الآية ٢٢ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٢٢ من سورة القصص

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ولما توجه تلقاء مدين ) أي : أخذ طريقا سالكا مهيعا فرح بذلك ، ( قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) أي : إلى الطريق الأقوم .

ففعل الله به ذلك ، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة ، فجعل هاديا مهديا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وقوله: ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ) يقول تعالى ذكره: ولما جعل موسى وجهه نحو مدين, ماضيا إليها, شاخصا عن مدينة فرعون, وخارجا عن سلطانه,( قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) وعنى بقوله: " تلقاء " نحو مدين; ويقال: فعل ذلك من تلقاء نفسه, يعني به: من قبل نفسه ويقال: داره تلقاء دار فلان: إذا كانت محاذيتها, ولم يصرف اسم مدين لأنها اسم بلدة معروفة, كذلك تفعل العرب بأسماء البلاد المعروفة; ومنه قول الشاعر: رُهْبَــانُ مَــدْيَنَ لَـوْ رَأَوْكِ تَـنزلُوا وَالعُصْـمُ مِـنْ شَـعَفِ العُقُـولِ الفَادِرِ (1) وقوله: ( عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) يقول: عسى ربي أن يبين لي قصد السبيل إلى مدين, وإنما قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها.

وذُكر أن الله قيض له إذ قال: ( رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ملَكا سدده الطريق, وعرفه إياه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: لما أخذ موسى في بنيات الطريق جاءه مَلَك على فرس بيده عَنـزة; فلما رآه موسى سجد له من الفَرَق قال: لا تسجد لي ولكن اتبعني, فاتبعه, فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو متوجه نحو مدين: ( عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) فانطلق به حتى انتهى به إلى مَدين.

حدثنا العباس, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: ثنا القاسم, قال: ثنا سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: خرج موسى متوجها نحو مدين, وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه, فإنه قال: ( عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ).

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: ذُكر لي أنه خرج وهو يقول: ( رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) فهيأ الله الطريق إلى مَدين, فخرج من مصر بلا زاد ولا حذاء ولا ظهر (2) ولا درهم ولا رغيف, خائفا يترقب, حتى وقع إلى أمة من الناس يسقون بمَدين.

حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المَروزِيّ, قال: ثنا الفضل بن موسى, عن الأعمش, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جُبَيْر, قال: خرج موسى من مصر إلى مَدْيَنَ, وبينها وبينها مسيرة ثمان, قال: وكان يقال نحو من الكوفة إلى البصرة, ولم يكن له طعام إلا وَرَق الشجر, وخرج حافيا, فما وصل إليها حتى وقع خفّ قدمه.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا عثام, قال: ثنا الأعمش, عن المنهال, عن سعيد, عن ابن عباس, قال: لما خرج موسى من مصر إلى مدين, وبينه وبينها ثمان ليال, كان يقال: نَحوٌ من البصرة إلى الكوفة ثم ذكر نحوه.

ومدين كان بها يومئذ قوم شعيب عليه السلام.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ) ومدين: ماء كان عليه قوم شعيب ( قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ).

وأما قوله: ( سَوَاءَ السَّبِيلِ ) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله نحو قولنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( سَوَاءَ السَّبِيلِ ) قال: الطريق إلى مدين.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.

قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قَتادة: ( قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) قال: قصد السبيل.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا عَبَّاد بن راشد, عن الحسن: ( عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) قال: الطريق المستقيم.

-------------------- الهوامش : (1) البيت لجرير، وقد تقدم الاستشهاد به على الرهبان جمع راهب في (7: 3) من هذا التفسير.

واستشهد به هنا على أن مدين ممنوعة من الصرف لأنها علم على بلدة، ففيها العلمية والتأنيث.

(2) الظهر: الدابة التي يركب ظهرها، من جمل ونحوه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل لما خرج موسى عليه السلام فارا بنفسه منفردا خائفا ، لا شيء معه من زاد ولا راحلة ولا حذاء نحو مدين ، للنسب الذي بينه وبينهم ; لأن مدين من ولد إبراهيم ، وموسى من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ; ورأى حاله وعدم معرفته بالطريق ، وخلوه من زاد وغيره ، أسند أمره إلى الله تعالى بقوله : عسى ربي أن يهديني سواء السبيل وهذه حالة المضطر .قلت : روي أنه كان يتقوت ورق الشجر ، وما وصل حتى سقط خف قدميه .

قال أبو مالك : وكان فرعون وجه في طلبه وقال لهم : اطلبوه في ثنيات الطريق ، فإن موسى لا يعرف [ ص: 246 ] الطريق .

فجاءه ملك راكبا فرسا ومعه عنزة ، فقال لموسى اتبعني فاتبعه فهداه إلى الطريق ، فيقال : إنه أعطاه العنزة فكانت عصاه .

ويروى أن عصاه إنما أخذها لرعي الغنم من مدين وهو أكثر وأصح .

قال مقاتل والسدي : إن الله بعث إليه جبريل ; فالله أعلم .

وبين مدين ومصر ثمانية أيام ; قال ابن جبير والناس : وكان ملك مدين لغير فرعون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ } أي: قاصدا بوجهه مدين، وهو جنوبي فلسطين، حيث لا ملك لفرعون، { قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: وسط الطريق المختصر، الموصل إليها بسهولة ورفق، فهداه اللّه سواء السبيل، فوصل إلى مدين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولما توجه تلقاء مدين ) أي : قصد نحوها ماضيا إليها ، يقال : داره تلقاء دار فلان ، إذا كانت في محاذاتها ، وأصله من اللقاء ، قال الزجاج : يعني سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها ، ومدين هو مدين بن إبراهيم ، سميت البلدة باسمه ، وكان موسى قد خرج خائفا بلا ظهر ولا حذاء ولا زاد ، وكانت مدين على مسيرة ثمانية أيام من مصر ، ( قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) أي : قصد الطريق إلى مدين ، قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها قبل ، فلما دعا جاءه ملك بيده عنزة فانطلق به إلى مدين .

قال المفسرون : خرج موسى من مصر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر والبقل ، حتى يرى خضرته في بطنه ، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه .

قال ابن عباس : وهو أول ابتلاء من الله - عز وجل - لموسى عليه السلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولما توجه» قصد بوجهه «تلقاء مدين» جهتها وهي قرية شعيب مسيرة ثمانية أيام من مصر سميت بمدين بن إبراهيم ولم يكن يعرف طريقها «قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل» أي قصد الطريق الوسط إليها فأرسل الله ملكاً بيده عنزة فانطلق به إليها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما قصد موسى بلاد "مدين" وخرج من سلطان فرعون قال: عسى ربي أن يرشدني خير طريق إلى "مدين".

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكت لنا السورة الكريمة بعد ذلك ، ما كان منه عندما توجه إلى جهة مدين ، وما حصل له فى تلك الجهة من أحداث ، فقال - تعالى - : ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ .

.

.

) .لفظ ( تِلْقَآءَ ) فى قوله - تعالى - : ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ ) منصوب على الظرفية المكانية ، وهو فى الأصل اسم مصدر .

يقال دارى تلقاء دار فلان ، إذا كانت محاذية لها .و ( مَدْيَنَ ) اسم لقبيلة شعيب - عليه السلام - أو لقريته التى كان يسكن فيها ، سميت بذلك نسبه إلى مدين بن إبراهيم - عليه السلام - .وإنما توجه إليها موسى - عليه السلام - ، لأنها لم تكن داخلة تحت سلطان فرعون وملئه .أى : وبعد أن خرج موسى من مصر خائفا يترقب ، صرف وجهه إلى جهة قرية مدين التى على أطراف الشام جنوبا ، والحجاز شمالا .صرف وجهه إليها مستسلماً لأمر ربه ، متوسلا إليه بقوله : ( عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل ) .أى : قال على سبيل الرجاء فى فضل الله - تعالى - وكرمه : عسى ربى الذى خلقنى بقدرته ، وتولانى برعايته وتربيته ، أن يهدينى ويرشدنى إلى أحسن الطرق التى تؤدى بى إلى النجاة من القوم الظالمين .فالمراد بسواء السبيل : الطريق المستقيم السهل المؤدى .

إلى النجاة ، من إضافة الصفة إلى الموضوف أى : عسى أن يهدينى ربى إلى الطريق الوسط الواضح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الناس اختلفوا في قوله: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ فال بعضهم إنه خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة فأوصله الله تعالى إلى مدين، وهذا قول ابن عباس، وقال آخرون لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم عليه السلام، وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله تعالى، ومن الناس من قال بل جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق وذكر ابن جرير عن السدي لما أخذ موسى عليه السلام في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح، فقال لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين، واحتج من قال إنه خرج وما قصد مدين بأمرين: أحدهما: قوله: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ ولو كان قاصداً للذهاب إلى مدين لقال، ولما توجه إلى مدين فلما لم يقل ذلك بل قال: ﴿ تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ علمنا أنه لم يتوجه إلا إلى ذلك الجانب من غير أن يعلم أن ذلك الجانب إلى أين ينتهي والثاني: قوله: ﴿ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل ﴾ وهذا كلام شاك لا عالم والأقرب أن يقال إنه قصد الذهاب إلى مدين وما كان عالماً بالطريق.

ثم إنه كان يسأل الناس عن كيفية الطريق لأنه يبعد من موسى عليه السلام في عقله وذكائه أن لا يسأل، ثم قال ابن إسحاق خرج من مصر إلى مدين بغير زاد ولا ظهر، وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.

أما قوله: ﴿ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل ﴾ فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ  ﴾ وموسى عليه السلام قلما يذكر كلاماً في الاستدلال والجواب والدعاء والتضرع إلا ما ذكره إبراهيم عليه السلام، وهكذا الخلف الصدق للسلف الصالح صلوات الله عليهم وعلى جميع الطيبين المطهرين ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ ﴾ وهو الماء الذي يسقون منه وكان بئراً فيما روي ووروده مجيئه والوصول إليه ﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ ﴾ أي فوق شفيره ومستقاه ﴿ أُمَّةٍ ﴾ جماعة كثيرة العدد ﴿ مِنَ الناس ﴾ من أناس مختلفين ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ﴾ في مكان أسفل من مكانهم ﴿ امرأتين تَذُودَانِ ﴾ والذود الدفع والطرد فقوله (تذودان) أي تحبسان ثم فيه أقوال: الأول: تحبسان أغنامهما واختلفوا في علة ذلك الحبس على وجوه: أحدها: قال الزجاج لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي.

وثانيها: كانتا تكرهان المزاحمة على الماء.

وثالثها: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم.

ورابعها: لئلا تختلطا بالرجال القول الثاني: كانتا تذودان عن وجوههما نظراً الناظر ليراهما والقول الثالث: تذودان الناس عن غنمهما القول الرابع: قال الفراء تحبسانها عن أن تتفرق وتتسرب ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ أي ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي مطلوبكما من الذياد فسمى المخطوب خطباً كما يسمى المشئون شأناً في قولك ما شأنك ﴿ قَالَتَا لاَ نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ وذلك يدل على ضعفهما عن السقي من وجوه: أحدها: أن العادة في السقي للرجال، والنساء يضعفن عن ذلك.

وثانيها: ما ظهر من ذودهما الماشية على طريق التأخير.

وثالثها: قولهما حتى يصدر الرعاء.

ورابعها: انتظارهما لما يبقى من القوم من الماء.

وخامسها: قولهما: ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ ودلالة ذلك على أنه لو كان قوياً حضر ولو حضر لم يتأخر السقي، فعند ذلك سقى لهما قبل صدر الرعاء، وعادتا إلى أبيهما قبل الوقت المعتاد.

قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الياء وضم الدال، وقرأ الباقون بضم الياء، وكسر الدال فالمعنى في القراءة الأولى حتى ينصرفوا عن الماء ويرجعوا عن سقيهم وصدر ضد ورد، ومن قرأ بضم الياء فالمعنى في القراءة حتى يصدر القوم مواشيهم.

أما قوله: ﴿ فسقى لَهُمَا ﴾ أي سقى غنمهما لأجلهما، وفي كيفية السقي أقوال: أحدها: أنه عليه السلام سأل القوم أن يسمحوا فسمحوا وثانيهما: قال قوم عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلا عشرة، وقيل أربعون، وقيل مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر.

وثالثها: أن القوم لما زاحمهم موسى عليه السلام تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو عليه السلام رمى ذلك الحجر وسقى لهما وليس بيان ذلك في القرآن، والله أعلم بالصحيح منه، لكن المرأة وصفت موسى عليه السلام بالقوة فدل ذلك على أنها شاهدت منه ما يدل على فضل قوته، وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ تولى إِلَى الظل ﴾ وفيه دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر، وفيه دلالة أيضاً على كمال قوة موسى عليه السلام، قال الكلبي: أتى موسى أهل الماء فسألهم دلواً من ماء، فقالوا له إن شئت ائت الدلو فاستق لهما قال نعم، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلاً حتى يخرجوه من البئر فأخذ موسى عليه السلام الدلو فاستقى به وحده وصب في الحوض ودعا بالبركة ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما.

