الآية ٢١٠ من سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٢١٠ من سورة الشعراء

وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ ٢١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١٠ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١٠ من سورة الشعراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد : أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله ، ( وما تنزلت به الشياطين ) .

ثم ذكر أنه يمتنع عليهم من ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه ما ينبغي لهم ، أي : ليس هو من بغيتهم ولا من طلبتهم ; لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد ، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونور وهدى وبرهان عظيم ، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة ; ولهذا قال تعالى :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) يقول تعالى ذكره: وما تنـزلت بهذا القرآن الشياطين على محمد, ولكنه ينـزل به الروح الأمين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يعني القرآن بل ينزل به الروح الأمين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما بيَّن تعالى كمال القرآن وجلالته, نزهه عن كل صفة نقص, وحماه - وقت نزوله, وبعد نزوله - من شياطين الجن والإنس فقال: ( وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ)

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما تنزلت به الشياطين ) وذلك أن المشركين كانوا يقولون إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فقال جل ذكره : " وما تنزلت به " ، أي : بالقرآن ، الشياطين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما تنزلت به» بالقرآن «الشياطين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما تَنَزَّلَتْ بالقرآن على محمد الشياطين- كما يزعم الكفرة- ولا يصح منهم ذلك، وما يستطيعونه؛ لأنهم عن استماع القرآن من السماء محجوبون مرجومون بالشهب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم عادت السورة الكريمة إلى تأكيد أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - وردت شبهات المشركين بأسلوب منطقى رصين ، قال - تعالى - : ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين .أى : إن هذا القرآن الكريم ، ما تنزلت به الشياطين - كما يزعم مشركو قريش ، حيث قالوا : إن لمحمد صلى الله عليه وسلم تابعا من الجن يخبره بهذا القرآن ويلقيه عليه - وإنما هذا القرآن نزل به الروح الأمين ، على قلبه صلى الله عليه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما احتج على صدق محمد صلى الله عليه وسلم بكون القرآن تنزيل رب العالمين، وإنما يعرف ذلك لوقوعه من الفصاحة في النهاية القصوى، ولأنه مشتمل على قصص المتقدمين من غير تفاوت، مع أنه عليه السلام لم يشتغل بالتعلم والاستفادة، فكان الكفار يقولون لم لا يجوز أن يكون هذا من إلقاء الجن والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة؟، فأجاب الله تعالى عنه بأن ذلك لا يتسهل للشياطين لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء، ولقائل أن يقول العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا يحصل إلا بواسطة خبر النبي الصادق، فإذا أثبتنا كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً بفصاحة القرآن وإخباره عن الغيب، ولا يمكن إثبات كون الفصاحة والإخبار عن الغيب معجزاً إلا إذا ثبت كون الشياطين ممنوعين عن ذلك، لزم الدور وهو باطل وجوابه: لا نسلم أن العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا يستفاد إلا من قول النبي، وذلك لأنا نعلم بالضرورة أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى من الاهتمام بشأن العدو، ونعلم بالضرورة أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم، فلو كان هذا الغيب إنما حصل من إلقاء الشياطين، لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم مثل هذا العلم، فكان يجب أن يكون اقتدار الكفار على مثله أولى، فلما لم يكن كذلك علمنا أن الشياطين ممنوعون عن ذلك، وأنهم معزولون عن تعرف الغيوب، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الجواب ابتدأ بخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ وذلك في الحقيقة خطاب لغيره، لأن من شأن الحكيم إذا أراد أن يؤكد خطاب الغير أن يوجهه إلى الرؤساء في الظاهر، وأن كان المقصود بذلك هم الأتباع، ولأنه تعالى أراد أن يتبعه ما يليق بذلك، فلهذه العلة أفرده بالمخاطبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كانوا يقولون: إنّ محمداً كاهن وما يتنزل عليه من جنس ما يتنزل به الشياطين على الكهنة، فكُذبوا بأنّ ذلك مما لا يتسهل للشياطين ولا يقدرون عليه؛ لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء.

وقرأ الحسن: ﴿ الشياطون ﴾ .

ووجهه أنه رأى آخره كآخر يبرين وفلسطين، فتخير بين أن يجري الإعراب على النون، وبين أن يجريه على ما قبله، فيقول: الشياطين والشياطون، كما تخيرت العرب بين أن يقولوا.

هذه يبرون ويبرين، وفلسطون وفلسطين.

وحقه أن تشتقه من الشيطوطة وهي الهلاك كما قيل له الباطل.

وعن الفرّاء: غلط الشيخ في قراءته ﴿ الشياطون ﴾ ظنّ أنها النون التي على هجاءين، فقال النضر بن شميل: إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة، فهلا جاز أن يحتجّ بقول الحسن وصاحبه يريد: محمد ابن السميفع مع أنا نعلم أنهما لم يقرآ به إلا وقد سمعا فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ﴾ كَما زَعَمَ المُشْرِكُونَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ ما يُلْقِي الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ.

﴿ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ ﴾ وما يَصِحُّ لَهم أنْ يَتَنَزَّلُوا بِهِ.

﴿ وَما يَسْتَطِيعُونَ ﴾ وما يَقْدِرُونَ.

﴿ إنَّهم عَنِ السَّمْعِ ﴾ لِكَلامِ المَلائِكَةِ.

﴿ لَمَعْزُولُونَ ﴾ لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِمُشارَكَةٍ في صَفاءِ الذّاتِ وقَبُولِ فَيَضانِ الحَقِّ والِانْتِقاشِ بِالصُّوَرِ المَلَكُوتِيَّةِ، ونُفُوسُهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى حَقائِقَ ومُغَيَّباتٍ لا يُمْكِنُ تَلَقِّيها إلّا مِنَ المَلائِكَةِ.

﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ ﴾ تَهْيِيجٌ لِازْدِيادِ الإخْلاصِ ولُطْفٌ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما قال المشركون إن الشياطين تلقى القرآن على محمد أنزل {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ} أي القرآن {الشياطين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ إلَخْ، وهو رَدٌّ لِقَوْلِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: إنَّ لِمُحَمَّدٍ  تابِعًا مِنَ الجِنِّ يُخْبِرُهُ كَما تُخْبَرُ الكَهَنَةُ، وأنَّ القُرْآنَ مِمّا ألْقاهُ إلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

والتَّعْبِيرُ بِالتَّفْعِيلِ؛ لِأنَّ النُّزُولَ لَوْ وقَعَ لَكانَ بِالِاسْتِراقِ التَّدْرِيجِيِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ السَّمَيْقَعِ «الشَّياطُونَ» فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو غَلَطٌ مِنَ الحَسَنِ أوْ عَلَيْهِ، وقالَ النَّحّاسُ: هو غَلَطٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو غَيْرُ جائِزٍ في العَرَبِيَّةِ، وقالَ الفَرّاءُ: غَلِطَ الشَّيْخُ، ظَنَّ أنَّها النُّونُ الَّتِي عَلى هِجائِينَ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: إنْ جازَ أنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِ العَجّاجِ ورُؤْبَةَ فَهَلّا جازَ أنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِ الحَسَنِ وصاحِبِهِ، مَعَ أنّا نَعْلَمُ أنَّهُما لَمْ يَقْرَآ بِهِ إلّا وقَدْ سَمِعا فِيهِ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ: دَخَلْتُ بَساتِينَ مِن ورائِها بَساتُونَ، فَقُلْتُ: ما أشْبَهَ هَذا بِقِراءَةِ الحَسَنِ، انْتَهى.

ووُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ آخِرُهُ كَآخِرِ يَبْرِينَ وفِلَسْطِينَ - وقَدْ قِيلَ فِيهِما يَبْرُونَ وفِلَسْطُونَ - أُجْرِيَ فِيهِ نَحْوُ ما أُجْرِيَ فِيهِما، فَقِيلَ: الشَّياطُونَ.

وحُقُّهُ عَلى هَذا - عَلى ما في الكَشّافِ - أنْ يُشْتَقَّ مِنَ الشَّيْطُوطَةِ وهي الهَلاكُ، وفي البَحْرِ - نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ - إنْ كانَ اشْتِقاقُهُ مِن شاطَ - أيِ: احْتَرَقَ - يَشِيطُ شَوْطَةً كانَ لِقِراءَتِهِما وجْهٌ، قِيلَ: ووَجْهُها أنَّ بِناءَ المُبالَغَةِ مِنهُ شَيّاطٌ وجَمْعُهُ الشَّياطُونَ فَخَفَّفا الياءَ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُما التَّشْدِيدُ، وقَرَأ بِهِ غَيْرُهُما.

وقالَ بَعْضٌ: إنَّهُ جَمْعُ شِياطٍ مَصْدَرِ شاطَ (كَخاطَ خِياطًا) كَأنَّهُما رَدّا الوَصْفَ إلى المَصْدَرِ بِمَعْناهُ مُبالَغَةً، ثُمَّ جَمَعا والكُلُّ كَما تَرى، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: لا وجْهَ لِتَصْحِيحِ هَذِهِ القِراءَةِ البَتَّةَ.

وقَدْ أطْنَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في تَصْحِيحِها، ثُمَّ قالَ: وعَلى كُلِّ حالٍ فالشَّياطُونَ غَلَطٌ، وأبُو حَيّانَ لا يَرْضى بِكَوْنِهِ غَلَطًا ويَقُولُ: قَرَأ بِهِ الحَسَنُ وابْنُ السَّمَيْقَعِ والأعْمَشُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: غَلِطُوا؛ لِأنَّهم مِنَ العِلْمِ ونَقْلِ القُرْآنِ بِمَكانٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

والَّذِي أراهُ أنَّهُ مَتى صَحَّ رَفْعُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى هَؤُلاءِ الأجِلَّةِ لَزِمَ تَوْجِيهُها؛ فَإنَّهم لا يَقْرَؤُونَ إلّا عَنْ رِوايَةٍ كَغَيْرِهِمْ مِنَ القُرّاءِ في جَمِيعِ ما يَقْرَؤُنَهُ عِنْدَنا، وزَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ بَعْضَ القِراءاتِ بِالرَّأْيِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم خوفهم فقال: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ يعني: من أهل قرية فيما خلا إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ يعني: رسلاً ينذرونهم ذِكْرى يعني: العذاب تذكرة وتفكراً، قال بعضهم: إن ذِكْرى في موضع النصب.

وقال بعضهم: في موضع رفع.

أما من قال: في موضع النصب، فيقول: لها منذرون يذكرونهم ذكرى، يعني: يعظونهم عظة.

ومن قال: إنه في موضع رفع فيقول: لها منذرون هم ذكرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ يعني: بإهلاكنا إياهم.

ثم قال عز وجل: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ.

روي عن الحسن أنه قرأ وما تنزلت به الشياطون شبههُ بقوله: كافرون ومسلمون.

قال أبو عبيدة: وهذا وهم، لأن واحدها شيطان، والنون فيه أصلية، أما مسلمون وكافرون فالنون فيهما زائدة في الجمع، لأن واحدهما مسلم وكافر.

وقال بعضهم: هذا غلط على الحسن، لأنه كان فصيحاً لا يخفى عليه، وإنما الغلط من الراوي، ومعنى الآية: أن المشركين كانوا يقولون: إن الشيطان هو الذي يقرأ عليه.

قال الله تعالى ردا لقولهم: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ يعني: وما جاز لهم وَما يَسْتَطِيعُونَ ذلك، وقد حيل بينهم وبين السمع.

وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «لا يستطيعون أن يحملوا القرآن، ولو فعلوا ذلك لاحترقوا» .

ثم قال عز وجل: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ يعني: إنهم عن الاستماع لمحجوبون وممنوعون.

ثم قال فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وذلك حين دعي إلى دين آبائه، فأخبره الله تعالى أنه لو اتخذ إلها آخر عذبه الله تعالى، وإن كان كريماً عليه كقوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] فكيف بغيره.

وروي في الخبر: «أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: أرميا، بأن يخبر قومه بأن يرجعوا عن المعصية، فإنهم إن لم يرجعوا أهلكتهم، فقال أرميا: يا رب إنهم أولاد أنبيائك، أولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، أفتهلكهم بذنوبهم؟

قال الله تعالى: وإنما أكرمت أنبيائي لأنهم أطاعوني، ولو أنهم عصوني لعذبتهم، وإن كان إبراهيم خليلي» ويقال: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الخطاب للنبي  المراد به غيره، لأنه علم أن النبيّ  لا يتخذ إلهاً آخر ثم قال فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ إن عبدت غيري، فتكون من الهالكين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في العَجَمِ، وإن كان أفصح الناس، وقرأ الحسن «١» : الأَعْجَمِيِّينَ.

