الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ١٤ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 78 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى ، عليه السلام ، ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى ، آتاه الله حكما وعلما - قال مجاهد : يعني النبوة ( وكذلك نجزي المحسنين ) .
ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قدر له من النبوة والتكليم : قضية قتله ذلك القبطي ، الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين ،
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) يقول تعالى ذكره: ( وَلَمَّا بَلَغَ) مُوسَى (أشده ) , يعني حان شدة بدنه وقواه, وانتهى ذلك منه، وقد بيَّنا معنى الأشدّ فيما مضى بشواهده, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله: ( واستوى ) يقول: تناهي شبابه, وتمّ خلقه واستحكم.
وقد اختلف في مبلغ عدد سني الاستواء, فقال بعضهم: يكون ذلك في أربعين سنة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, في قوله: ( واستوى ) قال: أربعين سنة.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) قال: ثلاثا وثلاثين سنة.
قوله: ( واستوى ) قال: بلغ أربعين سنة.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, عن ابن عباس ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) قال: بضعا وثلاثين سنة.
قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) قال: ثلاثا وثلاثين سنة.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة ( أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ) قال: أربعين سنة, وأشدّه: ثلاثا وثلاثين سنة.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ) قال: كان أبي يقول: الأشدّ: الجلَد, والاستواء: أربعون سنة.
وقال بعضهم: يكون ذلك في ثلاثين سنة.
وقوله: ( آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) يعني بالحكم: الفهم بالدين والمعرفة.
كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) قال: الفقه والعقل والعمل قبل النبوّة.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) قال: الفقه والعمل قبل النبوة.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ) آتاه الله حكما وعلما: وفقها في دينه ودين آبائه, وعلما بما في دينه وشرائعه وحدوده.
وقوله: ( وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) يقول تعالى ذكره: كما جزينا موسى على طاعته إيانا وإحسانه بصبره على أمرنا, كذلك نجزي كلّ من أحسن من رسلنا وعبادنا, فصبر على أمرنا وأطاعنا, وانتهى عما نهيناه عنه.
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًاواستوى آتيناه حكما وعلما " قد مضى الكلام في الأشد في [ الأنعام ] وقول ربيعة ومالك أنه الحلم أولى ما قيل فيه , لقوله تعالى : " حتى إذا بلغوا النكاح " [ النساء : 6 ] فإن ذلك أول الأشد , وأقصاه أربع وثلاثون سنة , وهو قول سفيان الثوري , " واستوى " قال ابن عباس : بلغ أربعين سنة والحكم : الحكمة قبل النبوة وقيل : الفقة في الدين وقد مضى بيانها في [ البقرة ] وغيرها والعلم الفهم في قول السدي وقيل : النبوة وقال مجاهد : الفقه محمد بن إسحاق : أي العلم بما في دينه ودين آبائه , وكان له تسعة من بني إسرائيل يسمعون منه , ويقتدون به , ويجتمعون إليه , وكان هذا قبل النبوةوَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" أي كما جزينا أم موسى لما استسلمت لأمر الله , وألقت ولدها في البحر , وصدقت بوعد الله , فرددنا ولدها إليها بالتحف والطرف وهي آمنة , ثم وهبنا له العقل والحكمة والنبوة , وكذلك نجزي كل محسن
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } من القوة والعقل واللب، وذلك نحو أربعين سنة في الغالب، { وَاسْتَوَى } كملت فيه تلك الأمور { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } أي: حكما يعرف به الأحكام الشرعية، ويحكم به بين الناس، وعلما كثيرا.{ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } في عبادة اللّه المحسنين لخلق اللّه، نعطيهم علما وحكما بحسب إحسانهم، ودل هذا على كمال إحسان موسى عليه السلام.
( ولما بلغ أشده ) قال الكلبي : الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة .
قال مجاهد وغيره : ثلاث وثلاثون سنة .
( واستوى ) أي : بلغ أربعين سنة ، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وقيل : استوى انتهى شبابه ( آتيناه حكما وعلما ) أي : الفقه والعقل والعلم في الدين ، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا ، ( وكذلك نجزي المحسنين )
«ولما بلغ أشده» وهو ثلاثون سنة أو وثلاث «واستوى» أي بلغ أربعين سنة «آتيناه حكماً» حكمة «وعلماً» فقهاً في الدين قبل أن يبعث نبياً «وكذلك» كما جزيناه «نجزي المحسنين» لأنفسهم.
ولما بلغ موسى أشد قوته وتكامل عقله، آتيناه حكمًا وعلمًا يعرف بهما الأحكام الشرعية، وكما جزينا موسى على طاعته وإحسانه نجزي مَن أحسن مِن عبادنا.
ثم قص علينا - سبحانه - جانبا من حياة موسى - عليه السلام - بعد أن بلغ أشده واستوى ، فقال - تعالى - : ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ .
.
.
) .قوله - سبحانه - ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى ) بيان لجانب من النعم التى أنعم الله - تعالى - بها على موسى فى تلك المرحلة من حياته .و ( لَمَّا ) ظرف بمعنى حين .
والأشد : قوة الإنسان ، واشتعال حرارته من الشدة بمعنى القوة والارتفاع يقال : شد النهار إذا ارتفع .
وهو مفرد جاء بصيغة الجمع ولا واحد له من لفظه .وقوله : ( واستوى ) من الاستواء بمعنى الاكتمال وبلوغ الغاية والنهاية .أى - وحين بلغ موسى - عليه السلام - منتهى شدته وقوته ، واكتمال عقله ، قالوا : وهى السن التى كان فيها بين الثلاثين والأربعين .( آتَيْنَاهُ ) بفضلنا وقدرتنا ( حُكْماً ) أى : حكمة وهى الإصابة فى القول والفعل ، وقيل : النبوة .( وَعِلْماً ) أى : فقها فى الدين ، وفهما سليما للأمور ، وإدراكا قويما لشئون الحياة .وقوله - سبحانه - ( وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين ) بيان لسنة من سننه - تعالى - التى لا تتخلف .أى : ومثل هذا الجزاء الحسن ، والعطاء الكريم ، الذى أكرمنا به موسى وأمه نعطى ونجازى المحسنين ، الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله - تعالى - به .
فكل من أحسن فى أقواله وأعماله ، أحسن الله - تعالى - جزاءه ، وأعطاه الكثير من آلائه .
اعلم أن في قوله: ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى ﴾ قولين: أحدهما: أنهما بمعنى واحد وهو استكمال القوة واعتدال المزاج والبنية والثاني: وهو الأصح أنهما معنيان متغايران ثم اختلفوا على وجوه: أحدها: وهو الأقرب أن الأشد عبارة عن كمال القوة الجسمانية البدنية، والاستواء عبارة عن كمال القوة العقلية.
وثانيها: الأشد عبارة عن كمال القوة، والاستواء عبارة عن كمال البنية والخلقة.
وثالثها: الأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء عبارة عن كمال الخلقة.
ورابعها: قال ابن عباس الأشد ما بين الثمان عشرة سنة إلى الثلاثين ثم من الثلاثين سنة إلى الأربعين يبقى سواء من غير زيادة ولا نقصان، ومن الأربعين يأخذ في النقصان، وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما حق، لأن الإنسان يكون في أول العمر في النمو والتزايد ثم يبقى من غير زيادة ولا نقصان، ثم يأخذ في الانتقاص فنهاية مدة الازدياد من أول العمر إلى العشرين ومن العشرين إلى الثلاثين يكون التزايد قليلاً والقوة قوية جداً ثم من الثلاثين إلى الأربعين يقف فلا يزداد ولا ينتقص ومن الأربعين إلى الستين يأخذ في الانتقاص الخفي، ومن الستين إلى آخر العمر يأخذ في الانتقاص البين الظاهر، ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة والحكمة فيه ظاهرة لأن الإنسان يكون إلى رأس الأربعين قواه الجسمانية من الشهوة والغضب والحس قوية مستكملة فيكون الإنسان منجذباً إليها فإذا انتهى إلى الأربعين أخذت القوى الجسمانية في الانتقاص، والقوة العقلية في الازدياد فهناك يكون الرجل أكمل ما يكون فلهذا السر اختار الله تعالى هذا السن للوحي.
المسألة الثانية: اختلفوا في واحد الأشد، قال الفراء: الأشد واحدها شد في القياس ولم يسمع لها بواحد.
وقال أبو الهيثم: واحدة الأشد شدة، كما أن واحدة الأنعم نعمة، والشدة القوة والجلادة.
أما قوله: ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ ففيه وجهان الأول: أنها النبوة وما يقرن بها من العلوم والأخلاق، وعلى هذا التقدير ليس في الآية دليل على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده، لأن الواو في قوله: ﴿ وَدَخَلَ المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب الثاني: آتيناه الحكمة والعلم قال تعالى: ﴿ واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة ﴾ وهذا القول أولى لوجوه: أحدها: أن النبوة أعلى الدرجات البشرية فلابد وأن تكون مسبوقة بالكمال في العلم والسيرة المرضية التي هي أخلاق الكبراء والحكماء.
وثانيها: أن قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ يدل على أنه إنما أعطاه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه والنبوة لا تكون جزاء على العمل.