فإن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية؟

قلنا ليس في القرآن ما يدل على أن أباهما كان شعيباً والناس مختلفون فيه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما إن أباهما هو بيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد وقال الحسن إنه رجل مسلم قبل الدين عن شعيب على أنا وإن سلمنا أنه كان شعيباً عليه السلام لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس فيها مختلفون وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل الحضر، لا سيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة.

وأما قوله: ﴿ قَالَ رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ فالمعنى إني لأي شيء أنزلت إلي من خير قليل أو كثير غث أو سمين لفقير، وإنما عدى فقيراً باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.

واعلم أن هذا الكلام يدل على الحاجة، إما إلى الطعام أو إلى غيره، إلا أن المفسرين حملوه على الطعام قال ابن عباس يريد طعاماً يأكله، وقال الضحاك مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض، وروي أن موسى عليه السلام لما قال ذلك رفع صوته ليسمع المرأتين ذلك، فإن قيل إنه عليه السلام لما بقي معه من القوة ما قدر بها على حمل ذلك الدلو العظيم، فكيف يليق بهمته العالية أن يطلب الطعام، أليس أنه عليه السلام قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي قوة سوي»؟

قلنا أما رفع الصوت بذلك لإسماع المرأتين وطلب الطعام فذاك لا يليق بموسى عليه السلام ألبتة فلا تقبل تلك الرواية ولكن لعله عليه السلام قال ذلك في نفسه مع ربه تعالى، وفي الآية وجه آخر كأنه قال رب إني بسبب ما أنزلت إلي من خير الدين صرت فقيراً في الدنيا لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة، فقال ذلك رضي بهذا البدل وفرحاً به وشكراً له، وهذا التأويل أليق بحال موسى عليه السلام.

أما قوله تعالى: ﴿ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحياء ﴾ فقوله: ﴿ عَلَى استحياء ﴾ في موضع الحال أي مستحيية، قال عمر بن الخطاب قد استترت بكم قميصها، وقيل ماشية على بعد مائلة عن الرجال وقال عبد العزيز بن أبي حازم على إجلال له ومنهم من يقف على قوله: ﴿ تَمْشِى ﴾ ثم يبتدئ فيقول: ﴿ عَلَى استحياء ﴾ قالت: ﴿ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ ﴾ يعني أنها على الاستحياء قالت هذا القول لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحيي، لا سيما المرأة وفي ذلك دلالة على أن شعيباً لم يكن له معين سواهما وروي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس، قال لهما ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي، أما الاختلاف في أن ذلك الشيخ كان شعيباً عليه السلام أو غيره فقد تقدم، والأكثرون على أنه شعيب.

وقال محمد بن إسحاق في البنتين اسم الكبرى صفورا، والصغرى ليا، وقال غيره صفرا وصفيرا، وقال الضحاك صافورا والتي جاءت إلى موسى عليه السلام هي الكبرى على قول الأكثرين، وقال الكلبي الصغرى، وليس في القرآن دلالة على شيء من هذه التفاصيل.

أما قوله: ﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ ففيه إشكالات: أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية، فإن ذلك يورث التهمة العظيمة، وقال عليه السلام: «اتقوا مواضع التهم».

وثانيها: أنه سقى أغنامهما تقرباً إلى الله تعالى فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه فإن ذلك غير جائز في المروءة، ولا في الشريعة؟.

وثالثها: أنه عرف فقرهن وفقر أبيهن وعجزهم وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث كان يمكنه الكسب الكثير بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من السقي من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟.

ورابعها: كيف يليق بشعيب النبي عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟

والجواب: عن الأول أن نقول: أما العمل بقول امرأة فكما نعمل بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى في الأخبار وما كانت إلا مخبرة عن أبيها، وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع والجواب: عن الثاني، أن المرأة وإن قالت ذلك فلعل موسى عليه السلام ما ذهب إليهم طلباً للأجرة بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ، وروي أنها لما قالت ليجزيك كره ذلك، ولما قدم إليه الطعام امتنع، وقال إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا، ولا نأخذ على المعروف ثمناً، حتى قال شعيب عليه السلام هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ إلى حيث ما كان يطيق تحمله فقبل ذلك على سبيل الاضطرار وهذا هو الجواب: عن الثالث فإن الضرورات تبيح المحظورات والجواب: عن الرابع لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُ ﴾ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام يمشي والجارية أمامه فهبت الريح فكشفت عنها فقال موسى عليه السلام إني من عنصر إبراهيم عليه السلام فكوني من خلفي حتى لا ترفع الريح ثيابك فأرى ما لا يحل لي، فلما دخل على شعيب فإذا الطعام موضوع، فقال شعيب تناول يا فتى، فقال موسى عليه السلام أعوذ بالله قال شعيب ولم؟

قال لأنا من أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً، فقال شعيب ولكن عادتي وعادة آبائي إطعام الضيف فجلس موسى عليه السلام فأكل، وإنما كره أكل الطعام خشية أن يكون ذلك أجرة له على عمله، ولم يكره ذلك مع الخضر حين قال: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً  ﴾ والفرق أن أخذ الأجر على الصدقة لا يجوز، أما الاستئجار ابتداء فغير مكروه.

أما قوله: ﴿ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص ﴾ فالقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضحاك لما دخل عليه قال له من أنت يا عبدالله، فقال أنا موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم، وقتل القبطي وأنهم يطلبونه ليقتلوه، فقال شعيب: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين ﴾ أي لا سلطان له بأرضنا فلسنا في مملكته وليس في الآية دلالة على أنه قال ذلك عن الوحي أو على ما تقتضيه العادة.

فإن قيل: المفسرون قالوا إن فرعون يوم ركب خلف موسى عليه السلام ركب في ألف ألف وستمائة ألف، فالملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا يكون في ملكه قرية على بعد ثمانية أيام من دار مملكته؟

قلنا هذا وإن كان نادراً إلا أنه ليس بمحال.

أما قوله: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوى الأمين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: وصفته بالقوة لما شاهدت من كيفية السقي وبالأمانة لما حكينا من غض بصره حال ذودهما الماشية وحال سقيه لهما وحال مشيه بين يديها إلى أبيها.

المسألة الثانية: إنما جعل ﴿ خَيْرَ مَنِ استأجرت ﴾ اسماً و ﴿ القوى الأمين ﴾ خبراً مع أن العكس أولى لأن العناية هي سبب التقديم.

المسألة الثالثة: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما الفطنة والكياسة، فلم أهمل أمر الكياسة؟

ويمكن أن يقال إنها داخلة في الأمانة، عن ابن مسعود رضي الله: «أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب وصاحب يوسف وأبو بكر في عمر».

أما قوله: ﴿ قَالَ إِنّى أُرِيدُ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ ﴾ فلا شبهة في أن هذا اللفظ، وإن كان على الترديد لكنه عند التزويج عين ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، فكانت الزيادة كالتبرع، والفقهاء ربما استدلوا به على أن العمل قد يكون مهراً كالمال وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، ولكنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا، ويدل على أنه قد كان جائزاً في تلك الشريعة أن يشرط للولي منفعة، وعلى أنه كان جائزاً في تلك الشريعة نكاح المرأة بغير بدل تستحقه المرأة وعلى أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد، ثم قال: ﴿ على أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ ﴾ تأجرني من أجرته إذا كنت له أجيراً وثماني حجج ظرفه أو من أجرته كذا إذا أثبته إياه ومنه أجركم الله ورحمكم وثماني حجج مفعول به ومعناه رعية ثماني حجج ثم قال: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: لا أريد أن أشق عليك بإلزام أثم الرجلين، فإن قيل ما حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر؟

قلنا حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين، تقول تارة أطيقه وتارة لا أطيقه الثاني: لا أريد أن أشق عليك في الرعي ولكني أساهلك فيها وأسامحك بقدر الإمكان ولا أكلفك الاحتياط الشديد في كيفية الرعي، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس، ومنه الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي فكان خير شريك لا يداري ولا يشاري ولا يماري ثم قال: ﴿ سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصالحين ﴾ وفيه وجهان: الأول: يريد بالصلاح حسن المعاملة ولين الجانب والثاني: يريد الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة، وإنما قال إن شاء الله للاتكال على توفيقه ومعونته.

فإن قيل فالعقد كيف ينعقد مع هذا الشرط، فإنك لو قلت امرأتي طالق إن شاء الله لا تطلق؟

قلنا هذا مما يختلف بالشرائع.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ﴾ فاعلم أن ذلك مبتدأ وبيني وبينك خبره وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب عليه السلام، يريد ذلك الذي قلته وعاهدتني عليه قائم بيننا جميعاً لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك، ثم قال: ﴿ أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ ﴾ من الأجلين أطولهما الذي هو العشر أو أقصرهما الذي هو الثمان ﴿ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾ أي لا يعتدي عليَّ في طلب الزيادة أراد بذلك تقرير أمر الخيار يعني إن شاء هذا وإن شاء هذا ويكون اختيار الأجل الزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحد عليه إجبار، ثم قال: ﴿ والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ والوكيل هو الذي وكل إليه الأمر ولما استعمل الوكيل في معنى الشاهد عدي بعلي لهذا السبب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَتَرَقَّبُ ﴾ التعرّض له في الطريق.

أو أن يلحق.

﴿ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ قصدها ونحوها.

ومدين: قرية شعيب عليه السلام، سميت بمدين بن إبراهيم، ولم تكن في سلطان فرعون، وبينها وبين مصر مسيرة ثمان، وكان موسى لا يعرف إليها الطريق قال ابن عباس: خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه.

و ﴿ سَوَاءَ السبيل ﴾ وسطه ومعظم نهجه.

وقيل: خرج حافياً لا يعيش إلا بورق الشجر، فما وصل حتى سقط خف قدمه.

وقيل: جاءه ملك على فرس بيده عنزة، فانطلق به إلى مدين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى ﴾ يُسْرِعُ صِفَةُ رَجُلٍ، أوْ حالٌ مِنهُ إذا جُعِلَ مِن أقْصى المَدِينَةِ صِفَةً لَهُ لا صِلَةً لِجاءَ لِأنَّ تَخْصِيصَهُ بِها يُلْحِقُهُ بِالمَعارِفِ.

﴿ قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ﴾ يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ، وإنَّما سُمِّيَ التَّشاوُرُ ائْتِمارًا لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَشاوِرِينَ يَأْمُرُ الآخَرَ ويَأْتَمِرُ.

﴿ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ ﴾ اللّامُ لِلْبَيانِ ولَيْسَ صِلَةً لِـ ( النّاصِحِينَ ) لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ المَوْصُولَ.

﴿ فَخَرَجَ مِنها ﴾ مِنَ المَدِينَةِ.

﴿ خائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾ لُحُوقَ طالِبٍ.

﴿ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ خَلِّصْنِي مِنهم واحْفَظْنِي مِن لُحُوقِهِمْ.

﴿ وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ﴾ قُبالَةَ مَدْيَنَ قَرْيَةُ شُعَيْبٍ، سُمِّيَتْ باسِمِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ تَكُنْ في سُلْطانِ فِرْعَوْنَ وكانَ بَيْنَها وبَيْنَ مِصْرَ مَسِيرَةَ ثَمانٍ.

﴿ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ وحُسْنَ ظَنٍّ بِهِ، وكانَ لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ فَعَنَّ لَهُ ثَلاثُ طُرُقٍ فَأخَذَ في أوْسَطِها وجاءَ الطُّلّابُ عَقِيبَهُ فَأخَذُوا في الآخَرَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ} نحوها والتوجه الإقبال على الشيء ومدين قرية شعيب عليه السلام سميت بمدين بن إبراهيم ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام قال ابن عباس رضي الله عنهما خرج ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه {قَالَ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل} أي وسطه ومعظم نهجه فجاء ملك فانطلق به إلى مدين

القصص (٢٤ - ٢٣)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَخَرَجَ مِنها ﴾ أيْ مِنَ المَدِينَةِ مُمْتَثِلًا.

﴿ خائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾ لُحُوقَ الطّالِبِينَ ﴿ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ ﴿ ولَمّا تَوَجَّهَ ﴾ أيْ صَرَفَ وجْهَهُ ﴿ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ﴾ أيْ ما يُقابِلُ جانِبَها، و”تِلْقاءَ“ في الأصْلِ مَصْدَرٌ انْتُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

ومَدِينُ قَرْيَةُ شُعَيْبٍ سُمِّيتْ باسِمِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكُنْ في سُلْطانِ فِرْعَوْنَ ولِذا تَوَجَّهَ لِقَرْيَتِهِ، وقِيلَ تَوَجَّهَ إلَيْها لِمَعْرِفَتِهِ بِهِ، وقِيلَ لِقَرابَتِهِ مِنهُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ بَيْنَها وبَيْنَ مِصْرَ مَسِيرَةُ ثَمانٍ.

﴿ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أيْ وسْطَ الطَّرِيقِ المُؤَدِّي إلى النَّجاةِ، وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى وثِقَةً بِحُسْنِ تَوْفِيقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَعْرِفُ الطُّرُقَ فَعَنْ ثَلاثِ طَرائِقَ فَأخَذَ في الوُسْطى وأخَذَ طالِبُوهُ في الأُخْرَيَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بِنِيّاتِها فَبَقِيَ ثَمانِيَ لَيالٍ وهو حافٍ لا يُطْعَمُ إلّا ورَقُ الشَّجَرِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصِلْ حَتّى سَقَطَ خُفُّ قَدَمَيْهِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَهَداهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ في بِنَياتِ الطَّرِيقِ فَجاءَهُ مَلَكٌ عَلى فَرَسٍ بِيَدِهِ عَنْزَةٌ فَلَمّا رَآهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَجَدَ لَهُ أيْ خَضَعَ مِنَ الفَرَقِ، فَقالَ: لا تَسْجُدْ لِي ولَكِنِ اتَّبِعْنِي فَتَبِعَهُ وانْطَلَقَ حَتّى انْتَهى بِهِ إلى مَدْيَنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قال: قالَ موسى رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ يعني: بالمغفرة كقوله فَبِما أَغْوَيْتَنِي [الحجر: 39] يعني: أما إذا أغويتني.

ثم قال: فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ يعني: أعوذ بالله أَن أكون معيناً للكافرين، لأن الإسرائيلي كان كافراً، ولم يستثن على كلامه، فابتلاه الله عز وجل في اليوم الثاني بمثل ذلك، وكانوا لا يعرفون من قتل خباز الملك، وكانوا يطلبون قاتله فَأَصْبَحَ موسى فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً أن يؤخذ فيقتل يَتَرَقَّبُ يعني: ينتظر الطلب.

ويقال: يتنظر الأخبار فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يعني: رأى الإسرائيلي كان يقاتل مع رجل آخر من القبط يستصرخه يعني: يستغيثه كقوله: ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [إبراهيم: 22] يعني: بمغيثكم قالَ لَهُ مُوسى يعني: للإسرائيلي إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ يعني: ضال بيّن ويقال: جاهل بين ويقال: ظاهر الغواية، وقد قتلت لك الأمس رجلاً، وتدعوني إلى آخر؟

ثم أقبل إليه، فظن الذي من شيعته أنه يريده، فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما يعني: يريد أن يضرب القبطي فظن الإسرائيلي أنه يريده بعدها عاينه.

قرأ أبو جعفر المدني يَبْطِشَ بضم الطاء، وقراءة العامة: بالكسر، ومعناهما واحد.

فظن الإسرائيلي أن موسى يريد ضربه ف قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ وقال بعضهم: كان ذلك إبليس تشبه بالرجل الإسرائيلي، ليظهر أمر موسى.

وقال بعضهم: كان ذلك الرجل بعينه.

فقال ذلك الرجل من الخوف إِنْ تُرِيدُ يعني: ما تريد إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ يعني: قتالاً، تقتل ظلما.

قال الكلبي: من قتل رجلين فهو جبار.

ويقال: إن من سيرة الجبابرة القتل بغير حق وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ يعني: المطيعين لله تعالى.

فلما قال الإسرائيلي هذا، علم القبطي أن موسى هو قاتل القبطي فرجع القبطي، فأخبرهم أن موسى هو القاتل، فائتمروا بينهم بقتل موسى.

قال: فأذن فرعون بقتله فجاءه خزبيل وهو مؤمن من آل فرعون، وأخبر موسى بذلك، وهو قوله: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى يعني: من وسط المدينة يمشي على رجليه، ويقال: يسرع ويشتد في مشيته ف قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يعني: الأشراف من أهل مصر يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ قال أبو عبيد: يعني: يتشاورون في أمرك.

وقال القتبي: يعني: يهمون بك ليقتلوك فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.

قوله عز وجل: فَخَرَجَ مِنْها يعني: من مصر خائِفاً يَتَرَقَّبُ يعني: ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: المشركين.

قوله تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ يعني: قصد بوجهه نحو مدين، وذلك أن موسى  حين خرج وتوجه نحو مدين، وكان بينه وبين مدين ثمانية أيام، كما بين الكوفة والبصرة.

ويقال: تِلْقاءَ مَدْيَنَ يعني: سلك الطريق الذي تلقاء مدين ويقال: لما قال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ استجاب الله تعالى دعاءه، فجاءه جبريل  وأمره بأن يسير تلقاء مدين، فسار إلى مدين في عشرة أيام وهو قوله: قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ يعني: يرشدني قصد الطريق إلى مدين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واسْتَوى معناه: تَكَامَلَ عَقْلُه، وذلك عند الجمهور مع الأربعين.

والحكمُ: الحِكْمَةُ، والعلمُ: المَعرِفَةُ بشرعِ إبراهيمَ عليه السلام.

وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)

وقوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها.

قال السدي: كان موسى في وقتِ هذه القصةِ على رَسْمِ التعلُّقِ بفرْعَونَ، وكان يَرْكَبُ مَرَاكِبَه حتى إنه كان يُدْعَى مُوسَى بنَ فِرْعَوْنَ «١» ، فركب فرعونُ يوماً وسارَ إلى مدينةٍ من مدائنِ مِصْرَ، فركبَ مُوسَى بَعْدَه ولَحِق بتلكَ المدينَةِ في وقتِ القائِلة، وهو حينُ الغَفْلَة قاله ابن عباس «٢» ، وقال أيضاً: هو بين العِشَاء والعَتَمَة، وقيل غيرُ هذا «٣» .

وقوله تعالى: هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي من بني إسرائيل، وعَدُوِّهِ هم القِبْطُ، و «الوَكْزُ» : الضَّرْبُ باليدِ مجموعةً، وقرأ ابن مسعود «٤» : «فَلَكَزَهْ» والمعنى: واحد إلا أن اللَّكْزَ في اللَّحْيِ، والوَكْزَ علَى القَلْبِ، وفَقَضى عَلَيْهِ معناه: قتله مجهزا، ولم يرد

- عَلَيْهِ السلامُ- قَتَلَ القِبْطِيِّ، لَكِنْ وَافَقَتْ وَكْزَتُهُ الأجل فندم، ورأى أنّ ذلك من نزغ الشيطان في يده، ثم إن نَدَامَةَ موسى عليه السلام حَمَلَتْهُ على الخُضُوعِ لربِّه والاسْتِغْفَارِ من ذنبه، فغفر الله له ذلك، ومع ذلك لَم يَزَلْ عليه السلام يُعيد ذلك على نفسه مع علمه أَنه قَد غُفِر له، حتى إنَّهُ في القِيَامِةِ يَقُولُ: «وَقَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بقَتْلِهَا» حَسْبَمَا صَحَّ فِي حدِيثِ الشفاعة، ثم قال موسى- عليه السلام- معاهداً لربه: رَبِّ بنعمتِكَ عليّ وبسبب إحسانِك وغُفْرانِك، فأنا مُلْتَزِمٌ أَلاَّ أكون مُعِيناً للمجرمين هذا أحسن ما تأول.

وقال الطبري «١» : إنه قَسَمٌ أقسم بنعمة اللهِ عندَه.

قال ع «٢» : واحتج أهلُ الفضلِ والعلمِ بهذهِ الآيةِ في مَنْعِ خِدْمَة أهل الجَوْرِ ومَعُونَتِهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تَتَنَاوَلُ ذلكَ نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره.

قال ابن عباس: ثم إنَّ مُوسَى- عليه السلام- مرَّ وَهُوَ بحالةِ التَّرَقُّبِ وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قَاتَلَ القبطيَّ بالأَمسِ يُقاتِلُ آخرَ مِن القِبْطِ «٣» ، وكان قَتَلُ القبطيّ قد خفي على الناس واكْتَتَم، فلما رأَى الإسرائيلي موسى، استصرخه، بمعنى صاحَ بهِ مستغيثاً فلما رأى موسى- عليه السلام- قِتَالهُ لآخرَ أعظم ذلكَ وقال له مُعَاتباً ومُؤَنِّباً: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ وكانت إرادة موسى- عليه السلام- مع ذلك، أن ينصرَ الإسرائيلي، فلما دنا منهما، وحبس الإسرائيلي وفَزَعَ منه، وظن أنه ربما ضَرَبَه، وفزع من قوتِهِ التي رأى بالأمس، فناداه بالفضيحةِ وشهَّر أمرَ المقتُولِ، ولما اشْتَهِرَ أنَّ مُوسَى قَتَل القَتِيلَ، وكان قول الإسرائيلي يَغْلِبُ على النفُوسِ تصديقُه على موسَى، مَعَ ما كانَ لِمُوسَى مِنَ المقدِّمَاتِ أتى رأي فرعون وملئه علَى قَتْلِ مُوسَى، وغَلَبَ على نفسِ فرعون أنه المشارُ إليه بفَسَادِ المَمْلَكَةِ، فأنْفَد فيهِ مَنْ يطلُبه ويأْتي بهِ للقَتْلِ، وألْهَمَ اللهُ رَجُلاً يقالُ إنه مؤمِنٌ مِن آل فرعَونَ أو غيره، فجاء إلى موسَى وبَلَّغَهُ قبلَهُم ويَسْعى / معناه: يسرع في مشيه قاله ٥٦ ب الزجاج «٤» وغيره، وهو دون الجري، فقال: يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ...

الآية.

ت قال الهروي: قوله تعالى: يَأْتَمِرُونَ بِكَ أي: يؤامُرُ بعضهم بعضا في

قَتلِك، وقال الأزهري: الباءُ في قوله: يَأْتَمِرُونَ بِكَ بمعنى: «في» يقال: ائتَمَرَ القومُ إذا شَاوَرَ بَعْضُهمْ بَعْضاً، انتهى.

وعن أبي مجلز- واسمه لاحق بن حميد- قال: من خاف من أمير ظُلُماً فقال: رضيت بالله رَبّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيّاً وبالقرآن حَكَماً وإماماً، نجَّاه الله منه رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ، انتهى من «السلاح» .

وتِلْقاءَ معناه نَاحِيَةَ مدين، وبينَ مِصرَ ومَدْيَنَ مسيرةَ ثَمانِيَةَ أيامٍ، وكانَ مُلْكُ مدين لغير فرعونَ، ولما خَرَجَ عليه السلام فارّاً بنفسهِ منفرداً حافياً لا شيءَ معه ولا زادَ وغيرَ عارفٍ بالطريقِ أسْنَدَ أمرَه إلى اللهِ تعالى وقال: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ومشى- عليه السلامُ- حتى وَرَدَ ماءَ مدينَ، وَوُرُودُهُ المَاءَ، معناه: بلُوغُه، ومدينُ: لا ينْصَرِفُ إذ هو بلدٍ معروفٌ، والأمَّة:

الجمعُ الكثيرُ، ويَسْقُونَ معناه: ماشيتهم، ومِنْ دُونِهِمُ معناه: ناحيةً إلى الجهةِ الَّتي جَاء مِنها، فَوَصَل إلى المرْأَتَيْنِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى الأمّة، وتَذُودانِ معناه: تَمْنعَانِ، وتَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ الماءِ خوفاً من السقاة الأقوياء، وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ، أي: لا يستطيعُ لِضَعْفِهِ أن يُبَاشِرَ أمْرَ غَنَمِه.

وقوله تعالى: فَسَقى لَهُما.

قالت فرقة: كانت آبارهم مغطاةً بحجارةٍ كبارٍ، فَعَمَدَ إلى بِئْرٍ، وكان حَجَرُهَا لاَ يرفعُه إلاَّ جَماعَة، فَرَفَعَهُ وسقى للمرأتين.

فَعَنْ رَفْعِ الصَّخْرَةِ وصِفتْه إحداهُما بالقوة، وقيل:

وصفَتْه بالقوة لأنه زَحَمَ النَّاسَ وغَلَبَهُمْ عَلى المَاءِ حتى سَقَى لهما.

وقرأ الجمهور «١» «يُصْدِر الرِّعَاء» - على حَذْفِ المفعولِ- تقديرُه: مواشِيَهم، وتَولّى موسى إلى الظلّ وتعرّض لسؤال ما يطعمه بقوله: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ولم يُصَرِّحْ بسؤالٍ هكَذا، رَوَى جَمِيعُ المفسرينَ أنَّه طلبَ في هذا الكلامَ ما يأكلُه، قال ابن عباس: وكان قَدْ بَلَغَ به عليه السلام الجوعُ إلى أن اخْضَرَّ لونُه من أكل البَقْل، وَرُئِيَتْ خُضْرة البقْلِ في بَطْنِهِ، وإنه لأَكْرَمُ الخلقِ يومئِذٍ على الله، وفي هذا مُعْتَبَرٌ وحاكمٌ بهَوَانِ الدُّنْيا على «٢» الله تعالى، وعن معاذ بن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «من أكل طعاما، فقال:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ مِنها ﴾ أيْ: مِن مِصْرَ ﴿ خائِفًا ﴾ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ [القَصَصِ: ١٨ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ أهْلَ مِصْرَ.

﴿ وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تُجاهُ مَدْيَنَ ونَحْوُها، وأصْلُهُ: اللِّقاءُ، وزِيدَتْ فِيهِ التّاءُ، قالَ الشّاعِرُ: [ أمَّلْتُ خَيْرَكَ هَلْ تَأْتِي مَواعِدُهُ] فاليَوْمَ قَصَّرَ عَنْ تِلْقائِكَ الأمَلُ أيْ: عَنْ لِقائِكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: خَرَجَ خائِفًا بِغَيْرِ زادٍ ولا ظَهْرٍ، وكانَ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ مَسِيرَةَ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ، فِ ﴿ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أيْ: قَصَدَهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِالطَّرِيقِ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ لَهُ مَلِكًا فَدَلَّهُ، قالُوا: ولَمْ يَكُنْ لَهُ في طَرِيقِهِ طَعامٌ إلّا ورَقُ الشَّجَرِ، فَوَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وخُضْرَةَ البَقْلِ تَتَراءى في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ؛ والأُمَّةُ: الجَماعَةُ، وهُمُ الرُّعاةُ، ﴿ يَسْقُونَ ﴾ مَواشِيَهم ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ﴾ أيْ: مِن سِوى الأُمَّةِ ﴿ امْرَأتَيْنِ ﴾ وهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ؛ قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ الكُبْرى: صَبُورًا والصُّغْرى: عِبْرا ﴿ تَذُودانِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تَكُفّانِ غَنَمَهُما، فَحَذَفَ الغَنَمَ اخْتِصارًا قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما فَعَلَتا ذَلِكَ لِيَفْرَغَ النّاسُ وتَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ، قالَ مُوسى: ﴿ ما خَطْبُكُما ﴾ أيْ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ؟!

﴿ قالَتا لا نَسْقِي ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " نُسْقِي " بِرَفْعِ النُّونِ ﴿ حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: " يَصْدُرُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ: حَتّى يَرْجِعَ الرُّعاءُ.

وقَرَأ الباقُونَ: " يَصْدُرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أرادُوا: حَتّى يَرِدَ الرِّعاءُ غَنَمَهم عَنِ الماءِ.

والرِّعاءُ: جَمْعُ راعٍ، كَما يُقالُ: صاحِبٌ وصِحابٌ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " الرِّعاءُ " بِضَمِّ الرّاءِ، والمَعْنى: نَحْنُ امْرَأتانِ لا نَسْتَطِيعُ أنْ نُزاحِمَ الرِّجالَ ﴿ وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ؛ فَلِذَلِكَ احْتَجْنا نَحْنُ إلى أنْ نَسْقِيَ، وكانَ عَلى تِلْكَ البِئْرِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإذا فَرَغَ الرِّعاءُ مِن سَقْيِهِمْ أعادُوا الصَّخْرَةَ، فَتَأْتِي المَرْأتانِ إلى فُضُولِ حِياضِ الرِّعاءِ فَتَسْقِيانِ غَنَمَهُما.

﴿ فَسَقى لَهُما ﴾ مُوسى.

وَفِي صِفَةِ ما صَنَعَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ذَهَبَ إلى بِئْرٍ أُخْرى عَلَيْها صَخْرَةٌ لا يَقْتَلِعُها إلّا جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ، فاقْتَلَعَها وسَقى لَهُما، قالَهُعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: أنَّهُ زاحَمَ القَوْمَ عَلى الماءِ، وسَقى لَهُما، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والمَعْنى: سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما.

﴿ ثُمَّ تَوَلّى ﴾ أيْ: انْصَرَفَ ﴿ إلى الظِّلِّ ﴾ وهو ظِلُّ شَجَرَةٍ ﴿ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما ﴾ اللّامُ بِمَعْنى إلى، فَتَقْدِيرُهُ: إنِّي إلى ما ﴿ أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ وأرادَ بِالخَيْرِ: الطَّعامُ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ أسْمَعَ المَرْأتَيْنِ هَذا الكَلامُ تَعْرِيضًا أنْ تُطْعِماهُ.

﴿ فَجاءَتْهُ إحْداهُما ﴾ المَعْنى: فَلَمّا شَرِبَتْ غَنَمُهُما رَجَعَتا إلى أبِيهِما فَأخْبَرَتاهُ خَبَرَ مُوسى، فَبَعَثَ إحْداهُما تَدْعُو مُوسى.

وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الصُّغْرى.

والثّانِي: الكُبْرى.

فَجاءَتْهُ ﴿ تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ ﴾ قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها.

وَفِي سَبَبِ اسْتِحْيائِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِن صِفَتِها الحَياءُ، فَهي تَمْشِي مَشْيَ مَن لَمْ يَعْتَدِ الخُرُوجَ والدُّخُولَ.

والثّانِي: لِأنَّها دَعَتْهُ لِتُكافِئُهُ، وكانَ الأجْمَلُ عِنْدَها أنْ تَدْعُوَهُ مِن غَيْرِ مُكافَأةٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّها رَسُولُ أبِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا سَمِعَ مُوسى هَذا القَوْلَ كَرَّهَهُ وأرادَ أنْ لا يَتْبَعَها، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا لِلْجُهْدِ الَّذِي بِهِ مِنِ اتِّباعِها، فَتَبِعَها، فَكانَتْ الرِّيحُ تَضْرِبُ ثَوْبَها فَيَصِفُّ بَعْضَ جَسَدِها، فَناداها: يا أمَةَ اللَّهِ، كُونِي خَلْفِي ودُلِّينِي الطَّرِيقَ ﴿ فَلَمّا جاءَهُ ﴾ أيْ: جاءَ مُوسى شُعَيْبًا ﴿ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ ﴾ أيْ: أخْبَرَهُ بِأمْرِهِ مِن حِينِ وُلِدَ والسَّبَبُ الَّذِي أخْرَجَهُ مِن أرْضِهِ ﴿ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ: لا سُلْطانَ لِفِرْعَوْنَ بِأرْضِنا ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ.

﴿ قالَتْ إحْداهُما ﴾ وهي الكُبْرى: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ أيْ: اتَّخَذَهُ أجِيرًا ﴿ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ ﴾ أيْ: خَيْرُ مَن اسْتَعْمَلْتَ عَلى عَمَلِكَ مَن قَوِيَ عَلى عَمَلِكَ وأدّى الأمانَةَ؛ وإنَّما سَمَّتْهُ قَوِيًّا، لِرَفْعِهِ الحَجَرَ عَنْ رَأْسِ البِئْرِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ اسْتَقى بِدَلْوٍ لا يُقِلُّها إلّا العَدَدُ الكَثِيرُ مِنَ الرِّجالِ، وسَمَّتْهُ أمِينًا، لِأنَّهُ أمَرَها أنْ تَمْشِيَ خَلْفَهُ.

وقالَ السُّدِّيُّ: قالَ لَها شُعَيْبُ: قَدْ رَأيْتُ قُوَّتَهُ، فَما يُدْرِيكَ بِأمانَتِهِ؟

فَحَدَّثَتْهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَرَغِبَ فِيهِ شُعَيْبٌ، فَقالَ لَهُ: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ ﴾ أيْ: أزْواجُكَ ﴿ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَأْجُرُنِي وتَأْجِرُنِي، بِضَمِّ الجِيمِ وكَسْرِها، لُغَتانِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: تَكُونُ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ ﴿ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ ﴾ أيْ: فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنكَ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: في العَشْرِ ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتَ.

﴿ قالَ ﴾ لَهُ مُوسى ﴿ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي وصَفْتَ وشَرَطْتَ عَلَيَّ فَلَكَ، وما شَرَطْتَ لِي مِن تَزْوِيجِ إحْداهُما فَلِيَ، فالأمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَنا وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا.

ثُمَّ قالَ: ﴿ أيَّما الأجَلَيْنِ ﴾ يَعْنِي: الثَّمانِيَ والعَشَرَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما " زائِدَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَضَيْتُ ﴾ أيْ: أتْمَمْتُ ﴿ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ﴾ أيْ: لا سَبِيلَ عَلَيَّ؛ والمَعْنى: لا تَعْتَدِ عَلَيَّ بِأنْ تُلْزِمَنِي أكْثَرَ مِنهُ ﴿ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: واللَّهُ شاهِدُنا عَلى ما عَقَدَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذا الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ شُعَيْبٌ نَبِيُّ اللَّهِ  ، وعَلى هَذا أكْثَرُ [أهْلِ] التَّفْسِير، وفِيهِ أثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ  يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ وهْبٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ صاحِبُ مَدْيَنَ، واسْمُهُ يَثْرى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: رَجُلٌ مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ: قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ يَثْرُونُ ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ مَرَّةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ السّائِبِ.

واخْتَلَفُوا في الَّتِي تَزَوَّجَها مُوسى مِنَ الإبْنَتَيْنِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: الصُّغْرى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الكُبْرى، قالَهُ مُقاتِل.

وَفِي اسْمِ الَّتِي تَزَوَّجَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: صَفُورِيا، حَكاهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.

والثّانِي: صَفُورَةُ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ.

والثّالِثُ: صَبُورًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَبِيلِ ﴾ ﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ الناسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِنَ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ ولَمّا خَرَجَ عَلَيْهِ السَلامُ فارًّا بِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا حافِيًا لا شَيْءَ مَعَهُ؛ رَأى حالَهُ وعَدَمَ مَعْرِفَتِهِ بِالطَرِيقِ، وخُلُوِّهِ مِنَ الزادِ وغَيْرِهِ فَأسْنَدَ أمْرَهُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وقالَ: ﴿ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَبِيلِ ﴾ ، وهَذِهِ الأقْوالُ مِنهُ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللهِ تَعالى، عالِمًا بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ الَّذِي آتاهُ اللهُ تَعالى.

و"تَوَجَّهَ": رَدَّ وجْهَهُ إلَيْها، و"تِلْقاءَ" مَعْناهُ: إلى ناحِيَةٍ، أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي يَلْقى فِيها الشَيْءَ المَذْكُورَ، و ﴿ سَواءَ السَبِيلِ ﴾ مَعْناهُ: وسْطَهُ، وفي هَذا الوَقْتِ بَعَثَ اللهُ المَلَكَ المُسَدِّدَ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ قَبْلُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِـ " سَواءَ السَبِيلِ " طَرِيقَ مَدِينَ، وقالَ الحَسَنُ: أرادَ سَبِيلَ الهُدى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أبْرَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَنِ النَبِيِّ  : «هَذا الَّذِي يَهْدِي السَبِيلَ» الحَدِيثُ.

فَمَشى عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى ورَدَ مَدْيَنَ، أيْ: بَلَغَها، ووُرُودُهُ الماءَ مَعْناهُ: بُلُوغُهُ؛ لِأنَّهُ دَخَلَ فِيهِ، ولَفْظَةُ الوُرُودِ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الدُخُولِ في الشَيْءِ، وقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الإطْلالِ عَلَيْهِ والبُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، فَوُرُودُ مُوسى هَذا الماءَ كانَ بِالوُصُولِ إلَيْهِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ في اللَفْظَةِ تُتَناوَلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها  ﴾ .

ومَدْيَنُ" لا يَنْصَرِفُ؛ إذْ هي بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ.

و"الأُمَّةُ": الجَمْعُ الكَثِيرُ، و"يَسْقُونَ" مَعْناهُ: ماشِيَتِهَمْ، و ﴿ مِن دُونِهِمُ ﴾ مَعْناهُ: ناحِيَةٌ إلى الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، فَوَصَلَ إلى الِامْرَأتَيْنِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى الأُمَّةِ، وهَكَذا هُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، و"تَذُودانِ" مَعْناهُ: تَمْنَعانِ وتَحْبِسانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «ألا لَيُذادَنَّ رِجالٌ عن حَوْضِي» الحَدِيثُ، وشاهِدُ الشِعْرِ في ذَلِكَ كَثِيرٌ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "امْرَأتَيْنِ حابِسَتَيْنِ تَذُودانِ"، واخْتُلِفَ في الذَوْدِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُقاةِ الأقْوِياءِ، وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ الناسَ عن غَنَمِهِما، فَلَمّا رَأى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ المَرْأتَيْنِ قالَ: ﴿ ما خَطْبُكُما ﴾ ؟

أيْ: ما أمْرُكُما وشَأْنُكُما؟

وكَأنَّ اسْتِعْمالَ السُؤالِ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ أو مُضْطَهَدٍ أو مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ أو يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ بِالجُمْلَةِ في شَرٍّ، فَأخْبَرَتاهُ بِخَبَرِهِما، وأنَّ أباهُما شَيْخٌ كَبِيرٌ، فالمَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ لِضَعْفِهِ أنْ يُباشِرَ أمْرَ غَنَمِهِما، وأنَّهُما لِضَعْفِهِما وقِلَّةِ طاقَتِهِما لا تَقْدِرانِ عَلى مُزاحَمَةِ الأقْوِياءِ، وأنَّ عادَتَهُما التَأنِّي حَتّى يُصْدِرَ الرِعاءُ أيِ الناسُ- عَنِ الماءِ ويَخْلُو، وحِينَئِذٍ تَرِدانِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ الآبارُ مَكْشُوفَةً، وكانَ زَحْمُ الناسِ يَمْنَعُهُما، فَلَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَسْقِيَ لَهُما؛ زَحَمَ الناسَ وغَلَبَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى، فَعن هَذا الغَلَبِ الَّذِي كانَ مِنهُ، وصَفَتْهُ إحْداهُما بِالقُوَّةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ آبارُهم عَلى أفْواهِها حِجارَةٌ كِبارٌ، وكانَ وُرُودُ المَرْأتَيْنِ يَتْبَعُ ما في صَهارِيجِ الشُرْبِ مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي تَبْقى لِلسُّقاةِ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَمَدَ إلى بِئْرٍ كانَتْ مُغَطّاةً والناسُ يَسْقُونَ مِن غَيْرِها، وكانَ حَجَرُها لا يَرْفَعُهُ إلّا سَبْعَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَشَرَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ثَلاثُونَ، وقالَ الزَجّاجُ: أرْبَعُونَ، فَرَفَعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وسَقى لِلْمَرْأتَيْنِ، فَعن رَفْعِ الصَخْرَةِ، وصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ.

وقِيلَ: إنَّ بِئْرَهم كانَتْ واحِدَةً، وأنَّهُ رَفَعَ عنها الحَجَرَ بَعْدَ انْفِصالِ السُقاةِ؛ إذْ كانَتْ عادَةُ المَرْأتَيْنِ شُرْبَ الفَضَلاتِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَسْقِي" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "نَسْقِي" بِضَمِّها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "حَتّى يَصْدُرَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدالِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرَ، وقَتادَةُ، وقَرَأ الباقُونَ: "يُصْدِرَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ، تَقْدِيرُهُ: مَواشِيَهُمْ، وحَذْفُ المَفْعُولِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والكَلامِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى.

و"الرِعاءُ" جَمْعُ راعٍ.

وتَوَلّى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى ظِلِّ سَمُرَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وتَعَرَّضَ لِسُؤالِ ما يَطْعَمُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِسُؤالٍ، هَكَذا رَوى سائِرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ طَلَبَ في هَذا الكَلامِ ما يَأْكُلُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وكانَ قَدْ بَلَغَ بِهِ الجُوعُ، واخْضَرَّ لَوْنُهُ مِن أكْلِ البَقْلِ، وضَعُفَ حَتّى لَصَقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ ورُؤِيَتْ خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ، وإنَّهُ لَأكْرَمُ الخَلْقِ يَوْمَئِذٍ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلى مَدْيَنَ حَتّى سَقَطَ باطِنُ قَدَمِهِ، وفي هَذا مُعْتَبَرٌ وحاكِمْ بِهَوانِ الدُنْيا عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه هجرة نبوية تشبه هجرة إبراهيم عليه السلام إذ قال ﴿ إني مهاجر إلى ربي ﴾ [العنكبوت: 26].

وقد ألهم الله موسى عليه السلام أن يقصد بلاد مدين إذ يجد فيها نبيئاً يبصره بآداب النبوءة ولم يكن موسى يعلم إلى أين يتوجه ولا من سيجد في وجهته كما دل عليه قوله ﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ .

فقوله تعالى ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ عطف على جمل محذوفة إذ التقدير: ولما خرج من المدينة هائماً على وجهه فاتفق أن كان مسيره في طريق يؤدي إلى أرض مدين حينئذ قال ﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ .

قال ابن عباس: خرج موسى ولا علم له بالطريق إلا حسن ظن بربه.

و ﴿ توجه ﴾ : ولى وجهه، أي استقبل بسيره تلقاء مدين.

و ﴿ تلقاء ﴾ : أصله مصدر على وزن التفعال بكسر التاء، وليس له نظير في كسر التاء إلا تمثال، وهو بمعنى اللقاء والمقاربة.

وشاع إطلاق هذا المصدر على جهته فصار من ظروف المكان التي تنصب على الظرفية.

والتقدير: لما توجه جهة تلاقي مدْيَن، أي جهة تلاقي بلاد مدين، وقد تقدم قوله تعالى ﴿ وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ في سورة الأعراف.

(47) و ﴿ مدْيَن ﴾ : قوم من ذرية مدين بن إبراهيم.

وقد مضى الكلام عليهم عند قوله تعالى ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيباً ﴾ في سورة الأعراف (85).

وأرض مدين واقعة على الشاطئ الغربي من البحر الأحمر وكان موسى قد سلك إليها عند خروجه من بلد (رعمسيس) أو (منفيس) طريقاً غربية جنوبية فسلك برية تمر به على أرض العمالقة وأرض الأدوميين ثم بلاد النبط إلى أرض مدين.

تلك مسافة ثمانمائة وخمسين ميلاً تقريباً.

وإذ قد كان موسى في سيره ذلك راجلاً فتلك المسافة تستدعي من المدة نحواً من خمسة وأربعين يوماً.

وكان يبيت في البرية لا محالة.

وكان رجلاً جلداً وقد ألهمه الله سواء السبيل فلم يضل في سيره.

والسواء: المستقيم النهج الذي لا التواء فيه.

وقد ألهمه الله هذه الدعوة التي في طيها توفيقه إلى الدين الحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: عَرَضَتْ لِمُوسى أرْبَعُ طُرُقٍ فَلَمْ يَدْرِ أيَّتُها يَسْلُكُ.

﴿ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِواءِ الطُّرُقِ فَأخَذَ طَرِيقَ مَدْيَنَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ أنِ اتَّخَذَ طَرِيقَ مَدْيَنَ فَقالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ أيْ قَصْدَ الطَّرِيقِ إلى مَدْيَنَ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

قالَ قَتادَةُ: مَدْيَنُ ماءٌ كانَ عَلَيْهِ قَوْمُ شُعَيْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَهُما ثَمانِي لَيْلٍ ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ وخَرَجَ حافِيًا فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفَّ قَدَمَيْهِ.

﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ ﴾ أيْ جَماعَةً.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأُمَّةُ أرْبَعُونَ.

﴿ يَسْقُونَ ﴾ يَعْنِي غَنَمَهم ومَواشِيَهم.

﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَحْبِسانِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا الثّانِي: تَطْرُدانِ.

قالَ الشّاعِرُ لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَمًا تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُما تَحْبِسانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ لِضَعْفِهِما عَنْ زِحامِ النّاسِ.

قالَهُ أبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُما تَذُودانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: تَمْنَعانِ غَنَمَهُما أنْ تَخْتَلِطَ بِغَنَمِ النّاسِ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ قالَ ما خَطْبُكُما ﴾ أيْ ما شَأْنُكُما، وفي الخَطْبِ تَضْخِيمُ الشَّيْءِ ومِنهُ الخُطْبَةُ لِأنَّها مِنَ الأمْرِ المُعَظَّمِ.

﴿ قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ﴾ والصُّدُورُ الِانْصِرافُ، ومِنهُ الصَّدْرُ لِأنَّ التَّدْبِيرَ يَصْدُرُ عَنْهُ، والمَصْدَرُ لِأنَّ الأفْعالَ تَصْدُرُ عَنْهُ.

والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.

وَفي امْتِناعِهِما مِنَ السَّقْيِ حَتّى يَصْدُرَ الرِّعاءُ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَصَوُّنًا عَنِ الِاخْتِلاطِ بِالرِّجالِ.

الثّانِي: لِضَعْفِهِما عَنِ المُزاحَمَةِ بِماشِيَتِهِما.

﴿ وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ وفي قَوْلِهِما ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما قالَتا ذَلِكَ اعْتِذارًا إلى مُوسى عَنْ مُعاناتِهِما سَقْيَ الغَنَمِ بِأنْفُسِهِما.

الثّانِي: قالَتا ذَلِكَ تَرْقِيقًا لِمُوسى لِيُعاوِنَهُما.

﴿ فَسَقى لَهُما ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ زَحَمَ القَوْمَ عَنِ الماءِ حَتّى أخْرَجَهم عَنْهُ ثُمَّ سَقى لَهُما، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّانِي: أنَّهُ أتى بِئْرًا عَلَيْها صَخْرَةٌ لا يُقِلُّها مِن أهْلِ مَدْيَنَ إلّا عَشَرَةٌ فاقْتَلَعَها بِنَفْسِهِ وسَقى لَهُما.

قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ولَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رَوِيَتِ الغَنَمُ.

﴿ ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: إلى ظِلِّ الشَّجَرَةِ وذَكَرَ أنَّها سَمُرَةٌ.

﴿ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ مُوسى ذَلِكَ وقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِنَ الجُوعِ وهو فَقِيرٌ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَوْ شاءَ إنْسانٌ لَنَظَرَ إلى خُضْرَةِ أمْعائِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.

قالَ الضَّحّاكُ: لِأنَّهُ مَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ طَعامًا إلّا بَقْلَ الأرْضِ; فَعَرَضَ لَهُما بِحالِهِ فَقالَ ﴿ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: شُبْعَةٌ مِن طَعامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: شُبْعَةُ يَوْمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ قال: عرضت لموسى عليه السلام أربعة طرق فلم يدر أيتها يسلك، فقال: ﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ فأخذ طريق مدين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تلقاء مدين ﴾ قال: مدين ماء كان عليه شعيب.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ قال: قصد السبيل: الطريق إلى مدين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ قال: الطريق المستقيم.

قال: فالتقى والله يومئذ خير أهل الأرض.

شعيب وموسى بن عمران.

وأخرج أحمد في الزهد عن كعب بن علقمة رضي الله عنه قال: أن موسى عليه السلام لما خرج هارباً من فرعون قال: رب أوصني قال: «أوصيك أن لا تعدل بي شيئاً أبداً إلا اخترتني عليه، فإني لا أرحم ولا أزكي من لم يكن كذلك قال: وبماذا يا رب؟

قال: بأمك فانها حملتك وهناً على وهن قال: ثم بماذا يا رب؟

قال: إن أوليتك شيئاً من أمر عبادي فلا تعيهم إليك في حوائجهم، فإنك إنما تعي روحي فإني مبصر ومسمع ومشهد» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال ابن إسحاق: ذُكر أنه خرج على وجهه ﴿ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾ ما يدري أي وجه يسلك، فهيأ الله له الطريق إلى مدين (١) ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ﴾ أي: قصدَها (٢) فاليوم قَصَّر عن تلقائكِ الأملُ أي: عن لقائك (٣) وقال أبو إسحاق: معنى: ﴿ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ﴾ أي: سلك في الطريق التي يلقى مدين فيها (٤) قال محمد بن إسحاق، وغيره: خرج موسى من مصر إلى مدين بغير زاد، ولا حذاء ولا ظَهر، وبينهما مسيرة ثمانية أيام (٥) [قال ابن عباس:] (٦) ﴿ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ (٧) قال مقاتل: توجه نحو مدين بغير دليل، وخشي أن يضل الطريق فقال: عسى ربي يرشدني قصد الطريق إلى مدين (٨) ومعنى ﴿ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ : قصد السبيل في الاستواء (٩) (١) أخرجه ابن جرير 20/ 53، وابن أبي حاتم 9/ 2960.

(٢) أخرجه عبد الرزاق 2/ 90، عن قتادة.

(٣) "غريب القرآن" لابن قتيبة 332، ولم ينسب البيت.

وأنشده كاملًا سيبويه 4/ 84، ونسبه للراعي، وهو في "ديوانه" 112، وصدره: أملت خيرك هل تأتي مواعده.

(٤) أخرجه ابن جرير 20/ 53، وابن أبي حاتم 9/ 2960، بنحوه.

(٥) أخرجه ابن جرير، في التاريخ 1/ 397، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير.

وأخرجه عن محمد بن إسحاق: ابن جرير 20/ 53، وذكر العدد في خبر سعيد بن جبير الذي أخرجه ابن جرير أيضًا.

وقال مقاتل 64 ب: عشرة أيام.

وذكره الثعلبي 8/ 144 أ، ونسبه للمفسرين.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).

(٧) أخرجه ابن جرير 20/ 53.

(٨) "تفسير مقاتل" 64 ب.

و"تأويل مشكل القرآن" 443.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 144 أ.

(٩) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 101.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 332، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 138، وأخرجه ابن جرير 20/ 54، عن قتادة، والحسن.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ ﴾ أي قصد بوجهه ناحية مدين وهي مدينة شعيب عليه السلام ﴿ قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل ﴾ أي وسط الطريق يعني طريق مدين، إذ كان قد خرج فارّاً بنفسه، وكان لا يعرف الطريق، وبين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام، وقيل: أراد سبيل الهدى وهذا أظهر، ويدل كلامه هذا على أنه كان عارفاً بالله قبل نبوته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ يصدر ﴾ بفتح الياء وضم الدال: ابن عامر ويزيد وأبو عمرو وأبو أيوب.

الآخرون بضم الياء وكسر الدال ﴿ إني أريد ﴾ ﴿ سَتَجِدُنِي إِن ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ و ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح ياء المتكلم في الكل: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو و ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح الياء: هم وابن عامر ﴿ جذوة ﴾ بفتح الجيم: عاصم وبضمها حمزة وخلف.

الباقون بكسرها.

﴿ من الرهب ﴾ بفتح الراء وسكون الهاء: حفص، وبفتحهما أبو عمرو وسهل ويعقوب وابو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون بضم الراء وسكون الهاء ﴿ فذاناك ﴾ بتشديد النون: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ معي ﴾ بالفتح: حفص ﴿ ردا ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون بضم الراء وهمزة في الوقف ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع: حمزة وعاصم ﴿ يكذبون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو: ابن كثير ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ من يكون ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ لا يرجعون ﴾ بفتح الياء وكسر الجيم: نافع ويعقوب وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ يسقون ﴾ ه لأنه رأس آية عند الأكثرين مع عطف المتفقتين ﴿ تذودان ﴾ ج لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد الفاعل ﴿ خطبكما ﴾ ط ﴿ الرعاء ﴾ ز لأن ما بعده منقطع لفظاً ومعنى كأنه قال: فلم خرجتما فقالتا تعريضاً بالاستقامة وأبونا شيخ ﴿ كبير ﴾ ط ﴿ فقير ﴾ ه ﴿ على استحياء ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القائل، ومن وقف على ﴿ تمشي ﴾ ويجعل على استحياء حالاً مقدماً اي قالت مستحيية فلا وجه له في الوقف ﴿ لنا ﴾ ط لأن جواب "لما" منتظر وقبله حذف أي فذهب معها فلما جاءه فكأن الفاء لاستئناف القصص لأن قال جواب "لما".

﴿ لا تخف ﴾ ز لأن قوله ﴿ نجوت ﴾ غير متصل به نظماً وليفصل بين البشارتين أي لا تخف ضيماً وقد نجوت من ظلم فرعون ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ استأجره ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ الأمين ﴾ 5 ﴿ حجج ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ عندك ﴾ ج لابتداء النفي مع الواو ﴿ عليك ﴾ ج ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وبينك ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ عليّ ﴾ ط ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد القائل ﴿ تصطلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا ﴿ عصاك ﴾ ط لحق الحذف أي فألقاها فحييت فلما رآها ﴿ ولم يعقب ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ج لمثل ما مر أي لا تخف باس العصا إنك أمنت بها بأس فرعون ﴿ الآمنين ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع طول الكلام ه ﴿ وملئه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ يصدقني ﴾ ز للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وعلى ﴿ إليكما ﴾ أوجه أي أنتم الغالبون بآياتنا ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ 5 ﴿ غيري ﴾ ج لتنويع الكلام ﴿ إلى إله موسى ﴾ لا لأن ما بعده مقوله ايضاً ﴿ الكاذبين ﴾ ه لا ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في اليم ﴾ ج للابتداء بأمر الاعتبار واختلاف الجملتين مع فاء التعقيب ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلى النار ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ لعنة ﴾ ط لمثل ذلك ﴿ المقبوحين ﴾ ه.

التفسير: ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله  وأخذ يمشي من غير معرفة طريق فأوصله الله إلى مدين.

وقد يؤيد هذا التفسير ما روي عن ابن عباس أنه خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، ويحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس أنه لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينه وبينهم قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله  .

أما أنه قصد مدين فلقوله  ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ اي قصد نحو هذه القرية ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمان.

وأما أنه اعتمد على فضل الله فلقوله.

﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ أي وسطه وجادّته نظيره قول جده إبراهيم  ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ وكذا الخلف الصدق يقتدي بالسلف الصالح فيهتدي.

قال السدي: لما أخذ في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين.

عن ابن جريج أنه خرج بغير زاد ولا ظهر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.

﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ وكان بئراً فيما روي وورود الماء مجيئه والوصول إليه ضدّ الصدور.

﴿ وجد عليه ﴾ اي على شفيره ومستقاه ﴿ أمة من الناس ﴾ جماعة كثيرة العدد أصنافاً ﴿ يسقون ﴾ مواشيهم ﴿ ووجد من دونهم ﴾ اي في مكان اسفل من مكانهم ﴿ امرأتين تذودان ﴾ أي تدفعان وتطردان أغنامهما لأن على الماء من هو أقوى منهما فلم يتمكنا من السقي، وكانتا تكرهان المزاحمة على الماء واختلاط أغنامهما بأغنامهم أو اختلاطهما بالرجال.

وقيل: تذودان الناس عن غنمهما.

وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر.

وبالجملة حذف مفعول ﴿ تذودان ﴾ لأن الغرض تقرير الذود لا المذود.

وكذا في ﴿ يسقون ﴾ و ﴿ لا نسقي ﴾ المقصود هو ذكر السقي لا المسقي، وكذا في قراءة من قرأ ﴿ حتى يصدر ﴾ من لاإصدار أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم الغرض بيان الإصدار.

﴿ قال ما خطبكما ﴾ هو مصدر بمعنى المفعول أي ما مخطو بكما من الذياد ﴿ قالتا لا نسقي ﴾ الآية.

سألهما عن سبب الذود فذكرتا أنا ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وما لنا رجل يقوم بذلك.

﴿ وابونا شيخ ﴾ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به، وهذه الضرورة هي التي سوغت لنبي الله شعيب أن رضي لابنتيه بسقي الماشية على أن الأمر في نفسه ليس بمحظور، ولعل العرب وخصوصاً أهل البدو منهم لا يعدّونه قادحاً للمروءة.

وزعم بعضهم أن أباهما هو ثيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد ينميه إلى ابن عباس.

وعن الحسن أنه رجل مسلم قبل الدين من شعيب.

أما قوله ﴿ فسقى لهما ﴾ فمعناه فسقى غنمهما لأجلهما وفيه قولان: أحدهما أنه سأل القوم فسمحوا وكان لهم دلو يجتمع عليها أربعون رجلاً فيخرجونها من البئر فاستقى موسى بها وحده وصب الماء في الحوض ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما.

والثاني أنه عمد إلى البئر وعليها صخرة لا يقلها إلا سبعة رجال أو عشرة أو أربعون أو مائة -أقوال- فأقلها وحده وسقى أغنامهما، كل ذلك في شمس وحر.

﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ ظل شجرة ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ ذهب أكثر المفسرين الظاهريين ومنهم ابن عباس إلى أنه طلب من الله طعاماً يأكله.

وعدي ﴿ فقير ﴾ باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.

وعن الضحاك أنه مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض وإن خضرته تتراءى في بطنه من الهزال، وقيه دليل على أنه نزع الدلو وأقل الصخرة بقوة ربانية.

وقال بعض أهل التحقيق: أراد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين، وذلك أنه كان عند فرعون في ملك وثروة فأظهر الرضا بهذا الذل شكراً لله.

يروى أنهما لما رجعتا إلى ابيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟

قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا.

فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي وذلك قوله  ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ قيل: من جملة حيائها أنها قد استترت بكم درعها ثم ﴿ قالت إن أبي يدعوك ﴾ عن عطاء بن السائب أنه حين قال ﴿ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل له ﴿ ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ وضعفت الرواية بأن هذا نوع من الدناءة وضعف اليقين بالله فلا يليق بالنبي.

وقد روي أنها حين قالت: ليجزيك كره ذلك.

ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً حتى قال شعيب هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.

سؤال: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية؟

الجواب: العمل بقول الواحد حراً أو عبداً ذكراً كان أو أنثى سائغ في الأخبار، والمشي مع الأجنبية لا بأس به في حال الاضطرار مع التورع والعفاف، ويؤيده ما روي أن موسى تبعها فأزلقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لهاك امشي خلفي وانعتي لي الطريق.

قال الضحاك: لما دخل عليه قال له: من أنت يا عبد الله؟

قال: أنا موسى بن عمران بن يصهر ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب.

﴿ وقص عليه القصص ﴾ أي المقصوص من لدن ولادته إلى قتل القبطيّ وفراره خوفاً من فرعون وملئه فـ ﴿ ـقال ﴾ له شعيب ﴿ لا تخف ﴾ من فرعون أو ضيماً ﴿ نجوت من القوم الظالمين ﴾ فلا سلطان لفرعون بأرضنا ﴿ قالت إحداهما ﴾ وهي كبراهما اسمها صفراء وكانت الصغرى صفيراء ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القويّ الأمين ﴾ قال النحويون: جعل القوي الأمين اسماً لكونه معرفة صريحة أولى من جعل "أفعل" التفضيل المضاف اسماً لكونه قريباً من المعرفة، ولكن كمال العناية صار سبباً للتقديم.

وورود الفعل وهو ﴿ استأجرت ﴾ بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.

وقال المحققون: إن قولها هذا كلام حكيم جامع لا مزيد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة اللتين هما ثمرتا الكياسة والديانة في الذين يقوم بأمرك، فقد حصل مرادك وكمل فراغك.

عن ابن عباس أن شعيباً أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوّته وأمانته؟

فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوّب راسه اي خفضه حين بلغته رسالته، وأنه أمرها بالمشي خلفه فلذلك قال ﴿ أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ﴾ وليس هذا عقداً حتى تلزم الجهالة في المعقود عليها ولكنه حكاية عزم وتقرير وعد ولو كان عقداً لقال أنكحتك ابنتي فلانة.

وفي قوله ﴿ هاتين ﴾ دليل على أنه كانت له غيرهما.

قال أهل اللغة: ﴿ تأجرني ﴾ من أجرته إذا كنت له أجيراً فيكون ﴿ ثماني ﴾ حجج ظرفه أو من اجرته كذا إذا أثبته إياه فيكون الثماني مفعولاً به ثانياً ومعناه رعية ثماني حجج ﴿ فإن أتممت عشراً ﴾ اي عمل عشر حجج ﴿ فمن عندك ﴾ أي فإتمامه من عندك لا من عندي إذ هو تفضل منك وتبرع ﴿ وما أريد أن أشق عليك ﴾ الزام أتم الأجلين أو بالتكاليف الشاقة في مدة الرعي، وإنما أعامل معك معاملة الأنبياء يأخذون بالأسمح -بالحاء لا بالجيم- قال أهل الاشتقاق: حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أنه إذا صعب الأمر فكأنه شق عليه ظنه باثنين يقول تارة أطيقة وتارة لا أطيقه.

ثم أكد وعد المسامحة بقوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ عموماً أو في باب حسن المعاملة.

وقوله ﴿ إن شاء الله ﴾ أدب جميل كقول إسماعيل ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين  ﴾ أي على الذبح.

وفيه أن الاعتماد في جميع الأمور على معونة الله والأمر موكول إلى مشيئته.

استدل الفقهاء بالآية على أن العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، وعلى أن عقد النكاح لا يفسده الشروط التي لا يوجبها العقد.

ويمكن أن يقال: إنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا.

وجوّز في الكشاف أن يكون استأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ووفاه إياه ثم أنكحه ابنته.

وجعل قوله ﴿ على أن تأجرني ﴾ عبارة عما جرى بينهما ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ ذلك ﴾ الذي شارطتني عليه قائم ﴿ بيني وبينك أيما الأجلين قضيت ﴾ و"ما" مؤكدة لإبهام أيّ زائدة في شيوعها ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ اي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة فإن قضيت الثماني فلا أطالب بالزيادة وإن قضيت العشر باختياري فلم أطالب بالزيادة أيضاً.

وقيل: أراد أيهما قضيت فلا أكون متعدياً.

روي عن النبي  أنه تزوّج كبراهما وقيل صغراهما ولا خلاف في أنه قضى أوفى الأجلين.

قال القاضي في قوله ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس ﴾ دليل على أنه لم يزد على العشرة وفيه نظر لأنه لا يفهم من هذا التركيب إلا أن الإيناس حاصل على عقيب مجموع الأمرين، ولا يدل على أن ذلك حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل ويؤيده ما روي عن مجاهد أنه بعد العشر المشروط مكث عشر سنين أخر.

قال أهل اللغة: الجذوة بحركات الجم العود الغليظ كانت في راسه نار أو لم تكن، وشاطئ الوادي جانبه، و"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، فالثانية بدل من الأولى وبدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، ووصفت البقعة بالمباركة لأن فيها ابتداء الرسالة والتكلم.

احتجت المعتزلة على مذهبهم أن الله  يتكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله ﴿ من الشجرة ﴾ وقال أهل السنة: مما وراء النهران الكلام القديم القائم بذات الله غير مسموع والمسموع من الشجرة وهو الصوت والحرف دال على كلام الله.

وذهب الأشعري إالى أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية.