قال أبو حاتم: أراد جمع الأعجمي المنسوب إلى العجم.

وقال الثعلبيُّ: معنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس بعربيّ اللسان، فقرأه عليهم بغير لغة العرب- لما آمنوا أنفة من اتباعه، انتهى.

وقوله تعالى: كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ.

قال ع «٢» : وسَلَكْناهُ معناه: أدخلناه، والضمير فيه للكفر الذي يتضمنه قوله:

مَّا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١٩٩] قاله الحسن «٣» ، وقيل الضمير للتكذيب، وقيل للقرآن ورُجِّحَ بأَنَّهُ المتبادر إلى الذهن، والمجرمون أراد به مجرمي كل أُمَّةٍ، أي: أنَّ هذه عادة الله فيهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب، فكفّار قريش كذلك وهَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أي:

مؤخّرون.

وقوله سبحانه: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ توبيخٌ لقريش على استعجالهم العذاب، وقولهم للنبي صلى الله عليه وسلّم: أَسْقِطْ علينا كِسَفاً من السماء، وقولهم: أين ما تعدنا؟

ثم خاطب سبحانه نَبِيَّهُ- عليه السلام- بقوله: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ.

قال عِكْرِمَةُ: سِنِينَ: يريد عمر الدنيا «٤» ، ثم أخبر تعالى أنّه لم يهلك قرية من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: إنَّما تَجِيءُ بِالقُرْآنِ الشَّياطِينُ فَتُلْقِيهِ عَلى [لِسانِ] مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ ﴾ أيْ: أنْ يَنْزِلُوا بِالقُرْآَنِ ﴿ وَما يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أنْ يَأْتُوا بِهِ مِنَ السَّماءِ، لِأنَّهم قَدْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّمْعِ بِالمَلائِكَةِ والشُّهُبِ.

﴿ إنَّهم عَنِ السَّمْعِ ﴾ أيْ: عَنِ الِاسْتِماعِ لِلْوَحْيِ مِنَ السَّماءِ ﴿ لَمَعْزُولُونَ ﴾ فَكَيْفَ يَنْزِلُونَ بِهِ؟!

وقالَ عَطاءٌ: عَنْ سَماعِ القُرْآَنِ لَمَحْجُوبُونَ، لِأنَّهم يَرْجُمُونَ بِالنُّجُومِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَياطِينُ ﴾ ﴿ وَما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ إنَّهم عَنِ السَمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ ﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ ﴾ ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ لَمّا كانَ في هَذا المَوْضِعِ ما قالَ الكُفّارُ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا القُرْآنَ كَهانَةٌ- نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لِذَلِكَ، أيْ: ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَياطِينُ؛ لِأنَّها عُزِلَتْ عَنِ السَمْعِ الَّذِي كانَتْ تَأْخُذُ لَهُ مَقاعِدَها، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ ﴾ أيْ: ما يُمْكِنُهُمْ، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ اللَفْظَةُ عِبارَةً عَمّا لا يَكُونُ، وعِبارَةً عَمًّا لا يَلِيقُ وإنْ كانَ مُمْكِنًا، ولَمّا جاءَ اللهُ تَعالى بِالإسْلامِ حَرَسَ السَماءَ بِالشُهُبِ الجارِيَةِ إثْرَ الشَياطِينِ، فَلَمْ يَخْلُصْ شَيْطانٌ بِشَيْءٍ يُلْقِيهِ كَما كانَ يَتَّفِقُ لَهم في الجاهِلِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الشَياطِينُ"، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنَ أنَّهُ قَرَأ: "الشَياطُونَ"، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، قالَ أبُو حاتِمْ: هي غَلَطٌ مِنهُ أو عَلَيْهِ، وحَكاها الثَعْلَبِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ السَمَيْفَعِ، وذَكَرَ عن يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ: دَخَلْتُ بَساتِينَ مِن ورائِها بَساتُونَ، قالَ يُونُسُ: ما أشْبَهَ هَذِهِ بِقِراءَةِ الحَسَنِ.

ثُمَّ وصّى عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ  بِالثُبُوتِ عَلى تَوْحِيدِ أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأمَرَ بِنِذارَةِ عَشِيرَتِهِ تَخْصِيصًا لَهُمْ، إذِ العَشِيرَةُ مَظِنَّةُ المُقارَبَةِ والطَواعِيَةِ، وإذْ يُمَكِّنُهُ مَعَهم مِنَ الإغْلاظِ عَلَيْهِمْ ما لا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُهُمْ، فَإنَّ البِرَّ بِهِمْ في مِثْلِ هَذا الحَمْلِ عَلَيْهِمْ، والإنْسانُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلى عَشِيرَتِهِ، وكانَ هَذا التَخْصِيصُ مَعَ الأمْرِ العامِّ بِنَذارَةِ العالَمِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِ عَشِيرَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ نالَهم هم مِن هَذا التَخْصِيصِ وخُرُوجُهم مِنهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ .

«وَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ  بِهَذِهِ النِذارَةِ عَظُمَ مَوْضِعُ الأمْرِ عَلَيْهِ وصَعُبَ، ولَكِنَّهُ تَلَقّاهُ بِالجِلْدِ، وصَنَعَ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً كُلُّها بِحَسَبِ الأمْرِ، مِن ذَلِكَ "أنَّهُ أمَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأنْ يَصْنَعَ طَعامًا، وجَمَعَ عَلَيْهِ بَنِي جَدِّهِ عَبَدِ المُطَلِّبِ، وأرادَ نَذارَتَهم ودَعْوَتَهم في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَظَهَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ بَرَكَةً في الطَعامِ، قالَ عَلَيٌّ: وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا، يَنْقُصُونَ رَجُلًا أو يَزِيدُونَهُ، فَرَماهُ أبُو لَهَبٍ بِالسِحْرِ، فَوَجَمَ رَسُولُ اللهِ  ، وافْتَرَقَ جَمْعُهم مِن غَيْرِ شَيْءٍ، ثُمَّ جَمَعَهم مَرَّةً ثانِيَةً كَذَلِكَ وأنْذَرَهم ووَعَظَهم فَتَضاحَكُوا ولَمْ يُجِيبُوا، ومِن ذَلِكَ أنَّهُ نادى عَمَّهُ العَبّاسَ، وصْفِيَّةَ عَمَّتَهُ، وفاطِمَةَ ابْنَتَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: "لا أُغْنِي عنكم مِنَ اللهِ شَيْئًا، إنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» في حَدِيثٍ مَشْهُورٍ، ومِن ذَلِكَ «أنَّهُ صَعَدَ عَلى الصَفا، أو أبِي قُبَيْسٍ ونادى: يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وا صَباحاهُ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ الناسُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقالَ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، حَتّى أتى عَلى بُطُونِ قُرَيْشٍ جَمِيعًا، فَلَمّا تَكامَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِن كُلِّ بَطْنٍ قالَ لَهُمْ: "أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ الجَبَلِ تُرِيدُ الغارَةَ عَلَيْكُمْ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ"؟

قالُوا: نَعَمْ، فَإنّا لَمْ نُجَرِّبْ عَلَيْكَ كَذِبًا، فَقالَ لَهُمْ: "فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ"، فَقالَ لَهُ أبُو لَهَبٍ لَعَنَهُ اللهُ: ألِهَذا جَمَعَتْنا؟

تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ  ﴾ السُورَةُ.» و"العَشِيرَةُ": قَرابَةُ الرَجُلِ، وهي في الرُتْبَةِ تَحْتَ الفَخْذِ وفَوْقَ الفَصِيلَةِ.

و"خَفْضُ الجَناحِ" اسْتِعارَةٌ، مَعْناهُ: لِينُ الكَلِمَةِ وبَسْطُ الوَجْهِ والبِرِّ، والضَمِيرُ في "عَصَوْكَ" عائِدٌ عَلى عَشِيرَتِهِ مِن حَيْثُ جُمِعَتْ رِجالًا، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالتَبَرِّي مِنهُمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ وإنه لتنزيل ربّ العالمين ﴾ [الشعراء: 192] وما بينهما اعتراض استدعاه تناسب المعاني وأخذُ بعضها بحُجز بعض تفنناً في الغرض.

وهذا رد على قولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هو كاهن قال تعالى: ﴿ فذكّر فما أنت بنعمت ربّك بكاهن ولا مجنون ﴾ [الطور: 29]، وزعمهم أن الذي يأتيه شيطان؛ فقد قالت العوراء بنت حرب امرأةُ أبي لهب لما تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيام الليل ليلتين لِمرض: أرجو أن يكون شيطانك قد تركك.

ولذلك كان من جملة ما راجعهم به الوليد بن المغيرة حين شاوره المشركون فيما يصفون النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: نقول: كلامه كلام كاهن، فقال: والله ما هو بزمزمته.

وكلام الكهان في مزاعمهم من إلقاء الجن إليهم وإنما هي خواطر نفوسهم ينسبونها إلى شياطينهم المزعومة.

نُفي عن القرآن أن يكون من ذلك القبيل، أي الكهان لا يجيش في نفوسهم كلام مثل القرآن فما كان لشياطين الكهان أن يفيضوا على نفوس أوليائهم مثلَ هذا القرآن.

فالكهانة من كذب الكهان وتمويههم، وأخبار الكهان كلها أقاصيص وسَّعها الناقلون.

فالتعريف في ﴿ السمع ﴾ للعهد وهو ما يعتقده العرب من أن الشياطين تسترق السمع، أي تتحيّل على الاتصال بعلم ما يجري في الملإ الأعلى.

ذلك أن الكهان كانوا يزعمون أن الجن تأتيهم بأخبار ما يقدّر في الملأ الأعلى مما سيظهر حدوثه في العالم الأرضي، فلذلك نُفي هنا تنزُّلُ الشياطين بكلام القرآن بناء على أن المشركين يزعمون أن الشياطين تنزل من السماء بأخبار ما سيكون.

وبيان ذلك تقدم في سورة الحجر ويأتي في سورة الصافات.

ومعنى: ﴿ وما ينبغي لهم ﴾ ما يستقيم وما يصح، أي لا يستقيم لهم تلقي كلام الله تعالى الذي الشأن أن يتلقاه الروح الأمين، وما يستطيعون تلقيه لأن النفوس الشيطانية ظلمانية خبيثة بالذات فلا تقبل الانتقاش بصورِ ما يجري في عالم الغيب، فإن قبول فيضان الحق مشروط بالمناسبة بين المبدأ والقابل.

فضمير ﴿ ينبغي ﴾ عائد إلى ما عاد عليه ضمير ﴿ به ﴾ ، أي ما ينبغي القرآن لهم، أي ما ينبغي أن ينزلوا به كما زعم المشركون.

ومفعول ﴿ يستطيعون ﴾ محذوف، أي ما يستطيعونه.

وأعيدت الضمائر بصيغة العقلاء بعد أن أضمر لهم بضمير غير العقلاء في قوله: ﴿ وما تنزلت ﴾ اعتباراً بملابسة ذلك للكهان.

وقد تقدم في سورة الحجر أن صنفاً من الشياطين يتهيّأ للتلقي بما يسمَّى استراق السمع وأنه يصرف عنه بالشُّهب.

واستؤنف ب ﴿ إنهم عن السمع لمعزولون ﴾ فكان ذلك كالفذلكة لما قبله وهو بعمومه يتنزل منزلة التذييل.

والمعزول: المبعد عن أمر فهو في عُزلة عنه.

وفي هذا إبطال للكهانة من أصلها وهي وإن كانت فيها شيء من الاتصال بالقوى الروحية في سالف الزمان فقد زال ذلك منذ ظهور الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم لَمَصْرُوفُونَ عَنِ السَّمْعِ لِلْقُرْآنِ.

الثّانِي: أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنْ فَهْمِهِ وإنْ سَمِعُوهُ.

الثّالِثُ: أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ العَمَلِ بِهِ وإنْ سَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ قال: هذا القرآن ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ قال: جبريل.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ قال: الروح الأمين: جبريل رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فهم مثل ريش الطواويس.

وأخرج ابن مردويه عن الحسن أظنه عن سعد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «الأوان الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وأن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ قال: بلسان قريش.

ولو كان غير عربي ما فهموه.

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس والبيهقي في شعب الإِيمان عن بريدة في قوله: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ قال: بلسان جرهم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بريدة، مثله.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: كان نفر من قريش من أهل مكة قدموا على قوم من يهود من بني قريظة لبعض حوائجهم، فوجدوهم يقرأون التوراة فقال القرشيون: ماذا نلقى ممن يقرأ توراتكم هذه؟

لهؤلاء أشد علينا من محمد وأصحابه.

فقال اليهود: نحن من أولئك برآء.

أولئك يكذبون على التوراة وما أنزل الله في الكتب إنما أرادوا عرض الدنيا.

فقال القرشيون: فإذا لقيتموهم فسوِّدوا وجوههم وقال المنافقون: وما يعلمه إلا بشر مثله.

وأنزل الله: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ إلى قوله: ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وصفته، ونعته، وأمره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يقول: في الكتب التي أنزلها على الأولين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ قال: كتب الأولين ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: يعني بذلك اليهود والنصارى، كانوا يعلمون أنهم يجدون محمداً مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل أنه رسول الله.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أو لم يكن لهم آية ﴾ بالياء.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: عبد الله بن سلاممبشر بن عبيد القرشي في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية ﴾ يقول: أو لم يكن لهم القرآن آية.

وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: كانوا خمسة؛ أسد، وأسيد، وابن يامين، وثعلبة، وعبد الله بن سلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: يقول لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين لكانت العرب أشر الناس فيه، لا يفهمونه ولا يدرون ما هو.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: لو أنزله الله عجمياً لكانوا أخسر الناس به لأنهم لا يعرفون العجمية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: الفرس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ كذلك سلكناه ﴾ قال: الشرك جعلناه ﴿ في قلوب المجرمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جهضم قال: «رؤي النبي صلى الله عليه وسلم كأنه متحير فسألوه عن ذلك فقال: ولم...

!

ورأيت عدوّي يلون أمر أمتي من بعدي.

فنزلت ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ﴾ ، ﴿ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ﴾ ، ﴿ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ فطابت نفسه» .

وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن عبد الملك؛ أنه كان لا يدع أن يقول في خطبته كل جمعة: إنما أهل الدنيا فيها على وجل لم تمض لهم نية، ولم تطمئن لهم دار حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجعاتها، ولا يبقى فيها شيء، ثم يتلو ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ﴾ ، ﴿ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ﴾ ، ﴿ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴾ قال: الرسل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴾ قال: ما أهلك الله من قرية إلا من بعد ما جاءتهم الرسل، والحجة، والبيان من الله.

ولله الحجة على طلقة ﴿ ذكرى ﴾ قال: تذكرة لهم، وموعظة وحجة لله ﴿ وما كنا ظالمين ﴾ يقول: ما كنا لنعذبهم إلا من بعد البينة والحجة والعذر.

حتى نرسل الرسل، وننزل الكتب، وفي قوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ يعني القرآن ﴿ وما ينبغي لهم أن ينزلوا به وما يستطيعون ﴾ يقول لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه ﴿ إنهم عن السمع لمعزولون ﴾ قال: عن سمع السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ قال: زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد؛ فأخبرهم الله أنها لا تقدر على ذلك ولا تستطيعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا وهو محجور عليهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴾ قال مقاتل: قالت قريش: إنما يجيء بالقرآن الشيطان فيلقيه على لسان محمد فأنزل الله: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴾ [يعني: القرآن (١) وهذه الآية منتظمة بقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴾ أي: نزل بالقرآن جبريل ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴾ ] (٢) (١) "تفسير مقاتل" 55 أ.

وأخرجه عبد الرزاق 2/ 77، عن قتادة.

(٢) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين ﴾ الضمير للقرآن ﴿ الروح الأمين ﴾ يعني جبريل عليه السلام ﴿ على قَلْبِكَ ﴾ إشارة إلى حفظه إياه لأن القلب هو الذي يحفظ ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ ﴾ يعني كلام العرب هو متعلق بنزل أو المنذرين ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأولين ﴾ المعنى أن القرآن مذكور في كتب المتقدّمين ففي ذلك دليل على صحته ثم أقام الحجة على قريش بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بني إِسْرَائِيلَ ﴾ بأنه من عند الله آية لكم وبرهان، والمراد من أسلم من بني إسرائيل: كعبد الله بن سلام وقيل: الذين كانوا يبشرون بمبعثه عليه الصلاة والسلام ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ على بَعْضِ الأعجمين ﴾ الآية جمع أعجم، وهو الذي لا يتكلم سواء كان إنساناً أو بهيمة أو جماداً والأعجمي: المنسوب إلى العجم أي غير العرب وقيل: بمعنى الأعجم، ومعنى الآية: أن القرآن لو نزل على من لا يتكلم، ثم قرأه عليهم لا يؤمنوا لإفراط عنادهم، ففي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم على كفرهم به مع وضوح برهانه ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ معنى ﴿ سَلَكْنَاهُ ﴾ .

أدخلناه، والضمير للتكذيب الذي دل عليه ما تقدم من الكلام، أو القرآن أي سلكناه في قلوبهم مكذباً به، وتقدير قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مثل هذا السلك سلكناه، ﴿ المجرمين ﴾ : يحتمل أن يريد به قريشاً أو الكفار المتقدمين و ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ : تفسير للسلك الذي سلكه في قلوبهم ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ تمنوا أن يؤخروا حين لم ينفعهم التمني ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ توبيخ لقريش على استعجالهم بالعذاب في قولهم: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ [النمل: 10] ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء ﴾ [الأنفال: 32] وشبه ذلك ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ﴾ المعنى أن مدّة إمهالهم لا تغني مع نزول العذاب بعدها، وإن طالت مدة سنين، لأن كل ما هو آت قريب، قال بعضهم ﴿ سِنِينَ ﴾ يريد به عمر الدنيا ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ ﴾ المعنى أن الله لم يهلك قوماً إلا بعد أن أقام الحجة عليهم بأن أرسل إليهم رسولاً فأنذرهم فكذبوه ﴿ ذكرى ﴾ منصوب على المصدر من معنى الإنذار، أو على الحال من الضمير من منذرون، أو على المفعول من أجله، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين ﴾ الضمير للقرآن، وهو ردّ على من قال أنه كهانة نزلت به الشياطين على محمد ﴿ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أي ما يمكنهم ذلك ولا يقدرون عليه، ولفظ: ﴿ مَا يَنبَغِي ﴾ تارة يستعمل بمعنى لا يمكن وتارة بمعنى لا يليق ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ ﴾ تعليل لكون الشياطين لا يستطيعون الكهانة، لأنهم منعوا من استراق السمع منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان أمر الكهان كثيراً منتشراً قبل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليكة ﴾ بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذلك في "صاد": اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون ﴿ الأيكة ﴾ معرفاً مجروراً.

﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز.

الآخرون بسكونها ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ونزل به ﴾ مخففاً ﴿ الروح الأمين ﴾ مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب.

الباقون ﴿ نزل ﴾ مشدداً ﴿ الروح الأمين ﴾ منصوبين ﴿ أو لم تكن ﴾ بتاء التأنيث ﴿ آية ﴾ بالرفع: ابن عامر.

الباقون بالياء التحتانية ﴿ آية ﴾ بالنصب: ﴿ فتوكل ﴾ بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون بالواو ﴿ من تنزل الشياطين ﴾ بتشديد التاء وكذلك ﴿ تنزل ﴾ البزي وابن فليح ﴿ يتبعهم ﴾ بالتخفيف: نافع ﴿ وادي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة.

الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ج ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ المخسرين ﴾ ج ه ﴿ المستقيم ﴾ ج ه ﴿ مفسدين ﴾ ج ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ط ﴿ المسحرين ﴾ ه لا ﴿ الكاذبين ﴾ ه ج ﴿ نصف آي القرآن ﴾ ﴿ الصادقين ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الظلة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ه ﴿ الأعجمين ﴾ ه لا ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ لا يؤمنون ﴾ مستأنف للبيان ولو جعل حالاً فلا وقف ﴿ الأليم ﴾ ه لا ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا ﴿ منظرون ﴾ ه ط ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ما أغنى ﴾ جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط ﴿ يمتعون ﴾ ه ط ﴿ منذرون ﴾ ه وقد يوقف عليها بناء على أن ﴿ ذكرى ﴾ ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على ﴿ ذكرى ﴾ جائز ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ يستطيعون ﴾ ه ط ﴿ المعزولون ﴾ ه ط ﴿ المعذبين ﴾ ج ه ﴿ الأقربين ﴾ ج ه للعطف ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ج ﴿ الرحيم ﴾ ه لا ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ أثيم ﴾ ج ه بناء على أن ﴿ يلقون ﴾ حال من ضمير ﴿ الشياطين ﴾ اي تنزل ملقين السمع أو صفة ﴿ لكل افاك ﴾ وإن جعل مستأنفاً كأن قائلاً قال: لم تنزل؟

فقيل: يفعلون كيت وكيت فلك الوقف.

﴿ كاذبون ﴾ ه ط ﴿ الغاوون ﴾ ه ط ﴿ يهيمون ﴾ ه لا ﴿ لا يفعلون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ ينقلبون ﴾ ه.

التفسير: القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخاً مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل "أخوهم شعيب".

يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل.

قال في الكشاف: قرئ ﴿ أصحاب ليكة ﴾ بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ﴿ ليكة ﴾ بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن ﴿ ليكة ﴾ اسم لا يعرف.

قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك.

أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسراً فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيداً ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وزنوا بالقسطاطس المستقيم ﴾ وقد مر في سورة سبحان.

قال في الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه "فعلاس" وإلا فهو رباعي.

قلت: إن كان مكرراً فوزنه "فعلال" أيضاً.

وقوله ﴿ ولا تبخسوا ﴾ تأكيداً آخر وقد سبق في "هود".

والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين.

قال في الكشاف: الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله ﴿ وما أنت إلا بشر ﴾ وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحراً وكونه بشراً وهناك جعل المعنى الثاني مقرراً للأول.

قلت: الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحاً قلل في الخطاب فقللوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب.

"وإن" في قولهم ﴿ وإن نظنك ﴾ هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر.

واللام في قوله ﴿ لمن الكاذبين ﴾ هي الفارقة.

والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش.

والمعنى إن كنت صادقاً في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء.

وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله: ﴿ ربي أعلم بما تعملون ﴾ يروى أن شعيباً بعث إلى أمتين: اصحاب مدين وأصحاب الأيكة.

فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الحرّ فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلٍ ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا.

وحين سلى رسول الله  بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلاً ﴿ وإنه ﴾ اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ أي منزله.

والباء في ﴿ نزل به ﴾ علىالقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولاً آخر هو الروح أي جعل الله  الروح الأمين نازلاً به على قلبك محفوظاً مفهوماً ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد  .

ويجوز أن يكون قوله ﴿ لسان ﴾ متعلقاً ﴿ بنزل ﴾ أي نزله ﴿ بلسان عربي ﴾ لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه.

ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله ﴿ على قلبك ﴾ أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك.

والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان.

ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاماً طويلاً في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال ﴿ نزله على قلبك ﴾ ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول.

قوله ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في تلك الزبر.

وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة.

وقيل: الضمير فيه وفي ﴿ أن يعلمه ﴾ للنبي  وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر.

من قرأ ﴿ يكن ﴾ بالتذكير و ﴿ آية ﴾ بالنصب على الخبر والاسم ﴿ أن يعلمه ﴾ فظاهر، ومن قرأ ﴿ تكن ﴾ بالتأنيث و ﴿ آية ﴾ بالرفع على الاسم والخبر ﴿ أن يعلمه ﴾ فقيل: ليست بقوية لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً.

ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في ﴿ تكن ﴾ وجملته ﴿ آية أن يعلمه ﴾ و ﴿ لهم ﴾ لغواً أو ﴿ لهم آية ﴾ ﴿ وأن يعلمه ﴾ بدل من آية.

قال جار الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو.

ثم أكد بقوله ﴿ ولو نزلناه ﴾ ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه.

وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحاً معجزاً متحدّى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً.

ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا السلك ﴿ سلكناه ﴾ في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أيّ وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول "الحجر".

والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول الله  فإن اليأس إحدى الراحتين.

قال في الكشاف: ليس الفاء في قوله ﴿ فيأتيهم بغتة فيقولوا ﴾ لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة.

فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة.

نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة.

قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز.

ثم نكرهم بقوله ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟

وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ يستعجلون ﴾ حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلاً بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل.

ثم قال: هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟.

عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت.

ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون ﴿ ذكرى ﴾ متعلقة ﴿ بأهلكنا ﴾ مفعولاً له.

ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً ﴿ لأنذر ﴾ بمعنى التذكرة فإن ﴿ أنذر ﴾ وذكر متقاربان، أو حالاً من الضمير في ﴿ منذرون ﴾ أو مفعولاً له متعلقاً به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض.

ويجوز أن يكون صفة ﴿ لمنذرون ﴾ على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها.

والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم  ﴾ إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله ﴿ ولها كتاب معلوم  ﴾ وقوله ﴿ لها منذرون ﴾ حالاً أو وصفاً فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، وذلك أن قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله ﴿ معلوم ﴾ وبقوله ﴿ ما تسبق ﴾ وهذا بخلاف قوله ﴿ لها منذرون ﴾ فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم.

ثم إنه لما احتج على صدق محمد  بكون القرآن معجزاً منزلاً من رب العالمين مشتملاً على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ التنزل بالوحي ﴿ وما يستطيعون ﴾ .

ثم بين عدم اقتدارهم بقوله ﴿ إنهم عن السمع ﴾ أي عن سماع كلام أهل السماء ﴿ لمعزولون ﴾ وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد  يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك.

وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ فلا تدع ﴾ والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم  ﴾ وغير ذلك ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى.

وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب.

"يروى أنه  لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذاً فخذاً وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله: إني لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من المال ما شئتم" .

"وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟

قالوا: نعم.

قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" .

قوله ﴿ واخفض جناحك ﴾ قد مر تفسيره في آخر "الحجر" وفي "سبحان" وزاد ههنا ﴿ لمن اتبعك ﴾ كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته.

وإنما لم يقتصر على قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ لأن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين.

وقال في الكشاف: سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد بالمؤمنين المصدّقين بالألسنة فزاد قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ ليخرج من صدّق باللسان دون الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل.

وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان.

فاستدل الجبائي به على أن الله  أيضاً بريء من عملهم فكيف يكون فاعلاً له؟!

وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله ﴿ وتوكل ﴾ معطوف على قوله ﴿ فلا تدع ﴾ أو على قوله ﴿ فقل ﴾ أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه.

قال بعض العلماء: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين.

وللمفسرين فيه وجوه منها: ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصاً عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكراً وتلاوة.

فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم.

ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود.

ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن.

ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث "أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري" فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه.

وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين.

وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي  لا يكونون كفاراً.

قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث.

والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.

ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله ﴿ هل أنبئكم على من تنزل ﴾ قال في الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟

ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى زيد مررت؟

قلت: هذا تكلف بارد لأن لااستفهام في "من" ضمني لا يصرح به قط.

والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما.

والضمير في ﴿ يلقون ﴾ عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء ﴿ السمع ﴾ أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث "الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة" .

والقر الصب.

وقيل: السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة.

ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿ يلقون ﴾ للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس.

وإنما لم يقل "وكلهم كاذبون" لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكماً كلياً ما لم تدع إليه ضرورة.

والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي  على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد  إلا الصدق، فكيف يكون كاهناً؟

ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قيل: أي الشياطين.

والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي  ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت.

ثم بين غوايتهم بقوله ﴿ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنساناً معيناً تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه.

وذكر من قبائح خصالهم ﴿ أنهم يقولون ﴾ عند الطلب والدعاوي ﴿ مالا يفعلون ﴾ ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم.

قالوا وما فعلوا وأين هم *** من معشر فعلوا وما قلوا وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية.

ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله  .

"وعن كعب بن مالك أن رسول الله  قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" .

وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك.

والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي.

فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه  "إن من الشعر لحكماً" .

وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه.

وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله  : { ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  ﴾ وقال  "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم" ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله.

وقوله ﴿ أيّ منقلب ﴾ صفة لمصدر محذوف والعامل ﴿ ينقلبون ﴾ أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه ﴿ يعلم ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.

وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة.

التأويل: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجميين ﴾ فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كردياً واصبحت عربياً.

والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا ﴿ بغتة وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون.

﴿ وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.

﴿ فتكون من المعذبين ﴾ لأن كل من طلب مع الله شيئاً آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله.

﴿ وأنذر عشيرتك ﴾ فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده.

إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة.

﴿ إني بريء مما تعملون ﴾ لم يقل "إني بريء منكم" لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولاً جميلاً بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك.

﴿ وتقلبك في الساجدين ﴾ بأن خلق روح كل ساجد من روحك.

﴿ إنه هو السميع ﴾ في الأزل مقالتك "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" لأن أرواحهم خلقت من روحك ﴿ العليم ﴾ باستحقاقك لهذه الكرامة الله  حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : وإنه - أي: القرآن - تنزيل رب العالمين، أي: نزله رب العالمين.

﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ ﴾ : جواب لقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ : يحتمل وجوهاً.

أحدها: أن جبريل لما ينزل من القرآن إنما ينزل على قلبه، لا يحجبه شيء عن قلبه.

والثاني: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ أي: لا يذهب عنه، بل الله يجمعه في قلبك؛ كقوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ .

أو أن يكون قوله: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ أي: يثبته على قلبك لقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ .

أو أن يكون قال ذلك لما انتهى إلى قلبه وحفظه غاية حفظه قال: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ ؛ كأنه ألقي في قلبه وكذلك يقال.

وقوله: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ : كأنه - والله أعلم - على التقديم والتأخير يخرج، أي: نزل به الروح الأمين على قلبك بلسان عربي مبين لتكونن من المنذرين.

والباطنية يقولون: أنزله على رسوله كالخيال غير موصوف بلسان، ثم إن رسوله أداه بلسانه العربي المبين أي: بينه، لكنه ليس كذا؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً  ﴾ ؛ فيبطل قولهم: إنه أداه بلسانه عربيّاً من غير أن أنزله كذلك، ولو كان على ما يقوله الباطنية: إنه لم ينزله بهذا اللسان - أعني: اللسان العربي - وأن الرسول هو الذي صيره بهذا اللسان وأداه به لكان لا يصير جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ  ﴾ ، ولا حجة عليهم، فإذا ذكر هذا جواباً لقولهم وحجة عليهم؛ دل أنه إنما أنزل عليه عربيّاً، وأن تأويل الأول ما ذكرنا على التقديم والتأخير.

وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: وإنه - أي: نعت محمد وصفته - كان في كتب الأولين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ أي: هذا القرآن كان ذكره في كتب الأولين أنه ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن عينه كان فيها.

أو أن كان بعضه في زبر الأولين لا الكل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل، أو لم يكن لهم محمد آية أن علماء بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم يجدونه مكتوباً عندهم في الكتب.

لكن تأويله: أو لم يكفهم علم علماء بني إسرائيل آية أنه رسوله.

ثم الآية تكون بوجهين: أحدهما: ما ذكر أن أهل مكة أرسلوا إلى اليهود بالمدينة يسألونهم عن رسول الله، فأخبروهم عنه أنه يخرج في وقت كذا، وأن نعته كذا، وهذا وقت خروجه.

والثاني: يقول: أولم يكفهم آية إسلام علماء بني إسرائيل وفقهائهم أنه رسول نحو ابن سلام وغيره، إذ كانوا لا يسلمون إلا عن علم وثبت أنه رسول؛ إذ كان في إسلامهم ذهاب مكانتهم ورياستهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ : قال بعضهم: نزلناه على رجل منهم عربي فلم يؤمنوا به، فكيف لو نزلناه على أعجمي؟!

وقال بعضهم: لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم، يقول: إذن لكانوا شر الناس فيهم ما فهموه وما دروا ما هو؛ وهو قريب من الأول.

وقال بعضهم: لو نزلناه على بعض الأعجمين من الدواب فكلمهم هذا ما صدقوه؛ يذكر سفههم وتعنتهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ ﴾ أي: لو نزلناه أعجميّاً فلم يفهموه لقالوا: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ  ﴾ ، ولكن نزلناه عربيّاً؛ لئلا يقولوا ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ : قال بعضهم: هكذا سلكنا الكفر والتكذيب، وأدخلناه في قلوب المجرمين.

وقال بعضهم: كذلك سلكناه - يعني: البيان والحجج - في قلوب المجرمين حتى عقلوه، ولزمتهم الحجة، لكنهم تركوا الإيمان تعنتاً وعناداً، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، حين لا ينفعهم إيمانهم؛ لأن إيمانهم عند معاينة العذاب إيمان دفع واضطرار لا إيمان اختيار، وهو كما قال: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ ؛ لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم حين خرج أنفسهم من بين أيديهم، وإيمان اضطرار لا إيمان اختيار؛ لذلك لم ينفعهم.

وقوله: ﴿ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً ﴾ أي: يأتيهم العذاب فجأة وهم لا يشعرون؛ لأنه - عز وجل - إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أبداً، أنزل بهم العذاب بغتة، ولو علم منهم أنهم يؤمنون حقيقة عند معاينة العذاب؛ لأنزل عليهم العذاب معاينة مجاهرة؛ ليؤمنوا فيقبل منهم ذلك ويدفع العذاب عنهم، كما قبل إيمان قوم يونس حيث قال: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا...

 ﴾ ، قبل منهم الإيمان عند معاينتهم العذاب؛ لما علم منهم أنهم يحققون الإيمان في ذلك، وأما من كان همهم المعاندة والمكابرة فهم لا يحققون الإيمان.

وقوله: ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ : لا يزالون يطلبون الرجعة إلى الدنيا، وتأخير العذاب عن أنفسهم إذا نزل بهم؛ كقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ  ﴾ فيتمنون الرجوع والنظرة، لكن لا يجابون.

وقوله: ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ : [هو] كقولهم: ﴿ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً  ﴾ ومثله، وإلا ليس هذا في الظاهر جواباً لقوله: ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ وجواب هذا - والله أعلم - قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ...

﴾ : يقول: ما يغني تأخير العذاب عنهم، وإمهالهم عنه وقتا يمتعون [فيه] - من عذاب الله من شيء؛ لا ينفعهم ذلك.

أو أن يكونوا سألوا العذاب في الظاهر واستمهلوه في الحقيقة، فخرج قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ...

﴾ الآية جواباً لاستمهالهم.

أو أن يكون بعضهم استعجل العذاب واستمهل غيرهم، فخرج هذا جواب من استمهل.

ثم خوفهم فقال: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَىٰ ﴾ : يقول: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ ﴾ إهلاك استئصال وانتقام، إلا بعد الإنذار وإقامة الحجة والبيان.

﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ ، أي: موعظة وزجرا عما هم فيه.

أو ﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ بذكر ما لهم وما عليهم وما لبعضهم على بعض.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ : في تعذيبهم، أي: لم نعذبهم بلا ذنب ولا جرم، ولكن بعنادهم ومكابرتهم؛ لأن العذاب في الدنيا لا يكون لنفس الكفر ولكن لعناد ومكابرة، وإنما عذاب الكفر في الآخرة؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ أي: ما كنا معذبين في الدنيا تعذيب انتقام حتى نبعث رسولا، فيظهر منهم العناد والمكابرة، فعند ذلك يعذبهم الله.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ أي: ما كنا نعذبهم إلا من بعد البيان والحجة وقطع العذر، والله أعلم.

وفي مصحف أبي: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا بذنوب أهلها ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ ﴾ : قال بعضهم: ما تنزلت بالقرآن الشياطين، فذلك جواب لقول أهل مكة: إن محمدا كاهن معه رئيٌّ يأتيه بما يقول يعنون بالرئيِ: الشيطان، وكانت الشياطين من قبل يقعدون من السماء مقاعد يستمعون فيها الوحي من الملائكة، فينزلون به على الكهان فمن بين مصيب ومخطئ، فقالوا: محمد كذلك، فأكذبهم الله في مقالتهم تلك، فقال: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ﴾ أي بالقرآن ﴿ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ ﴾ أن ينزلوا بالقرآن ﴿ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ، أي: قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب، وأخبر أنهم عن السمع لمعزولون.

وفي قوله: ﴿ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ دلالة أن من أراد أن يجعل القرآن حجة لغير الذي جعل هو حجة، لم يقدر على النطق به ولا التلاوة؛ نحو: من يأتي أفقاً من آفاق الأرض لم ينته إليهم هذا القرآن، فادعى لنفسه النبوة وجعل يحتج بهذا القرآن، فإنه لا يقدر على تلاوته ولا النطق به؛ لأنه إنما جعل حجة وبرهاناً للمحق لا للمبطل حيث قال: وما تنزلت الشياطين وما ينبغي لهم أن ينزلوا وما يستطيعون ذلك وإنهم معزولون عن ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما تنزلت الشياطين بهذا القرآن على قلب الرسول  .

<div class="verse-tafsir" id="91.6Rayj"

مزيد من التفاسير لسورة الشعراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد