الآية ٢٤ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٢٤ من سورة القصص

فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍۢ فَقِيرٌۭ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 139 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( فسقى لهما ) قال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا عبد الله ، أنبأنا إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أن موسى ، عليه السلام ، لما ورد ماء مدين ، وجد عليه أمة من الناس يسقون ، قال : فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال ، فإذا هو بامرأتين تذودان ، قال : ما خطبكما ؟

فحدثتاه ، فأتى الحجر فرفعه ، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم .

إسناد صحيح .

وقوله : ( ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) قال ابن عباس : سار موسى من مصر إلى مدين ، ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر ، وكان حافيا فما وصل مدين حتى سقطت نعل قدمه .

وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه ، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع ، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة .

وقوله : ( إلى الظل ) قال ابن عباس ، وابن مسعود ، والسدي : جلس تحت شجرة .

وقال ابن جرير : حدثني الحسين بن عمرو العنقزي ، حدثنا أبي ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : حثثت على جمل ليلتين ، حتى صبحت مدين ، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى ، فإذا شجرة خضراء ترف ، فأهوى إليها جملي - وكان جائعا - فأخذها جملي فعالجها ساعة ، ثم لفظها ، فدعوت الله لموسى ، عليه السلام ، ثم انصرفت .

وفي رواية عن ابن مسعود : أنه ذهب إلى الشجرة التي كلم الله منها لموسى ، كما سيأتي والله أعلم .

وقال السدي : كانت من شجر السمر .

وقال عطاء بن السائب : لما قال موسى ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) ، أسمع المرأة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) يقول تعالى ذكره: فسقى موسى للمرأتين ماشيتهما, ثم تولى إلى ظلّ شجرة ذُكِر أنها سَمُرة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( ثُمَّ تَوَلَّى) موسى إلى ظلّ شجرة سَمُرة, فقال: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ).

حدثني العباس, قال: ثنا يزيد, قال: أخبرنا الأصبغ, قال: ثنا القاسم, قال: ثني سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, قال: انصرف موسى إلى شجرة, فاستظلَّ بظلِّها,( فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ).

حدثني الحسين بن عمرو العنقزي, قال: ثنا أبي, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عمرو بن ميمون, عن عبد الله, قال: حثثت على جَمَل لي ليلتين حتى صبحت مدين, فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى, فإذا شجرة خضراء تَرفّ, فأهوى إليها جملي وكان جائعا, فأخذها جملي, فعالجها ساعة, ثم لفظها, فدعوت الله لموسى عليه السلام , ثم انصرفت.

وقوله: ( فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) محتاج.

وذُكِر أن نبيّ الله موسى عليه السلام قال هذا القول, وهو بجهد شديد, وعَرَّض ذلك للمرأتين تعريضا لهما, لعلهما أن تُطعماه مما به من شدّة الجوع.

وقيل: إن الخير الذي قال نبي الله ( إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) محتاج, إنَّمَا عنى به: شَبْعَةٌ من طعام.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد, عن ابن عباس, قال: لما هرب موسى من فرعون أصابه جوع شديد, حتى كانت تُرى أمعاؤه من ظاهر الصِّفاق; فلما سقى للمرأتين, وأوى إلى الظلّ, قال: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ).

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, قال: ثنا عنبسة, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, في قوله: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ قال: ورد الماء وإنه ليتراءَى خُضرةُ البقل في بطنه من الهُزال,( فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: شَبعةُ.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأوْدِيُّ, قال: ثنا حَكَّام بن سلم, عن عنبسة, عن أبي حُصَين, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس, في قوله: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ قال: ورد الماء, وإن خُضرة البقل لتُرى في بطنه من الهُزال.

حدثني نصر بن عبد الرحمن, قال: ثنا حكام بن سَلْم, عن عنبسة, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبَيْر ( إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: شَبْعَةُ يومئذ.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان عن منصور, عن إبراهيم, في قوله, فقال: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: قال هذا وما معه درهم ولا دينار.

قال: ثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد ( إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: ما سأل إلا الطعام.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة بن الفضل, عن سفيان الثوري, عن ليث, عن مجاهد, في قوله: فقال: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: ما سأل ربه إلا الطعام.

حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي قال: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: قال ابن عباس: لقد قال موسى: ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خُضْرة أمعائه من شدة الجوع, وما يسأل الله إلا أكلة.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: كان نبي الله بجهد.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن عطاء بن السائب في قوله: ( إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: بلغني أن موسى قالها وأسمع المرأة.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثني أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نُجَيح, عن مجاهد, قوله: ( مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: طعام.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: طعام.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال: الطعام يَسْتَطْعِم, لم يكن معه طعام, وإنما سأل الطعام.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم تولى إلى الظل تولى إلى ظل سمرة ; قاله ابن مسعود وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله : إني لما أنزلت إلي من خير فقير وكان لم يذق طعاما سبعة أيام ، وقد لصق بطنه بظهره ; فعرض بالدعاء ولم يصرح بسؤال ; هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله ; فالخير يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية ، ويكون بمعنى المال كما قال : إن ترك خيرا وقوله : وإنه لحب الخير لشديد ويكون بمعنى القوة كما قال : أهم خير أم قوم تبع ويكون بمعنى العبادة كقول : وأوحينا إليهم فعل الخيرات قال ابن عباس : وكان قد بلغ به الجوع ، واخضر لونه من أكل البقل في بطنه ، وإنه لأكرم الخلق على الله ويروى أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدميه .

وفي هذا [ ص: 249 ] معتبر وإشعار بهوان الدنيا على الله .

وقال أبو بكر بن طاهر في قوله : إني لما أنزلت إلي من خير فقير أي إني لما أنزلت من فضلك وغناك فقير إلى أن تغنيني بك عمن سواك .قلت : ما ذكره أهل التفسير أولى ; فإن الله تعالى إنما أغناه بواسطة شعيب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فرق لهما موسى عليه السلام ورحمهما { فَسَقَى لَهُمَا } غير طالب منهما الأجرة، ولا له قصد غير وجه اللّه تعالى، فلما سقى لهما، وكان ذلك وقت شدة حر، وسط النهار، بدليل قوله: { ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ } مستريحا لذلك الظلال بعد التعب.{ فَقَالَ } في تلك الحالة، مسترزقا ربه { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } أي: إني مفتقر للخير الذي تسوقه إليَّ وتيسره لي.

وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال، فلم يزل في هذه الحالة داعيا ربه متملقا.

وأما المرأتان، فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما جرى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ) ظل شجرة ، فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع ، ( فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير ) طعام ، ( فقير ) قال أهل اللغة اللام بمعنى " إلى " ، يقال : هو فقير له ، وفقير إليه ، يقول : إني لما أنزلت إلي من خير ، أي : طعام ، فقير محتاج ، كان يطلب الطعام لجوعه .

قال ابن عباس : سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه .

قال الباقر : لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة .

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : لقد قال موسى : ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) وهو أكرم خلقه عليه ، ولقد افتقر إلى شق تمرة .

وقال مجاهد : ما سأله إلا الخبز .

قالوا : فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفل بطان ، قال لهما : ما أعجلكما ؟

قالتا : وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا أغنامنا ، فقال لإحداهما : اذهبي فادعيه لي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فسقى لهما» من بئر أخرى بقربهما رفع حجراً عنها لا يرفعه إلا عشرة أنفس «ثم تولى» انصرف «إلى الظل» لسمرة من شدة حر الشمس وهو جائع «فقال رب إني لما أنزلت إليَّ من خير» طعام «فقيرٌ» محتاج فرجعتا إلى أبيهما في زمن أقل مما كانتا ترجعان فيه فسألهما عن ذلك فأخبرتاه بمن سقي لهما فقال لإحداهما: ادعيه لي، قال تعالى:

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فسقى موسى للمرأتين ماشيتهما، ثم تولى إلى ظل شجرة فاستظلَّ بها وقال: رب إني مفتقر إلى ما تسوقه إليَّ مِن أي خير كان، كالطعام.

وكان قد اشتد به الجوع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن سمع موسى منهما هذه الإجابة ، سارع إلى معاونتهما - شأن أصحاب النفوس الكبيرة ، والفطرة السليمة ، وقد عبر القرآن عن هذه المسارعة بقوله : ( فسقى لَهُمَا ) .أى : فسقى لهما مواشيهما سريعا .

من أجل أن يريحهما ويكفيهما عناء الانتظار وفى هذا التعبير إشارة إلى قوته ، حيث إنه استطاع وهو فرد غريب بين أمة من الناس يسقون - أن يزاحم تلك الكثرة من الناس ، وأن يسقى للمرأتين الضغيفتين غنمهما .

دون أن يصرفه شىء عن ذلك .رحم الله صاحب الكشاف .

فقد أجاد عند عرضه لهذه المعانى .

فقال ما ملخصه : " قوله : ( فسقى لَهُمَا ) أى : فسقى غنمهما لأجلهما .

وروى أن الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال .

.

فأقله وحده .وإنما فعل ذلك رغبة فى المعروف وإغاثة للملهوف والمعنى : أنه وصل إلى ذلك الماء ، وقد ازدحمت عليه أمة من الناس ، متكافئة العدد ، ورأى الضعيفتين من ورائهم ، مع غنمهما مترقبتين لفراغهم .

فما أخطأت همته فى دين الله تلك الفرصة ، مع ما كان به من النصب والجوع ، ولكنه رحمهما فأغاثهما ، بقوة قلبه ، وبقوة ساعده .فإن قلت : لم ترك المفعول غير مذكور فى قوله ( يَسْقُونَ ) و ( تَذُودَانِ ) قلت : لأن الغرض هو الفعل لا المفعول .

ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقى ، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلا .فإن قلت : كيف طابق جوابهما سؤاله؟

قلت : سألهما عن سبب الذود فقالتا : السبب فى ذلك أننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ، فلا بد لنا من تأخير السقى إلى أن يفرغوا ، ومالنا رجل يقوم بذلك ، وأبونا شيخ كبير ، فقد أضعفه الكبر ، فلا يصلح للقيام به ، فهما قد أبدتا إليه عذرهما فى توليهما السقى بأنفهسما .فإن قلت : كيف ساغ لنبى الله الذى هو شعيب - عليه السلام - أن يرضى لابنتيه بسقى الماشية؟

قلت ، الأمر فى نفسه ليس بمحظور ، فالدين لا يأباه ، وأما المروءة فالناس مختلفون فى ذلك .والعادات متباينة فيه .

.

وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم .

ومذهب أهل البدو غير مذهب أهل الحضر ، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة .

.

.وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ تولى إِلَى الظل ) فقال : ( رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) بيان لما فعله موسى وقاله بعد أن سقى للمرأتين غنمهما .أى : فسقى موسى للمرأتين غنمهما ، ثم أعرض عنهما متجها إلى الظل الذى كان قريبا منه فى ذلك المكان ، قيل كان ظل شجرة وقيل ظل جدار .فقال : على سبيل التضرع إلى ربه : ياربى : إنى فقير ومحتاج إلى أى خير ينزل منك على سواء أكان هذا الخير طعاما أم غيره .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ ) أى : لأي شىء تنزله من خزائن كرمك إلى ( مِنْ خَيْرٍ ) جل أو قل ، ( فَقِيرٌ ) أى : محتاج ، وهو خبر إن .

وعدى باللام لتضمنه معنى الاحتياج .

و ( ما ) نكرة موصوفة ، والجملة بعدها صفتها .

والرابط محذوف ، و ( مِنْ خَيْرٍ ) بيان لها والتنوين فيه للشيوع ، والكلام تعريض لما يطعمه ، بسبب ما ناله من شدة الجوع .يدل لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما سقى موسى للجاريتين ، ثم تولى إلى الظل .

فقال : رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير ، وإنه يومئذ فقير إلى كف من تمر " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الناس اختلفوا في قوله: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ فال بعضهم إنه خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة فأوصله الله تعالى إلى مدين، وهذا قول ابن عباس، وقال آخرون لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم عليه السلام، وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله تعالى، ومن الناس من قال بل جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق وذكر ابن جرير عن السدي لما أخذ موسى عليه السلام في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح، فقال لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين، واحتج من قال إنه خرج وما قصد مدين بأمرين: أحدهما: قوله: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ ولو كان قاصداً للذهاب إلى مدين لقال، ولما توجه إلى مدين فلما لم يقل ذلك بل قال: ﴿ تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ علمنا أنه لم يتوجه إلا إلى ذلك الجانب من غير أن يعلم أن ذلك الجانب إلى أين ينتهي والثاني: قوله: ﴿ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل ﴾ وهذا كلام شاك لا عالم والأقرب أن يقال إنه قصد الذهاب إلى مدين وما كان عالماً بالطريق.

ثم إنه كان يسأل الناس عن كيفية الطريق لأنه يبعد من موسى عليه السلام في عقله وذكائه أن لا يسأل، ثم قال ابن إسحاق خرج من مصر إلى مدين بغير زاد ولا ظهر، وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.

أما قوله: ﴿ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل ﴾ فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ  ﴾ وموسى عليه السلام قلما يذكر كلاماً في الاستدلال والجواب والدعاء والتضرع إلا ما ذكره إبراهيم عليه السلام، وهكذا الخلف الصدق للسلف الصالح صلوات الله عليهم وعلى جميع الطيبين المطهرين ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ ﴾ وهو الماء الذي يسقون منه وكان بئراً فيما روي ووروده مجيئه والوصول إليه ﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ ﴾ أي فوق شفيره ومستقاه ﴿ أُمَّةٍ ﴾ جماعة كثيرة العدد ﴿ مِنَ الناس ﴾ من أناس مختلفين ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ﴾ في مكان أسفل من مكانهم ﴿ امرأتين تَذُودَانِ ﴾ والذود الدفع والطرد فقوله (تذودان) أي تحبسان ثم فيه أقوال: الأول: تحبسان أغنامهما واختلفوا في علة ذلك الحبس على وجوه: أحدها: قال الزجاج لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي.

وثانيها: كانتا تكرهان المزاحمة على الماء.

وثالثها: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم.

ورابعها: لئلا تختلطا بالرجال القول الثاني: كانتا تذودان عن وجوههما نظراً الناظر ليراهما والقول الثالث: تذودان الناس عن غنمهما القول الرابع: قال الفراء تحبسانها عن أن تتفرق وتتسرب ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ أي ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي مطلوبكما من الذياد فسمى المخطوب خطباً كما يسمى المشئون شأناً في قولك ما شأنك ﴿ قَالَتَا لاَ نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ وذلك يدل على ضعفهما عن السقي من وجوه: أحدها: أن العادة في السقي للرجال، والنساء يضعفن عن ذلك.

وثانيها: ما ظهر من ذودهما الماشية على طريق التأخير.

وثالثها: قولهما حتى يصدر الرعاء.

ورابعها: انتظارهما لما يبقى من القوم من الماء.

وخامسها: قولهما: ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ ودلالة ذلك على أنه لو كان قوياً حضر ولو حضر لم يتأخر السقي، فعند ذلك سقى لهما قبل صدر الرعاء، وعادتا إلى أبيهما قبل الوقت المعتاد.

قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الياء وضم الدال، وقرأ الباقون بضم الياء، وكسر الدال فالمعنى في القراءة الأولى حتى ينصرفوا عن الماء ويرجعوا عن سقيهم وصدر ضد ورد، ومن قرأ بضم الياء فالمعنى في القراءة حتى يصدر القوم مواشيهم.

أما قوله: ﴿ فسقى لَهُمَا ﴾ أي سقى غنمهما لأجلهما، وفي كيفية السقي أقوال: أحدها: أنه عليه السلام سأل القوم أن يسمحوا فسمحوا وثانيهما: قال قوم عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلا عشرة، وقيل أربعون، وقيل مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر.

وثالثها: أن القوم لما زاحمهم موسى عليه السلام تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو عليه السلام رمى ذلك الحجر وسقى لهما وليس بيان ذلك في القرآن، والله أعلم بالصحيح منه، لكن المرأة وصفت موسى عليه السلام بالقوة فدل ذلك على أنها شاهدت منه ما يدل على فضل قوته، وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ تولى إِلَى الظل ﴾ وفيه دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر، وفيه دلالة أيضاً على كمال قوة موسى عليه السلام، قال الكلبي: أتى موسى أهل الماء فسألهم دلواً من ماء، فقالوا له إن شئت ائت الدلو فاستق لهما قال نعم، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلاً حتى يخرجوه من البئر فأخذ موسى عليه السلام الدلو فاستقى به وحده وصب في الحوض ودعا بالبركة ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما.

فإن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية؟

قلنا ليس في القرآن ما يدل على أن أباهما كان شعيباً والناس مختلفون فيه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما إن أباهما هو بيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد وقال الحسن إنه رجل مسلم قبل الدين عن شعيب على أنا وإن سلمنا أنه كان شعيباً عليه السلام لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس فيها مختلفون وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل الحضر، لا سيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة.

وأما قوله: ﴿ قَالَ رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ فالمعنى إني لأي شيء أنزلت إلي من خير قليل أو كثير غث أو سمين لفقير، وإنما عدى فقيراً باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.

واعلم أن هذا الكلام يدل على الحاجة، إما إلى الطعام أو إلى غيره، إلا أن المفسرين حملوه على الطعام قال ابن عباس يريد طعاماً يأكله، وقال الضحاك مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض، وروي أن موسى عليه السلام لما قال ذلك رفع صوته ليسمع المرأتين ذلك، فإن قيل إنه عليه السلام لما بقي معه من القوة ما قدر بها على حمل ذلك الدلو العظيم، فكيف يليق بهمته العالية أن يطلب الطعام، أليس أنه عليه السلام قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي قوة سوي»؟

قلنا أما رفع الصوت بذلك لإسماع المرأتين وطلب الطعام فذاك لا يليق بموسى عليه السلام ألبتة فلا تقبل تلك الرواية ولكن لعله عليه السلام قال ذلك في نفسه مع ربه تعالى، وفي الآية وجه آخر كأنه قال رب إني بسبب ما أنزلت إلي من خير الدين صرت فقيراً في الدنيا لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة، فقال ذلك رضي بهذا البدل وفرحاً به وشكراً له، وهذا التأويل أليق بحال موسى عليه السلام.

أما قوله تعالى: ﴿ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحياء ﴾ فقوله: ﴿ عَلَى استحياء ﴾ في موضع الحال أي مستحيية، قال عمر بن الخطاب قد استترت بكم قميصها، وقيل ماشية على بعد مائلة عن الرجال وقال عبد العزيز بن أبي حازم على إجلال له ومنهم من يقف على قوله: ﴿ تَمْشِى ﴾ ثم يبتدئ فيقول: ﴿ عَلَى استحياء ﴾ قالت: ﴿ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ ﴾ يعني أنها على الاستحياء قالت هذا القول لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحيي، لا سيما المرأة وفي ذلك دلالة على أن شعيباً لم يكن له معين سواهما وروي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس، قال لهما ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي، أما الاختلاف في أن ذلك الشيخ كان شعيباً عليه السلام أو غيره فقد تقدم، والأكثرون على أنه شعيب.

وقال محمد بن إسحاق في البنتين اسم الكبرى صفورا، والصغرى ليا، وقال غيره صفرا وصفيرا، وقال الضحاك صافورا والتي جاءت إلى موسى عليه السلام هي الكبرى على قول الأكثرين، وقال الكلبي الصغرى، وليس في القرآن دلالة على شيء من هذه التفاصيل.

أما قوله: ﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ ففيه إشكالات: أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية، فإن ذلك يورث التهمة العظيمة، وقال عليه السلام: «اتقوا مواضع التهم».