وثالثها: أن المراد بالحكم والعلم لو كان هو النبوة، لوجب حصول النبوة لكل من كان من المحسنين لقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ لأن قوله: ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم ذكره من الحكم والعلم، ثم بين إنعامه عليه قبل قتل القبطي.
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المدينة فالجمهور على أنها هي المدينة التي كان يسكنها فرعون، وهي قرية على رأس فرسخين من مصر، وقال الضحاك: هي عين شمس.
المسألة الثانية: اختلفوا في معنى قوله: ﴿ على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا ﴾ على أقوال: فالقول الأول: أن موسى عليه السلام لما بلغ أشده واستوى وآتاه الله الحكم والعلم في دينه ودين آبائه، علم أن فرعون وقومه على الباطل، فتكلم بالحق وعاب دينهم، واشتهر ذلك منه حتى آل الأمر إلى أن أخافوه وخافهم، وكان له من بني إسرائيل شيعة يقتدون به ويسمعون منه، وبلغ في الخوف بحيث ما كان يدخل مدينة فرعون إلا خائفاً، فدخلها يوماً على حين غفلة من أهلها، ثم الأكثرون على أنه عليه السلام دخلها نصف النهار وقت ما هم قائلون، وعن ابن عباس يريد بين المغرب والعشاء والأول أولى، لأنه تعالى أضاف الغفلة إلى أهلها، وإذا دخل المرء مستتراً لأجل خوف، لا تضاف الغفلة إلى القوم القول الثاني: قال السدي: إن موسى عليه السلام حين كبر كان يركب مراكب فرعون، ويلبس مثل ما يلبس، ويدعى موسى ابن فرعون، فركب يوماً في أثره فأدركه المقيل في موضع، فدخلها نصف النهار، وقد خلت الطرق، فهو قوله: ﴿ على حِينِ غَفْلَةٍ ﴾ القول الثالث: قال ابن زيد: ليس المراد من قوله: ﴿ على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا ﴾ حصول الغفلة في تلك الساعة، بل المراد الغفلة من ذكر موسى وأمره، فإن موسى حين كان صغيراً ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، فجيء بجمر فأخذه وطرحه في فيه، فمنه عقدة لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر، والقوم نسوا ذكره وذلك قوله: ﴿ على حِينِ غَفْلَةٍ ﴾ ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الروايات على بعض، لأنه ليس في القرآن ما يدل على شيء منها.
المسألة الثالثة: قال تعالى: ﴿ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ وهذا مِنْ عَدُوّهِ ﴾ قال الزجاج: قال: هذا وهذا وهما غائبان على وجه الحكاية، أي وجد فيها رجلين يقتتلان، إذا نظر الناظر إليهما قال هذا من شيعته وهذا من عدوه، ثم اختلفوا فقال مقاتل: الرجلان كانا كافرين، إلا أن أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من القبط، واحتج عليه بأن موسى عليه السلام قال له في اليوم الثاني ﴿ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً، لأنه لا يقال فيمن يخالف الرجل في دينه وطريقه: إنه من شيعته، وقيل إن القبطي الذي سخر الإسرائيلي كان طباخ فرعون، استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه، وقيل الرجلان المقتتلان: أحدهما السامري وهو الذي من شيعته، والآخر طباخ فرعون، والله أعلم بكيفية الحال، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، أي سأله أن يخلصه منه واستنصره عليه، فوكزه موسى عليه السلام، الوكز الدفع بأطراف الأصابع، وقيل بجمع الكف.
وقرأ ابن مسعود: (فلكزه موسى)، وقال بعضهم: الوكز في الصدر واللكز في الظهر، وكان عليه السلام شديد البطش، وقال بعض المفسرين: فوكزه بعصاه، قال المفضل هذا غلط، لأنه لا يقال وكزه بالعصا ﴿ فقضى عَلَيْهِ ﴾ أي أماته وقتله.
المسألة الرابعة: احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليه السلام من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن كان الأول فلم قال: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ ولم قال: ﴿ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى فَغَفَرَ لَهُ ﴾ ولم قال في سورة أخرى ﴿ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين ﴾ ؟
وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً.
وثانيها: أن قوله: ﴿ وهذا مِنْ عَدُوّهِ ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً فكان دمه مباحاً فلم استغفر عنه، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز، لأنه يوهم في المباح كونه حراماً؟.
وثالثها: أن الوكز لا يقصد به القتل ظاهراً، فكان ذلك القتل قتل خطأ، فلم استغفر منه؟
والجواب: عن الأول لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدم.
أما قوله: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ ففيه وجوه: أحدها: لعل الله تعالى وإن أباح قتل الكافر إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فقوله: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان.
وثانيها: أن قوله (هذا) إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه فقوله: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ أي عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، المراد منه بيان كونه مخالفاً لله تعالى مستحقاً للقتل.
وثالثها: أن يكون قوله (هذا) إشارة إلى المقتول، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه، يقال فلان من عمل الشيطان، أي من أحزابه.
أما قوله: ﴿ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى ﴾ فعلى نهج قول آدم عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ والمراد أحد وجهين، إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن هناك ذنب قط، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب.
أما قوله: ﴿ فاغفر لِى ﴾ أي فاغفر لي ترك هذا المندوب، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد رب إني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به ﴿ فاغفر لِى ﴾ أي فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون ﴿ فَغَفَرَ لَهُ ﴾ أي ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا التأويل أنه على عقبه قال: ﴿ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ ﴾ ولو كانت إعانة المؤمن هاهنا سبباً للمعصية لما قال ذلك.
وأما قوله: ﴿ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين ﴾ فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً، ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافراً في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافراً في ذلك الوقت، واعترف بأنه كان ضالاً أي متحيراً لا يدري ما يجب عليه أن يفعله وما يدبر به في ذلك.
أما قوله إن كان كافراً حربياً فلم استغفر عن قتله؟
قلنا كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع فلعل قتلهم كان حراماً في ذلك الوقت، أو إن كان مباحاً لكن الأولى تركه على ما قررنا، قوله ذلك القتل كان قتل خطأ، قلنا لا نسلم فلعل الرجل كان ضعيفاً وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة، فوكزه كان قاتلاً قطعاً.
ثم إن سلمنا ذلك ولكن لعله عليه السلام كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون ذلك الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار على أنا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية لكنا بينا أنه لا دليل ألبتة على أنه كان رسولاً في ذلك الوقت فيكون ذلك صادراً منه قبل النبوة، وذلك لا نزاع فيه.
المسألة الخامسة: قالت المعتزلة الآية دلت على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله تعالى لأنه عليه السلام قال: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ فنسب المعصية إلى الشيطان، فلو كانت بخلق الله تعالى لكانت من الله لا من الشيطان وهو كقول يوسف عليه السلام ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى ﴾ وقول صاحب موسى عليه السلام: ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة ﴾ .
أما قوله: ﴿ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن ظاهره يدل على أنه قال إنك لما أنعمت علي بهذا الإنعام فإني لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدل على أن ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كانت معصية، لنزل الكلام منزلة ما إذا قيل إنك لما أنعمت علي بقبول توبتي عن تلك المعصية فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.
وثانيها: قال القفال: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، والباء للقسم أي بنعمتك علي.
وثالثها: قال الكسائي والفراء إنه خبر، ومعناه الدعاء كأنه قال فلا تجعلني ظهيراً، قال الفراء وفي حرف عبدالله ﴿ فَلاَ تَجْعَلْنِى ظَهِيرًا ﴾ ، واعلم أن في الآية دلالة على أنه لا يجوز معاونة الظلمة والفسقة.
وقال ابن عباس: لم يستثن ولم يقل فلن أكون ظهيراً إن شاء الله، فابتلي به في اليوم الثاني، وهذا ضعيف لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو فقال: ﴿ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض ﴾ لا أنه وقع منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واستوى ﴾ واعتدل وتمّ استحكامه، وبلغ المبلغ الذي لا يزاد عليه، كما قال لقيط: واستحملوا أَمْرَكُمْ لِلهِ دَرُّكُمُو ** شَزْرَ الْمَرِيرَةِ لا قَمحاً وَلاَ ضَرَعَا وذلك أربعون سنة، ويروى: أنه لم يبعث نبيّ إلا على رأس أربعين سنة.
العلم.
التوراة.
والحكم: السنة.
وحكمة الأنبياء: سنتهم.
قال الله تعالى: ﴿ واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة ﴾ [الأحزاب: 34] وقيل: معناه أتيناه سيرة الحكماء العلماء، وسمتهم قبل البعث، فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ مَبْلَغَهُ الَّذِي لا يَزِيدُ عَلَيْهِ نَشْؤُهُ وذَلِكَ مِن ثَلاثِينَ إلى أرْبَعِينَ سَنَةً فَإنَّ العَقْلَ يَكْمُلُ حِينَئِذٍ.
وَرُوِيَ أنَّهُ «لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا عَلى رَأْسِ الأرْبَعِينَ سَنَةً» .
﴿ واسْتَوى ﴾ قَدُّهُ أوْ عَقْلُهُ.
﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا ﴾ أيْ نُبُوَّةً.
﴿ وَعِلْمًا ﴾ بِالدِّينِ، أوْ عِلْمَ الحُكَماءِ والعُلَماءِ وسَمْتَهم قَبْلَ اسْتِنْبائِهِ، فَلا يَقُولُ ولا يَفْعَلُ ما يُسْتَجْهَلُ فِيهِ، وهو أوْفَقُ لِنَظْمِ القِصَّةِ لِأنَّ الِاسْتِنْباءَ بَعْدَ الهِجْرَةِ في المُراجَعَةِ.
﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْنا بِمُوسى وأُمِّهِ.
﴿ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ عَلى إحْسانِهِمْ.
﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ ﴾ ودَخَلَ مِصْرَ آتِيًا مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ وقِيلَ مَنفٍ أوْ حائِينَ، أوْ عَيْنَ شَمْسٍ مِن نَواحِيها.
﴿ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها ﴾ في وقْتٍ لا يَعْتادُ دُخُولَها ولا يَتَوَقَّعُونَهُ فِيهِ، قِيلَ كانَ وقْتَ القَيْلُولَةِ وقِيلَ بَيْنَ العِشاءَيْنِ.
﴿ فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ ﴾ أحَدُهُما مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ والآخَرُ مِن مُخالِفِيهِ وهُمُ القِبْطُ، والإشارَةِ عَلى الحِكايَةِ.
﴿ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي ﴾ هو ﴿ مِن عَدُوِّهِ ﴾ فَسَألَهُ أنْ يُغِيثَهُ بِالإعانَةِ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ ( عَلى ) وقُرِئَ «اسْتَعانَهُ» .
﴿ فَوَكَزَهُ مُوسى ﴾ فَضَرَبَ القِبْطِيَّ بِجَمْعِ كَفِّهِ، وقُرِئَ ( فَلَكَزَهُ ) أيْ فَضَرَبَ بِهِ صَدْرَهُ.
﴿ فَقَضى عَلَيْهِ ﴾ فَقَتَلَهُ وأصْلُهُ فَأنْهى حَياتَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ ﴾ .
﴿ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِ الكُفّارِ أوْ لِأنَّهُ كانَ مَأْمُونًا فِيهِمْ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ اغْتِيالُهم، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عِصْمَتِهِ لِكَوْنِهِ خَطَأً، وإنَّما عَدَّهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وسَمّاهُ ظُلْمًا واسْتَغْفَرَ مِنهُ عَلى عادَتِهِمْ في اسْتِعْظامِ مُحَقَّراتٍ فَرَطَتْ مِنهم.
﴿ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} بلغ موسى نهاية القوة وتمام العقل وهو جمع شدة كنعمة وأنعم عند سيبويه {واستوى} واعتدل وتم استحكامه وهو أربعون سنة ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة {آتَيْنَاهُ حُكْمًا} نبوة {وَعِلْماً} فقهاً أو علماً بمصالح الدارين {وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين} أي كما
فعلنا بموسى وأمه نفعل بالمؤمنين قال الزجاج جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين والعالم الحكيم من يعمل بعلمه لأنه تعالى قال وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لوكانوا يعلمون فجعلهم جهالا إذ لم يعملوا بالعلم
القصص (١٨ - ١٥)
﴿ ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ أيِ المَبْلَغَ الَّذِي لا يَزِيدُ عَلَيْهِ نُشُوءُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَوى ﴾ أيْ كَمُلَ وتَمَّ تَأْكِيدٌ وتَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ كَذا قِيلَ: واخْتُلِفَ في زَمانِ بُلُوغِ الأشَدِّ والِاسْتِواءِ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ الأشَدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الأشَدُّ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً والِاسْتِواءُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وقالَ الزَّجّاجُ مَرَّةً: بُلُوغُ الأشَدِّ مِن نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً إلى الأرْبَعِينَ وأُخْرى هو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ واخْتارَهُ بَعْضُهم هُنا وعَلَّلَ بِأنَّ ذَلِكَ لِمُوافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ مُنْتَهٍ إلى الأرْبَعِينَ وهي سِنُّ الوُقُوفِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَبْدَؤُهُ مَبْدَأهُ ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ والحَقُّ أنَّ بُلُوغَ الأشَدِّ في الأصْلِ هو الِانْتِهاءُ إلى حَدِّ القُوَّةِ وذَلِكَ وقْتَ انْتِهاءِ النُّمُوِّ وغايَتِهِ وهَذا مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأقالِيمِ والأعْصارِ والأحْوالِ ولِذا وقَعَ لَهُ تَفاسِيرُ في كُتُبِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ، ولَعَلَّ الأوْلى عَلى ما قِيلَ: أنْ يُقالَ إنَّ بُلُوغَ الأشُدِّ عِبارَةٌ عَنْ بُلُوغِ القَدْرِ الَّذِي يَتَقَوّى فِيهِ بَدَنُهُ وقُواهُ الجُسْمانِيَّةُ ويَنْتَهِي فِيهِ نُمُوُّهُ المُعْتَدُّ بِهِ والِاسْتِواءُ اعْتِدالُ عَقْلِهِ وكَمالُهُ ولا يَنْبَغِي تَعْيِينُ وقْتٍ لِذَلِكَ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِخَبَرٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِما سَمِعْتُ مِن أنَّ ذاكَ مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأقالِيمِ والأعْصارِ والأحْوالِ نَعَمِ اشْتُهِرَ أنَّ ذَلِكَ في الأغْلَبِ يَكُونُ في سِنِّ أرْبَعِينَ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذا المَرْءُ وافى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوى حَياءٌ ولا سِتْرُ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضى ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابِ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ، وقَدْ مَرَّ طَرَفٌ مِنَ الكَلامِ في الأشُدِّ في سُورَةِ يُوسُفَ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفَلْ.
ثُمَّ إنَّ حاصِلَ المَعْنى عَلى ما قِيلَ أخِيرًا: ولَمّا قَوِيَ جِسْمُهُ، واعْتَدَلَ عَقْلُهُ ﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا ﴾ أيْ نُبُوَّةً عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أوْ عِلْمًا هو مِن خَواصِّ النُّبُوَّةِ عَلى ما تَأوَّلَ بِهِ بَعْضُهم كَلامَهُ ﴿ وعِلْمًا ﴾ بِالدِّينِ والشَّرِيعَةِ.
وفي الكَشّافِ العِلْمُ التَّوْراةُ والحُكْمُ السُّنَّةُ وحِكْمَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سُنَّتُهم.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ ﴾ وقِيلَ آتَيْناهُ سِيرَةَ الحُكَماءِ العُلَماءِ وسَمْتَهم قَبْلَ البَعْثِ، فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَفْعَلُ فِعْلًا يَسْتَجْهِلُ فِيهِ اهـ، ورُجِّحَ ما قِيلَ بِأنَّهُ أوْفَقُ لِنَظْمِ القِصَّةِ مِمّا تَقَدَّمَ، لِأنَّ اسْتِنْباءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ وكْزِ القِبْطِيِّ، والهِجْرَةُ إلى مَدْيَنَ، ورُجُوعُهُ مِنها، وإيتاؤُهُ التَّوْراةَ كانَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ، فَهو بَعْدَ الوَكْزِ بِكَثِيرٍ وبِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْناهُ بِمُوسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ عَلى إحْسانِهِمْ يَأْبى حَمْلَ ما تَقَدَّمَ عَلى النُّبُوَّةِ لِأنَّها لا تَكُونُ جَزاءً عَلى العَمَلِ، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ جَعَلَ هَذا بَيانًا إجْمالِيًّا لِإنْجازِ الوَعْدِ بِجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ بَعْدَ رَدِّهِ لِأُمِّهِ، وما بَعْدُ تَفْصِيلٌ لَهُ، والعَطْفُ بِالواوِ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وكَوْنُ ما فَعَلَ بِمُوسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ جَزاءً عَلى العَمَلِ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ أصْلَ النُّبُوَّةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ جَزاءً عَلى العَمَلِ إلّا أنَّ بَعْضَ مَراتِبِها، وهو ما فِيهِ مَزِيدُ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَكُونُ بِاعْتِبارِ مَزِيدِ القُرْبِ جَزاءً عَلَيْهِ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أنَّ مَزِيدَ القُرْبِ هو الجَزاءُ وتَفاوُتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في القُرْبِ مِنهُ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشَكَّ فِيهِ، ورُجِّحَ ما تَقَدَّمَ بِكَوْنِهِ أوْفَقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ واسْتِلْزامُهُ حُصُولُ النُّبُوَّةِ لِكُلِّ مُحْسِنٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الإيتاءَ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ قالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى آتَيْناهُ رِياسَةً بَيْنَ قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ جَعَلْناهُ مُمْتازًا فِيما بَيْنَهُمْ، يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في مَهامِّهِمْ، ويَمْتَثِلُونَهُ إذا أمَرَهم بِشَيْءٍ أوْ نَهاهم عَنْهُ، وعِلْمًا يَنْتَفِعُ بِهِ ويَنْفَعُ بِهِ غَيْرَهُ، وذَلِكَ إمّا بِمَحْضِ الإلْهامِ، أوْ بِتَوْفِيقِهِ لِاسْتِنْباطِ دَقائِقَ وأسْرارٍ مِمّا نُقِلَ إلَيْهِ مِن كَلِماتِ آبائِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولا بِدَعَ في أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهُ الأنْبِياءُ مِنهم وبِما كانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ بِواسِطَةِ الإلْهامِ أوْ بِسَماعِ ما يُفِيدُهُ العِلْمُ مِنَ الأخْبارِ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى مِمّا نَقَلَهُ في الكَشّافِ.
وفي الكَلامِ عَلى أواخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما تَنْفَعُكَ مُراجَعَتُهُ فَلْيُراجَعْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل مجيء أمه.
ويقال في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: «أن أم موسى عليهما السلام قالت لأخته قُصِّيهِ أي: اطلبي أثره بعد ما أخذه آل فرعون، ولم يقبل رضاع أحد، وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ من قبل مجيء أخته.
ويقال: حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ.
يعني: منعنا موسى أن يقبل ثدي مرضع من قبل أن نرده على أمه فَقالَتْ أخته حين تعذر عليهم إرضاعه هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ يعني: يضمنون لكم رضاعه.
ويقال: يضمنونه وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ يعني: مشفقون للولد.
ويقال مخلصون شفقته.
فقال هامان: خذوها حتى تخبرنا بقصة هذا الغلام، فأخذت، فألهمها الله تعالى عند ذلك حتى قالت: إنما ذكرت النصيحة لفرعون أعني: وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ لفرعون لا لغيره.
فقال هامان: دعوها فقد صدقت، فأرسل إليها، فلما جاءت أمه وضعت الثدي في فمه، فأخذ ثديها وسكن، فذلك قوله تعالى: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: كائن صدق وهو قوله إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ثمّ قال: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بأن وَعْدَ الله حَقٌّ.
يعني: أهل مصر.
قوله عز وجل: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ.
قال مجاهد يعني: بلغ ثلاثاً وثلاثين سنة.
وَاسْتَوى يعني: بلغ أربعين سنة.
قال: وفي رواية الكلبي الأشُدُّ ما بين ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة.
ويقال: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ يعني: منتهى قوته، وهو ما فوق الثلاثين، وَاسْتَوى يعني: بلغ أربعين سنة آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً يعني: علماً وعقلاً.
ويقال: النبوة وعلم التوراة.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: «الأشد ثلاثا وثلاثون سنة، وأما الاستواء فأربعون سنة، والعمر الذي أعذر الله تعالى ابن آدم فيه إلى ستين سنة» .
يعني قوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [فاطر: 37] ثم قال: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
وقرأ حمزة، والكسائي «١» «وحْزُناً» - بضمِّ الحاءِ وسكونِ الزاي-، والخاطئ: متعمد الخطإ، والمخطئ الذي لا يتعمده.
وقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ أي: بأنه هو الذي يَفْسَدُ ملكُ فرعونَ على يده قاله قتادة «٢» وغيره.
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي: فارِغاً من كلِّ شيء إلا من ذكر موسَى «٣» .
قاله ابن عباس.
قال مالك: هو ذَهَابُ العَقْلِ، وقالت فرقة: فارِغاً من الصبر.
وقوله تعالى: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي: أَمرِ ابنها، وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: كادتْ أُمُّ مُوسَى أن تَقُول: «وابناه وَتَخْرُجَ سَائِحَةً عَلَى وَجْهِهَا» .
والرَّبْطُ على القلبِ: تأنيسُه وتقويَتُه، ولِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: من المُصَدِّقين بوعدِ اللهِ سبحانه وما أوحي إليها به، وعَنْ جُنُبٍ أي: ناحيةٍ، فمعنى عَنْ جُنُبٍ: عن بُعْد لَمْ تَدنُ مِنْهُ فَيُشْعَرَ لها.
وقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ معناه: أنها أختُه، ووعدُ الله المشار إليه هو الذي أوحاه إليها أولاً، إمَّا بمَلَكٍ/ أو بمَنَامَةٍ، حسْبَمَا تَقَدَّمَ، والقَوْلُ بالإلْهَامِ ضعيف أن يقال ٥٦ أفيه وعدٌ.
وقوله: أَكْثَرَهُمْ يريد به القِبْطَ، والأَشُدُّ: شدة البدن واستحكام أمره وقوته،
﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ قَدْ فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ (يُوسُفَ: ٢٢)، وكَلامُ المُفَسِّرِينَ في لَفْظِ الآيَتَيْنِ مُتَقارِبٌ، إلّا أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَ بُلُوغِ الأشُدِّ وبَيْنَ الِاسْتِواءِ؛ فَأمّا بُلُوغُ الأشُدِّ، فَقَدْ سَلَفَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٥٢] .
وَفِي مُدَّةِ الِاسْتِواءِ لَهم قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: سُتُّونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَكَثَ عِنْدَ أُمِّهِ حَتّى فَطَمَتْهُ، ثُمَّ رَدَّتْهُ إلَيْهِمْ، فَنَشَأ في حِجْرِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتِهِ واتَّخَذاهُ ولَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مِصْرُ.
والثّانِي مَدِينَةٌ بِالقُرْبِ مِن مِصْرَ.
قالَ السُّدِّيُّ: رَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا ولَيْسَ عِنْدَهُ مُوسى، فَلَمّا جاءَ مُوسى رَكِبَ في أثَرِهِ فَأدْرَكَهُ المَقِيلُ في تِلْكَ المَدِينَةِ.
وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا تَوَهَّمَ فِرْعَوْنُ في مُوسى أنَّهُ عَدْوُّهُ أمَرَ بِإخْراجِهِ مِن مَدِينَتِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ إلّا بَعْدَ أنْ كَبُرَ فَدَخَلَها يَوْمًا ﴿ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها ﴾ .
وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ عِيدٍ لَهم، وكانُوا قَدْ اشْتَغَلُوا فِيهِ بِلَهْوِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ دَخَلَ نِصْفَ النَّهارِ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم لَمّا أخْرَجُوهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ حَتّى كَبِرَ، فَدَخَلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ عَنْ ذِكْرِهِ، لِأنَّهُ قَدْ نَسِيَ أمْرَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا مِن شِيعَتِهِ ﴾ أيْ: مِن أصْحابِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ وَهَذا مِن عَدُوِّهِ ﴾ أيْ: مِن أعْدائِهِ مِنَ القِبْطِ، والعَدُوِّ يَذْكُرُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ في الغائِبِ: " هَذا " و " هَذا "، عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ لِلْحَضْرَةِ؛ والمَعْنى: أنَّهُ إذا نَظَرَ إلَيْهِما النّاظِرُ قالَ: هَذا مِن شِيعَتِهِ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّ القِبْطِيَّ كانَ قَدْ سَخَّرَ الإسْرائِيلِيَّ أنْ يَحْمِلَ حَطَبًا إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ ﴿ فاسْتَغاثَهُ ﴾ أيْ: فاسْتَنْصَرَهُ، ﴿ فَوَكَزَهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الوَكْزُ: أنْ يَضْرِبَهُ بِجَمِيعِ كَفِّهِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " فَوَكَزَهُ " أيْ: لَكَزَهُ، يُقالُ: وكَزْتُهُ ولَكَزْتُهُ ولَهَزْتُهُ: إذا دَفَعْتُهُ، ﴿ فَقَضى عَلَيْهِ ﴾ أيْ: قَتَلَهُ؛ وكُلُّ شَيْءٍ فَرَغْتَ مِنهُ فَقَدْ قَضَيْتَهُ وقَضَيْتَ عَلَيْهِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيما وكَزَهُ بِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كَفَّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: عَصاهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
فَلَمّا ماتَ القِبْطِيُّ نَدِمَ مُوسى لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ، و ﴿ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ: هو الَّذِي هَيَّجَ غَضَبِي حَتّى ضَرَبْتُ هَذا، ﴿ إنَّهُ عَدُوٌّ ﴾ لِابْنِ آَدَمَ ﴿ مُضِلٌّ ﴾ لَهُ ﴿ مُبِينٌ ﴾ عَداوَتَهُ.
ثُمَّ اسْتَغْفِرْ ف ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ أيْ: بِقَتْلٍ هَذا، ولا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ.
﴿ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ بِالمَغْفِرَةِ ﴿ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَوْنًا لِلْكافِرِينَ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإسْرائِيلِيَّ الَّذِي أعانَهُ مُوسى كانَ كافِرًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾ .
قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى خَصَّهُ مِنَ الِامْتِناعِ مِن ثَدْيِ النِساءِ بِما يَشِذُّ بِهِ عن عُرْفِ الأطْفالِ، وهو تَحْرِيمُ تَبْغِيضٍ، و"المَراضِعُ" جَمْعُ مُرْضِعٍ، واسْتُعْمِلَ دُونَ هاءِ التَأْنِيثِ لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ بِالرِجالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ، و"قَبْلُ" مَبْنِيٌّ، والضَمِيرُ في "فَقالَتْ" لِأُخْتِ مُوسى، قالَ النَقاشُ: اسْمُها مَرْيَمُ، و"يَكْفُلُونَهُ" مَعْناهُ: يُحْسِنُونَ تَرْبِيَتَهُ وإرْضاعَهُ.
وعَلِمُ القَوْمُ أنَّ مُكَلِّمَتَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ ذَلِكَ عُرْفَ بَنِي إسْرائِيلَ، أنْ يَكُونُوا مَراضِعَ وخَدَمَةً.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى الطِفْلِ، فَقالُوا لَها: إنَّكِ قَدْ عَرِفْتِهِ فَأخْبِرِينا مَن هُوَ؟
فَقالَتْ: ما أرَدْتُ إلّا أنَّهم ناصِحُونَ لِلْمَلِكِ، فَتَخَلَّصَتْ مِنهم بِهَذا التَأْوِيلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الطِفْلِ ولَكِنْ يَكُونُ النُصْحُ لَهُ بِسَبَبِ المُلْكِ وحِرْصًا عَلى التَزَلُّفِ إلَيْهِ والقُرْبِ مِنهُ، وفي الكَلامِ هُنا حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، وهو أنَّها حَمَلَتْهم إلى أُمْ مُوسى وكَلَّمُوها في ذَلِكَ، فَدَرَّتْ عَلَيْهِ وقَبِلَها، وحَظِيَتْ بِذَلِكَ، وأحْسَنَ إلَيْها وإلى أهْلِ بَيْتِها، وقَرَّتْ عَيْنُها، أيْ سُرَّتْ بِذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ تَعالى قالَ لَها: ما سَبَبُ قَبُولِ هَذا الطِفْلِ؟
قالَتْ لَهُ: "إنِّي طَيِّبَةُ الرائِحَةِ طَيِّبَةُ اللَبَنِ، ودَمْعُ الفَرَحِ بارِدٌ، وعَيْنُ المَهْمُومِ حُرّى سُخْنَةٌ"، فَمِن هَذا المَعْنى قِيلَ: قَرَّتِ العَيْنُ وسَخُنَتْ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "نُقِرُّ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ القافِ.
و"وَعْدَ اللهِ" تَعالى المُشارُ إلَيْهِ هو الَّذِي أوحاهُ إلَيْها أوَّلًا، إمّا بِمَلَكٍ أو تَمَثُّلُهُ، وإمّا بِإلْهامٍ حَسَبَ اخْتِلافِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ، والقَوْلُ بِالإلْهامِ يَضْعُفُ أنْ يُقالَ فِيهِ: "وَعْدَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ ﴾ يُرِيدُ القِبْطَ.
و"الأشُدُّ" جَمْعُ شِدَّةٍ، مِنَ السِنِينَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بُلُوغُ الحُلُمْ، وهي مُدَّةُ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقالَ السُدِّيُّ: عِشْرُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ الِاسْتِواءُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ مَكِّيُّ: وقِيلَ هو سِونَ سَنَةً، وهَذا ضَعِيفٌ.
والأشَدُّ: شِدَّةُ البَدَنِ واسْتِحْكامُ أسْرِهِ وقُوَّتِهِ "واسْتَوى" مَعْناهُ: تَكامَلَ عَقَلُهُ وحَزَمَهُ، وذَلِكَ -عِنْدَ الجُمْهُورِ- مَعَ الأرْبَعِينَ.
و"الحُكْمُ": الحِكْمَةُ، و"العِلْمُ": المَعْرِفَةُ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي مُقَدِّمَةٌ لِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها ﴾ ، فَقالَ السُدِّيُّ: كانَ مُوسى في وقْتِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى رَسْمِ التَعَلُّقِ بِفِرْعَوْنَ، وكانَ يَرْكَبُ مَواكِبَهُ حَتّى أنَّهُ كانَ يُدْعى مُوسى بْنَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: فَرَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وسارَ إلى مَدِينَةٍ مِن مَدائِنِ مِصْرَ يُقالُ لَها مَنفٌ، ثُمْ عَلِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِرُكُوبِ فِرْعَوْنَ فَرَكِبَ بَعْدَهُ ولِحِقَ بِتِلْكَ المَدِينَةِ في وقْتِ القائِلَةِ، وهو حِينَ الغَفْلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ أيْضًا: هو ما بَيْنَ العَشاءِ والعَتَمَةِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ: بَلِ المَدِينَةُ مِصْرُ نَفْسُها، وكانَ مُوسى في هَذا الوَقْتِ قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَدَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فَكانَ مُخْتَفِيًا بِنَفْسِهِ مُخَوَّفًا مِنهُمْ، فَدَخَلَ مُتَنَكِّرًا حَذِرا مُغْتَفِلًا لِلنّاسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلْ كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ نابَذَهُ وأخْرَجَهُ مِنَ المَدِينَةِ وغابَ عنها سِنِينَ فَنَسِيَ فَفَشا أمَرُهُ، وجاءَ والناسُ عَلى غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لِأمْرِهِ وبُعْدُ عَهْدِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: كانَ يَوْمُ عِيدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقْتَتِلانِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُقْتَتِلِينَ.
و"شِيعَتُهُ": بَنُو إسْرائِيلَ، و"عَدُوُّهُ": القِبْطُ.
وذَكَرَ الأخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ أنَّها "فاسْتَعانَهُ" بِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، وهي تَصْحِيفٌ لا قِراءَةَ.
وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ ﴿ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ ﴾ هو السامِرِيُّ، وأنَّ الآخَرَ طَبّاخُ فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ﴾ ، "وَهَذا" حِكايَةُ حالٍ قَدْ كانَتْ حاضِرَةً، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ "هَذا" عن غائِبٍ ماضٍ.
"والوَكْزُ": الضَرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعُقَدٍ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلَكَزَهُ"، والمَعْنى واحِدٌ إلّا أنَّ اللَكْزَ في اللِحى، و"الوَكْزُ" عَلى القَلْبِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَنَكَزَهُ"، والمَعْنى واحِدٌ.
و" قَضى عَلَيْهِ "، مَعْناهُ: قَتَلَهُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُرِدْ قَتْلَ القِبْطِيِّ لَكِنْ وافَقَتْ وكْزَتُهُ الأجَلَ وكانَ عنها مَوْتُهُ، فَنَدِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ورَأى أنَّ ذَلِكَ مِن نَزْغِ الشَيْطانِ في يَدِهِ، وأنَّ الغَضَبَ الَّذِي اقْتَرَنَتْ بِهِ تِلْكَ الوَكْزَةِ كانَ مِنَ الشَيْطانِ ومَن هَمْزِهِ، ونَصَّ هو عَلى ذَلِكَ، وبِهَذا الوَجْهِ جَعَلَهُ مِن عَمَلِهِ، وكانَ فَضْلُ قُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ بِما أفْرَطَ في وقْتِ غَضَبِهِ بِأكْثَرَ مِمّا يَقْصِدُ.
<div class="verse-tafsir"
هذا اعتراض بين أجزاء القصة المرتبة على حسب ظهورها في الخارج.
وهذا الاعتراض نشأ عن جملة ﴿ ولتعلم أن وعد الله حق ﴾ [القصص: 13] فإن وعد الله لها قد حكي في قوله تعالى ﴿ إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ﴾ [القصص: 7].
فلما انتهى إلى حكاية رده إلى أمه بقوله ﴿ فرددناه إلى أمه كي تقرَّ عينُها ﴾ [القصص: 13] إلى آخره كمّل ما فيه وفاء وعد الله إياها بهذا الاستطراد في قوله ﴿ ولما بلغ أشدّه واستوى ءاتيناه حكماً وعلماً ﴾ وإنما أوتي الحكم أعني النبوءة بعد خروجه من أرض مدين كما سيجيء في قوله تعالى ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله ﴾ [القصص: 29].
وتقدم نظير هذه الآية في سورة يوسف، إلا قوله ﴿ واستوى ﴾ فقيل: إن ﴿ استوى ﴾ بمعنى بلغ أشده، فيكون تأكيداً، والحق أن الأشد كمال القوة لأن أصله جمع شدة بكسر الشين بوزن نعمة وأنعم وهي اسم هيئة بمعنى القوة ثم عومل معاملة المفرد.
وأن الاستواء: كمال البنية كقوله تعالى في وصف الزرع ﴿ فاستغلظ فاستوى على سوقه ﴾ [الفتح: 29]، ولهذا أريد لموسى الوصف بالاستواء ولم يوصف يوسف إلا ببلوغ الأشد خاصة لأن موسى كان رجلاً طوالاً كما في الحديث «كأنه من رجال شنُؤة» فكان كامل الأعضاء ولذلك كان وكزه القبطي قاضياً على الموكوز.
والحكم: الحكمة، والعلم: المعرفة بالله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
السّادِسُ: عِشْرُونَ سَنَةً، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
السّابِعُ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّامِنُ: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ.
التّاسِعُ: الحُلُمُ.
قالَهُ رَبِيعَةُ ومالِكٌ.
والأشَدُّ جَمْعٌ واخْتُلِفَ هَلْ لَهُ واحِدٌ أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لا واحِدَ لَهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: لَهُ واحِدٌ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شُدٌّ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
الثّانِي: شُدَّةٌ، قالَهُ الكِسائِيُّ.
﴿ واسْتَوى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: اعْتِدالُ القُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: خُرُوجُ اللِّحْيَةِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّالِثُ: انْتَهى شَبابُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الرّابِعُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ﴾ في الحُكْمِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العَقْلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: القُوَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: الفِقْهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِصْرُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: مَنفُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: عَيْنُ الشَّمْسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نِصْفَ النَّهارِ والنّاسُ قائِلُونَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَوْمَ عِيدٍ لَهم وهم في لَهْوِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: لِأنَّهم غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِهِ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن شِيعَتِهِ إسْرائِيلِيٌّ ومِن عَدُّوِّهِ قِبْطِيٌّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن شِيعَتِهِ مُسْلِمٌ ومِن عَدُّوِّهِ كافِرٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
﴿ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ ﴾ حَكى ابْنُ سَلامٍ أنَّ القِبْطِيَّ سَخَّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ لَهُ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ فاسْتَغاثَ بِمُوسى.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ خَبّازًا لِفِرْعَوْنَ ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسى ﴾ قالَ قَتادَةُ: بِعَصاهُ وقالَ مُجاهِدٌ: بِكَفِّهِ أيْ دَفَعَهُ، الوَكْزُ واللَّكْزُ واحِدٌ والدَّفْعُ.
قالَ رُؤْبَةُ: بِعَدَدٍ ذِي عُدَّةٍ ووَكْزٍ إلّا أنَّ الوَكْزَ في الصَّدْرِ واللَّكْزَ في الظَّهْرِ.
فِعْلُ مُوسى ذَلِكَ وهو لا يُرِيدُ قَتْلَهُ وإنَّما يُرِيدُ دَفْعَهُ.
﴿ فَقَضى عَلَيْهِ ﴾ أيْ فَقَتَلَهُ.
وَ ﴿ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ مِن إغْوائِهِ.
﴿ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾ قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ قَتْلُ الكافِرِ يَوْمَئِذٍ في تِلْكَ الحالِ لِأنَّها كانَتْ حالَ كَفٍّ عَنِ القِتالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ المَغْفِرَةِ.
الثّانِي: مِنَ الهِدايَةِ.
﴿ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ أيْ عَوْنًا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ ذَلِكَ فابْتُلِيَ لِأنَّ صاحِبَهُ الَّذِي أعانَهُ دَلَّ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والمحاملي في أماليه من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولما بلغ أشدّه ﴾ قال: ثلاثاً وثلاثين سنة ﴿ واستوى ﴾ قال: أربعين سنة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المعمرين من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولما بلغ اشدّه واستوى ﴾ قال: الاشد ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين والاستواء ما بين الثلاثين والأربعين، فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولما بلغ أشدّه ﴾ قال: ثلاثاً وثلاثين سنة ﴿ واستوى ﴾ قال: أربعين سنة ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ قال: الحكم الفقه والعقل، والعلم قال: النبوّة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قبيصة رضي الله عنه في الآية قال: يعني بالاستواء: خروج لحيته.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولما بلغ أشدّه ﴾ قال: ثلاثاً وثلاثين سنة ﴿ واستوى ﴾ قال: أربعين سنة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ قال مقاتل: يعني لثمان عشرة سنة إلى أربعين سنة (١) (٢) وقال مجاهد: ولما بلغ أشده: ثلاثًا وثلاثين سنة، واستواؤه: أربعين سنة (٣) وهو قول ابن عباس وقتادة (٤) وقوله: ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ قال مجاهد: الفقه والعقل والعلم قبل النبوة (٥) قال محمد بن إسحاق: آتاه الله علما وفقهًا في دينه، ودين آبائه، وعلمًا بما في دينه من شرائعه، وحدوده (٦) - وحكم (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال مقاتل: يقول: هكذا نجزي من أحسن، أي: من آمن بالله (٩) وقال الكلبي: ﴿ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ يقول: الموحدين (١٠) قال الزجاج: جعل الله إيتاء العلم والحكمة إياه مجازاة على الإحسان؛ لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين (١١) (١٢) (١) "تفسير مقاتل" 64 أ، بلفظ: ولما بلغ موسى أشده، يعني: لثمان عشرة سنة، واستوى يعني: أربعين سنة.
(٢) "تنوير المقباس" 324.
وذكره عنه الثعلبي 8/ 142 أ، بلفظ: الأشد: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة.
(٣) في نسخة: (ج): واستوى وهو ابن أربعين سنة.
وخبر مجاهد أخرجه ابن جرير 20/ 42، وابن أبي حاتم 9/ 2951.
ونسب الثعلبي 8/ 142 أ، هذا القول لسائر المفسرين بعد أن ذكر قول الكلبي.
(٤) أخرج عبد الرزاق 2/ 88، عن قتادة، روايتين؛ أربعون سنة، وأخرجها كذلك عن مجاهد، والثانية: ثلاث وثلاثون.
وأخرج الرواية عن ابن عباس ابن أبي حاتم 9/ 2951، والثعلبي 8/ 142 ب.
قال أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي في هذه الآية: هو منتهى شبابه وكماله واستقراره، فلا يكون فيه زيادة قبل أن يأخذ في النقصان.
"اشتقاق أسماء الله الحسنى" 334.
ويشهد لتمام الأشد أربعين سنة قول الله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ .
(٥) أخرجه ابن جرير 20/ 42، وابن أبي حاتم 9/ 2952.
وذكره الثعلبي 8/ 142 ب.
(٦) أخرجه ابن جرير 20/ 43، في موضعين، وابن أبي حاتم 9/ 2952، وأصل الكلام في النسخ الثلاث: وعلمًا في دينه من شرائعه.
وأثبت الزيادة من المصدرين السابقين.
(٧) وحكم، في نسخة (ج).
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 136.
(٩) هكذا في "تفسير مقاتل" 64 أ.
وفي نسخة (ج): أي: آمن باللهِ.
(١٠) "تنوير المقباس" 324، بلفظ: المحسنين: النبيين بالفهم والنبوة، ويقال: الصالحين بالعلم والحكمة.
(١١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 136.
(١٢) عند قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ، قال الواحدي في تفسيرها: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أي: مثل ما وصفنا من تعليم يوسف ﴿ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد: نفعل بالموحدين.
وقال أبو روق عن الضحاك: يعني الصابرين على النوائب، كما صبر يوسف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع ﴾ أي منع بأن بغضها الله له، والمراضع جمع مرضعة، وهي المرأة التي ترضع، أو جمع مرضع فتح الميم والضاد: وهو موضع الرضاع يعني الثدي ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أي من أول مرة ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ ﴾ القائلة أخته تخاطب آل فرعون ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ ﴾ لما منعه الله من المراضع وقالت أخته: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ ﴾ الآية: جاءت بأمه فقبل ثديها، فقال لها فرعون ومن أنت منه بذلكَ، وعلمت أن وعد الله حق في قوله: ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ ﴾ [القصص: 7] ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ ذكر في [يوسف: 22] ﴿ واستوى ﴾ أي كمل عقله، وذلك من الأربعين سنة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويرى ﴾ بفتح الياء وإمالة الراء ﴿ فرعون وهامان وجنودهما ﴾ مرفوعات: حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤوا قوله ﴿ وحزناً ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ كوفي.
﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ أرضعيه ﴾ ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية ﴿ ولا تحزني ﴾ ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا.
﴿ من المرسلين ﴾ ه ﴿ وحزنا ﴾ ط ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ولك ﴾ ط ﴿ لا تقتلوه ﴾ ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي.
﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فارغاً ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ قصيه ﴾ ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله ﴿ فقالت ﴾ عطف على قوله ﴿ فبصرت ﴾ والحال معترض ﴿ ناصحون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يقتتلان ﴾ لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهراً ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفاً من ﴿ عدوّه ﴾ الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من ﴿ عدوّه ﴾ الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فغفر له ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ للمجرمين ﴾ ه ﴿ يستصرخه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ط ﴿ لهما ﴾ لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ بالأمس ﴾ ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل ﴿ المصلحين ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القول ﴿ من الناصحين ﴾ ه ﴿ يترقب ﴾ ز لما قلنا في ﴿ يسعى ﴾ ﴿ الظالمين ﴾ ه.
التفسير: فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء.
﴿ نتلو عليك ﴾ على لسان جبرائيل ﴿ من نبأ موسى وفرعون ﴾ أي طرفاً من خبرها متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو محقين ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء.
ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلاً سأل: وكيف كان نبؤهما؟
فقال مستأنفاً ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي طغى وتكبر في أرض مملكته ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافاً في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقاً مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم بنو إسرائيل والقبط.
وقوله ﴿ يستضعف ﴾ حال من الضمير في ﴿ جعل ﴾ أو صفة ﴿ شيعاً ﴾ أو مستأنف.
و ﴿ يذبح ﴾ بدل منه.
وقوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن ألبتة ﴿ ونريد ﴾ حكاية حال ماضية معطوفة على قوله ﴿ إن فرعون علا ﴾ فهذه أيضاً تفسير للنبأ.
وجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ يستضعف ﴾ اي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع.
﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ مقدمين في أمور الدين والدنيا.
وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير.
وعن مجاهد: دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكاً.
ومعنى الوراثة والتمكين في ارض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.
يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.
قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحفظيه.
فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها.
فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا: لم دخلت القابلة عليك؟
قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة.
فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟
فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً.
فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل.
فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر.
وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون.
وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس.
فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبناً، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها.
فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.
قال علماء البيان: اللام في قوله ﴿ ليكون لهم عدوّاً ﴾ لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلاً نتيجة المجيء في قولك "جئتك لتكرمني" وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضاً.
ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم اذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم.
قال النحويون ﴿ قرة عين ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ و ﴿ لا تقتلوه ﴾ خبراً لأن الطلب لا يقع خبراً إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب.
روي في حديث أن آسية حين قالت ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ قال فرعون: لك لا لي، ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها.
ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء.
قال في الكشاف ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ حال من آل فرعون.
وقوله ﴿ إن فرعون ﴾ الآية.
جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً.
وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه.
قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالاً من فاعل ﴿ قالت ﴾ أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمآل وهو أن هلاكهم على يده وبسببه.
وقال الكلبي: اي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه.
قوله ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال الحسن: اي فارغاً من كل هم إلا من هم موسى.
وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعاً ودهشاً.
وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا ﴿ فألقيه في اليم ولا تخافي ﴾ الغرق وسائر المخاوف ﴿ ولا تحزني ﴾ والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعاً، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه.
ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها.
وقال أبو عبيدة: فارغاً من الخوف فالله يقول ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟
أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس.
وفي رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع.
وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون.
ثم قال ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن ﴿ لتكون من المؤمنين ﴾ المصدّقين بوعد الله وهو قوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ .
وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه.
والأول أظهر بدليل قوله ﴿ وقالت لأخته قصيه ﴾ اي اقتفي اثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم ﴿ فبصرت به ﴾ أي أبصرته ﴿ عن جنب ﴾ عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بحالها وغرضها.
والتحريم ههنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهراً فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه.
وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه.
وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة اشهر فعرف ريحها.
و ﴿ المراضع ﴾ جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا.
روي أنها لما قالت ﴿ وهم له ناصحون ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون.
والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد.
والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه.
فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها.
فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟
قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها.
قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة.
قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال ﴿ ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ﴾ أي أكثر الناس ﴿ لا يعلمون ﴾ حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله.
وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها.
قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول "ولكن أكثر الناس" كما قال في سورة يوسف ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً.
وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك.
وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله ﴿ ولتعلم ﴾ المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.
ثم بين كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلاً: ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ وزاد ههنا قوله ﴿ واستوى ﴾ فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد.
والأصح أنهما متغايران.
والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة.
وعن ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين.
وهو عند الأطباء سن الوقوف.
فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف.
والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم - قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله ﴿ ودخل المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب.
قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره في هذه السورة.
وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى ﴿ فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً ﴾ وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.
أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر.
وقال الضحاك: هي عين شمس.
وقيل: هي مصر.
وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو.
وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره.
قاله السدي.
وقيل: إن الغفلة لموسى من اهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر.
قال الزجاج: قوله ﴿ هذا ﴾ ﴿ وهذا ﴾ وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه.
عن مقاتل: أن الرجلين كان كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط.
واحتج عليه بأن موسى قال له ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً كأنه قال ممن شايعه على دينه.
وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلهاً.
يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون.
وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري ﴿ فاستغاثه ﴾ سأله أن يخلصه منه ﴿ فوكزه ﴾ أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف ﴿ فقضى عليه ﴾ أي أماته وقتله.
الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ وقال ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً؟
وأيضاً قوله ﴿ هذا من عدوّه ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً وكان دمه مباحاً والاستغفار من القتل المباح غير جائز.
وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر.
فقوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفاً الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به ﴿ فاغفر لي ﴾ فاستره على هذا كله.
إذا سلم أنه كان نبياً في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله.
ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلاً عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئاً آخر كما قررنا.
قوله ﴿ بما أنعمت عليّ ﴾ قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.
وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرماً.
وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى.
وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيراً والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها.
وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة.
عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل.
فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى.
وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله اراد أن جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز ﴿ أصبح ﴾ موسى من غد ذلك اليوم ﴿ خائفاً يترقب ﴾ الأخبار وما يقال فيه ﴿ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ﴾ يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد.
فغويّ بمعنى غاوٍ.
وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغوٍ لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء.
قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف.
وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ﴾ لا يليق إلا أن يكون قولاً للكافر.
قال جار الله: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن.
وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل.
وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة ﴾ أي من ابعد مسافاتها إليه.
وقوله ﴿ يسعى ﴾ صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفاً.
قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفاً وفي "يس" أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً.
والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بامره ومعنى ﴿ يأتمرون بك ﴾ يتشاورون بسببك.
وقوله ﴿ لك من الناصحين ﴾ كقوله ﴿ فيه من الزاهدين ﴾ وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة.
﴿ فخرج منها خائفاً يترقب ﴾ المكروه من جهتهم وأن يلحق به ﴿ قال ﴾ ملتجئاً إلى الله ﴿ رب نجني من القوم الظالمين ﴾ وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنباً وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص.
التأويل: ﴿ إن فرعون ﴾ النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية ﴿ وجعل أهلها ﴾ وهم الروح والسر والعقل أصنافاً في الاستخدام لاستيفاء الشهوات ﴿ يستضعف طائفة ﴾ وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ للاستعداد الفطري.
﴿ ونرى فرعون ﴾ النفس ﴿ وهامان ﴾ الهوى ﴿ وجنودهما ﴾ من الصفات البهيمية والسبعية ولاشيطانية ﴿ أم موسى ﴾ السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر ﴿ أن أرضعيه ﴾ من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية.
﴿ فألقيه في اليم ﴾ في الدنيا في تابوت القالب ﴿ وجاعلوه من المرسلين ﴾ أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي ﴿ فالتقطه آل فرعون ﴾ وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل ﴿ ليكون لهم ﴾ في العاقبة ﴿ عدوّاً ﴾ يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات.
﴿ وحزناً ﴾ بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله.
﴿ وقالت امرأة فرعون ﴾ النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في اسباب اللذات الحسيات.
﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بأن ينجينا من النار.
قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر.
﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم.
﴿ فؤاد أم موسى ﴾ هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل.
ودخل مدينة القالب ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ وهم الصفات النفسانية ﴿ فوجد فيها رجلين ﴾ صفتين.
إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس.
وفي قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ لآنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس.
﴿ وجاء رجل ﴾ هو العقل ﴿ من أقصى ﴾ مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة الروحانية ﴿ يسعى ﴾ في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية ﴿ خائفاً ﴾ من سطوات فرعون النفس ﴿ يترقب ﴾ مكايدهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: الأشد: هو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، ثم هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين استواء الشدة، ثم يأخذ بعد الأربعين في النقصان، ثم غيّر بعمره إلا أربعين سنة.
وقال بعضهم: بلغ أشده: ثلاث وثلاثون سنة واستوى: أربعون، وعن ابن عباس مثله.
وقال بعضهم: بلغ أشده قال: الأشد: الحلم، والاستواء: أربعون سنة.
وأصل الأشد: أن يشتد كل شيء منه، وصار يحتمل ما قصد به وجعل فيه، ويدخل في ذلك العقل وكل شيء.
واستوى: أي استوى ذلك واستحكم، وصار بحيث يحتمل ذلك.
وجائز أن يكون الاستواء هو الأشد الذي ذكره.
وقال أبو عوسجة والقتبي: واستوى: أي استحكم وانتهى شبابه واستقر، فلم يكن فيه زيادة، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ أي: آتيناه العلم الذي يحكم به بين الناس، وعلما بمصالح نفسه ومصالح الخلق.
وقال بعض أهل التأويل: الحكم: الفقه والعقل والعلم قبل النبوة.
وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ في الآخرة بالوعد الذي وعد لهم في الدنيا؛ كما جزي موسى بإنجاز ما وعد له، أو أن يكون من موسى إحسان وجهد في طلب العلم وغير ذلك مما أعطاه ذلك، وأخبر أنه كذلك يجزي من ذكر؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ كان وعده إياها أن يرده إليها ويجعله من المرسلين، ومعناه ما ذكر فيما تقدم.
قال الكسائي: يقال: امرأة مرضع: ما دامت ترضع، فإذا فطمت سميت: مرضعة، وما دامت حبلى فهي مرضعة، أي: سترضع.
وقوله: ﴿ وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ : قال عامة أهل التأويل: على حين غفلة أهل المدينة وهو عند الظهيرة، وذلك وقت القائلة.
وقال قائلون: على حين غفلة أهل البلد عن دخول موسى، أي: دخلها من غير أن شعروا به وعرفوا أنه موسى؛ على هذا التأويل الغفلة تكون على دخول موسى عليهم.
وعلى الأول على غفلة أهل المدينة، أي: وقت غفلتهم.
فإن كان على هذا فيحتمل أن يكون غفلة أهلها: هو أن كان ذلك يوم عيدهم خرجوا إليه، فدخل هو المدينة ليطلع أحوالها وأسبابها، إلا أن تكون العادة فيهم بأجمعهم يقيلون فذلك محتمل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ﴾ : قال بعض أهل الأدب: إن قوله: ﴿ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ﴾ إنما يقال للشاهد المشار إليه، فأما الغائب فإنه لا يقال، لكن قالوا: إن فيه إضماراً أو لطفاً؛ كأنه قال: فوجد فيها رجلين يقتتلان من نظر إليهما يقول: هذا من شيعته وهذا من عدوه.
ثم قال أهل التأويل: أحدهما كان إسرائيليّاً والآخر قبطيّاً.
فإن قيل: كيف سمي الإسرائيلي من شيعة موسى وذلك أوّل ما دخل موسى المدينة، وبنو إسرائيل يومئذ كانوا عباد الأصنام، وقد حبب ذلك إليهم حتى قالوا لموسى بعدما أخرجهم من المدينة وبعد هلاك فرعون والقبط جميعاً: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ ؛ وكذلك يقول مقاتل: كانا كافرين جميعاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، لكن يخرج هذا على الإضمار؛ كأنه قال: يكون هذا من شيعته وهذا من عدوه.
أو يقول: يكون هذا من قوم شيعته ويبقى هذا عدوّاً في قوم هم أعداؤه، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا ﴾ أي: يبقى عدوّاً لهما، أو أن يكون عدوّاً لهما؛ لأن أبا معاذ النحوي يستدل به على وهم مقاتل ووهمه في تأويله أنهما كانا كافرين جميعاً، لكن يخرج على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ﴾ أي: استغاثه الذي كان في علم الله أنه يكون من شيعته على الذي في علم الله أنه يبقى عدوّا له ينصره، والاستغاثة هي الاستعانة والاستنصار، أي: سأله أن يكون من شيعته.
وقوله: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ﴾ : قال أبو عوسجة: الوكزة: الطعن في الصدر.
وقال الزجاج والقتبي وهؤلاء: الوكزة: الدفعة ﴿ فَوَكَزَهُ ﴾ ، أي: دفعه.
﴿ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ﴾ : قال بعضهم: أي فرغ منه؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ أي: فرغ ونحوه.
وقال بعضهم: ﴿ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ﴾ أي: قتله.
وكلاهما سواء إذا قتله فقد فرغ منه، وهو لم يتعمد قتله ولا قصده، لكن الله قضى أجله وجعل انقضاء عمره بوكزة موسى، وهو في الظاهر قاتل؛ لأنه قال: ﴿ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ ، ولم يكذب الله موسى في قوله: إنك لم تقتل، وقال - أيضاً -: ﴿ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي...
﴾ الآية.
وفيه دلالة جواز الاستدلال لقول أبي حنيفة حيث قال: من قتل آخر بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة مما لا ينجو من مثله فإنه لا يقتل به، ولا يجب القصاص فيه؛ لأن موسى لما وكز ذلك القبطي فمات، وكان له قوة أربعين رجلا - لم ير القصاص به واجبا حيث قال له ذلك الرجل: ﴿ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ، ولو كان القصاص واجباً لكان أولئك لم يكونوا ظلمة في قتله، بل يكون هو الظالم فيه.
ولا يحتمل أن يكون القصاص واجباً - أيضاً - وموسى يفر من ذلك ويهرب وفي ذلك إبطال حقهم دل أنه لم يجب.
ولا شك أن وكزة من له قوة أربعين رجلا إلى الهلاك أسرع وأقرب وأعمل من الضرب بالحجر العظيم أو الخشبة العظيمة، فإذا لم يجب في هذا لم يجب في ذاك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ : قال بعضهم: بما أنعمت عليَّ بالمغفرة، فلم تعاقبني بقتل النفس وعصمتني من أن أعاقب به في الدنيا.
وجائز أن يكون بما أنعم عليه هو قوته التي أعطاها أخبر أنه لا يكون بها ظهيرا للمجرمين، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ : أكثر ما ذكر في القرآن (أصبح)، أي: صار؛ كقوله: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً ﴾ ونحوه، وأما هاهنا قوله: ﴿ فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً ﴾ إنما يريد: الصباح نفسه.
وقوله: ﴿ يَتَرَقَّبُ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ﴿ يَتَرَقَّبُ ﴾ أي: ينتظر سوءاً يناله منهم.
وقال أبو عوسجة: الترقب: الخوف؛ كأنه قال: خائفاً يخاف هلاكه، وأصل الترقب هو النظر؛ لأن موسى كان يرقب من يطلبه ومن يأتيه في طلبه، وهو من الرقيب.
وقوله: ﴿ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ : كأن الرجل الذي أخبر أنه من شيعة موسى كان ضعيفاً في نفسه، حيث لا يقدر أن يقوم لواحد؛ فيستغيث بموسى ويستعين به، إلا أنه كان يخاطب وينازع ويقاتل لسوء فيه وبلاء يقاتل وينازع، وإلا لم يكن بنفس هذا قوة ما يقوم لواحد فمن حيث لا يقاتل مثله، ولكنه لما ذكرنا من سوء به؛ ولذلك قال له موسى: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ ، لكن موسى إنما عرف غوايته بالاستدلال الذي ذكرنا لا بالمشاهدة؛ ولذلك أراد أن يبطش بالذي هو عدوّ لهما لئلا يقتله ولا يهلكه لما عرف غوايته بالاستدلال لا حقيقة.
وذكر هاهنا البطش - وهو الأخذ باليد - وفي الأول ذكر الوكزة: وهي الدفع والطعن على ما ذكرنا، فهو - والله أعلم - لأنه لما وكز الأوّل فأتت الوكزة على نفسه فقتلته، فأخذ هذا من هذا ليمنعه عن إهلاكه وإتلافه، ولا يأتي على نفس الآخر كما فعلت الوكزة.
ثم قال: ﴿ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ ﴾ : اختلف في قائل هذا: قال عامة أهل التأويل: إن قائل هذا هو الذي استصرخه واستغاثه بالأمس ظن أن موسى إنما أراد بطشه وأخذه وإليه قصد؛ لذلك قال: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ ﴾ .
وقال قائلون: هذا القول إنما قال له ذلك القبطي، فإن كان هذا فهو يدل أن قتله ذلك الرجل بالأمس كان ظاهراً، حيث علم به القبطي، وكان قوله: ﴿ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ أي: من دخول موسى المدينة.
وإن كان هو الأول كان قتله إياه خفيّاً غير ظاهر، فعلى هذا تكون الغفلة على أهل المدينة ليس على دخول موسى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ ﴾ ؛ لأن الذي يصلح بين اثنين لا يقتل ولا يأخذ أحدهما دون الآخر، ولكن يصلح بينهما على السواء الذي قال ما قال.
وقوله: ﴿ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : قال بعضهم: يقول هكذا فعل الجبابرة، يقتلون النفس بغير نفس.
وقال بعضهم: الجبابرة تقتل النفس بغير نفس.
وقال بعضهم: الجبار: هو الذي يحمل الناس على هواه وعلى ما يريده، ويقهرهم على ذلك شاءوا أو أبوا.
وقال بعضهم: الجبار: هو الذي يتكبر على الناس لا يرى أحداً لنفسه نظيراً أو كلام نحوه.
ويقال: كل قاتل آخر على الغضب بغير حق فهو جبار.
وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ ﴾ : يحتمل أن يكون أقصى المدينة هو سكن فرعون ومقامه، فمنه جاءه ذلك الرجل.
أو أن يكون أقصى المدينة: موطن الملأ والأشراف الذين ذكر أنهم ائتمروا على قتله.
وقوله: ﴿ يَسْعَىٰ ﴾ : والسعي: هو العَدْوُ في اللغة، كأنه يسرع المشي إليه ليخبره بذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ﴾ .
﴿ يَأْتَمِرُونَ ﴾ : قال بعضهم: يتشاورون في قتلك.
وقال الزجاج: ﴿ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ﴾ أي: يأمر بعضهم بعضا أن يقتلوك.
وقال القتبي: ﴿ يَأْتَمِرُونَ ﴾ : أي يهمون في قتلك، وذكر عنه أنه قال: ﴿ يَأْتَمِرُونَ ﴾ : يتشاورون بك؛ وهو قول أبي عوسجة.
وأصل الائتمار في اللغة هو الطاعة والاتباع لما يؤمر من الفعل، كأن فرعون أمر الملأ أن يقتلوه فأطاعوه وائتمروا لأمره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ ﴾ : قال الزجاج: قوله: ﴿ لَكَ ﴾ صلة، والصلة لا تتقدم الموصول به، ولكن معناه: فاخرج إني لك من الناصحين الذين ينصحون لك، وليس كما قال؛ الصلة تتقدم وتتأخر، وذلك ظاهر الكلام.
وقوله: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ : قد ذكرنا هذا.
دل قوله: ﴿ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ أن الخوف قد يكون من دون الله.
وجائز أن يخاف من غيره، وليس كما يقول بعض الناس: إنه لا يسع الخوف من دون الله، وحقيقة الخوف تكون من الله يخاف أن ينتقم منه على يدي هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : يحتمل الظالم كل مشرك؛ لأن كل مشرك ظالم.
ويحتمل قوله: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ حيث هموا قتله، وقتل موسى ذلك القبطي لم يوجب عليه القتل والقصاص؛ لأنه لم يتعمد قتله أو لم يقتله بسلاح يجب به القتل، فذكر أنهم فيما هموا قتله ظلمة.
<div class="verse-tafsir"
ولما بلغ سن اشتداد البدن، واستحكم في قوته -أعطيناه فهمًا وعلمًا في دين بني إسرائيل قبل نبوته، وكما جزينا موسى على طاعته نجزي المحسنين في كل زمان ومكان.
<div class="verse-tafsir" id="91.28wEa"