الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ١٦ من سورة النمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 123 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( وورث سليمان داود ) أي : في الملك والنبوة ، وليس المراد وراثة المال ; إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود ، فإنه قد كان لداود مائة امرأة .
ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة ; فإن الأنبياء لا تورث أموالهم ، كما أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ في قوله ] : نحن معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة .
وقوله : ( يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ) ، أي : أخبر سليمان بنعم الله عليه ، فيما وهبه له من الملك التام ، والتمكين العظيم ، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير .
وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا ، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر - فيما علمناه - مما أخبر الله به ورسوله .
ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود - كما يتفوه به كثير من الناس - فهو قول بلا علم .
ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة ; إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم ، ويعرف ما تقول ، فليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا ، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال .
ولكن الله سبحانه وتعالى ، كان قد أفهم سليمان ، عليه السلام ، ما يتخاطب به الطيور في الهواء ، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها ; ولهذا قال : ( علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ) أي : مما يحتاج إليه الملك ، ( إن هذا لهو الفضل المبين ) أي : الظاهر البين لله علينا .
قال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " كان داود ، عليه السلام ، فيه غيرة شديدة ، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب ، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع " .
قال : " فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب ، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار ، فإذا رجل قائم وسط الدار ، فقالت لمن في البيت : من أين دخل هذا الرجل ، والدار مغلقة ؟
والله لنفتضحن بداود ، فجاء داود ، عليه السلام ، فإذا الرجل قائم وسط الدار ، فقال له داود : من أنت ؟
قال : الذي لا يهاب الملوك ، ولا يمتنع من الحجاب .
فقال داود : أنت والله إذا ملك الموت .
مرحبا بأمر الله ، فتزمل داود ، عليه السلام ، مكانه حتى قبضت نفسه ، حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس ، فقال سليمان ، عليه السلام ، للطير : أظلي على داود ، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهما الأرض ، فقال لها سليمان : اقبضي جناحا جناحا " قال أبو هريرة : يا رسول الله ، كيف فعلت الطير ؟
فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده ، وغلبت عليه يومئذ المضرحية .
قال أبو الفرج بن الجوزي : المضرحية النسور الحمر .
يقول تعالى ذكره: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ ) أباه ( دَاودَ ) العلم الذي كان آتاه الله في حياته, والمُلك الذي كان خصه به على سائر قومه, فجعله له بعد أبيه داود دون سائر ولد أبيه (وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) يقول: وقال سليمان لقومه: يا أيها الناس علمنا منطق الطير, يعني فهمنا كلامها; وجعل ذلك من الطير كمنطق الرجل من بني آدم إذ فهمه عنها.
وقد حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب: (وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) قال: بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ: خمسة وعشرون منها للإنس, وخمسة وعشرون للجنّ، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير, وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب; فيها ثلاث مائة صريحة, وسبع مائة سرية, فأمر الريح العاصف فرفعته, وأمر الرخاء فسيرته، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد أردت أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح فأخبرته.
وقوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) يقول: وأعطينا ووهب لنا من كلّ شيء من الخيرات (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) يقول: إن هذا الذي أوتينا من الخيرات لهو الفضل على جميع أهل دهرنا المبين, يقول: الذي يبين لمن تأمَّله وتدبره أنه فضل أعطيناه على من سوانا من الناس.
قوله تعالى : وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء قال الكلبي : كان لداود صلى الله عليه وسلم تسعة عشر ولدا فورث سليمان من بينهم نبوته وملكه ، ولو كان وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء ; وقاله ابن العربي ; قال : فلو كانت وراثة مال لانقسمت على العدد ; فخص الله سليمان بما كان لداود من الحكمة والنبوة ، وزاده من فضله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده .
قال ابن عطية : داود من بني إسرائيل وكان ملكا وورث سليمان ملكه ومنزلته من النبوة ، بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه فسمي ميراثا تجوزا ; وهذا نحو قوله : العلماء ورثة الأنبياء ويحتمل قوله عليه السلام : إنا معشر الأنبياء لا نورث أن يريد أن ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم ، وإن كان فيهم من ورث ماله كزكرياء على أشهر الأقوال فيه ; وهذا كما تقول : إنا معشر المسلمين إنما شغلتنا العبادة ، والمراد أن ذلك فعل الأكثر .
ومنه ما حكى سيبويه : إنا معشر العرب أقرى الناس للضيف .قلت : قد تقدم هذا المعنى في ( مريم ) وأن الصحيح القول الأول لقوله عليه السلام : إنا معشر الأنبياء لا نورث فهو عام ولا يخرج منه شيء إلا بدليل .
قال مقاتل : كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه ، وكان داود أشد تعبدا من سليمان .
قال غيره : ولم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ ملكه ; فإن الله سبحانه وتعالى سخر له الإنس والجن والطير والوحش ، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين ، وورث أباه في الملك والنبوة ، وقام بعده بشريعته ، وكل نبي جاء بعد موسى ممن بعث أو لم يبعث فإنما كان بشريعة موسى ، إلى أن بعث المسيح عليه السلام فنسخها .
وبينه وبين الهجرة نحو من ألف وثمانمائة سنة .
واليهود تقول ألف وثلاثمائة واثنتان وستون سنة .
وقيل : إن بين موته وبين مولد النبي صلى الله عليه سلم نحوا من ألف وسبعمائة .
واليهود تنقص منها ثلاثمائة سنة ، وعاش نيفا وخمسين سنة .قوله تعالى : وقال يا أيها الناس أي قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله علمنا منطق الطير أي تفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض في أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها .
قال مقاتل في الآية : كان سليمان جالسا ذات يوم إذ مر به طائر يطوف ، فقال لجلسائه : أتدرون ما يقول هذا الطائر ؟
إنها قالت لي : السلام عليك أيها الملك المسلط والنبي لبني إسرائيل !
أعطاك الله الكرامة ، وأظهرك على عدوك ، إني منطلق إلى أفراخي ثم أمر بك الثانية ; وإنه سيرجع إلينا الثانية ثم رجع ; فقال إنه يقول : السلام عليك أيها الملك المسلط ، إن شئت أن تأذن لي كيما أكتسب على أفراخي حتى يشبوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت .
فأخبرهم سليمان بما قال ; وأذن له فانطلق .
وقال فرقد السبخي : مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه ، فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول هذا البلبل ؟
قالوا لا يا نبي الله .
قال إنه يقول : أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء .
ومر بهدهد فوق شجرة وقد نصب له صبي فخا فقال له سليمان : احذر يا هدهد !
فقال : يا نبي الله !
هذا صبي لا عقل له فأنا أسخر به .
ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حبالة الصبي وهو في يده ، فقال : هدهد ما هذا ؟
قال : ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبي الله .
قال : ويحك !
فأنت ترى الماء تحت الأرض أما ترى الفخ !
قال : يا نبي الله إذا نزل القضاء عمي البصر .
وقال كعب .
صاح ورشان عند سليمان بن داود فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا .
قال : إنه يقول : لدوا للموت وابنوا للخراب .
وصاحت فاختة ، فقال : أتدرون ما تقول ؟
قالوا : لا .
قال : إنها تقول : ليت هذا الخلق لم يخلقوا وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا .
وصاح عندهطاوس ، فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا .
قال : إنه يقول : كما تدين تدان .
وصاح عنده هدهد فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا .
قال : فإنه يقول : من لا يرحم لا يرحم .
وصاح صرد عنده ، فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا .
قال : إنه يقول : استغفروا الله يا مذنبين ; فمن ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله .
وقيل : إن الصرد هو الذي دل آدم على مكان البيت .
وهو أول من صام ; ولذلك يقال للصرد الصوام ; روي عن أبي هريرة .
وصاحت [ ص: 155 ] عنده طيطوى فقال : أتدرون ما تقول ؟
قالوا : لا .
قال : إنها تقول : كل حي ميت وكل جديد بال .
وصاحت خطافة عنده ، فقال : أتدرون ما تقول ؟
قالوا : لا .
قال : إنها تقول : قدموا خيرا تجدوه ; فمن ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها .
وقيل : إن آدم خرج من الجنة فاشتكى إلى الله الوحشة ، فآنسه الله تعالى بالخطاف وألزمها البيوت ، فهي لا تفارق بني آدم أنسا لهم .
قال : ومعها أربع آيات من كتاب الله عز وجل : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته إلى آخرها وتمد صوتها بقوله : " العزيز الحكيم " .
وهدرت حمامة عند سليمان فقال : أتدرون ما تقول ؟
قالوا : لا .
قال : إنها تقول : سبحان ربي الأعلى عدد ما في سماواته وأرضه .
وصاح قمري عند سليمان ، فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا .
قال إنه يقول : سبحان ربي العظيم المهيمن .
وقال كعب : وحدثهم سليمان ، فقال : الغراب يقول : اللهم العن العشار ; والحدأة تقول : كل شيء هالك إلا وجهه .
والقطاة تقول : من سكت سلم .
والببغاء تقول : ويل لمن الدنيا همه .
والضفدع يقول : سبحان ربي القدوس .
والبازي يقول : سبحان ربي وبحمده .
والسرطان يقول : سبحان المذكور بكل لسان في كل مكان .وقال مكحول : صاح دراج عند سليمان ، فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا .
قال : إنه يقول : الرحمن على العرش استوى .
وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم : الديك إذا صاح قال اذكروا الله يا غافلين .
وقال الحسن بن علي بن أبي طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم : النسر إذا صاح قال يا بن آدم عش ما شئت فآخرك الموت وإذا صاح العقاب قال : في البعد من الناس الراحة .
وإذا صاح القنبر قال : إلهي العن مبغضي آل محمد .
وإذا صاح الخطاف قرأ : الحمد لله رب العالمين إلى آخرها فيقول : ولا الضالين ويمد بها صوته كما يمد القارئ .
قال قتادة والشعبي : إنما هذا الأمر في الطير خاصة ، لقوله : علمنا منطق الطير والنملة طائر إذ قد يوجد له أجنحة .
قال الشعبي : وكذلك كانت هذه النملة ذات جناحين .
وقالت فرقة : بل كان في جميع الحيوان ، وإنما ذكر الطير لأنه كان جندا من جند سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس وفي البعث في الأمور فخص بالذكر لكثرة مداخلته ; ولأن أمر سائر الحيوان نادر وغير [ ص: 156 ] متردد ترداد أمر الطير .
وقال أبو جعفر النحاس : والمنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام ، والله جل وعز أعلم بما أراد .
قال ابن العربي : من قال إنه لا يعلم إلا منطق الطير فنقصان عظيم ، وقد اتفق الناس على أنه كان يفهم كلام من لا يتكلم ويخلق له فيه القول من النبات ، فكان كل نبت يقول له : أنا شجر كذا ، أنفع من كذا وأضر من كذا ; فما ظنك بالحيوان .
أي: ورث علمه ونبوته فانضم علم أبيه إلى علمه، فلعله تعلم من أبيه ما عنده من العلم مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه كما تقدم من قوله ففهمناها سليمان، وقال شكرا لله وتبجحا بإحسانه وتحدثا بنعمته: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ فكان عليه الصلاة [والسلام] يفقه ما تقول وتتكلم به كما راجع الهدهد وراجعه، وكما فهم قول النملة للنمل كما يأتي وهذا لم يكن لأحد غير سليمان عليه الصلاة والسلام.
وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي: أعطانا الله من النعم ومن أسباب الملك ومن السلطنة والقهر ما لم يؤته أحدا من الآدميين، ولهذا دعا ربه فقال: وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فسخر الله له الشياطين يعملون له كل ما شاء من الأعمال التي يعجز عنها غيرهم، وسخر له الريح غدوها شهر ورواحها شهر.
إِنَّ هَذَا الذي أعطانا الله وفضلنا واختصنا به لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ الواضح الجلي فاعترف أكمل اعتراف بنعمة الله تعالى.
( وورث سليمان داود ) نبوته وعلمه وملكه دون سائر أولاده وكان لداود تسعة عشر ابنا ، وأعطي سليمان ما أعطي داود من الملك ، وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين .
قال مقاتل : كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه ، وكان داود أشد تعبدا من سليمان ، وكان سليمان شاكرا لنعم الله تعالى .
( وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير ) سمى صوت الطير منطقا لحصول الفهم منه ، كما يفهم من كلام الناس .
روي عن كعب قال صاح ورشان عند سليمان عليه السلام ، فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا قال : إنه يقول لدوا للموت وابنوا للخراب ، وصاحت فاختة ، فقال : أتدرون ما تقول ؟
قالوا : لا قال : إنها تقول : ليت ذا الخلق لم يخلقوا ، وصاح طاوس ، فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا قال : فإنه يقول : كما تدين تدان ، وصاح هدهد ، فقال : أتدرون ما يقول هذا ؟
قالوا : لا قال : فإنه يقول : من لا يرحم لا يرحم ، وصاح صرد ، فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا قال : فإنه يقول : استغفروا الله يا مذنبين ، قال : وصاحت طوطى ، فقال : أتدرون ما تقول ؟
قالوا : لا قال : فإنها تقول : كل حي ميت وكل حديد بال ، وصاح خطاف ، فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا قال : فإنه يقول : قدموا خيرا تجدوه ، وهدرت حمامة ، فقال : أتدرون ما تقول ؟
قالوا : لا قال : فإنها تقول : سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه ، وصاح قمري ، فقال : أتدرون ما يقول ؟
قالوا : لا قال : فإنه يقول : سبحان ربي الأعلى ، قال : والغراب يدعو على العشار ، والحدأة تقول : كل شيء هالك إلا الله ، والقطاة تقول : من سكت سلم ، والببغاء تقول : ويل لمن الدنيا همه ، والضفدع يقول : سبحان ربي القدوس ، والبازي يقول : سبحان ربي وبحمده ، والضفدعة تقول : سبحان المذكور بكل لسان .
وعن مكحول قال : صاح دراج عند سليمان ، فقال : هل تدرون ما يقول ؟
قالوا : لا قال : فإنه يقول : الرحمن على العرش استوى .
وعن فرقد السبخي قال مر سليمان على بلبل فوق شجر يحرك رأسه ويميل ذنبه ، فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول هذا البلبل ؟
فقالوا الله ونبيه أعلم ، قال يقول : أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء .
وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس : إنا سائلوك عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمنا وصدقنا ، قال : سلوا تفقها ولا تسألوا تعنتا ، قالوا : أخبرنا ما يقول القنبر في صفيره ، والديك في صقيعه ، والضفدع في نقيقه ، والحمار في نهيقه ، والفرس في صهيله ، وماذا يقول الزرزور والدراج ؟
قال : نعم ، أما القنبر فيقول : اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد ، وأما الديك فيقول : اذكروا الله يا غافلين ، وأما الضفدع فيقول : سبحان المعبود في لجج البحار ، وأما الحمار فيقول : اللهم العن العشار ، وأما الفرس فيقول : إذا التقى الصفان سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، وأما الزرزور فيقول : اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رازق ، وأما الدراج فيقول : الرحمن على العرش استوى ، قال : فأسلم اليهود وحسن إسلامهم .
وروي عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال : إذا صاح النسر قال : يا ابن آدم ، عش ما شئت آخره الموت ، وإذا صاح العقاب قال : في البعد من الناس أنس ، وإذا صاح القنبر قال : إلهي العن مبغضي آل محمد ، وإذا صاح الخطاف ، قرأ : الحمد لله رب العالمين ، ويمد الضالين كما يمد القارئ .
قوله تعالى : ( وأوتينا من كل شيء ) يؤتى الأنبياء والملوك ، قال ابن عباس : من أمر الدنيا والآخرة .
وقال مقاتل : يعني النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والرياح ( إن هذا لهو الفضل المبين ) الزيادة الظاهرة على ما أعطى غيرنا .
وروى أن سليمان عليه السلام أعطي مشارق الأرض ومغاربها ، فملك سبعمائة سنة وستة أشهر ، ملك جميع أهل الدنيا من الجن والإنس والدواب والطير والسباع وأعطي على ذلك منطق كل شيء ، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة .
«وورث سليمان داود» النبوة والعلم دون باقي أولاده «وقال يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير» أي: فهمَ أصواته «وأُوتينا من كل شيء» تؤتاه الأنبياء والملوك «إن هذا» المؤتى «لهو الفضل المبين» البيَّن الظاهر.
وورث سليمان أباه داود في النبوة والعلم والملك، وقال سليمان لقومه: يا أيها الناس عُلِّمنا وفُهِّمنا كلام الطير، وأُعطينا مِن كل شيء تدعو إليه الحاجة، إن هذا الذي أعطانا الله تعالى إياه لهو الفضل الواضح الذي يُمَيِّزنا على مَن سوانا.
والمراد بالوراثة فى قوله - تعالى - : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ .
.
.
) وراثة العلم والنبوة والملك .
أى : وورث سليمان داود فى نبوته وعلمه وملكه .قال ابن كثير : " وقوله : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) : أى : فى الملك والنبوة وليس المراد وراثة المال ، إذ لو كان كذلك ، لم يخص سليمان وحده من ين سائر أولاد داود ..
.
ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم ، أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " .ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان على سبيل التحدث بنعم الله عليه ، فقال - تعالى - : ( وَقَالَ ياأيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ .
.
) .أى : وقال سليمان - عليه السلام - على سبيل الشكر لله - تعالى - : يأيها الناس : علمنا الله - تعالى - بفضله وإحسانه فهم ما يريده كل طائر إذا صوت أو صاح ، وأعطانا - سبحانه - من كل شىء نحتاجه وننتفع به فى ديننا أو دنيانا .وقدم نعمة تعليمه منطق الطير ، لأنها نعمة خاصة لا يشاركه فيها غيره ، وتعتبر من معجزاته - عليه السلام - .وقيل : إنه علم منطق جميع الحيوانات ، وإنما ذكر الطير لأنه أظهر فى النعمة ، ولأن الطير كان جندا من جنده ، يسير معه لتظليله من الشمس .قال الآلوسى : " والجملتان - علمنا منطق الطير ، وأوتينا من كل شىء - كالشرح للميراث .وعن مقاتل : أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن والإنس والشياطين والريح .وعن ابن عباس : هو ما يريده من أمر الدنيا والآخرة " .وعبر عن نعم الله - تعالى - عليه بنون العظمة فقال ( أُوتِينَا ) ولم يقل أوتيت ، للإشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين ، الذين سخر لهم جنوداً من الجن والإنس والطير ، ليكونوا فى خدمته ، وليستعملهم فى وجوه الخير فى فى وجوه الشر ، فهو لم يقل ذلك على سبيل التباهى والتعالى ، وإنما قاله على سبيل التحدث بنعمى الله .وإسم الإشارة فى قوله - تعالى - : ( إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين ) يعود إلى ما أعطاه الله - تعالى - إياه من العلم والملك وغيرهما .أى : إن هذا الذى أعطانا إياه من العلم والملك ، وكل شىء تدعو إليه الحاجة ، لهو الفضل الواضح ، والإحسان الظاهر منه - عز وجل - .
القصة الثانية: قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام: أما قوله تعالى: ﴿ عِلْمًا ﴾ فالمراد طائفة من العلم أو علماً سنياً (عزيزاً)، فإن قيل أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك أعطيته فشكر (ومنعته فصبر)؟
جوابه: أن الشكر باللسان إنما يحسن موقعه إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات، ولما كان الشكر باللسان يجب كونه مسبوقاً بهما فلا جرم صار كأنه قال: ولقد آتيناهما علماً، فعملا به قلباً وقالباً، وقالا باللسان الحمد لله الذي فعل كذا وكذا.
وأما قوله تعالى: ﴿ الحمد الله الذي فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ المؤمنين ﴾ ففيها أبحاث: أحدها: أن الكثير المفضل عليه هو من لم يؤت علماً أو من لم يؤت مثل علمهما، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير.
وثانيها: في الآية دليل على علو مرتبة العلم لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم.
وثالثها: أنهم لم يفضلوا أنفسهم على الكل وذلك يدل على حسن التواضع.
ورابعها: أن الظاهر يقتضي أن تلك الفضيلة ليست إلا ذلك العلم، ثم العلم بالله وبصفاته أشرف من غيره، فوجب أن يكون هذا الشكر ليس إلا على هذا العلم، ثم إن هذا العلم حاصل لجميع المؤمنين فيستحيل أن يكون ذلك سبباً لفضيلتهم على المؤمنين فإذن الفضيلة هو أن يصير العلم بالله وبصفاته جلياً بحيث يصير المرء مستغرقاً فيه بحيث لا يخطر بباله شيء من الشبهات ولا يغفل القلب عنه في حين من الأحيان ولا ساعة من الساعات.
أما قوله تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سليمان دَاوُودُ ﴾ فقد اختلفوا فيه، فقال الحسن المال لأن النبوة عطية مبتدأة ولا تورث، وقال غيره بل النبوة، وقال آخرون بل الملك والسياسة، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال إذا ورثه الولد فهو أيضاً عطية مبتدأة من الله تعالى، ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمناً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً، لكن الله تعالى جعل سبب الإرث فيمن يرث الموت على شرائط، وليس كذلك النبوة لأن الموت لا يكون سبباً لنبوة الولد فمن هذا الوجه يفترقان، وذلك لا يمنع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام به عند موته، كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته ومما يبين ما قلناه أنه تعالى لو فصل فقال وورث سليمان داود ماله لم يكن لقوله: ﴿ وَقَالَ يا أَيُّهَا الناس عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير ﴾ معنى، وإذا قلنا وورث مقامه من النبوة والملك حسن ذلك لأن تعليم منطق الطير يكون داخلاً في جملة ما ورثه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيء ﴾ لأن وارث الملك يجمع ذلك ووارث المال لا يجمعه وقوله: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين ﴾ لا يليق أيضاً إلا بما ذكرنا دون المال الذي قد يحصل للكامل والناقص، وما ذكره الله تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلا بما ذكرناه، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنه لم يرث إلا المال، فأما إذا قيل ورث المال والملك معاً فهذا لا يبطل بالوجوه التي ذكرناها، بل بظاهر قوله عليه السلام: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».
فأما قوله: ﴿ ياْ أَيُّهَا الناس ﴾ فالمقصود منه تشهير نعمة الله تعالى والتنويه بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، قال صاحب الكشاف المنطق كل ما يصوّت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وقد ترجم يعقوب كتابه بإصلاح المنطق وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم، وقالت العرب نطقت الحمامة (وكل صنف من الطير يتفاهم أصواته) فالذي علم سليمان عليه السلام من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من مقاصده وأغراضه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيء ﴾ فالمراد كثرة ما أوتي وذلك لأن الكل والبعض الكثير يشتركان في صفة الكثرة، والمشاركة سبب لجواز الاستعارة فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثير ومثله قوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيء ﴾ .
أما قوله: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين ﴾ فهو تقرير لقوله: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا ﴾ والمقصود منه الشكر والمحمدة كما قال عليه السلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» فإن قيل كيف قال: ﴿ عَلِمْنَا...
وَأُوتِينَا ﴾ وهو من كلام المتكبرين؟
جوابه من وجهين: الأول: أن يريد نفسه وأباه والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكاً مطاعاً، وقد يتعلق بتعظيم الملك مصالح فيصير ذلك التعظيم واجباً.
وأما قوله: ﴿ وَحُشِرَ لسليمان جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير ﴾ فالحشر هو الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة، والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذي يصح معه التكليف، أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد التكليف فلذلك قلنا إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل، وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره.
وأما قوله تعالى: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ معناه يحبسون وهذا لا يكون إلا إذا كان في كل قبيل منها وازع، ويكون له تسلط على من يرده ويكفه ويصرفه، فالظاهر يشهد بهذا القدر والذي جاء في الخبر من أنهم كانوا يمنعون من يتقدم ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب فغير ممتنع.
أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَتَوْا على وَادِى النمل ﴾ فقيل هو واد بالشام كثير النمل، ويقال لم عدى ﴿ أَتَوْا ﴾ بعلى؟
فجوابه من وجهين: الأول: أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء والثاني: أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشيء إذا (أنفذه و) بلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي، وقرئ ﴿ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النمل ﴾ بضم الميم وبضم النون والميم وكان الأصل النمل بوزن الرجل والنمل الذي عليه الاستعمال تخفيف عنه (كقولهم السبع في السبع).
أما قوله تعالى: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ فالمعنى أنها تكلمت بذلك وهذا غير مستبعد، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق فيها العقل والنطق.
وعن قتادة: أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة رحمه الله حاضراً وهو غلام حدث فقال سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟
فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه كانت أنثى فقيل له من أين عرفت؟
فقال من كتاب الله تعالى وهو قوله: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ ولو كان ذكراً لقال (قال نملة)، وذلك لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي.
أما قوله تعالى: ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ فاعلم أن النملة لما قاربت حد العقل، لا جرم ذكرت بما يذكر به العقلاء فلذلك قال تعالى: ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ فإن قلت ﴿ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ ما هو؟
قلت يحتمل أن يكون جواباً للأمر وأن يكون نهياً بدلاً من الأمر، والمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقة: لا أرينك هاهنا.
وفي هذه الآية تنبيه على أمور: أحدها: أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز، وإنما يلزم من في الطريق التحرز.
وثانيها: أن النملة قالت: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ كأنها عرفت أن النبي معصوم فلا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء عليهم السلام.
وثالثها: ما رأيت في بعض الكتب أن تلك النملة إنما أمرت غيرها بالدخول لأنها خافت على قومها أنها إذا رأت سليمان في جلالته، فربما وقعت في كفران نعمة الله تعالى وهذا هو المراد بقوله: ﴿ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سليمان ﴾ فأمرتها بالدخول في مساكنها لئلا ترى تلك النعم فلا تقع في كفران نعمة الله تعالى، وهذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.
ورابعها: قرئ (مسكنكم) و(لا يحطمنكم) بتخفيف النون، وقرئ (لا يحطمنكم) بفتح الطاء وكسرها وأصلها يحطمنكم.
أما قوله تعالى: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحكا مّن قَوْلِهَا ﴾ يعني تبسم شارعاً في الضحك (وآخذاً فيه)، بمعنى أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك، وإنما ضحك لأمرين: أحدهما: إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده (وشفقتهم) وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى، وذلك قولها: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ والثاني: سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحداً من سماعه لكلام النملة وإحاطته بمعناه.
أما قوله تعالى: ﴿ رَبّ أَوْزِعْنِى ﴾ فقال صاحب الكشاف: حقيقة أوزعني: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه عن أن ينقلب عني، حتى أكون شاكراً لك أبداً، وهذا يدل على مذهبنا فإن عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث.
وأما قوله تعالى: ﴿ وعلى وَالِدَىَّ ﴾ فذلك لأنه عد نعم الله تعالى على والديه نعمة عليه.
ومعنى قوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه ﴾ طلب الإعانة في الشكر وفي العمل الصالح، ثم قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ فلما طلب في الدنيا الإعانة على الخيرات طلب أن يجعل في الآخرة من الصالحين، وقوله: ﴿ بِرَحْمَتِكَ ﴾ يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق من جانب العبد واعلم أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرة أولاً ثم طلب ثواب الآخرة ثانياً، أما وسيلة الثواب فهي أمران: أحدهما: شكر النعمة السالفة والثاني: الاشتغال بسائر أنواع الخدمة، أما الاشتغال بشكر النعمة السالفة، فهي قوله تعالى: ﴿ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ ﴾ ولما كان الإنعام على الآباء إنعاماً على الأبناء لأن انتساب الابن إلى أب شريف نعمة من الله تعالى على الابن، لا جرم اشتغل بشكر نعم الله على الآباء بقوله: ﴿ وعلى وَالِدَىَّ ﴾ وأما الاشتغال بسائر أنواع الخدمة، فقوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه ﴾ وأما طلب ثواب الآخرة فقوله: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ فإن قيل درجات الأنبياء أعظم من درجات الأولياء والصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين فقال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ وقال سليمان: ﴿ أَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ ؟
جوابه: الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ورث منه النبوّة والملك دون سائر بنيه- وكانوا تسعة عشر- وكان داود أكثر تعبداً، وسليمان أقضى وأشكر لنعمة الله ﴿ وَقَالَ ياأيها الناس ﴾ تشهيراً لنعمة الله، وتنويهاً بها، واعترافاً بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، وغير ذلك مما أوتيه من عظائم الأمور.
والمنطق: كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف، المفيد وغير المفيد.
وقد ترجم يعقوب بن السكيت كتابه بإصلاح المنطق، وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم، وقالت العرب: نطقت الحمامة، وكل صنف من الطير يتفاهم أصواته، والذي علمه سليمان من منطق الطير: هو ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه.
ويحكى أنه مر على بلبل في شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟
قالوا: الله ونبيه أعلم: قال يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء.
وصاحت فاختة فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاووس، فقال يقول: كما تدين تدان.
وصاح هدهد، فقال يقول: استغفروا الله يا مذنبين.
وصاح طيطوي، فقال يقول: كل حيّ ميت، وكل جديد بال.
وصاح خطاف فقال يقول: قدّموا خيراً تجدوه.
وصاحت رخمة، فقال تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه.
وصاح قمري، فأخبر أنه يقول: سبحان ربي الأعلى.
وقال: الحدأ يقول: كل شيء هالك إلا الله.
والقطاة تقول: من سكت سلم.
والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه.
والديك يقول: اذكروا الله يا غافلين.
والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.
والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.
والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس.
وأراد بقوله: ﴿ مِن كُلّ شَيْء ﴾ كثرة ما أوتي، كما تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، تريد: كثرة قصاده ورجوعه إلى غزارة في العلم واستكثار منه.
ومثله قوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْء ﴾ [النمل: 23] .
﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين ﴾ قول وارد على سبيل الشكر والمحمدة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر» أي: أقول هذا القول شكراً ولا أقوله فخراً.
فإن قلت: كيف قال علمنا وأوتينا وهو من كلام المتكبرين؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يريد نفسه وأباه.
والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع- وكان ملكاً مطاعاً- فكلم أهل طاعته على صفته وحاله التي كان عليها، وليس التكبر من لوازم ذلك، وقد يتعلق بتجمل الملك وتفخمه، وإظهار آيينه وسياسته مصالح، فيعود تكلف ذلك واجباً.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل نحواً من ذلك إذا وفد عليه وفد أو احتاج أن يرجح في عين عدوّ.
ألا ترى كيف أمر العباس رضي الله عنه بأن يحبس أبا سفيان حتى تمرّ عليه الكتائب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ﴾ النُّبُوَّةَ أوِ العِلْمَ أوِ المُلْكَ بِأنْ قامَ مَقامَهُ في ذَلِكَ دُونَ سائِرِ بَنِيهِ وكانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ.
﴿ وَقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ تَشْهِيرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ وتَنْوِيهًا بِها ودُعاءً لِلنّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي هي عِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن عَظائِمَ ما أُوتِيَهُ، والنُّطْقُ والمَنطِقُ في المُتَعارَفِ كُلُّ لَفْظٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَمّا في الضَّمِيرِ مُفْرَدًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا وقَدْ يُطْلَقُ لِكُلِّ ما يُصَوَّتُ بِهِ عَلى التَّشْبِيهِ، أوِ التَّبَعُ كَقَوْلِهِمْ نَطَقَتِ الحَمامَةُ ومِنهُ النّاطِقُ والصّامِتُ لِلْحَيَوانِ والجَمادِ، فَإنَّ الأصْواتَ الحَيَوانِيَّةَ مِن حَيْثُ إنَّها تابِعَةٌ لِلتَّخَيُّلاتِ مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ العِباراتِ سِيَّما وفِيها ما يَتَفاوَتُ بِاخْتِلافِ الأغْراضِ بِحَيْثُ يَفْهَمُها ما مِن جِنْسِهِ، وَلَعَلَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَهْما سَمِعَ صَوْتَ حَيَوانٍ عَلِمَ بِقُوَّتِهِ القُدُسِيَّةِ التَّخَيُّلَ الَّذِي صَوَّتَهُ والغَرَضَ الَّذِي تَوَخّاهُ بِهِ.
ومِن ذَلِكَ ما حُكِيَ أنَّهُ مَرَّ بِبُلْبُلٍ يُصَوِّتُ ويَتَرَقَّصُ فَقالَ: يَقُولُ إذا أكَلْتُ نِصْفَ تَمْرَةٍ فَعَلى الدُّنْيا العَفاءُ، وصاحَتْ فاخِتَةٌ فَقالَ: إنَّها تَقُولُ لَيْتَ الخَلْقَ لَمْ يُخْلَقُوا، فَلَعَلَّهُ كانَ صَوْتُ البُلْبُلِ عَنْ شِبَعٍ وفَراغِ بالٍ وصِياحُ الفاخِتَةِ عَنْ مُقاساةِ شِدَّةٍ وتَألُّمِ قَلْبٍ، والضَّمِيرُ في ( عُلِّمْنا ) و ( أُوتِينا ) لَهُ ولِأبِيهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلُهُ وحْدَهُ عَلى عادَةِ المُلُوكِ لِمُراعاةِ قَواعِدِ السِّياسَةِ، والمُرادُ ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ كَثْرَةَ ما أُوتِيَ كَقَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْصِدُهُ كُلُّ أحَدٍ ويَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ.
﴿ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ ﴾ الَّذِي لا يَخْفى عَلى أحَدٍ.
﴿ وَحُشِرَ ﴾ وجُمِعَ ﴿ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ يُحْبَسُونَ بِحَبْسِ أوَّلِهِمْ عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا.
<div class="verse-tafsir"
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)
{وورث سليمان داود} ورث من النبوة والملك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر قالوا أوتي النبوة مثل أبيه فكأنه ورثه وإلا فالنبوة لا تورث {وقال يا أيّها النّاس علّمنا منطق الطّير} تشهيراً لنعمة الله تعالى واعترافاً بمكانها ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير والمنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد وكان سليمان عليه السلام يفهم منهم كما يفهم بعضها من بعض روي أنه صاحت فاختة فأخبر أنها تقول ليت ذا الخلق لم يخلقوا وصاح طاوس فقال يقول كما تدين تدان وصاح هدهد فقال يقول استغفروا الله يا مذنبين وصاح خطاف فقال يقول قدموا خيراً تجدوه وصاحت رحمة فقال تقول سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه وصاح قمري فأخبر أنه يقول سبحان ربي الأعلى وقال الحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله والقطاة تقول من سكت سلم والديك يقول في البعد من الناس أنس والضفدع يقول سبحان ربي القدوس {وأوتينا من كلّ شيءٍ} المراد به كثرة
ما أوتي كما تقول فلان يعلم كل شيء ومثله وأوتيت من كل شيء {إنّ هذا لهو الفضل المبين}
النمل (١٨ - ١٧)
قوله وارد على سبيل الشكر كقوله أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي اقول هذا القول شكرا ولا أقوله فخر أو النون في علمنا وأوتينا نون الواحد المطاع وكان ملكاً مطاعاً فكلم أهل طاعته على الحال التي كان عليها وليس التكبر من لوازم ذلك
﴿ ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ﴾ أيْ قامَ مَقامَهُ في النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، وصارَ نَبِيًّا مَلِكًا بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَوِراثَتُهُ إيّاهُ مَجازٌ عَنْ قِيامِهِ مَقامَهُ - فِيما ذُكِرَ - بَعْدَ مَوْتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ وِراثَةُ النُّبُوَّةِ فَقَطْ، وقِيلَ: وِراثَةُ المُلْكِ فَقَطْ، وعَنِ الحَسَنِ - ونَسَبَهُ الطَّبَرْسِيُّ إلى أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ - أنَّها وِراثَةُ المالِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ صَحَّ: «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» وقَدْ ذَكَرَهُ الصِّدِّيقُ والفارُوقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَخافُونَ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةَ لائِمٍ، ولَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ مِنهم عَلَيْهِما.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ««إنَّ العُلَماءَ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا ولَكِنْ ورَّثُوا العِلْمَ فَمِن أخَذَهُ أخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ»».
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الرّازِيُّ - في الكافِي - عَنْ أبِي البُحْتُرِيِّ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ أيْضًا.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الوِراثَةَ لَيْسَتْ وِراثَةَ المالِ ما رَوى الكِلِينِيُّ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُلَيْمانَ ورِثَ داوُدَ، وأنَّ مُحَمَّدًا ورِثَ سُلَيْمانَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأيْضًا وِراثَةُ المالِ لا تَخْتَصُّ بِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ كانَ لِداوُدَ عِدَّةُ أوْلادٍ غَيْرِهِ كَما رَواهُ الكِلِينِيُّ عَنْهُ أيْضًا، وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ابْنًا، فالإخْبارُ بِها عَنْ سُلَيْمانَ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ، وإنْ كانَ المُرادُ الإخْبارَ بِما يَلْزَمُها مِن بَقاءِ سُلَيْمانَ بَعْدَ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَما الدّاعِي لِلْعُدُولِ عَمّا يُفِيدُهُ مِن غَيْرِ خَفاءٍ مِثْلِ: وقالَ سُلَيْمانُ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ داوُدَ «يا أيُّها النّاسُ» ...
إلَخْ.
وأيْضًا السِّياقُ والسِّباقُ يَأْبَيانِ أنْ يَكُونَ المُرادُ وِراثَةَ المالِ كَما لا يَخْفى عَلى مُنْصِفٍ، والظّاهِرُ أنَّ الرِّوايَةَ عَنِ الحَسَنِ غَيْرُ ثابِتَةٍ، وكَذا الرِّوايَةُ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - فَقَدْ سَمِعْتَ في رِوايَةِ الكِلِينِيَّ عَنِ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ما يُنافِي ثُبُوتَها، ووِراثَةُ غَيْرِ المالِ شائِعَةٌ في الكِتابِ الكَرِيمِ فَقَدْ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ ﴾ ولا يَضُرُّ تَفاوُتُ القَرِينَةِ، فافْهَمْ.
وكانَ عُمُرُهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وكانَ داوُدُ قَدْ أوْصى لَهُ بِالمُلْكِ، فَلَمّا تُوُفِّيَ مَلَكَ وعُمُرُهُ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: إنَّ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولّاهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في حَياتِهِ، حَكاهُ في البَحْرِ.
وقالَ تَشْهِيرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَعْظِيمًا لِقَدْرِها، ودُعاءً لِلنّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ بِذِكْرِ المُعْجِزاتِ الباهِراتِ الَّتِي أُوتِيَها لا افْتِخارًا ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ الظّاهِرُ عُمُومُهُ جَمِيعَ النّاسِ الَّذِينَ يُمْكِنُ - عادَةً - مُخاطَبَتُهم.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بِهِ رُؤَساءُ مَمْلَكَتِهِ وعُظَماءُ دَوْلَتِهِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِما ذُكِرَ لِلتَّغْلِيبِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ أنَّهُ قالَ: النّاسُ عِنْدَنا أهْلَ العِلْمِ.
﴿ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ ﴾ أيْ: نُطْقَهُ وهو في المُتَعارَفِ: كُلُّ لَفْظٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَمّا في الضَّمِيرِ مُفْرَدًا أوْ مُرَكَّبًا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما يُصَوَّتُ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ تَشْبِيهُ المُصَوِّتِ بِالإنْسانِ، ويَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ، وإثْباتُ النُّطْقِ تَخْيِيلًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالنُّطْقِ مُطْلَقُ الصَّوْتِ عَلى أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ ولَيْسَ بِذاكَ.
ويَحْتَمِلُ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ قَوْلُهُ: لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أوْقالِ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ لِلْمُشاكَلَةِ كَما في قَوْلِهِمِ: النّاطِقُ والصّامِتُ لِلْحَيَوانِ والجَمادِ، والَّذِي عُلِّمَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو - عَلى ما قِيلَ - ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَعانِيهِ وأغْراضِهِ.
ويُحْكى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرَّ عَلى بُلْبُلٍ في شَجَرَةٍ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ ويُمِيلُ ذَنَبَهُ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: أتَدْرُونَ ما يَقُولُ؟
قالُوا: اللَّهُ تَعالى ونَبِيُّهُ أعْلَمُ، قالَ: يَقُولُ: أكَلْتُ نِصْفَ ثَمَرَةٍ فَعَلى الدُّنْيا العَفاءُ، وصاحَتْ فاخِتَةٌ فَأخْبَرَ أنَّها تَقُولُ: لَيْتَ ذا الخَلْقَ لَمْ يُخْلَقُوا، وصاحَ طاوُسٌ فَقالَ: يَقُولُ: كَما تَدِينُ تُدانُ، وصاحَ هُدْهُدٌ فَقالَ: يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ تَعالى يا مُذْنِبُونَ، وصاحَ طِيطَوى فَقالَ: يَقُولُ: كُلُّ حَيٍّ مَيِّتٌ وكُلُّ جَدِيدٍ بالٍ، وصاحَ خُطّافٌ فَقالَ: يَقُولُ: قَدِّمُوا خَيْرًا تَجِدُوهُ، وصاحَتْ رَخْمَةٌ فَقالَ: تَقُولُ: سُبْحانَ رَبِّي الأعْلى مِلْءَ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وصاحَ قُمْرِيٌّ فَأخْبَرَ أنَّهُ يَقُولُ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، وقالَ: الحَدَأُ يَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا اللَّهَ تَعالى، والقَطاةُ تَقُولُ: مَن سَكَتَ سَلَمَ، والبَبْغاءُ يَقُولُ: ويْلٌ لِمَنِ الدُّنْيا هَمُّهُ، والدِّيكُ يَقُولُ: اذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى يا غافِلُونَ، والنَّسْرُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ عِشْ ما شِئْتَ آخِرُكَ المَوْتُ، والعُقابُ يَقُولُ: في البُعْدِ مِنَ النّاسِ أُنْسٌ، والضُّفْدَعُ يَقُولُ: سُبْحانَ رُبِّيَ القُدُّوسِ، والقُنْبُرَةُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ العَنْ مُبْغِضَ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، والزُّرْزُورُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ قُوتَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ يا رَزّاقُ، والدُّرّاجِ يَقُولُ: الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى، انْتَهى.
ونَظْمُ الضُّفْدَعِ في سِلْكِ المَذْكُوراتِ مِنَ الطَّيْرِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، ومَعَ هَذا اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الحِكايَةِ، وقِيلَ: كانَتِ الطَّيْرُ تُكَلِّمُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُعْجِزَةً لَهُ، نَحْوَ ما وقَعَ مِنَ الهُدْهُدِ في القِصَّةِ الآتِيَةِ.
وقِيلَ: عُلِّمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تَقْصِدُهُ الطَّيْرُ في أصْواتِها في سائِرِ أحْوالِها، فَيَفْهَمُ تَسْبِيحَها ووَعْظَها، وما تُخاطِبُهُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما يُخاطِبُ بِهِ بَعْضُها بَعْضًا.
وبِالجُمْلَةِ عُلِّمَ مِن مَنطِقِها ما عُلِّمَ الإنْسانُ مِن مَنطِقِ بَنِي صِنْفِهِ، ولا يُسْتَبْعَدُ أنْ يَكُونَ لِلطَّيْرِ نُفُوسٌ ناطِقَةٌ ولُغاتٌ مَخْصُوصَةٌ تُؤَدِّي بِها مَقاصِدَها كَما في نَوْعِ الإنْسانِ، إلّا أنَّ النُّفُوسَ الإنْسانِيَّةَ أقْوى وأكْمَلُ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ مُتَفاوِتَةً تَفاوُتَ النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ الَّذِي قالَ بِهِ مَن قالَ.
ويَجُوزُ أنْ يُعَلِّمَ اللَّهُ تَعالى مَنطِقَها مَن شاءَ مِن عِبادِهِ ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ويَجْرِي ما ذَكَرْناهُ في سائِرِ الحَيَواناتِ، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عُلِّمَ مَنطِقَها أيْضًا إلّا أنَّهُ نُصَّ عَلى الطَّيْرِ؛ لِأنَّها كانَتْ جُنْدًا مِن جُنُودِهِ يَحْتاجُ إلَيْها في التَّظْلِيلِ مِنَ الشَّمْسِ وفي البَعْثِ في الأُمُورِ، ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَيَحْتاجُ القَوْلُ بِهِ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عُلِّمَ أيْضًا مَنطِقَ النَّباتِ، فَكانَ يَمُرُّ عَلى الشَّجَرَةِ فَتَذْكُرُ لَهُ مَنافِعَها ومَضارَّها، ولَمْ أجِدْ في ذَلِكَ خَبَرًا صَحِيحًا.
وكَثِيرٌ مِنَ الحُكَماءِ مَن يَعْرِفُ خَواصَّ النَّباتِ بِلَوْنِهِ وهَيْئَتِهِ وطَعْمِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولا يَحْتاجُ في مَعْرِفَتِها إلى نُطْقِهِ بِلِسانِ القالِ.
والضَّمِيرُ في (عُلِّمْنا) (وأُوتِينا) قِيلَ: لَهُ ولِأبِيهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والأوْلى كَوْنُهُ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمّا كانَ مَلِكًا مُطاعًا خاطَبَ رَعِيَّتَهُ - عَلى عادَةِ المُلُوكِ - لِمُراعاةِ قَواعِدِ السِّياسَةِ مِنَ التَّمْهِيدِ لِما يُرادُ مِنَ الرَّعِيَّةِ مِنَ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ في الأوامِرِ والنَّواهِي، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعاظُمًا وتَكَبُّرًا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُراعاةُ قَواعِدِ السِّياسَةِ لِلتَّوَصُّلِ بِها إلى ما فِيهِ رِضا اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ، وقَدْ أمَرَ نَبِيُّنا العَبّاسَ بِحَبْسِ أبِي سُفْيانَ حَتّى تَمُرَّ عَلَيْهِ الكَتائِبُ يَوْمَ الفَتْحِ لِذَلِكَ.
وكُلِّ في الأصْلِ لِلْإحاطَةِ، وتَرِدُ لِلتَّكْثِيرِ كَثِيرًا نَحْوُ قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْصِدُهُ كُلُّ أحَدٍ ويَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وهي كِنايَةٌ في ذَلِكَ أوْ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وهَذا المَعْنى هو المُرادُ هُنا إذا جُعِلَتْ (مِن) صِلَةً، وهو المُناسِبُ لِمَقامِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعَمِ، وإنْ لَمْ تُجْعَلْ صِلَةً فَهي عَلى أصْلِها فِيما قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا إذا أُرِيدَ الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ، وهو كَما تَرى.
وفِي البَحْرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ ﴾ إشارَةٌ إلى النُّبُوَّةِ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ إشارَةٌ إلى المُلْكِ، والجُمْلَتانِ كالشَّرْحِ لِلْمِيراثِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أُرِيدَ بِما أُوتِيَهُ النُّبُوَّةُ والمُلْكُ، وتَسْخِيرُ الجِنِّ والإنْسِ والشَّياطِينِ والرِّيحِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - هو ما يُهِمُّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ ما يَحْتاجُهُ المَلِكُ مِن آلاتِ الحَرْبِ وغَيْرِها.
﴿ إنَّ هَذا ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْلِيمِ والإيتاءِ ﴿ لَهُوَ الفَضْلُ ﴾ والإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ المُبِينُ ﴾ الواضِحُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، أوْ أنَّ هَذا الفَضْلَ الَّذِي أُوتِيتُهُ لَهو الفَضْلُ المُبِينُ، فَيَكُونُ مِن كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَطْعًا، ذُيِّلَ بِهِ ما تَقَدَّمَ مِنهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ إنَّما قالَ ما قالَ عَلى سَبِيلِ الشُّكْرِ، كَما قالَ : ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»» بِالرّاءِ المُهْمَلَةِ آخِرَهُ - كَما في الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ - أيْ: أقُولُ هَذا القَوْلَ شُكْرًا لا فَخْرًا، ويَقْرُبُ مِن هَذا المَعْنى (ولا فَخْزَ) بِالزّايِ كَما في الرِّوايَةِ الغَيْرِ المَشْهُورَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً يعني: علم القضاء، والعلم بكلام الطير والدوابّ وَقالا يعني: داود وسليمان الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بالكتاب والنبوة وكلام الطير والبهائم والملك، ويقال: فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مِّنْ الأنبياء، حيث لم يعط أحداً من الأنبياء عليهم السلام ما أعطانا.
وقال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكاً، وأقضى من داود، وكان داود أشدَّ تعبداً من سليمان عليهما السلام.
ثم قال عز وجل: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ يعني: ورث ملكه.
وقال الحسن: ورث المال والملك لا النبوة والعلم، لأن النبوة والعلم فضل الله تعالى، ولا يكون بالميراث ويقال: ورث العلم والحكم لأن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون دراهم ولا دنانير.
وَقالَ سليمان لبني إسرائيل: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ يعني: أفهمنا وألهمنا منطق الطير، وذلك أن سليمان كان جالساً في أصحابه إذ مرّ بهم طير يصوت، فقال لجلسائه: أتدرون ماذا يقول؟
قالوا: لا.
قال: إنه يقول: ليت الخلق لم يخلقوا، فإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا قال: وصاح عنده ديك فقال: هل تدرون ماذا يقول؟
قالوا: لا.
قال: إنه يقول اذكروا الله يا غافلون.
ثم قال: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يعني: أعطينا علم كل شيء.
ويقال: النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والرياح.
إِنَّ هَذَا الذي أعطينا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ يعني: البيّن ويقال: المبين، يبين للناس فضلهم.
ثم قال عز وجل: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ يعني: جموعه، والحشر: هو أن يجمع ليساق، ثم قال: مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ يعني: يساقون.
ويقال: يُوزَعُونَ يعني: يكفون ويحبس أوّلهم على آخرهم، وأصل الوزع: الكف، يقال: وزعت الرجل إذا كففته.
وعن الحسن أنه قال: لا بد للناس من وزعة، أي: من سلطان يكفهم.
وقال مقاتل: إنه استعمل جنياً عليهم، يرد أولهم على آخرهم.
ويقال: هكذا عادة القوافل والعساكر.
- ويقال: وَحُشِرَ، أي: جمع لسليمان جنوده في مسيرة له من الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ يجلس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا (١) قوله عز وجل: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ وذلك أن سليمان كان له بساط فرسخ في فرسخ، ويقال: أربع فراسخ في أربع فراسخ، وكان يضع عليه كرسيه وجميع عساكره عليه، ثم يأمر الريح فترفعه، وتذهب به مسيرة شهر في ساعة واحدة.
فركب ذات يوم في جموعه، فمر بواد النمل في أرض الشام.
قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ يعني: في بيوتكم، ويقال: حجركم لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ أي لا يهلكنكم، ويقال: لا يكسرنكم سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ بأن يظلموكم.
وإنما خاطبهم بقوله ادْخُلُوا بخطاب العقلاء، لأنه حكى عنهم ما يحكى عن العقلاء، ثم قال: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: قوم سليمان لا يشعرون بكم ولو كانوا يشعرون بكم، لا يحطمونكم لأنهم علموا أن سليمان ملك عادل لا بغي فيه ولا جور فيه، ولئن علم بها لم توطأ ويقال: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: جنوده خاصة، لأنه علم أن سليمان يعلم بمكانه ويتعاهده.
ويقال: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: النمل لا يشعرون بجنود سليمان حتى أخبرتهم النملة المنذرة، فرفع الريح صوتها إلى سليمان.
فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها كما يكون ضحك الأنبياء عليهم السلام، وإنما ضحك من ثنائها على سليمان بعدله في ملكه، يعني: أنه لو شعر بكم لم يحطمنّكم.
ويقال: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً أي متعجباً.
ويقال: فرحاً بما أنعم الله تعالى عليه.
ضاحِكاً صار نصباً على الحال.
ووَ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ يعني: ألهمني، ويقال: أوزعني من الكف أيضاً، كأنه قال: احفظ جوارحي لكيلا تشتغل بشيء سوى شكرك الذي أَنْعَمْتَ عَلَىَّ.
وَعَلى والِدَيَّ يعني: النبوة والملك.
وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ يعني: تقبله مني.
وذكر أنه مر بزارع، فقال الزارع: إنه ما أعطي مثل هذا الملك لأحد؟
فقال له سليمان: ألا أنبئك بما هو أفضل من هذا؟
القصد في الغنى والفقر، وتقوى الله تعالى في السر والعلانية، والقضاء بالعدل في الرضا والغضب.
ثم قال تعالى: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ يعني: في جنتك فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني: مع عبادك الصالحين، يعني: المرسلين.
فوقف سليمان بموضعه ليدخل النمل مساكنهم، ثم مضى.
قرأ يعقوب الحضرمي وأبو عمرو في إحدى الروايتين لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ بسكون النون، وقراءة العامة بنصب النون والتشديد، وهذه النون تدخل للتأكيد فيجوز التخفيف والتثقيل، ولفظه لفظ النهي، ومعناه جواب الأمر، يعني: إن لم تدخلوا مساكنكم حطمكم.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَأَلْقِ عَصاكَ ...
الآية، أمره- تعالى- بهذَينِ الأمرين إلقاءِ العصا، وأمرِ اليَدِ تَدريباً له في استعمالِهمَا، والجان: الحياتُ لأنها تَجِنُّ أنفُسُهَا أي:
تَسْتُرُهَا.
وقالت فرقةٌ: الجانُّ: صِغَارُ الحَيَّاتِ.
وقوله تعالى: وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ، أي: ولَّى فَارّاً.
قال مُجاهدٌ: ولم يرجعْ «١» ، وقال قَتَادَةُ: ولم يَلْتَفِتْ «٢» .
قال ع «٣» : وعَقَّبَ الرجلُ إذا ولَّى عَنْ أمر ثم صرف بدَنه أو وَجْهِه إليه- ثم ناداه سُبحانه مؤنسا له: يا مُوسى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.
وقولُهُ تعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ قال الفرَّاءُ وَجَمَاعَةٌ: الاستثْنَاءُ منقطعٌ، وهو إخبارٌ عن غَيرِ الأنبياء، كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ- قال: لكنْ من ظَلَمَ من النَّاسِ ثُمَّ تَابَ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، وهذه الآية تقتضي المغفرة للتّائب، والجيب الفتح في الثوب لرأس الإنسان.
وقوله تعالى: فِي تِسْعِ آياتٍ مُتَّصِلٌ بقوله: أَلْقِ وَأَدْخِلْ يَدَكَ وفيه اقتضَابٌ «٤» وحذفٌ، والمعنى في جُملةِ تسعِ آياتٍ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُها، والضميرُ في جاءَتْهُمْ لفِرْعَوْنَ وقومِه، وظاهِرُ قَولِهِ تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها حُصُولُ الكفْرِ عِنَاداً وهي مَسْأَلَةُ خلافٍ قد تَقَدَّمَ بيانها وظُلْماً معناهُ: على غيرِ استحقَاقٍ للجُحْدِ، والعُلُوُّ في الأرضِ أعظمُ آفةٍ على طَالبهِ، قال الله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً [القصص: ٨٣] .
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً ...
الآية، هذا ابتداءُ قصَصٍ فيه غيُوبٌ وعَبَرٌ.
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ، أي: ورثَ مُلكَه وَمنزِلَتَهُ من النبوَّة بعدَ موتِ أبيهِ، وقوله:
«علّمناه منطق الطير» إخبار بنعمةِ الله تعالى عندهما في اَّنَّ فَهَّمهُمَا مِنْ أصواتِ الطير المعانيَ التي في نفوسِها، وهذا نحو ما كان النبيّ صلى الله عليه وسلّم يَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْحِجَارَةِ بالسَّلاَمِ عَلَيْهِ وغير ذلك حسب ما هو في الآثار.
قال قَتَادَةُ وغيره: إنَّمَا كان هذا الأمرُ في الطيرِ خاصةً، والنملةُ طائِرٌ إذ قد يوجَدُ لَهَا جَنَاحَان «١» .
وقالت فُرقَةٌ: بل كَانَ ذَلِكَ في جَمِيعِ الحيَوانِ وإنما خَصِ الطيرَ لأْنَّه كان جُنداً من جنودِ سليمان يحتاجُهُ في التَّظلِيلِ من الشَّمس وفي البَعْثِ في الأمور.
والنَّمْلُ حيوانُ فَطِنٌ قويٌّ شَمَّامٌ جِدّاً يدَّخِرُ ويتخذُ القرى وَيَشُقُّ الحَبَّ بقطعتينِ لِئَلاَّ يُنْبِتَ، ويشُقَّ الكزبرةَ بأربعِ قطعٍ لأَنها تُنْبِت إذاً قُسِّمَتْ شقينِ، ويأكلُ في عامِهِ نصفَ مَا جمعَ، ويستبقي سائِرَهُ عُدَّةً.
قال ابن العربي في «أحكامه «٢» » : ولا خلافَ عندَ العُلَمَاءِ في أَنَّ الحيواناتِ كلَّها لَهَا أفهامٌ وعقولٌ، وقد قال الشافعيُّ: الحمَامُ أعقلُ الطَّيرِ، انتهى.
وقوله: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ معناه: يَصْلُحُ لنا ونَتَمَنَّاهُ ولَيستْ على العموم.
ثُمَّ ذَكَرَ شُكْرَ فَضلِ الله تعالى، واخْتُلِفَ في مقدار جُنْدِ سُليمانَ عليه السلام اختلافاً شديداً لا أرَى ذكرَه لعَدَمِ صحةِ التَّحدِيدِ، غيرَ أنَّ الصَّحِيحَ في هذا أنَّ مُلكَه كَانَ عَظيماً مَلأَ الأَرْضَ، وانقادت له المعمُورةُ كُلُّها، وَكَانَ كُرسيُّه يَحملُ أجْنَادَه من الأنسِ والجنِّ، وكانتِ الطيرُ تُظِلُّه منَ الشمس، ويبعثها في الأمور، ويُوزَعُونَ مَعناهُ: يَرُدُّ أولهُم إلى آخرهم، ويكُفُّونَ، قال قَتَادَةُ: فكأنَّ لِكُلِّ صَنْفٍ/ «٣» وَزْعَةً، ومنه قَوْلُ الحسن البصريّ حين ولي ٥١ ب قضَاءَ البَصْرَةِ: لا بدَّ للحَاكِم من وَزْعَةً «٤» ، ومنه قَوْلُ أبي قُحَافَةَ للجاريةِ: ذلك يا بنيّة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عِلْمًا بِالقَضاءِ وبِكَلامِ الطَّيْرِ والدَّوابِّ وتَسْبِيحِ الجِبالِ ﴿ وَقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا ﴾ بِالنُّبُوَّةِ والكِتابِ وإلانَةِ الحَدِيدِ وتَسْخِيرِ الشَّياطِينِ والجِنِّ والإنْسِ ﴿ عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كانَ داوُدُ أشَدَّ تَعَبُّدًا مِن سُلَيْمانَ، وكانَ سُلَيْمانُ أعْظَمَ مُلْكًا مِنهُ وأفْطَنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ﴾ أيْ: ورِثَ نُبُوَّتَهُ وعِلْمَهُ ومُلْكَهُ، وكانَ لِداوُدَ تِسْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، فَخَصَّ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ، ولَوْ كانَتْ وِراثَةُ مالٍ لَكانَ جَمِيعُ أوْلادِهِ فِيها سَواءً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي سُلَيْمانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " عَلَّمْنا " بِفَتْحِ العَيْنِ واللّامِ.
قالَ الفَرّاءُ: ﴿ مَنطِقَ الطَّيْرِ ﴾ : كَلامُ الطَّيْرِ كالمَنطِقِ إذا فُهِمَ، قالَ الشّاعِرُ: عَجِبْتُ لَها أنّى يَكُونُ غِناؤُها فَصِيحًا ولَمْ تَفْغَرْ ( تَفْتَحْ ) بِمَنطِقِها فَما وَمَعْنى الآيَةِ: فَهِمْنا ما تَقُولُ الطَّيْرُ.
قالَ قَتادَةُ: والنَّمْلُ مِنَ الطَّيْرِ.
﴿ وَأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ أنَّ يُؤْتاهُ الأنْبِياءُ والنّاسُ.
وَقالَ مُقاتِلٌ: أعْطَيْنا المُلْكَ والنُّبُوَّةَ والكِتابَ والرِّياحَ ومَنطِقَ الطَّيْرِ، وسُخِّرَتْ لَنا الجِنُّ والشَّياطِينُ.
وَرَوى جَعْفَرُ بْنً مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ: أُعْطِيَ سُلَيْمانُ مُلْكَ مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، فَمَلَكَ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وسِتَّةَ أشْهُرٍ، ومُلْكَ أهْلِ الدُّنْيا كُلِّهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والشَّياطِينِ والدَّوابِّ والطَّيْرِ والسِّباعِ، وأُعْطِيَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ ومَنطِقَ كُلِّ شَيْءٍ، وفي زَمانِهِ صُنِعَتِ الصَّنائِعُ المُعَجِّبَةُ، فَذَلِكَ قَوْله: ﴿ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنِي: الَّذِي أعْطَيْنا ﴿ لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ ﴾ أيِ: الزِّيادَةُ الظّاهِرَةُ عَلى ما أُعْطِي غَيْرُنا.
﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ ﴾ أيْ: جُمِعَ لَهُ كُلُّ صِنْفٍ مِن جُنْدِهِ عَلى حِدَةٍ، وهَذا كانَ في مَسِيرٍ لَهُ، ﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آَخِرِهِمْ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ الوَزْعِ: الكَفُّ والمَنعُ.
يُقالُ: وزِعْتُ الرَّجُلَ، أيْ: كَفَفْتُهُ، ووازِعُ الجَيْشِ: الَّذِي يَكُفُّهم عَنِ التَّفَرُّقِ، ويَرُدُّ مَن شَذَّ مِنهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أتَوْا ﴾ أيْ: أشْرَفُوا ﴿ عَلى وادِ النَّمْلِ ﴾ وفي مَوْضِعِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِالطّائِفِ، قالَهُ كَعْبٌ.
والثّانِي: بِالشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: " نَمُلَةٌ " بِضَمِّ المِيمِ؛ أيْ: صاحَتْ بِصَوْتٍ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مَفْهُومًا عَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ؛ ولَمّا نَطَقَ النَّمْلُ كَما يَنْطِقُ بَنُو آَدَمَ، أُجْرِيَ مَجْرى الآدَمِيِّينَ، فَقِيلَ: ﴿ ادْخُلُوا ﴾ ، وألْهَمَ اللَّهُ تِلْكَ النَّمْلَةَ مَعْرِفَةَ سُلَيْمانَ مُعْجِزًا لَهُ، وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ النَّمْلَ كَثِيرًا مِن مَصالِحِها تَزِيدُ بِهِ عَلى الحَيَواناتِ، فَمِن ذَلِكَ أنَّها تَكْسِرُ كُلَّ حَبَّةٍ تَدَّخِرُها قِطْعَتَيْنِ لِئَلّا تَنْبُتَ، إلّا الكُزْبَرَةَ فَإنَّها تَكْسِرُها أرْبَعَ قِطَعٍ، لِأنَّها تَنْبُتُ إذا كُسِرَتْ قِطْعَتَيْنِ، فَسُبْحانَ مَن ألْهَمَها هَذا!
وَفِي صِفَةِ تِلْكَ النَّمْلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ كَهَيْئَةِ النَّعْجَةِ، قالَ نُوفُ الشّامِيُّ: كانَ النَّمْلُ في زَمَنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ كَأمْثالِ الذِّئابِ.
والثّانِي: كانَتْ نَمْلَةً صَغِيرَةً.
﴿ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " مَسْكَنَكم " عَلى التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ الحَطْمُ: الكَسْرُ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ: " لَيَحْطِمَنَّكم " بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ اللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " لا يَحْطِمْكم " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ وسُكُونِ المِيمِ وحَذْفِ النُّونِ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وأبانُ: " يَحْطمَنكم " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ والنُّونِ ساكِنَةً أيْضًا والطّاءُ خَفِيفَةٌ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو مِجْلَزٍ: " لا يَحِطِّمَنَّكم " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ والنُّونِ جَمِيعًا.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " يُحْطِمَنَّكم " بِرَفْعِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
والحَطْمُ: الكَسْرُ، والحُطامُ: ما تَحَطَّمَ.
قالَ مُقاتِلٌ: سَمِعَ سُلَيْمانُ كَلامَها مِن ثَلاثَةِ أمْيالٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وأصْحابُ سُلَيْمانَ لَمْ يَشْعُرُوا بِكَلامِ النَّمْلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: وأصْحابُ سُلَيْمانَ لا يَشْعُرُونَ بِمَكانِكم، أنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ مُلْكٌ لا بَغْيَ فِيهِ، وأنَّهم لَوْ عَلِمُوا بِالنَّمْلِ ما تَوَطَّؤُوهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ ضاحِكًا ﴾ مَنصُوبٌ، حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِأنَّ " تَبَسَّمَ " بِمَعْنى " ضَحِكَ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِمّا قالَتْ، وقِيلَ: مِن ثَنائِها عَلَيْهِ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ الآيَةُ مِن عَجائِبِ القُرْآَنِ، لِأنَّها بِلَفْظَةِ " يا " نادَتْ " أيُّها " نَبَّهَتِ " النَّمْلَ " عَيَّنَتْ " ادْخُلُوا " أمَرَتْ " مَساكِنَكم " نَصَّتْ ﴿ لا يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ حَذَّرَتْ ﴿ سُلَيْمانُ ﴾ خَصَّتْ ﴿ وَجُنُودُهُ ﴾ عَمَّتْ ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ عَذَرَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ألْهِمْنِي، أصْلُ الإيزاعِ: الإغْراءُ بالشَّيْءِ، يُقالُ: أوْزَعْتُهُ بِكَذا، أيْ: أغْرَيْتُهُ بِهِ، وهو مُوَزَّعٌ بِكَذا، ومُولَعٌ بِكَذا.
وقالَ الزَّجّاجُ.
تَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ: كُفَّنِي عَنِ الأشْياءِ إلّا عَنْ شُكْرِ نِعْمَتِكَ؛ والمَعْنى: كُفَّنِي عَمّا يُباعِدُ مِنكَ، ﴿ وَأنْ أعْمَلَ ﴾ أيْ: وَألْهِمْنِي أنْ أعْمَلَ ﴿ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما شَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّ الرِّيحَ أبْلَغَتْ إلَيْهِ صَوْتَها فَفَهِمَ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها الناسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ ﴾ ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَيْرِ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ فِيهِ غُيُوبٌ وعِبَرٌ، ولَيْسَ بِمِثالٍ لِقُرَيْشٍ، وداوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَ مَلِكًا، ووَرِثَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مُلْكَهُ ومَنزِلَتَهُ مِنَ النُبُوَّةِ، بِمَعْنى: صارَ ذَلِكَ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ، ويُسَمّى مِيراثًا تَجَوُّزًا، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمُ: "العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ"، وحَقِيقَةُ المِيراثِ في المالِ، والأنْبِياءُ لا تُورِّثُ أمْوالَهُمْ؛ لِأنَّ النَبِيَّ قالَ: «إنّا مَعْشَرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرِّثُ»، يُرِيدُ بِهِ أنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ وسِيرَتِهِمْ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن ورِثَ مالَهُ كَزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ فِيهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "إنّا مَعْشَرُ المُسْلِمِينَ إنَّما شَغَلَنا العِبادَةُ"، فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الأكْثَرِ، ومِنهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ: "أنّا مَعْشَرُ العَرَبِ أقْرى الناسِ لِلضَّيْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَيْرِ ﴾ إخْبارٌ بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَهُما في أنَّ فَهْمَهُما مِن أصْواتِ الطَيْرِ المَعانِي الَّتِي في نُفُوسِها، فَهَذا نَحْوُ ما كانَ نَبِيَّنا مُحَمَّدٌ يَسْمَعُ أصْواتَ الحِجارَةِ بِالسَلامِ، وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ حَكى عَنِ البُلْبُلِ أنَّهُ قالَ: "أكَلْتَ نِصْفَ تَمْرَةٍ فَعَلى الدُنْيا العَفاءُ"، إلى كَثِيرٍ مِن هَذا النَوْعِ، وقالَ قَتادَةُ والشَعْبِيُّ وغَيْرُهُما: إنَّما كانَ هَذا الأمْرُ في الطَيْرِ خاصَّةً، والنَمْلَةُ طائِرٌ إذْ قَدْ يُوجَدُ لَها الأجْنِحَةُ، قالَ الشَعْبِيُّ: وكَذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ القائِلَةُ ذاتُ جَناحَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ في جَمِيعِ الحَيَوانِ، وإنَّما ذَكَرَ الطَيْرَ لِأنَّهُ كانَ جُنْدًا مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ يَحْجُبُ عنهُ الشَمْسَ، ويَحْتاجُهُ في البَعْثِ في الأُمُورِ، فَخُصَّ لِكَثْرَةِ مُداخَلَتِهِ، ولِأنَّ أمْرَ سائِرِ الحَيَوانِ نادِرٌ وغَيْرُ مُتَرَدِّدٍ تَرْدادَ أمْرِ الطَيْرِ.
والنَمْلُ حَيَوانٌ فَطِنٌ قَوِيٌّ شَمّامٌ جِدًّا، يَدَّخِرُ القُرى، ويَشُقُّ الحَبَّ بِقِطْعَتَيْنِ لِئَلّا يَنْبُتُ، ويَشُقُّ الكُزْبَرَةَ بِأرْبَعِ قِطَعٍ لِأنَّها تَنْبُتُ إذا قُسِمَتْ نِصْفَيْنِ، ويَأْكُلُ في عامِهِ نِصْفَ ما جَمَعَ ويَسْتَبْقِي سائِرَهُ مُدَّةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: يَصْلُحُ لَنا ونَتَمَنّاهُ، ولَيْسَتْ عَلى العُمُومِ.
ثُمَّ رَدَّدَ شُكْرَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
ثُمَّ قَصَّ تَعالى حالَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ ﴾ أيْ: جَمَعَ، واخْتَلَفَ الناسُ في مِقْدارِ جُنْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ اخْتِلافًا شَدِيدًا لَمْ أُرِدْ ذِكْرَهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، غَيْرَ أنَّ الصَحِيحَ أنَّ مُلْكَهُ كانَ عَظِيمًا، مَلَأ الأرْضَ، وانْقادَتْ لَهُ المَعْمُورَةُ كُلُّها، وكانَ كُرْسِيُّهُ يَحْمِلُهُ أجْنادُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وكانَتِ الطَيْرُ تُظِلُّهُ مِنَ الشَمْسِ، ويَبْعَثُها في الأُمُورِ، فَكانَ لَهُ في الكُرْسِيِّ الأعْظَمِ مَوْضِعٌ يَخُصُّهُ.
و"يُوزَعُونَ" مَعْناهُ: يَرُدُّ أوَّلُهم إلى آخِرِهِمْ ويَكُفُّونَ، قالَ قَتادَةُ: فَكانَ لِكُلِّ صِنْفٍ وزْعَةٌ في رُتَبِهِمْ ومَواضِعِهِمْ مِنَ الكُرْسِيِّ ومِنَ الأرْضِ إذا مَشَوْا فِيها، -فَرُبَّ وقْتٍ كانَ يَسِيرُ فِيهِ في الأرْضِ-، ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ حِينَ ولِيَ قَضاءَ البَصْرَةَ: "لا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِن وزَعَةٍ"، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قُحافَةَ حِينَ وصَفَتْ لَهُ الجارِيَةُ في يَوْمِ الفَتْحِ أنَّها تَرى سَوادًا أمامَهُ فارِسٌ قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الصَفِّ، فَقالَ لَها: ذاكَ الوازِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا وقُلْتَ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟
أيْ: كافٌّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المؤمنين * وَوَرِثَ سليمان دَاوُودَ وَقَالَ ياأيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَئ إِنَّ هذا ﴾ .
طوى خبر ملك داود وبعض أحواله إلى وفاته لأن المقصود هو قصة سليمان كما قدمناه آنفاً.
وقد كان داود ملكاً على بني إسرائيل ودام ملكه أربعين سنة وتوفي وهو ابن سبعين سنة.
فخلفه سليمان فهو وارث ملكه والقائم في مقامه في سياسة الأمة وظهور الحكمة ونبوءة بني إسرائيل والسمعة العظيمة بينهم.
فالإرث هنا مستعمل في معناه المجازي وهو تشبيه الأحوال الجليلة بالمال وتشبيه الخلفة بانتقال ملك الأموال لظهور أن ليس غرض الآية إفادة من انتقلت إليه أموال داود بعد قوله: ﴿ ولقد آتينا داوود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضَّلنا ﴾ [النمل: 15] فتعين أن إرث المال غير مقصود فإنه غرض تافه.
وقد كان لداود أحدَ عشر ولداً فلا يختص إرثُ ماله بسليمان وليس هو أكبرهم، وكان داود قد أقام سليمان ملكاً على إسرائيل.
وبهذا يظهر أن ليس في الآية ما يحتج به لجواز أن يورث مال النبي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نُورث ما تركنَا صدقة "، وظاهره أنه أراد من الضمير جماعة الأنبياء وشاع على ألسنة العلماء: إنا أو نَحن معاشرَ الأنبياء لا نورث، ولا يعرف بهذا اللفظ، ووقع في كلام عمر بن الخطاب مع العباس وعلي في شأن صدقة النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر: «أنشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله قال: لا نُورث ما تركنا صدقة، يريد رسولُ الله نفسَه» وكذلك قالت عائشة، فإذا أخذنا بظاهر الآية كان هذا حكماً في شرع من قبلنا فينسخ بالإسلام، وإذا أخذنا بالتأويل فظاهر.
وقد أجمع الخلفاء الراشدون وغيرهم على ذلك، خلافاً للعباس وعلي، ثم رجعا حين حاجهما عمر.
والعلة هي سدّ ذريعة خطور تمني موت النبي في نفس بعض ورثته.
قال سليمان هذه المقالة في مجمع عظيم لأن لهجة هذا الكلام لهجة خطبته في مجمع من الناس الحاضرين مجلسه من الخاصة والسامعين من العامة.
فهذه الجملة متضمنة شكر الله تعالى ما منحه من علم ومُلك، وليقدر الناس قدره ويعلموا واجب طاعته إذ كان الله قد اصطفاه لذلك، وأطلعه على نوايا أنفر الحيوان وأبعده عن إلف الإنسان وهو الطير، فما ظنك بمعرفة نوايا الناس من رعيته وجنده فإن تخطيط رسوم الملك وواجباته من المقاصد لصلاح المملكة بالتفاف الناس حول ملكهم وصفاء النيات نحوه، وبمقدار ما يحصل ذلك من جانبهم يكون التعاون على الخير وتنزل السكينة الربانية، فلما حصل من جانب سليمان الاعتراف بهذا الفضل لله تعالى فقد أدى واجبه نحو أمته فلم يبق إلا أن تؤدي الأمة واجبها نحو مَلِكها، كما كان تعليم فضائل النبوة من مقاصد الشارع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «أنا سيِّد ولدِ آدم ولا فخر» أي أقوله لقصد الإعلام بواجب التقادير لا لقصد الفخر على الناس، ويعلموا واجب طاعته.
وعِلم منطق الطير أوتيه سليمان من طريق الوحي بأن أطلعه الله على ما في تقاطيع وتخاليف صفير الطيور أو نعيقها من دلالة على ما في إدراكها وإرادتها.
وفائدة هذا العلم أن الله جعله سبيلاً له يهتدي به إلى تعرف أحوال عالمية يسبق الطير إلى إدراكها بما أودع فيه من القُوى الكثيرة، وللطير دلالة في تخاطب أجناسها واستدعاء أصنافها والإنباء بما حولها ما فيه عون على تدبير ملكه وسياسة أمته، مثل استخدام نوع الهدهد في إبلاغ الأخبار وردها ونحو ذلك.
ووراء ذلك كله انشراحُ الصدر بالحكمة والمعرِفة لكثير من طبائع الموجودات وخصائصها.
ودلالة أصوات الطير على ما في ضمائرها: بعضُها مشهور كدلالة بعض أصواته على نداء الذكور لإناثها، ودلالة بعضها على اضطراب الخوف حين يمسكه مُمسك أو يهاجمه كاسر، ووراء ذلك دلالات فيها تفصيل، فكل كيفية من تلك الدلالات الإجمالية تنطوي على تقاطيع خفية من كيفيات صوتية يخالف بعضها بعضاً فيها دلالات على أحوال فيها تفضيل لما أجملته الأحوال المجملة، فتلك التقاطيع لا يهتدي إليها الناس ولا يطلع عليها إلا خالقها، وهذا قريب من دلالة مخارج الحروف وصفاتها في لغة من اللغات وفكّها وإدغامها واختلاف حركاتها على معاننٍ لا يهتدي إليها مَن يعرف تلك اللغة معرفة ضعيفة ولم يتقن دقائقها.
مثل أن يسمع ضَلَلْت وظَللت، فالله تعالى اطلع سليمان بوحي على مختلف التقاطيع الصوتية التي في صفير الطير وأعلمه بأحوال نفوس الطير عندما تصفر بتلك التقاطيع، وقد كان الناس في حيرة من ذلك كما قال المعري: أَبَكَتْ تِلكمُ الحمامةُ أمْ غَنّ *** تْ على غصن دوحها الميَّاد وقال صاحبنا الشاعر البليغ الشيخ عبد العزيز المسعودي من أبيات في هذا المعنى: فمن كان مسروراً يراه تَغنياً *** ومن كان محزوناً يقول ينوح والاقتصار على منطق الطير إيجاز لأنه إذا عَلِم منطق الطير وهي أبعد الحيوان عن الركون إلى الإنسان وأسرعها نفوراً منه، علم أن منطق ما هو أكثر اختلاطاً بالإنسان حاصل له بالأحرى كما يدل عليه قوله تعالى فيما يأتي قريباً: ﴿ فتبسّم ضَاحكاً من قولها ﴾ [النمل: 19]، فتدل هذه الآية على أنه علِّم منطق كل صنف من أصناف الحيوان.
وهذا العلم سماه العرب علم الحُكْل (بضم الحاء المهملة وسكون الكاف) قال العجاج وقيل ابنه رؤبة: لو أَنني أوتيتُ علم الحُكْل *** عِلْم سليمان كَلامَ النمل أو أنني عُمِّرت عُمْر الحِسْل *** أو عُمر نُوح زَمَن الفِطَحْل كُنتُ رهينَ هَرم أو قَتل *** وعُبر عن أصوات الطير بلفظ ﴿ منطق ﴾ تشبيهاً له بنطق الإنسان من حيث هو ذو دلالة لسليمان على ما في ضمائر الطير، فحقيقة المنطق الصوتُ المشتمل على حروف تدل على معان.
وضمير ﴿ عُلِّمنا أُوتينا ﴾ مراد به نفسه، جاء به على صيغة المتكلم المشارك؛ إما لقصد التواضع كأنَّ جماعة عُلموا وأُوتوا وليس هو وحده كما تقدم في بعض احتمالات قوله تعالى آنفاً: ﴿ وقالا الحمد لله الذي فضّلنا ﴾ [النمل: 15]، وإما لأنه المناسب لإظهار عظمة الملك، وفي ذلك تهويل لأمر السلطان عند الرعية، وقد يكون ذلك من مقتضى السياسة في بعض الأحوال كما أجاب معاوية عُمر رضي الله عنهما حين لقيه في جند (وأبهة) ببلاد الشام فقال عمر لمعاوية «أَكِسْرَوِيَّةً يا معاوية؟
فقال معاوية: إنا في بلاد من ثغور العدوّ فلا يرهبون إلا مثل هذا.
فقال عمر: خَدعة أريب أو اجتهادُ مصيب لا آمرك ولا أنهاك» فترك الأمرَ لعهدة معاوية وما يتوسمه من أساليب سياسة الأقوام.
والمراد ب ﴿ كل شيء ﴾ كل شيء من الأشياء المهمة ففي ﴿ كل شيء ﴾ عمومان عموم ﴿ كلّ ﴾ وعموم النكرة وكلاهما هنا عموم عرفي، ف ﴿ كلّ ﴾ مستعملة في الكثرة و ﴿ شيء ﴾ مستعمل في الأشياء المهمة مما له علاقة بمقام سليمان، وهو كقوله تعالى فيما حكى عن أخبار الهدهد.
﴿ وأوتِيَتْ من كل شيء ﴾ [النمل: 23]، أي كثيراً من النفائس والأموال.
وفي كل مقام يحمل على ما يناسب المتحدث عنه.
والتأكيد في ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ بحرف التوكيد ولامه الذي هو في الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداء للشكر عليها بالمستطاع من العبارة.
و ﴿ الفضل ﴾ : الزيادة من الخير والنفع.
و ﴿ المبين ﴾ : الظاهر الواضح.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَهْمًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: صَنْعَةَ الكِيمْياءِ وهو شاذٌّ.
الثّالِثُ: فَصْلَ القَضاءِ.
الرّابِعُ: عِلْمَ الدِّينِ.
الخامِسُ: مَنطِقَ الطَّيْرِ.
السّادِسُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿ وَقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴾ وحَمْدُهُما لِلَّهِ شُكْرًا عَلى نِعَمِهِ.
وَفِيما فَضَّلَهُما بِهِ عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِالنُّبُوَّةِ.
الثّانِي: بِالمُلْكِ.
الثّالِثُ: بِالنُّبُوَّةِ والعِلْمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ورِثَ نَبُّوتَهُ ومُلْكَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الكَلْبِيُّ: وكانَ لِداوُدَ تِسْعَةَ عَشَرَ ولَدًا ذَكَرًا وإنَّما خُصَّ سُلَيْمانُ بِوِراثَتِهِ لِأنَّها وِراثَةُ نُبُوَّةٍ ومُلْكٍ، ولَوْ كانَتْ وِراثَةَ مالٍ لَكانَ جَمِيعُ أوْلادِهِ فِيهِ سَواءً.
الثّانِي: أنْ سَخَّرَ لَهُ الشَّياطِينَ والرِّياحَ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّالِثُ: أنَّ داوُدَ اسْتَخْلَفَهُ في حَياتِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وكانَتْ وِلايَتُهُ هي الوِراثَةَ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، ومِنهُ قِيلَ: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»، لِأنَّهم في الدِّينِ مَقامُ الأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُساقُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
الثّانِي: يُدْفَعُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ اليَزِيدِيُّ: تُدْفَعُ أُخْراهم وتُوقَفُ أُولاهم.
الثّالِثُ: يُسْحَبُونَ، قالَهُ المُبَرِّدُ.
الرّابِعُ: يُجْمَعُونَ.
الخامِسُ: يُسْجَنُونَ، قالَ الشّاعِرُ لِسانُ الفَتى سَبْعٌ عَلَيْهِ سُداتُهُ وإلّا يَزَعْ مِن عَرْبِهِ فَهو قاتِلُهُ ∗∗∗ وما الجَهْلُ إلّا مَنطِقٌ مُتَسَرِّعٌ ∗∗∗ سَواءٌ عَلَيْهِ حَقُّ أمْرٍ وباطِلُهُ السّادِسُ: يُمْنَعُونَ، مَأْخُوذٌ مِن وزَعَهُ عَنِ الظُّلْمِ، وهو مَنعُهُ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما وزَعَ اللَّهُ بِالسُّلْطانِ أكْبَرُ مِمّا وزَعَ بِالقُرْآنِ.
وَقالَ النّابِغَةُ عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمًا تَصَدَّعَ والشَّيْبُ وازِعُ والمُرادُ بِهَذا المَنعِ ما قالَهُ قَتادَةُ: أنْ يُرَدَّ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَجْتَمِعُوا ولا يَتَفَرَّقُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ وادٍ بِأرْضِ الشّامِ.
وَقالَ كَعْبٌ: وهو بِالطّائِفِ.
﴿ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: كانَ لِلنَّمْلَةِ جَناحانِ فَصارَتْ مِنَ الطَّيْرِ، فَلِذَلِكَ عَلِمَ مَنطِقَها، ولَوْلا ذَلِكَ، ما عَلِمَهُ.
﴿ لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ ﴾ أيْ لا يُهْلِكَنَّكم.
﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: والنَّمْلُ لا يَشْعُرُونَ بِسُلَيْمانَ وجُنُودِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: وسُلَيْمانُ وجُنُودُهُ لا يَشْعُرُونَ بِهَلاكِ النَّمْلِ، وسُمِّيَتِ النَّمْلَةُ نَمْلَةً لِتَنَمُّلِها وهو كَثْرَةُ حَرَكَتِها وقِلَّةُ قَرارِها، وقِيلَ إنَّ النَّمْلَ أكْثَرُ جِنْسِهِ حِسًّا لِأنَّهُ إذا التَقَطَ الحَبَّةَ مِنَ الحِنْطَةِ والشَّعِيرَ لِلِادِّخارِ قَطَعَها اثْنَيْنِ لِئَلّا تَنْبُتُ، وإنْ كانَتْ كُزْبَرَةً قَطَعَها أرْبَعَ قِطَعٍ لِأنَّها تَنْبُتُ إذا قُطِعَتْ قِطْعَتَيْنِ، فَأُلْهِمَ بِحِسِّهِ فَرْقَ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَلِهَذا الحِسِّ قالَتْ: ﴿ لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ ﴾ فَحُكِيَ أنَّ الرِّيحَ أطارَتْ كَلامَها إلى سُلَيْمانَ حَتّى سَمِعَ قَوْلَها مِن ثَلاثَةِ أمْيالٍ فانْتَهى إلَيْها وهي تَأْمُرُ النَّمْلَ بِالمُغادَرَةِ.
﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَبَسَّمَ مِن حَذَرِها بِالمُغادَرَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَبَسَّمَ مِن ثَنائِها عَلَيْهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَبَسَّمَ مِنِ اسْتِبْقائِها لِلنَّمْلِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَوَقَفَ سُلَيْمانُ بِجُنُودِهِ حَتّى دَخَلَ النَّمْلُ مَساكِنَهُ.
﴿ وَقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ألْهِمْنِي، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: اجْعَلْنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: حَرِّضَنِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ فَحَكى سُفْيانُ أنْ رَجُلًا مِنَ الحَرَسِ قالَ لِسُلَيْمانَ، أنا بِمَقْدِرَتِي أشْكَرُ لِلَّهِ مِنكَ، قالَ فَخَرَّ سُلَيْمانُ عَنْ فَرَسِهِ ساجِدًا.
وَفِي سَبَبِ شُكْرِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ عَلِمَ مَنطِقَ الطَّيْرِ حَتّى فَهِمَ قَوْلَها.
الثّانِي: أنْ حَمَلَتِ الرِّيحُ قَوْلَها إلَيْهِ حَتّى سَمِعَهُ قَبْلَ وُصُولِهِ لِجُنُودِهِ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ فَأمْكَنَهُ الكَفُّ.
﴿ وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شُكْرُ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: حِفْظُ ما اسْتَرْعاهُ، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالنُّبُوَّةِ الَّتِي شَرَّفَتْنِي بِها.
الثّانِي: بِالمَعُونَةِ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِها.
﴿ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في جُمْلَةِ أنْبِيائِكَ.
الثّانِي: في الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُ أوْلِيائِكَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وورث سليمان داود ﴾ قال: ورثه نبوته، وملكه، وعلمه.
وأما قوله تعالى: ﴿ وقال يا أيها الناس ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: الناس عندنا: أهل العلم.
وأما قوله تعالى: ﴿ علمنا منطق الطير ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: كنت عند عمر بن الخطاب فدخل علينا كعب الحبر فقال: يا أمير المؤمنين ألا أخبرك بأغرب شيء قرأت في كتب الأنبياء: إن هامة جاءت إلى سليمان فقالت: السلام عليك يا نبي الله، فقال: وعليك السلام يا هام، أخبريني كيف لا تأكلين الزرع؟
فقالت: يا نبي الله لأن آدم عصى ربه في سببه لذلك لا آكله، قال: فكيف لا تشربين الماء؟
قالت: يا نبي الله لأن الله أغرق بالماء قوم نوح من أجل ذلك تركت شربه، قال: فكيف تركت العمران وأسكنت الخراب؟
قالت: لأن الخراب ميراث الله، وأنا أسكن في ميراث الله وقد ذكر الله ذلك في كتابه فقال: ﴿ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ﴾ [ القصص: 58] إلى قوله: ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ [ القصص: 58] .
وأخرج ابن أبي شيبه وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمر بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فاما أن تسقينا، وإما أن تهلكنا فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال: كان داود يقضي بين البهائم يوماً وبين الناس يوماً، فجاءت بقرة فوضعت قرنها في حلقة الباب ثم تنغمت كما تنغم الوالدة على ولدها، وقالت: كنت شابة كانوا ينتجوني ويستعملوني، ثم إني كبرت فأرادوا أن يذبحوني، فقال داود: أحسنوا إليها ولا تذبحوها ثم قرأ ﴿ علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ﴾ .
وأخرج الحاكم في المستدرك عن جعفر بن محمد قال: أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر.
ملك أهل الدنيا كلهم من الجن، والإِنس، والدواب، والطير، والسباع، وأعطي كل شيء ومنطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة.
حتى إذا أراد الله أن يقبضه إليه أوحى إليه: أن استودع علم الله وحكمته أخاه.
وولد داود كانوا أربعمائة وثمانين رجلاً أنبياء بلا رسالة.
قال الذهبي: هذا باطل.
وأخرج الحاكم عن محمد بن كعب قال: بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ: خمسة وعشرون منها للإِنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب.
فيها ثلثمائة صريحة، وسبعمائة سرية، وأمر الريح العاصف فرفعته، فأمر الريح فسارت به.
فأوحى الله إليه: إني زدتك في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا جاءت الريح فأخبرتك.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن وهب بن منبه قال: مر سليمان بن داود وهو في ملكه قد حملته الريح على رجل حراث من بني إسرائيل، فلما رآه قال- سبحان الله- لقد أوتي آل داود ملكاً.
فحملتها الريح، فوضعتها في أذنه، فقال: ائتوني بالرجل، فأتي به فقال: ماذا قلت؟
فأخبره فقال سليمان: إني خشيت عليك الفتنة.
لثواب سبحان الله عند الله يوم القيامة أعظم مما أوتي آل داود فقال الحراث: أذهب الله همك كما أذهبت همي قال: وكان سليمان رجلاً أبيض، جسيماً، أشقر، غزاء، لا يسمع بملك إلا أتاه فقاتله فدوخه، يأمر الشياطين فيجعلون له داراً من قوارير، فيحمل ما يريد من آلة الحرب فيها، ثم يأمر العاصف فتحمله من الأرض، ثم يأمر الرخاء فتقدمه حيث شاء.
وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن كثير قال: قال سليمان بن داود لبني إسرائيل: ألا أريكم بعض ملكي اليوم قالوا: بلى يا نبي الله قال: يا ريح ارفعينا.
فرفعتهم الريح فجعلتهم بين السماء والأرض، ثم قال: يا طير أظلينا.
فأظلتهم الطير بأجنحتها لا يرون الشمس.
قال: يا بني إسرائيل أي ملك ترون؟
قالوا: نرى ملكاً عظيماً قال: قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ خير من ملكي هذا، ومن الدنيا وما فيها.
يا بني إسرائيل من خشي الله في السر والعلانية، وقصد في الغنى والفقر، وعدل في الغضب والرضا، وذكر الله على كل حال، فقد أعطي مثل ما أعطيت.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾ قال ابن عباس: ورث منه النبوة.
وقال السدي: ورث نبوته.
وقال مقاتل: ورث سليمان علم داود وملكه (١) وقال قتادة: كان لداود تسعة عشر ذكرًا فورث سليمان مُلْكه من بينهم ونبوته (٢) (٣) وذكر الفراء والزجاج معنى قول قتادة (٤) قوله: (وَقَال) أي: قال سليمان لبني إسرائيل (٥) ﴿ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ﴾ (٦) قال الليث: كلام كل شيء منطقه، وتلا الآية (٧) وقال الأصمعي: صوت كل شيء منطقه، ونُطقُه، ومنه قولهم: مالَه صامت ولا ناطق؛ الناطق: الحيوان من الرقيق وغيره سمي ناطقًا لصوته (٨) قال الفراء: منطق الطير، يعني: كلام الطير، فجعله كمنطق الرجل إذ فُهِم، وأنشد لحميد بن ثور: عجبتُ لها أنى يكون غِناؤها ...
فصيحًا ولم تفغرْ بمنطقها فما فجعله كالكلام لَمَّا ذهب به إلى أنها تغني (٩) وقال أبو علي الفارسي: القول والكلام والمنطق يستعمل كل واحد من ذلك في موضع الآخر، ويعبر بكل واحد منها عما عبر بالآخر، قال رؤبة: لو أنني أعطيت علم الحُكْل ...
علمَ سليمانَ كلامَ النملِ (١٠) وقال الله تعالى: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ وقال إخبارًا عن الهدهد: ﴿ فَقَالَ أَحَطْتُ ﴾ فذَكَر له القول.
وأنشد الأخفش: صدَّها منطقُ الدجاجِ عن القصدِ ...
وصوت الناقوس بالأسحار (١١) وأنشد أيضًا: فَصبَّحتْ والطيرُ لم تكلَّم فوضع كل واحد من الكلام والنطق موضع الصوت.
وقال الراعي يصف ثورًا يحفر كِناسًا (١٢) (١٣) ومعنى الآية: فهمنا ما يقول الطير.
قوله تعالى: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد من أمر الدنيا والآخرة (١٤) وقال مقاتل: يعني أُعطينا المُلك والنبوة والكتاب، في تسخير الرياح، وسُخِرت الجن والشياطين، ومنطق الطير (١٥) وقال الزجاج: المعنى ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يجوز أن يؤتاه الأنبياء والناس.
وكذلك قوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يؤتى مثلها.
وعلى هذا جرى كلام الناس؛ يقول القائل: قد قصد فلانًا كلُّ أحد، أي: قَصَدَه كثير من الناس (١٦) قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا ﴾ قال مقاتل: إن هذا الذي أعطينا (١٧) ﴿ لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ﴾ قال ابن عباس: مِن الله علينا (١٨) (١) "تفسير مقاتل" 57 ب.
وهو قول ابن جرير 19/ 141.
(٢) "تنوير المقباس" 316.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2854، عن قتادة، دون ذكر العدد.
وذكره الزجاج 4/ 111، ولم ينسبه.
وكذا الثعلبي، 8/ 122 أ.
وذكره الماوردي 4/ 198، والقرطبي 13/ 164، عن الكلبي.
(٣) قال الماوردي 4/ 198: وإنما خص سليمان بوراثته؛ لأنها وراثة نبوة وملك، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء.
والرافضة يخالفون هذا فيجعلون الوراثة هنا وراثة مال أيضًا، قال الطوسي: قال أصحابنا: إنه ورث المال، والعلم، وقال مخالفونا: إنه ورث العلم، لقوله - : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث).
ثم أجاب عن الحديث بقوله: والخبر المروي عن النبي - خبر واحد لا يجوز أن يخص به عموم القرآن، ولا نسخه به."التبيان في تفسير القرآن" 8/ 82.
قال ابن القيم: فلو كان الموروث هو المال لم يكن سليمان مختصًا به، وأيضًا فإن كلام الله يصان عن الإخبار بمثل هذا، فإنه بمنزلة أن يقال: مات فلان وورثه ابنه.
ومن المعلوم أن كل أحد يرثه ابنه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة، وأيضًا فإن ما قبل الآية وما بعدها يبين أن المراد بهذه الوراثة ورائة العلم والنبوة، لا وراثة المال، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان، وما خصه الله به من كرامته، وميراثه، وما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوة ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ﴾ وكذلك قول زكريا عليه الصلاة والسلام: ﴿ وإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله، وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله، فيسأل الله العظيم ولدًا يمنعهم ميراثه، ويكون أحق به منهم، وقد نزه الله أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله، فبعداً لمن حرف كلامه، ونسب الأنبياء إلى ما هم برآء منزهون عنه.
"مفتاح دار السعادة" 67.
(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 288.
و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 111.
(٥) "تفسير مقاتل" 57 ب.
أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2855، عن الأوزاعي: الناس عندنا: أهل العلم.
(٦) وقد استدل قتادة بهذه الآية على أن النملة من الطير.
أخرجه عبد الرزاق 2/ 79، وعنه ابن أبي حاتم 9/ 2855.
وهذا ليس بلازم، قال ابن العربي فجعل الله لسليمان معجزة فهم كلام الطير، والبهائم، والحشرات، وإنما خص الطير لأجل سوق قصة الهدهد بعدها، ألا تراه كيف ذكر قصة النمل معها، وليست من الطير.
أحكام القرآن 3/ 472.
وزاده بيانًا في 475.
قال الشوكاني 4/ 125 إنه عُلم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه كان جندًا من جنده يسير معه لتظليله من الشمس.
(٧) "العين" 5/ 104 (نطق)، وليس فيه ذكر الآية، وإنما ذكرها الأزهري، "تهذيب اللغة" 16/ 275.
(٨) "تهذيب اللغة" 16/ 279 (نطق).
وفيه الصامت: الذهب والفضة والجوهر.
(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 288، وفيه: تبكي، بدل: تغني.
ولم ينسب البيت.
وفيه: بليغًا، بدل: رفيعا.
وتفتح، بدل تفغر.
وأنشده الطوسي، "التبيان في تفسير القرآن" 8/ 85.
وأنشده في "الوسيط" 3/ 372، وكذا في "وضح البرهان" 2/ 139، منسوبًا، وذكره ابن الجوزي 6/ 160، ولم ينسبه.
وهو في "ديوان حميد بن ثور" 42.
(١٠) "تهذيب اللغة" 4/ 100 (حكل)، ونسبه لرؤبة، وهو في ديوانه 133، وأنشده ابن فارس، ولم ينسبه، وفيه: أوتيت.
وقال: الحاء والكاف واللام أصل صحيح منقاس، وهو الشيء الذي لا يبين، يقال: إن الحُكل الشيء الذي لا نطق له من الحيوان، كالنمل وغيره.
"معجم مقاييس اللغة" 2/ 91.
وأنشده ابن جني، ولم ينسبه، "الخصائص" 1/ 22.
وذكر الواحدي كلمة الحكل في مقدمة تفسيره فقال: ويعلم قول الحُكل.
تفسير الواحدي 1/ 201، تحقيق الفوزان.
(١١) أنشده الأخفش 2/ 588، كاملًا في سورة: يوسف، وعجزه: وضرب الناقوس فاجتُنبا وأنشده 2/ 648، في سورة النمل مقتصرًا على صدره، ولم ينسبه في الموضعين، وفي الحاشية: لم تفد المراجع شيئًا في القائل والقول.
(١٢) المَكْنِس: مَوْلِجُ الوحش من البقر تسكن فيه من الحر، وهو الكِناس، والجمع: أكنسة، وكُنُس، واشتقاقه من الكَنْس، وهو: كَسْحُ القُمَام عن وجه الأرض، فهي تكْنِس الرمل حتى تصل إلى الثرى.
"تهذيب اللغة" 10/ 63 (كنس)، و"لسان العرب" 6/ 197.
(١٣) "ديوان الراعي" 92، نطق العصفور: كناية عن انبلاج الصبح، وعماية الليل: ظلمته، والمعتمِد: الذي يمشي طوال الليل.
حاشية الديوان.
وفي "لسان العرب" 3/ 305 (عمد): اعتمد فلان ليلته إذا ركبها يسير فيها.
(١٤) "تفسير الوسيط" 3/ 372.
(١٥) "تفسير مقاتل" 57 ب.
(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 111.
(١٧) "تفسير مقاتل" 57 ب.
(١٨) "تنوير المقاس" 316، بلفظ: المن العظيم من الله علىَّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾ أي ورث عنه النبوة والعلم والملك ﴿ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير ﴾ أي فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عموم معناه الخصوص، والمراد بهذا اللفظ التكثير: كقولك: فلان يقصده كل أحد، وقوله: علمنا وأوتينا؛ يحتمل أن يريد نفسه وأباه أو نفسه خاصة على وجه التعظيم، لأنه كان ملكاً ﴿ وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ ﴾ اختلف الناس في عدد جنود سليمان اختلافاً شديداً، تركنا ذكره لعدم صحته ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يكفُّون ويردّ أوَّلهم إلى آخرهم، ولابد لكل ملك أو حاكم في وَزَعَةٍ يدفعون الناس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وادي النمل ﴾ ممالة: عباس وقتيبة.
وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف.
﴿ لا يحطمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: عباس ورويس.
﴿ أوزعني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وكذلك في "الأحقاف" ﴿ ما لي لا ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وعلي وعاصم ﴿ ليأتيني ﴾ بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير.
﴿ فمكث ﴾ بفتح الكاف: عاصم وسهل ويعقوب غير رويس.
الآخرون بضمها ﴿ من سبأ ﴾ بفتح الهمزة لامتناع الصرف: البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة.
وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز.
الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ.
﴿ ألا يسجدوا ﴾ مخففاً: يزيد وعلي ورويس.
الآخرون بالتشديد.
وقال ابن مجاهد: إذا وقفوا على ﴿ إلا ﴾ وقفوا على "ألا ياء" والابتداء ﴿ اسجدوا ﴾ ﴿ تخفون ﴾ و ﴿ تعلنون ﴾ بتاء الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة ﴿ فألقه ﴾ بسكون الهاء: حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع ﴿ إني القي ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابو جعفر ونافع ﴿ أتمدونني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل وافق به ابو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل ﴿ اتمدوني ﴾ بتشديد النون وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب.
الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء ﴿ أتاني الله ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص.
فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلاً ويعقوب فإنهما يقفان بالياء.
وقرأ علي ﴿ آتاني الله ﴾ بالإمالة ﴿ أنا آتيك ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه ﴿ فلما رايه ﴾ بكسر الراء: نصير ﴿ ليبلوني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
﴿ ساقيها ﴾ وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها.
قال في الكشاف: من همز فوجهه أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد.
الوقوف: ﴿ علماً ﴾ ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكراً ووفاء ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ النمل ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ مساكنكم ﴾ ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل ﴿ وجنوده ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الهدهد ﴾ ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن "أم" متصل بمعنى الاستفهام في ﴿ مالي ﴾ أي أنا لا اراه أو هو غائب ﴿ الغائبين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يقيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه لا ومن خفف ﴿ ألا ﴾ وقف مطلقاً ﴿ تلعنون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه سجدة ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ أمري ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل ﴿ تشهدون ﴾ ه ﴿ تأمرين ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج لأن قوله ﴿ وكذلك ﴾ يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ بمال ﴾ ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل ﴿ آتاكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين على أن "بل" ترجح جانب الوقف ﴿ تفرحون ﴾ ه ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ مقامك ﴾ ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ طرفك ﴾ ط للعدول ﴿ أم أكفر ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لا يهتدون ﴾ ه ﴿ عرشك ﴾ ط ﴿ هو ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ الصرح ﴾ ج ﴿ ساقيها ﴾ ط ﴿ قوارير ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان.
والتنوين في ﴿ علماً ﴾ إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علماً غزيراً.
قال علماء المعاني: الواو في ﴿ وقالا ﴾ للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك: أعطيته فشكر.
فالتقدير: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه ﴿ وقالا الحمد لله ﴾ وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علماً فعملاَ به قلباً وقالباً ﴿ وقالا ﴾ باللسان ﴿ الحمد لله ﴾ قلت: لقائل أن يقول: الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك "أعطيته وشكر".
وقوله ﴿ على كثير من عباده ﴾ يجوز أن يكون واردا" على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما.
ويجوز أن يكون وارداً على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر، وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان.
وفي الآية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله قلباً وقالباً وما التوفيق إلا منه.
قوله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضاً عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنماً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً.
ومات المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته.
والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معاً دليله قوله تشهيراً لنعمة الله ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة ﴿ يا أيها الناس عُلمنا منطق الطير ﴾ والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيداً وغير مفيد، ومنه قولهم "نطقت الحمامة".
قال المفسرون: إنه جعل الطير في ايامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله الدقائق التي خصت بالحاجة إليها.
يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب.
وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان.
وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون.
والخطاف يقول: قدموا خيراً تجدوه.
والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وارضه.
والقمريّ يقول: سبحان ربي الأعلى.
والقطاة تقول: من سكت سلم.
والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه.
والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون.
والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.
والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس.
ومعنى ﴿ من كل شيء ﴾ بعض كل شيء.
وقال في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول "فلان يقصده كل أحد" تريد كثرة قاصديه.
وإنما قال ﴿ علمنا ﴾ ﴿ وأوتينا ﴾ لأنه أراد نفسه واباه، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب.
وقوله ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما قال رسول الله "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أي أقول هذا شكراً لا فخراً.
يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ.
خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسيّ الذهب والعلماء على كراسيّ الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإن كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود.
ومعنى ﴿ يوزعون ﴾ يحبسون.
قيل: كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيلة منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم.
ومعنى ﴿ أتوا على واد النمل ﴾ قطعوه وبلغوا آخره من قولهم "أتى على الشيء" إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي.
ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحلهم في الهواء فلذلك عدي بـ "على" عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى؟
فسألوه فأفحم فقال ابو حنيفة: كانت أنثى لقوله ﴿ قالت نملة ﴾ لو كان ذكراً لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد التمييز بالعلامة.
وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم أولي العقل فحكى أنها ﴿ قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ﴾ أما جواب للأمر وإما نهي بدلاً من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة "لا أرينك ههنا".
وفي قوله ﴿ سليمان وجنوده ﴾ دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول: أعجبني زيد وكرمه.
وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز.
وفي قوله ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو.
وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن.
وفيه تنيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة.
قيل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال ﴿ فتبسم ضاحكاً ﴾ أي شارعاً في الضحك آخذاً فيه ولكن لم يبلغ حدّ القهقهة وكمال الضحك.
وما روي أنه ضحك حتى بدت نواجذه فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي.
وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلاً: ﴿ رب أوزعني ﴾ قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكراً لك.
وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس.
ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: ﴿ وأن أعمل صالحاً ترضاه ﴾ ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود.
يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرون حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة.
القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد، يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياماً يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة.
ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض.
وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنويه فلذلك تفقده.
وقيل: إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خالٍ فدعا عفريت الطير -وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه.
ثم قال لسيد الطير -وهو العقاب- عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته.
وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟
قالت: بلى قال: ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ أي بعذر واضح.
فلما قرب من سليمان ارخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعاً له، فلما دنا منه أخذ سليمان براسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته.
وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن اصغر رعيتهم.
وأرجع إلى التفسير.
قوله ﴿ مالي لا أرى ﴾ استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساتراً ستره ثم لاح له أنه غائب فقال ﴿ أم كان من الغائبين ﴾ وقد مر في الوقوف قوله ﴿ لأعذبنه ﴾ لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله.
فقيل: أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير.
وقيل: كان يطلي بالقطران ويشمس.
وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله.
وقيل: إيداعه القفص.
وقيل: التفريق بينه وبين إلفه.
وقييل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون مجالسة الأضداد.
وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه.
ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي.
وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة.
ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه.
ثم أخبر الله أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله ﴿ فمكث غير بعيد ﴾ أي غير زمان بعيد ﴿ فقال ﴾ مخاطباً لسليمان ﴿ أحطت بما لم تحط به ﴾ قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.
وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالاً منه.
والإحاطة بالشيء علماً هو أن يعلمه من جميع جهاته.
وقوله ﴿ من سبأ بنبأ ﴾ من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول "من سبأ بخبر" حسن على حسن.
وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مارب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.
ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم.
ثم شرع في النبأ وهو قوله ﴿ إني وجدت امرأة ﴾ واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابراً عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوساً عبدة الشمس.
والضمير في ﴿ تملكهم ﴾ يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة.
﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ اي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب.
﴿ ولها عرش عظيم ﴾ كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان.
ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض.
يحكى من عظم شأنه إنما كان مكعباً ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللاً بأنواع الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، قال بعض المعتزلة: في قوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان.
وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصاً في زمن سليمان .
قوله ﴿ ألا يسجدوا ﴾ من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقاً بالصد فالتقدير صدهم لأن ﴿ لا يسجدوا ﴾ وإن كان متعلقاً بـ ﴿ لا يهتدون ﴾ فـ ﴿ لا ﴾ مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا.
ومن قرأ بالتخفيف فقوله ﴿ ألا ﴾ حرف تنبيه و ﴿ يا ﴾ حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله: ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى *** ولا زال منهلاً بجرعائك القطر قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد.
والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء.
والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرف بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي.
وفي تخصيص وصف الله في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة.
ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية ﴿ قال ﴾ سليمان ﴿ سننظر ﴾ أي نتأمل في صفحات حالك ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال له "كذبت" لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً في كل ما أخبر به.
ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال ﴿ أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ﴾ لم يقل إليها لأنه كان قد قال ﴿ وجدتها وقومها ﴾ فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماماً فيه بأمر الدين.
ولمثل هذا قال في الكتاب ﴿ ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ﴾ ومعنى ﴿ ثم تول عنهم ﴾ تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون ﴿ يرجعون ﴾ من رجع القول كقوله ﴿ يرجع بعضهم إلى بعض القول ﴾ يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة.
وقيل: نقرها فانتبهت فزعة.
وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقيل: كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها.
وههنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلاً سأل فماذا قالت بلقيس؟
فقيل ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم ﴾ مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم.
يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال "كرم الكتاب ختمه" .
وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به.
ثم إن سائلاً كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟
فقالت ﴿ إنه من سليمان وإنه ﴾ كيت وكيت.
سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟
والجواب أنها لم وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ﴿ إنه من سليمان ﴾ فقرأت عنوانه أوّلاً ثم أخبرت بما في الكتاب.
أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله .
و"أن" في ﴿ أن لا تعلوا ﴾ مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك.
يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى.
أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.
وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملاً وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد.
قوله ﴿ قالت يا ايها الملأ ﴾ استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة.
ومعنى ﴿ أفتوني ﴾ أشيروا عليّ بما يحدث لكم من الرأي.
والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم اصحاب القوى الجسداينة والخارجية، ولهم النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب.
ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشروة وإنما الرأي إليكن وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أهم مائلون إلى المحاربة، ارادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها ﴾ وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة.
ومفعول ﴿ مرسلة ﴾ محذوف اي مرسلة رسلاً مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي.
وإنما رأت الإهداء أوّلاً لأن الهدية سبب استمالة القلوب.
قال "تهادوا تحابوا" قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل -وقالت: إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً.
ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشاً لطيفاً فهو نبي.
فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ والأنس كذلك، ولاوحش والطير كذلك.
فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟
وقال: أين الحق؟
وأخبرهم بما فيه.
ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وذلك قوله على سبيل الإنكار ﴿ أتمدونني بمال ﴾ ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار ﴿ فما آتاني الله ﴾ من الكمالات والقربات والدرجات ﴿ خير مما آتاكم ﴾ ثم أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه.
والمعنى ﴿ بل أنتم بهديتكم ﴾ هذه التي أهديتموها ﴿ تفرحون ﴾ فرح افتخار على الملوك.
ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال.
بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر ﴿ ارجع إليهم ﴾ ومعنى ﴿ لا قبل ﴾ لا طاقة ولا مقابلة.
والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر الف قيل.
مع كل قيل ألوف.
وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرساً فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فاراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك ﴿ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ وعن قتادة: اراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا اسلمت لم يحل له أخذ مالها.
وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء.
وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه, والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر اقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ووزنه "فعليت".
قالوا: كان اسمه ذكوان.
و ﴿ آتيك به ﴾ في الموضعين يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً وأن يكون اسم فاعل.
ومعنى.
﴿ أن تقوم من مقامك ﴾ إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به.
وعلى هذا فقيل: المراد مجلس الحكم.
وقيل: مقدار فراغه من الخطبة.
وقيل: إلى انتصاف النهار.
﴿ وإني عليه ﴾ أي على حمله ﴿ لقوي أمين ﴾ آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء.
واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر .
وقيل: جبرائيل.
وقيل: ملك أيد الله به سليمان.
وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه.
وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا اريك ما هو أسرع مما تقول.
وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوماً للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضاً كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه.
ومنها قول سليمان.
﴿ هذا من فضل ربي ﴾ ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه على الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزاً عن الإتيان بذلك الشيء.
واختلفوا ايضاً في الكتاب فقيل: هو اللوح.
وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع.
وقيل: كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء.
وما ذلك العلم؟
قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن.
والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه.
ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفياً بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم.
والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإِذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد اراتدّ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك.
يروى أن آصف قال له: مدّ عينك حتى ينتهي طرفك فمدّ عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتدّ طرفه.
ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده.
وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا في لحظةأو لمحة.
وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار.
قوله "أقشعت نافرة" أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها.
﴿ ومن كفر فان ربي غني ﴾ عن عبادة كل عابد فضلاً عن شكر شاكر ﴿ كريم ﴾ لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله.
زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له: إن في عقلها شيئاً وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله ﴿ نكروا لها عرشها ﴾ أي اجعلوه متنكراً متغيراً عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه.
قالوا: وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه اسفله.
وقوله ﴿ ننظر ﴾ بالجزم جواب للأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف.
﴿ أتهتدي ﴾ لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق.
وقوله ﴿ أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ أبلغ من أن لو قال "أم لا تهتدي" كما مر في قوله ﴿ أم كنت من الكاذبين ﴾ ﴿ فلما جاءت قيل أهكذا ﴾ أي مثل ذا ﴿ عرشك ﴾ لئلا يكون شبه تلقين فقالت ﴿ كأنه هو ﴾ ولم تقل: هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلاً على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف.
أما قوله ﴿ وأوتينا العلم ﴾ فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد اصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق.
﴿ وأوتينا ﴾ نحن ﴿ العلم ﴾ بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام ﴿ وصدّها ﴾ عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة.
والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام.
وقيل: هو موصول بكلام بلقيس.
والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر.
ثم قال ﴿ وصدها ﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ﴿ ما كانت تعبد من دون الله ﴾ وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء والقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس.
ثم ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ أي القصر أو صحن الدار ﴿ فلما رأته حسبته لجة ﴾ أي ماء غامراً ﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها شعراء، فصرف سليمان بصره وناداها ﴿ إنه صرح ممرد ﴾ أي مملس ﴿ من قوارير ﴾ هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرّة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له.
قالوا: كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها.
وقال آخرون: المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع.
عن ابن عباس: لما اسلمت قال لها: اختاري من أزوّجكه؟
فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان.
فقال: النكاح من الإسلام.
فقالت: إن كان كذلك فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ولم يزل بها ملكاً ﴿ قالت رب إني ظلمت نفسي ﴾ أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في الماء.
وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولها ﴿ مع سليمان ﴾ أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون معه في الدارين جميعاً والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولقد آتينا داود ﴾ الروح ﴿ وسليمان ﴾ القلب ﴿ علماً ﴾ لدنيا ﴿ على كثير من عباده ﴾ وهم الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية.
﴿ وورث سليمان داود ﴾ لأن كل إلهام وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان اقضى من داود.
قوله ﴿ منطق الطير ﴾ يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال الطائرين في سماء سناء الفناء.
وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية.
قوله ﴿ من الجن والإِنس والطير ﴾ أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية ﴿ فهم يوزعون ﴾ على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها ﴿ قالت نملة ﴾ هي النفس اللوامة ﴿ يا أيها النمل ﴾ هي الصفات النفسانية ﴿ ادخلوا مساكنكم ﴾ محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنهم على الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لا حس عندها من نورها ولا من الظلمة التي تزيلها ﴿ نعمتك التي أنعمت عليّ ﴾ بتسخير جنودي لي وعلى والديّ وهما الروح والجسد.
أنعم على الروح بإفاضة الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان الشريعة.
وفي قوله ﴿ بنبأ يقين ﴾ إشارة إلى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك.
وفي قول سليمان ﴿ سننظر أصدقت ﴾ إشارة إلى أن خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعوّل عليه إلا بأمارات أخر.
﴿ كتاب كريم ﴾ كأنها عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية ﴿ إذا دخلوا قرية ﴾ الشخص الإنساني ﴿ أفسدوها ﴾ بإفساد الطبيعة الحيوانية ﴿ وجعلوا أعزة أهلها ﴾ وهم النفس الأمارة وصفاتها ﴿ أذلة ﴾ بسطوات التجلي ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ مع الأنبياء والأولياء.
وفي قوله ﴿ أيكم يأتيني بعرشها ﴾ إشارة إلى أن سليمان كان واقفاً على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة إعجاز الأنبياء ﴿ قيل لها ادخلي الصرح ﴾ فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوّز النظر إلى ساقيها.
﴿ وأسلمت نفسي ﴾ للنكاح ﴿ مع سليمان لله ﴾ وفي الله.
تأويل آخر: ﴿ وتفقد الطير ﴾ هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجوّ عالم الإنس.
والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار.
﴿ عذاباً شديداً ﴾ بالرياضة والمجاهدة.
﴿ أو لأذبحنه ﴾ بسكين مخالفات الإرادة.
سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال العبودية.
آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه.
والعفريت الرياضة الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : فيه وجهان من الاستدلال: أحدهما: في خلق أفعال العباد.
والثاني: في ترك الأصلح.
أمّا الاستدلال على خلق الأفعال: لأنه قال: ﴿ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً ﴾ ، وقال على أثره: ﴿ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ ﴾ ، وقال في رسول الله ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ ، وقال: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ ، ونحوه من الآيات فيما أضاف التعليم والفعل إلى نفسه، فلو لم يكن له في ذلك صنع لم يكن لإضافة ذلك إليه معنى؛ فدل أنه خلق أفعالهم منهم.
فإن قيل: إنما أضاف ذلك إلى نفسه بالأسباب التي أعطاهم.
قيل: لا يحتمل ذلك؛ لأنه قد أعطى رسول الله جميع أسباب الشعر، ولم يكن غيره من الشعراء أحق بأسباب الشعر من رسول الله ثم أخبر أنه لم يعلمه الشعر؛ دل أنه لم يرد به الأسباب، ولكن أراد ما ذكرنا.
وأما في ترك الأصلح: فهو ما ذكر من قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً ﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، أنه إنما ذكر هذا على الامتنان والإفضال، فلو كان لا يجوز له ألاَّ يعطيه ذلك، ولا كان له ترك ما فعل بهم من الإفضال - لم يكن لذكر ذلك له على الإفضال والامتنان معنى، ولا كان داود وسليمان يحمدانه على ما أعطاهما، ولا كان هو يستوجب الحمد بذلك؛ إذ فعل ما عليه أن يفعل؛ دل أنه إنما أعطى ذلك لهم وفعل بهم ذلك على جهة الإفضال والامتنان، وكان له ترك ما فعل، وإن كان ذلك ليس أصلح في الدين.
فهذان الوجهان ينقضان على المعتزلة مذهبهم في إنكارهم خلق الأفعال، وجواز ترك الأصلح في الدين.
ثم قوله: ﴿ عِلْماً ﴾ : قال بعضهم: علما بالقضاء والحكم والعلم بكلام الطير والدواب.
وقال بعضهم: فضلا بالنبوة والعلم.
لكن عندنا ذكر أنه آتاهما العلم، ولم يبين ما ذلك العلم أنه علم ماذا؟
مخافة الكذب على الله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾ : قال أهل التأويل: ورث النبوة والحكم، والوارث: هو الباقي بعد هلاك الآخر وفنائه، كقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ أي: نبقى بعد هلاك أهلها وفنائهم، وقوله: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ ﴾ أي: الباقون بعد فنائهم، إلا أنه ورث شيئاً لم يكن له من قبل؛ وكذلك قوله: ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...
﴾ الآية [الأحزاب: 27]، أي: أبقاكم وترككم في أرضهم وديارهم، وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا ﴾ أي: أبقيتم فيها، وأمثال ذلك كله راجع إلى البقاء؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ﴾ أي: بقي في ملكه ونبوته؛ وعلى ذلك ما سأل زكريا ربه من الولد حيث قال: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ لا يحتمل أن يسأل ربه ولدا يرث ماله من بعد وفاته، ولكن كأنه سأل ربه الولد؛ ليبقى في نبوته ورسالته بعد وفاته؛ لتبقى النبوة في نسله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : لا يحتمل أن يذكر هذا - صلوات الله عليه - على الافتخار والنباهة، ولكن ذكر فضل الله ونعمه التي أعطاه ومنّ عليه؛ كقوله: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ ، ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : لا يحتمل كل شيء؛ لأنهم لم يؤتوا كل شيء حتى لم يبق شيء، إنما أوتوا شيئاً دون شيء، ولكن كأنه قال: وأوتينا من كل شيء سألناه أن يؤتينا.
أو أن يكون ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مما يؤتى الأنبياء والملوك وما يحتاج إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يحبس أولهم على آخرهم؛ كأنه لا يدعهم أن ينتشروا ويتفرقوا، ولكن يسيرهم مجموعين على كل صنف منهم وزعة ترد أولهم على آخرهم، وذلك من سيرة الملوك وأمراء العساكر أن يسيروا جنودهم مجموعة غير منتشرة ولا متفرقة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يساقون، ويقال: أوزعني، أي: ألهمني، والوزع: من الكف والسوق، تقول: وزع، أي: كف، ووزع، أي: ساق.
وقال مرة: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ : يجتمعون، يقال: وزعت الإبل - أي: جمعتها - أزع وزعاً.
وقال القتبي: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ ، أي: يدفعون، وأصل الوزع: الكف والمنع، يقال: وزعت الرجل إذا كففته، ووازع الجيش: هو الذي يكفهم عن التفرق والانتشار، وهو على ما ذكر.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ ﴾ : هذا يدل أن النمل وقتئذ لا تخالط الناس؛ حيث أضاف الوادي إليها بقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ ﴾ ، ولو كانت تخالط الناس كهي الآن لقال: حتى إذا أتوا على الوادي الذي فيه النمل؛ دل أنها كانت لا تخالط الناس، وكان لها مكان على حدة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : يخرج قوله: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ على وجهين: على حقيقة القول من النملة كما يكون من البشر، أطلع الله سليمان على ذلك، وألقاه على مسامعه؛ لطفاً منه وفضلا من بين سائر الخلائق على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ...
﴾ الآية [الإسراء: 44].
والثاني: أن يجعل الله في سرية النمل معنى يفهم بعضها من بعض لما يريدون فيما بينهم من أنواع الحوائج على غير حقيقة القول، أطلع الله سليمان على ذلك؛ حتى فهم منها ما كانت تفهم بعضها من بعض لطفاً منه وفضلا؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ﴾ ، ليس أحد يقول لآخر إذا تصدق عليه ذلك، لكن الله أخبر عما علم من ضميرهم ومرادهم من التصدق على غير حقيقة القول منهم؛ فعلى ذلك قول النملة، أخبر سليمان عما كان في سريتها فيما بينهم من غير أن كان منها نطق أو كلام يفهم منه الخلق، والله أعلم.
وقالت الباطنية: ليس المراد من ذكر النمل: النملة المعروفة وقولها؛ وكذلك قالوا في الهدهد: إنه لم يرد به: الهدهد المعروف؛ إذ لا يجوز للهدهد من العلم أكثر مما يكون لسليمان ولغيره، ولكن أراد به: الرجل، وهو الإمام الذي يدعو الناس إلى الهدى، ويدلهم على الرشد.
وليس كما قالوا؛ لأنه إنما ذكر هذا على التعجب، ولو كان ذلك إنساناً ممن يكون له قول وكلام، لم يكن لذكر ذلك منه كبير تعجيب ولا فائدة؛ دل أنه ليس كما قالوا.
وقوله: ﴿ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يكسرنكم، والحطم: هو الكسر.
وفي حرف ابن مسعود: ﴿ لا يحطمكم ﴾ على طرح النون والتشديد.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : قال بعضهم: هذا من النملة ثناء على سليمان ومدح عليه لعدله في ملكه وسلطانه: أنه لو شعر بكم، لم يحطمكم ولم يهلككم.
وقال بعضهم: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي: لا يشعر جنوده كلام النملة، وهذا يدل أن النملة كانت رئيسة سائر النمل وسيدته؛ حيث قالت ذلك من بين غيرها من النمل، وعلى كل رئيس وسيد للقوم أن يحفظ رعيته وحواشيه عما يحملهم على الفساد.
وقول من قال: إن النمل يومئذ كان كالذباب عظيماً، لا يحتمل؛ لأنها لو كانت كما ذكر لم يكن لقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ معنى؛ لأنها لو كانت كالذباب يشعرون بها، فدل أنها كانت على ما هي اليوم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا ﴾ : قال بعضهم: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً ﴾ أي: سبح الله لما فهم من قول النمل وحمده عليه، وتبسم الأنبياء: التسبيح.
وجائز أن يكون التبسم: هو السرور؛ إذ التبسم إنما يكون لسرور يدخل في الإنسان، فقوله: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً ﴾ أي: سرّ بما أعطاه الله من عظم النعمة له والملك؛ ألا ترى أنه سأل ربه الإلهام؛ ليشكر نعمه التي آتاه الله حيث قال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ ، سأل ربه الإلهام واللطف الذي يكون منه؛ ليشكر نعمه، ولو كان الإلهام هو الإعلام على ما قاله بعض الناس، لم يكن سليمان ليسأله ذلك؛ لأنه كان يعلم أن عليه شكر نعمه؛ وكذلك يعلم كل أحد أن عليه شكر منعمه، فدل سؤاله الإلهام على الشكر أنه إنما سأل اللطف الذي عنده به يشكر نعمه إذا أعطاه، وهو التوفيق، لا الإعلام الذي قالوه.
وقوله: ﴿ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ فيه أنه يجب على المرء شكر النعم التي أنعم الله على والديه.
وسأل ربه - أيضاً - أن يوفقه على العمل الذي يرضاه منه، حيث قال: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : جائز أن يكون سؤاله هذا بإدخاله فيما ذكر كسؤال يوسف حيث قال: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، سأل ربه التوفي على الإسلام والإلحاق بالصالحين؛ فعلى ذلك سؤال سليمان يشبه أن يخرج على ذلك.
ثم فيه دلالة أن النجاة ودخول الجنة إنما يكون برحمة الله لا بالعمل حيث قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ ﴾ بعدما سأل ربه العمل الصالح المرضي.
وقوله: ﴿ أَوْزِعْنِيۤ ﴾ أي: ألهمني، والإيزاع: الإلهام، والوزع: الكف والسوق.
وقال القتبي: وأصل الإيزاع: الإغراء بالشيء؛ يقال: أوزعته بكذا، أي: أغريته وهو موزع بكذا ومولع بكذا.
<div class="verse-tafsir"
وورث سليمان أباه داود في النبوة والعلم والملك، وقال متحدثا بنعمة الله عليه وعلى أبيه: يا أيها الناس، عَلَّمنا الله فهم أصوات الطير، وأعطانا من كل شيء أعطاه الأنبياء والملوك، إن هذا الَّذي أعطانا الله سبحانه لهو الفضل الواضح البيّن.
<div class="verse-tafsir" id="91.vYQvP"