روي أن شعيباً كانت عنده عصيّ الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل البيت فخذ عصا من تلك العصيّ فأخذ عصاً هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فشعر بها فقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً.

وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه، ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ هناك أكثر لأن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم.

فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على منعها فمشى على اثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد اقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى موسى دامية فارتاح لذلك.

وحين رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأناً.

قيل: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى ذهب ليقتبس النار فكلمه الملك الجبار وقد مر في النمل تفسير قوله ﴿ فلما رآها تهتز  ﴾ إلى قوله ﴿ من غير سوء  ﴾ أما قوله ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ فذكر جار الله له معنيين: أحدهما حقيقة وهو أنه لما قلب الله العصا حية فزع واضطراب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه نقصان قدرك عند الأعداء فإن ألقيتها، فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب النقص وإظهار معجزة أخرى.

وثانيهما مجاز وهو أن يراد بضم الجناح التجلد وضبط النفس حتى لا يضطرب فيكون استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف أرخى جناحيه وإلا ضمهما.

ومعنى ﴿ من الرهب ﴾ من أجل الخوف.

والفرق بين هذه العبارة وبين قوله ﴿ اسلك يدك في جيبك ﴾ أن الغرض هناك خروج اليد بيضاء وههنا الغرض إخفاء الخوف أو اراد بالجناح المضموم ههنا اليد اليمنى وبالجناح المضموم إليه في قوله ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ اليد اليسرى، وقيل: إن الرهب هو الكم بلغة حمير وزيفه النقاد.

من قرأ ﴿ فذانك ﴾ بالتخفيف فمثنى ذاك، ومن قرأ بالتشديد فمثنى ذلك وأصله ذان لك قلبت اللام نوناً وأدغمت.

وسميت الحجة برهاناً لبياضها وإنارتها من قولهم "امرأة برهرهة" أي بيضاء، والعين واللام مكررتان.

والدليل على زيادة النون قولهم "أبره الرجل" إذا جاء بالبرهان ونظيره "السلطان" من السليط الزيت، لإنارتها.

وظاهر الكلام يقتضي أنه  أمره بذلك قبل لقاء فرعون، والسر فيه أن يكون على بصيرة من أمره عند لقاء المعاند اللجوج، وزعم القاضي أنه في حال أداء الرسالة لأن المعجز إنما يظهر ليستدل المرسل إليه على الرسالة ولا يخفى ضعف هذا الكلام لأن الحكمة في الإظهار لا تنحصر في الاستدلال بل لعل هناك أنواعاً أخر من الحكم والمقاصد قد ذكرنا واحداً منها.

ومما يؤكد أن هذا الكلام قد جرى ولم يكن هناك أحد غير موسى قوله معتذراً ﴿ رب إني قتلت منهم نفساً ﴾ الآية.

والردء اسم ما يعان به من ردأته أي أعنته فعل بمعنى مفعول به و ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع صفة وبالجزم جواب كما مر في قوله ﴿ ولياً يرثني  ﴾ والمراد بتصديق أخيه أن يذب ويجادل عنه لا أن يقول: صدقت فإن هذا القدر لا يفتقر إلى البيان والفصاحة لأن سحبان وباقلاً يستويان فيه.

ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ يصدقني ﴾ لفرعون.

وجوّز جار الله أن يكون من الإسناد المجازي بناء على أن يصدق مسند إلى هارون وهو ببيانه وبلاغته سبب تصديق فرعون يؤيده قوله ﴿ إني أخاف أن يكذبون ﴾ قال الجبائي: إنما سأل موسى أن يرسل هارون بأمر الله  ولم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أولا يكون حكمة.

ولقائل أن يقول: لعله ساله مشروطاً على معنى إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقول الداعي في دعائه.

وقال السدي: علم أن الاثنين أقوى من الواحد فلهذا سأل اعترض القاضي بأن هذا من حيث العادة وأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين، لأن المبعوث إليه في أيهما نظر علم وإن لم ينظر فالحال واحدة.

هذا إذا كانت طريقة الدلالة بين المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلف وأمكن في إحداهما من إزالة الشبهة مالا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يقال: إنهما بمجموعهما أقوى من واحدة كما قال السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون لأن معجزتهما كانت واحدة.

قال جار الله معنى ﴿ سنشد عضدك ﴾ سنقوّيك بأخيك إما لأن اليد تشتد بشدة العضد وجملة البدن يقوى على مزاولة الأمور بشدة اليد، وإما لأن الرجل واشتداده بالأخ شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد.

والسلطان التسلط والغلبة والحجة الواضحة.

وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ إما متعلق بمقدر أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق بظاهر وهو ﴿ نجعل ﴾ أو ﴿ لا يصلون ﴾ .

ويجوز أن يكون بياناً لـ ﴿ لغالبون ﴾ كأنه قيل: بماذا نغلب؟

فقيل: بآياتنا.

وامتنع أن تكون صلة لـ ﴿ لغالبون ﴾ لتقدمه، ويجوز أن تكون قسماً جوابه ﴿ لا يصلون ﴾ مقدماً عليه مثله.

ويجوز أن يكون من لغو القسم الذي لا جواب له كقولك "زيد وأبيك منطلق"والمراد الغلبة بالحجة والبرهان في الحال أو بالدولة والمملكة في المآل، وصلب السحرة بعد تسليم ثبوته لا يقدح في قوله ﴿ ومن اتبعكما الغالبون ﴾ لأن الدولة الباقية أعلى شأنا و ﴿ سحر مفترى ﴾ أي سحر تعمله أنت ثم تنسبه إلى الله فهو كذب من هذا الوجه، أو سحر ظاهر افتراؤه لا سحر يخفى افتراؤه، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر فإن كل سحر ففاعله يوهم خلافه فهو المفترى.

ومعنى ﴿ ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ﴾ قد مر في سورة المؤمنين.

قال جار الله ﴿ في آبائنا ﴾ حال عن ﴿ هذا ﴾ اي كائناً في زمانهم وأيامهم قلت: لا مانع من أن يكون الظرف لغواً ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا بنحوه، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو أرادوا أن الكهان لم يخبروا بمجيء ما جاء به موسى.

وكل هذه المقالات لا تصدر إلا عن المحجوج اللجوج الذي قصارى أمره التمسك بحبل التقليد.

من قرأ ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو فعلى طريقة السؤال والجواب.

ووجه قراءة الأكثرين أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن العاقل الناظر بين القولين فيتبين له الغث من السمين.

وقوله ﴿ ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ﴾ إفحام للخصم المعاند إذ لا سبيل إلى دفاعه بالحجة أي يعلم أني محق وأنهم مبطلون.

وقوله ﴿ ومن تكون له عاقبة الدار ﴾ يعني العاقبة الحميدة كأن المذمومة غير معتدّ بها ضم طريقة الوعيد إلى الإفحام المذكور.

وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء السالفة فهو جواب لقولهم ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ وقال جار الله: ﴿ ربي أعلم ﴾ بحال من أهله للفلاح حيث جعله نبياً ووعده حسنى العقبى، ولو كان كاذباً كما يزعمون لم يؤهله لذلك لأنه لا يفلح عنده الظالمون، واعلم أن فرعون كان من عادته عند ظهور حجة لموسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروّجها على أغمار قومه فذكر ههنا أمرين: الأوّل قوله ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ فكأنه استدل بعدم الدليل على عدم المدلول وهو خطأ من جهة أن الدليل على المدلول وهو وجود الصانع أكثر من أن يحصى، ومن جهة أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول.

وأما قوله ﴿ غيري ﴾ فقد تكلف له بعضهم أنه لم يرد به أنه خالق السموات والأرض وما فيهما فإن امتناع ذلك بديهي، وإنما أراد به نفي الصانع والاقتصار على الطبائع وأنه لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره.

الثاني قوله ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ وقد تكلفوا له ههنا أيضاً فقيل: إنه يبعد من العاقل أن يروم صعود السماء بآلة، ولكنه أراد أنه لا سبيل إلى إثبات الصانع من حيث العقل كما مر، ولا من حيث الحس فإن الإحساس به يتوقف على الصعود وهو متعذر، وإلا فابن يا هامان مثل هذا البناء وإنما قال ذلك تهكماً.

فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم رتب النتيجة عليه وهو قوله ﴿ وإني لأظنه من الكاذبين ﴾ يحتمل أن يريد لأعلمه من الكاذبين.

والأكثرون من المفسرين على أنه بنى مثل هذا البناء جهلاً منه أو تلبيساً على ملئة حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن.

يروى أن هامان جمع العمال حتى اجتمع منهم خمسون ألف بناء سوى الأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ مبلغاً لا يقدر الباني أن يقوم عليه، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعت ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل.

ووقعت قطعة في البحر،و قطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك.

وروي في القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعند ذلك بعث الله جبرائيل لهدمه.

قال أهل البيان: إن صح الحديث ردّ النشابة ملطوخة فقد تهكم به بالفعل كما ثبت التهكم بالقول في غير موضع.

وإنما قال ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ ولم يقل: اطبخ لي الآجر.

ولأن هذه العبارة أحسن، ولأن فيه تعليم الصنعة، وقد كان أوّل من عمل الآجر فرعون.

عن عمر أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال: ما علمت أن أحداً بنى الآجر غير فرعون.

والطلوع والأطلاع الصعود يقال: طلع الجبل واطلع.

وفي قوله  ﴿ واستكبر هو وجنوده في الأرض ﴾ يعني أرض مصر ﴿ بغير الحق ﴾ إشارة إلى أن الاستكبار بالحق إنما هو لله  كما جاء في الحديث القدسي "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" فهو كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق  ﴾ وفي قوله ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ دليل على أنهم كانوا منكري البعث كالطبائعيين.

وفي قوله ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ﴾ دلالة على علو شأنه  وعظمة سلطانه وإشارة إلى استحقار فرعون وجنوده وعدده وإن كانوا أكثر من رمال الدهناء كأنه شبههم بحصيات أخذهن أحد في كفه فطرحهن في البحر.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ﴾ أن خالق الشر وجاعل الكفر هو الله  .

وقالت المعتزلة: معنى الجعل التسمية والحكم بذلك كما يقال: جعله بخيلاً وفاسقاً إذا حكم بالبخل والفسق عليه وسماه بالبخيل والفاسق، أو أراد خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى كانوا أئمة الكفر داعين إلى النار أي إلى موجباتها من الكفر والمعاصي.

وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم وذلك أنه تعالى عجل لهم العذاب فصاروا متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار.

وقال بعضهم: أراد بالإمامة أنهم بلغوا في ذلك الباب أقصى النهايات حتى أستحقوا أن يقتدى بهم.

ثم بين بقوله ﴿ ويوم القيامة لا ينصرون ﴾ أن عقاب الآخرة سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه.

وقال في الكشاف: اراد وخذلناهم في الدنيا ويوم القيامة هم مخذولون كما قال ﴿ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ﴾ اي طرداً وإبعاداً عن الرحمة ﴿ ويوم القيامة هم من المقبوحين ﴾ أي من المطرودين المبعدين: وقالت الليث: قبحه الله قبحاً بالفتح وقبحاً بالضم أي نحّاه عن كل خير.

وقال ابن عباس: من المشهورين بسواد الوجه وزرقة العين.

وعن بعضهم أنه  يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم فيجمع لهم بين الفضيحتين.

التأويل: وحين توجه تلقاء مدين عالم الروحانية ﴿ وجد عليه أمة ﴾ من أوصاف الروح ﴿ يسقون ﴾ مواشي أخلاقهم من ماء فيض الإلهي.

﴿ ووجد من دونهم امرأتين ﴾ السر والخفي ابنتا شعيب الروح يمنعان من استقاء ماء الفيض الإلهي.

قال الشيخ الإمام الرباني نجم الدين المعروف بداية: وذلك لأن لمعان أنوار الفيض يرد على الروح في البداية بالتدريج فينشا منه الخفي، وهو لطيفه ربانية مودعة في الروح بالقوة فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبة الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجليات صفات الربوبية والفيوض الإلهية، فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستقاء.

وكذا السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح، مؤدية غلى القلب وهو أيضاً بمعزل عن استقاء ماء فيض الروح عند اشتغال القلب بمعالجات النفس وإصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية وذلك قولهما ﴿ لا نسقي حتى يصدر الرعاء ﴾ وهم صفات الروح ويصرفوا مواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء الفيض الإِلهي، فإذا صدروا استقينا مواشينا من الأوصاف والأخلاق من أفضله مواشيهم في حوض القوى ﴿ وأبونا ﴾ وهو شعيب الروح لا يقدر على سقيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر والوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا، فسقي موسى القلب مواشيهما بقوّة استفادها من الجسد وقوّة استفادها من الروح لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلباً ﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ إلى العناية فطلب الفيض الإلهي بلا واسطة وهكذا ينبغي أن يكون السالك لا يقنع بما وجد من المعارف أبداً.

﴿ فجاءته إحداهما ﴾ فيه أن القلب يحتاج في الوصول إلى حضرة شعيب الروح أن يستمد من الخفي أو السر.

﴿ لا تخف نجوت ﴾ فيه أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح نجا من ظلمات النفس وصفاتها ﴿ إن خير من استأجرت ﴾ من النفس والجسد ﴿ القوي الأمين ﴾ لأن القلب استفاد القوّة من الجسد والأمانة من الروح ﴿ ثماني حجج ﴾ فيه أن الروح في تبليغ القلب إلى مقام الخفي يحتاج إلى تسييره في مقامات صفاته الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق وهي: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والبقاء.

وتمام ذلك إلى العشرة راجع إلى خصوصيته وهما المحبة والأنس مع الله ﴿ أيما الأجلين قضيت ﴾ في التخلق بأخلاقك اليمانية وفي المحبة والأنس مع الله ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ أي ليس لك أن تمنعني العبور عن المحبة لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على تلك الصفات الثمانية.

وأما المحبة والأنس مع الله فصفتان مخصوصتان بالحضرة.

﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ولهذا كل إنسان من المؤمن والكافر فإنه مجبول على تلك الأوصاف وليس من زمرة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ إلا مؤمن موحد.

فلما اتصف موسى القلب بالأوصاف الثمانية وغلبت عليه محبة الله واستأنس به وصار بجميع صفاته متوجهاً إلى حضرة القدس ﴿ آنس ﴾ من طور الحضرة نار نور الإلوهية.

وفي قوله ﴿ لأهله امكثوا ﴾ إشارة إلى أن السالك لا بد له من تجريد الظاهر عن الأهل والمال وتفريد الباطن عن تعلقات الكونين.

نور يبدو وإذا بدا استمكن شمس طلعت ومن رآها آمن.

وفي قوله ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ إشارة إلى أن الأوصاف الإنسانية جامدة من برودة الطبيعة لا تتسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار الجذبة الإلهية ﴿ من شاطئ الواد الأيمن ﴾ وهو السر في بقعة البدن من شجرة وجود الإنسان ﴿ من الرهب ﴾ أي رهبة من فوات وصال الحضرة ﴿ وأخي هرون ﴾ هو العقل فمن خصوصيته تصديق الناطق بالحق ﴿ قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ﴾ لأن النفس خلقت من اسفل عالم الملكوت ومنكسة، والقلب خلق وسط عالم الملكوت متوجهاً إلى الحضرة فلهذا ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ وما صدقت النفس ما رأت ﴿ في آبائنا الأولين ﴾ اي في طبائع الكواكب فإنها آباء النفس وأمهاتها العناصر والطبائع منكوسة إلىعالم السفل لا يعرفون مقام الوحدة فلا يعرفون بالتوحيد.

﴿ فأوقد لي يا هامان ﴾ الشيطان ﴿ على الطين ﴾ البشرية بنفخ الوساوس والغرور ﴿ فاجعل لي صرحاً ﴾ من المقدمات الخيالية والوهمية ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ أغرقوا في ماء شهوات الدنيا ويم هممها فأدخلوا نار الحسرة والندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ ﴾ : قال بعضهم: أخذ طريقاً إذا سلك ذلك الطريق وأخذ فيه خرج تلقاء مدين، أو وقع تلقاء المكان المقصود إليه.

وقوله: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ أي: الطريق الذي كان يقصده ويطلبه وهو طريق مدين، وذكر أنه كان ضل الطريق.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ﴾ أي: ورد البئر التي كان ماء مدين من تلك البئر.

﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ ﴾ أمة أي: جماعة.

وقيل: أناس من الناس يسقون أغنامهم ومواشيهم.

﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ ﴾ : قال: بعضهم: ﴿ تَذُودَانِ ﴾ : تحبسان حتى يفرغ الناس ويصدرون ويخلو لهما البئر.

وقال بعضهم: ﴿ تَذُودَانِ ﴾ أي: تطردان أغنامهما لتسقياها.

ثم قوله: ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تذودان غنمهما ولا تسقيانها حتى يصدر الرعاء؛ لما لا تتركان تسقيان غنمهما مع غنم أولئك الرعاء حتى يصدروا هم.

والثاني: لا تمنعان ذلك، ولكنهما تستحيان أن تزاحما الرجال وتختلطا بهم، فتنتظران فراغهم صدور الرعاء عنها.

فإن قيل: فما بالهما لا تتخلفان وقت اجتماع القوم، وتشهدان في ذلك الوقت، ولا تنتظران خلاء البئر عنهم؟!

قيل: لما ذكر أن على رأس البئر حجرا يلقى عليه لا يطيقه إلا كذا كذا نفرا؛ وكذلك الدلو التي يستقى منها لا يطيقها إلا كذا كذا من عشرة إلى أربعين على ما ذكر، فهما تشهدان ذلك البئر وقت شهود القوم وحضورهم؛ ليتولوا هم نزح الدلو واستقاءها، ولو تخلفتا وانتظرتا خلاء البئر عنهم ثم تأتيان، لم تقدرا على نزح الماء والدلو، ورفع الحجر الذي ذكر أنه كان على رأس البئر، لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ أي: ما شأنكما وما أمركما؟

﴿ قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ﴾ ؛ لما ذكرنا.

وقرئ: ﴿ يُصْدِرَ ﴾ بنصب الياء وبالرفع جميعاً.

فمن قرأه بالنصب فإنه يقول: حتى يصدر الرعاء بأنفسهم أي: يرجع.

ومن قرأه بالرفع، أي: حتى يصرفوا ويرجعوا أغنامهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ : تذكران - والله أعلم - عذر أبيهما في التخلف عن سقي الغنم، وإرساله إياهما في ذلك دون تولي ذلك بنفسه، وقالا: ذلك لكبره وضعفه ما يتخلف عن ذلك ويرسلهما، وإلا لا معنى لذكر كبر أبيهما بلا سبب يحملهما على ذلك سوى ما ذكرنا.

وجائز أن يكون لمعنى آخر لا نعلمه.

وقوله: ﴿ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ ﴾ : دل أن البئر التي كانت تسقى الماشية منها كانت في الشمس؛ حيث أخبر أنه أسقى لهما ثم تولى إلى الظل.

وفيه أن لا بأس بأن يجلس في الظل.

وقوله: ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ قيل: إن هذا منه شكاية عما أصابه من الجوع؛ لأنه ذكر أنه خرج من المصر إلى مدين هارباً من فرعون وقومه، غير متزود، وهو مسيرة ثماني ليال.

وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يخبر ويذكر عما هو فيه من الشدة والبلاء، حيث ذكر موسى حاله التي هو فيها من الجوع الذي أصابه؛ وكذلك ما قال في آية أخرى: ﴿ لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً  ﴾ ، وذلك يرد قول من يقول: إن مثل هذا يخرج مخرج الشكاية عن الله، ولو كانت شكاية لكان موسى لا يقول ذلك ولا يذكره.

وقوله: ﴿ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ .

قوله: ﴿ تَمْشِي ﴾ : مشي من لم يعتد الخروج.

أو ﴿ تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ ، أي: تمشي مشي من لم يخالط الناس على التستر والتغطية.

﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ : هذا يدل على أن لا بأس أن يؤخذ على المعروف الذي صنع إلى آخر أجر، والأفضل على من صنع إليه المعروف والتبرع أن يعطي لمعروفه وتبرعه بدلا وأجرا، والأفضل على المتبرع وعلى صانع المعروف ألاَّ يأخذ على ذلك بدلا، إلا أن موسى كان قد اشتدت به الحاجة؛ لذلك كان ما ذكر وأخذ لمعروفه ما ذكر بدلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ ﴾ أي: لما جاء موسى أبا المرأتين وقص عليه قصته قال له: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

دل قوله هذا لموسى: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : أنه لم يكن لفرعون على ذلك المكان سلطان ولا يد؛ إذ لو كان له سلطان لكان له فيه الخوف الذي كان من قبل، ولم يكن نجا موسى منه، دل أنه لم يكن له عليهم سلطان.

وقوله: ﴿ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ يحتمل: المشركين؛ إذ كل مشرك ظالم.

ويحتمل ﴿ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : الذين يقتلون بغير حق حيث قال: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

وقوله: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ : قال أهل التأويل: قال أبوهما لما قالت له استأجره فإنه قوي أمين: ما قوته وأمانته؟

فقالت: أما قوته: فإنه رفع الحجر من رأس البئر وحده، وكان لا يطيقه إلا كذا كذا نفرا، ونزح الدلو من البئر وحده، وكان لا يطيق نزحه إلا كذا كذا؛ فذلك قوته.

وأمّا أمانته: فإنه قال لي: امشي خلفي وصفي لي الطريق؛ فذلك أمانته.

ولكن قد كانت تعرف أمانته قبل ذلك لما جرى بينه وبينهما من المعاملة حين قال لهما: ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ ، وحين سقى لهما في مثل هذا تعرف أمانته في ترك النظر إليهما، وترك الاعتراض لما يوجب التهمة، والله أعلم.

وقولها: ﴿ يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ ﴾ كأن أباها كان في طلب أجير قوي أمين، لكنه لا يجد ولا يظفر به؛ لذلك قالت له: ﴿ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ إذ لا يحتمل أن يكون له ماشية وله غناء وبه حاجة إلى رعي ذلك وسقيه، وقد بلغ في نفسه من الكبر والضعف ما ذكر، يرسل ابنتيه في الرعي والسقي، ولا يستأجر الأجير ليتولى ذلك دون بناته، هذا لا يحتمل ذلك، وخاصة مع ما وصف ابنته من الحياء حيث قال: ﴿ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ دل ذلك أنه كان في طلب الأجير، وإنما أرسل ابنتيه في سقي الغنم وهو مضطر إلى ذلك محتاج إليه؛ لذلك قالت له: ﴿ يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ .

ثم قال: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ : طلبت هي الاستئجار، وهو عرض عليه النكاح لما لم ترغب هي في النكاح، أو طلبت الاستئجار ولم تُرِ من نفسها الرغبة في النكاح، وإن كانت لها الرغبة حياء، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: أنه جعل عمله ثماني حجج بدلا للنكاح ومهرا لبضعها.

ثم تحديده ثماني حجج لما رأى عمل ثماني سنين مهر مثلها.

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ أي: فإن أتممت عشراً وزدت على مهر المثل فمن عندك، أي: لك ذلك فضل منك وإحسان.

والثاني: قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ ليس على جعله بدلا للنكاح، ولكن على الإجارة المعروفة على أجر معلوم على حدة، من غير أن كان ذلك مهرا لها.

ثم التحديد بثماني سنين على هذا الوجه يخرج على إحدى خلتين: إحداهما: أنه لما قص عليه قصته علم أنه لا يقدر على العود إلى المصر، ورأى أنه لا يأمن تلك الناحية بدون ما ذكر من المدة.

أو لما رأى أن نفسه تنزع وتشوق بالعود في ذلك الوقت فشرط ذلك عليه لئلا يحدث نفسه بالرجوع إليه إلى ذلك الوقت.

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ أي: فإن زدت سنتين على ذلك فمن فضلك وإحسانك ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ في الزيادة على ذلك كله، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ في جميع ما يجري بينك وبيني من المعاملة والصحبة.

وفيه أن الثنيا فيما يعدون كان ظاهراً في الأمم السالفة.

ثم اختلف في أبي المرأتين: قال بعضهم: كان شعيباً.

وقال بعضهم: ابن أخي شعيب.

وقال الحسن: لم يكن شعيباً، ولكن كان سيّد الماء يومئذ.

وليس لنا إلى معرفة من كان حاجة، أمّا شعيب فإنه لم يكن في زمن موسى، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ ذَلِكَ ﴾ يعني: الشرط - والله أعلم - ﴿ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ﴾ أي: أوفيت وعملت، إمّا الثماني وإما العشر ﴿ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾ يقول: لا سبيل لك عليَّ بعد ذلك ولا تبعة، والعدوان: هو الظلم والمجاوزة عن الحدّ الذي حد له يقول: لا ظلم عليّ ولا مجاوزة علي أي الاختيارين قضيت، أيّ الأجلين اخترت وشئت لنا.

ثم قال: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ قال بعضهم: والله كفيل على مقالتي ومقالتك، والوكيل: هو الشهيد أو الحافظ، كأنه يقول: والله على ما نقول شهيد.

"ذكر أن جبريل جاء رسول الله  فقال: إن سُئلت: أي الأجلين قضى موسى؟

فقل: أبرّهما وأوفاهما، وإن سُئلت: أي المرأتين تزوج؟

فقل: أصغرهما" فإن ثبت هذا، ففيه أنه قضى الأجلين جميعاً: الثماني والعشر، وليس في الآية إلا قضاء الأجل حيث قال: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ﴾ .

وقال القتبي: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ﴾ أي: تجازيني من التزويج والأجر من الله إنما على الجزاء على العمل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما سار مقبلًا بوجهه جهة مَدْين قال: عسى ربي أن يرشدني إلى خير طريق، فلا أضلّ عنها.

<div class="verse-tafsir" id="91.wpJ2j"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله