿ سلكناه ﴾ في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أيّ وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول "الحجر".
والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول الله فإن اليأس إحدى الراحتين.
قال في الكشاف: ليس الفاء في قوله ﴿ فيأتيهم بغتة فيقولوا ﴾ لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة.
فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة.
نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة.
قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز.
ثم نكرهم بقوله ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟
وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ يستعجلون ﴾ حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلاً بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل.
ثم قال: هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟.
عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت.
ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون ﴿ ذكرى ﴾ متعلقة ﴿ بأهلكنا ﴾ مفعولاً له.
ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً ﴿ لأنذر ﴾ بمعنى التذكرة فإن ﴿ أنذر ﴾ وذكر متقاربان، أو حالاً من الضمير في ﴿ منذرون ﴾ أو مفعولاً له متعلقاً به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض.
ويجوز أن يكون صفة ﴿ لمنذرون ﴾ على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها.
والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله ﴿ ولها كتاب معلوم ﴾ وقوله ﴿ لها منذرون ﴾ حالاً أو وصفاً فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، وذلك أن قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله ﴿ معلوم ﴾ وبقوله ﴿ ما تسبق ﴾ وهذا بخلاف قوله ﴿ لها منذرون ﴾ فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم.
ثم إنه لما احتج على صدق محمد بكون القرآن معجزاً منزلاً من رب العالمين مشتملاً على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ التنزل بالوحي ﴿ وما يستطيعون ﴾ .
ثم بين عدم اقتدارهم بقوله ﴿ إنهم عن السمع ﴾ أي عن سماع كلام أهل السماء ﴿ لمعزولون ﴾ وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك.
وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ فلا تدع ﴾ والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وغير ذلك ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى.
وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب.
"يروى أنه لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذاً فخذاً وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله: إني لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من المال ما شئتم" .
"وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟
قالوا: نعم.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" .
قوله ﴿ واخفض جناحك ﴾ قد مر تفسيره في آخر "الحجر" وفي "سبحان" وزاد ههنا ﴿ لمن اتبعك ﴾ كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته.
وإنما لم يقتصر على قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ لأن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين.
وقال في الكشاف: سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد بالمؤمنين المصدّقين بالألسنة فزاد قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ ليخرج من صدّق باللسان دون الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل.
وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان.
فاستدل الجبائي به على أن الله أيضاً بريء من عملهم فكيف يكون فاعلاً له؟!
وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله ﴿ وتوكل ﴾ معطوف على قوله ﴿ فلا تدع ﴾ أو على قوله ﴿ فقل ﴾ أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه.
قال بعض العلماء: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين.
وللمفسرين فيه وجوه منها: ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصاً عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكراً وتلاوة.
فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم.
ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود.
ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن.
ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث "أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري" فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه.
وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين.
وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي لا يكونون كفاراً.
قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث.
والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.
ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله ﴿ هل أنبئكم على من تنزل ﴾ قال في الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟
ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى زيد مررت؟
قلت: هذا تكلف بارد لأن لااستفهام في "من" ضمني لا يصرح به قط.
والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما.
والضمير في ﴿ يلقون ﴾ عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء ﴿ السمع ﴾ أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث "الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة" .
والقر الصب.
وقيل: السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة.
ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿ يلقون ﴾ للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس.
وإنما لم يقل "وكلهم كاذبون" لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكماً كلياً ما لم تدع إليه ضرورة.
والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد إلا الصدق، فكيف يكون كاهناً؟
ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قيل: أي الشياطين.
والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت.
ثم بين غوايتهم بقوله ﴿ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنساناً معيناً تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه.
وذكر من قبائح خصالهم ﴿ أنهم يقولون ﴾ عند الطلب والدعاوي ﴿ مالا يفعلون ﴾ ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم.
قالوا وما فعلوا وأين هم *** من معشر فعلوا وما قلوا وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية.
ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله .
"وعن كعب بن مالك أن رسول الله قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" .
وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك.
والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي.
فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه "إن من الشعر لحكماً" .
وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه.
وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله : { ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ وقال "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم" ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله.
وقوله ﴿ أيّ منقلب ﴾ صفة لمصدر محذوف والعامل ﴿ ينقلبون ﴾ أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه ﴿ يعلم ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة.
التأويل: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجميين ﴾ فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كردياً واصبحت عربياً.
والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا ﴿ بغتة وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون.
﴿ وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
﴿ فتكون من المعذبين ﴾ لأن كل من طلب مع الله شيئاً آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله.
﴿ وأنذر عشيرتك ﴾ فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده.
إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة.
﴿ إني بريء مما تعملون ﴾ لم يقل "إني بريء منكم" لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولاً جميلاً بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك.
﴿ وتقلبك في الساجدين ﴾ بأن خلق روح كل ساجد من روحك.
﴿ إنه هو السميع ﴾ في الأزل مقالتك "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" لأن أرواحهم خلقت من روحك ﴿ العليم ﴾ باستحقاقك لهذه الكرامة الله حسبي.
قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : وإنه - أي: القرآن - تنزيل رب العالمين، أي: نزله رب العالمين.
﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ ﴾ : جواب لقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ : يحتمل وجوهاً.
أحدها: أن جبريل لما ينزل من القرآن إنما ينزل على قلبه، لا يحجبه شيء عن قلبه.
والثاني: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ أي: لا يذهب عنه، بل الله يجمعه في قلبك؛ كقوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ .
أو أن يكون قوله: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ أي: يثبته على قلبك لقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ .
أو أن يكون قال ذلك لما انتهى إلى قلبه وحفظه غاية حفظه قال: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ ؛ كأنه ألقي في قلبه وكذلك يقال.
وقوله: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ : كأنه - والله أعلم - على التقديم والتأخير يخرج، أي: نزل به الروح الأمين على قلبك بلسان عربي مبين لتكونن من المنذرين.
والباطنية يقولون: أنزله على رسوله كالخيال غير موصوف بلسان، ثم إن رسوله أداه بلسانه العربي المبين أي: بينه، لكنه ليس كذا؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ ؛ فيبطل قولهم: إنه أداه بلسانه عربيّاً من غير أن أنزله كذلك، ولو كان على ما يقوله الباطنية: إنه لم ينزله بهذا اللسان - أعني: اللسان العربي - وأن الرسول هو الذي صيره بهذا اللسان وأداه به لكان لا يصير جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ ، ولا حجة عليهم، فإذا ذكر هذا جواباً لقولهم وحجة عليهم؛ دل أنه إنما أنزل عليه عربيّاً، وأن تأويل الأول ما ذكرنا على التقديم والتأخير.
وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: وإنه - أي: نعت محمد وصفته - كان في كتب الأولين.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ أي: هذا القرآن كان ذكره في كتب الأولين أنه ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن عينه كان فيها.
أو أن كان بعضه في زبر الأولين لا الكل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل، أو لم يكن لهم محمد آية أن علماء بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم يجدونه مكتوباً عندهم في الكتب.
لكن تأويله: أو لم يكفهم علم علماء بني إسرائيل آية أنه رسوله.
ثم الآية تكون بوجهين: أحدهما: ما ذكر أن أهل مكة أرسلوا إلى اليهود بالمدينة يسألونهم عن رسول الله، فأخبروهم عنه أنه يخرج في وقت كذا، وأن نعته كذا، وهذا وقت خروجه.
والثاني: يقول: أولم يكفهم آية إسلام علماء بني إسرائيل وفقهائهم أنه رسول نحو ابن سلام وغيره، إذ كانوا لا يسلمون إلا عن علم وثبت أنه رسول؛ إذ كان في إسلامهم ذهاب مكانتهم ورياستهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ : قال بعضهم: نزلناه على رجل منهم عربي فلم يؤمنوا به، فكيف لو نزلناه على أعجمي؟!
وقال بعضهم: لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم، يقول: إذن لكانوا شر الناس فيهم ما فهموه وما دروا ما هو؛ وهو قريب من الأول.
وقال بعضهم: لو نزلناه على بعض الأعجمين من الدواب فكلمهم هذا ما صدقوه؛ يذكر سفههم وتعنتهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ ﴾ أي: لو نزلناه أعجميّاً فلم يفهموه لقالوا: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ ، ولكن نزلناه عربيّاً؛ لئلا يقولوا ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ : قال بعضهم: هكذا سلكنا الكفر والتكذيب، وأدخلناه في قلوب المجرمين.
وقال بعضهم: كذلك سلكناه - يعني: البيان والحجج - في قلوب المجرمين حتى عقلوه، ولزمتهم الحجة، لكنهم تركوا الإيمان تعنتاً وعناداً، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، حين لا ينفعهم إيمانهم؛ لأن إيمانهم عند معاينة العذاب إيمان دفع واضطرار لا إيمان اختيار، وهو كما قال: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ ؛ لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم حين خرج أنفسهم من بين أيديهم، وإيمان اضطرار لا إيمان اختيار؛ لذلك لم ينفعهم.
وقوله: ﴿ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً ﴾ أي: يأتيهم العذاب فجأة وهم لا يشعرون؛ لأنه - عز وجل - إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أبداً، أنزل بهم العذاب بغتة، ولو علم منهم أنهم يؤمنون حقيقة عند معاينة العذاب؛ لأنزل عليهم العذاب معاينة مجاهرة؛ ليؤمنوا فيقبل منهم ذلك ويدفع العذاب عنهم، كما قبل إيمان قوم يونس حيث قال: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا...
﴾ ، قبل منهم الإيمان عند معاينتهم العذاب؛ لما علم منهم أنهم يحققون الإيمان في ذلك، وأما من كان همهم المعاندة والمكابرة فهم لا يحققون الإيمان.
وقوله: ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ : لا يزالون يطلبون الرجعة إلى الدنيا، وتأخير العذاب عن أنفسهم إذا نزل بهم؛ كقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ ﴾ فيتمنون الرجوع والنظرة، لكن لا يجابون.
وقوله: ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ : [هو] كقولهم: ﴿ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ ﴾ ، وقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ﴾ ومثله، وإلا ليس هذا في الظاهر جواباً لقوله: ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ وجواب هذا - والله أعلم - قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ...
﴾ : يقول: ما يغني تأخير العذاب عنهم، وإمهالهم عنه وقتا يمتعون [فيه] - من عذاب الله من شيء؛ لا ينفعهم ذلك.
أو أن يكونوا سألوا العذاب في الظاهر واستمهلوه في الحقيقة، فخرج قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ...
﴾ الآية جواباً لاستمهالهم.
أو أن يكون بعضهم استعجل العذاب واستمهل غيرهم، فخرج هذا جواب من استمهل.
ثم خوفهم فقال: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَىٰ ﴾ : يقول: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ ﴾ إهلاك استئصال وانتقام، إلا بعد الإنذار وإقامة الحجة والبيان.
﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ ، أي: موعظة وزجرا عما هم فيه.
أو ﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ بذكر ما لهم وما عليهم وما لبعضهم على بعض.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ : في تعذيبهم، أي: لم نعذبهم بلا ذنب ولا جرم، ولكن بعنادهم ومكابرتهم؛ لأن العذاب في الدنيا لا يكون لنفس الكفر ولكن لعناد ومكابرة، وإنما عذاب الكفر في الآخرة؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ أي: ما كنا معذبين في الدنيا تعذيب انتقام حتى نبعث رسولا، فيظهر منهم العناد والمكابرة، فعند ذلك يعذبهم الله.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ أي: ما كنا نعذبهم إلا من بعد البيان والحجة وقطع العذر، والله أعلم.
وفي مصحف أبي: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا بذنوب أهلها ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ ﴾ : قال بعضهم: ما تنزلت بالقرآن الشياطين، فذلك جواب لقول أهل مكة: إن محمدا كاهن معه رئيٌّ يأتيه بما يقول يعنون بالرئيِ: الشيطان، وكانت الشياطين من قبل يقعدون من السماء مقاعد يستمعون فيها الوحي من الملائكة، فينزلون به على الكهان فمن بين مصيب ومخطئ، فقالوا: محمد كذلك، فأكذبهم الله في مقالتهم تلك، فقال: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ﴾ أي بالقرآن ﴿ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ ﴾ أن ينزلوا بالقرآن ﴿ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ، أي: قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب، وأخبر أنهم عن السمع لمعزولون.
وفي قوله: ﴿ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ دلالة أن من أراد أن يجعل القرآن حجة لغير الذي جعل هو حجة، لم يقدر على النطق به ولا التلاوة؛ نحو: من يأتي أفقاً من آفاق الأرض لم ينته إليهم هذا القرآن، فادعى لنفسه النبوة وجعل يحتج بهذا القرآن، فإنه لا يقدر على تلاوته ولا النطق به؛ لأنه إنما جعل حجة وبرهاناً للمحق لا للمبطل حيث قال: وما تنزلت الشياطين وما ينبغي لهم أن ينزلوا وما يستطيعون ذلك وإنهم معزولون عن ذلك.
<div class="verse-tafsir"
عظة وتذكيرًا لهم، وما كنا ظالمين بتعذيبهم بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
<div class="verse-tafsir" id="91.xlxGM"