وثانيها: أنه سقى أغنامهما تقرباً إلى الله تعالى فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه فإن ذلك غير جائز في المروءة، ولا في الشريعة؟.

وثالثها: أنه عرف فقرهن وفقر أبيهن وعجزهم وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث كان يمكنه الكسب الكثير بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من السقي من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟.

ورابعها: كيف يليق بشعيب النبي عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟

والجواب: عن الأول أن نقول: أما العمل بقول امرأة فكما نعمل بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى في الأخبار وما كانت إلا مخبرة عن أبيها، وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع والجواب: عن الثاني، أن المرأة وإن قالت ذلك فلعل موسى عليه السلام ما ذهب إليهم طلباً للأجرة بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ، وروي أنها لما قالت ليجزيك كره ذلك، ولما قدم إليه الطعام امتنع، وقال إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا، ولا نأخذ على المعروف ثمناً، حتى قال شعيب عليه السلام هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ إلى حيث ما كان يطيق تحمله فقبل ذلك على سبيل الاضطرار وهذا هو الجواب: عن الثالث فإن الضرورات تبيح المحظورات والجواب: عن الرابع لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُ ﴾ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام يمشي والجارية أمامه فهبت الريح فكشفت عنها فقال موسى عليه السلام إني من عنصر إبراهيم عليه السلام فكوني من خلفي حتى لا ترفع الريح ثيابك فأرى ما لا يحل لي، فلما دخل على شعيب فإذا الطعام موضوع، فقال شعيب تناول يا فتى، فقال موسى عليه السلام أعوذ بالله قال شعيب ولم؟

قال لأنا من أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً، فقال شعيب ولكن عادتي وعادة آبائي إطعام الضيف فجلس موسى عليه السلام فأكل، وإنما كره أكل الطعام خشية أن يكون ذلك أجرة له على عمله، ولم يكره ذلك مع الخضر حين قال: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً  ﴾ والفرق أن أخذ الأجر على الصدقة لا يجوز، أما الاستئجار ابتداء فغير مكروه.

أما قوله: ﴿ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص ﴾ فالقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضحاك لما دخل عليه قال له من أنت يا عبدالله، فقال أنا موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم، وقتل القبطي وأنهم يطلبونه ليقتلوه، فقال شعيب: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين ﴾ أي لا سلطان له بأرضنا فلسنا في مملكته وليس في الآية دلالة على أنه قال ذلك عن الوحي أو على ما تقتضيه العادة.

فإن قيل: المفسرون قالوا إن فرعون يوم ركب خلف موسى عليه السلام ركب في ألف ألف وستمائة ألف، فالملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا يكون في ملكه قرية على بعد ثمانية أيام من دار مملكته؟

قلنا هذا وإن كان نادراً إلا أنه ليس بمحال.

أما قوله: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوى الأمين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: وصفته بالقوة لما شاهدت من كيفية السقي وبالأمانة لما حكينا من غض بصره حال ذودهما الماشية وحال سقيه لهما وحال مشيه بين يديها إلى أبيها.

المسألة الثانية: إنما جعل ﴿ خَيْرَ مَنِ استأجرت ﴾ اسماً و ﴿ القوى الأمين ﴾ خبراً مع أن العكس أولى لأن العناية هي سبب التقديم.

المسألة الثالثة: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما الفطنة والكياسة، فلم أهمل أمر الكياسة؟

ويمكن أن يقال إنها داخلة في الأمانة، عن ابن مسعود رضي الله: «أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب وصاحب يوسف وأبو بكر في عمر».

أما قوله: ﴿ قَالَ إِنّى أُرِيدُ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ ﴾ فلا شبهة في أن هذا اللفظ، وإن كان على الترديد لكنه عند التزويج عين ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، فكانت الزيادة كالتبرع، والفقهاء ربما استدلوا به على أن العمل قد يكون مهراً كالمال وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، ولكنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا، ويدل على أنه قد كان جائزاً في تلك الشريعة أن يشرط للولي منفعة، وعلى أنه كان جائزاً في تلك الشريعة نكاح المرأة بغير بدل تستحقه المرأة وعلى أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد، ثم قال: ﴿ على أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ ﴾ تأجرني من أجرته إذا كنت له أجيراً وثماني حجج ظرفه أو من أجرته كذا إذا أثبته إياه ومنه أجركم الله ورحمكم وثماني حجج مفعول به ومعناه رعية ثماني حجج ثم قال: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: لا أريد أن أشق عليك بإلزام أثم الرجلين، فإن قيل ما حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر؟

قلنا حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين، تقول تارة أطيقه وتارة لا أطيقه الثاني: لا أريد أن أشق عليك في الرعي ولكني أساهلك فيها وأسامحك بقدر الإمكان ولا أكلفك الاحتياط الشديد في كيفية الرعي، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس، ومنه الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي فكان خير شريك لا يداري ولا يشاري ولا يماري ثم قال: ﴿ سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصالحين ﴾ وفيه وجهان: الأول: يريد بالصلاح حسن المعاملة ولين الجانب والثاني: يريد الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة، وإنما قال إن شاء الله للاتكال على توفيقه ومعونته.

فإن قيل فالعقد كيف ينعقد مع هذا الشرط، فإنك لو قلت امرأتي طالق إن شاء الله لا تطلق؟

قلنا هذا مما يختلف بالشرائع.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ﴾ فاعلم أن ذلك مبتدأ وبيني وبينك خبره وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب عليه السلام، يريد ذلك الذي قلته وعاهدتني عليه قائم بيننا جميعاً لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك، ثم قال: ﴿ أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ ﴾ من الأجلين أطولهما الذي هو العشر أو أقصرهما الذي هو الثمان ﴿ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾ أي لا يعتدي عليَّ في طلب الزيادة أراد بذلك تقرير أمر الخيار يعني إن شاء هذا وإن شاء هذا ويكون اختيار الأجل الزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحد عليه إجبار، ثم قال: ﴿ والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ والوكيل هو الذي وكل إليه الأمر ولما استعمل الوكيل في معنى الشاهد عدي بعلي لهذا السبب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَاءَ مَدْيَنَ ﴾ ماءهم الذي يستقون منه، وكان بئراً فيما روي.

ووروده: مجيئه والوصول إليه ﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ ﴾ وجد فوق شفيره ومستقاه ﴿ أُمَّةً ﴾ جماعة كثيفة العدد ﴿ مِنَ الناس ﴾ من أناس مختلفين ﴿ مِن دُونِهِمُ ﴾ في مكان أسفل من مكانهم.

والذود: الطرد والدفع وإنما كانتا تذودان؛ لأنّ على الماء من هو أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي.

وقيل: كانتا تكرهان المزاحمة على الماء.

وقيل: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر لتسترهما ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ ما شأنكما.

وحقيقته: ما مخطوبكما، أي: مطلوبكما من الذياد، فسمى المخطوب خطباً، كما سمى المشئون شأناً في قولك: ما شأنك؟

يقال: شأنت شأنه، أي: قصدت قصده.

وقرئ ﴿ لا نسقي ﴾ و ﴿ يصدر ﴾ .

و ﴿ الرعاء ﴾ بضم النون والياء والراء.

والرعاء: اسم جمع كالرخال والثناء.

وأما الرعاء بالكسر فقياس، كصيام وقيام ﴿ كَبِيرٌ ﴾ كبير السن ﴿ فسقى لَهُمَا ﴾ فسقى غنمهما لأجلهما.

وروي أن الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجراً لا يقله إلا سبعة رجال.

وقيل: عشرة.

وقيل: أربعون.

وقيل: مائة، فأقله وحده.

وروي أنه سألهم دلواً من ماء فأعطوه دلوهم وقالوا: استق بها، وكانت لا ينزعها إلا أربعون، فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا بالبركة، وروىغنمهما وأصدرهما وروي أنه دفعهم عن الماء حتى سقى لهما.

وقيل: كانت بئراً أخرى عليها الصخرة.

وإنما فعل هذا رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف.

والمعنى: أنه وصل إلى ذلك الماء وقد ازدحمت عليه أمّة من أناس مختلفة متكاثفة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم مع غنيمتهما مترقبتين لفراغهم، فما أخطأت همته في دين الله تلك الفرصة، مع ما كان به من النصب وسقوط خف القدم والجوع، ولكنه رحمهما فأغاثهما، وكفاهما أمر السقي في مثل تلك الزحمة بقوّة قلبه وقوّة ساعده، وما آتاه الله من الفضل في متانة الفطرة ورصانة الجبلة وفيه مع إرادة اقتصاص أمره وما أوتي من البطش والقوّة وما لم يغفل عنه، على ما كان به من انتهاز فرصة الاحتساب، ترغيب في الخير، وانتهاز فرصه، وبعث على الاقتداء في ذلك بالصالحين والأخذ بسيرهم ومذاهبهم.

فإن قلت: لم ترك المفعول غير مذكور في قوله: ﴿ يَسْقُوْنَ ﴾ و ﴿ تَذُودَانِ ﴾ و ﴿ نَسْقِى ﴾ ؟

قلت: لأن الغرض هو الفعل لا المفعول.

ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي.

ولم يرحمها لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلاً، وكذلك قولهما ﴿ لاَ نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعاء ﴾ المقصود فيه السقي لا المسقي.

فإن قلت: كيف طابق جوابهما سؤاله قلت: سألهما عن سبب الذود فقالتا: السبب في ذلك أنا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا، وما لنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به: أبلتا إليه عذرهما في توليهما السقي بأنفسهما.

فإن قلت: كيف ساغ لنبيّ الله الذي هو شعيب عليه السلام أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية؟

قلت: الأمر في نفسه ليس بمحظور، فالدين لا يأباه.

وأما المروءة، فالناس مختلفون في ذلك، والعادات متباينة فيه، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر، خصوصاً إذاكانت الحالة حالة ضرورة ﴿ إِنّى ﴾ لأي شيء ﴿ أَنزَلْتَ إِلَىَّ ﴾ قليل أو كثير، غث أو سمين ل ﴿ فَقِيرٌ ﴾ وإنما عُدي فقير باللام؛ لأنه ضمن معنى سائل وطالب.

قيل: ذكر ذلك وإن خضرة البقل يتراءى في بطنه من الهزال، ما سأل الله إلا أكلة.

ويحتمل أن يريد: إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين وهو النجاة من الظالمين.

لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة: قال ذلك رضا بالبدل السني، وفرحا به، وشكراً له، وكان الظل ظل سمرة ﴿ عَلَى استحياء ﴾ في موضع الحال، أي: مستحيية متخفرة وقيل.

قد استترت بكم درعها.

روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟

قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، فتبعها موسى فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته، فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلما قص عليه قصته قال له.

لا تخف فلا سلطان لفرعون بأرضنا.

فإن قلت: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة، وأن يمشي معها وهي أجنبيه؟

قلت: أما العمل بقول امرأة فكما يعمل بقول الواحد حرّاً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى في الأخبار، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه.

وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا بأس بها في نظائر تلك الحال، مع ذلك الاحتياط والتورّع.

فإن قلت: كيف صح له أخذ الأجر على البرّ والمعروف؟

قلت: يجوز أن يكون قد فعل ذلك لوجه الله وعلى سبيل البر والمعروف.

وقيل إطعام شعيب وإحسانه لا على سبيل أخذ الأجر، ولكن على سبيل التقبل لمعروف مبتدإ.

كيف وقد قص عليه قصصه وعرفه أنه من بيت النبوّة من أولاد يعقوب؟

ومثله حقيق بأن يضيَّف ويكرم خصوصاً في دار نبيّ من أنبياء الله، وليس بمنكر أن يفعل ذلك لاضطرار الفقر والفاقة طلباً للأجر.

وقد روي ما يعضد كلا القولين: روي أنها لما قالت: ليجزيك، كره ذلك، ولما قدّم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهباً، ولا نأخذ على المعروف ثمناً، حتى قال شعيب: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.

وعن عطاء ابن السائب: رفع صوته بدعائه ليسمعهما، فلذلك قيل له: ليجزيك أجر ما سقيت، أي؛ جزاء سقيك.

والقصص: مصدر كالعلل، سمي به المقصوص.

كبراهما: كانت تسمى صفراء، والصغرى: صفيراء.

وصفراء: هي التي ذهبت به وطلبت إلى أبيها أن يستأجره، وهي التي تزوجها.

وعن ابن عباس: أن شعيبا أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوّته وأمانته؟

فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو، وأنه صوّب رأسه حين بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه.

وقولها: ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ استجرت القوى الامين ﴾ كلام حكيم جامع لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان؛ أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك؛ وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل، والحكمة أن تقول استأجره لقوّته وأمانته.

فإن قلت: كيف جعل خير من استأجرت اسماً لإنّ والقوي الأمين خبراً؟

قلت: هو مثل قوله: أَلاَ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ حَيًّا وَهَالِكَا ** أَسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهُمْ فِي السَّلاَسِلِ في أن العناية هي سبب التقديم، وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق بأن يكون خبراً اسماً، وورود الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.

ومنه قولهم: أهون ما أعملت لسان ممخ.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب، وصاحب يوسف، في قوله: ﴿ عسى أَن يَنفَعَنَا ﴾ [يوسف: 21] وأبو بكر في عمر.

روي أنه أنكحه صفراء.

وقوله: ﴿ هَاتَيْنِ ﴾ فيه دليل على أنه كانت له غيرهما ﴿ تَأْجُرَنِى ﴾ من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أبا، و ﴿ ثَمَانِىَ حِجَجٍ ﴾ ظرفه.

أو من أجرته كذا، إذا أثبته إياه.

ومنه: تعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجرَكم اللَّهُ ورحمكم» وثماني حجج: مفعول به، ومعناه: رعية ثماني حجج فإن قلت: كيف صح أن ينكحه إحدى ابنتيه من غير تمييز؟

قلت: لم يكن ذلك عقداً للنكاح، ولكن مواعدة ومواصفة أمر قد عزم عليه، ولو كان عقداً لقال: قد أنكحتك ولم يقل: إني أريد أن أنكحك.

فإن قلت: فكيف صح أن يمهرها إجارة نفسه في رعية الغنم، ولا بد من تسليم ما هو مال؟

ألا ترى إلى أبي حنيفة كيف منع أن يتزوج امرأة بأن يخدمها سنة وجوّز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة، أو يسكنها داره سنة، لأنه في الأول: مسلم نفسه وليس بمال، وفي الثاني: هو مسلم مالاً وهو العبد أو الدار، قلت: الأمر على مذهب أبي حنيفة على ما ذكرت.

وأما الشافعي: فقد جوّز التزوّج على الإجارة لبعض الأعمال والخدمة، إذا كان المستأجر له أو المخدوم فيه أمراً معلوماً، ولعلّ ذلك كان جائزاً في تلك الشريعة.

ويجوز أن يكون المهر شيئاً آخر، وإنما أراد أن يكون راعي غنمه هذه المدّة، وأراد أن ينكحه ابنته، فذكر له المرادين، وعلق الإنكاح بالرعية على معنى: إني أفعل هذا إذا فعلت ذاك على وجه المعاهدة لا على وجه المعاقدة.

ويجوز أن يستأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ويوفيه إياه، ثم ينكحه ابنته به، ويجعل قوله: ﴿ على أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ ﴾ عبارة عما جرى بينهما ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ ﴾ عمل عشر حجج ﴿ فَمِنْ عِندِكَ ﴾ فإتمامه من عندك.

ومعناه: فهو من عندك لا من عندي، يعني: لا ألزمكه ولا أحتمه عليك، ولكنك إن فعلته فهو منك تفضل وتبرع، وإلا فلا عليك ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ بإلزام أتمّ الأجلين وإيجابه.

فإن قلت: ما حقيقة قولهم: شققت عليه، وشق عليه الأمر؟

قلت: حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين، تقول تارة: أطيقه، وتارة: لا أطيقه.

أو وعده المساهلة والمسامحة من نفسه، وأنه لا يشق عليه فيما استأجره له من رعي غنمه، ولا يفعل نحو ما يفعل المعاسرون من المسترعين، من المناقشة في مراعاة الأوقات، والمداقة في استيفاء الأعمال، وتكليف الرعاة أشغالاً خارجة عن حدّ الشرط، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس.

ومنه الحديث: «كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي، فكان خير شريك لا يداري ولا يشاري ولا يماري» وقوله: ﴿ سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصالحين ﴾ يدل على ذلك، يريد بالصلاح: حسن المعاملة ووطأة الخلق ولين الجانب.

ويجوز أن يريد الصلاح على العموم.

ويدخل تحته حسن المعاملة، والمراد باشتراط مشيئة الله بما وعد من الصلاح: الاتكال على توفيقه فيه ومعونته، لا أنه يستعمل الصلاح إن شاء الله، وإن شاء استعمل خلافه ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ، و ﴿ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ﴾ خبره، وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب، يريد.

ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم بيننا جميعاً، لا نخرج كلانا عنه، لا أنا عما شرطت عليّ ولا أنت عما شرطت على نفسك.

ثم قال: أي أجل من الأجلين قضيت: أطولهما الذي هو العشر، أو أقصرهما الذي هو الثمان ﴿ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَىَّ ﴾ أي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة عليه.

فإن قلت: تصوّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعاً؟

قلت: معناه كما أني إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدواناً لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمان.

أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقرّ، وأن الأجلين على السواء: إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء وأما التتمة فموكولة إلى رأيي: إن شئت أتيت بها، وإلا لم أجبر عليها.

وقيل: معناه فلا أكون متعدّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه، كقولك: لا إثم عليّ، ولا تبعة عليّ.

وفي قراءة ابن مسعود: أي الأجلين ما قضيت.

وقرئ: ﴿ أيما ﴾ بسكون الياء، كقوله: تنَظَّرْتُ نَصْراً وَالسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا ** عَلَيَّ مِنَ الْغَيْثِ اسْتُهِلَّتْ مَوَاطِرُهْ وعن ابن قطيب: عدوان، بالكسر.

فإن قلت: ما الفرق بين موقعي (ما) المزيدة في القراءتين؟

قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، أيّ: زائدة في شياعها: وفي الشاذة تأكيداً للقضاء، كأنه قال: أي الأجلين صممت على قضائه وجردت عزيمتي له.

الوكيل: الذي وكل إليه الأمر، ولما استعمل في موضع الشاهد والمهيمن والمقيت، عدي بعلى لذلك.

روي أنّ شعيباً كانت عنده عصى الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي.

فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة، ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب، فمسها وكان مكفوفاً، فضنّ بها فقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات، فعلم أنّ له شأناً.

وقيل: أخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً.

وقيل: أودعها شعيباً ملك في صورة رجل، فأمر بنته أن تأتيه بعصا، فأتته بها فردها سبع مرّات فلم يقع في يدها غيرها، فدفعها إليه ثم ندم لأنها وديعة، فتبعه فاختصما فيها، ورضيا أن يحكم بينهما أوّل طالع، فأتاهما الملك فقال: ألقياها فمن رفعها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها؛ ورفعها موسى.

وعن الحسن: ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً.

وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج، ومنها كانت عصاه.

ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك، فإنّ الكلأ وإن كان بها أكثر، إلا أنّ فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها، فمشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله، فنام فإذا بالتنين قد أقبل، فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى دامية، فلما أبصرها دامية والتنين مقتولاً أرتاح لذلك، ولما رجع إلى شعيب مسّ الغنم، فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن، فأخبره موسى ففرح وعلم أنّ لموسى والعصا شأنا، وقال له: إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كلّ أدرع ودرعاء، فأوحى إليه في المنام: أن أضرب بعصاك مستقى الغنم، ففعل؛ ثم سقى فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع ودرعاء، فوفى له بشرطه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ ﴾ وصَلَ إلَيْهِ وهو بِئْرٌ كانُوا يَسْقُونَ مِنها.

﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ ﴾ وجَدَ فَوْقَ شَفِيرِها.

﴿ أُمَّةً مِنَ النّاسِ ﴾ جَماعَةً كَثِيرَةً مُخْتَلِفِينَ.

﴿ يَسْقُونَ ﴾ مَواشِيَهم.

﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ﴾ في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ.

﴿ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ ﴾ تَمْنَعانِ أغْنامَهُما عَنِ الماءِ لِئَلّا تَخْتَلِطَ بِأغْنامِهِمْ.

﴿ قالَ ما خَطْبُكُما ﴾ ما شَأْنُكُما تَذُودانِ.

﴿ قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ﴾ تَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم عَنِ الماءِ حَذَرًا عَنْ مُزاحَمَةِ الرِّجالِ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِأنَّ الغَرَضَ هو بَيانُ ما يَدُلُّ عَلى عِفَّتِهِما ويَدْعُوهُ إلى السَّقْيِ لَهُما ثُمَّ دُونَهُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( يُصْدِرَ ) أيْ يَنْصَرِفَ.

وقُرِئَ «الرُّعاءُ» بِالضَّمِّ وهو اسْمُ جَمْعٍ كالرُّخالِ.

﴿ وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ كَبِيرُ السِّنِّ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَخْرُجَ لِلسَّقْيِ فَيُرْسِلُنا اضْطِرارًا.

﴿ فَسَقى لَهُما ﴾ مَواشِيَهُما رَحْمَةً عَلَيْهِما.

قِيلَ كانَتِ الرُّعاةُ يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا سَبْعَةُ رِجالٍ أوْ أكْثَرُ فَأقَلَّهُ وحْدَهُ مَعَ ما كانَ بِهِ مِنَ الوَصَبِ والجُوعِ وجِراحَةِ القَدَمِ، وقِيلَ كانَتْ بِئْرًا أُخْرى عَلَيْها صَخْرَةٌ فَرَفَعَها واسْتَقى مِنها.

﴿ ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ ﴾ لِأيِّ شَيْءٍ أنْزَلْتَ إلَيَّ.

﴿ مِن خَيْرٍ ﴾ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ وحَمَلَهُ الأكْثَرُونَ عَلى الطَّعامِ.

﴿ فَقِيرٌ ﴾ مُحْتاجٌ سائِلٌ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللّامِ، وقِيلَ مَعْناهُ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ صِرْتُ فَقِيرًا في الدُّنْيا، لِأنَّهُ كانَ في سِعَةٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ والغَرَضُ مِنهُ إظْهارُ التَّبَجُّحِ والشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فسقى لَهُمَا} فسقى غنمهما لأجلهما رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف روي أنه نحى القوم عن رأس البئر وسألهم دلواً فأعطوه دلوهم وقالوا استق بها وكانت لا ينزعها إلا أربعون فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا بالبركة وترك المفعول في يسقون وتذودان ولا نسقي وفسقي لأن الغرض هو الفعل لا المفعول ألا ترى أنه رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم ابل مثلا وكذا في لا نسقي فسقى بالمقصود هو السقي لا المسقى ووجه مطايقة جوابهما سؤاله أنه سألهما عن سبب الذود فقالتا السبب في ذلك أنا امرأتان مستورتان ضعيفتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ونستحي من الإختلاط بهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وإنما رضي شعيب عليه السلام لابنتيه بسقي الماشية لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور والدين لا يأباه وأما المروءة فعادات الناس في ذلك متباينة وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصاً إذا كانت الحالة حالة ضرورة {ثُمَّ تولى إِلَى الظل} أي ظل سمرة وفيه دليل جواز الاستراحة في الدنيا بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة ولما طال البلاء عليه أنس بالشكوى إذ لا نقص في الشكوى إلى المولى {فَقَالَ رَبّ إِنّى لِمَا} لأي شيء

{أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ} قليل أو كثير غثٍ أو سمين {فَقِيرٌ} محتاج وعدي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب قيل كان لم يذق طعاما سبعة أيام قد لصق بظهره بطنه ويحتمل أن يريد أني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدين وهو النجاة من الظالمين لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة قال ذلك رضاً بالبدل السني وفرحاً به وشكراً له وقال ابن عطاء نظر من العبودية إلى الربوبية وتكلم بلسان الافتقار

القصص (٢٧ - ٢٥)

لما ورد على سره من الأنوار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَسَقى لَهُما ﴾ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سارَعَ إلى السَّقْيِ لَهُما رَحْمَةً عَلَيْهِما ومَنشَأُ التَّرَحُّمِ كَوْنُهُما عَلى الذَّوْدِ وكَوْنُ الأُمَّةِ مِنَ النّاسِ عَلى السَّقْيِ ولِهَذا ذَهَبَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ وصاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ في يَسْقُونَ وتَذُودانِ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ وتَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ يَصْدُرُ مِنهُمُ السَّقْيُ ومِنهُما الذَّوْدُ وقالَ: إنَّ كَوْنَ المَسْقِي والمُذَوَّدِ إبِلًا أوْ غَنَمًا خارِجٌ عَنِ المَقْصُودِ بَلْ يُوهِمُ خِلافَهُ إذْ لَوْ قِيلَ: أوْ قُدِّرَ يَسْقُونَ إبِلَهم وتَذُودانِ غَنَمَهُما لَتُوُهِّمَ أنَّ التَّرَحُّمَ عَلَيْهِما لَيْسَ مِن جِهَةِ أنَّهُما عَلى الذَّوْدِ والنّاسِ عَلى السَّقْيِ بَلْ مِن جِهَةِ أنَّ مَذْوَدَهُما غَنَمٌ ومَسْقِيَهم إبِلٌ بِناءً عَلى أنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ في الكَلامِ البَلِيغِ هو القَيْدُ الأخِيرُ وخالَفَهُما في ذَلِكَ السَّكّاكِيُّ فَذَهَبَ إلى أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ مِن يَسْقُونَ وتَذُودانِ لِمُجَرَّدِ الِاخْتِصارِ والمُرادُ يَسْقُونَ مَواشِيَهم وتَذُودانِ غَنَمَهُما وكَذا سائِرُ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، واخْتارَهُ العَلّامَةُ الثّانِي فَقالَ: إنَّ هَذا أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِأنَّ التَّرَحُّمَ لَمْ يَكُنْ مِن جِهَةِ صُدُورِ الذَّوْدِ عَنْهُما وصُدُورِ السَّقْيِ مِنَ النّاسِ بَلْ مِن جِهَةِ ذَوْدِهِما غَنَمَهُما وسَقْيِ النّاسِ مَواشِيَهم حَتّى لَوْ كانَتا تَذُودانِ غَيْرَ غَنَمِهِما بَلْ مَواشِيَهم وكانَ النّاسُ يَسْقُونَ غَيْرَ مَواشِيهِمْ بَلْ غَنَمَهُما مَثَلًا لَمْ يَصِحَّ التَّرَحُّمُ ووافَقَهُ في ذَلِكَ السَّيِّدُ السَّنَدُ وقالَ في تَحْقِيقِ المَذْهَبَيْنِ: إنَّ الشَّيْخَيْنِ اعْتَبَرا المَفْعُولَ الَّذِي نَزَلَ الفِعْلانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ هو الإبِلُ والغَنَمُ مَثَلًا أيِ النَّوْعَيْنِ مِنَ المَواشِي بِدُونِ الإضافَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُما إنَّ كَوْنَ المَسْقِي والمُذَوَّدِ إبِلًا أوْ غَنَمًا إلَخْ وكُلٌّ مِنهُما مُقابِلٌ لِلْآخَرِ في نَفْسِهِ وجُعِلا ما يُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ في القَوْلِ أوِ التَّقْدِيرِ المَفْرُوضِ خارِجًا عَنِ المَفْعُولِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَفْعُولٌ غَيْرُ مَلْحُوظٍ مَعَهُ فالمَفْعُولُ عِنْدَهُما لَيْسَ إلّا مُطْلَقَ الإبِلِ والغَنَمِ فَلَوْ قُدِّرَ المَفْعُولُ لَأدّى إلى فَسادِ المَعْنى فَإنَّهُما لَوْ كانَتا تَذُودانِ إبِلًا لَهُما عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ لَكانَ التَّرَحُّمُ باقِيًا بِحالِهِ لِأنَّهُ إنَّما كانَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِما عَلى السَّقْيِ، والسَّكّاكِيُّ نَظَرَ إلى أنَّ المَفْعُولَ هو الغَنَمُ المُضافَةُ إلَيْهِما والمَواشِي المُضافَةُ إلَيْهِمْ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُقابِلُ الآخَرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُضافٌ فَلَوْ لَمْ يُقَدَّرِ المَفْعُولُ يَفْسُدِ المَعْنى وهَذا أدَقُّ نَظَرًا وأصَحُّ مَعْنًى انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ المَوْلى عَبْدُ الحَكِيمِ السّالَكُونِي بِقَوْلِهِ: وفِيهِ بَحْثٌ لِأنَّ عَدَمَ التَّقْدِيرِ إنْ قُصِدَ بِهِ التَّعْمِيمُ أيْ يَسْقُونَ مَواشِيَهم وغَيْرَ مَواشِيهِمْ وتَذُودانِ غَنَمَهُما وغَيْرَ غَنَمِهِما يَلْزَمُ الفَسادُ أمّا إذا قُصِدَ بِهِ مُجَرَّدُ السَّقْيِ والذَّوْدِ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَلا لِأنَّ كَوْنَ طَبِيعَةِ السَّقْيِ والذَّوْدِ مَنشَأ التَّرَحُّمِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِنْدَ تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولٍ مَخْصُوصٍ كَذَلِكَ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ سَقْيُ غَيْرِ مَواشِيهِمْ وذَوْدُ غَيْرِ غَنَمِهِمْ مَحَلًّا لِلتَّرَحُّمِ فَتَدَبَّرْ، فَإنَّ مَنشَأ ما ذَكَرَهُ السَّكّاكِيُّ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الإطْلاقِ والعُمُومِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُضُمَّ إلى طَبِيعَةِ السَّقْيِ والذَّوْدِ بَعْضُ الحَيْثِيّاتِ كَحَيْثِيَّةِ تَحَقُّقِ طَبِيعَةِ السَّقْيِ مِن أقْوِياءَ مُتَغَلِّبِينَ.

وتَحَقُّقُ طَبِيعَةِ الذَّوْدِ مِنِ امْرَأتَيْنِ ضَعِيفَتَيْنِ مَسْتُورَتَيْنِ في مَوْضِعٍ هو مُجْتَمَعُ النّاسِ لِلسَّقْيِ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّ مُجَرَّدَ طَبِيعَةِ السَّقْيِ والذَّوْدِ لا تَصْلُحُ مَنشَأ التَّرَحُّمِ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: تَرْكُ المَفْعُولِ في يَسْقُونَ ويَذُودانِ لِأنَّ الغَرَضَ هو الفِعْلُ لا المَفْعُولُ إذْ هو يَكْفِي في البَعْثِ عَلى سُؤالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما زادَ عَلى المَقْصُودِ لُكْنَةٌ وفُضُولٌ، وأمّا البَعْثُ عَلى المَرْحَمَةِ فَلَيْسَ هَذا مَوْضِعَهُ فَإنَّ لَهُ قَوْلَهُما: لا ﴿ نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ ومَن لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ البَعْثَيْنِ قالَ ما قالَ ورَدَّ بِأنَّ مَنشَأ السُّؤالِ هو المَرْحَمَةُ لِحالِهِما كَما صَرَّحُوا بِهِ فَسُؤالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّوَسُّلِ إلى إعانَتِهِما وبِرِّهِما لَتَفَرَّسَ ضَعْفَهُما وعَجْزَهُما ولَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّكَلُّمِ مَعَ الأجْنَبِيَّةِ داعٍ، وقَوْلُهُما: لا ﴿ نَسْقِي ﴾ إلَخْ باعِثٌ لِمَزِيدِ المَرْحَمَةِ لِقَبُولِها لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ سُلِّمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفَرَّسَ ضَعْفَهُما وعَجْزَهُما لِأُمُورٍ شاهَدَها، وإلّا فالذَّوْدُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إذْ يَتَحَقَّقُ لِلضَّعْفِ ولِغَيْرِهِ، وقَدْ نَقَلَ الخَفاجِيُّ كَلامَ جَمْعٍ مِنَ الفُضَلاءِ في هَذا المَقامِ مِنهُ ما ذَكَرْنا عَنْ بَعْضِ الأجِلَّةِ ورَدَّهُ واعْتَرَضَ بِما اعْتَرَضَ، ثُمَّ قالَ: وأمّا ما اعْتَرَضَ بِهِ عَلى المَرْحَمَةِ فَخَيالٌ فاسِدٌ ومَحَطُّ كَلامِهِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الِانْتِصارُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخانِ وقَدِ انْتَصَرَ لَهُما، وقالَ بِقَوْلِهِما غَيْرُ واحِدٍ.

واعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ مُضافًا بِأنَّ الإضافَةَ تُشْعِرُ بِالمِلْكِ ولا مِلْكَ لِأحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ والِامْرَأتَيْنِ فَإنَّ الظّاهِرَ في الأُمَّةِ أنَّهم كانُوا رِعاءً والأغْلَبُ أنَّ الرِّعاءَ لا يَمْلِكُونَ، والظّاهِرُ أنَّ ما في يَدِ الِامْرَأتَيْنِ كانَ مِلْكًا لِأبِيهِما، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، هَذا والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقى لَهُما مِنَ البِئْرِ الَّتِي عَلَيْها النّاسُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَفَعَهم عَنِ الماءِ إلى أنْ سَقى لَهُما وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْها أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ قالَ ما خَطْبُكُما فَحَدَّثْناهُ فَأتى الصَّخْرَةَ فَرَفَعَها وحْدَهُ ثُمَّ اسْتَسْقى فَلَمْ يَسْتَسْقِ إلّا دَلْوًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ لَكِنَّ هَذا مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ الأُمَّةَ يَسْقُونَ ووَجَدَ الِامْرَأتَيْنِ تَذُودانِ وهَذا ظاهِرٌ في مُقارَنَةِ وِجْدانِهِما لِوِجْدانِهِمْ وذَوْدِهِما لِسَقْيِهِمْ ولا يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ وِجْدانَهُما بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ السَّقْيِ كَما يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ فَلَعَلَّ الخَبَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وتَصْحِيحُ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ وكَأنَّ مَن يَقُولُ بِصِحَّتِهِ يَمْنَعُ اقْتِضاءَ الآيَةِ كَوْنَ وِجْدانِ الأُمَّةِ يَسْقُونَ ووِجْدانِ الِامْرَأتَيْنِ تَذُودانِ في أوَّلِ وقْتِ الوُرُودِ فَإنَّهُ يُقالُ: لَمّا ورَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ وجَبَ الصِّيامُ ووَجَبَتِ الزَّكاةُ مَثَلًا مَعَ أنَّ وُجُوبَ كُلٍّ لَيْسَ في أوَّلِ وقْتِ الوُرُودِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ وجَدَ أُمَّةً يَسْقُونَ أوَّلَ وقْتِ وُرُودِهِ وبَعْدَ أنْ فَرَغُوا مِنَ السَّقْيِ ووَضَعُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ وجَدَ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ فَخاطَبَهُما بِما خَطَبَكُما فَكانَ ما كانَ ويُحْمَلُ ذَوْدُهُما عَلى مَنعِ غَنَمِهِما عَنِ التَّقَدُّمِ إلى البِئْرِ لِعِلْمِهِما أنَّها قَدْ أطْبَقَ عَلَيْها صَخْرَةً لا يَقْدِرُونَ عَلى رَفْعِها ويَتَكَلَّفُ في تَوْجِيهِ الجَوابِ ما يَتَكَلَّفُ أوْ يَقُولُ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها ويُسَلِّمُ اقْتِضاءَهُ اتِّحادَ الوِجْدانَيْنِ والذَّوْدِ والسَّقْيِ بِالزَّمانِ ويَمْنَعُ أنْ يَكُونَ في الخَبَرِ ما يُنافِي ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ فَإذا بِالِامْرَأتَيْنِ حاضِرَتانِ عِنْدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَألَهُما فَحَدَّثْناهُ إلَخْ فَما بَعْدَ الفَراغِ مِنَ السَّقْيِ لَيْسَ وِجْدانُ الِامْرَأتَيْنِ تَذُودانِ وإنَّما هو حُضُورُهُما بَيْنَ يَدَيْهِ والكُلُّ كَما تَرى وكَأنِّي بِكَ تَعْتَمِدُ عَدَمَ صِحَّةِ الخَبَرِ.

وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقى لَهُما مِن بِئْرٍ أُخْرى، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في خَبَرٍ طَوِيلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَألَ الِامْرَأتَيْنِ وأجابَتا قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ؟

قالَتا: لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ.

قالَ: فانْطَلِقا فَأرَيانِيها.

فانْطَلَقا مَعَهُ فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سِجِلًّا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ ﴾ الَّذِي كانَ هُناكَ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ظِلُّ شَجَرَةٍ قِيلَ: كانَتْ سُمْرَةً، وقِيلَ: هو ظِلُّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ.

وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ ﴾ وهُوَ كَما تَرى ﴿ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ ﴾ أيْ لِأيِّ شَيْءٍ تُنْزِلُهُ مِن خَزائِنِ كَرَمِكَ إلَيَّ.

﴿ مِن خَيْرٍ ﴾ جَلَّ أوْ قَلَّ ﴿ فَقِيرٌ ﴾ أيْ مُحْتاجٌ وهو خَبَرُ إنَّ وبِهِ يَتَعَلَّقُ لِما، ولَمّا أشَرْنا إلَيْهِ مِن تَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاحْتِياجِ عُدِّيَ بِاللّامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى الطَّلَبِ واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ فَتَتَعَلَّقُ بِأعْنِي مَحْذُوفًا، و(ما عَلى جَمِيعِ الأوْجَهِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها صِفَتُها، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، ومِن خَيْرٌ بَيانٍ لَها، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلشُّيُوعِ، والكَلامُ تَعْرِيضٌ لِما يُطْعِمُهُ لِما نالَهُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي بَدَلُ المُضارِعِ في أنْزَلْتَ لِلِاسْتِعْطافِ كالِافْتِتاحِ بِرَبٍّ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاعْتِناءِ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِ الكَلامِ تَعْرِيضًا لِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَمّا سَقى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْجارِيَتَيْنِ ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ إنَّهُ يَوْمَئِذٍ فَقِيرٌ إلى كَفٍّ مِن تَمْرٍ»».

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَقَدْ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنَهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةٍ الجُوعِ».

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ فَلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ» وأنَّهُ كَما رَوى أحْمَدُ في الزُّهْدِ وغَيْرُهُ عَنِ الحَبْرِ لِيَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ مِن بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ وإلى كَوْنِ الكَلامِ تَعْرِيضًا لِذَلِكَ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ: واللَّهِ ما سَألَ إلّا خُبْزًا يَأْكُلُهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وما مَوْصُولَةً، ومِن لِلْبَيانِ والتَّنْكِيرِ في خَيْرٍ لِإفادَةِ النَّوْعِ والتَّعْظِيمِ، وصِلَةُ فَقِيرٍ مُقَدَّرَةٌ أيْ إنِّي فَقِيرٌ إلى الطَّعامِ أوْ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ الَّذِي أنْزَلْتَهُ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ ولَيْسَ الغَرَضُ عَلَيْهِ التَّعْرِيضَ لِما يُطْعَمُهُ ولا التَّشَكِّي والتَّضَجُّرِ بَلْ إظْهارُ التَّبَجُّحِ والشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالماضِي عَلَيْهِ ظاهِرٌ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا خِلافُ المَأْثُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ ولا يَخْلُو أيْضًا عَنْ بُعْدٍ.

وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الِامْرَأتَيْنِ سَمِعَتا ما قالَ فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وكان مدين بن إبراهيم عليهما السلام، وكانت البير تنسب إليه، وكان ينسب الماء إليه، وصار مدين اسم قبيلة وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ يعني: وجد على الماء جماعة من الناس يسقون أنعامهم وأغنامهم.

ويقال: هم أربعون رجلاً ويقال: عشرة رجال وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ يعني: من دون الناس امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ أي: تطردان قال سعيد بن جبير: يعني: حابستان ويقال تحسبان غنمهما.

وقال القتبي: تَذُودانِ، أي تكفان غنمهما، وحذف الغنم اختصاراً.

ويقال كانتا تحبسان الغنم لكيلا تختلط بغيرها.

ويقال: تحبسان الغنم لتصدر مواشي الناس، وتسقيان بفضل الماء، ومما فضل من أغنام الناس، وهما ابنتا شعيب  قالَ ما خَطْبُكُما يعني: قَالَ لهما موسى: مَا شأنكما ترعيان الغنم مع الرجال، وما بالكما لا تسقيان مع الناس قالَتا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ قرأ أبو عمرو وابن عامر يُصْدِرَ بنصب الياء، وضم الدال.

وقرأ الباقون يُصْدِرَ بضم الياء، وكسر الدال.

فمن قرأ بالنصب، فهو من صدر يصدر إذا رجع من الماء، ومعناه: لا نسقي حتى يرجع الرعاء عن الماء، ونسقي بفضلهم، لأنا لا نقدر أن نستقي، وأن نزاحم الرجال، وإذا صدروا سقينا من فضل مواشيهم.

ومن قرأ يُصْدِرَ بالضم، فهو من أصدر يصدر، والمعنى: حتى يصدر الرعاة أغنامهم وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لم يقدر على الخروج، وليس له عون يعينه غيرنا، فرجع الرعاة ووضعوا صخرة على البئر، فانتهى موسى إلى البئر وقد أطبقت عليها الصخرة، فاقتلعها ثم سقى لهما حتى أروتا أغنامهما.

وقال في رواية الكلبي: كان للبئر دلو يجتمع عليه أربعون رجلاً حتى يخرجوه من البئر، فأتى موسى أهل الماشية، فسألهم أن يهيئوا له دلواً من الماء.

فقالوا: إن شئت أعطيناك الدلو على أن تسقي أنت، فقال: نعم، فأخذ موسى  الدلو، فسقى بها وحده، فصب في الحوض، ثم قربتا غنمهما فشربت، فذلك قوله عز وجل: فَسَقى لَهُما يعني: أغنامهما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ يعني: تحول إلى ظل الشجرة فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ أي: لما أنزلت إلي من الطعام، فأنا محتاج إلى ذلك وهو أنه كان جائعاً، فسأل ربه عز وجل، ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان، فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة، فقال أبوهما: هذا رجل جائع.

وقال لإحداهما: اذهبي فادعيه، فلما أتته عظمته، وغطت وجهها وقالت: إنّ أبي يدعوك فذلك قوله عز وجل: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ.

يعني: على حياء، لأنها كانت مقنعة، ولم تك متبرجة.

ويقال: عَلَى اسْتِحْياءٍ يعني: على حياء واضعة يدها على وجهها.

ويقال عَلَى اسْتِحْياءٍ، يعني: مستترة بكم درعها- قال: فالوقف على: تَمْشِي إذا كان قولها على الحياء.

فأما إذا كان مشيها على الحياء، فالوقف على اسْتِحْياءٍ والقول بالحياء أشبه من المشي بالحياء، فكيف ما يقف يجوز بالمعنى (١) فتبعها، فلم يجد بداً من أن يتبعها، لأنه كان بين الجبال خائفاً مستوحشاً، فلما تبعها هبت الريح، فجعلت تصفق ثيابها، وتظهر عجيزتها، وجعل موسى  يعرض مرة، ويغض مرة، فلما عيل صبره ناداها: يا أمة الله كوني خلفي، وأريني السمت بقولك.

يعني: دليني الطريق.

فلما دخل على شعيب  إذا هو بالعشاء مهيأ، فقال له شعيب: اجلس يا شاب، فتعش.

فقال له موسى: أعوذ بالله.

فقال له شعيب: لم لا تأكل، أما أنت جائع؟

فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئاً من ديننا بملء الأرض ذهباً.

فقال: لا يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي إنا نقري الضيف، ونطعم الطعام.

فجلس موسى فأكل، وأخبره بقصة القتل والهرب، فذلك قوله عز وجل: فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: خرجت من ولاية فرعون، ولا سلطان له في أرضنا.

وقال في رواية الكلبي: كان هذا الرجل اسمه نيرون ابن أخي شعيب، وشعيب كان توفي قبل ذلك.

وقال عامة المفسرين: إن هذا كان شعيبا.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واسْتَوى معناه: تَكَامَلَ عَقْلُه، وذلك عند الجمهور مع الأربعين.

والحكمُ: الحِكْمَةُ، والعلمُ: المَعرِفَةُ بشرعِ إبراهيمَ عليه السلام.

وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)

وقوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها.

قال السدي: كان موسى في وقتِ هذه القصةِ على رَسْمِ التعلُّقِ بفرْعَونَ، وكان يَرْكَبُ مَرَاكِبَه حتى إنه كان يُدْعَى مُوسَى بنَ فِرْعَوْنَ «١» ، فركب فرعونُ يوماً وسارَ إلى مدينةٍ من مدائنِ مِصْرَ، فركبَ مُوسَى بَعْدَه ولَحِق بتلكَ المدينَةِ في وقتِ القائِلة، وهو حينُ الغَفْلَة قاله ابن عباس «٢» ، وقال أيضاً: هو بين العِشَاء والعَتَمَة، وقيل غيرُ هذا «٣» .

وقوله تعالى: هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي من بني إسرائيل، وعَدُوِّهِ هم القِبْطُ، و «الوَكْزُ» : الضَّرْبُ باليدِ مجموعةً، وقرأ ابن مسعود «٤» : «فَلَكَزَهْ» والمعنى: واحد إلا أن اللَّكْزَ في اللَّحْيِ، والوَكْزَ علَى القَلْبِ، وفَقَضى عَلَيْهِ معناه: قتله مجهزا، ولم يرد

- عَلَيْهِ السلامُ- قَتَلَ القِبْطِيِّ، لَكِنْ وَافَقَتْ وَكْزَتُهُ الأجل فندم، ورأى أنّ ذلك من نزغ الشيطان في يده، ثم إن نَدَامَةَ موسى عليه السلام حَمَلَتْهُ على الخُضُوعِ لربِّه والاسْتِغْفَارِ من ذنبه، فغفر الله له ذلك، ومع ذلك لَم يَزَلْ عليه السلام يُعيد ذلك على نفسه مع علمه أَنه قَد غُفِر له، حتى إنَّهُ في القِيَامِةِ يَقُولُ: «وَقَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بقَتْلِهَا» حَسْبَمَا صَحَّ فِي حدِيثِ الشفاعة، ثم قال موسى- عليه السلام- معاهداً لربه: رَبِّ بنعمتِكَ عليّ وبسبب إحسانِك وغُفْرانِك، فأنا مُلْتَزِمٌ أَلاَّ أكون مُعِيناً للمجرمين هذا أحسن ما تأول.

وقال الطبري «١» : إنه قَسَمٌ أقسم بنعمة اللهِ عندَه.

قال ع «٢» : واحتج أهلُ الفضلِ والعلمِ بهذهِ الآيةِ في مَنْعِ خِدْمَة أهل الجَوْرِ ومَعُونَتِهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تَتَنَاوَلُ ذلكَ نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره.

قال ابن عباس: ثم إنَّ مُوسَى- عليه السلام- مرَّ وَهُوَ بحالةِ التَّرَقُّبِ وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قَاتَلَ القبطيَّ بالأَمسِ يُقاتِلُ آخرَ مِن القِبْطِ «٣» ، وكان قَتَلُ القبطيّ قد خفي على الناس واكْتَتَم، فلما رأَى الإسرائيلي موسى، استصرخه، بمعنى صاحَ بهِ مستغيثاً فلما رأى موسى- عليه السلام- قِتَالهُ لآخرَ أعظم ذلكَ وقال له مُعَاتباً ومُؤَنِّباً: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ وكانت إرادة موسى- عليه السلام- مع ذلك، أن ينصرَ الإسرائيلي، فلما دنا منهما، وحبس الإسرائيلي وفَزَعَ منه، وظن أنه ربما ضَرَبَه، وفزع من قوتِهِ التي رأى بالأمس، فناداه بالفضيحةِ وشهَّر أمرَ المقتُولِ، ولما اشْتَهِرَ أنَّ مُوسَى قَتَل القَتِيلَ، وكان قول الإسرائيلي يَغْلِبُ على النفُوسِ تصديقُه على موسَى، مَعَ ما كانَ لِمُوسَى مِنَ المقدِّمَاتِ أتى رأي فرعون وملئه علَى قَتْلِ مُوسَى، وغَلَبَ على نفسِ فرعون أنه المشارُ إليه بفَسَادِ المَمْلَكَةِ، فأنْفَد فيهِ مَنْ يطلُبه ويأْتي بهِ للقَتْلِ، وألْهَمَ اللهُ رَجُلاً يقالُ إنه مؤمِنٌ مِن آل فرعَونَ أو غيره، فجاء إلى موسَى وبَلَّغَهُ قبلَهُم ويَسْعى / معناه: يسرع في مشيه قاله ٥٦ ب الزجاج «٤» وغيره، وهو دون الجري، فقال: يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ...

الآية.

ت قال الهروي: قوله تعالى: يَأْتَمِرُونَ بِكَ أي: يؤامُرُ بعضهم بعضا في

قَتلِك، وقال الأزهري: الباءُ في قوله: يَأْتَمِرُونَ بِكَ بمعنى: «في» يقال: ائتَمَرَ القومُ إذا شَاوَرَ بَعْضُهمْ بَعْضاً، انتهى.

وعن أبي مجلز- واسمه لاحق بن حميد- قال: من خاف من أمير ظُلُماً فقال: رضيت بالله رَبّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيّاً وبالقرآن حَكَماً وإماماً، نجَّاه الله منه رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ، انتهى من «السلاح» .

وتِلْقاءَ معناه نَاحِيَةَ مدين، وبينَ مِصرَ ومَدْيَنَ مسيرةَ ثَمانِيَةَ أيامٍ، وكانَ مُلْكُ مدين لغير فرعونَ، ولما خَرَجَ عليه السلام فارّاً بنفسهِ منفرداً حافياً لا شيءَ معه ولا زادَ وغيرَ عارفٍ بالطريقِ أسْنَدَ أمرَه إلى اللهِ تعالى وقال: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ومشى- عليه السلامُ- حتى وَرَدَ ماءَ مدينَ، وَوُرُودُهُ المَاءَ، معناه: بلُوغُه، ومدينُ: لا ينْصَرِفُ إذ هو بلدٍ معروفٌ، والأمَّة:

الجمعُ الكثيرُ، ويَسْقُونَ معناه: ماشيتهم، ومِنْ دُونِهِمُ معناه: ناحيةً إلى الجهةِ الَّتي جَاء مِنها، فَوَصَل إلى المرْأَتَيْنِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى الأمّة، وتَذُودانِ معناه: تَمْنعَانِ، وتَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ الماءِ خوفاً من السقاة الأقوياء، وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ، أي: لا يستطيعُ لِضَعْفِهِ أن يُبَاشِرَ أمْرَ غَنَمِه.

وقوله تعالى: فَسَقى لَهُما.

قالت فرقة: كانت آبارهم مغطاةً بحجارةٍ كبارٍ، فَعَمَدَ إلى بِئْرٍ، وكان حَجَرُهَا لاَ يرفعُه إلاَّ جَماعَة، فَرَفَعَهُ وسقى للمرأتين.

فَعَنْ رَفْعِ الصَّخْرَةِ وصِفتْه إحداهُما بالقوة، وقيل:

وصفَتْه بالقوة لأنه زَحَمَ النَّاسَ وغَلَبَهُمْ عَلى المَاءِ حتى سَقَى لهما.

وقرأ الجمهور «١» «يُصْدِر الرِّعَاء» - على حَذْفِ المفعولِ- تقديرُه: مواشِيَهم، وتَولّى موسى إلى الظلّ وتعرّض لسؤال ما يطعمه بقوله: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ولم يُصَرِّحْ بسؤالٍ هكَذا، رَوَى جَمِيعُ المفسرينَ أنَّه طلبَ في هذا الكلامَ ما يأكلُه، قال ابن عباس: وكان قَدْ بَلَغَ به عليه السلام الجوعُ إلى أن اخْضَرَّ لونُه من أكل البَقْل، وَرُئِيَتْ خُضْرة البقْلِ في بَطْنِهِ، وإنه لأَكْرَمُ الخلقِ يومئِذٍ على الله، وفي هذا مُعْتَبَرٌ وحاكمٌ بهَوَانِ الدُّنْيا على «٢» الله تعالى، وعن معاذ بن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «من أكل طعاما، فقال:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ مِنها ﴾ أيْ: مِن مِصْرَ ﴿ خائِفًا ﴾ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ [القَصَصِ: ١٨ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ أهْلَ مِصْرَ.

﴿ وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تُجاهُ مَدْيَنَ ونَحْوُها، وأصْلُهُ: اللِّقاءُ، وزِيدَتْ فِيهِ التّاءُ، قالَ الشّاعِرُ: [ أمَّلْتُ خَيْرَكَ هَلْ تَأْتِي مَواعِدُهُ] فاليَوْمَ قَصَّرَ عَنْ تِلْقائِكَ الأمَلُ أيْ: عَنْ لِقائِكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: خَرَجَ خائِفًا بِغَيْرِ زادٍ ولا ظَهْرٍ، وكانَ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ مَسِيرَةَ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ، فِ ﴿ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أيْ: قَصَدَهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِالطَّرِيقِ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ لَهُ مَلِكًا فَدَلَّهُ، قالُوا: ولَمْ يَكُنْ لَهُ في طَرِيقِهِ طَعامٌ إلّا ورَقُ الشَّجَرِ، فَوَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وخُضْرَةَ البَقْلِ تَتَراءى في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ؛ والأُمَّةُ: الجَماعَةُ، وهُمُ الرُّعاةُ، ﴿ يَسْقُونَ ﴾ مَواشِيَهم ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ﴾ أيْ: مِن سِوى الأُمَّةِ ﴿ امْرَأتَيْنِ ﴾ وهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ؛ قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ الكُبْرى: صَبُورًا والصُّغْرى: عِبْرا ﴿ تَذُودانِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تَكُفّانِ غَنَمَهُما، فَحَذَفَ الغَنَمَ اخْتِصارًا قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما فَعَلَتا ذَلِكَ لِيَفْرَغَ النّاسُ وتَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ، قالَ مُوسى: ﴿ ما خَطْبُكُما ﴾ أيْ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ؟!

﴿ قالَتا لا نَسْقِي ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " نُسْقِي " بِرَفْعِ النُّونِ ﴿ حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: " يَصْدُرُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ: حَتّى يَرْجِعَ الرُّعاءُ.

وقَرَأ الباقُونَ: " يَصْدُرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أرادُوا: حَتّى يَرِدَ الرِّعاءُ غَنَمَهم عَنِ الماءِ.

والرِّعاءُ: جَمْعُ راعٍ، كَما يُقالُ: صاحِبٌ وصِحابٌ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " الرِّعاءُ " بِضَمِّ الرّاءِ، والمَعْنى: نَحْنُ امْرَأتانِ لا نَسْتَطِيعُ أنْ نُزاحِمَ الرِّجالَ ﴿ وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ؛ فَلِذَلِكَ احْتَجْنا نَحْنُ إلى أنْ نَسْقِيَ، وكانَ عَلى تِلْكَ البِئْرِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإذا فَرَغَ الرِّعاءُ مِن سَقْيِهِمْ أعادُوا الصَّخْرَةَ، فَتَأْتِي المَرْأتانِ إلى فُضُولِ حِياضِ الرِّعاءِ فَتَسْقِيانِ غَنَمَهُما.

﴿ فَسَقى لَهُما ﴾ مُوسى.

وَفِي صِفَةِ ما صَنَعَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ذَهَبَ إلى بِئْرٍ أُخْرى عَلَيْها صَخْرَةٌ لا يَقْتَلِعُها إلّا جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ، فاقْتَلَعَها وسَقى لَهُما، قالَهُعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: أنَّهُ زاحَمَ القَوْمَ عَلى الماءِ، وسَقى لَهُما، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والمَعْنى: سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما.

﴿ ثُمَّ تَوَلّى ﴾ أيْ: انْصَرَفَ ﴿ إلى الظِّلِّ ﴾ وهو ظِلُّ شَجَرَةٍ ﴿ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما ﴾ اللّامُ بِمَعْنى إلى، فَتَقْدِيرُهُ: إنِّي إلى ما ﴿ أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ وأرادَ بِالخَيْرِ: الطَّعامُ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ أسْمَعَ المَرْأتَيْنِ هَذا الكَلامُ تَعْرِيضًا أنْ تُطْعِماهُ.

﴿ فَجاءَتْهُ إحْداهُما ﴾ المَعْنى: فَلَمّا شَرِبَتْ غَنَمُهُما رَجَعَتا إلى أبِيهِما فَأخْبَرَتاهُ خَبَرَ مُوسى، فَبَعَثَ إحْداهُما تَدْعُو مُوسى.

وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الصُّغْرى.

والثّانِي: الكُبْرى.

فَجاءَتْهُ ﴿ تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ ﴾ قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها.

وَفِي سَبَبِ اسْتِحْيائِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِن صِفَتِها الحَياءُ، فَهي تَمْشِي مَشْيَ مَن لَمْ يَعْتَدِ الخُرُوجَ والدُّخُولَ.

والثّانِي: لِأنَّها دَعَتْهُ لِتُكافِئُهُ، وكانَ الأجْمَلُ عِنْدَها أنْ تَدْعُوَهُ مِن غَيْرِ مُكافَأةٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّها رَسُولُ أبِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا سَمِعَ مُوسى هَذا القَوْلَ كَرَّهَهُ وأرادَ أنْ لا يَتْبَعَها، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا لِلْجُهْدِ الَّذِي بِهِ مِنِ اتِّباعِها، فَتَبِعَها، فَكانَتْ الرِّيحُ تَضْرِبُ ثَوْبَها فَيَصِفُّ بَعْضَ جَسَدِها، فَناداها: يا أمَةَ اللَّهِ، كُونِي خَلْفِي ودُلِّينِي الطَّرِيقَ ﴿ فَلَمّا جاءَهُ ﴾ أيْ: جاءَ مُوسى شُعَيْبًا ﴿ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ ﴾ أيْ: أخْبَرَهُ بِأمْرِهِ مِن حِينِ وُلِدَ والسَّبَبُ الَّذِي أخْرَجَهُ مِن أرْضِهِ ﴿ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ: لا سُلْطانَ لِفِرْعَوْنَ بِأرْضِنا ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ.

﴿ قالَتْ إحْداهُما ﴾ وهي الكُبْرى: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ أيْ: اتَّخَذَهُ أجِيرًا ﴿ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ ﴾ أيْ: خَيْرُ مَن اسْتَعْمَلْتَ عَلى عَمَلِكَ مَن قَوِيَ عَلى عَمَلِكَ وأدّى الأمانَةَ؛ وإنَّما سَمَّتْهُ قَوِيًّا، لِرَفْعِهِ الحَجَرَ عَنْ رَأْسِ البِئْرِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ اسْتَقى بِدَلْوٍ لا يُقِلُّها إلّا العَدَدُ الكَثِيرُ مِنَ الرِّجالِ، وسَمَّتْهُ أمِينًا، لِأنَّهُ أمَرَها أنْ تَمْشِيَ خَلْفَهُ.

وقالَ السُّدِّيُّ: قالَ لَها شُعَيْبُ: قَدْ رَأيْتُ قُوَّتَهُ، فَما يُدْرِيكَ بِأمانَتِهِ؟

فَحَدَّثَتْهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَرَغِبَ فِيهِ شُعَيْبٌ، فَقالَ لَهُ: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ ﴾ أيْ: أزْواجُكَ ﴿ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَأْجُرُنِي وتَأْجِرُنِي، بِضَمِّ الجِيمِ وكَسْرِها، لُغَتانِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: تَكُونُ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ ﴿ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ ﴾ أيْ: فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنكَ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: في العَشْرِ ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتَ.

﴿ قالَ ﴾ لَهُ مُوسى ﴿ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي وصَفْتَ وشَرَطْتَ عَلَيَّ فَلَكَ، وما شَرَطْتَ لِي مِن تَزْوِيجِ إحْداهُما فَلِيَ، فالأمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَنا وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا.

ثُمَّ قالَ: ﴿ أيَّما الأجَلَيْنِ ﴾ يَعْنِي: الثَّمانِيَ والعَشَرَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما " زائِدَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَضَيْتُ ﴾ أيْ: أتْمَمْتُ ﴿ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ﴾ أيْ: لا سَبِيلَ عَلَيَّ؛ والمَعْنى: لا تَعْتَدِ عَلَيَّ بِأنْ تُلْزِمَنِي أكْثَرَ مِنهُ ﴿ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: واللَّهُ شاهِدُنا عَلى ما عَقَدَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذا الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ شُعَيْبٌ نَبِيُّ اللَّهِ  ، وعَلى هَذا أكْثَرُ [أهْلِ] التَّفْسِير، وفِيهِ أثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ  يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ وهْبٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ صاحِبُ مَدْيَنَ، واسْمُهُ يَثْرى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: رَجُلٌ مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ: قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ يَثْرُونُ ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ مَرَّةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ السّائِبِ.

واخْتَلَفُوا في الَّتِي تَزَوَّجَها مُوسى مِنَ الإبْنَتَيْنِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: الصُّغْرى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الكُبْرى، قالَهُ مُقاتِل.

وَفِي اسْمِ الَّتِي تَزَوَّجَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: صَفُورِيا، حَكاهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.

والثّانِي: صَفُورَةُ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ.

والثّالِثُ: صَبُورًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَبِيلِ ﴾ ﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ الناسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِنَ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ ولَمّا خَرَجَ عَلَيْهِ السَلامُ فارًّا بِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا حافِيًا لا شَيْءَ مَعَهُ؛ رَأى حالَهُ وعَدَمَ مَعْرِفَتِهِ بِالطَرِيقِ، وخُلُوِّهِ مِنَ الزادِ وغَيْرِهِ فَأسْنَدَ أمْرَهُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وقالَ: ﴿ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَبِيلِ ﴾ ، وهَذِهِ الأقْوالُ مِنهُ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللهِ تَعالى، عالِمًا بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ الَّذِي آتاهُ اللهُ تَعالى.

و"تَوَجَّهَ": رَدَّ وجْهَهُ إلَيْها، و"تِلْقاءَ" مَعْناهُ: إلى ناحِيَةٍ، أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي يَلْقى فِيها الشَيْءَ المَذْكُورَ، و ﴿ سَواءَ السَبِيلِ ﴾ مَعْناهُ: وسْطَهُ، وفي هَذا الوَقْتِ بَعَثَ اللهُ المَلَكَ المُسَدِّدَ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ قَبْلُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِـ " سَواءَ السَبِيلِ " طَرِيقَ مَدِينَ، وقالَ الحَسَنُ: أرادَ سَبِيلَ الهُدى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أبْرَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَنِ النَبِيِّ  : «هَذا الَّذِي يَهْدِي السَبِيلَ» الحَدِيثُ.

فَمَشى عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى ورَدَ مَدْيَنَ، أيْ: بَلَغَها، ووُرُودُهُ الماءَ مَعْناهُ: بُلُوغُهُ؛ لِأنَّهُ دَخَلَ فِيهِ، ولَفْظَةُ الوُرُودِ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الدُخُولِ في الشَيْءِ، وقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الإطْلالِ عَلَيْهِ والبُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، فَوُرُودُ مُوسى هَذا الماءَ كانَ بِالوُصُولِ إلَيْهِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ في اللَفْظَةِ تُتَناوَلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها  ﴾ .

ومَدْيَنُ" لا يَنْصَرِفُ؛ إذْ هي بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ.

و"الأُمَّةُ": الجَمْعُ الكَثِيرُ، و"يَسْقُونَ" مَعْناهُ: ماشِيَتِهَمْ، و ﴿ مِن دُونِهِمُ ﴾ مَعْناهُ: ناحِيَةٌ إلى الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، فَوَصَلَ إلى الِامْرَأتَيْنِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى الأُمَّةِ، وهَكَذا هُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، و"تَذُودانِ" مَعْناهُ: تَمْنَعانِ وتَحْبِسانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «ألا لَيُذادَنَّ رِجالٌ عن حَوْضِي» الحَدِيثُ، وشاهِدُ الشِعْرِ في ذَلِكَ كَثِيرٌ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "امْرَأتَيْنِ حابِسَتَيْنِ تَذُودانِ"، واخْتُلِفَ في الذَوْدِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُقاةِ الأقْوِياءِ، وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ الناسَ عن غَنَمِهِما، فَلَمّا رَأى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ المَرْأتَيْنِ قالَ: ﴿ ما خَطْبُكُما ﴾ ؟

أيْ: ما أمْرُكُما وشَأْنُكُما؟

وكَأنَّ اسْتِعْمالَ السُؤالِ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ أو مُضْطَهَدٍ أو مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ أو يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ بِالجُمْلَةِ في شَرٍّ، فَأخْبَرَتاهُ بِخَبَرِهِما، وأنَّ أباهُما شَيْخٌ كَبِيرٌ، فالمَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ لِضَعْفِهِ أنْ يُباشِرَ أمْرَ غَنَمِهِما، وأنَّهُما لِضَعْفِهِما وقِلَّةِ طاقَتِهِما لا تَقْدِرانِ عَلى مُزاحَمَةِ الأقْوِياءِ، وأنَّ عادَتَهُما التَأنِّي حَتّى يُصْدِرَ الرِعاءُ أيِ الناسُ- عَنِ الماءِ ويَخْلُو، وحِينَئِذٍ تَرِدانِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ الآبارُ مَكْشُوفَةً، وكانَ زَحْمُ الناسِ يَمْنَعُهُما، فَلَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَسْقِيَ لَهُما؛ زَحَمَ الناسَ وغَلَبَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى، فَعن هَذا الغَلَبِ الَّذِي كانَ مِنهُ، وصَفَتْهُ إحْداهُما بِالقُوَّةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ آبارُهم عَلى أفْواهِها حِجارَةٌ كِبارٌ، وكانَ وُرُودُ المَرْأتَيْنِ يَتْبَعُ ما في صَهارِيجِ الشُرْبِ مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي تَبْقى لِلسُّقاةِ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَمَدَ إلى بِئْرٍ كانَتْ مُغَطّاةً والناسُ يَسْقُونَ مِن غَيْرِها، وكانَ حَجَرُها لا يَرْفَعُهُ إلّا سَبْعَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَشَرَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ثَلاثُونَ، وقالَ الزَجّاجُ: أرْبَعُونَ، فَرَفَعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وسَقى لِلْمَرْأتَيْنِ، فَعن رَفْعِ الصَخْرَةِ، وصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ.

وقِيلَ: إنَّ بِئْرَهم كانَتْ واحِدَةً، وأنَّهُ رَفَعَ عنها الحَجَرَ بَعْدَ انْفِصالِ السُقاةِ؛ إذْ كانَتْ عادَةُ المَرْأتَيْنِ شُرْبَ الفَضَلاتِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَسْقِي" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "نَسْقِي" بِضَمِّها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "حَتّى يَصْدُرَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدالِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرَ، وقَتادَةُ، وقَرَأ الباقُونَ: "يُصْدِرَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ، تَقْدِيرُهُ: مَواشِيَهُمْ، وحَذْفُ المَفْعُولِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والكَلامِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى.

و"الرِعاءُ" جَمْعُ راعٍ.

وتَوَلّى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى ظِلِّ سَمُرَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وتَعَرَّضَ لِسُؤالِ ما يَطْعَمُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِسُؤالٍ، هَكَذا رَوى سائِرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ طَلَبَ في هَذا الكَلامِ ما يَأْكُلُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وكانَ قَدْ بَلَغَ بِهِ الجُوعُ، واخْضَرَّ لَوْنُهُ مِن أكْلِ البَقْلِ، وضَعُفَ حَتّى لَصَقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ ورُؤِيَتْ خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ، وإنَّهُ لَأكْرَمُ الخَلْقِ يَوْمَئِذٍ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلى مَدْيَنَ حَتّى سَقَطَ باطِنُ قَدَمِهِ، وفي هَذا مُعْتَبَرٌ وحاكِمْ بِهَوانِ الدُنْيا عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يدل قوله ﴿ لما ورد ماء مدين ﴾ أنه بلغ أرض مدين، وذلك حين ورد ماءهم.

والورود هنا معناه الوصول والبلوغ كقوله تعالى ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ [مريم: 71].

والمراد بالماء موضع الماء.

وماء القوم هو الذي تعرف به ديارهم لأن القبائل كانت تقطن عند المياه وكانوا يكنون عن أرض القبيلة بماء بني فلان، فالمعنى: ولما ورد، أي عندما بلغ بلاد مدين.

ويناسب الغريب إذا جاء ديار قوم أن يقصد الماء لأنه مجتمع الناس فهنالك يتعرف لمن يصاحبه ويضيفه.

و ﴿ لما ﴾ حرف توقيت وجود شيء بوجود غيره، أي عندما حل بأرض مدين وجد أمة.

والأمة: الجماعة الكثيرة العدد، وتقدم في قوله تعالى ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ في [البقرة: 213].

وحذف مفعول ﴿ يسقون ﴾ لتعميم ما شأنه أن يسقى وهو الماشية والناس، ولأن الغرض لا يتعلق بمعرفة المسقي ولكن بما بعده من انزواء المرأتين عن السقي كما في «الكشاف» تبعاً «لدلائل الإعجاز»، فيكون من تنزيل الفعل المتعدّي منزلة اللازم، أو الحذف هنا للاختصار كما اختاره السكاكي وأيده شارحاه السعد والسيد.

وأما حذف مفاعيل ﴿ تَذُودان لا نسقي فسقى لهما ﴾ فيتعين فيها ما ذهب إليه الشيخان.

وأما ما ذهب إليه صاحب «المفتاح» وشارحاه فشيء لا دليل عليه في القرآن حتى يقدر محذوف وإنما استفادة كونهما تذودان غنماً مرجعها إلى كتب الإسرائيليين.

ومعنى ﴿ من دونهم ﴾ في مكان غير المكان الذي حول الماء، أي في جانب مباعد للأمة من الناس لأن حقيقة كلمة (دون) أنها وصف للشيء الأسفل من غيره.

وتتفرع من ذلك معان مجازية مختلفة العلاقات، ومنها ما وقع في هذه الآية.

ف (دون) بمعنى جهة يصل إليها المرء بعد المكان الذي فيه الساقون.

شُبّه المكان الذي يبلغ إليه الماشي بعد مكان آخر بالمكان الأسفل من الآخر كأنه ينزل إليه الماشي لأن المشي يشبه بالصعود وبالهبوط باختلاف الاعتبار.

ويحذف الموصوف ب (دون) لكثرة الاستعمال فيصير (دون) بمنزلة ذلك الاسم المحذوف.

وحرف ﴿ من ﴾ مع (دون) يجوز أن يكون للظرفية مثل ﴿ إذا نُودِي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ [الجمعة: 9].

ويجوز أن يكون بمعنى (عند) وهو معنى أثبته أبو عبيدة في قوله تعالى ﴿ لن تُغْنِيَ عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ﴾ [آل عمران: 10].

والمعنى: ووجد امرأتين في جهة مبتعدة عن جهة الساقين.

و ﴿ تذودان ﴾ تطرُدان.

وحقيقة الذود طرد الأنعام عن الماء ولذلك سموا القطيع من الإبل الذود فلا يقال: ذدت الناس، إلا مجازاً مرسلاً، ومنه قوله في الحديث " فَلَيذادن أقوام عن حوضي " الحديث.

والمعنى في الآية: تمنعان إبلاً عن الماء.

وفي التوراة: أن شعيباً كان صاحب غنم وأن موسى رعى غنمه.

فيكون إطلاق ﴿ تذودان ﴾ هنا مجازاً مرسلاً، أو تكون حقيقة الذود طرد الأنعام كلها عن حوض الماء.

وكلام أيمة اللغة غير صريح في تبيين حقيقة هذا.

وفي سفر الخروج: أنها كانت لهما غنم، والذود لا يكون إلا للماشية.

والمقصود من حضور الماء بالأنعام سقيها.

فلما رأى موسى المرأتين تمنعان أنعامهما من الشرب سألهما: ما خطبكما؟

وهو سؤال عن قصتهما وشأنهما إذ حضرا الماء ولم يقتحما عليه لسقي غنمهما.

وجملة ﴿ قال ما خطبكما ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ ووجد من دونهم امرأتين تذودان ﴾ .

والخطب: الشأن والحدث المهم، وتقدم عند قوله تعالى ﴿ قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ﴾ [يوسف: 51]، فأجابتا بأنهما كرهتا أن تسقيا في حين اكتظاظ المكان بالرعاء وأنهما تستمران على عدم السقي كما اقتضاه التعبير بالمضارع إلى أن ينصرف الرعاء.

و ﴿ الرعاء ﴾ : جمع راع.

والإصدار: الإرجاع عن السقي، أي حتى يسقي الرعاء ويصدروا مواشيهم، فالإصدار جعل الغير صادراً، أي حتى يذهب رعاء الإبل بأنعامهم فلا يبقى الزحام.

وصدهما عن المزاحمة عادتهما لأنهما كانتا ذواتي مروءة وتربية زكية.

وقرأ الجمهور ﴿ يصدر ﴾ بضم الياء وكسر الدال.

وقرأه ابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ﴿ يصدر ﴾ بفتح حرف المضارعة وضم الدال على إسناد الصدر إلى الرعاء، أي حتى يرجعوا عن الماء، أي بمواشيهم لأن وصف الرعاء يقتضي أن لهم مواشي.

وهذا يقتضي أن تلك عادتهما كل يوم سقي، وليس في اللفظ دلالة على أنه عادة.

وكان قولهما ﴿ وأبونا شيخ كبير ﴾ اعتذاراً عن حضورهما للسقي مع الرجال لعدم وجدانهما رجلاً يستقي لهما لأن الرجل الوحيد لهما هو أبوهما وهو شيخ كبير لا يستطيع ورود الماء لضعفه عن المزاحمة.

واسم المرأتين (لَيَّا) و(صَفُّورة).

وفي سفر الخروج: أن أباهما كاهن مدْين.

وسمّاه في ذلك السفر أول مرة رعْويل ثم أعاد الكلام عليه فسماه يثرون ووصفه بحمي موسى، فالمسمى واحد.

وقال ابن العِبري في «تاريخه»: يثرون بن رعويل له سبع بنات خرج للسقي منهما اثنتان، فيكون شُعيب هو المسمى عند اليهود يثرون.

والتعبير عن النبي بالكاهن اصطلاح.

لأن الكاهن يخبر عن الغيب ولأنه يطلق على القائم بأمور الدين عند اليهود.

وللجزم بأنه شعيب الرسول جعل علماؤنا ما صدر منه في هذه القصة شرعاً سابقاً ففرعوا عليه مسائل مبنية على أصل: أن شرع من قبلنا من الرسل الإلهيين شرع لنا ما لم يرد ناسخ.

ومنها مباشرة المرأة الأعمال والسعي في طرق المعيشة، ووجوب استحيائها، وولاية الأب في النكاح، وجعل العمل البدني مهراً، وجمع النكاح والإجارة في عقد واحد، ومشروعية الإجارة.

وقد استوفى الكلام عليها القرطبي.

وفي أدلة الشريعة الإسلامية غنية عن الاستنباط مما في هذه الآية إلا أن بعض هذه الأحكام لا يوجد دليله في القرآن ففي هذه الآية دليل لها من الكتاب عند القائلين بأن شرع من قبلنا شرع لنا.

وفي إذنه لابنتيه بالسقي دليل على جواز معالجة المرأة أمور مالها وظهورها في مجامع الناس إذا كانت تستر ما يجب ستره فإن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه شرعنا ولم يأت من شرعنا ما ينسخه.

وأما تحاشي الناس من نحو ذلك فهو من المروءة والناس مختلفون فيما تقتضيه المروءة والعادات متباينة فيه وأحوال الأمم فيه مختلفة وخاصة ما بين أخلاق البدو والحضر من الاختلاف.

ودخول ﴿ لما ﴾ التوقيتية يؤذن باقتران وصوله بوجود الساقين.

واقتران فعل (سقى) بالفاء يؤذن بأنه بادر فسقى لهن، وذلك بفور وروده.

ومعنى ﴿ فسقى لهما ﴾ أنه سقى ما جئن ليسقينه لأجلهما، فاللام للأجل، أي لا يدفعه لذلك إلا هما، أي رأفة بهما وغوثاً لهما.

وذلك من قوة مروءته أن اقتحم ذلك العمل الشاق على ما هو عليه من الإعياء عند الوصول.

والتولي: الرجوع على طريقه، وذلك يفيد أنه كان جالساً من قبل في ظل فرجع إليه.

ويظهر أن ﴿ تولى ﴾ مرادف (ولى) ولكن زيادة المبنى من شأنها أن تقتضي زيادة المعنى فكيون ﴿ تولى ﴾ أشد من (ولى)، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى ﴿ ولى مدبراً ﴾ في سورة [النمل: 10].

وقد أعقب إيواءه إلى الظل بمناجاته ربه إذ قال ﴿ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ .

لما استراح من مشقة المتح والسقي لماشية المرأتين والاقتحام بها في عدد الرعاء العديد، ووجد برد الظل تذكر بهذه النعمة نعماً سابقة أسداها الله إليه من نجاته من القتل وإيتائه الحكمة والعلم، وتخليصه من تبعة قتل القبطي، وإيصاله إلى أرض معمورة بأمة عظيمة بعد أن قطع فيافي ومفازات، تذكر جميع ذلك وهو في نعمة برد الظل والراحة من التعب فجاء بجملة جامعة للشكر والثناء والدعاء وهي ﴿ إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ .

والفقير: المحتاج فقوله ﴿ إني لما أنزلت إلي من خير ﴾ شكر على نعم سلفت.

وقوله ﴿ إني لما أنزلت إلي من خير ﴾ ثناء على الله بأنه معطي الخير.

والخير: ما فيه نفع وملاءمة لمن يتعلق هو به فمنه خير الدنيا ومنه خير الآخرة الذي قد يرى في صورة مشقة فإن العبرة بالعواقب، قال تعالى ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ﴾ [التوبة: 85].

وقد أراد النوعين كما يرمز إلى ذلك التعبير عن إيتائه الخير بفعل ﴿ أنزلت ﴾ المشعر برفعة المعطَى.

فأول ذلك إيتاء الحكمة والعلم.

ومن الخير إنجاؤه من القتل، وتربيته الكاملة في بذخة الملك وعزته، وحفظه من أن تتسرب إليه عقائد العائلة التي ربي فيها فكان منتفعاً بمنافعها مجنباً رذائلها وأضرارها.

ومن الخير أن جعل نصر قومه على يده، وأن أنجاه من القتل الثاني ظلماً، وأن هداه إلى منجى من الأرض، ويسر له التعرف ببيت نبوءة، وأن آواه إلى ظل.

و (ما) من قوله ﴿ لما أنزلت إلي ﴾ موصولة كما يقتضيه فعل المضي في قوله ﴿ أنزلت ﴾ لأن الشيء الذي أنزل فيما مضى صار معروفاً غير نكرة، فقوله (ما أنزلت إلي) بمنزلة المعرف بلام الجنس لتلائم قوله ﴿ فقير ﴾ أي فقير لذلك النوع من الخير، أي لأمثاله.

وأحسن خير للغريب وجود مأوى له يطعم فيه ويبيت وزوجة يأنس إليها ويسكن.

فكان استجابة الله له بأن ألهم شعيباً أن يرسل وراءه لينزله عنده ويزوجه بنته، كما أشعرت بذلك فاء التعقيب في قوله ﴿ فجاءته إحداهما ﴾ [القصص: 25].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: عَرَضَتْ لِمُوسى أرْبَعُ طُرُقٍ فَلَمْ يَدْرِ أيَّتُها يَسْلُكُ.

﴿ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِواءِ الطُّرُقِ فَأخَذَ طَرِيقَ مَدْيَنَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ أنِ اتَّخَذَ طَرِيقَ مَدْيَنَ فَقالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ أيْ قَصْدَ الطَّرِيقِ إلى مَدْيَنَ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

قالَ قَتادَةُ: مَدْيَنُ ماءٌ كانَ عَلَيْهِ قَوْمُ شُعَيْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَهُما ثَمانِي لَيْلٍ ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ وخَرَجَ حافِيًا فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفَّ قَدَمَيْهِ.

﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ ﴾ أيْ جَماعَةً.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأُمَّةُ أرْبَعُونَ.

﴿ يَسْقُونَ ﴾ يَعْنِي غَنَمَهم ومَواشِيَهم.

﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَحْبِسانِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا الثّانِي: تَطْرُدانِ.

قالَ الشّاعِرُ لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَمًا تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُما تَحْبِسانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ لِضَعْفِهِما عَنْ زِحامِ النّاسِ.

قالَهُ أبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُما تَذُودانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: تَمْنَعانِ غَنَمَهُما أنْ تَخْتَلِطَ بِغَنَمِ النّاسِ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ قالَ ما خَطْبُكُما ﴾ أيْ ما شَأْنُكُما، وفي الخَطْبِ تَضْخِيمُ الشَّيْءِ ومِنهُ الخُطْبَةُ لِأنَّها مِنَ الأمْرِ المُعَظَّمِ.

﴿ قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ﴾ والصُّدُورُ الِانْصِرافُ، ومِنهُ الصَّدْرُ لِأنَّ التَّدْبِيرَ يَصْدُرُ عَنْهُ، والمَصْدَرُ لِأنَّ الأفْعالَ تَصْدُرُ عَنْهُ.

والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.

وَفي امْتِناعِهِما مِنَ السَّقْيِ حَتّى يَصْدُرَ الرِّعاءُ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَصَوُّنًا عَنِ الِاخْتِلاطِ بِالرِّجالِ.

الثّانِي: لِضَعْفِهِما عَنِ المُزاحَمَةِ بِماشِيَتِهِما.

﴿ وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ وفي قَوْلِهِما ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما قالَتا ذَلِكَ اعْتِذارًا إلى مُوسى عَنْ مُعاناتِهِما سَقْيَ الغَنَمِ بِأنْفُسِهِما.

الثّانِي: قالَتا ذَلِكَ تَرْقِيقًا لِمُوسى لِيُعاوِنَهُما.

﴿ فَسَقى لَهُما ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ زَحَمَ القَوْمَ عَنِ الماءِ حَتّى أخْرَجَهم عَنْهُ ثُمَّ سَقى لَهُما، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّانِي: أنَّهُ أتى بِئْرًا عَلَيْها صَخْرَةٌ لا يُقِلُّها مِن أهْلِ مَدْيَنَ إلّا عَشَرَةٌ فاقْتَلَعَها بِنَفْسِهِ وسَقى لَهُما.

قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ولَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رَوِيَتِ الغَنَمُ.

﴿ ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: إلى ظِلِّ الشَّجَرَةِ وذَكَرَ أنَّها سَمُرَةٌ.

﴿ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ مُوسى ذَلِكَ وقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِنَ الجُوعِ وهو فَقِيرٌ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَوْ شاءَ إنْسانٌ لَنَظَرَ إلى خُضْرَةِ أمْعائِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.

قالَ الضَّحّاكُ: لِأنَّهُ مَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ طَعامًا إلّا بَقْلَ الأرْضِ; فَعَرَضَ لَهُما بِحالِهِ فَقالَ ﴿ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: شُبْعَةٌ مِن طَعامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: شُبْعَةُ يَوْمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج موسى عليه السلام خائفاً جائعاً ليس معه زاد حتى انتهى إلى ماء مدين وعليه أمة من الناس يسقون، وامرأتان جالستان بشياههما، فسألهما ما خطبكما؟

﴿ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ﴾ قال: فهل قربكما ماء قالتا: لا...

إلا بئر عليها صخرة قد غطيت بها لا يطيقها نفر قال: فانطلقا فأريانيها.

فانطلقتا معه فقلب بالصخرة بيده، فنحاها ثم استقى لهما سجلاً واحداً فسقى الغنم، ثم أعاد الصخرة إلى مكانها، ثم تولى إلى الظل فقال: ﴿ رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير ﴾ فسمعتا ما قال، فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما، فسألهما فاخبرتاه فقال لإِحداهما: انطلقي فادعيه فأتته فقالت: ﴿ إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ فمشت بين يديه فقال لها: امشي خلفي، فإني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحل لي أن أنظر منك ما حرم الله علي، وارشديني الطريق.

﴿ فلما جاءه وقص عليه القصص...، قالت إحداهما: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ قال لها أبوها: ما رأيت من قوّته وأمانته؟

فأخبرته بالأمر الذي كان قالت: أما قوّته فإنه قلب الحجر وحده، وكان لا يقلبه إلا النفر.

وأما أمانته فإنه قال: امشي خلفي وارشديني الطريق، لأني امرؤ من عنصر إبراهيم عليه السلام، لا يحل لي منك ما حرمه الله تعالى.

قيل لابن عباس رضي الله عنهما.

أي الأجلين قضى موسى عليه السلام؟

قال: أبرهما وأوفاهما.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين ﴿ قال ما خطبكما ﴾ فحدثتاه.

فأتى الصخرة فرفعها وحده ثم استسقى، فلم يستق إلا دلواً واحداً حتى رويت الغنم.

فرجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه، وتولى موسى عليه السلام إلى الظل ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ قال: ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ واضعة ثوبها على وجهه ليست بسلفع من الناس خراجة ولاجة ﴿ قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ فقام معها موسى عليه السلام فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف جسدك.

فلما انتهى إلى أبيها قص عليه فقالت احداهما ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين ﴾ قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟

قالت: أما قوّته: فرفعه الحجر ولا يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته، فقال: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك.

فزاده ذلك رغبة فيه فقال: ﴿ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ﴾ إلى قوله: ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت قال موسى عليه السلام ﴿ ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي ﴾ قال: نعم.

﴿ قال الله على ما نقول وكيل ﴾ فزوّجه وأقام معه يكفيه، ويعمل له في رعاية غنمه وما يحتاج إليه، وزوّجه صفورا، وأختها شرفا، وهما التي كانتا تذودان.

وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ قال: ورد الماء حيث ورد وأنه لتتراءى خضرة البقل من بطنه من الهزال.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج موسى عليه السلام من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثمان ليال، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، وخرج إليها حافياً فما وصل حتى وقع خف قدمه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ قال: كان مسيره خمسة وثلاثين يوماً.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أمة من الناس يسقون ﴾ قال: أناساً.

وفي قوله: ﴿ إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير ﴾ قال: من طعام.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ووجد من دونهم امرأتين ﴾ قال: أسماؤهما: ليا، وصفورا، ولهما أربع أخوات صغار يسقين الغنم في الصحاف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ تذودان ﴾ قال: تحبسان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ تذودان ﴾ قال: تحبسان غنمهما حتى يفرغ الناس وتخلو لهما البئر.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء ﴾ قال: تنتظران أن تسقيا من فضول ما في حياضهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ حتى يصدر الرعاء ﴾ برفع الياء وكسر الراء في الرعاء.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لقد قال موسى عليه السلام ﴿ رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ وهو أكرم خلقه عليه ولقد افتقر إلى شق تمرة، ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير ﴾ قال: سأل فلقاً من الخبز يشد بها صلبه من الجوع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما هرب موسى عليه السلام من فرعون أصابه جوع، كانت ترى أمعاؤه من ظاهر الثياب ﴿ قال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما سقى موسى للجاريتين ﴿ ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ قال: إنه يومئذ فقير إلى كف من تمر» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ قال: شبعه يومئذ.

وأخرج الفريابي وأحمد عن مجاهد قال: ما سأل إلا طعاماً يأكله.

وأخرج الفريابي وأحمد عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه ﴿ إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ قال: ما كان معه رغيف ولا درهم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: ﴿ تمشي على استحياء ﴾ قال: جاءت مستترة بكم درعها على وجهها.

وأخرجه ابن المنذر عن ابن أبي الهذيل موقوفاً عليه.

وأخرج أحمد عن مطرف بن الشخير رضي الله عنه قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما تبع مذقتها، ولكن حمله على ذلك الجهد.

وأخرج ابن عساكر عن أبي حازم قال: لما دخل موسى عليه السلام على شعيب عليه السلام إذا هو بالعشاء فقال له شعيب عليه السلام: كل.

قال موسى عليه السلام: أعوذ بالله!

قال ولم...؟!

ألست بجائع؟

قال: بلى.

ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبتغي شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً قال: لا والله...

ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام.

فجلس موسى عليه السلام فأكل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس رضي الله عنه أنه بلغه: أن شعيباً عليه السلام هو الذي قص على موسى القصص.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: يقول ناس: أنه شعيب.

وليس بشعيب ولكن سيد الماء يومئذ.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال: كان صاحب موسى عليه السلام أثرون ابن أخي شعيب عليه السلام.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان اسم ختن موسى يثربي.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذي استأجر موسى عليه السلام يثرب صاحب مدين.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يكره الكنية بأبي مرة، وكانت كنية فرعون، وكانت صاحبة موسى صفيرا بنت يثرون.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ القوي ﴾ قال: قوته فتح لهما عن بئر حجراً على فيها فسقى لهما ﴿ الأمين ﴾ قال: غض بصره عنهما حين سقى لهما.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: لما قالت صاحبة موسى ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ قال: غض بصره عنهما حين سقى لهما.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: لما قالت صاحبة موسى ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ قال: وما رأيت من قوته.

قالت: جاء إلى البئر وعليه صخرة لا يقلها كذا وكذا فرفعها قال: وما رأيت من أمانته؟

قالت: كنت أمشي أمامه فجعلني خلفه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ﴾ قال: بلغني أنه نكح الكبيرة التي دعته واسمها صفورا، وأبوها ابن أخي شعيب، واسمه رعاويل.

وقد أخبرني من أصدق: أن إسمه في الكتاب يثرون كاهن مدين.

والكاهن حبر.

وأخرج ابن المنذر عن نوف الشامي قال: ولدت المرأة لموسى عليه السلام غلاماً، فسماه جرثمة.

وأخرج ابن ماجة والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عقبة بن المنذر السلمي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ﴿ طس ﴾ حتى بلغ قصة موسى عليه السلام قال: «إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشراً على عفة فرجه، وطعام بطنه، فلما وفى الأجل قيل: يا رسول الله أي الأجلين قضى موسى؟

قال: أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه قالب لون من ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء، فانطلق موسى إلى عصاه فسماها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بازاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال: فأنمت وأثلثت ووضعت كلها قوالب الوان.

إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا غزور، ولا ثفول، ولا كمشة تفوت الكف.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم.

وهي السامرية» قال ابن لهيعة: الفشوش: التي تفش بلبنها واسعة الشخب، والضبوب: الطويلة الضرع مجترة، والغزور: الضيقة الشخب، والثفول: التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين، والكمشة: الصغيرة الضرع لا يدركه الكف.

وأخرج ابن جرير عن أنس رضي الله عنه قال: لما دعا موسى عليه السلام صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبه: كل شاة ولدت على لونها فلك لونها.

فعمد فرفع خيالاً على الماء، فلما رأيت الخيال فزعت، فجالت جولة فولدت كلهن بلقاء، إلا شاة واحدة.

فذهب بألوانهن ذلك العام.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل أي الأجلين قضى موسى؟

فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما.

أن رسول الله إذا قال فعل.

وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل أي الأجلين قضى موسى؟

قال: أتمهما وأكملهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يوسف بن سرح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى؟

فسأل جبريل فقال: لا علم لي.

فسأل جبريل ملكاً فوقه فقال: لا علم لي.

فسأل ذلك الملك ربه فقال الرب عز وجل أبرهما وأتقاهما وأزكاهما» .

وأخرج ابن مردويه من طريق علي بن عاصم عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أن رجلاً سأله أي الأجلين قضى موسى؟

فقال: لا أدري حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فسأل ميكائيل فقال: لا أدري حتى أسأل الرفيع، فسأل الرفيع فقال: لا أدري حتى أسأل اسرافيل، فسأل إسرافيل فقال: لا أدري حتى أسأل ذا العزة، فنادى إسرافيل بصوته الأشد: يا ذا العزة أي الأجلين قضى موسى؟

قال: أتم الأجلين وأطيبهما عشر سنين» قال علي بن عاصم: فكان أبو هرون إذا حدث بهذا الحديث يقول: حدثني أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل، عن ميكائيل، عن الرفيع، عن إسرافيل، عن ذي العزة تبارك وتعالى «أن موسى قضى أتم الأجلين وأطيبه، عشر سنين» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه «قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟

قال: أوفاهما» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل: يا محمد إن سألك اليهود أي الأجلين قضى موسى؟

فقل أوفاهما، وإن سألوك أيهما تزوج؟

فقال الصغرى منهما» .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟

فقل خيرهما وأبرهما، وإذا سئلت أي المرأتين تزوج؟

فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ فقال: ما رأيت من قوته؟

قالت: أخذ حجراً ثقيلاً فألقاه على البئر قال: وما الذي رأيت من أمانته؟

قالت: قال لي امشي خلفي ولا تمشي امامي» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟

قال: أبعدهما وأطيبهما» .

وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي ذر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟

قال: أبرهما وأوفاهما.

قال: وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟

فقل الصغرى منهما» .

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟

قال: سوف أسأل جبريل، فسأل قال: سوف أسأل ميكائيل، فسأله قال: سوف أسأل إسرافيل، فسأله فقال: سوف أسأل الرب، فسأله فقال: أبرهما وأوفاهما» .

وأخرج ابن مردويه عن مقسم قال: لقيت الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقلت له: أي الأجلين قضى موسى.

الأول أو الآخر؟

قال: الآخر.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والله على ما نقول وكيل ﴾ قال: على قول موسى وختنه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فذلك قوله: ﴿ فَسَقَى لَهُمَا ﴾ أي: فسقى أغنامهما لهما، يعني: لأجلهما.

فحذف مفعول السقي.

قال أبو إسحاق: أي فسقى لهما من قَبل الوقت الذي كانتا تسقيان فيه (١) وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ﴾ قال السدي: ظل شجرة (٢) (٣) ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد طعامًا يأكله، يقول: إني إليه لمحتاج (٤) وقال مجاهد: ما سأل إلا طعامًا يأكله (٥) وقال إبراهيم: ما كان مع موسى رغيف ولا درهم (٦) وروى سعيد بن جبير [عن ابن عباس] (٧) (٨) وعن سعيد بن جبير قال: ما سأل إلا شُبْعَه (٩) ﴿ لِمَا أَنْزَلْتَ ﴾ معناها: إلى ما أنزلت؛ قال الأخفش: يقال: هو فقير له وإليه، ومحتاج له وإليه، وأوحي إليه وأوحي له (١٠) (١١) قال محمد بن إسحاق: فرجعتا إلى أبيهما في ساعة كانتا لا ترجعان فيها، فأنكر شأنهما وسألهما، فأخبرتاه الخبر (١٢) (١٣) ﴿ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾ فقالت: ﴿ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ﴾ (١٤) (١) أخرجه ابن جرير 20/ 60، وابن أبي حاتم 9/ 2965.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 58.

وذكره الثعلبي 8/ 153 ب.

(٣) "تفسير مقاتل" 64 ب.

(٤) أخرجه ابن جرير 20/ 58.

(٥) أخرجه ابن جرير 20/ 59.

في نسخة: ج: سأل طعامًا يأكله.

(٦) أخرجه ابن جرير 20/ 59.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 140، ولم ينسبه.

ولم أجده بهذا اللفظ عند ابن جرير ولا ابن أبي حاتم.

والله أعلم.

(٩) أخرجه ابن جرير 20/ 59، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير.

(١٠) لم أجده عند الأخفش في كتابه "المعاني".

وذكر هذا القول ابن الجوزى، "زاد المسير" 6/ 123، ولم ينسبه.

ونسبه للزجاج الشوكاني 4/ 160.

(١١) ذكره عنه الثعلبي 8/ 154 أ.

(١٢) الخبر، ساقطة من نسخة (ج).

(١٣) هكذا في نسخة: (أ)، (ب)، وعند الثعلبي 8/ 154 أ.

وفي نسخة: (ج): لإحداهما.

(١٤) أخرجه ابن جرير 20/ 61.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 154 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ﴾ أي وصل إليه وكان بئراً ﴿ يَسْقُونَ ﴾ أي يسقون مواشيهم ﴿ امرأتين ﴾ روى أن اسمهما ليا وصفوريا، وقيل: صفيرا وصفرا ﴿ تَذُودَانِ ﴾ أي تمنعان الناس عن غنمهما، وقيل: تذودان غنمهما عن الماء حتى يسقي الناس، وهذا أظهر لقولهما: ﴿ لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء ﴾ : أي كانت عادتهما ألا يسقيا غنمهما إلا بعد الناس لقوة الناس ولضعفهما، أو لكراهتهما التزاحم مع الناس ﴿ يُصْدِرَ ﴾ بضم الياء وكسر الدار فعل متعدّ، والمفعول محذوف تقديره حتى يصدر الرعاء مواشيهم، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: يُصْدِرَ بفتح الياء وضم الدال أي ينصرفون عن الماء ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ أي لا يستطيع أن يباشر سقي غنمه، وهذا الشيخ هو شعيب عليه السلام في قول الجمهور، وقيل: ابن أخيه، وقيل: رجل صالح ليس من شعيب بنسب ﴿ فسقى لَهُمَا ﴾ أي أدركته شفقته عليهما فسقى غنمهما وروي أنه كان على فم البئر صخرة لا يرفعها إلا ثلاثون رجلاً فرفعها وحده ﴿ تولى إِلَى الظل ﴾ أي جلس في الظل، وروي أنه كان ظل سَمُرَة ﴿ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ طلب من الله ما يأكله وكان قد اشتدّ عليه الجوع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ يصدر ﴾ بفتح الياء وضم الدال: ابن عامر ويزيد وأبو عمرو وأبو أيوب.

الآخرون بضم الياء وكسر الدال ﴿ إني أريد ﴾ ﴿ سَتَجِدُنِي إِن ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ و ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح ياء المتكلم في الكل: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو و ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح الياء: هم وابن عامر ﴿ جذوة ﴾ بفتح الجيم: عاصم وبضمها حمزة وخلف.

الباقون بكسرها.

﴿ من الرهب ﴾ بفتح الراء وسكون الهاء: حفص، وبفتحهما أبو عمرو وسهل ويعقوب وابو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون بضم الراء وسكون الهاء ﴿ فذاناك ﴾ بتشديد النون: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ معي ﴾ بالفتح: حفص ﴿ ردا ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون بضم الراء وهمزة في الوقف ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع: حمزة وعاصم ﴿ يكذبون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو: ابن كثير ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ من يكون ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ لا يرجعون ﴾ بفتح الياء وكسر الجيم: نافع ويعقوب وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ يسقون ﴾ ه لأنه رأس آية عند الأكثرين مع عطف المتفقتين ﴿ تذودان ﴾ ج لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد الفاعل ﴿ خطبكما ﴾ ط ﴿ الرعاء ﴾ ز لأن ما بعده منقطع لفظاً ومعنى كأنه قال: فلم خرجتما فقالتا تعريضاً بالاستقامة وأبونا شيخ ﴿ كبير ﴾ ط ﴿ فقير ﴾ ه ﴿ على استحياء ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القائل، ومن وقف على ﴿ تمشي ﴾ ويجعل على استحياء حالاً مقدماً اي قالت مستحيية فلا وجه له في الوقف ﴿ لنا ﴾ ط لأن جواب "لما" منتظر وقبله حذف أي فذهب معها فلما جاءه فكأن الفاء لاستئناف القصص لأن قال جواب "لما".

﴿ لا تخف ﴾ ز لأن قوله ﴿ نجوت ﴾ غير متصل به نظماً وليفصل بين البشارتين أي لا تخف ضيماً وقد نجوت من ظلم فرعون ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ استأجره ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ الأمين ﴾ 5 ﴿ حجج ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ عندك ﴾ ج لابتداء النفي مع الواو ﴿ عليك ﴾ ج ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وبينك ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ عليّ ﴾ ط ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد القائل ﴿ تصطلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا ﴿ عصاك ﴾ ط لحق الحذف أي فألقاها فحييت فلما رآها ﴿ ولم يعقب ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ج لمثل ما مر أي لا تخف باس العصا إنك أمنت بها بأس فرعون ﴿ الآمنين ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع طول الكلام ه ﴿ وملئه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ يصدقني ﴾ ز للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وعلى ﴿ إليكما ﴾ أوجه أي أنتم الغالبون بآياتنا ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ 5 ﴿ غيري ﴾ ج لتنويع الكلام ﴿ إلى إله موسى ﴾ لا لأن ما بعده مقوله ايضاً ﴿ الكاذبين ﴾ ه لا ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في اليم ﴾ ج للابتداء بأمر الاعتبار واختلاف الجملتين مع فاء التعقيب ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلى النار ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ لعنة ﴾ ط لمثل ذلك ﴿ المقبوحين ﴾ ه.

التفسير: ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله  وأخذ يمشي من غير معرفة طريق فأوصله الله إلى مدين.

وقد يؤيد هذا التفسير ما روي عن ابن عباس أنه خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، ويحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس أنه لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينه وبينهم قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله  .

أما أنه قصد مدين فلقوله  ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ اي قصد نحو هذه القرية ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمان.

وأما أنه اعتمد على فضل الله فلقوله.

﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ أي وسطه وجادّته نظيره قول جده إبراهيم  ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ وكذا الخلف الصدق يقتدي بالسلف الصالح فيهتدي.

قال السدي: لما أخذ في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين.

عن ابن جريج أنه خرج بغير زاد ولا ظهر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.

﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ وكان بئراً فيما روي وورود الماء مجيئه والوصول إليه ضدّ الصدور.

﴿ وجد عليه ﴾ اي على شفيره ومستقاه ﴿ أمة من الناس ﴾ جماعة كثيرة العدد أصنافاً ﴿ يسقون ﴾ مواشيهم ﴿ ووجد من دونهم ﴾ اي في مكان اسفل من مكانهم ﴿ امرأتين تذودان ﴾ أي تدفعان وتطردان أغنامهما لأن على الماء من هو أقوى منهما فلم يتمكنا من السقي، وكانتا تكرهان المزاحمة على الماء واختلاط أغنامهما بأغنامهم أو اختلاطهما بالرجال.

وقيل: تذودان الناس عن غنمهما.

وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر.

وبالجملة حذف مفعول ﴿ تذودان ﴾ لأن الغرض تقرير الذود لا المذود.

وكذا في ﴿ يسقون ﴾ و ﴿ لا نسقي ﴾ المقصود هو ذكر السقي لا المسقي، وكذا في قراءة من قرأ ﴿ حتى يصدر ﴾ من لاإصدار أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم الغرض بيان الإصدار.

﴿ قال ما خطبكما ﴾ هو مصدر بمعنى المفعول أي ما مخطو بكما من الذياد ﴿ قالتا لا نسقي ﴾ الآية.

سألهما عن سبب الذود فذكرتا أنا ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وما لنا رجل يقوم بذلك.

﴿ وابونا شيخ ﴾ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به، وهذه الضرورة هي التي سوغت لنبي الله شعيب أن رضي لابنتيه بسقي الماشية على أن الأمر في نفسه ليس بمحظور، ولعل العرب وخصوصاً أهل البدو منهم لا يعدّونه قادحاً للمروءة.

وزعم بعضهم أن أباهما هو ثيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد ينميه إلى ابن عباس.

وعن الحسن أنه رجل مسلم قبل الدين من شعيب.

أما قوله ﴿ فسقى لهما ﴾ فمعناه فسقى غنمهما لأجلهما وفيه قولان: أحدهما أنه سأل القوم فسمحوا وكان لهم دلو يجتمع عليها أربعون رجلاً فيخرجونها من البئر فاستقى موسى بها وحده وصب الماء في الحوض ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما.

والثاني أنه عمد إلى البئر وعليها صخرة لا يقلها إلا سبعة رجال أو عشرة أو أربعون أو مائة -أقوال- فأقلها وحده وسقى أغنامهما، كل ذلك في شمس وحر.

﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ ظل شجرة ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ ذهب أكثر المفسرين الظاهريين ومنهم ابن عباس إلى أنه طلب من الله طعاماً يأكله.

وعدي ﴿ فقير ﴾ باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.

وعن الضحاك أنه مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض وإن خضرته تتراءى في بطنه من الهزال، وقيه دليل على أنه نزع الدلو وأقل الصخرة بقوة ربانية.

وقال بعض أهل التحقيق: أراد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين، وذلك أنه كان عند فرعون في ملك وثروة فأظهر الرضا بهذا الذل شكراً لله.

يروى أنهما لما رجعتا إلى ابيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟

قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا.

فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي وذلك قوله  ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ قيل: من جملة حيائها أنها قد استترت بكم درعها ثم ﴿ قالت إن أبي يدعوك ﴾ عن عطاء بن السائب أنه حين قال ﴿ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل له ﴿ ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ وضعفت الرواية بأن هذا نوع من الدناءة وضعف اليقين بالله فلا يليق بالنبي.

وقد روي أنها حين قالت: ليجزيك كره ذلك.

ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً حتى قال شعيب هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.

سؤال: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية؟

الجواب: العمل بقول الواحد حراً أو عبداً ذكراً كان أو أنثى سائغ في الأخبار، والمشي مع الأجنبية لا بأس به في حال الاضطرار مع التورع والعفاف، ويؤيده ما روي أن موسى تبعها فأزلقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لهاك امشي خلفي وانعتي لي الطريق.

قال الضحاك: لما دخل عليه قال له: من أنت يا عبد الله؟

قال: أنا موسى بن عمران بن يصهر ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب.

﴿ وقص عليه القصص ﴾ أي المقصوص من لدن ولادته إلى قتل القبطيّ وفراره خوفاً من فرعون وملئه فـ ﴿ ـقال ﴾ له شعيب ﴿ لا تخف ﴾ من فرعون أو ضيماً ﴿ نجوت من القوم الظالمين ﴾ فلا سلطان لفرعون بأرضنا ﴿ قالت إحداهما ﴾ وهي كبراهما اسمها صفراء وكانت الصغرى صفيراء ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القويّ الأمين ﴾ قال النحويون: جعل القوي الأمين اسماً لكونه معرفة صريحة أولى من جعل "أفعل" التفضيل المضاف اسماً لكونه قريباً من المعرفة، ولكن كمال العناية صار سبباً للتقديم.

وورود الفعل وهو ﴿ استأجرت ﴾ بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.

وقال المحققون: إن قولها هذا كلام حكيم جامع لا مزيد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة اللتين هما ثمرتا الكياسة والديانة في الذين يقوم بأمرك، فقد حصل مرادك وكمل فراغك.

عن ابن عباس أن شعيباً أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوّته وأمانته؟

فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوّب راسه اي خفضه حين بلغته رسالته، وأنه أمرها بالمشي خلفه فلذلك قال ﴿ أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ﴾ وليس هذا عقداً حتى تلزم الجهالة في المعقود عليها ولكنه حكاية عزم وتقرير وعد ولو كان عقداً لقال أنكحتك ابنتي فلانة.

وفي قوله ﴿ هاتين ﴾ دليل على أنه كانت له غيرهما.

قال أهل اللغة: ﴿ تأجرني ﴾ من أجرته إذا كنت له أجيراً فيكون ﴿ ثماني ﴾ حجج ظرفه أو من اجرته كذا إذا أثبته إياه فيكون الثماني مفعولاً به ثانياً ومعناه رعية ثماني حجج ﴿ فإن أتممت عشراً ﴾ اي عمل عشر حجج ﴿ فمن عندك ﴾ أي فإتمامه من عندك لا من عندي إذ هو تفضل منك وتبرع ﴿ وما أريد أن أشق عليك ﴾ الزام أتم الأجلين أو بالتكاليف الشاقة في مدة الرعي، وإنما أعامل معك معاملة الأنبياء يأخذون بالأسمح -بالحاء لا بالجيم- قال أهل الاشتقاق: حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أنه إذا صعب الأمر فكأنه شق عليه ظنه باثنين يقول تارة أطيقة وتارة لا أطيقه.

ثم أكد وعد المسامحة بقوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ عموماً أو في باب حسن المعاملة.

وقوله ﴿ إن شاء الله ﴾ أدب جميل كقول إسماعيل ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين  ﴾ أي على الذبح.

وفيه أن الاعتماد في جميع الأمور على معونة الله والأمر موكول إلى مشيئته.

استدل الفقهاء بالآية على أن العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، وعلى أن عقد النكاح لا يفسده الشروط التي لا يوجبها العقد.

ويمكن أن يقال: إنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا.

وجوّز في الكشاف أن يكون استأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ووفاه إياه ثم أنكحه ابنته.

وجعل قوله ﴿ على أن تأجرني ﴾ عبارة عما جرى بينهما ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ ذلك ﴾ الذي شارطتني عليه قائم ﴿ بيني وبينك أيما الأجلين قضيت ﴾ و"ما" مؤكدة لإبهام أيّ زائدة في شيوعها ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ اي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة فإن قضيت الثماني فلا أطالب بالزيادة وإن قضيت العشر باختياري فلم أطالب بالزيادة أيضاً.

وقيل: أراد أيهما قضيت فلا أكون متعدياً.

روي عن النبي  أنه تزوّج كبراهما وقيل صغراهما ولا خلاف في أنه قضى أوفى الأجلين.

قال القاضي في قوله ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس ﴾ دليل على أنه لم يزد على العشرة وفيه نظر لأنه لا يفهم من هذا التركيب إلا أن الإيناس حاصل على عقيب مجموع الأمرين، ولا يدل على أن ذلك حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل ويؤيده ما روي عن مجاهد أنه بعد العشر المشروط مكث عشر سنين أخر.

قال أهل اللغة: الجذوة بحركات الجم العود الغليظ كانت في راسه نار أو لم تكن، وشاطئ الوادي جانبه، و"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، فالثانية بدل من الأولى وبدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، ووصفت البقعة بالمباركة لأن فيها ابتداء الرسالة والتكلم.

احتجت المعتزلة على مذهبهم أن الله  يتكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله ﴿ من الشجرة ﴾ وقال أهل السنة: مما وراء النهران الكلام القديم القائم بذات الله غير مسموع والمسموع من الشجرة وهو الصوت والحرف دال على كلام الله.

وذهب الأشعري إالى أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية.

روي أن شعيباً كانت عنده عصيّ الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل البيت فخذ عصا من تلك العصيّ فأخذ عصاً هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فشعر بها فقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً.

وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه، ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ هناك أكثر لأن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم.

فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على منعها فمشى على اثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد اقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى موسى دامية فارتاح لذلك.

وحين رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأناً.

قيل: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى ذهب ليقتبس النار فكلمه الملك الجبار وقد مر في النمل تفسير قوله ﴿ فلما رآها تهتز  ﴾ إلى قوله ﴿ من غير سوء  ﴾ أما قوله ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ فذكر جار الله له معنيين: أحدهما حقيقة وهو أنه لما قلب الله العصا حية فزع واضطراب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه نقصان قدرك عند الأعداء فإن ألقيتها، فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب النقص وإظهار معجزة أخرى.

وثانيهما مجاز وهو أن يراد بضم الجناح التجلد وضبط النفس حتى لا يضطرب فيكون استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف أرخى جناحيه وإلا ضمهما.

ومعنى ﴿ من الرهب ﴾ من أجل الخوف.

والفرق بين هذه العبارة وبين قوله ﴿ اسلك يدك في جيبك ﴾ أن الغرض هناك خروج اليد بيضاء وههنا الغرض إخفاء الخوف أو اراد بالجناح المضموم ههنا اليد اليمنى وبالجناح المضموم إليه في قوله ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ اليد اليسرى، وقيل: إن الرهب هو الكم بلغة حمير وزيفه النقاد.

من قرأ ﴿ فذانك ﴾ بالتخفيف فمثنى ذاك، ومن قرأ بالتشديد فمثنى ذلك وأصله ذان لك قلبت اللام نوناً وأدغمت.

وسميت الحجة برهاناً لبياضها وإنارتها من قولهم "امرأة برهرهة" أي بيضاء، والعين واللام مكررتان.

والدليل على زيادة النون قولهم "أبره الرجل" إذا جاء بالبرهان ونظيره "السلطان" من السليط الزيت، لإنارتها.

وظاهر الكلام يقتضي أنه  أمره بذلك قبل لقاء فرعون، والسر فيه أن يكون على بصيرة من أمره عند لقاء المعاند اللجوج، وزعم القاضي أنه في حال أداء الرسالة لأن المعجز إنما يظهر ليستدل المرسل إليه على الرسالة ولا يخفى ضعف هذا الكلام لأن الحكمة في الإظهار لا تنحصر في الاستدلال بل لعل هناك أنواعاً أخر من الحكم والمقاصد قد ذكرنا واحداً منها.

ومما يؤكد أن هذا الكلام قد جرى ولم يكن هناك أحد غير موسى قوله معتذراً ﴿ رب إني قتلت منهم نفساً ﴾ الآية.

والردء اسم ما يعان به من ردأته أي أعنته فعل بمعنى مفعول به و ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع صفة وبالجزم جواب كما مر في قوله ﴿ ولياً يرثني  ﴾ والمراد بتصديق أخيه أن يذب ويجادل عنه لا أن يقول: صدقت فإن هذا القدر لا يفتقر إلى البيان والفصاحة لأن سحبان وباقلاً يستويان فيه.

ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ يصدقني ﴾ لفرعون.

وجوّز جار الله أن يكون من الإسناد المجازي بناء على أن يصدق مسند إلى هارون وهو ببيانه وبلاغته سبب تصديق فرعون يؤيده قوله ﴿ إني أخاف أن يكذبون ﴾ قال الجبائي: إنما سأل موسى أن يرسل هارون بأمر الله  ولم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أولا يكون حكمة.

ولقائل أن يقول: لعله ساله مشروطاً على معنى إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقول الداعي في دعائه.

وقال السدي: علم أن الاثنين أقوى من الواحد فلهذا سأل اعترض القاضي بأن هذا من حيث العادة وأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين، لأن المبعوث إليه في أيهما نظر علم وإن لم ينظر فالحال واحدة.

هذا إذا كانت طريقة الدلالة بين المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلف وأمكن في إحداهما من إزالة الشبهة مالا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يقال: إنهما بمجموعهما أقوى من واحدة كما قال السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون لأن معجزتهما كانت واحدة.

قال جار الله معنى ﴿ سنشد عضدك ﴾ سنقوّيك بأخيك إما لأن اليد تشتد بشدة العضد وجملة البدن يقوى على مزاولة الأمور بشدة اليد، وإما لأن الرجل واشتداده بالأخ شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد.

والسلطان التسلط والغلبة والحجة الواضحة.

وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ إما متعلق بمقدر أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق بظاهر وهو ﴿ نجعل ﴾ أو ﴿ لا يصلون ﴾ .

ويجوز أن يكون بياناً لـ ﴿ لغالبون ﴾ كأنه قيل: بماذا نغلب؟

فقيل: بآياتنا.

وامتنع أن تكون صلة لـ ﴿ لغالبون ﴾ لتقدمه، ويجوز أن تكون قسماً جوابه ﴿ لا يصلون ﴾ مقدماً عليه مثله.

ويجوز أن يكون من لغو القسم الذي لا جواب له كقولك "زيد وأبيك منطلق"والمراد الغلبة بالحجة والبرهان في الحال أو بالدولة والمملكة في المآل، وصلب السحرة بعد تسليم ثبوته لا يقدح في قوله ﴿ ومن اتبعكما الغالبون ﴾ لأن الدولة الباقية أعلى شأنا و ﴿ سحر مفترى ﴾ أي سحر تعمله أنت ثم تنسبه إلى الله فهو كذب من هذا الوجه، أو سحر ظاهر افتراؤه لا سحر يخفى افتراؤه، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر فإن كل سحر ففاعله يوهم خلافه فهو المفترى.

ومعنى ﴿ ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ﴾ قد مر في سورة المؤمنين.

قال جار الله ﴿ في آبائنا ﴾ حال عن ﴿ هذا ﴾ اي كائناً في زمانهم وأيامهم قلت: لا مانع من أن يكون الظرف لغواً ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا بنحوه، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو أرادوا أن الكهان لم يخبروا بمجيء ما جاء به موسى.

وكل هذه المقالات لا تصدر إلا عن المحجوج اللجوج الذي قصارى أمره التمسك بحبل التقليد.

من قرأ ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو فعلى طريقة السؤال والجواب.

ووجه قراءة الأكثرين أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن العاقل الناظر بين القولين فيتبين له الغث من السمين.

وقوله ﴿ ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ﴾ إفحام للخصم المعاند إذ لا سبيل إلى دفاعه بالحجة أي يعلم أني محق وأنهم مبطلون.

وقوله ﴿ ومن تكون له عاقبة الدار ﴾ يعني العاقبة الحميدة كأن المذمومة غير معتدّ بها ضم طريقة الوعيد إلى الإفحام المذكور.

وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء السالفة فهو جواب لقولهم ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ وقال جار الله: ﴿ ربي أعلم ﴾ بحال من أهله للفلاح حيث جعله نبياً ووعده حسنى العقبى، ولو كان كاذباً كما يزعمون لم يؤهله لذلك لأنه لا يفلح عنده الظالمون، واعلم أن فرعون كان من عادته عند ظهور حجة لموسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروّجها على أغمار قومه فذكر ههنا أمرين: الأوّل قوله ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ فكأنه استدل بعدم الدليل على عدم المدلول وهو خطأ من جهة أن الدليل على المدلول وهو وجود الصانع أكثر من أن يحصى، ومن جهة أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول.

وأما قوله ﴿ غيري ﴾ فقد تكلف له بعضهم أنه لم يرد به أنه خالق السموات والأرض وما فيهما فإن امتناع ذلك بديهي، وإنما أراد به نفي الصانع والاقتصار على الطبائع وأنه لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره.

الثاني قوله ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ وقد تكلفوا له ههنا أيضاً فقيل: إنه يبعد من العاقل أن يروم صعود السماء بآلة، ولكنه أراد أنه لا سبيل إلى إثبات الصانع من حيث العقل كما مر، ولا من حيث الحس فإن الإحساس به يتوقف على الصعود وهو متعذر، وإلا فابن يا هامان مثل هذا البناء وإنما قال ذلك تهكماً.

فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم رتب النتيجة عليه وهو قوله ﴿ وإني لأظنه من الكاذبين ﴾ يحتمل أن يريد لأعلمه من الكاذبين.

والأكثرون من المفسرين على أنه بنى مثل هذا البناء جهلاً منه أو تلبيساً على ملئة حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن.

يروى أن هامان جمع العمال حتى اجتمع منهم خمسون ألف بناء سوى الأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ مبلغاً لا يقدر الباني أن يقوم عليه، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعت ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل.

ووقعت قطعة في البحر،و قطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك.

وروي في القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعند ذلك بعث الله جبرائيل لهدمه.

قال أهل البيان: إن صح الحديث ردّ النشابة ملطوخة فقد تهكم به بالفعل كما ثبت التهكم بالقول في غير موضع.

وإنما قال ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ ولم يقل: اطبخ لي الآجر.

ولأن هذه العبارة أحسن، ولأن فيه تعليم الصنعة، وقد كان أوّل من عمل الآجر فرعون.

عن عمر أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال: ما علمت أن أحداً بنى الآجر غير فرعون.

والطلوع والأطلاع الصعود يقال: طلع الجبل واطلع.

وفي قوله  ﴿ واستكبر هو وجنوده في الأرض ﴾ يعني أرض مصر ﴿ بغير الحق ﴾ إشارة إلى أن الاستكبار بالحق إنما هو لله  كما جاء في الحديث القدسي "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" فهو كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق  ﴾ وفي قوله ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ دليل على أنهم كانوا منكري البعث كالطبائعيين.

وفي قوله ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ﴾ دلالة على علو شأنه  وعظمة سلطانه وإشارة إلى استحقار فرعون وجنوده وعدده وإن كانوا أكثر من رمال الدهناء كأنه شبههم بحصيات أخذهن أحد في كفه فطرحهن في البحر.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ﴾ أن خالق الشر وجاعل الكفر هو الله  .

وقالت المعتزلة: معنى الجعل التسمية والحكم بذلك كما يقال: جعله بخيلاً وفاسقاً إذا حكم بالبخل والفسق عليه وسماه بالبخيل والفاسق، أو أراد خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى كانوا أئمة الكفر داعين إلى النار أي إلى موجباتها من الكفر والمعاصي.

وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم وذلك أنه تعالى عجل لهم العذاب فصاروا متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار.

وقال بعضهم: أراد بالإمامة أنهم بلغوا في ذلك الباب أقصى النهايات حتى أستحقوا أن يقتدى بهم.

ثم بين بقوله ﴿ ويوم القيامة لا ينصرون ﴾ أن عقاب الآخرة سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه.

وقال في الكشاف: اراد وخذلناهم في الدنيا ويوم القيامة هم مخذولون كما قال ﴿ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ﴾ اي طرداً وإبعاداً عن الرحمة ﴿ ويوم القيامة هم من المقبوحين ﴾ أي من المطرودين المبعدين: وقالت الليث: قبحه الله قبحاً بالفتح وقبحاً بالضم أي نحّاه عن كل خير.

وقال ابن عباس: من المشهورين بسواد الوجه وزرقة العين.

وعن بعضهم أنه  يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم فيجمع لهم بين الفضيحتين.

التأويل: وحين توجه تلقاء مدين عالم الروحانية ﴿ وجد عليه أمة ﴾ من أوصاف الروح ﴿ يسقون ﴾ مواشي أخلاقهم من ماء فيض الإلهي.

﴿ ووجد من دونهم امرأتين ﴾ السر والخفي ابنتا شعيب الروح يمنعان من استقاء ماء الفيض الإلهي.

قال الشيخ الإمام الرباني نجم الدين المعروف بداية: وذلك لأن لمعان أنوار الفيض يرد على الروح في البداية بالتدريج فينشا منه الخفي، وهو لطيفه ربانية مودعة في الروح بالقوة فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبة الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجليات صفات الربوبية والفيوض الإلهية، فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستقاء.

وكذا السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح، مؤدية غلى القلب وهو أيضاً بمعزل عن استقاء ماء فيض الروح عند اشتغال القلب بمعالجات النفس وإصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية وذلك قولهما ﴿ لا نسقي حتى يصدر الرعاء ﴾ وهم صفات الروح ويصرفوا مواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء الفيض الإِلهي، فإذا صدروا استقينا مواشينا من الأوصاف والأخلاق من أفضله مواشيهم في حوض القوى ﴿ وأبونا ﴾ وهو شعيب الروح لا يقدر على سقيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر والوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا، فسقي موسى القلب مواشيهما بقوّة استفادها من الجسد وقوّة استفادها من الروح لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلباً ﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ إلى العناية فطلب الفيض الإلهي بلا واسطة وهكذا ينبغي أن يكون السالك لا يقنع بما وجد من المعارف أبداً.

﴿ فجاءته إحداهما ﴾ فيه أن القلب يحتاج في الوصول إلى حضرة شعيب الروح أن يستمد من الخفي أو السر.

﴿ لا تخف نجوت ﴾ فيه أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح نجا من ظلمات النفس وصفاتها ﴿ إن خير من استأجرت ﴾ من النفس والجسد ﴿ القوي الأمين ﴾ لأن القلب استفاد القوّة من الجسد والأمانة من الروح ﴿ ثماني حجج ﴾ فيه أن الروح في تبليغ القلب إلى مقام الخفي يحتاج إلى تسييره في مقامات صفاته الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق وهي: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والبقاء.

وتمام ذلك إلى العشرة راجع إلى خصوصيته وهما المحبة والأنس مع الله ﴿ أيما الأجلين قضيت ﴾ في التخلق بأخلاقك اليمانية وفي المحبة والأنس مع الله ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ أي ليس لك أن تمنعني العبور عن المحبة لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على تلك الصفات الثمانية.

وأما المحبة والأنس مع الله فصفتان مخصوصتان بالحضرة.

﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ولهذا كل إنسان من المؤمن والكافر فإنه مجبول على تلك الأوصاف وليس من زمرة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ إلا مؤمن موحد.

فلما اتصف موسى القلب بالأوصاف الثمانية وغلبت عليه محبة الله واستأنس به وصار بجميع صفاته متوجهاً إلى حضرة القدس ﴿ آنس ﴾ من طور الحضرة نار نور الإلوهية.

وفي قوله ﴿ لأهله امكثوا ﴾ إشارة إلى أن السالك لا بد له من تجريد الظاهر عن الأهل والمال وتفريد الباطن عن تعلقات الكونين.

نور يبدو وإذا بدا استمكن شمس طلعت ومن رآها آمن.

وفي قوله ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ إشارة إلى أن الأوصاف الإنسانية جامدة من برودة الطبيعة لا تتسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار الجذبة الإلهية ﴿ من شاطئ الواد الأيمن ﴾ وهو السر في بقعة البدن من شجرة وجود الإنسان ﴿ من الرهب ﴾ أي رهبة من فوات وصال الحضرة ﴿ وأخي هرون ﴾ هو العقل فمن خصوصيته تصديق الناطق بالحق ﴿ قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ﴾ لأن النفس خلقت من اسفل عالم الملكوت ومنكسة، والقلب خلق وسط عالم الملكوت متوجهاً إلى الحضرة فلهذا ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ وما صدقت النفس ما رأت ﴿ في آبائنا الأولين ﴾ اي في طبائع الكواكب فإنها آباء النفس وأمهاتها العناصر والطبائع منكوسة إلىعالم السفل لا يعرفون مقام الوحدة فلا يعرفون بالتوحيد.

﴿ فأوقد لي يا هامان ﴾ الشيطان ﴿ على الطين ﴾ البشرية بنفخ الوساوس والغرور ﴿ فاجعل لي صرحاً ﴾ من المقدمات الخيالية والوهمية ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ أغرقوا في ماء شهوات الدنيا ويم هممها فأدخلوا نار الحسرة والندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ ﴾ : قال بعضهم: أخذ طريقاً إذا سلك ذلك الطريق وأخذ فيه خرج تلقاء مدين، أو وقع تلقاء المكان المقصود إليه.

وقوله: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ أي: الطريق الذي كان يقصده ويطلبه وهو طريق مدين، وذكر أنه كان ضل الطريق.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ﴾ أي: ورد البئر التي كان ماء مدين من تلك البئر.

﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ ﴾ أمة أي: جماعة.

وقيل: أناس من الناس يسقون أغنامهم ومواشيهم.

﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ ﴾ : قال: بعضهم: ﴿ تَذُودَانِ ﴾ : تحبسان حتى يفرغ الناس ويصدرون ويخلو لهما البئر.

وقال بعضهم: ﴿ تَذُودَانِ ﴾ أي: تطردان أغنامهما لتسقياها.

ثم قوله: ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تذودان غنمهما ولا تسقيانها حتى يصدر الرعاء؛ لما لا تتركان تسقيان غنمهما مع غنم أولئك الرعاء حتى يصدروا هم.

والثاني: لا تمنعان ذلك، ولكنهما تستحيان أن تزاحما الرجال وتختلطا بهم، فتنتظران فراغهم صدور الرعاء عنها.

فإن قيل: فما بالهما لا تتخلفان وقت اجتماع القوم، وتشهدان في ذلك الوقت، ولا تنتظران خلاء البئر عنهم؟!

قيل: لما ذكر أن على رأس البئر حجرا يلقى عليه لا يطيقه إلا كذا كذا نفرا؛ وكذلك الدلو التي يستقى منها لا يطيقها إلا كذا كذا من عشرة إلى أربعين على ما ذكر، فهما تشهدان ذلك البئر وقت شهود القوم وحضورهم؛ ليتولوا هم نزح الدلو واستقاءها، ولو تخلفتا وانتظرتا خلاء البئر عنهم ثم تأتيان، لم تقدرا على نزح الماء والدلو، ورفع الحجر الذي ذكر أنه كان على رأس البئر، لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ أي: ما شأنكما وما أمركما؟

﴿ قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ﴾ ؛ لما ذكرنا.

وقرئ: ﴿ يُصْدِرَ ﴾ بنصب الياء وبالرفع جميعاً.

فمن قرأه بالنصب فإنه يقول: حتى يصدر الرعاء بأنفسهم أي: يرجع.

ومن قرأه بالرفع، أي: حتى يصرفوا ويرجعوا أغنامهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ : تذكران - والله أعلم - عذر أبيهما في التخلف عن سقي الغنم، وإرساله إياهما في ذلك دون تولي ذلك بنفسه، وقالا: ذلك لكبره وضعفه ما يتخلف عن ذلك ويرسلهما، وإلا لا معنى لذكر كبر أبيهما بلا سبب يحملهما على ذلك سوى ما ذكرنا.

وجائز أن يكون لمعنى آخر لا نعلمه.

وقوله: ﴿ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ ﴾ : دل أن البئر التي كانت تسقى الماشية منها كانت في الشمس؛ حيث أخبر أنه أسقى لهما ثم تولى إلى الظل.

وفيه أن لا بأس بأن يجلس في الظل.

وقوله: ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ قيل: إن هذا منه شكاية عما أصابه من الجوع؛ لأنه ذكر أنه خرج من المصر إلى مدين هارباً من فرعون وقومه، غير متزود، وهو مسيرة ثماني ليال.

وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يخبر ويذكر عما هو فيه من الشدة والبلاء، حيث ذكر موسى حاله التي هو فيها من الجوع الذي أصابه؛ وكذلك ما قال في آية أخرى: ﴿ لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً  ﴾ ، وذلك يرد قول من يقول: إن مثل هذا يخرج مخرج الشكاية عن الله، ولو كانت شكاية لكان موسى لا يقول ذلك ولا يذكره.

وقوله: ﴿ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ .

قوله: ﴿ تَمْشِي ﴾ : مشي من لم يعتد الخروج.

أو ﴿ تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ ، أي: تمشي مشي من لم يخالط الناس على التستر والتغطية.

﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ : هذا يدل على أن لا بأس أن يؤخذ على المعروف الذي صنع إلى آخر أجر، والأفضل على من صنع إليه المعروف والتبرع أن يعطي لمعروفه وتبرعه بدلا وأجرا، والأفضل على المتبرع وعلى صانع المعروف ألاَّ يأخذ على ذلك بدلا، إلا أن موسى كان قد اشتدت به الحاجة؛ لذلك كان ما ذكر وأخذ لمعروفه ما ذكر بدلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ ﴾ أي: لما جاء موسى أبا المرأتين وقص عليه قصته قال له: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

دل قوله هذا لموسى: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : أنه لم يكن لفرعون على ذلك المكان سلطان ولا يد؛ إذ لو كان له سلطان لكان له فيه الخوف الذي كان من قبل، ولم يكن نجا موسى منه، دل أنه لم يكن له عليهم سلطان.

وقوله: ﴿ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ يحتمل: المشركين؛ إذ كل مشرك ظالم.

ويحتمل ﴿ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : الذين يقتلون بغير حق حيث قال: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

وقوله: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ : قال أهل التأويل: قال أبوهما لما قالت له استأجره فإنه قوي أمين: ما قوته وأمانته؟

فقالت: أما قوته: فإنه رفع الحجر من رأس البئر وحده، وكان لا يطيقه إلا كذا كذا نفرا، ونزح الدلو من البئر وحده، وكان لا يطيق نزحه إلا كذا كذا؛ فذلك قوته.

وأمّا أمانته: فإنه قال لي: امشي خلفي وصفي لي الطريق؛ فذلك أمانته.

ولكن قد كانت تعرف أمانته قبل ذلك لما جرى بينه وبينهما من المعاملة حين قال لهما: ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ ، وحين سقى لهما في مثل هذا تعرف أمانته في ترك النظر إليهما، وترك الاعتراض لما يوجب التهمة، والله أعلم.

وقولها: ﴿ يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ ﴾ كأن أباها كان في طلب أجير قوي أمين، لكنه لا يجد ولا يظفر به؛ لذلك قالت له: ﴿ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ إذ لا يحتمل أن يكون له ماشية وله غناء وبه حاجة إلى رعي ذلك وسقيه، وقد بلغ في نفسه من الكبر والضعف ما ذكر، يرسل ابنتيه في الرعي والسقي، ولا يستأجر الأجير ليتولى ذلك دون بناته، هذا لا يحتمل ذلك، وخاصة مع ما وصف ابنته من الحياء حيث قال: ﴿ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ دل ذلك أنه كان في طلب الأجير، وإنما أرسل ابنتيه في سقي الغنم وهو مضطر إلى ذلك محتاج إليه؛ لذلك قالت له: ﴿ يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ .

ثم قال: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ : طلبت هي الاستئجار، وهو عرض عليه النكاح لما لم ترغب هي في النكاح، أو طلبت الاستئجار ولم تُرِ من نفسها الرغبة في النكاح، وإن كانت لها الرغبة حياء، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: أنه جعل عمله ثماني حجج بدلا للنكاح ومهرا لبضعها.

ثم تحديده ثماني حجج لما رأى عمل ثماني سنين مهر مثلها.

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ أي: فإن أتممت عشراً وزدت على مهر المثل فمن عندك، أي: لك ذلك فضل منك وإحسان.

والثاني: قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ ليس على جعله بدلا للنكاح، ولكن على الإجارة المعروفة على أجر معلوم على حدة، من غير أن كان ذلك مهرا لها.

ثم التحديد بثماني سنين على هذا الوجه يخرج على إحدى خلتين: إحداهما: أنه لما قص عليه قصته علم أنه لا يقدر على العود إلى المصر، ورأى أنه لا يأمن تلك الناحية بدون ما ذكر من المدة.

أو لما رأى أن نفسه تنزع وتشوق بالعود في ذلك الوقت فشرط ذلك عليه لئلا يحدث نفسه بالرجوع إليه إلى ذلك الوقت.

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ أي: فإن زدت سنتين على ذلك فمن فضلك وإحسانك ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ في الزيادة على ذلك كله، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ في جميع ما يجري بينك وبيني من المعاملة والصحبة.

وفيه أن الثنيا فيما يعدون كان ظاهراً في الأمم السالفة.

ثم اختلف في أبي المرأتين: قال بعضهم: كان شعيباً.

وقال بعضهم: ابن أخي شعيب.

وقال الحسن: لم يكن شعيباً، ولكن كان سيّد الماء يومئذ.

وليس لنا إلى معرفة من كان حاجة، أمّا شعيب فإنه لم يكن في زمن موسى، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ ذَلِكَ ﴾ يعني: الشرط - والله أعلم - ﴿ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ﴾ أي: أوفيت وعملت، إمّا الثماني وإما العشر ﴿ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾ يقول: لا سبيل لك عليَّ بعد ذلك ولا تبعة، والعدوان: هو الظلم والمجاوزة عن الحدّ الذي حد له يقول: لا ظلم عليّ ولا مجاوزة علي أي الاختيارين قضيت، أيّ الأجلين اخترت وشئت لنا.

ثم قال: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ قال بعضهم: والله كفيل على مقالتي ومقالتك، والوكيل: هو الشهيد أو الحافظ، كأنه يقول: والله على ما نقول شهيد.

"ذكر أن جبريل جاء رسول الله  فقال: إن سُئلت: أي الأجلين قضى موسى؟

فقل: أبرّهما وأوفاهما، وإن سُئلت: أي المرأتين تزوج؟

فقل: أصغرهما" فإن ثبت هذا، ففيه أنه قضى الأجلين جميعاً: الثماني والعشر، وليس في الآية إلا قضاء الأجل حيث قال: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ﴾ .

وقال القتبي: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ﴾ أي: تجازيني من التزويج والأجر من الله إنما على الجزاء على العمل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فرحمهما فسقى لهما أغنامهما، ثم انصرف إلى الظل فاستراح فيه، ودعا ربه بالتعريض بحاجته، فقال: رب إني لما أنزلت إليّ من أي خير محتاجٌ.

<div class="verse-tafsir" id="91.DJBrq"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده