الآية ١ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ١ من سورة القصص

طسٓمٓ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

سورة القصص: قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حدثنا يحيى بن آدم حدثنا وكيع عن أبيه عن أبي إسحاق عن معد يكرب قال أتينا عبدالله فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين فقال ما هي معي ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم خباب بن الأرت قال فأتينا خباب بن الأرت فقرأها علينا رضي الله عنه.

قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.

ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.

قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص.

فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.

وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبدالله وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم.

هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمذاني قال: قال عبدالله فذكر نحوه.

وحُكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم.

وروينا أيضا من حديث شريك بن عبدالله بن عطاء بن السائب عن أبى الضحى عن ابن عباس: الم قال أنا الله أعلم وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.

قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.

قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب: فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة.

هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.

هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم.

ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر: قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني وقفت.

وقال الآخر: ما للظليم عال كيف لايـ ينقد عنه جلده إذا يـ فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر: بالخير خيرات وان شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تـ يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم.

قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل"ا قـ" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها"ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير.

قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن- يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر.

وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف.

قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.

وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيئ حكمته.

وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام.

المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كـان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.

وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري فى كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.

قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق- وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص- و- حم عسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم.

وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلوا فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب"؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله؟

فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.

فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة.

هل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.

فهل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.

ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين؟

فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه : طسم (1) قال أبو جعفر: وقد بيَّنا قبل فيما مضى تأويل قول الله عزَّ وجلَّ: ( طسم )، وذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويله .

وأما قوله: ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) فإنه يعني: هذه آيات الكتاب الذي أنـزلته إليك يا محمد، المبين أنه من عند الله، وأنك لم تتقوله:ولم تتخرّصه..

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة القصصمكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وقال ابن عباس وقتادة إلا آية نزلت بين مكة والمدينة وقال ابن سلام : بالجحفة في وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهي قوله عز وجل : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وقال مقاتل : فيها من المدني : الذين آتيناهم الكتاب إلى قوله : لا نبتغي الجاهلين وهي ثمان وثمانون آية .قوله تعالى : ( طسم ) تقدم الكلام فيه

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الحروف المقطعة في أوائل السور ، الأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي ، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية إلا قوله - عز وجل - : ( الذين آتيناهم الكتاب ) إلى قوله : ( لا نبتغي الجاهلين ) وفيها آية نزلت بين مكة والمدينة ، وهي قوله - عز وجل - : ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) .

( طسم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«طسم» الله أعلم بمراده بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(طسم) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

سورة القصص من السور التى افتتحت ببعض الحروف الهجائية .وقد رجحنا أن هذه الحروف ، قد افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم ، للإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن الكريم .فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى - : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من حروف هى من جنس الحروف الهجائية ، ومنظوما من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم .فإن كنتم فى شك فى كون هذا القلرآن من عند الله ، فهاتوا مثله ، أو عشر سور من مثله أو سورة واحدة من مثله وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك .فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز ، وأن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ طسم ﴾ كسائر الفواتح وقد تقدم القول فيها و ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ هو إما اللوح وإما الكتاب الذي وعد الله إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم فبين أن آيات هذه السورة هي آيات ذلك الكتاب ووصفه بأنه مبين لأنه بين فيه الحلال والحرام، أو لأنه بين بفصاحته أنه من كلام الله دون كلام العباد، أو لأنه يبين صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو لأنه يبين خبر الأولين والآخرين، أو لأنه يبين كيفية التخلص عن شبهات أهل الضلال.

أما قوله تعالى: ﴿ نتلو عَلَيْكَ ﴾ أي على لسان جبريل عليه السلام لأنه كان يتلو على محمد حتى يحفظه، وقوله: ﴿ مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ ﴾ فهو مفعول ﴿ نتلو عَلَيْكَ ﴾ أي نتلو عليك بعض خبرهما بالحق محقين، كقوله: ﴿ تَنبُتُ بالدهن  ﴾ وقوله: ﴿ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى قد أراد بذلك من لا يؤمن أيضاً لكنه خص المؤمنين بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا فهو كقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، والثاني: يحتمل أنه تعالى علم أن الصلاح في تلاوته هو إيمانهم وتكون إرادته لمن لا يؤمن كالتبع، قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ قرئ فرعون بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو كالقسطاس والقسطاس ﴿ عَلاَ ﴾ استكبر وتجبر وتعظم وبغى، والمراد به قوة الملك والعلو في الأرض يعني أرض مملكته، ثم فصل الله تعالى بعض ذلك بقوله: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾ أي فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم مخالفته أو يشيع بعضهم بعضاً في استخدامه أو أصنافاً في استخدامه أو فرقاً مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ليكونوا له أطوع أو المراد ما فسره بقوله: ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ ﴾ أي يستخدمهم ﴿ ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ﴾ فهذا هو المراد بالشيع.

قوله: ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ ﴾ تلك الطائفة بنو إسرائيل، وفي سبب ذبح الأبناء وجوه: أحدها: أن كاهناً قال له يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا يذهب ملكك على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً فقتلهم، وعند أكثر المفسرين بقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة، قال وهب قتل القبط في طلب موسى عليه السلام تسعين ألفاً من بني إسرائيل.

قال بعضهم في هذا دليل على حمق فرعون، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل؟

وهذا السؤال قد يذكر في تزييف علم الأحكام من علم النجوم ونظيره ما يقوله نفاة التكليف إن كان زيد في علم الله وفي قضائه من السعداء فلا حاجة إلى الطاعة، وإن كان من الأشقياء فلا فائدة في الطاعة، وأيضاً فهذا السؤال لو صح لبطل علم التعبير ومنفعته، وأيضاً فجواب المنجم أن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وعلى هذا التقدير لا يكون السعي في قتله عبثاً.

واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأن إسناد مثل هذا الخبر إلى الكاهن اعتراف بأنه قد يخبر عن الغيب على سبيل التفصيل، ولو جوزناه لبطلت دلالة الأخبار عن الغيب على صدق الرسل وهو بإجماع المسلمين باطل.

وثانيها: وهو قول السدي أن فرعون رأى في منامه أن ناراً أقبلت من بيت المقدس واشتملت على مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل فسأل عن رؤياه فقالوا يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر، فأمر بقتل الذكور.

وثالثها: أن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه وفرعون كان قد سمع ذلك فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل، وهذا الوجه هو الأولى بالقبول، قال صاحب الكشاف: ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ حال من الضمير في ﴿ وَجَعَلَ ﴾ أو صفة لشيعا، أو كلام مستأنف و ﴿ يُذَبّحُ ﴾ بدل من ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين ﴾ يدل على أن ذلك القتل ما حصل منه إلا الفساد، وأنه لا أثر له في دفع قضاء الله تعالى.

أما قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ ﴾ فهو جملة معطوفة على قوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيراً لنبأ موسى عليه السلام وفرعون واقتصاصاً له، واللفظ في قوله: ﴿ وَنُرِيدُ ﴾ للاستقبال ولكن أريد به حكاية حال ماضية ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ يَسْتَضْعِفُ ﴾ أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم، فإن قيل كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المن عليهم وإذا أراد الله شيئاً كان ولم يتوقف إلى وقت آخر؟

قلنا لما كان منة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم.

أما قوله: ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ أي متقدمين في الدنيا والدين وعن مجاهد دعاة إلى الخير وعن قتادة ولاة كقوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً  ﴾ ، ﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين ﴾ يعني لملك فرعون وأرضه وما في يده.

أما قوله: ﴿ وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأرض ﴾ فاعلم أنه يقال مكن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه (أو يرقد) فوطأه ومهده، ونظيره أرض له ومعنى التمكين لهم في الأرض وهي أرض مصر والشام أن ينفذ أمرهم ويطلق أيديهم وقوله: ﴿ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ ﴾ قرئ ﴿ وَيَرَى فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا ﴾ أي يرون منهم ما كانوا خائفين منه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود بني إسرائيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ ﴾ مفعول نتلو، أي: نتلو عليك بعض خبرهما ﴿ بالحق ﴾ محقين، كقوله تنبت بالدهن ﴿ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ لمن سبق في علمنا أنه يؤمن، لأنّ التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

( 28 سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ ) إلى قَوْلِهِ ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ طسم ﴾ .

﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ .

﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ ﴾ نَقْرَؤُهُ بِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى نُنَزِّلُهُ مَجازًا.

﴿ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ ﴾ بَعْضِ نَبَئِهِما مَفْعُولُ ﴿ نَتْلُو ﴾ .

﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُحِقِّينَ.

﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ «مُبَيِّنٌ» لِذَلِكَ البَعْضِ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ.

﴿ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا ﴾ فِرَقًا يُشَيِّعُونَهُ فِيما يُرِيدُ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ أوْ أصْنافًا في اسْتِخْدامِهِ اسْتَعْمَلَ كُلَّ صِنْفٍ في عَمَلٍ، أوْ أحْزابًا بِأنْ أغْرى بَيْنَهُمُ العَداوَةَ كَيْ لا يَتَّفِقُوا عَلَيْهِ.

﴿ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ( جَعَلَ ) أوْ صِفَةٌ لِـ ﴿ شِيَعًا ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنها، كانَ ذَلِكَ لِأنَّ كاهِنًا قالَ لَهُ يُولَدُ مَوْلُودٌ في بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُ مُلْكُكَ عَلى يَدِهِ، وذَلِكَ كانَ مِن غايَةِ حُمْقِهِ فَإنَّهُ لَوْ صَدَقَ لَمْ يَنْدَفِعْ بِالقَتْلِ وإنْ كَذَبَ فَما وجْهُهُ.

﴿ إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ فَلِذَلِكَ اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ لِتَخَيُّلٍ فاسِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{نَتْلُواْ عَلَيْكَ} نقرأ عليك أي يقرؤه جبريل بأمرنا ومفعول نتلوا {من نبإ موسى وفرعون} أي نتلوا عليك بعض خبرهما {بالحق} حال أي محقين {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لمن سبق في علمنا أنه مؤمن لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وطاوُسٍ وعِكْرِمَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ هي وآخِرُ الحَدِيدِ في أصْحابِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ قَدِمُوا وشَهِدُوا واقِعَةَ أُحُدٍ.

وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الآيَةَ المَذْكُورَةَ نَزَلَتْ بِالجُحْفَةِ في خُرُوجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْهِجْرَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والجُحْفَةِ، وقالَ المَدائِنِيُّ في كِتابِ (العَدَدُ): حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ثَنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى عَنْ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ النَّبِيَّ  حِينَ هاجَرَ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُحْفَةِ وهو مُتَوَجِّهٌ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فَقالَ: أتَشْتاقُ يا مُحَمَّدُ إلى بَلَدِكَ الَّتِي وُلِدْتَ فِيها؟

قالَ: نَعَمْ قالَ: إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ الآيَةَ».

وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً بِالِاتِّفاقِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى شَرْحِ بَعْضِ ما أجْمَلَ فِيهِ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ الجَلالَ السُّيُوطِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَما حَكى في الشُّعَراءِ قَوْلَ فِرْعَوْنَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ ﴿ وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ﴾ إلى قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ .

ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ في طس قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأهْلِهِ ﴿ إنِّي آنَسْتُ نارًا ﴾ إلى آخِرِهِ الَّذِي هو في الوُقُوعِ بَعْدَ الفِرارِ وكانَ الأمْرانِ عَلى سَبِيلِ الإشارَةِ والإجْمالِ فَبَسَطَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ ما أوْجَزَهُ سُبْحانَهُ في السُّورَتَيْنِ وفَصَّلَ تَعالى شَأْنُهُ ما أجْمَلَهُ فِيهِما عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِهِما فَبَدَأ عَزَّ وجَلَّ بِشَرْحِ تَرْبِيَةِ فِرْعَوْنَ لَهُ مُصَدِّرًا بِسَبَبِ ذَلِكَ مِن عُلُوِّ فِرْعَوْنَ وذَبْحِ أبْناءِ بَنِي إسْرائِيلَ المُوجِبِ لِإلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ وِلادَتِهِ في اليَمِّ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الذَّبْحِ وبَسَطَ القِصَّةَ في تَرْبِيَتِهِ وما وقَعَ فِيها إلى كِبَرِهِ إلى السَّبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ قَتَلَ القِبْطِيَّ إلى قَتْلِ القِبْطِيِّ وهي الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَ إلى النَّمِّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ المُوجِبِ لِفِرارِهِ إلى مَدْيَنَ إلى ما وقَعَ لَهُ مَعَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَزَوُّجِهِ بِابْنَتِهِ إلى أنْ سارَ بِأهْلِهِ وآنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسَتْ نارًا إلى ما وقَعَ لَهُ فِيها مِنَ المُناجاتِ لِرَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ وبَعْثِهِ تَعالى إيّاهُ رَسُولًا وما اسْتَتْبَعَ ذَلِكَ إلى آخِرِ القِصَّةِ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شارِحَةً لِما أُجْمِلَ في السُّورَتَيْنِ مَعًا عَلى التَّرْتِيبِ، وبِذَلِكَ عُرِفُ وجْهُ الحِكْمَةِ مِن تَقْدِيمِ طس عَلى هَذِهِ وتَأْخِيرِها عَنِ الشُّعَراءِ في الذِّكْرِ في المُصْحَفِ وكَذا في النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ الشُّعَراءَ نَزَلَتْ، ثُمَّ طَسَّ، ثُمَّ القَصَصَ، وأيْضًا قَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ في السُّورَةِ السّابِقَةِ مِن تَوْبِيخِ الكَفَرَةِ بِالسُّؤالِ يَوْمَ القِيامَةِ ما ذُكِرَ، وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ مِن ذَلِكَ ما هو أبْسَطُ وأكْثَرُ مِمّا تَقَدَّمَ، وأيْضًا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ مِن أمْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ هُنا فَوْقَ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِنهُ هُناكَ، وقَدْ يُقالُ في وجْهِ المُناسِبَةِ أيْضًا: إنَّهُ تَعالى فَصَّلَ في تِلْكَ السُّورَةِ أحْوالَ بَعْضِ المُهْلَكِينَ مِن قَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وأجْمَلَ هُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ ﴾ الآياتِ، وأيْضًا بَسَطَ في الجُمْلَةِ هُناكَ حالَ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ وحالَ مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ وأوْجَزَ سُبْحانَهُ هُنا حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فَلَمْ يَذْكُرْ عَزَّ وجَلَّ مِن حالِ الأوَّلِينَ أمْنَهم مِنَ الفَزَعِ ومِن حالِ الآخَرِينَ كَبَّ وُجُوهِهِمْ في النّارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ.

﷽ ﴿ طسم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ قَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الكَلامِ في أشْباهِهِ ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ ﴾ أيْ نَقْرَأُ بِواسِطَةِ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ كَما في بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ والتِّلاوَةُ في كَلامِهِمْ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ تَخْتَصُّ بِاتِّباعِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ تارَةً بِالقِراءَةِ وتارَةً بِالِارْتِسامِ لِما فِيهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ أوْ ما يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ وهو أخَصُّ مِنَ القِراءَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التِّلاوَةُ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا عَنِ التَّنْزِيلِ بِعَلاقَةِ أنَّ التَّنْزِيلَ لازِمٌ لَها أوْ سَبَبُها في الجُمْلَةِ وأنْ تَكُونَ اسْتِعارَةً لَهُ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما طَرِيقٌ لِلتَّبْلِيغِ فالمَعْنى نُنَزِّلُ عَلَيْكَ ﴿ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ ﴾ أيْ مِن خَبَرِهِما العَجِيبِ الشَّأْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَفْعُولِ نَتْلُو المَحْذُوفِ أيْ نَتْلُو شَيْئًا كائِنًا مِن نَبَئِهِما.

والظّاهِرُ أنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها بَيانِيَّةً وكَوْنَها صِلَةً عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ فَنَبَأٌ مَجْرُورٌ، لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا مَفْعُولُ نَتْلُو ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ (مِن) هو المَفْعُولُ كَأنَّهُ قِيلَ: ”نَتْلُو بَعْضَ نَبَأِ“ وفِيهِ بَحْثٌ، وأيًّا ما كانَ فَلا تَجُوزُ في كَوْنِ النَّبَأِ مَتْلُوًّا لِما أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ نَتْلُو أيْ نَتْلُو مُلْتَبِسِينَ (بِالحَقِّ) أوْ مَفْعُولَهُ أيْ نَتْلُو شَيْئًا مِن نَبَئِهِما مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أوْ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ نَتْلُو أيْ نَتْلُو تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَتْلُو واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ والبَيانِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في شُمُولِ (يُؤْمِنُونَ) لِلْمُؤْمِنِينَ حالًا واسْتِقْبالًا في السُّورَةِ السّابِقَةِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كلها مكية إلا قوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ نزلت بين مكة والمدينة.

وهي ثمانون وثمان آيات قوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي: القرآن وهو مبين للأحكام، وقد ذكرناه.

- قال أبو سعيد الفاريابي في قوله تعالى: طا قال: هو طاهر كمّا يحلوه، والسين: سامع لما وصفوه والميم: ماجد حين سألوه وألما: جدّ كثير العطاء.

يقال: أمجدني فلان، إذا كثر إعطاؤه.

ويقال: طا أقسم الله بطالوت، وسين أقسم الله بسليمان وميم أقسم الله بمحمد  (١)  ، يقرأ عليك مِنْ نَبَإِ مُوسى يعني: من خبر موسى  وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ يعني: بالصدق لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: يصدقون محمدا  بهذه الآية، وإنما أنزل القرآن لجميع الناس، ولكن المؤمنين به يصدقون، فكأنه لهم- وذلك أن أصحاب رسول الله  كان المشركون يؤذونهم، فيشكون إلى رسول الله  ، فنزلت هذه السورة في شأنهم لكي يعرفوا ما نزل في بني إسرائيل من فرعون وقومه، ليصبروا كصبرهم وينجيهم، ربهم كما أنجى بني إسرائيل من فرعون وقومه.

وهذا كقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ (٢) ثم أخبر عن فرعون فقال: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ يعني: اسْتَكْبَرَ وتعظم عن الإيمان، وخالف أمر موسى في أرض مصر وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يعني: أهل مصر فرقاً يَسْتَضْعِفُ يعني: يستقهر طائِفَةً مِنْهُمْ يعني: من أهل مصر، وهم بنو إسرائيل، فجعل بعضهم ينقل الحجارة من الجبل، وبعضهم يعملون له عمل النجارة، وبعضهم أعمال الطين، ومن كان لا يصلح لشيء من أعماله يأخذ منه كل يوم ضريبة درهما، فإذا غربت الشمس، ولم يأت بالضريبة غلّت عليه يده اليمنى إلى عنقه، ويأمره بأن يعمل بشماله هكذا شهراً.

ثم قال: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ أي يعني: أبناء بني إسرائيل صغاراً.

وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يعني: يستخدم نساءهم، وأصله من الاستحياء.

يعني: يتركهن أحياء.

وروى أسباط عن السدي قال: بلغنا أن فرعون رأى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنَّ ناراً أقبلت من أرض الشام، فاشتملت على بيوت مصر، وكانت الشام أرض بني إسرائيل أول ما كانوا، فأحرقتها كلها إلا بيوت بني إسرائيل، فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا: يولد في بني إسرائيل مولود، يكون على يديه هلاك أهل مصر، فأمر فرعون بأن لا يولد في بني إسرائيل ذكر إلا ذبح، وعمد إلى ما كان من بني إسرائيل خارج المصر فأدخله المدينة، واستعبدهم، ورفع العمل عن رقاب أهل مصر، ووضعه على بني إسرائيل ثم قال: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ يعني: فرعون كان يعمل بالمعاصي.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله

تفسير «سورة القصص»

وهي مكّيّة إلّا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ فإنّها نزلت بالجحفة في وقت هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة قاله ابن سلام وغيره، وقال مقاتل: فيها من المدني: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)

/ قوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى ...

٥٥ ب الآية، معنى نَتْلُوا: نَقُصُّ وخَصَّ تعالى بقوله لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ من حيث إنهم هم المنْتَفِعُونَ بذلك دون غيرهم، وعَلا فِي الْأَرْضِ أي: علوّ طغيان وتغلّب، وفِي الْأَرْضِ يريد أرض مصر، والشيعُ: الفرقُ، والطائفةُ المستضعفةُ: هم بنو إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ خوفَ خرابِ مُلْكِه على ما أخبرته كَهَنَتُه، أو لأجل رؤيا رآها قاله السدي «١» .

وطمع بجهله أن يَرُدَّ القدرَ، وأين هذا المنزعُ من قول النبي صلى الله عليه وسلّم لعمر: «إن يكنه

فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ» «١» يعني: ابنَ صَيَّادٍ إذ خافَ عمرُ أَن يكونَ هو الدَّجَّالَ، وباقي الآيةِ بيِّن وتقدَّم قصصُه.

والأئمة: ولاة الأمور قاله قتادة «٢» .

وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ يريدُ: أرضَ مصرَ والشامِ، وقرأ حمزة «٣» : «وَيَرَى فِرْعَوْنُ» - باليَاء وفتح الراء- والمعنى: ويقعُ فرعونُ وقومُه فيما خافُوه وحذِرُوه من جهة بني إسرائيل، وظهورهم، وهامان: هو وزيرُ فرعونَ وأكبَرُ رجالِه، وهذا الوَحْي إلى أم موسى، قيل:

وَحْيُ إلهامٍ، وقيلَ: بمَلَكٍ.

وقيل: في مَنَامٍ وجملة الأمرِ أنها عَلِمَتْ أنَّ هذا الذي وقع في نفسِها هو من عند الله، قال السدي وغيره: أُمِرَتْ أن تُرْضِعَهُ عَقِبَ الوِلاَدَةِ، وَتَصْنَعَ بهِ مَا فِي الآية «٤» لأَن الخوفَ كانَ عَقِبَ كلِّ وِلاَدَة، واليمُّ: معظم الماء، والمرادُ: نِيلُ مِصر، واسم أم موسى يوحانذ «٥» ، ورُوِيَ في قَصَصِ هذهِ الآيةِ: أن أمَّ مُوسَى لَفَّتْهُ في ثِيابهِ وَجَعَلَتْ له تابوتاً صَغِيراً، وسَدَّتْه عليه بقُفْلٍ، وعَلَّقَتْ مِفْتَاحَه عَلَيْه، وأسلمَتْهُ ثقةً بالله وانتظاراً لوعدِه سبحانه، فلما غابَ عنها عاودَها بثُّها وأَسِفَتْ عليه، وأَقْنَطَهَا الشيطانُ فاهْتَمَّتْ به وكَادَتْ تَفْتَضِحُ، وجعلتِ الأُخْتُ تَقُصُّهُ، أي:

تَطْلُبُ أثَرَه، وتَقَدَّم باقي القصةِ في «طه» وغيرِها، والالتقاط: اللقاء عن «٦» غير قصد، وآل فِرْعَوْنَ: أهله وجملتُه، واللامُ في لِيَكُونَ: لام العَاقِبَة.

وقال ص: لِيَكُونَ: اللامُ للتعليلِ المجازيِّ، ولمَّا كانَ مآله إلى ذلك، عبَّر عنه بلام العاقبة، وبلام الصيرورة، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ القَصَصِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها غَيْرَ آَيَةٍ مِنها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ  ﴾ فَإنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ وهو بِالجُحْفَةِ في وقْتِ خُرُوجِهِ لِلْهِجْرَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ: أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ: أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ  ﴾ .

وفِيها آَيَةٌ لَيْسَتْ بِمَكِّيَّةٍ ولا مَدَنِيَّةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ  ﴾ نَزَلَتْ بِالجُحْفَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طسم ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الشُّعَراءِ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ أيْ: طَغى وتَجَبَّرَ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا ﴾ أيْ: فِرَقًا وأصْنافًا في خِدْمَتِهِ ﴿ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ ﴾ وهْم بَنُو إسْرائِيلَ، واسْتِضْعافُهُ إيّاهم: اسْتِعْبادُهم، ﴿ إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ بِالقَتْلِ والعَمَلِ بِالمَعاصِي.

﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " يَذْبَحُ " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ خَفِيفَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ ﴾ أيْ: نُنْعِمُ ﴿ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، ﴿ وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً ﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في الخَيْرِ وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً ومُلُوكًا ﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ لِمُلْكِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ غَرَقِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " ويَرى " بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وإمالَةِ الألِفِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ " فِرْعَوْنُ وهامانُ وجُنُودُهُما " بِالرَّفْعِ.

ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أخْبَرُوا أنَّ هَلاكَهم عَلى يَدَيْ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانُوا عَلى وجَلٍ مِنهم، فَأراهُمُ اللَّهُ ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَصَصِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ  ﴾ ، نَزَلَتْ هَذِهِ بِالجَحْفَةِ في وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ  إلى المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ  ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ  ﴾ .

قوله عزّ وجلّ: ﴿ طسم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُورِ بِما أغْنى عَنِ الإعادَةِ، فَمَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: إنَّ الطاءَ مِنَ الطُولِ الَّذِي لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والسِينُ مِنَ السَلامِ، والمِيمِ مِنَ المُنْعِمْ، أو مِنَ الرَحِيمِ، ونَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ: ﴿ تِلْكَ ﴾ يَتَقَدَّرُ مَوْضِعُها بِحَسَبَ كُلِّ قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ في الحُرُوفِ، فَمِن جَعَلَ "طَسَمَ" مِثالًا لِحُرُوفِ المُعْجَمِ جاءَتِ الإشارَةُ بِـ "تِلْكَ" إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ومِن قَطَعَها قالَ: "تِلْكَ" في مَواضِعَ هَذِهِ، وساغَ هَذا مِن حَيْثُ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً عَتِيدَةً، بَلْ هي أقْوالٌ تَقْتَضِي بَعْضُها شَيْئًا فَشَيْئًا، فَسائِغٌ أنْ يُقالَ في الإشارَةِ إلَيْها: "تِلْكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْلُ أنَّ "تِلْكَ" إشارَةٌ إلى ما غابَ، و"هَذِهِ" إشارَةٌ إلى ما حَضَرَ، وقَدْ تَتَداخَلَ مَتى كانَ في الغَيْبَةِ حُصُولٌ وثِقَةٌ بِهِ تَقُومُ مَقامَ الحُضُورِ، ومَتى كانَ في الحُضُورِ بُعْدٌ ما يَقُومُ مَقامَ الغَيْبَةِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى  ﴾ لَمّا كانَ مُوسى لا يَرى رَبَّهُ تَعالى، فَهو وعَصاهُ في مَنزِلِ غَيْبٍ، فَساغَ ذَلِكَ.

ومِنَ النَقِيضِ قَوْلُ المُؤَلِّفِ لِكِتابٍ: هَذا كِتابٌ، وما جَرى هَذا المَجْرى فَتُتْبِعُهُ، ويُشْبِهُ في آياتِنا هَذِهِ أنْ تَكُونَ "تِلْكَ" بِمَنزِلَةِ: هَذِهِ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ مُتَمَكِّنَةً مِن حَيْثُ الآياتُ كُلُّها وقْتَ هَذِهِ المُخاطَبَةِ لَمْ تَكُنْ عَتِيدَةً.

و"نَتْلُوا" مَعْناهُ: نَقُصُّ ونُتابِعُ القِصَصَ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ مِن حَيْثُ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ.

و ﴿ عَلا في الأرْضِ ﴾ مِن عُلُوِّ الطُغْيانِ والتَغَلُّبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ ومَوْضِعَ مُلْكِهِ، ومَتى جاءَتِ الأرْضُ هَكَذا عامَّةً فَإنَّما يُرادُ بِها الأرْضُ الَّتِي تُشْبِهُ قِصَّةَ القَوْلِ المَسُوقِ؛ لِأنَّ الأنْباءَ الَّتِي تَعُمُ الأرْضَ كُلَّها قَلِيلَةٌ، والأكْثَرُ ما ذَكَرْناهُ، و"الشِيَعُ": الفِرَقُ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِن فِرْعَوْنَ بِأنْ جَعَلَ القِبْطَ مُلُوكًا، وبُنِيَ إسْرائِيلَ مُسْتَخْدِمِينَ، وهم كانُوا الطائِفَةَ المُسْتَضْعَفَةَ، و"يُذَبِّحُ" مُضْعِفٌ لِلْمُبالَغَةِ والعِبارَةِ عن تَكْرارِ الفِعْلِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الفِعْلُ مِن فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ قالَ لَهُ كَهَنَتُهُ وعُلَماؤُهُ: إنَّ غُلامًا لِبَنِي إسْرائِيلَ يُفْسِدُ مُلْكَكَ، وقالَ السُدِّيُّ: رَأى في ذَلِكَ رُؤْيا فَأخَذَ بَنِي إسْرائِيلَ بِذْبَحِ الأطْفالِ سِنِينَ، فَرَأى أنَّهُ يَقْطَعُ نَسْلَهُمْ، فَعادَ يَذْبَحُ عامًا ويَسْتَحْيِي عامًا، فَوُلِدَ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في عامِ الِاسْتِحْياءِ، ووُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في عامِ الذَبْحِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُذْبِحُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى التَكْثِيرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والباءِ وسُكُونِ الذالِ.

قالَ وهَبَ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ ذَبَحَ في هَذِهِ المُحاوَلَةِ سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ الأطْفالِ، وقالَ النَقاشُ: جَمِيعُ ما قَتَلَ سِتَّةَ عَشَرَ طِفْلًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: طَمَعَ بِجَهْلِهِ أنْ يَرُدَّ القَدَرَ، وأيْنَ هَذا المَنزَعُ مِن «قَوْلِ النَبِيِّ  لِعُمَرَ: إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ» يَعْنِي ابْنَ صَيّادٍ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدم القول في نظيره في فاتحة سورة الشعراء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ القَصَصِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وقِيلَ بِالجُحْفَةِ وهي: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ الآيَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِبَغْيِهِ في اسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتْلِ أوْلادِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: بِكُفْرِهِ وادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ.

الثّالِثُ: بِمُلْكِهِ وسُلْطانِهِ.

وَهَذِهِ الأرْضُ أرْضُ مِصْرَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ مَلَكَ مِصْرَ، ولَمْ يَمْلِكِ الأرْضَ كُلَّها، ومِصْرُ تُسَمّى الأرْضُ ولِذَلِكَ قِيلَ لِبَعْضِ نَواحِيها الصَّعِيدُ.

وَفِي عُلُوِّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو لِظُهُورِهِ في غَلَبَتِهِ.

الثّانِي: كِبْرُهُ وتَجَبُّرُهُ.

﴿ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا ﴾ أيْ فِرَقًا.

قالَهُ قَتادَةُ: فَرَّقَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطِ.

﴿ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ بِالِاسْتِعْبادِ بِالأعْمالِ القَذِرَةِ.

﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهُمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ فِرْعَوْنَ رَأى في المَنامِ أنَّ نارًا أقْبَلَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى اشْتَمَلَتْ عَلى بُيُوتِ مِصْرَ فَأحْرَقَتِ القِبْطَ وتَرَكَتْ بَنِي إسْرائِيلَ، فَسَألَ عُلَماءَ قَوْمِهِ عَنْ تَأْوِيلِهِ، فَقالُوا: يَخْرُجُ مِن هَذا البَلَدِ رَجُلٌ يَكُونُ عَلى يَدِهِ هَلاكُ مِصْرَ، فَأمَرَ بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، وأسْرَعَ المَوْتُ في شُيُوخِ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ القِبْطُ لِفِرْعَوْنَ: إنَّ شُيُوخَ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ فَنَوْا بِالمَوْتِ وصِغارَهم بِالقَتْلِ فاسْتَبْقِهم لِعَمَلِنا وخِدْمَتِنا أنْ يَسْتَحْيُوا في عامٍ ويَقْتُلُوا في عامٍ فَوُلِدَ هارُونُ في عامِ الِاسْتِحْياءِ ومُوسى في عامِ القَتْلِ.

وَطالَ بِفِرْعَوْنَ العُمْرُ حَتّى حَكى النَّقّاشُ أنَّهُ عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وكانَ دَمِيمًا قَصِيرًا، وكانَ أوَّلَ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ.

وَعاشَ مُوسى مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَنُو إسْرائِيلَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: يُوسُفُ ووَلَدُهُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿ وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وُلاةُ الأمْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: قادَةٌ مَتْبُوعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنْبِياءُ لِأنَّ الأنْبِياءَ فِيما بَيْنَ مُوسى وعِيسى كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوَّلُهم مُوسى وآخِرُهم عِيسى وكانَ بَيْنَهُما ألْفُ نَبِيٍّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ سَبَوُا القِبْطَ فاسْتَعْبَدُوهم بَعْدَ أنْ كانُوا عَبِيدَهم فَصارُوا وارِثِينَ لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المالِكُونَ لِأرْضِ فِرْعَوْنَ الَّتِي كانُوا فِيها مُسْتَضْعَفِينَ.

والمِيراثُ زَوالُ المِلْكِ عَمَّنْ كانَ لَهُ إلى مَن صارَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ ؎ ورِثْنا مَجْدَ عَلْقَمَةَ بْنِ سَيْفٍ أباحَ لَنا حُصُونَ المَجْدِ دِينًا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه: أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى إذا اشتملت على بيوت مصر أحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل، فدعا السحرة، والكهنة، والعافة، والزجرة.

وهم العافة الذين يزجرون الطير فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه- يعنون بيت المقدس- رجل يكون على وجهه هلاك مصر.

فأمر بني إسرائيل أن لا يولد لهم ولد إلا ذبحوه، ولا يولد لهم جارية إلا تركت، وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجاً فادخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة، فجعلوا بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وادخلوا غلمانهم.

فذلك حين يقول ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ يقول: تجبر في الأرض ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ يعني بني إسرائيل ﴿ يستضعف طائفة منهم ﴾ حين جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر صغير.

وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم.

فدخل رؤوس القبط على فرعون فكلموه فقالوا: إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا تذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار فيعينون الكبار، فلو أنك كنت تبقي من أولادهم.

فأمر أن يذبحوا سنة، ويتركوا سنة، فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هرون عليه السلام.

فترك، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى عليه الصلاة والسلام، فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه، فلما وضعته أرضعته ثم دعت له نجاراً وجعلت له تابوتاً، وجعلت مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه، وألقته في اليم بين أحجار عند بيت فرعون، فخرجن جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فادخلنه إلى آسية وظنن أن فيه مالاً، فلما تحرك الغلام رأته آسية صبياً، فلما نظرته آسية وقعت عليه رحمتها وأحبته.

فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها وقال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل، وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا.

فبينما هي ترقصه وتلعب به إذ ناولته فرعون وقالت: خذه ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ [ القصص: 9] قال فرعون: هو قرة عين لك- قال عبد الله بن عباس: ولو قال هو قرة عين لي إذاً لآمن به، ولكنه أبى- فلما أخذه إليه أخذ موسى عليه السلام بلحيته فنتفها فقال فرعون: عليَّ بالذباحين هو ذا.

قالت آسية: لا تقتله ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ [ القصص: 9] إنما هو صبي لا يعقل وإنما صنع هذا من صباه، أنا أضع له حلياً من الياقوت، وأضع له جمراً فإن أخذ الياقوت فهو يعقل اذبحه، وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي، فاخرجت له ياقوتاً، ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى عليه السلام في فيه فاحرقت لسانه، فارادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعلن النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع فأبى أن يأخذ.

فجاءت أخته فقالت: ﴿ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ﴾ فأخذوها فقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت: ما أعرفه ولكن إنما هم للملك ناصحون.

فلما جاءته أمه أخذ منها.

وكادت تقول: هو ابني.

فعصمها الله فذلك قوله: ﴿ إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ﴾ قال: قد كانت من المؤمنين ولكن بقول: ﴿ إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ﴾ قال السدي: وإنما سمي موسى لأنهم وجدوه في ماء وشجر والماء بالنبطية مو الشجر سى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون ﴾ يقول: في هذا القرآن نبؤهم ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي بغى في الأرض ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ أي فرقاً.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ قال: فرق بينهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ قال: يتعبد طائفة، ويقتل طائفة، ويستحيي طائفة.

أما قوله تعالى: ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: لقد ذكر لنا أنه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار، ثم يصف بعضه إلى بعض، ثم يؤتى بحبالى من بني إسرائيل فيوقفن عليه، فيجز أقدامهن حتى أن المرأة منهم لتضع بولدها، فيقع بين رجليها، فتظل تطؤه وتتقي به حد القصب عن رجليها لما بلغ من جهدها.

حتى أسرف في ذلك وكان يفنيهم قيل له: أفنيت الناس، وقطعت النسل، وإنما هم خولك وعمالك، فتأمر أن يقتلوا الغلمان عاماً، ويستحيوا عاماً، فولد هرون عليه السلام في السنة التي يستحيي فيها الغلمان، وولد موسى عليه السلام في السنة التي فيها يقتلون، وكان هرون عليه السلام أكبر منه بسنة، فلما أراد الله بموسى عليه السلام ما أراد واستنقاذ بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء، أوحى الله إلى أم موسى حين تقارب ولادها ﴿ أن أرضعيه ﴾ [ القصص: 7] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قد تقدم ما ذكر في هذا (١) ﴿ الْمُبِينِ ﴾ يجوز أن يكون من: أبان إذا أظهر، ومن بان: إذا ظهر.

قال قتادة في هذه الآية: (مُبِينِ) والله بركته وهداه ورشده (٢) وقال مقاتل: بين ما فيه (٣) وقال أبو إسحاق: (مُبِين) الحق من الباطل، والحلال من الحرام، ومبين قصص الأنبياء (٤) (١) في أول سورة الشعراء.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 26.

(٣) "تفسير مقاتل" 63 أ.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 131.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويرى ﴾ بفتح الياء وإمالة الراء ﴿ فرعون وهامان وجنودهما ﴾ مرفوعات: حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤوا قوله ﴿ وحزناً ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ طسم ﴾ كوفي.

﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ أرضعيه ﴾ ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية ﴿ ولا تحزني ﴾ ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا.

﴿ من المرسلين ﴾ ه ﴿ وحزنا ﴾ ط ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ولك ﴾ ط ﴿ لا تقتلوه ﴾ ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي.

﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فارغاً ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ قصيه ﴾ ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله ﴿ فقالت ﴾ عطف على قوله ﴿ فبصرت ﴾ والحال معترض ﴿ ناصحون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يقتتلان ﴾ لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهراً ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفاً من ﴿ عدوّه ﴾ الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من ﴿ عدوّه ﴾ الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فغفر له ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ للمجرمين ﴾ ه ﴿ يستصرخه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ط ﴿ لهما ﴾ لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ بالأمس ﴾ ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل ﴿ المصلحين ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القول ﴿ من الناصحين ﴾ ه ﴿ يترقب ﴾ ز لما قلنا في ﴿ يسعى ﴾ ﴿ الظالمين ﴾ ه.

التفسير: فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء.

﴿ نتلو عليك ﴾ على لسان جبرائيل ﴿ من نبأ موسى وفرعون ﴾ أي طرفاً من خبرها متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو محقين ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء.

ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلاً سأل: وكيف كان نبؤهما؟

فقال مستأنفاً ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي طغى وتكبر في أرض مملكته ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافاً في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقاً مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم بنو إسرائيل والقبط.

وقوله ﴿ يستضعف ﴾ حال من الضمير في ﴿ جعل ﴾ أو صفة ﴿ شيعاً ﴾ أو مستأنف.

و ﴿ يذبح ﴾ بدل منه.

وقوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن ألبتة ﴿ ونريد ﴾ حكاية حال ماضية معطوفة على قوله ﴿ إن فرعون علا ﴾ فهذه أيضاً تفسير للنبأ.

وجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ يستضعف ﴾ اي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع.

﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ مقدمين في أمور الدين والدنيا.

وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير.

وعن مجاهد: دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكاً.

ومعنى الوراثة والتمكين في ارض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.

يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.

قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحفظيه.

فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها.

فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا: لم دخلت القابلة عليك؟

قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة.

فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟

فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً.

فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله  أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل.

فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر.

وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون.

وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس.

فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبناً، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها.

فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.

قال علماء البيان: اللام في قوله ﴿ ليكون لهم عدوّاً ﴾ لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلاً نتيجة المجيء في قولك "جئتك لتكرمني" وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضاً.

ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم اذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم.

قال النحويون ﴿ قرة عين ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ و ﴿ لا تقتلوه ﴾ خبراً لأن الطلب لا يقع خبراً إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب.

روي في حديث أن آسية حين قالت ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ قال فرعون: لك لا لي، ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها.

ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء.

قال في الكشاف ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ حال من آل فرعون.

وقوله ﴿ إن فرعون ﴾ الآية.

جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً.

وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه.

قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالاً من فاعل ﴿ قالت ﴾ أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمآل وهو أن هلاكهم على يده وبسببه.

وقال الكلبي: اي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه.

قوله  ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال الحسن: اي فارغاً من كل هم إلا من هم موسى.

وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله ﴿ وأفئدتهم هواء  ﴾ أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعاً ودهشاً.

وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا ﴿ فألقيه في اليم ولا تخافي ﴾ الغرق وسائر المخاوف ﴿ ولا تحزني ﴾ والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعاً، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه.

ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها.

وقال أبو عبيدة: فارغاً من الخوف فالله  يقول ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟

أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس.

وفي رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع.

وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون.

ثم قال ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن ﴿ لتكون من المؤمنين ﴾ المصدّقين بوعد الله وهو قوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ .

وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه.

والأول أظهر بدليل قوله ﴿ وقالت لأخته قصيه ﴾ اي اقتفي اثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم ﴿ فبصرت به ﴾ أي أبصرته ﴿ عن جنب ﴾ عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بحالها وغرضها.

والتحريم ههنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهراً فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه.

وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه  منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه.

وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة اشهر فعرف ريحها.

و ﴿ المراضع ﴾ جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا.

روي أنها لما قالت ﴿ وهم له ناصحون ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون.

والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد.

والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه.

فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها.

فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟

قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها.

قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة.

قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله  سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال  ﴿ ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ﴾ أي أكثر الناس ﴿ لا يعلمون ﴾ حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله.

وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها.

قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول "ولكن أكثر الناس" كما قال في سورة يوسف ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون  ﴾ وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً.

وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك.

وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله ﴿ ولتعلم ﴾ المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.

ثم بين  كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلاً: ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ وزاد ههنا قوله ﴿ واستوى ﴾ فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد.

والأصح أنهما متغايران.

والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة.

وعن ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين.

وهو عند الأطباء سن الوقوف.

فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف.

والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم - قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله ﴿ ودخل المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب.

قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره  في هذه السورة.

وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى ﴿ فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.

أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر.

وقال الضحاك: هي عين شمس.

وقيل: هي مصر.

وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو.

وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره.

قاله السدي.

وقيل: إن الغفلة لموسى من اهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر.

قال الزجاج: قوله ﴿ هذا ﴾ ﴿ وهذا ﴾ وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه.

عن مقاتل: أن الرجلين كان كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط.

واحتج عليه بأن موسى قال له ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً كأنه قال ممن شايعه على دينه.

وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلهاً.

يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون.

وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري ﴿ فاستغاثه ﴾ سأله أن يخلصه منه ﴿ فوكزه ﴾ أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف ﴿ فقضى عليه ﴾ أي أماته وقتله.

الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ وقال ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً؟

وأيضاً قوله ﴿ هذا من عدوّه ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً وكان دمه مباحاً والاستغفار من القتل المباح غير جائز.

وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر.

فقوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفاً الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به ﴿ فاغفر لي ﴾ فاستره على هذا كله.

إذا سلم أنه كان نبياً في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله.

ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلاً عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئاً آخر كما قررنا.

قوله ﴿ بما أنعمت عليّ ﴾ قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.

وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرماً.

وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى.

وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيراً والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها.

وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة.

عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل.

فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى.

وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله اراد أن جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز ﴿ أصبح ﴾ موسى من غد ذلك اليوم ﴿ خائفاً يترقب ﴾ الأخبار وما يقال فيه ﴿ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ﴾ يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد.

فغويّ بمعنى غاوٍ.

وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغوٍ لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء.

قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف.

وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ﴾ لا يليق إلا أن يكون قولاً للكافر.

قال جار الله: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن.

وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل.

وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة ﴾ أي من ابعد مسافاتها إليه.

وقوله ﴿ يسعى ﴾ صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفاً.

قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفاً وفي "يس" أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً.

والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بامره ومعنى ﴿ يأتمرون بك ﴾ يتشاورون بسببك.

وقوله ﴿ لك من الناصحين ﴾ كقوله ﴿ فيه من الزاهدين  ﴾ وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة.

﴿ فخرج منها خائفاً يترقب ﴾ المكروه من جهتهم وأن يلحق به ﴿ قال ﴾ ملتجئاً إلى الله ﴿ رب نجني من القوم الظالمين ﴾ وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنباً وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص.

التأويل: ﴿ إن فرعون ﴾ النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية ﴿ وجعل أهلها ﴾ وهم الروح والسر والعقل أصنافاً في الاستخدام لاستيفاء الشهوات ﴿ يستضعف طائفة ﴾ وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ للاستعداد الفطري.

﴿ ونرى فرعون ﴾ النفس ﴿ وهامان ﴾ الهوى ﴿ وجنودهما ﴾ من الصفات البهيمية والسبعية ولاشيطانية ﴿ أم موسى ﴾ السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر ﴿ أن أرضعيه ﴾ من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية.

﴿ فألقيه في اليم ﴾ في الدنيا في تابوت القالب ﴿ وجاعلوه من المرسلين ﴾ أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي ﴿ فالتقطه آل فرعون ﴾ وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل ﴿ ليكون لهم ﴾ في العاقبة ﴿ عدوّاً ﴾ يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات.

﴿ وحزناً ﴾ بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله.

﴿ وقالت امرأة فرعون ﴾ النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في اسباب اللذات الحسيات.

﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بأن ينجينا من النار.

قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر.

﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم.

﴿ فؤاد أم موسى ﴾ هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل.

ودخل مدينة القالب ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ وهم الصفات النفسانية ﴿ فوجد فيها رجلين ﴾ صفتين.

إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس.

وفي قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ لآنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس.

﴿ وجاء رجل ﴾ هو العقل ﴿ من أقصى ﴾ مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة الروحانية ﴿ يسعى ﴾ في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية ﴿ خائفاً ﴾ من سطوات فرعون النفس ﴿ يترقب ﴾ مكايدهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ طسۤمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ : قد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع مما يغني عن ذكره في هذا الموضع.

وقوله: ﴿ نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : ﴿ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ ﴾ أي: من خبرهما.

وقوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق ما يعلم أنه صدق وحق.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي بالحق الذي لموسى على فرعون وقومه.

أو بالحق الذي لله عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ ﴾ للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بالأنباء وما فيها، وأما من لا يؤمن فلا ينتفع بها فلا يكون.

والثاني: لقوم يؤمنون بالأنباء والكتب المتقدمة، هم يعرفون أنه حق لما في كتبهم ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : قال بعضهم: تجبّر واستكبر وأبى أن يصغى لموسى ولأمثاله.

وقال بعضهم: ﴿ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: بغى وقهر؛ فيكون تفسيره ما ذكر على أثره ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾ ، هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون علوه وبغيه في الأرض.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: علا قدره وارتفع رتبته في الأرض لما ادعى لنفسه الألوهية والربوبية، بعد ما كان عبدا كسائر العباد أو دونهم، فعلا قدره وارتفعت منزلته بدعواه بذلك، وعلا في الأرض، أي: غلب.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾ قيل: فرقا: يستضعف طائفة، ويذبح طائفة، ويستحيي طائفة، ويعذب طائفة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾ أي: جعل لكل طائفة منهم عبادة صنمٍ لم، يجعل ذلك لطائفة أخرى، وجعل طائفة أخرى على عمل أولئك وحوائجهم؛ ليتفرغوا لعبادة الأصنام التي استعبدهم لها؛ لأن الشيع فرق يرجعون جميعاً إلى أصل واحد وإلى أمر واحد.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : كذلك كان، لعنه الله.

وقوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا في الظاهر إخبار لرسوله أنه سيفعل ذلك، لا أنه منّ عليهم وفعل ذلك؛ لأنه يقول: نريد أن نمن على الذين كذا، وقد من عليهم بذلك فهلا قال: وقد مننا على الذين استضفعوا في الأرض؟

لكن معناه - والله أعلم - أي: كنا نريد في الأزل أن نمن عليهم؛ وأن نجعلهم أئمة، وأن نجعلهم الوارثين، وإلا الظاهر ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: جعلهم جميعاً أئمة لنا، بهم نقتدي وننقاد لهم، أو أن يكون قوله: ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ أي: نجعل فيهم أئمة وقادة لهم، أي: نجعل بعضهم أئمة لبعض؛ كقوله لموسى: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ  ﴾ ، والأئمة المذكورة هاهنا كأنهم هم الأنبياء الذين ذكروا في هذه الآية.

﴿ وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا كما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ الآية [الأعراف: 137]، أي: يرثون الأرض وملكهم بعد فرعون وقومه.

والوارث: هو الباقي على ما ذكرنا؛ كأنه قال: يبقون هم في أرضهم وملكهم بعد هلاكهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ ، أي: نبقى نحن بعد هلاك الأرض وهلاك من عليها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾ أي: يرون ما كانوا يحذرون منه، وهو الهلاك وذهاب الملك، هذا كانوا يحذرون فأراهم ذلك؛ لأنه كان يذبح أبناءهم إشفاقاً على بقاء ملكه ويحذر ذهابه.

قال الزجاج: إن من حماقة فرعون وقلة عقله أنه كان يذبح أبناءهم لقول الكهنة: إنه يذهب ملكه بغلام يولد في العام الذي قالوه، فلا يخلو إما أن صدقوا في قولهم فيذهب ملكه وإن قتل الأبناء، وإما أن كذبوا في قولهم فلا معنى لقتل الأبناء؛ لأنه لا يذهب لكنه فعل ذلك بهم لحماقته وسفهه وجهله بنفسه.

وقوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : بالنجاة من فرعون وآله، واستنقاذه إياهم من يديه، ومن قتل الولدان وغير ذلك من أنواع التعذيب، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر - وجوه على المعتزلة في قولهم: إن ليس لله أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين، وأنه لو لم يفعل ذلك كان ذلك جائزاً.

فيقال لهم: لو كان عليه فعل الأصلح لهم في دينهم على كل حال لكان لا معنى لذكر المنة على الذين استضعفوا في الأرض في جعلهم أئمة وإبقائهم في أرضهم وتمكينه إياهم في ملكهم ووراثتهم أموالهم؛ لأنه على زعمهم فعل بهم ما عليه أن يفعل؛ لأن ذاك أصلح لهم في الدين، وكل من فعل فعلا عليه ذلك الفعل؛ لا يكون له الامتنان على المفعول به ذلك، فدل ذكر المنة فيما ذكر أنه فعل بهم على أنه فعل ما لم يكن عليه ذلك، ولكنه فعل ذلك متفضلا ممتنا، وله ألا يفعل ذلك.

ويقولون - أيضاً -: إن إهلاك فرعون وقومه أصلح لهم من إبقائهم؛ وكذلك إماتة كل كافر فلم يذكر فيه المنة، دل ذلك أنه ليس على ما يقولون هم، وأن ذلك منقوض مردود عليهم.

ويقولون - أيضاً -: إن الإرادة من الله لهم أمر لهم يأمرهم به، فلو كان أمرا على ما يزعمون لكان الأمر منه قد شمل الكل، ثم لم يصيروا جميعاً أئمة وقادة، ولكن إنما صار بعض دون بعض؛ دل أن الإرادة غير الأمر، وأنه أراد لأحد شيئاً كان ما أراد، ليس على ما يقولون: إنه أراد إيمان كل كافر، لكنه لم يؤمن بعدما أعطاه جميع ما عنده من القوة والعون على ذلك، حتى لم يبق عنده شيء من ذلك إلا وقد أعطاه؛ فدل ما ذكر على فساد مذهبهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ طسم ﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.j4r8w"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.7 / 29.5
الإضاءة 91%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد