الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٢٧ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 141 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٧ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال : ( إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ) أي : طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى عنه ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين .
قال شعيب الجبائي : وهما صفورا ، وليا .
وقال محمد بن إسحاق : صفورا وشرقا ، ويقال : ليا .
وقد استدل أصحاب أبي حنيفة [ رحمه الله تعالى ] بهذه الآية على صحة البيع فيما إذا قال : " بعتك أحد هذين العبدين بمائة .
فقال : اشتريت " أنه يصح ، والله أعلم .
وقوله : ( على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك ) أي : على أن ترعى علي ثماني سنين ، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك ، وإلا ففي ثمان كفاية ، ( وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) أي : لا أشاقك ، ولا أؤاذيك ، ولا أماريك .
وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي ، فيما إذا قال : " بعتك هذا بعشرة نقدا ، أو بعشرين نسيئة " أنه يصح ، ويختار المشتري بأيهما أخذه صح .
وحمل الحديث المروي في سنن أبي داود : " من باع بيعتين في بيعة ، فله أوكسهما أو الربا " على هذا المذهب .
وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث على هذا المذهب نظر ، ليس هذا موضع بسطه لطوله .
والله أعلم .
ثم قد استدل أصحاب الإمام أحمد ومن تبعهم ، في صحة استئجار الأجير بالطعمة والكسوة بهذه الآية ، واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في كتابه السنن ، حيث قال : " باب استئجار الأجير على طعام بطنه " : حدثنا محمد بن المصفى الحمصي ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن مسلمة بن علي ، عن سعيد بن أبي أيوب ، عن الحارث بن يزيد ، عن علي بن رباح قال : سمعت عتبة بن الندر يقول : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ ( طسم ) ، حتى إذا بلغ قصة موسى قال : " إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو : عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه .
وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف ، لأن مسلمة بن علي وهو الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف الرواية عند الأئمة ، ولكن قد روي من وجه آخر ، وفيه نظر أيضا .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان ، حدثنا الوليد ، حدثنا عبد الله بن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد الحضرمي ، عن علي بن رباح اللخمي قال : سمعت عتبة بن الندر السلمي - صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه ، وطعمة بطنه " .
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) يقول تعالى ذكره: (قَالَ) أبو المرأتين اللتين سقى لهما موسى لموسى: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ) يعني بقوله: ( عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ): على أن تثيبني من تزويجها رعي ماشيتي ثماني حِجَج, من قول الناس: آجرك الله فهو يَأْجُرُك, بمعنى: أثابك الله; والعرب تقول: أَجَرْت الأجير آجره, بمعنى: أعطيته ذلك, كما يقال: أخذته فأنا آخذه.
وحكى بعض أهل العربية من أهل البصرة أن لغة العرب: أَجَرْت غلامي فهو مأجور, وآجرته فهو مُؤْجَر, يريد: أفعلته.
قال: وقال بعضهم: آجره فهو مؤاجر, أراد فاعلته; وكأن أباها عندي جعل صداق ابنته التي زوجها موسى رعي موسى عليه ماشيته ثمانيَ حِجَج, والحجَج: السنون.
وقوله: ( فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ) يقول: فإن أتممت الثماني الحجج عشرا التي شرطتها عليك بإنكاحي إياك إحدى ابنتي, فجعلتها عشر حجج, فإحسان من عندك, وليس مما اشترطته عليك بسبب تزويجك ابنتي ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ) باشتراط الثماني الحِجَج عَشْرا عليك ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) في الوفاء بما قلت لك.
كما حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) أي في حُسن الصحبة والوفاء بما قلت.
قال إني أريد أن أنكحك الآية .
فيه عرض الولي بنته على الرجل ; وهذه سنة قائمة ; عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل ، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم ; فمن الحسن عرض الرجل وليته ، والمرأة نفسها على الرجل الصالح ، اقتداء بالسلف الصالح .
قال ابن عمر : لما تأيمت حفصة قال عمر لعثمان : إن شئت أنكحك حفصة بنت عمر ; الحديث انفرد بإخراجه البخاري .وفي هذه الآية دليل على أن النكاح إلى الولي لا حظ للمرأة فيه ، لأن صالح مدين تولاه ، وبه قال فقهاء الأمصار ، وخالف في ذلك أبو حنيفة وقد مضى .الثامنة : هذه الآية تدل على أن للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ من غير استئمار ، وبه قال مالك واحتج بهذه الآية ، وهو ظاهر قوي في الباب ، واحتجاجه بها يدل على أنه كان يعول على الإسرائيليات ; كما تقدم .
وبقول مالك في هذه المسألة قال الشافعي وكثير من العلماء ، وقال أبو حنيفة : إذا بلغت الصغيرة فلا يزوجها أحد إلا برضاها ; لأنها بلغت حد التكليف ، فأما إذا كانت صغيرة فإنه يزوجها بغير رضاها ; لأنه لا إذن لها ولا رضا بغير خلاف .استدل أصحاب الشافعي بقوله : إني أريد أن أنكحك على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح .
وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عبيد وداود ومالك على اختلاف عنه .
وقال علماؤنا في المشهور : ينعقد النكاح بكل لفظ ، وقال أبو حنيفة : ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد ; أما الشافعية فلا حجة لهم في الآية لأنه شرع من قبلنا وهم لا يرونه حجة في شيء في المشهور عندهم .
وأما أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي فقالوا : ينعقد النكاح بلفظ الهبة وغيره إذا كان قد أشهد عليه ; لأن الطلاق يقع بالصريح والكناية ، قالوا : فكذلك النكاح .
قالوا : والذي خص به النبي صلى الله عليه وسلم تعري البضع من العوض لا النكاح بلفظ الهبة ، وتابعهم ابن القاسم فقال : إن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظ عن مالك فيه شيئا ، وهو عندي جائز كالبيع .
قال أبو عمر : الصحيح أنه لا ينعقد نكاح بلفظ الهبة ، كما لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال .
وأيضا فإن النكاح مفتقر إلى التصريح لتقع الشهادة عليه ، وهو ضد الطلاق ، فكيف يقاس عليه ، وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد بقول : أبحت لك وأحللت لك .
فكذلك الهبة وقال صلى الله عليه وسلم : استحللتم فروجهن بكلمة الله يعني [ ص: 251 ] القرآن ، وليس في القرآن عقد النكاح بلفظ الهبة ، وإنما فيه التزويج والنكاح ، وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطال بعض خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم .قوله تعالى : إحدى ابنتي هاتين يدل على أنه عرض لا عقد ، لأنه لو كان عقدا لعين المعقود عليها له ; لأن العلماء إن كانوا قد اختلفوا في جواز البيع إذا قال : بعتك أحد عبدي هذين بثمن كذا ; فإنهم اتفقوا على أن ذلك لا يجوز في النكاح ; لأنه خيار وشيء من الخيار لا يلصق بالنكاح .قال مكي : في هذه الآية خصائص في النكاح ، منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول الأمد ، وجعل المهر إجارة ، ودخل ولم ينقد شيئا .قلت : فهذه أربع مسائل تضمنتها المسألة الحادية عشرة : الأولى من الأربع مسائل : التعيين ، قال علماؤنا : أما التعيين فيشبه أنه كان في ثاني حال المراوضة ، وإنما عرض الأمر مجملا ، وعين بعد ذلك وقد قيل : إنه زوجه صفوريا وهي الصغرى ، يروى عن أبي ذر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن سئلت : أي الأجلين قضى موسى فقل : خيرهما وأوفاهما وإن سئلت : أي المرأتين تزوج ؟
فقل : الصغرى وهي التي جاءت خلفه وهي التي قالت : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين .
قيل : إن الحكمة في تزويجه الصغرى منه قبل الكبرى وإن كانت الكبرى أحوج إلى الرجال أنه توقع أن يميل إليها ; لأنه رآها في رسالته ، وماشاها في إقباله إلى أبيها معها ، فلو عرض عليه الكبرى ربما أظهر له الاختيار وهو يضمر غيره .
وقيل غير هذا ; والله أعلم .
وفي بعض الأخبار أنه تزوج بالكبرى ; حكاه القشيري .وأما ذكر أول المدة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه بل هو مسكوت عنه ; فإما رسماه ، وإلا فهو من أول وقت العقد .وأما النكاح بالإجارة فظاهر من الآية ، وهو أمر قد قرره شرعنا ، وجرى في حديث [ ص: 252 ] الذي لم يكن عنده إلا شيء من القرآن ; رواه الأئمة ; وفي بعض طرقه : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تحفظ من القرآن فقال : سورة البقرة والتي تليها .
قال : فعلمها عشرين آية وهي امرأتك واختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : فكرهه مالك ، ومنعه ابن القاسم ، وأجازه ابن حبيب ; وهو قول الشافعي وأصحابه ; قالوا : يجوز أن تكون منفعة الحر صداقا كالخياطة والبناء وتعليم القرآن وقال أبو حنيفة : لا يصح ، وجوز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة ، أو يسكنها داره سنة ; لأن العبد والدار مال ، وليس خدمتها بنفسه مالا .
وقال أبو الحسن الكرخي : إن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز ; لقوله تعالى : فآتوهن أجورهن .
وقال أبو بكر الرازي : لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت ، وعقد النكاح مؤبد ، فهما متنافيان .
وقال ابن القاسم : ينفسخ قبل البناء ويثبت بعده .
وقال أصبغ : إن نقد معه شيئا ففيه اختلاف ، وإن لم ينقد فهو أشد ، فإن ترك مضى على كل حال ، بدليل قصة شعيب ; قاله مالك وابن المواز وأشهب وعول على هذه الآية جماعة من المتأخرين والمتقدمين في هذه النازلة ; قال ابن خويز منداد تضمنت هذه الآية النكاح على الإجارة والعقد صحيح ، ويكره أن تجعل الإجارة مهرا ، وينبغي أن يكون المهر مالا كما قال عز وجل : أن تبتغوا بأموالكم محصنين هذا قول أصحابنا جميعا .وأما قوله : ودخل ولم ينقد .
فقد اختلف الناس في هذا ; هل دخل حين عقد أم حين سافر ، فإن كان حين عقد فماذا نقد ؟
وقد منع علماؤنا من الدخول حتى ينقد ولو ربع دينار ; قاله ابن القاسم فإن دخل قبل أن ينقد مضى ، لأن المتأخرين من أصحابنا قالوا : تعجيل الصداق أو شيء منه مستحب ، على أنه إن كان الصداق رعية الغنم فقد نقد الشروع في الخدمة ; وإن كان دخل حين سافر فطول الانتظار في النكاح جائز إن كان مدى العمر بغير شرط ، وأما إن كان بشرط فلا يجوز إلا أن يكون الغرض صحيحا مثل التأهب للبناء أو انتظار صلاحية الزوجة للدخول إن كانت صغيرة ; نص عليه علماؤنا .في هذه الآية اجتماع إجارة ونكاح ، وقد اختلف علماؤنا في ذلك على [ ص: 253 ] ثلاثة أقوال : الأول : قال في ثمانية أبي زيد : يكره ابتداء ، فإن وقع مضى .
الثاني : قال مالك وابن القاسم في المشهور : لا يجوز ويفسخ قبل الدخول وبعده ; لاختلاف مقاصدهما كسائر العقود المتباينة .
الثالث : أجازه أشهب وأصبغ قال ابن العربي : وهذا هو الصحيح وعليه تدل الآية ; وقد قال مالك النكاح أشبه شيء بالبيوع ، فأي فرق بين إجارة وبيع أو بين بيع ونكاح .فرع : وإن أصدقها تعليم شعر مباح صح ; قال المزني : وذلك مثل قول الشاعر :يقول العبد فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفاداوإن أصدقها تعليم شعر فيه هجو أو فحش كان كما لو أصدقها خمرا أو خنزيرا .قوله تعالى : على أن تأجرني ثماني حجج جرى ذكر الخدمة مطلقا وقال مالك : إنه جائز ويحمل على العرف ، فلا يحتاج في التسمية إلى الخدمة وهو ظاهر قصة موسى ، فإنه ذكر إجارة مطلقة وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يجوز حتى يسمى لأنه مجهول وقد ترجم البخاري : ( باب من استأجر أجيرا فبين له الأجل ولم يبين له العمل ) لقوله تعالى : على أن تأجرني ثماني حجج .
قال المهلب : ليس كما ترجم ; لأن العمل عندهم كان معلوما من سقي وحرث ورعي وما شاكل أعمال البادية في مهنة أهلها ، فهذا متعارف وإن لم يبين له أشخاص الأعمال ولا مقاديرها ; مثل أن يقول له : إنك تحرث كذا من السنة ، وترعى كذا من السنة ، فهذا إنما هو على المعهود من خدمة البادية ، وإنما الذي لا يجوز عند الجميع أن تكون المدة مجهولة ، والعمل مجهولا غير معهود ، لا يجوز حتى يعلم .
قال ابن العربي : وقد ذكر أهل التفسير أنه عين له رعية الغنم ، ولم يرو من طريق صحيحة ، ولكن قالوا : إن صالح مدين لم يكن له عمل إلا رعية الغنم ، فكان ما علم من حاله قائما مقام التعيين للخدمة فيه .أجمع العلماء على أنه جائز أن يستأجر الراعي شهورا معلومة ، بأجرة معلومة ، لرعاية غنم معدودة ; فإن كانت معدودة معينة ، ففيها تفصيل لعلمائنا ; قال ابن القاسم : لا يجوز حتى يشترط الخلف إن ماتت ، وهي رواية ضعيفة جدا ; وقد استأجر صالح مدين موسى على غنمه ، وقد رآها ولم يشترط خلفا ; وإن كانت مطلقة غير مسماة ولا معينة جازت عند علمائنا .
وقال أبو حنيفة والشافعي : لا تجوز لجهالتها ; وعول علماؤنا على العرف [ ص: 254 ] حسبما ذكرناه آنفا ; وأنه يعطى بقدر ما تحتمل قوته وزاد بعض علمائنا أنه لا يجوز حتى يعلم المستأجر قدر قوته ، وهو صحيح فإن صالح مدين علم قدر قوة موسى برفع الحجر .قال مالك : وليس على الراعي ضمان وهو مصدق فيما هلك أو سرق ، لأنه أمين كالوكيل وقد ترجم البخاري : ( باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت أو شيئا يفسد فأصلح ما يخاف الفساد ) وساق حديث كعب بن مالك عن أبيه أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع ، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا فكسرت حجرا فذبحتها به ، فقال لهم : لا تأكلوا حتى أسأل النبي - أو أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من يسأله - وأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم - أو أرسل إليه - فأمره بأكلها ; قال عبد الله : فيعجبني أنها أمة وأنها ذبحت قال المهلب : فيه من الفقه تصديق الراعي والوكيل فيما ائتمنا عليه حتى يظهر عليهما دليل الخيانة والكذب ; وهذا قول مالك وجماعة وقال ابن القاسم : إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم يضمن ويصدق إذا جاء بها مذبوحة .
وقال غيره : يضمن حتى يبين ما قال .واختلف ابن القاسم وأشهب إذا أنزى الراعي على إناث الماشية بغير إذن أربابها فهلكت ; فقال ابن القاسم : لا ضمان عليه ; لأن الإنزاء من إصلاح المال ونمائه وقال أشهب : عليه الضمان ; وقول ابن القاسم أشبه بدليل حديث كعب ، وأنه لا ضمان عليه فيما تلف عليه باجتهاده ، إن كان من أهل الصلاح ، وممن يعلم إشفاقه على المال ; وأما إن كان من أهل الفسوق والفساد وأراد صاحب المال أن يضمنه فعل ; لأنه لا يصدق أنه رأى بالشاة موتا لما عرف من فسقه .لم ينقل ما كانت أجرة موسى عليه السلام ; ولكن روى يحيى بن سلام أن صالح مدين جعل لموسى كل سخلة توضع خلاف لون أمها ، فأوحى الله إلى موسى أن ألق عصاك بينهن يلدن خلاف شبههن كلهن وقال غير يحيى : بل جعل له كل بلقاء تولد له ، فولدن له كلهن بلقا .
وذكر القشيري أن شعيبا لما استأجر موسى قال له : ادخل بيت كذا وخذ عصا من العصي التي في البيت ، فأخرج موسى عصا ، وكان أخرجها آدم من الجنة ، وتوارثها الأنبياء حتى صارت إلى شعيب ، فأمره شعيب أن يلقيها في البيت ويأخذ عصا أخرى ، فدخل وأخرج تلك العصا ; وكذلك سبع مرات كل ذلك لا تقع بيده غير تلك ، فعلم شعيب أن له شأنا ; فلما أصبح قال له : سق الأغنام إلى مفرق الطريق ، فخذ عن يمينك وليس بها عشب [ ص: 255 ] كثير ، ولا تأخذ عن يسارك فإن بها عشبا كثيرا وتنينا كبيرا لا يقبل المواشي ، فساق المواشي إلى مفرق الطريق ، فأخذت نحو اليسار ولم يقدر على ضبطها ، فنام موسى وخرج التنين ، فقامت العصا وصارت شعبتاها حديدا وحاربت التنين حتى قتلته ، وعادت إلى موسى عليه السلام ، فلما انتبه موسى رأى العصا مخضوبة بالدم ، والتنين مقتولا ; فعاد إلى شعيب عشاء ، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام ، فإذا أثر الخصب باد عليها ، فسأله عن القصة فأخبره بها ، ففرح شعيب وقال : كل ما تلد هذه المواشي هذه السنة قالب لون - أي ذات لونين - فهو لك ; فجاءت جميع السخال تلك السنة ذات لونين ، فعلم شعيب أن لموسى عند الله مكانة .
وروى عيينة بن حصن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أجر موسى نفسه بشبع بطنه وعفة فرجه فقال له شعيب لك منها - يعني من نتاج غنمه - ما جاءت به قالب لون ليس فيها عزوز ولا فشوش ولا كموش ولا ضبوب ولا ثعول قال الهروي : العزوز البكيئة ; مأخوذ من العزاز وهي الأرض الصلبة ، وقد تعززت الشاة .
والفشوش التي ينفش لبنها من غير حلب وذلك لسعة الإحليل ، ومثله الفتوح والثرور ، ومن أمثالهم : لأفشنك فش الوطب .
أي لأخرجن غضبك وكبرك من رأسك .
ويقال : فش السقاء : إذا أخرج منه الريح .
ومنه الحديث : إن الشيطان يفش بين إليتي أحدكم حتى يخيل إليه أنه أحدث أي ينفخ نفخا ضعيفا .
والكموش : الصغيرة الضرع ، وهي الكميشة أيضا ; سميت بذلك لانكماش ضرعها وهو تقلصه ; ومنه يقال : رجل كميش الإزار .
والكشود مثل الكموش .
والضبوب الضيقة ثقب الإحليل ، والضب : الحلب بشدة العصر .
والثعول الشاة التي لها زيادة حلمة وهي الثعل والثعل زيادة السن ، وتلك الزيادة هي الراءول ورجل أثعل ، والثعل ضيق مخرج اللبن .
قال الهروي : وتفسير قالب لون في الحديث أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها .الإجارة بالعوض المجهول لا تجوز ; فإن ولادة الغنم غير معلومة ، وإن من البلاد الخصبة ما يعلم ولاد الغنم فيها قطعا وعدتها وسلامة سخالها كديار مصر وغيرها ، بيد أن ذلك لا يجوز في شرعنا ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر ، ونهى عن المضامين والملاقيح .[ ص: 256 ] والمضامين في بطون الإناث ، والملاقيح ما في أصلاب الفحول وعلى خلاف ذلك قال الشاعر :ملقوحة في بطن ناب حاملوقد مضى في سورة ( الحجر ) بيانه على أن راشد بن معمر أجاز الإجارة على الغنم بالثلث والربع .
وقال ابن سيرين وعطاء : ينسج الثوب بنصيب منه ; وبه قال أحمد .الكفاءة في النكاح معتبرة ; واختلف العلماء هل في الدين والمال والحسب ، أو في بعض ذلك ، والصحيح جواز نكاح الموالي للعربيات والقرشيات ; لقوله تعالى : إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقد جاء موسى إلى صالح مدين غريبا طريدا خائفا وحيدا جائعا عريانا ، فأنكحه ابنته لما تحقق من دينه ورأى من حاله ، وأعرض عما سوى ذلك وقد تقدمت هذه المسألة مستوعبة والحمد لله .قال بعضهم : هذا الذي جرى من شعيب لم يكن ذكرا لصداق المرأة ، وإنما كان اشتراطا لنفسه على ما يفعله الأعراب ; فإنها تشترط صداق بناتها ، وتقول لي كذا في خاصة نفسي ، وتترك المهر مفوضا ; ونكاح التفويض جائز .
قال ابن العربي : هذا الذي تفعله الأعراب هو حلوان وزيادة على المهر ، وهو حرام لا يليق بالأنبياء ; فأما إذا اشترط الولي شيئا لنفسه ، فقد اختلف العلماء فيما يخرجه الزوج من يده ولا يدخل في يد المرأة على قولين : أحدهما : أنه جائز .
والآخر : لا يجوز .
والذي يصح عندي التقسيم ; فإن المرأة لا تخلو أن تكون بكرا أو ثيبا ; فإن كانت ثيبا جاز ; لأن نكاحها بيدها ، وإنما يكون للولي مباشرة العقد ، ولا يمتنع أخذ العوض عليه كما يأخذه الوكيل على عقد البيع ، وإن كانت بكرا كان العقد بيده ، وكأنه عوض في النكاح لغير الزوج وذلك باطل ; فإن وقع فسخ قبل البناء ، وثبت بعده على مشهور الرواية .
والحمد لله .لما ذكر الشرط وأعقبه بالطوع في العشر خرج كل واحد منهما على حكمه ، ولم يلحق الآخر بالأول ، ولا اشترك الفرض والطوع ; ولذلك يكتب في العقود الشروط المتفق عليها ، ثم يقال وتطوع بكذا ، فيجري الشرط على سبيله ، والطوع على حكمه ، وانفصل الواجب من التطوع وقيل : ولفظ شعيب حسن في لفظ العقود في النكاح : [ ص: 257 ] أنكحه إياها أولى من : أنكحها إياه على ما يأتي بيانه في ( الأحزاب ) وجعل شعيب الثمانية الأعوام شرطا ، ووكل العاشرة إلى المروءة .
{ قَالَ } صاحب مدين لموسى { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي } أي تصير أجيرا عندي { ثَمَانِيَ حِجَجٍ } أي: ثماني سنين.
{ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } تبرع منك، لا شيء واجب عليك.
{ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } فأحتم عشر السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلفك أعمالا شاقة، وإنما استأجرك لعمل سهل يسير لا مشقة فيه { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } فرغبه في سهولة العمل، وفي حسن المعاملة، وهذا يدل على أن الرجل الصالح، ينبغي له أن يحسن خلقه مهما أمكنه، وأن الذي يطلب منه، أبلغ من غيره.
( قال ) شعيب عند ذلك : ( إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ) واسمها " صفورة " و " ليا " في قول شعيب الجبائي ، وقال ابن إسحاق : " صفورة " و " شرقا " وقال غيرهما : الكبرى " صفراء " والصغرى " صفيراء " .
وقيل زوجه الكبرى .
وذهب أكثرهم إلى أنه زوجه الصغرى منهما واسمها " صفورة " ، وهي التي ذهبت لطلب موسى ، ( على أن تأجرني ثماني حجج ) يعني : أن تكون أجيرا لي ثمان سنين ، قال الفراء : يعني : تجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي ثماني حجج ، تقول العرب : آجرك الله بأجرك أي : أثابك ، والحجج : السنون ، واحدتها حجة ، ( فإن أتممت عشرا فمن عندك ) أي : إن أتممت عشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع ، ليس بواجب عليك ، ( وما أريد أن أشق عليك ) أي : ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع ( ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) قال عمر : يعني : في حسن الصحبة والوفاء بما قلت .
«قال إني أريد أن أُنكحك إحدى ابنتيَّ هاتين» وهي الكبرى أو الصغرى «على أن تأجرني» تكون أجيراً لي في رعي غنمي «ثماني حجج» أي سنين «فإن أتممت عشراً» أي رعي عشر سنين «فمن عندك» التمام «وما أريد أن أشق عليك» باشتراط العشر «ستجدني إن شاء الله» للتبرك «من الصالحين» الوافين بالعهد.
قال الشيخ لموسى: إني أريد أن أزوِّجك إحدى ابنتيَّ هاتين، على أن تكون أجيرًا لي في رعي ماشيتي ثماني سنين مقابل ذلك، فإن أكملت عشر سنين فإحسان من عندك، وما أريد أن أشق عليك بجعلها عشرا، ستجدني إن شاء الله من الصالحين في حسن الصحبة والوفاء بما قلتُ.
واستجاب الشيخ الكبير لما اقترحته عليه ابنته ، وكأنه أحس بصدق عاطفتها ، وطهارة مقصدها وسلامة فطرتها ، فوجه كلامه إلى موسى قائلا : ( قَالَ إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ )ولعله أراد بإحداهما ، تلك التى قالت له : يا أبت استأجره ، لشعوره - وهو الشيخ الكبير ، والأب العطوف ، الحريص على راحة ابنته - بأن هناك عاطفة شريفة تمت بين قلب ابنته ، وبين هذا الرجل القوى الأمين ، وهو موسى - عليه السلام - .وفى هذه الآيات ما فيها من الإشارة إلى رغبة المرأة الصالحة ، فى الرجل الصالح ، وإلى أنه من شأن الآباء العقلاء أن يعملوا على تحقيق هذه الرغبة .قال الشوكانى : فى هذه الآية مشروعية عرض ولى المرأة لها على الرجل ، وهذه سنة ثابتة فى الإسلام ، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبى بكر وعثمان ، وغير ذلك مما وقع فى أيام الصحابة أيام النبوة ، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .وقوله - سبحانه - : ( على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ) بيان لما اشترطه الشيخ الكبير على موسى - عليه السلام - .أى قال له بصيغة التأكيد : إنى أريد أن أزوجك إحدى ابنتى هاتين ، بشرط أن تعمل أجيرا عندى لرعى غنمى ( ثَمَانِيَ حِجَجٍ ) أى : ثمانى سنين .قال الجمل : وقوله : ( على أَن تَأْجُرَنِي ) فى محل نصب على الحال ، إما من الفاعل أو من المفعول .أى : مشروطا على أو عليك ذلك .
.
.
.
و ( تَأْجُرَنِي ) مفعلوه الثانى محذوف أى : تأجرنى نفسك و ( ثَمَانِيَ حِجَجٍ ) ظرف له .وقوله : ( فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ) أى : فإن أتممت عشر سنين كأجير عندى لرعاية غنمى ، أى : فهذا الإتمام من عندك على سبيل التفضل والتكرم فإنى لا أشترط عليك سوى ثمانى حجج .وقوله ( وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) بيان لحسن العرض الذى عرضه الشيخ على موسى .أى : وما أريد أن أشق عليك أو أتبعك فى أمر من الأمور خلال استئجارى لك ، بل ستجدنى - إن شاء الله - تعالى - من الصالحين ، فى حسن المعاملة ، وفى لين الجانب ، وفى الوفاء بالعهد .وقال : ( سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ .
.
.
) للدلالة على أنه من المؤمنين .
الذين يفرضون أمورهم إلى الله - تعالى - ويرجون توفيقه ومعونته على الخير .
اعلم أن الناس اختلفوا في قوله: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ فال بعضهم إنه خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة فأوصله الله تعالى إلى مدين، وهذا قول ابن عباس، وقال آخرون لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم عليه السلام، وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله تعالى، ومن الناس من قال بل جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق وذكر ابن جرير عن السدي لما أخذ موسى عليه السلام في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح، فقال لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين، واحتج من قال إنه خرج وما قصد مدين بأمرين: أحدهما: قوله: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ ولو كان قاصداً للذهاب إلى مدين لقال، ولما توجه إلى مدين فلما لم يقل ذلك بل قال: ﴿ تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ ﴾ علمنا أنه لم يتوجه إلا إلى ذلك الجانب من غير أن يعلم أن ذلك الجانب إلى أين ينتهي والثاني: قوله: ﴿ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل ﴾ وهذا كلام شاك لا عالم والأقرب أن يقال إنه قصد الذهاب إلى مدين وما كان عالماً بالطريق.
ثم إنه كان يسأل الناس عن كيفية الطريق لأنه يبعد من موسى عليه السلام في عقله وذكائه أن لا يسأل، ثم قال ابن إسحاق خرج من مصر إلى مدين بغير زاد ولا ظهر، وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.
أما قوله: ﴿ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل ﴾ فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ ﴾ وموسى عليه السلام قلما يذكر كلاماً في الاستدلال والجواب والدعاء والتضرع إلا ما ذكره إبراهيم عليه السلام، وهكذا الخلف الصدق للسلف الصالح صلوات الله عليهم وعلى جميع الطيبين المطهرين ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ ﴾ وهو الماء الذي يسقون منه وكان بئراً فيما روي ووروده مجيئه والوصول إليه ﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ ﴾ أي فوق شفيره ومستقاه ﴿ أُمَّةٍ ﴾ جماعة كثيرة العدد ﴿ مِنَ الناس ﴾ من أناس مختلفين ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ﴾ في مكان أسفل من مكانهم ﴿ امرأتين تَذُودَانِ ﴾ والذود الدفع والطرد فقوله (تذودان) أي تحبسان ثم فيه أقوال: الأول: تحبسان أغنامهما واختلفوا في علة ذلك الحبس على وجوه: أحدها: قال الزجاج لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي.
وثانيها: كانتا تكرهان المزاحمة على الماء.
وثالثها: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم.
ورابعها: لئلا تختلطا بالرجال القول الثاني: كانتا تذودان عن وجوههما نظراً الناظر ليراهما والقول الثالث: تذودان الناس عن غنمهما القول الرابع: قال الفراء تحبسانها عن أن تتفرق وتتسرب ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ أي ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي مطلوبكما من الذياد فسمى المخطوب خطباً كما يسمى المشئون شأناً في قولك ما شأنك ﴿ قَالَتَا لاَ نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ وذلك يدل على ضعفهما عن السقي من وجوه: أحدها: أن العادة في السقي للرجال، والنساء يضعفن عن ذلك.
وثانيها: ما ظهر من ذودهما الماشية على طريق التأخير.
وثالثها: قولهما حتى يصدر الرعاء.
ورابعها: انتظارهما لما يبقى من القوم من الماء.
وخامسها: قولهما: ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ ودلالة ذلك على أنه لو كان قوياً حضر ولو حضر لم يتأخر السقي، فعند ذلك سقى لهما قبل صدر الرعاء، وعادتا إلى أبيهما قبل الوقت المعتاد.
قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الياء وضم الدال، وقرأ الباقون بضم الياء، وكسر الدال فالمعنى في القراءة الأولى حتى ينصرفوا عن الماء ويرجعوا عن سقيهم وصدر ضد ورد، ومن قرأ بضم الياء فالمعنى في القراءة حتى يصدر القوم مواشيهم.
أما قوله: ﴿ فسقى لَهُمَا ﴾ أي سقى غنمهما لأجلهما، وفي كيفية السقي أقوال: أحدها: أنه عليه السلام سأل القوم أن يسمحوا فسمحوا وثانيهما: قال قوم عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلا عشرة، وقيل أربعون، وقيل مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر.
وثالثها: أن القوم لما زاحمهم موسى عليه السلام تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو عليه السلام رمى ذلك الحجر وسقى لهما وليس بيان ذلك في القرآن، والله أعلم بالصحيح منه، لكن المرأة وصفت موسى عليه السلام بالقوة فدل ذلك على أنها شاهدت منه ما يدل على فضل قوته، وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ تولى إِلَى الظل ﴾ وفيه دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر، وفيه دلالة أيضاً على كمال قوة موسى عليه السلام، قال الكلبي: أتى موسى أهل الماء فسألهم دلواً من ماء، فقالوا له إن شئت ائت الدلو فاستق لهما قال نعم، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلاً حتى يخرجوه من البئر فأخذ موسى عليه السلام الدلو فاستقى به وحده وصب في الحوض ودعا بالبركة ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما.
فإن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية؟
قلنا ليس في القرآن ما يدل على أن أباهما كان شعيباً والناس مختلفون فيه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما إن أباهما هو بيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد وقال الحسن إنه رجل مسلم قبل الدين عن شعيب على أنا وإن سلمنا أنه كان شعيباً عليه السلام لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس فيها مختلفون وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل الحضر، لا سيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة.
وأما قوله: ﴿ قَالَ رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ فالمعنى إني لأي شيء أنزلت إلي من خير قليل أو كثير غث أو سمين لفقير، وإنما عدى فقيراً باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.
واعلم أن هذا الكلام يدل على الحاجة، إما إلى الطعام أو إلى غيره، إلا أن المفسرين حملوه على الطعام قال ابن عباس يريد طعاماً يأكله، وقال الضحاك مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض، وروي أن موسى عليه السلام لما قال ذلك رفع صوته ليسمع المرأتين ذلك، فإن قيل إنه عليه السلام لما بقي معه من القوة ما قدر بها على حمل ذلك الدلو العظيم، فكيف يليق بهمته العالية أن يطلب الطعام، أليس أنه عليه السلام قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي قوة سوي»؟
قلنا أما رفع الصوت بذلك لإسماع المرأتين وطلب الطعام فذاك لا يليق بموسى عليه السلام ألبتة فلا تقبل تلك الرواية ولكن لعله عليه السلام قال ذلك في نفسه مع ربه تعالى، وفي الآية وجه آخر كأنه قال رب إني بسبب ما أنزلت إلي من خير الدين صرت فقيراً في الدنيا لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة، فقال ذلك رضي بهذا البدل وفرحاً به وشكراً له، وهذا التأويل أليق بحال موسى عليه السلام.
أما قوله تعالى: ﴿ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحياء ﴾ فقوله: ﴿ عَلَى استحياء ﴾ في موضع الحال أي مستحيية، قال عمر بن الخطاب قد استترت بكم قميصها، وقيل ماشية على بعد مائلة عن الرجال وقال عبد العزيز بن أبي حازم على إجلال له ومنهم من يقف على قوله: ﴿ تَمْشِى ﴾ ثم يبتدئ فيقول: ﴿ عَلَى استحياء ﴾ قالت: ﴿ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ ﴾ يعني أنها على الاستحياء قالت هذا القول لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحيي، لا سيما المرأة وفي ذلك دلالة على أن شعيباً لم يكن له معين سواهما وروي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس، قال لهما ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي، أما الاختلاف في أن ذلك الشيخ كان شعيباً عليه السلام أو غيره فقد تقدم، والأكثرون على أنه شعيب.
وقال محمد بن إسحاق في البنتين اسم الكبرى صفورا، والصغرى ليا، وقال غيره صفرا وصفيرا، وقال الضحاك صافورا والتي جاءت إلى موسى عليه السلام هي الكبرى على قول الأكثرين، وقال الكلبي الصغرى، وليس في القرآن دلالة على شيء من هذه التفاصيل.
أما قوله: ﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ ففيه إشكالات: أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية، فإن ذلك يورث التهمة العظيمة، وقال عليه السلام: «اتقوا مواضع التهم».
وثانيها: أنه سقى أغنامهما تقرباً إلى الله تعالى فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه فإن ذلك غير جائز في المروءة، ولا في الشريعة؟.
وثالثها: أنه عرف فقرهن وفقر أبيهن وعجزهم وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث كان يمكنه الكسب الكثير بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من السقي من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟.
ورابعها: كيف يليق بشعيب النبي عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟
والجواب: عن الأول أن نقول: أما العمل بقول امرأة فكما نعمل بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى في الأخبار وما كانت إلا مخبرة عن أبيها، وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع والجواب: عن الثاني، أن المرأة وإن قالت ذلك فلعل موسى عليه السلام ما ذهب إليهم طلباً للأجرة بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ، وروي أنها لما قالت ليجزيك كره ذلك، ولما قدم إليه الطعام امتنع، وقال إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا، ولا نأخذ على المعروف ثمناً، حتى قال شعيب عليه السلام هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ إلى حيث ما كان يطيق تحمله فقبل ذلك على سبيل الاضطرار وهذا هو الجواب: عن الثالث فإن الضرورات تبيح المحظورات والجواب: عن الرابع لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها.
أما قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُ ﴾ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام يمشي والجارية أمامه فهبت الريح فكشفت عنها فقال موسى عليه السلام إني من عنصر إبراهيم عليه السلام فكوني من خلفي حتى لا ترفع الريح ثيابك فأرى ما لا يحل لي، فلما دخل على شعيب فإذا الطعام موضوع، فقال شعيب تناول يا فتى، فقال موسى عليه السلام أعوذ بالله قال شعيب ولم؟
قال لأنا من أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً، فقال شعيب ولكن عادتي وعادة آبائي إطعام الضيف فجلس موسى عليه السلام فأكل، وإنما كره أكل الطعام خشية أن يكون ذلك أجرة له على عمله، ولم يكره ذلك مع الخضر حين قال: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ والفرق أن أخذ الأجر على الصدقة لا يجوز، أما الاستئجار ابتداء فغير مكروه.
أما قوله: ﴿ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص ﴾ فالقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضحاك لما دخل عليه قال له من أنت يا عبدالله، فقال أنا موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم، وقتل القبطي وأنهم يطلبونه ليقتلوه، فقال شعيب: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين ﴾ أي لا سلطان له بأرضنا فلسنا في مملكته وليس في الآية دلالة على أنه قال ذلك عن الوحي أو على ما تقتضيه العادة.
فإن قيل: المفسرون قالوا إن فرعون يوم ركب خلف موسى عليه السلام ركب في ألف ألف وستمائة ألف، فالملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا يكون في ملكه قرية على بعد ثمانية أيام من دار مملكته؟
قلنا هذا وإن كان نادراً إلا أنه ليس بمحال.
أما قوله: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوى الأمين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: وصفته بالقوة لما شاهدت من كيفية السقي وبالأمانة لما حكينا من غض بصره حال ذودهما الماشية وحال سقيه لهما وحال مشيه بين يديها إلى أبيها.
المسألة الثانية: إنما جعل ﴿ خَيْرَ مَنِ استأجرت ﴾ اسماً و ﴿ القوى الأمين ﴾ خبراً مع أن العكس أولى لأن العناية هي سبب التقديم.
المسألة الثالثة: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما الفطنة والكياسة، فلم أهمل أمر الكياسة؟
ويمكن أن يقال إنها داخلة في الأمانة، عن ابن مسعود رضي الله: «أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب وصاحب يوسف وأبو بكر في عمر».
أما قوله: ﴿ قَالَ إِنّى أُرِيدُ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ ﴾ فلا شبهة في أن هذا اللفظ، وإن كان على الترديد لكنه عند التزويج عين ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، فكانت الزيادة كالتبرع، والفقهاء ربما استدلوا به على أن العمل قد يكون مهراً كالمال وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، ولكنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا، ويدل على أنه قد كان جائزاً في تلك الشريعة أن يشرط للولي منفعة، وعلى أنه كان جائزاً في تلك الشريعة نكاح المرأة بغير بدل تستحقه المرأة وعلى أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد، ثم قال: ﴿ على أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ ﴾ تأجرني من أجرته إذا كنت له أجيراً وثماني حجج ظرفه أو من أجرته كذا إذا أثبته إياه ومنه أجركم الله ورحمكم وثماني حجج مفعول به ومعناه رعية ثماني حجج ثم قال: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: لا أريد أن أشق عليك بإلزام أثم الرجلين، فإن قيل ما حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر؟
قلنا حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين، تقول تارة أطيقه وتارة لا أطيقه الثاني: لا أريد أن أشق عليك في الرعي ولكني أساهلك فيها وأسامحك بقدر الإمكان ولا أكلفك الاحتياط الشديد في كيفية الرعي، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس، ومنه الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي فكان خير شريك لا يداري ولا يشاري ولا يماري ثم قال: ﴿ سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصالحين ﴾ وفيه وجهان: الأول: يريد بالصلاح حسن المعاملة ولين الجانب والثاني: يريد الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة، وإنما قال إن شاء الله للاتكال على توفيقه ومعونته.
فإن قيل فالعقد كيف ينعقد مع هذا الشرط، فإنك لو قلت امرأتي طالق إن شاء الله لا تطلق؟
قلنا هذا مما يختلف بالشرائع.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ﴾ فاعلم أن ذلك مبتدأ وبيني وبينك خبره وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب عليه السلام، يريد ذلك الذي قلته وعاهدتني عليه قائم بيننا جميعاً لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك، ثم قال: ﴿ أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ ﴾ من الأجلين أطولهما الذي هو العشر أو أقصرهما الذي هو الثمان ﴿ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾ أي لا يعتدي عليَّ في طلب الزيادة أراد بذلك تقرير أمر الخيار يعني إن شاء هذا وإن شاء هذا ويكون اختيار الأجل الزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحد عليه إجبار، ثم قال: ﴿ والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ والوكيل هو الذي وكل إليه الأمر ولما استعمل الوكيل في معنى الشاهد عدي بعلي لهذا السبب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَاءَ مَدْيَنَ ﴾ ماءهم الذي يستقون منه، وكان بئراً فيما روي.
ووروده: مجيئه والوصول إليه ﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ ﴾ وجد فوق شفيره ومستقاه ﴿ أُمَّةً ﴾ جماعة كثيفة العدد ﴿ مِنَ الناس ﴾ من أناس مختلفين ﴿ مِن دُونِهِمُ ﴾ في مكان أسفل من مكانهم.
والذود: الطرد والدفع وإنما كانتا تذودان؛ لأنّ على الماء من هو أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي.
وقيل: كانتا تكرهان المزاحمة على الماء.
وقيل: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر لتسترهما ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ ما شأنكما.
وحقيقته: ما مخطوبكما، أي: مطلوبكما من الذياد، فسمى المخطوب خطباً، كما سمى المشئون شأناً في قولك: ما شأنك؟
يقال: شأنت شأنه، أي: قصدت قصده.
وقرئ ﴿ لا نسقي ﴾ و ﴿ يصدر ﴾ .
و ﴿ الرعاء ﴾ بضم النون والياء والراء.
والرعاء: اسم جمع كالرخال والثناء.
وأما الرعاء بالكسر فقياس، كصيام وقيام ﴿ كَبِيرٌ ﴾ كبير السن ﴿ فسقى لَهُمَا ﴾ فسقى غنمهما لأجلهما.
وروي أن الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجراً لا يقله إلا سبعة رجال.
وقيل: عشرة.
وقيل: أربعون.
وقيل: مائة، فأقله وحده.
وروي أنه سألهم دلواً من ماء فأعطوه دلوهم وقالوا: استق بها، وكانت لا ينزعها إلا أربعون، فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا بالبركة، وروىغنمهما وأصدرهما وروي أنه دفعهم عن الماء حتى سقى لهما.
وقيل: كانت بئراً أخرى عليها الصخرة.
وإنما فعل هذا رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف.
والمعنى: أنه وصل إلى ذلك الماء وقد ازدحمت عليه أمّة من أناس مختلفة متكاثفة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم مع غنيمتهما مترقبتين لفراغهم، فما أخطأت همته في دين الله تلك الفرصة، مع ما كان به من النصب وسقوط خف القدم والجوع، ولكنه رحمهما فأغاثهما، وكفاهما أمر السقي في مثل تلك الزحمة بقوّة قلبه وقوّة ساعده، وما آتاه الله من الفضل في متانة الفطرة ورصانة الجبلة وفيه مع إرادة اقتصاص أمره وما أوتي من البطش والقوّة وما لم يغفل عنه، على ما كان به من انتهاز فرصة الاحتساب، ترغيب في الخير، وانتهاز فرصه، وبعث على الاقتداء في ذلك بالصالحين والأخذ بسيرهم ومذاهبهم.
فإن قلت: لم ترك المفعول غير مذكور في قوله: ﴿ يَسْقُوْنَ ﴾ و ﴿ تَذُودَانِ ﴾ و ﴿ نَسْقِى ﴾ ؟
قلت: لأن الغرض هو الفعل لا المفعول.
ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي.
ولم يرحمها لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلاً، وكذلك قولهما ﴿ لاَ نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعاء ﴾ المقصود فيه السقي لا المسقي.
فإن قلت: كيف طابق جوابهما سؤاله قلت: سألهما عن سبب الذود فقالتا: السبب في ذلك أنا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا، وما لنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به: أبلتا إليه عذرهما في توليهما السقي بأنفسهما.
فإن قلت: كيف ساغ لنبيّ الله الذي هو شعيب عليه السلام أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية؟
قلت: الأمر في نفسه ليس بمحظور، فالدين لا يأباه.
وأما المروءة، فالناس مختلفون في ذلك، والعادات متباينة فيه، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر، خصوصاً إذاكانت الحالة حالة ضرورة ﴿ إِنّى ﴾ لأي شيء ﴿ أَنزَلْتَ إِلَىَّ ﴾ قليل أو كثير، غث أو سمين ل ﴿ فَقِيرٌ ﴾ وإنما عُدي فقير باللام؛ لأنه ضمن معنى سائل وطالب.
قيل: ذكر ذلك وإن خضرة البقل يتراءى في بطنه من الهزال، ما سأل الله إلا أكلة.
ويحتمل أن يريد: إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين وهو النجاة من الظالمين.
لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة: قال ذلك رضا بالبدل السني، وفرحا به، وشكراً له، وكان الظل ظل سمرة ﴿ عَلَى استحياء ﴾ في موضع الحال، أي: مستحيية متخفرة وقيل.
قد استترت بكم درعها.
روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟
قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، فتبعها موسى فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته، فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلما قص عليه قصته قال له.
لا تخف فلا سلطان لفرعون بأرضنا.
فإن قلت: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة، وأن يمشي معها وهي أجنبيه؟
قلت: أما العمل بقول امرأة فكما يعمل بقول الواحد حرّاً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى في الأخبار، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه.
وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا بأس بها في نظائر تلك الحال، مع ذلك الاحتياط والتورّع.
فإن قلت: كيف صح له أخذ الأجر على البرّ والمعروف؟
قلت: يجوز أن يكون قد فعل ذلك لوجه الله وعلى سبيل البر والمعروف.
وقيل إطعام شعيب وإحسانه لا على سبيل أخذ الأجر، ولكن على سبيل التقبل لمعروف مبتدإ.
كيف وقد قص عليه قصصه وعرفه أنه من بيت النبوّة من أولاد يعقوب؟
ومثله حقيق بأن يضيَّف ويكرم خصوصاً في دار نبيّ من أنبياء الله، وليس بمنكر أن يفعل ذلك لاضطرار الفقر والفاقة طلباً للأجر.
وقد روي ما يعضد كلا القولين: روي أنها لما قالت: ليجزيك، كره ذلك، ولما قدّم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهباً، ولا نأخذ على المعروف ثمناً، حتى قال شعيب: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.
وعن عطاء ابن السائب: رفع صوته بدعائه ليسمعهما، فلذلك قيل له: ليجزيك أجر ما سقيت، أي؛ جزاء سقيك.
والقصص: مصدر كالعلل، سمي به المقصوص.
كبراهما: كانت تسمى صفراء، والصغرى: صفيراء.
وصفراء: هي التي ذهبت به وطلبت إلى أبيها أن يستأجره، وهي التي تزوجها.
وعن ابن عباس: أن شعيبا أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوّته وأمانته؟
فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو، وأنه صوّب رأسه حين بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه.
وقولها: ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ استجرت القوى الامين ﴾ كلام حكيم جامع لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان؛ أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك؛ وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل، والحكمة أن تقول استأجره لقوّته وأمانته.
فإن قلت: كيف جعل خير من استأجرت اسماً لإنّ والقوي الأمين خبراً؟
قلت: هو مثل قوله: أَلاَ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ حَيًّا وَهَالِكَا ** أَسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهُمْ فِي السَّلاَسِلِ في أن العناية هي سبب التقديم، وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق بأن يكون خبراً اسماً، وورود الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.
ومنه قولهم: أهون ما أعملت لسان ممخ.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب، وصاحب يوسف، في قوله: ﴿ عسى أَن يَنفَعَنَا ﴾ [يوسف: 21] وأبو بكر في عمر.
روي أنه أنكحه صفراء.
وقوله: ﴿ هَاتَيْنِ ﴾ فيه دليل على أنه كانت له غيرهما ﴿ تَأْجُرَنِى ﴾ من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أبا، و ﴿ ثَمَانِىَ حِجَجٍ ﴾ ظرفه.
أو من أجرته كذا، إذا أثبته إياه.
ومنه: تعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجرَكم اللَّهُ ورحمكم» وثماني حجج: مفعول به، ومعناه: رعية ثماني حجج فإن قلت: كيف صح أن ينكحه إحدى ابنتيه من غير تمييز؟
قلت: لم يكن ذلك عقداً للنكاح، ولكن مواعدة ومواصفة أمر قد عزم عليه، ولو كان عقداً لقال: قد أنكحتك ولم يقل: إني أريد أن أنكحك.
فإن قلت: فكيف صح أن يمهرها إجارة نفسه في رعية الغنم، ولا بد من تسليم ما هو مال؟
ألا ترى إلى أبي حنيفة كيف منع أن يتزوج امرأة بأن يخدمها سنة وجوّز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة، أو يسكنها داره سنة، لأنه في الأول: مسلم نفسه وليس بمال، وفي الثاني: هو مسلم مالاً وهو العبد أو الدار، قلت: الأمر على مذهب أبي حنيفة على ما ذكرت.
وأما الشافعي: فقد جوّز التزوّج على الإجارة لبعض الأعمال والخدمة، إذا كان المستأجر له أو المخدوم فيه أمراً معلوماً، ولعلّ ذلك كان جائزاً في تلك الشريعة.
ويجوز أن يكون المهر شيئاً آخر، وإنما أراد أن يكون راعي غنمه هذه المدّة، وأراد أن ينكحه ابنته، فذكر له المرادين، وعلق الإنكاح بالرعية على معنى: إني أفعل هذا إذا فعلت ذاك على وجه المعاهدة لا على وجه المعاقدة.
ويجوز أن يستأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ويوفيه إياه، ثم ينكحه ابنته به، ويجعل قوله: ﴿ على أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ ﴾ عبارة عما جرى بينهما ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ ﴾ عمل عشر حجج ﴿ فَمِنْ عِندِكَ ﴾ فإتمامه من عندك.
ومعناه: فهو من عندك لا من عندي، يعني: لا ألزمكه ولا أحتمه عليك، ولكنك إن فعلته فهو منك تفضل وتبرع، وإلا فلا عليك ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ بإلزام أتمّ الأجلين وإيجابه.
فإن قلت: ما حقيقة قولهم: شققت عليه، وشق عليه الأمر؟
قلت: حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين، تقول تارة: أطيقه، وتارة: لا أطيقه.
أو وعده المساهلة والمسامحة من نفسه، وأنه لا يشق عليه فيما استأجره له من رعي غنمه، ولا يفعل نحو ما يفعل المعاسرون من المسترعين، من المناقشة في مراعاة الأوقات، والمداقة في استيفاء الأعمال، وتكليف الرعاة أشغالاً خارجة عن حدّ الشرط، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس.
ومنه الحديث: «كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي، فكان خير شريك لا يداري ولا يشاري ولا يماري» وقوله: ﴿ سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصالحين ﴾ يدل على ذلك، يريد بالصلاح: حسن المعاملة ووطأة الخلق ولين الجانب.
ويجوز أن يريد الصلاح على العموم.
ويدخل تحته حسن المعاملة، والمراد باشتراط مشيئة الله بما وعد من الصلاح: الاتكال على توفيقه فيه ومعونته، لا أنه يستعمل الصلاح إن شاء الله، وإن شاء استعمل خلافه ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ، و ﴿ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ﴾ خبره، وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب، يريد.
ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم بيننا جميعاً، لا نخرج كلانا عنه، لا أنا عما شرطت عليّ ولا أنت عما شرطت على نفسك.
ثم قال: أي أجل من الأجلين قضيت: أطولهما الذي هو العشر، أو أقصرهما الذي هو الثمان ﴿ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَىَّ ﴾ أي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة عليه.
فإن قلت: تصوّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعاً؟
قلت: معناه كما أني إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدواناً لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمان.
أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقرّ، وأن الأجلين على السواء: إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء وأما التتمة فموكولة إلى رأيي: إن شئت أتيت بها، وإلا لم أجبر عليها.
وقيل: معناه فلا أكون متعدّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه، كقولك: لا إثم عليّ، ولا تبعة عليّ.
وفي قراءة ابن مسعود: أي الأجلين ما قضيت.
وقرئ: ﴿ أيما ﴾ بسكون الياء، كقوله: تنَظَّرْتُ نَصْراً وَالسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا ** عَلَيَّ مِنَ الْغَيْثِ اسْتُهِلَّتْ مَوَاطِرُهْ وعن ابن قطيب: عدوان، بالكسر.
فإن قلت: ما الفرق بين موقعي (ما) المزيدة في القراءتين؟
قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، أيّ: زائدة في شياعها: وفي الشاذة تأكيداً للقضاء، كأنه قال: أي الأجلين صممت على قضائه وجردت عزيمتي له.
الوكيل: الذي وكل إليه الأمر، ولما استعمل في موضع الشاهد والمهيمن والمقيت، عدي بعلى لذلك.
روي أنّ شعيباً كانت عنده عصى الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي.
فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة، ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب، فمسها وكان مكفوفاً، فضنّ بها فقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات، فعلم أنّ له شأناً.
وقيل: أخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً.
وقيل: أودعها شعيباً ملك في صورة رجل، فأمر بنته أن تأتيه بعصا، فأتته بها فردها سبع مرّات فلم يقع في يدها غيرها، فدفعها إليه ثم ندم لأنها وديعة، فتبعه فاختصما فيها، ورضيا أن يحكم بينهما أوّل طالع، فأتاهما الملك فقال: ألقياها فمن رفعها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها؛ ورفعها موسى.
وعن الحسن: ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً.
وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج، ومنها كانت عصاه.
ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك، فإنّ الكلأ وإن كان بها أكثر، إلا أنّ فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها، فمشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله، فنام فإذا بالتنين قد أقبل، فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى دامية، فلما أبصرها دامية والتنين مقتولاً أرتاح لذلك، ولما رجع إلى شعيب مسّ الغنم، فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن، فأخبره موسى ففرح وعلم أنّ لموسى والعصا شأنا، وقال له: إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كلّ أدرع ودرعاء، فأوحى إليه في المنام: أن أضرب بعصاك مستقى الغنم، ففعل؛ ثم سقى فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع ودرعاء، فوفى له بشرطه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ﴾ أيْ تَأْجُرَ نَفْسَكَ مِنِّي أوْ تَكُونَ لِي أجِيرًا، أوْ تُثِيبَنِي مِن أجْرِكَ اللَّهُ.
﴿ ثَمانِيَ حِجَجٍ ﴾ ظَرْفٌ عَلى الأوَّلَيْنِ ومَفْعُولٌ بِهِ عَلى الثّالِثِ بِإضْمارِ مُضافٍ أيْ رَعْيَةَ ثَمانِي حِجَجٍ.
﴿ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا ﴾ عَمِلْتَ عَشْرَ حِجَجٍ.
﴿ فَمِن عِنْدِكَ ﴾ فَإتْمامُهُ مِن عِنْدِكَ تَفَضُّلًا لا مِن عِنْدِي إلْزامًا عَلَيْكَ.
وهَذا اسْتِدْعاءُ العَقْدِ لا نَفْسُهُ، فَلَعَلَّهُ جَرى عَلى أُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وبِمَهْرٍ آخَرَ أوْ بِرَعْيَةِ الأجَلِ الأوَّلِ ووَعَدَ لَهُ أنْ يُوَفِّيَ الأخِيرَ إنْ تَيَسَّرَ لَهُ قَبْلَ العَقْدِ، وكانَتِ الأغْنامُ لِلْمُزَوَّجَةِ مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُ اخْتِلافُ الشَّرائِعِ في ذَلِكَ.
﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ بِإلْزامِ إتْمامِ العَشْرِ أوِ المُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ واسْتِيفاءِ الأعْمالِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةِ مِنَ الشِّقِّ فَإنَّ ما يَصْعُبُ عَلَيْكَ يَشُقُّ عَلَيْكَ اعْتِقادُكَ في إطاقَتِهِ ورَأْيُكَ في مُزاوَلَتِهِ.
﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ولِينِ الجانِبِ والوَفاءِ بِالمُعاهَدَةِ.
﴿ قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي فِيهِ قائِمٌ بَيْنَنا لا نَخْرُجُ عَنْهُ.
﴿ أيَّما الأجَلَيْنِ ﴾ أطْوَلُهُما أوْ أقْصَرُهُما.
﴿ قَضَيْتُ ﴾ وفَّيْتُكَ إيّاهُ.
﴿ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ﴾ لا تَعْتَدِي عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ فَكَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِ، أوْ فَلا أكُونُ مُتَعَدِّيًا بِتَرْكِ الزِّيادَةِ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ لا إثْمَ عَلَيَّ، وهو أبْلَغُ في إثْباتِ الخِيرَةِ وتَساوِي الأجَلَيْنِ في القَضاءِ مِن أنْ يُقالَ إنْ قَضَيْتُ الأقْصَرَ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ.
وقُرِئَ «أيَّما» كَقَوْلِهِ: تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيُّما.
.
.
عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وَأيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ فَتَكُونُ ما مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ أيْ: أيَّ الأجَلَيْنِ جَرَّدْتُ عَزْمِي لِقَضائِهِ، وعِدْوانَ بِالكَسْرِ.
﴿ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ ﴾ مِنَ المُشارَطَةِ.
﴿ وَكِيلٌ ﴾ شاهِدٌ حَفِيظٌ.
<div class="verse-tafsir"
{قَالَ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ} أزوجك {إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ} قوله هاتين يدل على أنه كان له غيرهما وهذه مواعدة منه ولم يكن ذلك عقد نكاح إذ لو كان عقد لقال قد أنكحتك {على أَن تَأْجُرَنِى} تكون أجيرا
القصص (٢٩ - ٢٧)
لي من أجرته إذا كنت له أجيراً {ثَمَانِىَ حِجَجٍ} ظرف والحجة السنة وجمعها حجج والتزوج على رعي الغنم جائز بالإجماع لأنه من باب القيام بأمر الزوجية فلا مناقصة بخلاف التزوج على الخدمة {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً} أي عمل عشر حجج {فَمِنْ عِندِكَ} فذلك تفضل منك ليس بواجب عليك أو فإتمامه من عندك ولا أحتمه عليك ولكنك إن فعلته فهو منك
تفضل وتبرع {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} بإلزام أتم الأجلين وحقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين تقول تارة أطيقه وطوراً لا أطيقه {سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصالحين} في حسن المعاملة والوفاء بالعهد ويجوز أن يراد الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد من الصلاح الاتكال على توفيقه فيه ومعونته لأنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ذلك
﴿ قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ أبُوها بَعْدَ أنْ سَمِعَ كَلامَها؟
فَقِيلَ: قالَ إنِّي.
وفي تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ إظْهارٌ لِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ فِيما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ هاتَيْنِ ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ كانَتْ لَهُ بَناتٌ أُخَرُ غَيْرُهُما، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ لَهُما أرْبَعَ أخَواتٍ صِغارٍ، وقالَ البِقاعِيُّ: إنَّ لَهُ سَبْعَ بَناتٍ كَما في التَّوْراةِ وقَدْ قَدَّمْنا نَقْلَ ذَلِكَ.
وفي الكَشّافِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذُكِرَ إذْ يَكْفِي في الحاجَةِ إلى الإشارَةِ عَدَمُ عِلْمِ المُخاطَبِ بِأنَّهُ ما كانَتْ لَهُ غَيْرُهُما.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى هَذا تَكْفِي الإضافَةُ العَهْدِيَّةُ ولا يُحْتاجُ إلى الإشارَةِ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطَبِ عِلْمٌ بِغَيْرِهِما مَعْهُودٌ عِنْدَهُ أيْضًا، وإنَّما الإشارَةُ لِدَفْعِ إرادَةِ غَيْرِهِما مِنِ ابْنَتَيْهِ الأُخْرَيَيْنِ المَعْلُومَتَيْنِ لَهُ مِن بَيْنِهِنَّ ونَعَمْ ما قالَ الخَفاجِيُّ لا وجْهَ لِلْمُشاحَّةِ في ذَلِكَ فَإنَّ مِثْلَهُ زَهْرَةٌ لا يَحْتَمِلُ الفَرْكَ.
وقَرَأ ورْشٌ وأحْمَدُ بْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو «أنْكِحُكَ احْدى» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ ﴿ أُنْكِحَكَ ﴾ أيْ مَشْرُوطًا عَلَيْكَ أوْ واجِبًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ قالَهُ أبُو البَقاءِ، وتَأْجُرُنِي مِن أجَرْتُهُ كُنْتُ لَهُ أجِيرًا كَقَوْلِكَ: أبَوْتُهُ كُنْتَ لَهُ أبًا، وهو بِهَذا المَعْنى يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَمانِيَ حِجَجٍ ﴾ ظَرْفٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْجُرُنِي بِمَعْنى تُثِيبُنِي مِن أجَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما فَعَلَ أيْ أثابَهُ فَيَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما هُنا ثَمانِيَ حِجَجٍ.
والكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ أيْ تُثِيبُنِي رَعِيَّةَ ثَمانِي حِجَجٍ أيْ تَجْعَلُها ثَوابِي وأجْرِي عَلى الإنْكاحِ ويَعْنِي بِذَلِكَ المَهْرَ.
وجُوِّزَ عَلى هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِتَأْجُرَنِي أيْضًا بِحَذْفِ المَفْعُولِ أيْ تُعَوِّضُنِي خِدْمَتَكَ أوْ عَمَلَكَ في ثَمانِي حِجَجٍ، ونُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ يُقالُ: أجَّرَتْ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرُ مَمْدُودٍ وآجَرْتُ مَمْدُودًا، والأوَّلُ أكْثَرُ فَعَلى هَذا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والمَعْنى عَلى أنْ تَأْجُرَنِي نَفْسَكَ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ، والثّانِي بِمَن فَيُقالُ: أجَّرْتُ الدّارَ مِن عَمْرٍو، وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ آجَرَ بِالمَدِّ وأجَّرَ بِدُونِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ أجَّرْتُ زَيْدًا إذا اعْتُبِرَ فِعْلُ أحَدِهِما، ويُقالُ: آجَرْتُهُ إذا اعْتُبِرَ فِعْلاهُما وكِلاهُما يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى، ويُقالُ كَما في القامُوسِ أجَرْتُهُ أجْرًا وآجَرْتُهُ إيجارًا ومُؤاجَرَةً.
وفِي تُحْفَةِ المُحْتاجِ آجَرَهُ بِالمَدِّ إيجارًا وبِالقَصْرِ يَأْجِرُهُ بِكَسْرِ الجِيمِ وضَمِّها أجْرًا، وفِيها أنَّ الإجارَةَ بِتَثْلِيثِ الهَمْزَةِ والكَسْرُ أفْصَحُ لُغَةً اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ ثُمَّ اشْتُهِرَتْ في العَقْدِ، والحِجَجُ جَمْعُ حِجَّةٍ بِالكَسْرِ السَّنَةُ ﴿ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا ﴾ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ ﴿ فَمِن عِنْدِكَ ﴾ أيْ فَهو مِن عِنْدِكَ مِن طَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا مِن عِنْدِي بِطَرِيقِ الإلْزامِ ﴿ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ بِإلْزامِ إتْمامِ العَشْرِ والمُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ واسْتِيفاءِ الأعْمالِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةِ وهي ما يَصْعُبُ تَحَمُّلُهُ مِنَ الشَّقِّ بِفَتْحِ الشِّينِ وهو فَصْلُ الشَّيْءِ إلى شَقَّيْنِ فَإنَّ ما يَصْعُبُ عَلَيْكَ يَشُقُّ عَلَيْكَ رَأْيُكَ في أمْرِهِ لِتَرَدُّدِهِ في تَحَمُّلِهِ وعَدَمِهِ ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ولِينِ الجانِبِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ ومُرادُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالِاسْتِثْناءِ التَّبَرُّكُ بِهِ وتَفْوِيضُ أمْرِهِ إلى تَوْفِيقِهِ تَعالى لا تَعْلِيقُ صَلاحِهِ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى أنَّهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى اسْتَعْمَلَ الصَّلاحَ وإنْ شاءَ عَزَّ وجَلَّ اسْتَعْمَلَ خِلافَهُ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ.
وقِيلَ: لِأنَّ صَلاحَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَحَقِّقٌ فَلا مَعْنى لِلتَّعْلِيقِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّافِعِيِّ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ يعني: قالت إحدى الابنتين التي جاءت به.
وقال في رواية مقاتل: هي الكبرى.
وقال في رواية الكلبي: هي الصغرى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ يعني: استأْجر موسى ليرعى لك الغنم إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ يعني: خير الأجراء من يكون قوياً في العمل، أميناً على المال والعورة.
ثم قال: إيش تعلمين أنه قوي أمين؟
فأخبرته بالقصة.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: حدثنا محمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج.
عن الحكم قال: كان شريح لا يفسر شيئاً من القرآن إلا ثلاث آيات.
قوله: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [البقرة: 237] قال: أي الزوج وقوله: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ص: 20] قال: الْحِكْمَةَ الفقه والعلم، وَفَصْلَ الْخِطابِ البينة والإيمان، وقوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قال: كانت قوته أن يحمل صخرة لا يقوى عليها إلا عشرة رجال، وكانت أمانته أن ابنة شعيب كانت أمامه، فوصفتها له الريح فقال لها: تأخري وصفي لي الطريق.
قالَ شعيب لموسى عليهما السلام: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ يعني: أزوجك إحدى ابنتي على أن ترعى غنمي ثمان سنين، وهذا الحكم في هذه الأمة جائز أيضاً، لو تزوج الرجل المرأة على أن يرعى غنمها كذا وكذا سنة، أو يرعى غنم أبيها، يجوز النكاح، ويكون ذلك مهراً لها فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً يعني: عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ يعني: فإن أتممت عشر سنين فبفضلك، وليس بواجب وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ في السنتين يعني: أنت بالخيار في ذلك.
ويقال: بأن أشرط عليك العشر سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي من الوافين بالعهد.
وقال مقاتل: يعني، من الوافين بك كقوله: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ [الأعراف: 142] يعني: ارفق بهم.
قالَ موسى: ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ يعني: أتممت لك، إما الثماني وإما العشر فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ أي: لا سبيل لك علي.
ويقال: لا ظلم علي بأن أطالب بأكثر منه، فإن قيل: كيف تجوز الإجارة بهذا الشرط على أحد الأجلين بغير وقت معلوم؟
قيل له: العقد قد وقع على الثماني، وهو قوله: أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ وإنّما خيّره في الزيادة، والإجارة بهذا الشرط في الشريعة جائزة أيضاً، ثم قال: وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ يعني: شهيد فيما بيننا.
ويقال: شاهد على ما نقول، وعلى عقدنا.
وذكر مقاتل: أن رجلاً من الأزد سأل رسول الله : أيما الأجلين قضى موسى؟
قال: «الله أَعْلَمُ» حتى أسأل جبريل » ، فأتاه جبريل، فسأله.
فقال: «الله أعلم، سأسأل إسرافيل » فسأله فقال: «حتى اسأل رب العزة» ، فأوحى الله تعالى إلى إسرافيل : «أن قد قضى موسى أبرهما وأوفاهما» (١) وروي عن ابن عباس أنه قال: «قضى موسى أتمَّ الأجلين» ، وقد كان شرطه له أن ما ولدت في ذلك العام ولداً أبلق، فهو له، فولدت في ذلك العام كلها بلقاً، فأخذ الغنم البلق وقيل: مثل هذا الشرط في شريعتنا غير واجب، إلا أن الوعد من الأنبياء عليهم السلام واجب، فوفاه بوعده، فلما أراد أن يخرج قال لشعيب : يا شيخ أعطني عصا أسوق بها غنمي.
فقال لابنته: التمسي له عصا، فجاءت بعصا شعيب .
فقال شعيب : ردي هذه، وكانت تلك العصا أودعها إياه ملك في صورة إنسان، وكانت من عود آس الجنة، فردتها والتمست غيرها، فلم يقع في يدها غيرها، فأعطته، فخرج مع أهله فضل الطريق، وكانت ليلة باردة مظلمة، فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ يعني: بِامرأتِهِ آنَسَ يعني: أبصر مِنْ جانِبِ الطُّورِ نَاراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا يعني: قفوا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أي: خبر الطريق أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ قرأ عاصم جَذْوَةٍ بنصب الجيم، وقرأ حمزة جَذْوَةٍ بضم الجيم، وقرأ الباقون جَذْوَةٍ بالكسر، فهذه لغات معناها واحد، يعني: قطعة من النار.
ويقال: شعلة، وهو عود قد احترق بعضه لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي: لكي تصطلوا من البرد، فترك امرأته في البرية وذهب.
(١) عزاه السيوطي: 6/ 409 إلى البزار وأبي يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس و 4/ 410 أخرجه ابن مردويه عن جابر.
<div class="verse-tafsir"
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ- غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ لَبِسَ ثَوْباً، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» «١» رواه أبو داود واللفظُ له، والترمذيُّ وابن ماجه والحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح على شرط البخاريِّ، وقالَ الترمذيُّ:
حسنٌ غريب، انتهى من «السلاح» .
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)
وقوله تعالى: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ ...
الآية: في هذا الموضِع اختصارٌ يدلُّ عليه الظاهرُ، قدَّرَهُ ابنُ إسحاقٍ: فذهبتا إلى أبيهما فأخبرتاه بما كان من الرجل، فأمر إحدى ابنَتَيْه أنْ تدعوَه له، فجاءته، على ما في الآية/.
وقوله: عَلَى ٥٧ أاسْتِحْياءٍ أي: خَفِرَةٍ، قد سَتَرَتْ وَجْهَهَا بِكُمِّ دِرْعِها قاله عمر بن الخطاب «٢» - رضي الله عنه-.
وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «الحياء من الإيمان والإيمان فِي الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ والجَفَاءُ فِي النّار» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث
حسن صحيح انتهى.
والجمهورُ أن الداعِيَ لموسَى- عليه السلامُ- هو شُعَيْبُ عليه السلام وأن المرأتينْ ابنتَاه، ف قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ...
الآية، فَقَام يَتْبعُهَا فَهَبَّتْ رِيحٌ ضَمَّتْ قَمِيصَها إلى بَدَنِهَا فَتَحَرَّجَ مُوسَى عليه السلام من النظر إليها فقال لها: امشي خلفي وأرشديني إلى الطريق، فَفَهِمَتْ عَنْهُ فذلك سَبَبُ وَصْفِهَا له بِالأَمَانَةِ قاله ابن عباس «١» .
فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ فآنسَه بقَولهِ: لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فلما فَرَغ كلامُهُمَا قالت إحدى الابنتين يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فقال لها أبوها: ومن أين عَرَفْتِ هذا منه؟
قالت: أَمّا قوتُه فَفِي رفعِ الصَّخْرَةِ، وأمّا أمَانَتُهُ فَفِي تَحَرُّجِه عَنِ النَّظَرِ إلَيَّ قاله ابن عباس «٢» وقتادة وابن زيد وغيرهم، فقال له الأَبُ عند ذلك: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ...
الآية، قال ابن العربي: فِي «أحْكَامِهِ» «٣» قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ يدلُّ على أنه عَرْضٌ لاَ عَقْدٌ لأنه لو كان عَقْداً، لعَيَّن المعقودَ عَلَيْهَا لأن العلماءَ وإنْ اختلفوا في جواز البيع، إذا قَال له: بعتُكَ أَحَدَ عَبْدَيَّ هذينِ بثَمَنِ كذا، فإنهم اتَّفَقُوا على أن ذلكَ لاَ يجُوزُ في النكاحَ لأنه خيارٌ وشَيْءٌ مِن الخيارِ لاَ يُلْحَقَ بالنِّكَاحِ «٤» .
ورُوِي أنه قال شعيبٌ: أَيَّتُهما تُرِيد؟
قال:
الصغرى، انتهى.
«وتَأجَر» معناه: تُثِيبُ وجَعَلَ شعيبُ الثمانيةَ الأعوامَ شَرْطاً وَوَكَلَ العَامَيْنِ إلى المُرُوءَةِ، ولما فَرَغَ كلامُ شُعَيْبٍ قَرَّره موسَى وكَرَّرَ معناه على جهة التوثقِ في أن الشَّرط إنما وقع في ثمان حجج، وأَيَّمَا استفهامٌ نُصِبَ ب قَضَيْتُ و «ما» صلةٌ للتّأكيد و «لا عدوان» لا تباعة عليّ، و «الوكيل» : الشاهد القائم بالأمر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ مِنها ﴾ أيْ: مِن مِصْرَ ﴿ خائِفًا ﴾ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ [القَصَصِ: ١٨ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ أهْلَ مِصْرَ.
﴿ وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تُجاهُ مَدْيَنَ ونَحْوُها، وأصْلُهُ: اللِّقاءُ، وزِيدَتْ فِيهِ التّاءُ، قالَ الشّاعِرُ: [ أمَّلْتُ خَيْرَكَ هَلْ تَأْتِي مَواعِدُهُ] فاليَوْمَ قَصَّرَ عَنْ تِلْقائِكَ الأمَلُ أيْ: عَنْ لِقائِكَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: خَرَجَ خائِفًا بِغَيْرِ زادٍ ولا ظَهْرٍ، وكانَ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ مَسِيرَةَ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ، فِ ﴿ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أيْ: قَصَدَهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِالطَّرِيقِ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ لَهُ مَلِكًا فَدَلَّهُ، قالُوا: ولَمْ يَكُنْ لَهُ في طَرِيقِهِ طَعامٌ إلّا ورَقُ الشَّجَرِ، فَوَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وخُضْرَةَ البَقْلِ تَتَراءى في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ؛ والأُمَّةُ: الجَماعَةُ، وهُمُ الرُّعاةُ، ﴿ يَسْقُونَ ﴾ مَواشِيَهم ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ﴾ أيْ: مِن سِوى الأُمَّةِ ﴿ امْرَأتَيْنِ ﴾ وهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ؛ قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ الكُبْرى: صَبُورًا والصُّغْرى: عِبْرا ﴿ تَذُودانِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تَكُفّانِ غَنَمَهُما، فَحَذَفَ الغَنَمَ اخْتِصارًا قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما فَعَلَتا ذَلِكَ لِيَفْرَغَ النّاسُ وتَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ، قالَ مُوسى: ﴿ ما خَطْبُكُما ﴾ أيْ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ؟!
﴿ قالَتا لا نَسْقِي ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " نُسْقِي " بِرَفْعِ النُّونِ ﴿ حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: " يَصْدُرُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ: حَتّى يَرْجِعَ الرُّعاءُ.
وقَرَأ الباقُونَ: " يَصْدُرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أرادُوا: حَتّى يَرِدَ الرِّعاءُ غَنَمَهم عَنِ الماءِ.
والرِّعاءُ: جَمْعُ راعٍ، كَما يُقالُ: صاحِبٌ وصِحابٌ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " الرِّعاءُ " بِضَمِّ الرّاءِ، والمَعْنى: نَحْنُ امْرَأتانِ لا نَسْتَطِيعُ أنْ نُزاحِمَ الرِّجالَ ﴿ وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ؛ فَلِذَلِكَ احْتَجْنا نَحْنُ إلى أنْ نَسْقِيَ، وكانَ عَلى تِلْكَ البِئْرِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإذا فَرَغَ الرِّعاءُ مِن سَقْيِهِمْ أعادُوا الصَّخْرَةَ، فَتَأْتِي المَرْأتانِ إلى فُضُولِ حِياضِ الرِّعاءِ فَتَسْقِيانِ غَنَمَهُما.
﴿ فَسَقى لَهُما ﴾ مُوسى.
وَفِي صِفَةِ ما صَنَعَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ذَهَبَ إلى بِئْرٍ أُخْرى عَلَيْها صَخْرَةٌ لا يَقْتَلِعُها إلّا جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ، فاقْتَلَعَها وسَقى لَهُما، قالَهُعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وشُرَيْحٌ.
والثّانِي: أنَّهُ زاحَمَ القَوْمَ عَلى الماءِ، وسَقى لَهُما، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والمَعْنى: سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما.
﴿ ثُمَّ تَوَلّى ﴾ أيْ: انْصَرَفَ ﴿ إلى الظِّلِّ ﴾ وهو ظِلُّ شَجَرَةٍ ﴿ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما ﴾ اللّامُ بِمَعْنى إلى، فَتَقْدِيرُهُ: إنِّي إلى ما ﴿ أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ وأرادَ بِالخَيْرِ: الطَّعامُ.
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ أسْمَعَ المَرْأتَيْنِ هَذا الكَلامُ تَعْرِيضًا أنْ تُطْعِماهُ.
﴿ فَجاءَتْهُ إحْداهُما ﴾ المَعْنى: فَلَمّا شَرِبَتْ غَنَمُهُما رَجَعَتا إلى أبِيهِما فَأخْبَرَتاهُ خَبَرَ مُوسى، فَبَعَثَ إحْداهُما تَدْعُو مُوسى.
وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الصُّغْرى.
والثّانِي: الكُبْرى.
فَجاءَتْهُ ﴿ تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ ﴾ قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها.
وَفِي سَبَبِ اسْتِحْيائِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِن صِفَتِها الحَياءُ، فَهي تَمْشِي مَشْيَ مَن لَمْ يَعْتَدِ الخُرُوجَ والدُّخُولَ.
والثّانِي: لِأنَّها دَعَتْهُ لِتُكافِئُهُ، وكانَ الأجْمَلُ عِنْدَها أنْ تَدْعُوَهُ مِن غَيْرِ مُكافَأةٍ.
والثّالِثُ: لِأنَّها رَسُولُ أبِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا سَمِعَ مُوسى هَذا القَوْلَ كَرَّهَهُ وأرادَ أنْ لا يَتْبَعَها، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا لِلْجُهْدِ الَّذِي بِهِ مِنِ اتِّباعِها، فَتَبِعَها، فَكانَتْ الرِّيحُ تَضْرِبُ ثَوْبَها فَيَصِفُّ بَعْضَ جَسَدِها، فَناداها: يا أمَةَ اللَّهِ، كُونِي خَلْفِي ودُلِّينِي الطَّرِيقَ ﴿ فَلَمّا جاءَهُ ﴾ أيْ: جاءَ مُوسى شُعَيْبًا ﴿ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ ﴾ أيْ: أخْبَرَهُ بِأمْرِهِ مِن حِينِ وُلِدَ والسَّبَبُ الَّذِي أخْرَجَهُ مِن أرْضِهِ ﴿ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ: لا سُلْطانَ لِفِرْعَوْنَ بِأرْضِنا ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ.
﴿ قالَتْ إحْداهُما ﴾ وهي الكُبْرى: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ أيْ: اتَّخَذَهُ أجِيرًا ﴿ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ ﴾ أيْ: خَيْرُ مَن اسْتَعْمَلْتَ عَلى عَمَلِكَ مَن قَوِيَ عَلى عَمَلِكَ وأدّى الأمانَةَ؛ وإنَّما سَمَّتْهُ قَوِيًّا، لِرَفْعِهِ الحَجَرَ عَنْ رَأْسِ البِئْرِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ اسْتَقى بِدَلْوٍ لا يُقِلُّها إلّا العَدَدُ الكَثِيرُ مِنَ الرِّجالِ، وسَمَّتْهُ أمِينًا، لِأنَّهُ أمَرَها أنْ تَمْشِيَ خَلْفَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: قالَ لَها شُعَيْبُ: قَدْ رَأيْتُ قُوَّتَهُ، فَما يُدْرِيكَ بِأمانَتِهِ؟
فَحَدَّثَتْهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَرَغِبَ فِيهِ شُعَيْبٌ، فَقالَ لَهُ: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ ﴾ أيْ: أزْواجُكَ ﴿ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَأْجُرُنِي وتَأْجِرُنِي، بِضَمِّ الجِيمِ وكَسْرِها، لُغَتانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: تَكُونُ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ ﴿ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ ﴾ أيْ: فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنكَ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: في العَشْرِ ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتَ.
﴿ قالَ ﴾ لَهُ مُوسى ﴿ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي وصَفْتَ وشَرَطْتَ عَلَيَّ فَلَكَ، وما شَرَطْتَ لِي مِن تَزْوِيجِ إحْداهُما فَلِيَ، فالأمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَنا وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا.
ثُمَّ قالَ: ﴿ أيَّما الأجَلَيْنِ ﴾ يَعْنِي: الثَّمانِيَ والعَشَرَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " ما " زائِدَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَضَيْتُ ﴾ أيْ: أتْمَمْتُ ﴿ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ﴾ أيْ: لا سَبِيلَ عَلَيَّ؛ والمَعْنى: لا تَعْتَدِ عَلَيَّ بِأنْ تُلْزِمَنِي أكْثَرَ مِنهُ ﴿ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: واللَّهُ شاهِدُنا عَلى ما عَقَدَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذا الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ شُعَيْبٌ نَبِيُّ اللَّهِ ، وعَلى هَذا أكْثَرُ [أهْلِ] التَّفْسِير، وفِيهِ أثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ وهْبٌ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ صاحِبُ مَدْيَنَ، واسْمُهُ يَثْرى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: رَجُلٌ مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ: قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يَثْرُونُ ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ مَرَّةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ السّائِبِ.
واخْتَلَفُوا في الَّتِي تَزَوَّجَها مُوسى مِنَ الإبْنَتَيْنِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: الصُّغْرى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الكُبْرى، قالَهُ مُقاتِل.
وَفِي اسْمِ الَّتِي تَزَوَّجَها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: صَفُورِيا، حَكاهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
والثّانِي: صَفُورَةُ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ.
والثّالِثُ: صَبُورًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ ﴾ ﴿ قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ .
فِي هَذا المَوْضِعِ اخْتِصارٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، قَدَّرَهُ ابْنُ إسْحاقَ: فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِن أمْرِ الرَجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ -وَقِيلَ الصُغْرى- أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ، فَجاءَتْ عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ إحْداهُما (لَيّا) والأُخْرى (شَرْفا)، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ زَوْجَةِ نَبِيِّ اللهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ (صَفُّورَةُ)، وقِيلَ: اسْمُها (صُورِيّا)، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: زَوَّجَهُ الكُبْرى، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ زَوَّجَهُ الصُغْرى، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ ومَكِّيٌّ مِن طَرِيقِ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ النَقّاشُ: كانَتا تَوْأمَيْنِ ووُلِدَتِ الأولى قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ.
وَقَوْلُهُ: "تَمْشِي" حالٌ مِن "إحْداهُما"، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى اسْتِحْياءٍ ﴾ أيْ خَفِرَةً قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكم دِرْعِها، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: لَمْ تَكُنْ سَلْفَعًا مِنَ النِساءِ خَرّاجَةً ولاجَّةً.
واخْتَلَفَ الناسُ في الرَجُلِ الداعِي لِمُوسى، مَن هُوَ؟
فَقالَ الجُمْهُورُ: هو شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وهُما ابْنَتاهُ، وقالَ الحَسَنُ: هو ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ واسْمُهُ ثَرْوانُ، وقالَ ابْنُ أبِي عُبَيْدَةَ: يَثْرُونُ، وقِيلَ:هُوَ رَجُلٌ صالِحٌ لَيْسَ مِن شُعَيْبٍ بِنَسَبٍ، وقِيلَ: إنَّ المَرْأتَيْنِ إنَّما كانَ مُرْسِلُهُما عَمَّهُما، وهو كانَ صاحِبُ الغَنَمِ، وهو المُزَوِّجُ، ولَكِنْ عُبِّرَ عَنِ العَمِّ بِالأبِ في جَمِيعِ الأمْرِ إذْ هو بِمَثابَتِهِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَتْهُ بِالرِسالَةِ أجابَ، فَقامَ يَتْبَعُها إلى أبِيها، فَهَبَّتْ رِيحٌ ضَمَّتْ قَمِيصَها إلى بَدَنِها فَوَصَفَتْ عَجِيزَتَها، فَتَحَرَّجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ النَظَرِ إلَيْها، فَقالَ لَها: ارْجِعِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَرِيقَ، فَفَهِمَتْ عنهُ ذَلِكَ فَوَصَفَتْهُ بِالأمانَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
فَوَصْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى داعِيهِ، فَقَصَّ عَلَيْهِ أمْرَهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، فَآنَسُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ، وكانَتْ مَدَيَنُ خارِجَةً عن مَمْلَكَةِ فِرْعَوْنَ، فَلَمّا فَرَغَ كَلامُهُما قالَتِ الِابْنَةُ الَّتِي ذَهَبَتْ عنهُ: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ الآيَةُ، فَلَمّا وصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ قالَ لَها أبُوها: ومَن أيْنَ عَرَفْتِ هَذا مِنهُ؟
فَقالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَفي رَفْعِ الصَخْرَةِ، وأمّا أمانَتُهُ فَفي تَحَرُّجِهِ مِنَ النَظَرِ إلَيَّ وقْتَ هُبُوبِ الرِيحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم.
قالَ لَهُ الأبُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَزَوَّجَهُ الَّتِي دَعَتْهُ.
و"تَأْجُرُ" مَعْناهُ: تُثِيبُ، وقالَ مَكِّيٌّ: في هَذِهِ الآيَةِ خَصائِصُ في النِكاحِ، مِنها أنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ الزَوْجَةَ، ولا حَدَّ أوَّلَ الأمَدِ، وجَعْلَ المَهْرَ إجارَةً، ودَخَلَ ولَمْ يَنْقُدْ شَيْئًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أمّا التَعْيِينُ فَيُشْبِهُ أنَّهُ كانَ في ثانِي حالِ المُراوَضَةِ، وإنَّما عَرَضَ الأمْرَ مُجْمَلًا، وعَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ، وأمّا ذِكْرُ أوَّلِ المُدَّةِ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي إسْقاطَهُ، بَلْ هو مَسْكُوتٌ عنهُ؛ فَإمّا رَسَماهُ وإلّا فَهو مِن وقْتِ العَقْدِ، وأمّا النِكاحُ بِالإجارَةِ فَظاهِرٌ مِنَ الآيَةِ، وهَذا أمُرٌّ قَدْ قَرَّرَهُ شَرْعُنا، وجَرى بِهِ في حَدِيثِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلّا شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ، وبَعْضُهم إلى أنَّهُ مَنسُوخٌ، ولِمْ يُجَوِّزْ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ النِكاحَ بِالإجارَةِ، وجَوَّزَها ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، إذا كانَتِ الأُجْرَةُ تَصِلُ إلى الزَوْجَةِ.
قِيلَ: ومِن لَفْظِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ حَسُنَ في لَفْظِ العُقُودِ في النِكاحِ: "أنْكِحُهُ إيّاها" أكْثَرُ مِن "أنْكِحُها إيّاهُ" وهَذا مُعْتَرَضٌ.
وجَعَلَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ الثَمانِيَةَ الأعْوامِ شَرَطًا ووَكَلَ العامَيْنِ إلى المُرُوءَةِ.
<div class="verse-tafsir"
حذف ما لقيه موسى من شعيب من الجزاء بإضافته وإطعامه، وانتقل منه إلى عَرض إحدى المرأتين على أبيها أن يستأجره للعمل في ماشيته إذ لم يكن لهم ببيتهم رجل يقوم بذلك وقد كبر أبوهما فلما رأت أمانته وورعه رأت أنه خير من يستأجر للعمل عندهم لقوته على العمل وأمانته.
والتاء في ﴿ أبت ﴾ عوض عن ياء المتكلم في النداء خاصة وهي يجوز كسرها وبه قرأ الجمهور.
ويجوز فتحها وبه قرأ ابن عامر وأبو جعفر.
وجملة ﴿ إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ علة للإشارة عليه باستئجاره، أي لأن مثله من يستأجر.
وجاءت بكلمة جامعة مرسلة مثلاً لما فيها من العموم ومطابقة الحقيقة بدون تخلف، فالتعريف باللام في ﴿ القوي الأمين ﴾ للجنس مراد به العموم.
والخطاب في ﴿ من استأجرت ﴾ موجه إلى شعيب، وصالح لأن يعم كل من يصلح للخطاب لتتم صلاحية هذا الكلام لأن يرسل مثلاً.
فالتقدير: من استأجر المستأجر.
و ﴿ من ﴾ موصولة في معنى المعرف بلام الجنس إذ لا يراد بالصلة هنا وصف خاص بمعين.
وجعل ﴿ خير من استأجرت ﴾ مسنداً إليه بجعله اسماً لأن جعل ﴿ القوي الأمين ﴾ خبراً مع صحة جعل ﴿ القوي الأمين ﴾ هو المسند إليه فإنهما متساويان في المعرفة من حيث إن المراد بالتعريف في الموصول المضاف إليه ﴿ خير ﴾ ، وفي المعرّف باللام هنا العموم في كليهما، فأوثر بالتقديم في جزأي الجملة ما هو أهم وأولى بالعناية وهو خير أجير، لأن الجملة سيقت مساق التعليل لجملة ﴿ استأجره ﴾ فوصف الأجير أهم في مقام تعليلها ونفسُ السامع أشد ترقباً لحاله.
ومجيء هذا العموم عقب الحديث عن شخص معين يؤذن بأن المتحدث عنه ممن يشمله ذلك العموم فكان ذلك مصادفاً المحز من البلاغة إذ صار إثبات الأمانة والقوة لهذا المتحدث عنه إثباتاً للحكم بدليل.
فتقدير معنى الكلام: استأجره فهو قوي أمين وإن خير من استأجر مستأجر القوي الأمين.
فكانت الجملة مشتملة على خصوصية تقديم الأهم وعلى إيجاز الحذف وعلى المذهب الكلامي، وبذلك استوفت غاية مقتضى الحال فكانت بالغة حد الإعجاز.
وعن عمر بن الخطاب أنه قال «أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القوي».
يريد: أسأله أن يؤيدني بقوي أمين أستعين به.
والإشارة في قوله ﴿ هاتين ﴾ إلى المرأتين اللتين سقى لهما أن كانتا حاضرتين معاً دون غيرهما من بنات شعيب لتعلق القضية بشأنهما، أو تكون الإشارة إليهما لحضورهما في ذهن موسى باعتبار قرب عهده بالسقي لهما إن كانت الأخرى غائبة حينئذ.
وفيه جواز عرض الرجل مولاته على من يتزوجها رغبة في صلاحه.
وجعل لموسى اختيار إحداهما لأنه قد عرفها وكانت التي اختارها موسى (صفورة) وهي الصغرى كما جاء في رواية أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما اختارها دون أختها لأنها التي عرف أخلاقها باستحيائها وكلامها فكان ذلك ترجيحاً لها عنده.
وكان هذا التخيير قبل انعقاد النكاح، فليس فيه جهل المعقود عليها.
وقوله ﴿ على أن تأجرني ثماني حجج ﴾ حرف ﴿ على ﴾ من صيغ الشرط في العقود.
و ﴿ تأجرني ﴾ مضارع آجره مثل نصره إذا كان أجيراً له.
والحجج: اسم جمع حجة بكسر الحاء وهي السنة، مشتقة من اسم الحج لأن الحج يقع كل سنة وموسم الحج يقع في آخر شهر من السنة العربية.
والتزام جعل تزويجه مشروطاً بعقد الإجارة بينهما عرض منه على موسى وليس بعقد نكاح ولا إجارة حتى يرضى موسى.
وفي هذا العرض دليل لمسألة جمع عقد النكاح مع عقد الإجارة.
والمسألة أصلها من السنة حديث المرأة التي عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتزوجها وزوّجها من رجل كان حاضراً مجلسه ولم يكن عنده ما يصدقها فزوجه إياها بما معه من القرآن، أي على أن يعلمها إياه.
والمشهور من مذهب مالك أن الشرط المقارن لعقد النكاح إن كان مما ينافي عقد النكاح فهو باطل ويفسخ النكاح قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل.
وأما غير المنافي لعقد النكاح فلا يفسخ النكاح لأجله ولكن يلغى الشرط.
وعن مالك أيضاً: تكره الشروط كلها ابتداء فإن وقع مضى.
وقال أشهب وأصبغ: الشرط جائز واختاره أبو بكر بن العربي وهو الحق للآية، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم «أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم عليه الفروج» وظاهر الآية أيضاً أن الإجارة المذكورة جعلت مهراً للبنت.
ويحتمل أن المشروط التزام الإجارة لا غير، وأما المهر فتابع لما يعتبر في شرعهم ركناً في النكاح، والشرائع قد تختلف في معاني الماهيات الشرعية.
وإذا أخذنا بظاهر الآية كانت دالة على أنهما جعلا المهر منافع إجارة الزوج لشعيب فيحتمل أن يكون ذلك برضاها لأنها سمعت وسكتت بناء على عوائد مرعية عندهم بأن ينتفع بتلك المنافع أبوها.
ويحتمل أن يكون لولي المرأة بالأصالة إن كان هو المستحق للمهر في تلك الشريعة، فإن عوائد الأمم مختلفة في تزويج ولاياهم.
وإذ قد كان في الآية إجمال لم تكن كافية في الاحتجاج على جواز جعل مهر المرأة منافع من إجارة زوجها فيرجع النظر في صحة جعل المهر إجارة إلى التخريج على قواعد الشريعة والدخول تحت عموم معنى المهر، فإن منافع الإجارة ذات قيمة فلا مانع من أن تجعل مهراً.
والتحقيق من مذهب مالك أنه مكروه ويمضي.
وأجازه الشافعي وعبد الملك بن حبيب من المالكية.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز جعل المهر منافع حر ويجوز كونه منافع عبد.
ولم ير في الآية دليلاً لأنها تحتمل عنده أن يكون النكاح مستوفياً شروطه فوقع الإجمال فيها.
ووافقه ابن القاسم من أصحاب مالك.
وإذ قد كان حكم شرع من قبلنا مختلفاً في جعله شرعاً لنا كان حجة مختلفاً فيها بين علماء أصول الفقه فزادها ضعفاً في هذه الآية الإجمال الذي تطرقها فوجب الرجوع إلى أدلة أخرى من شريعة الإسلام.
ودليل الجواز داخل تحت عموم معنى المهر.
فإن كانت المنافع المجعولة مهراً حاصلة قبل البناء فالأمر ظاهر، وإن كان بعضها أو جميعها لا يتحقق إلا بعد البناء كما في هذه الآية رجعت المسألة إلى النكاح بمهر مؤجل وهو مكروه غير باطل.
وإلى الإجارة بعوض غير قابل للتبعيض بتبعيض العمل فإذا لم يتم الأجير العمل في هذه رجعت إلى مسألة عجز العامل عن العمل بعد أن قبض الأجر.
وقد ورد في الصحيح وفي حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم فظهر عليه أنه لم يقبلها وأن رجلاً من أصحابه قال له: إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها.
قال: هل عندك ما تصدقها؟
إلى أن قال له صلى الله عليه وسلم «التمس ولو خاتماً من حديد» قال: ما عندي ولا خاتم من حديد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما معك من القرآن؟
قال: معى سورة كذا وسورة كذا لسور سماها.
قال له: قد ملكتكها بما معك من القرآن.
وفي رواية أن النبي أمره أن يعلمها عشرين آية مما معه من القرآن وتكون امرأته.
فإن صحت هذه الزيادة كان الحديث جارياً على وفق ما في هذه الآية وكان حجة لصحة جعل الصداق إجارة على عمل، وإن لم تصح كما هو المشهور في كتب الصحيح فالقصة خصوصية يقتصر على موردها.
ولم يقع التعرض في الآية للعمل المستأجر عليه.
وورد في سفر الخروج أنه رعى غنم يثرون (وهو شعيب)، ولا غرض للقرآن في بيان ذلك.
ولم يقع التعرض إلى الأجر وقد علمت أن الظاهر أنه إنكاحه البنت فإذا لم نأخذ بهذا الظاهر كانت الآية غير متعرضة للأجر إذ لا غرض فيه من سوق القصة فيكون جارياً على ما هو متعارف عندهم في أجور الأعمال وكانت للقبائل عوائد في ذلك.
وقد أدركت منذ أول هذا القرن الرابع عشر أن راعي الغنم له في كل عام قميص وحذاء يسمى (بلغة) ونحو ذلك لا أضبطه الآن.
وقوله ﴿ فإن أتممت عشراً فمن عندك ﴾ جعل ذلك إلى موسى تفضلا منه أن اختاره ووكله إلى ما تكون عليه حاله في منتهى الحجج الثمان من رغبة في الزيادة.
و (من) ابتدائية.
و(عند) مستعملة في الذات والنفس مجازاً، والمجرور خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فإتمام العشر من نفسك، أي لا مني، يعني: أن الإتمام ليس داخلاً في العقدة التي هي من الجانبين فكان مفهوم الظرف معتبراً هنا.
واحتج مالك بقوله ﴿ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ﴾ على أن للأب إنكاح ابنته البكر بدون إذنها وهو أخذ بظاهرها إذ لم يتعرض لاستئذانها.
ولمن يمنع ذلك أن يقول: إن عدم التعرض له لا يقتضي عدم وقوعه.
وقوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ يريد الصالحين بالناس في حسن المعاملة ولين الجانب.
قصد بذلك تعريف خلقه لصاحبه، وليس هذا من تزكية النفس المنهي عنه لأن المنهي عنه ما قصد به قائله الفخر والتمدح، فأما ما كان لغرض في الدين أو المعاملة فذلك حاصل لداع حسن كما قال يوسف ﴿ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ﴾ [يوسف: 55].
و ﴿ أشق عليك ﴾ معناه: أكون شاقاً عليك، أي مكلفك مشقة، والمشقة: العسر والتعب والصعوبة في العمل.
والأصل أن يوصف بالشاق العمل المتعب فإسناد ﴿ أشق ﴾ إلى ذاته إسناد مجازي لأنه سبب المشقة، أي ما أريد أن أشترط عليك ما فيه مشقتك.
وهذا من السماحة الوارد فيها حديث: «رحم الله امرأ سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى» وجملة ﴿ قال ذلك بيني وبينك ﴾ حكاية لجواب موسى عن كلام شعيب.
واسم الإشارة إلى المذكور وهو ﴿ أن تأجرني ثماني حجج ﴾ إلى آخره.
وهذا قبول موسى لما أوجبه شعيب وبه تم التعاقد على النكاح وعلى الإجارة، أي الأمر على ما شرطت علي وعليك.
وأطلق ﴿ بيني وبينك ﴾ مجازاً في معنى الثبوت واللزوم والارتباط، أي كل فيما هو من عمله.
و ﴿ أيما ﴾ منصوب ب ﴿ قضيت ﴾ .
و(أي) اسم موصول مبهم مثل (ما).
وزيدت بعدها (ما) للتأكيد ليصير الموصول شبيهاً بأسماء الشرط لأن تأكيد ما في اسم الموصول من الإبهام يكسبه عموماً فيشبه الشرط فلذلك جعل له جواب كجواب الشرط.
والجملة كلها بدل اشتمال من جملة ﴿ ذلك بيني وبينك ﴾ لأن التخيير في منتهى الأجل مما اشتمل عليه التعاقد المفاد بجملة ﴿ ذلك بيني وبينك ﴾ .
والعدوان بضم العين: الاعتداء على الحق، أي فلا تعتدي علي.
فنفى جنس العدوان الذي منه عدوان مستأجره.
واستشهد موسى على نفسه وعلى شعيب بشهادة الله.
وأصل الوكيل: الذي وكل إليه الأمر، وأراد هنا أنه وكل على الوفاء بما تعاقدا عليه حتى إذا أخل أحدهما بشيء كان الله مؤاخذه.
ولما ضمن الوكيل معنى الشاهد عدي بحرف ﴿ على ﴾ وكان حقه أن يعدى ب (إلى).
والعبرة من سياقة هذا الجزء من القصة المفتتح بقوله تعالى ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ [القصص: 22] إلى قوله ﴿ والله على ما نقول وكيل ﴾ [القصص: 28] هو ما تضمنته من فضائل الأعمال ومناقب أهل الكمال وكيف هيأ الله تعالى موسى لتلقي الرسالة بأن قلّبه في أطوار الفضائل، وأعظمها معاشرة رسول من رسل الله ومصاهرته، وما تتضمنه من خصال المروءة والفتوة التي استكنت في نفسه من فعل المعروف، وإغاثة الملهوف، والرأفة بالضعيف، والزهد، والقناعة، وشكر ربه على ما أسدى إليه، ومن العفاف والرغبة في عشرة الصالحين، والعمل لهم، والوفاء بالعقد، والثبات على العهد حتى كان خاتمة ذلك تشريفه بالرسالة وما تضمنته من خصال النبوءة التي أبداها شعيب من حب القرى، وتأمين الخائف، والرفق في المعاملة، ليعتبر المشركون بذلك إن كان لهم اعتبار في مقايسة تلك الأحوال بأجناسها من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فيهتدوا إلى أن ما عرفوه به من زكي الخصال قبل رسالته وتقويم سيرته، وزكاء سريرته، وإعانته على نوائب الحق، وتزوجه بأفضل امرأة من نساء قومه، إن هي إلا خصال فاذة فيه بين قومه وإن هي إلا بوارق لانهطال سحاب الوحي عليه.
والله أعلم حيث يجعل رسالاته وليأتسي المسلمون بالأسوة الحسنة من أخلاق أهل النبوءة والصلاح.
﴿ نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قضى مُوسَى الاجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً قَالَ لاَِهْلِهِ امكثوا ﴾ .
لم يذكر القرآن أي الأجلين قضى موسى إذ لا يتعلق بتعيينه غرض في سياق القصة.
وعن ابن عباس «قضى أوفاهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل» أي أن رسول الله المستقبل لا يصدر من مثله إلا الوفاء التام، وورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث ضعيفة الأسانيد أنه سئل عن ذلك فأجاب بمثل ما قال ابن عباس.
والأهل من إطلاقه الزوجة كما في الحديث: " والله ما علمت على أهلي إلا خيراً " وفي سفر الخروج: أنه استأذن صهره في الذهاب إلى مصر لافتقاد أخته وآله.
وبقية القصة تقدمت في سورة [النمل: 7] إلا زيادة قوله: ﴿ آنس من جانب الطور ناراً ﴾ وذلك مساوٍ لقوله هنا (إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً.
والجذوة مثلث الجيم، وقرئ بالوجوه الثلاثة، فالجمهور بكسر الجيم، وعاصم بفتح الجيم وحمزة وخلف بضمها، وهي العود الغليظ.
قيل مطلقاً وقيل المشتعل وهو الذي في «القاموس».
فإن كان الأول فوصف الجذوة بأنها من النار وصف مخصص، وإن كان الثاني فهو وصف كاشف، و ﴿ من ﴾ على الأول بيانية وعلى الثاني تبعيضية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاسْتَبْكَرَ أبُوهُما سُرْعَةَ صُدُورِهِما بِغَنَمِهِما حُفَّلًا بِطانًا فَقالَ لَهُما: إنَّ لَكُما اليَوْمَ لَشَأْنًا فَأخْبَرَتاهُ بِما صَنَعَمُوسى فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ فَجاءَتْهُ تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِتارُها بِكُمِّ دِرْعِها، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ بُعْدُها مِنَ النِّداءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي سَبَبِ اسْتِحْيائِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها دَعَتْهُ لِتُكافِئَهُ وكانَ الأجْمَلُ مُكافَأتَهُ مِن غَيْرِ عَناءٍ.
الثّانِي: لِأنَّها كانَتْ رَسُولَةَ أبِيها.
الثّالِثُ: ما قالَهُ عُمَرُ لِأنَّها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً.
﴿ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ ﴾ وفي أبِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَثْرَوُنُ ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والكَلْبِيُّ.
وَكانَ اسْمُ الَّتِي دَعَتْ مُوسى وتَزَوَّجَها: صُفُورْيا.
واسْمُ الأُخْرى فِيهِ قَوْلانِ: إحْداهُما: لَيّا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: شَرَفًا، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ﴾ أيْ لِيُكافِئَكَ عَلى ما سَقَيْتَ لَنا، فَمَشَتْ أمامَهُ فَوَصَفَ الرِّيحُ عَجِيزَتَها فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ إنْ أخْطَأْتُ.
﴿ فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ ﴾ أيْ أخْبَرَهُ بِخَبَرِهِ مَعَ آلِ فِرْعَوْنَ.
﴿ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عَلَيَّ سُلْطانٌ ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ والقائِلَةُ هي الَّتِي دَعَتْهُ وهي الصُّغْرى يَعْنِي اسْتَأْجَرَهُ لِرَعْيِ الغَنَمِ.
﴿ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القَوِيُّ فِيما ولِيَ، الأمِينُ فِيما اسْتُودِعَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: القَوِيُّ في بَدَنِهِ، الأمِينُ في عَفافِهِ.
وَرُوِيَ أنَّ أباها لَمّا قالَتْ لَهُ ذَلِكَ دَخَلَتْهُ الغَيْرَةُ فَقالَ لَها: وما عِلْمُكِ بِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ؟
قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَأنَّهُ كَشَفَ الصَّخْرَةَ الَّتِي عَلى بِئْرِ آلِ فُلانٍ ولا يَكْشِفُها دُونَ عَشْرَةٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَإنَّهُ خَلَّفَنِي خَلْفَ ظَهْرِهِ حِينَ مَشى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ﴾ فَرَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أنَّ مُوسى قالَ: فَأيُّهُما تُرِيدُ أنْ تَنْكِحُنِي؟
قالَ: الَّتِي دَعَتْكَ، قالَ: لا إلّا أنْ تَكُونَ تُرِيدُ ما دَخَلَ في نَفْسِكَ عَلَيْها فَقالَ: هي عِنْدِي كَذَلِكَ فَزَوْجُهُ وكانَتِ الصَّغِيرَةُ واسْمُها صَفُّورِيّا.
﴿ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ﴾ يَعْنِي عَمَلَ ثَمانِي حِجَجٍ فَأسْقَطَ ذِكْرَ العَمَلِ واقْتَصَرَ عَلى المُدَّةِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنها، والعَمَلُ رَعْيُ الغَنَمِ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الثَّمانِي حِجَجٍ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها صَداقُ المَنكُوحَةِ.
الثّانِي: أنَّها شَرْطُ الأبِ في إنْكاحِها إيّاهُ ولَيْسَ بِصَداقٍ.
﴿ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ كانَتْ عَلى نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى ثَمانِي حِجَجٍ واجِبَةٍ وكانَتْ سَنَتانِ عِدَّةً مِنهُ فَقَضى اللَّهُ عَنْهُ عِدَّتَهُ فَأتَمَّها عَشْرًا.
﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ الصّالِحِينَ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ.
قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: فِيما وعَدَهُ بِهِ.
حَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّهُ جَعَلَ لِمُوسى كُلَّ سَخْلَةٍ تُوضَعُ عَلى خِلافِ شِبْهِ أُمِّها فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ في الماءِ فَوَلَدَتْ كُلُّهُنَّ خِلافَ شَبَهِهِنَّ.
وَقالَ غَيْرُ يَحْيى: بَلْ جُعِلَ لَهُ كُلُّ بَلْقاءٍ فَوَلَدْنَ كُلُّهُنَّ بَلَقًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: لا سَبِيلَ عَلَيَّ.
﴿ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَوْلُ السُّدِّيِّ: شَهِيدٌ.
الثّانِي: حَفِيظٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: رَقِيبٌ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
فَرُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (إنَّ مُوسى أجَّرَ نَفْسَهُ بِعِفَّةِ فَرْجِهِ وطُعْمَةِ بَطْنِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى؟
فَقالَ أبَرُّهُما وأوْفاهُما)» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج موسى عليه السلام خائفاً جائعاً ليس معه زاد حتى انتهى إلى ماء مدين وعليه أمة من الناس يسقون، وامرأتان جالستان بشياههما، فسألهما ما خطبكما؟
﴿ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ﴾ قال: فهل قربكما ماء قالتا: لا...
إلا بئر عليها صخرة قد غطيت بها لا يطيقها نفر قال: فانطلقا فأريانيها.
فانطلقتا معه فقلب بالصخرة بيده، فنحاها ثم استقى لهما سجلاً واحداً فسقى الغنم، ثم أعاد الصخرة إلى مكانها، ثم تولى إلى الظل فقال: ﴿ رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير ﴾ فسمعتا ما قال، فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما، فسألهما فاخبرتاه فقال لإِحداهما: انطلقي فادعيه فأتته فقالت: ﴿ إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ فمشت بين يديه فقال لها: امشي خلفي، فإني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحل لي أن أنظر منك ما حرم الله علي، وارشديني الطريق.
﴿ فلما جاءه وقص عليه القصص...، قالت إحداهما: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ قال لها أبوها: ما رأيت من قوّته وأمانته؟
فأخبرته بالأمر الذي كان قالت: أما قوّته فإنه قلب الحجر وحده، وكان لا يقلبه إلا النفر.
وأما أمانته فإنه قال: امشي خلفي وارشديني الطريق، لأني امرؤ من عنصر إبراهيم عليه السلام، لا يحل لي منك ما حرمه الله تعالى.
قيل لابن عباس رضي الله عنهما.
أي الأجلين قضى موسى عليه السلام؟
قال: أبرهما وأوفاهما.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين ﴿ قال ما خطبكما ﴾ فحدثتاه.
فأتى الصخرة فرفعها وحده ثم استسقى، فلم يستق إلا دلواً واحداً حتى رويت الغنم.
فرجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه، وتولى موسى عليه السلام إلى الظل ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ قال: ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ واضعة ثوبها على وجهه ليست بسلفع من الناس خراجة ولاجة ﴿ قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ فقام معها موسى عليه السلام فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف جسدك.
فلما انتهى إلى أبيها قص عليه فقالت احداهما ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين ﴾ قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟
قالت: أما قوّته: فرفعه الحجر ولا يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته، فقال: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك.
فزاده ذلك رغبة فيه فقال: ﴿ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ﴾ إلى قوله: ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت قال موسى عليه السلام ﴿ ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي ﴾ قال: نعم.
﴿ قال الله على ما نقول وكيل ﴾ فزوّجه وأقام معه يكفيه، ويعمل له في رعاية غنمه وما يحتاج إليه، وزوّجه صفورا، وأختها شرفا، وهما التي كانتا تذودان.
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ قال: ورد الماء حيث ورد وأنه لتتراءى خضرة البقل من بطنه من الهزال.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج موسى عليه السلام من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثمان ليال، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، وخرج إليها حافياً فما وصل حتى وقع خف قدمه.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ قال: كان مسيره خمسة وثلاثين يوماً.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أمة من الناس يسقون ﴾ قال: أناساً.
وفي قوله: ﴿ إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير ﴾ قال: من طعام.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ووجد من دونهم امرأتين ﴾ قال: أسماؤهما: ليا، وصفورا، ولهما أربع أخوات صغار يسقين الغنم في الصحاف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ تذودان ﴾ قال: تحبسان.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ تذودان ﴾ قال: تحبسان غنمهما حتى يفرغ الناس وتخلو لهما البئر.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء ﴾ قال: تنتظران أن تسقيا من فضول ما في حياضهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ حتى يصدر الرعاء ﴾ برفع الياء وكسر الراء في الرعاء.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لقد قال موسى عليه السلام ﴿ رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ وهو أكرم خلقه عليه ولقد افتقر إلى شق تمرة، ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير ﴾ قال: سأل فلقاً من الخبز يشد بها صلبه من الجوع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما هرب موسى عليه السلام من فرعون أصابه جوع، كانت ترى أمعاؤه من ظاهر الثياب ﴿ قال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما سقى موسى للجاريتين ﴿ ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ قال: إنه يومئذ فقير إلى كف من تمر» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ قال: شبعه يومئذ.
وأخرج الفريابي وأحمد عن مجاهد قال: ما سأل إلا طعاماً يأكله.
وأخرج الفريابي وأحمد عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه ﴿ إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ قال: ما كان معه رغيف ولا درهم.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: ﴿ تمشي على استحياء ﴾ قال: جاءت مستترة بكم درعها على وجهها.
وأخرجه ابن المنذر عن ابن أبي الهذيل موقوفاً عليه.
وأخرج أحمد عن مطرف بن الشخير رضي الله عنه قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما تبع مذقتها، ولكن حمله على ذلك الجهد.
وأخرج ابن عساكر عن أبي حازم قال: لما دخل موسى عليه السلام على شعيب عليه السلام إذا هو بالعشاء فقال له شعيب عليه السلام: كل.
قال موسى عليه السلام: أعوذ بالله!
قال ولم...؟!
ألست بجائع؟
قال: بلى.
ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبتغي شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً قال: لا والله...
ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام.
فجلس موسى عليه السلام فأكل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس رضي الله عنه أنه بلغه: أن شعيباً عليه السلام هو الذي قص على موسى القصص.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: يقول ناس: أنه شعيب.
وليس بشعيب ولكن سيد الماء يومئذ.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال: كان صاحب موسى عليه السلام أثرون ابن أخي شعيب عليه السلام.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان اسم ختن موسى يثربي.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذي استأجر موسى عليه السلام يثرب صاحب مدين.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يكره الكنية بأبي مرة، وكانت كنية فرعون، وكانت صاحبة موسى صفيرا بنت يثرون.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ القوي ﴾ قال: قوته فتح لهما عن بئر حجراً على فيها فسقى لهما ﴿ الأمين ﴾ قال: غض بصره عنهما حين سقى لهما.
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: لما قالت صاحبة موسى ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ قال: غض بصره عنهما حين سقى لهما.
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: لما قالت صاحبة موسى ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ قال: وما رأيت من قوته.
قالت: جاء إلى البئر وعليه صخرة لا يقلها كذا وكذا فرفعها قال: وما رأيت من أمانته؟
قالت: كنت أمشي أمامه فجعلني خلفه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ﴾ قال: بلغني أنه نكح الكبيرة التي دعته واسمها صفورا، وأبوها ابن أخي شعيب، واسمه رعاويل.
وقد أخبرني من أصدق: أن إسمه في الكتاب يثرون كاهن مدين.
والكاهن حبر.
وأخرج ابن المنذر عن نوف الشامي قال: ولدت المرأة لموسى عليه السلام غلاماً، فسماه جرثمة.
وأخرج ابن ماجة والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عقبة بن المنذر السلمي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ﴿ طس ﴾ حتى بلغ قصة موسى عليه السلام قال: «إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشراً على عفة فرجه، وطعام بطنه، فلما وفى الأجل قيل: يا رسول الله أي الأجلين قضى موسى؟
قال: أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه قالب لون من ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء، فانطلق موسى إلى عصاه فسماها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بازاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال: فأنمت وأثلثت ووضعت كلها قوالب الوان.
إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا غزور، ولا ثفول، ولا كمشة تفوت الكف.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم.
وهي السامرية» قال ابن لهيعة: الفشوش: التي تفش بلبنها واسعة الشخب، والضبوب: الطويلة الضرع مجترة، والغزور: الضيقة الشخب، والثفول: التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين، والكمشة: الصغيرة الضرع لا يدركه الكف.
وأخرج ابن جرير عن أنس رضي الله عنه قال: لما دعا موسى عليه السلام صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبه: كل شاة ولدت على لونها فلك لونها.
فعمد فرفع خيالاً على الماء، فلما رأيت الخيال فزعت، فجالت جولة فولدت كلهن بلقاء، إلا شاة واحدة.
فذهب بألوانهن ذلك العام.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل أي الأجلين قضى موسى؟
فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما.
أن رسول الله إذا قال فعل.
وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل أي الأجلين قضى موسى؟
قال: أتمهما وأكملهما.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يوسف بن سرح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى؟
فسأل جبريل فقال: لا علم لي.
فسأل جبريل ملكاً فوقه فقال: لا علم لي.
فسأل ذلك الملك ربه فقال الرب عز وجل أبرهما وأتقاهما وأزكاهما» .
وأخرج ابن مردويه من طريق علي بن عاصم عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أن رجلاً سأله أي الأجلين قضى موسى؟
فقال: لا أدري حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فسأل ميكائيل فقال: لا أدري حتى أسأل الرفيع، فسأل الرفيع فقال: لا أدري حتى أسأل اسرافيل، فسأل إسرافيل فقال: لا أدري حتى أسأل ذا العزة، فنادى إسرافيل بصوته الأشد: يا ذا العزة أي الأجلين قضى موسى؟
قال: أتم الأجلين وأطيبهما عشر سنين» قال علي بن عاصم: فكان أبو هرون إذا حدث بهذا الحديث يقول: حدثني أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل، عن ميكائيل، عن الرفيع، عن إسرافيل، عن ذي العزة تبارك وتعالى «أن موسى قضى أتم الأجلين وأطيبه، عشر سنين» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه «قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟
قال: أوفاهما» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل: يا محمد إن سألك اليهود أي الأجلين قضى موسى؟
فقل أوفاهما، وإن سألوك أيهما تزوج؟
فقال الصغرى منهما» .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟
فقل خيرهما وأبرهما، وإذا سئلت أي المرأتين تزوج؟
فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ فقال: ما رأيت من قوته؟
قالت: أخذ حجراً ثقيلاً فألقاه على البئر قال: وما الذي رأيت من أمانته؟
قالت: قال لي امشي خلفي ولا تمشي امامي» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟
قال: أبعدهما وأطيبهما» .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي ذر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟
قال: أبرهما وأوفاهما.
قال: وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟
فقل الصغرى منهما» .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟
قال: سوف أسأل جبريل، فسأل قال: سوف أسأل ميكائيل، فسأله قال: سوف أسأل إسرافيل، فسأله فقال: سوف أسأل الرب، فسأله فقال: أبرهما وأوفاهما» .
وأخرج ابن مردويه عن مقسم قال: لقيت الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقلت له: أي الأجلين قضى موسى.
الأول أو الآخر؟
قال: الآخر.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والله على ما نقول وكيل ﴾ قال: على قول موسى وختنه.
<div class="verse-tafsir"
فصدرتا وقد عرفتا قوته وأمانته، فلما ذكرت المرأة من حاله بما ذكرت زاده ذلك رغبة فيه فقال: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾ أي: أزوجكها ﴿ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ أي: تكون أجيرًا لي ثماني سنين (١) وقال الفراء: يقول أن تجعل ثوابي أن ترعى عليَّ غنمي {ثَمَانِيَ حِجَجٍ} (٢) (٣) وقال مقاتل: على أن تأجرني نفسك ﴿ ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ (٤) قال الأخفش: وهي لغة للعرب؛ منهم من يقول: أجَّرت (٥) (٦) وقال المبرد: ويقال: أجرت داري ومملوكي، غير ممدود، وآجرت ممدود (٧) (٨) ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ﴾ أي ذلك تفضل منك ليس بواجب عليك (٩) ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ في العشر [[و (١٠) ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ قال مقاتل: من الرافقين بك (¬10).
وعن عمر، أي: في حسن الصحبة، والوفاء بما قلت (¬11).
(١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 141.
(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 305.
(٣) "غريب القرآن" لابن قتيبة 332.
(٤) "تفسير مقاتل" 65 أ.
(٥) هكذا في النسخ الثلاث: أجرت.
وعند الأخفش: أجر.
(٦) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 652.
(٧) قوله: وآجرت ممدود.
ساقط من نسخة (ج).
وذكر قول المبردِ الشوكانيُّ 4/ 163.
(٨) ذكر نحوه الأزهري 11/ 180، عن أبي زيد، ولم يذكر قود المبرد.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 141.
(١٠) أخرجه الحاكم 2/ 442، رقم: 3530.
وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه، == ووافقه الذهبي.
وأخرجه ابن جرير 20/ 65، وابن أبي حاتم 9/ 2969، عن ابن إسحاق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي ﴾ زوجته التي دعته، واختلف هل زوّجه الكبرى أو الصغرى، واسم التي زوجه صفور، وقيل: صفوريا، ومن لفظ شعيب حَسُنَ أن يقال في عقود الأنكحة، أنكحه إياها أكثر من أن يقال أنكحها إياه ﴿ على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ أيّ أزوجك بِنتي على أن تخدمني ثمانية أعوام، قال مكي: في هذه الآية خصائص في النكاح، منها أنه لم يعين الزوجة، ولا حدّ أول الأمد، وجعل المهر إجارة، قلت: فأما التعيين فيحتمل أن يكون عند عقد النكاح بعد هذه المراودة، وقد قال الزمخشري: إن كلامه معه لم يمكن عقد نكاح، وإنما كان مواعدة وأما ذكر أول الأمد، فالظاهر أنه من حيث العقد، وأما النكاح بالإجازة فظاهر من الآية، وقد قرر شرعنا حسبما ورد في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم للرجل: «قد زوجكتها على ما معك من القرآن» ؛ أي على أن تعلمها ما عندك من القرآن، وقد أجاز النكاح بالإجازة الشافعي وابن حنبل وأبو حنيفة للآية والحديث، ومنعه مالك ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ جعل الأعوام الثمانية شرطاً، ووكل العامين إلى مروءة موسى، فوفى له العشر، وقيل: وفي العشرة وعشراً بعدها، وهذا ضعيف لقوله.
﴿ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل ﴾ أي الأجل المذكور ﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ﴾ الأهل هنا الزوجة مشى بها إلى مصر ﴿ جَذْوَةٍ ﴾ أي قطعة، ويجوز كسر الجيم وضمها، وقد ذكر آنس، والطور، وتصطلون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربي أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ يصدر ﴾ بفتح الياء وضم الدال: ابن عامر ويزيد وأبو عمرو وأبو أيوب.
الآخرون بضم الياء وكسر الدال ﴿ إني أريد ﴾ ﴿ سَتَجِدُنِي إِن ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ و ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح ياء المتكلم في الكل: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو و ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح الياء: هم وابن عامر ﴿ جذوة ﴾ بفتح الجيم: عاصم وبضمها حمزة وخلف.
الباقون بكسرها.
﴿ من الرهب ﴾ بفتح الراء وسكون الهاء: حفص، وبفتحهما أبو عمرو وسهل ويعقوب وابو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون بضم الراء وسكون الهاء ﴿ فذاناك ﴾ بتشديد النون: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ معي ﴾ بالفتح: حفص ﴿ ردا ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون بضم الراء وهمزة في الوقف ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع: حمزة وعاصم ﴿ يكذبون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو: ابن كثير ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ من يكون ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ لا يرجعون ﴾ بفتح الياء وكسر الجيم: نافع ويعقوب وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ يسقون ﴾ ه لأنه رأس آية عند الأكثرين مع عطف المتفقتين ﴿ تذودان ﴾ ج لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد الفاعل ﴿ خطبكما ﴾ ط ﴿ الرعاء ﴾ ز لأن ما بعده منقطع لفظاً ومعنى كأنه قال: فلم خرجتما فقالتا تعريضاً بالاستقامة وأبونا شيخ ﴿ كبير ﴾ ط ﴿ فقير ﴾ ه ﴿ على استحياء ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القائل، ومن وقف على ﴿ تمشي ﴾ ويجعل على استحياء حالاً مقدماً اي قالت مستحيية فلا وجه له في الوقف ﴿ لنا ﴾ ط لأن جواب "لما" منتظر وقبله حذف أي فذهب معها فلما جاءه فكأن الفاء لاستئناف القصص لأن قال جواب "لما".
﴿ لا تخف ﴾ ز لأن قوله ﴿ نجوت ﴾ غير متصل به نظماً وليفصل بين البشارتين أي لا تخف ضيماً وقد نجوت من ظلم فرعون ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ استأجره ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ الأمين ﴾ 5 ﴿ حجج ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ عندك ﴾ ج لابتداء النفي مع الواو ﴿ عليك ﴾ ج ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وبينك ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ عليّ ﴾ ط ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد القائل ﴿ تصطلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا ﴿ عصاك ﴾ ط لحق الحذف أي فألقاها فحييت فلما رآها ﴿ ولم يعقب ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ج لمثل ما مر أي لا تخف باس العصا إنك أمنت بها بأس فرعون ﴿ الآمنين ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع طول الكلام ه ﴿ وملئه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ يصدقني ﴾ ز للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وعلى ﴿ إليكما ﴾ أوجه أي أنتم الغالبون بآياتنا ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ 5 ﴿ غيري ﴾ ج لتنويع الكلام ﴿ إلى إله موسى ﴾ لا لأن ما بعده مقوله ايضاً ﴿ الكاذبين ﴾ ه لا ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في اليم ﴾ ج للابتداء بأمر الاعتبار واختلاف الجملتين مع فاء التعقيب ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلى النار ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ لعنة ﴾ ط لمثل ذلك ﴿ المقبوحين ﴾ ه.
التفسير: ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله وأخذ يمشي من غير معرفة طريق فأوصله الله إلى مدين.
وقد يؤيد هذا التفسير ما روي عن ابن عباس أنه خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، ويحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس أنه لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينه وبينهم قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله .
أما أنه قصد مدين فلقوله ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ اي قصد نحو هذه القرية ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمان.
وأما أنه اعتمد على فضل الله فلقوله.
﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ أي وسطه وجادّته نظيره قول جده إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ وكذا الخلف الصدق يقتدي بالسلف الصالح فيهتدي.
قال السدي: لما أخذ في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين.
عن ابن جريج أنه خرج بغير زاد ولا ظهر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.
﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ وكان بئراً فيما روي وورود الماء مجيئه والوصول إليه ضدّ الصدور.
﴿ وجد عليه ﴾ اي على شفيره ومستقاه ﴿ أمة من الناس ﴾ جماعة كثيرة العدد أصنافاً ﴿ يسقون ﴾ مواشيهم ﴿ ووجد من دونهم ﴾ اي في مكان اسفل من مكانهم ﴿ امرأتين تذودان ﴾ أي تدفعان وتطردان أغنامهما لأن على الماء من هو أقوى منهما فلم يتمكنا من السقي، وكانتا تكرهان المزاحمة على الماء واختلاط أغنامهما بأغنامهم أو اختلاطهما بالرجال.
وقيل: تذودان الناس عن غنمهما.
وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر.
وبالجملة حذف مفعول ﴿ تذودان ﴾ لأن الغرض تقرير الذود لا المذود.
وكذا في ﴿ يسقون ﴾ و ﴿ لا نسقي ﴾ المقصود هو ذكر السقي لا المسقي، وكذا في قراءة من قرأ ﴿ حتى يصدر ﴾ من لاإصدار أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم الغرض بيان الإصدار.
﴿ قال ما خطبكما ﴾ هو مصدر بمعنى المفعول أي ما مخطو بكما من الذياد ﴿ قالتا لا نسقي ﴾ الآية.
سألهما عن سبب الذود فذكرتا أنا ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وما لنا رجل يقوم بذلك.
﴿ وابونا شيخ ﴾ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به، وهذه الضرورة هي التي سوغت لنبي الله شعيب أن رضي لابنتيه بسقي الماشية على أن الأمر في نفسه ليس بمحظور، ولعل العرب وخصوصاً أهل البدو منهم لا يعدّونه قادحاً للمروءة.
وزعم بعضهم أن أباهما هو ثيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد ينميه إلى ابن عباس.
وعن الحسن أنه رجل مسلم قبل الدين من شعيب.
أما قوله ﴿ فسقى لهما ﴾ فمعناه فسقى غنمهما لأجلهما وفيه قولان: أحدهما أنه سأل القوم فسمحوا وكان لهم دلو يجتمع عليها أربعون رجلاً فيخرجونها من البئر فاستقى موسى بها وحده وصب الماء في الحوض ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما.
والثاني أنه عمد إلى البئر وعليها صخرة لا يقلها إلا سبعة رجال أو عشرة أو أربعون أو مائة -أقوال- فأقلها وحده وسقى أغنامهما، كل ذلك في شمس وحر.
﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ ظل شجرة ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ ذهب أكثر المفسرين الظاهريين ومنهم ابن عباس إلى أنه طلب من الله طعاماً يأكله.
وعدي ﴿ فقير ﴾ باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.
وعن الضحاك أنه مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض وإن خضرته تتراءى في بطنه من الهزال، وقيه دليل على أنه نزع الدلو وأقل الصخرة بقوة ربانية.
وقال بعض أهل التحقيق: أراد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين، وذلك أنه كان عند فرعون في ملك وثروة فأظهر الرضا بهذا الذل شكراً لله.
يروى أنهما لما رجعتا إلى ابيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟
قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا.
فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي وذلك قوله ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ قيل: من جملة حيائها أنها قد استترت بكم درعها ثم ﴿ قالت إن أبي يدعوك ﴾ عن عطاء بن السائب أنه حين قال ﴿ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل له ﴿ ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ وضعفت الرواية بأن هذا نوع من الدناءة وضعف اليقين بالله فلا يليق بالنبي.
وقد روي أنها حين قالت: ليجزيك كره ذلك.
ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً حتى قال شعيب هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.
سؤال: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية؟
الجواب: العمل بقول الواحد حراً أو عبداً ذكراً كان أو أنثى سائغ في الأخبار، والمشي مع الأجنبية لا بأس به في حال الاضطرار مع التورع والعفاف، ويؤيده ما روي أن موسى تبعها فأزلقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لهاك امشي خلفي وانعتي لي الطريق.
قال الضحاك: لما دخل عليه قال له: من أنت يا عبد الله؟
قال: أنا موسى بن عمران بن يصهر ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب.
﴿ وقص عليه القصص ﴾ أي المقصوص من لدن ولادته إلى قتل القبطيّ وفراره خوفاً من فرعون وملئه فـ ﴿ ـقال ﴾ له شعيب ﴿ لا تخف ﴾ من فرعون أو ضيماً ﴿ نجوت من القوم الظالمين ﴾ فلا سلطان لفرعون بأرضنا ﴿ قالت إحداهما ﴾ وهي كبراهما اسمها صفراء وكانت الصغرى صفيراء ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القويّ الأمين ﴾ قال النحويون: جعل القوي الأمين اسماً لكونه معرفة صريحة أولى من جعل "أفعل" التفضيل المضاف اسماً لكونه قريباً من المعرفة، ولكن كمال العناية صار سبباً للتقديم.
وورود الفعل وهو ﴿ استأجرت ﴾ بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.
وقال المحققون: إن قولها هذا كلام حكيم جامع لا مزيد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة اللتين هما ثمرتا الكياسة والديانة في الذين يقوم بأمرك، فقد حصل مرادك وكمل فراغك.
عن ابن عباس أن شعيباً أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوّته وأمانته؟
فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوّب راسه اي خفضه حين بلغته رسالته، وأنه أمرها بالمشي خلفه فلذلك قال ﴿ أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ﴾ وليس هذا عقداً حتى تلزم الجهالة في المعقود عليها ولكنه حكاية عزم وتقرير وعد ولو كان عقداً لقال أنكحتك ابنتي فلانة.
وفي قوله ﴿ هاتين ﴾ دليل على أنه كانت له غيرهما.
قال أهل اللغة: ﴿ تأجرني ﴾ من أجرته إذا كنت له أجيراً فيكون ﴿ ثماني ﴾ حجج ظرفه أو من اجرته كذا إذا أثبته إياه فيكون الثماني مفعولاً به ثانياً ومعناه رعية ثماني حجج ﴿ فإن أتممت عشراً ﴾ اي عمل عشر حجج ﴿ فمن عندك ﴾ أي فإتمامه من عندك لا من عندي إذ هو تفضل منك وتبرع ﴿ وما أريد أن أشق عليك ﴾ الزام أتم الأجلين أو بالتكاليف الشاقة في مدة الرعي، وإنما أعامل معك معاملة الأنبياء يأخذون بالأسمح -بالحاء لا بالجيم- قال أهل الاشتقاق: حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أنه إذا صعب الأمر فكأنه شق عليه ظنه باثنين يقول تارة أطيقة وتارة لا أطيقه.
ثم أكد وعد المسامحة بقوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ عموماً أو في باب حسن المعاملة.
وقوله ﴿ إن شاء الله ﴾ أدب جميل كقول إسماعيل ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ أي على الذبح.
وفيه أن الاعتماد في جميع الأمور على معونة الله والأمر موكول إلى مشيئته.
استدل الفقهاء بالآية على أن العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، وعلى أن عقد النكاح لا يفسده الشروط التي لا يوجبها العقد.
ويمكن أن يقال: إنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا.
وجوّز في الكشاف أن يكون استأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ووفاه إياه ثم أنكحه ابنته.
وجعل قوله ﴿ على أن تأجرني ﴾ عبارة عما جرى بينهما ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ ذلك ﴾ الذي شارطتني عليه قائم ﴿ بيني وبينك أيما الأجلين قضيت ﴾ و"ما" مؤكدة لإبهام أيّ زائدة في شيوعها ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ اي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة فإن قضيت الثماني فلا أطالب بالزيادة وإن قضيت العشر باختياري فلم أطالب بالزيادة أيضاً.
وقيل: أراد أيهما قضيت فلا أكون متعدياً.
روي عن النبي أنه تزوّج كبراهما وقيل صغراهما ولا خلاف في أنه قضى أوفى الأجلين.
قال القاضي في قوله ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس ﴾ دليل على أنه لم يزد على العشرة وفيه نظر لأنه لا يفهم من هذا التركيب إلا أن الإيناس حاصل على عقيب مجموع الأمرين، ولا يدل على أن ذلك حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل ويؤيده ما روي عن مجاهد أنه بعد العشر المشروط مكث عشر سنين أخر.
قال أهل اللغة: الجذوة بحركات الجم العود الغليظ كانت في راسه نار أو لم تكن، وشاطئ الوادي جانبه، و"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، فالثانية بدل من الأولى وبدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، ووصفت البقعة بالمباركة لأن فيها ابتداء الرسالة والتكلم.
احتجت المعتزلة على مذهبهم أن الله يتكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله ﴿ من الشجرة ﴾ وقال أهل السنة: مما وراء النهران الكلام القديم القائم بذات الله غير مسموع والمسموع من الشجرة وهو الصوت والحرف دال على كلام الله.
وذهب الأشعري إالى أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية.
روي أن شعيباً كانت عنده عصيّ الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل البيت فخذ عصا من تلك العصيّ فأخذ عصاً هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فشعر بها فقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً.
وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه، ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ هناك أكثر لأن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم.
فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على منعها فمشى على اثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد اقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى موسى دامية فارتاح لذلك.
وحين رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأناً.
قيل: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى ذهب ليقتبس النار فكلمه الملك الجبار وقد مر في النمل تفسير قوله ﴿ فلما رآها تهتز ﴾ إلى قوله ﴿ من غير سوء ﴾ أما قوله ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ فذكر جار الله له معنيين: أحدهما حقيقة وهو أنه لما قلب الله العصا حية فزع واضطراب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه نقصان قدرك عند الأعداء فإن ألقيتها، فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب النقص وإظهار معجزة أخرى.
وثانيهما مجاز وهو أن يراد بضم الجناح التجلد وضبط النفس حتى لا يضطرب فيكون استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف أرخى جناحيه وإلا ضمهما.
ومعنى ﴿ من الرهب ﴾ من أجل الخوف.
والفرق بين هذه العبارة وبين قوله ﴿ اسلك يدك في جيبك ﴾ أن الغرض هناك خروج اليد بيضاء وههنا الغرض إخفاء الخوف أو اراد بالجناح المضموم ههنا اليد اليمنى وبالجناح المضموم إليه في قوله ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ اليد اليسرى، وقيل: إن الرهب هو الكم بلغة حمير وزيفه النقاد.
من قرأ ﴿ فذانك ﴾ بالتخفيف فمثنى ذاك، ومن قرأ بالتشديد فمثنى ذلك وأصله ذان لك قلبت اللام نوناً وأدغمت.
وسميت الحجة برهاناً لبياضها وإنارتها من قولهم "امرأة برهرهة" أي بيضاء، والعين واللام مكررتان.
والدليل على زيادة النون قولهم "أبره الرجل" إذا جاء بالبرهان ونظيره "السلطان" من السليط الزيت، لإنارتها.
وظاهر الكلام يقتضي أنه أمره بذلك قبل لقاء فرعون، والسر فيه أن يكون على بصيرة من أمره عند لقاء المعاند اللجوج، وزعم القاضي أنه في حال أداء الرسالة لأن المعجز إنما يظهر ليستدل المرسل إليه على الرسالة ولا يخفى ضعف هذا الكلام لأن الحكمة في الإظهار لا تنحصر في الاستدلال بل لعل هناك أنواعاً أخر من الحكم والمقاصد قد ذكرنا واحداً منها.
ومما يؤكد أن هذا الكلام قد جرى ولم يكن هناك أحد غير موسى قوله معتذراً ﴿ رب إني قتلت منهم نفساً ﴾ الآية.
والردء اسم ما يعان به من ردأته أي أعنته فعل بمعنى مفعول به و ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع صفة وبالجزم جواب كما مر في قوله ﴿ ولياً يرثني ﴾ والمراد بتصديق أخيه أن يذب ويجادل عنه لا أن يقول: صدقت فإن هذا القدر لا يفتقر إلى البيان والفصاحة لأن سحبان وباقلاً يستويان فيه.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ يصدقني ﴾ لفرعون.
وجوّز جار الله أن يكون من الإسناد المجازي بناء على أن يصدق مسند إلى هارون وهو ببيانه وبلاغته سبب تصديق فرعون يؤيده قوله ﴿ إني أخاف أن يكذبون ﴾ قال الجبائي: إنما سأل موسى أن يرسل هارون بأمر الله ولم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أولا يكون حكمة.
ولقائل أن يقول: لعله ساله مشروطاً على معنى إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقول الداعي في دعائه.
وقال السدي: علم أن الاثنين أقوى من الواحد فلهذا سأل اعترض القاضي بأن هذا من حيث العادة وأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين، لأن المبعوث إليه في أيهما نظر علم وإن لم ينظر فالحال واحدة.
هذا إذا كانت طريقة الدلالة بين المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلف وأمكن في إحداهما من إزالة الشبهة مالا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يقال: إنهما بمجموعهما أقوى من واحدة كما قال السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون لأن معجزتهما كانت واحدة.
قال جار الله معنى ﴿ سنشد عضدك ﴾ سنقوّيك بأخيك إما لأن اليد تشتد بشدة العضد وجملة البدن يقوى على مزاولة الأمور بشدة اليد، وإما لأن الرجل واشتداده بالأخ شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد.
والسلطان التسلط والغلبة والحجة الواضحة.
وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ إما متعلق بمقدر أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق بظاهر وهو ﴿ نجعل ﴾ أو ﴿ لا يصلون ﴾ .
ويجوز أن يكون بياناً لـ ﴿ لغالبون ﴾ كأنه قيل: بماذا نغلب؟
فقيل: بآياتنا.
وامتنع أن تكون صلة لـ ﴿ لغالبون ﴾ لتقدمه، ويجوز أن تكون قسماً جوابه ﴿ لا يصلون ﴾ مقدماً عليه مثله.
ويجوز أن يكون من لغو القسم الذي لا جواب له كقولك "زيد وأبيك منطلق"والمراد الغلبة بالحجة والبرهان في الحال أو بالدولة والمملكة في المآل، وصلب السحرة بعد تسليم ثبوته لا يقدح في قوله ﴿ ومن اتبعكما الغالبون ﴾ لأن الدولة الباقية أعلى شأنا و ﴿ سحر مفترى ﴾ أي سحر تعمله أنت ثم تنسبه إلى الله فهو كذب من هذا الوجه، أو سحر ظاهر افتراؤه لا سحر يخفى افتراؤه، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر فإن كل سحر ففاعله يوهم خلافه فهو المفترى.
ومعنى ﴿ ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ﴾ قد مر في سورة المؤمنين.
قال جار الله ﴿ في آبائنا ﴾ حال عن ﴿ هذا ﴾ اي كائناً في زمانهم وأيامهم قلت: لا مانع من أن يكون الظرف لغواً ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا بنحوه، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو أرادوا أن الكهان لم يخبروا بمجيء ما جاء به موسى.
وكل هذه المقالات لا تصدر إلا عن المحجوج اللجوج الذي قصارى أمره التمسك بحبل التقليد.
من قرأ ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو فعلى طريقة السؤال والجواب.
ووجه قراءة الأكثرين أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن العاقل الناظر بين القولين فيتبين له الغث من السمين.
وقوله ﴿ ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ﴾ إفحام للخصم المعاند إذ لا سبيل إلى دفاعه بالحجة أي يعلم أني محق وأنهم مبطلون.
وقوله ﴿ ومن تكون له عاقبة الدار ﴾ يعني العاقبة الحميدة كأن المذمومة غير معتدّ بها ضم طريقة الوعيد إلى الإفحام المذكور.
وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء السالفة فهو جواب لقولهم ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ وقال جار الله: ﴿ ربي أعلم ﴾ بحال من أهله للفلاح حيث جعله نبياً ووعده حسنى العقبى، ولو كان كاذباً كما يزعمون لم يؤهله لذلك لأنه لا يفلح عنده الظالمون، واعلم أن فرعون كان من عادته عند ظهور حجة لموسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروّجها على أغمار قومه فذكر ههنا أمرين: الأوّل قوله ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ فكأنه استدل بعدم الدليل على عدم المدلول وهو خطأ من جهة أن الدليل على المدلول وهو وجود الصانع أكثر من أن يحصى، ومن جهة أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول.
وأما قوله ﴿ غيري ﴾ فقد تكلف له بعضهم أنه لم يرد به أنه خالق السموات والأرض وما فيهما فإن امتناع ذلك بديهي، وإنما أراد به نفي الصانع والاقتصار على الطبائع وأنه لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره.
الثاني قوله ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ وقد تكلفوا له ههنا أيضاً فقيل: إنه يبعد من العاقل أن يروم صعود السماء بآلة، ولكنه أراد أنه لا سبيل إلى إثبات الصانع من حيث العقل كما مر، ولا من حيث الحس فإن الإحساس به يتوقف على الصعود وهو متعذر، وإلا فابن يا هامان مثل هذا البناء وإنما قال ذلك تهكماً.
فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم رتب النتيجة عليه وهو قوله ﴿ وإني لأظنه من الكاذبين ﴾ يحتمل أن يريد لأعلمه من الكاذبين.
والأكثرون من المفسرين على أنه بنى مثل هذا البناء جهلاً منه أو تلبيساً على ملئة حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن.
يروى أن هامان جمع العمال حتى اجتمع منهم خمسون ألف بناء سوى الأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ مبلغاً لا يقدر الباني أن يقوم عليه، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعت ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل.
ووقعت قطعة في البحر،و قطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك.
وروي في القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعند ذلك بعث الله جبرائيل لهدمه.
قال أهل البيان: إن صح الحديث ردّ النشابة ملطوخة فقد تهكم به بالفعل كما ثبت التهكم بالقول في غير موضع.
وإنما قال ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ ولم يقل: اطبخ لي الآجر.
ولأن هذه العبارة أحسن، ولأن فيه تعليم الصنعة، وقد كان أوّل من عمل الآجر فرعون.
عن عمر أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال: ما علمت أن أحداً بنى الآجر غير فرعون.
والطلوع والأطلاع الصعود يقال: طلع الجبل واطلع.
وفي قوله ﴿ واستكبر هو وجنوده في الأرض ﴾ يعني أرض مصر ﴿ بغير الحق ﴾ إشارة إلى أن الاستكبار بالحق إنما هو لله كما جاء في الحديث القدسي "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" فهو كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق ﴾ وفي قوله ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ دليل على أنهم كانوا منكري البعث كالطبائعيين.
وفي قوله ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ﴾ دلالة على علو شأنه وعظمة سلطانه وإشارة إلى استحقار فرعون وجنوده وعدده وإن كانوا أكثر من رمال الدهناء كأنه شبههم بحصيات أخذهن أحد في كفه فطرحهن في البحر.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ﴾ أن خالق الشر وجاعل الكفر هو الله .
وقالت المعتزلة: معنى الجعل التسمية والحكم بذلك كما يقال: جعله بخيلاً وفاسقاً إذا حكم بالبخل والفسق عليه وسماه بالبخيل والفاسق، أو أراد خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى كانوا أئمة الكفر داعين إلى النار أي إلى موجباتها من الكفر والمعاصي.
وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم وذلك أنه تعالى عجل لهم العذاب فصاروا متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار.
وقال بعضهم: أراد بالإمامة أنهم بلغوا في ذلك الباب أقصى النهايات حتى أستحقوا أن يقتدى بهم.
ثم بين بقوله ﴿ ويوم القيامة لا ينصرون ﴾ أن عقاب الآخرة سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه.
وقال في الكشاف: اراد وخذلناهم في الدنيا ويوم القيامة هم مخذولون كما قال ﴿ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ﴾ اي طرداً وإبعاداً عن الرحمة ﴿ ويوم القيامة هم من المقبوحين ﴾ أي من المطرودين المبعدين: وقالت الليث: قبحه الله قبحاً بالفتح وقبحاً بالضم أي نحّاه عن كل خير.
وقال ابن عباس: من المشهورين بسواد الوجه وزرقة العين.
وعن بعضهم أنه يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم فيجمع لهم بين الفضيحتين.
التأويل: وحين توجه تلقاء مدين عالم الروحانية ﴿ وجد عليه أمة ﴾ من أوصاف الروح ﴿ يسقون ﴾ مواشي أخلاقهم من ماء فيض الإلهي.
﴿ ووجد من دونهم امرأتين ﴾ السر والخفي ابنتا شعيب الروح يمنعان من استقاء ماء الفيض الإلهي.
قال الشيخ الإمام الرباني نجم الدين المعروف بداية: وذلك لأن لمعان أنوار الفيض يرد على الروح في البداية بالتدريج فينشا منه الخفي، وهو لطيفه ربانية مودعة في الروح بالقوة فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبة الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجليات صفات الربوبية والفيوض الإلهية، فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستقاء.
وكذا السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح، مؤدية غلى القلب وهو أيضاً بمعزل عن استقاء ماء فيض الروح عند اشتغال القلب بمعالجات النفس وإصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية وذلك قولهما ﴿ لا نسقي حتى يصدر الرعاء ﴾ وهم صفات الروح ويصرفوا مواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء الفيض الإِلهي، فإذا صدروا استقينا مواشينا من الأوصاف والأخلاق من أفضله مواشيهم في حوض القوى ﴿ وأبونا ﴾ وهو شعيب الروح لا يقدر على سقيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر والوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا، فسقي موسى القلب مواشيهما بقوّة استفادها من الجسد وقوّة استفادها من الروح لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلباً ﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ إلى العناية فطلب الفيض الإلهي بلا واسطة وهكذا ينبغي أن يكون السالك لا يقنع بما وجد من المعارف أبداً.
﴿ فجاءته إحداهما ﴾ فيه أن القلب يحتاج في الوصول إلى حضرة شعيب الروح أن يستمد من الخفي أو السر.
﴿ لا تخف نجوت ﴾ فيه أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح نجا من ظلمات النفس وصفاتها ﴿ إن خير من استأجرت ﴾ من النفس والجسد ﴿ القوي الأمين ﴾ لأن القلب استفاد القوّة من الجسد والأمانة من الروح ﴿ ثماني حجج ﴾ فيه أن الروح في تبليغ القلب إلى مقام الخفي يحتاج إلى تسييره في مقامات صفاته الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق وهي: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والبقاء.
وتمام ذلك إلى العشرة راجع إلى خصوصيته وهما المحبة والأنس مع الله ﴿ أيما الأجلين قضيت ﴾ في التخلق بأخلاقك اليمانية وفي المحبة والأنس مع الله ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ أي ليس لك أن تمنعني العبور عن المحبة لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على تلك الصفات الثمانية.
وأما المحبة والأنس مع الله فصفتان مخصوصتان بالحضرة.
﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ولهذا كل إنسان من المؤمن والكافر فإنه مجبول على تلك الأوصاف وليس من زمرة ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ إلا مؤمن موحد.
فلما اتصف موسى القلب بالأوصاف الثمانية وغلبت عليه محبة الله واستأنس به وصار بجميع صفاته متوجهاً إلى حضرة القدس ﴿ آنس ﴾ من طور الحضرة نار نور الإلوهية.
وفي قوله ﴿ لأهله امكثوا ﴾ إشارة إلى أن السالك لا بد له من تجريد الظاهر عن الأهل والمال وتفريد الباطن عن تعلقات الكونين.
نور يبدو وإذا بدا استمكن شمس طلعت ومن رآها آمن.
وفي قوله ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ إشارة إلى أن الأوصاف الإنسانية جامدة من برودة الطبيعة لا تتسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار الجذبة الإلهية ﴿ من شاطئ الواد الأيمن ﴾ وهو السر في بقعة البدن من شجرة وجود الإنسان ﴿ من الرهب ﴾ أي رهبة من فوات وصال الحضرة ﴿ وأخي هرون ﴾ هو العقل فمن خصوصيته تصديق الناطق بالحق ﴿ قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ﴾ لأن النفس خلقت من اسفل عالم الملكوت ومنكسة، والقلب خلق وسط عالم الملكوت متوجهاً إلى الحضرة فلهذا ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ وما صدقت النفس ما رأت ﴿ في آبائنا الأولين ﴾ اي في طبائع الكواكب فإنها آباء النفس وأمهاتها العناصر والطبائع منكوسة إلىعالم السفل لا يعرفون مقام الوحدة فلا يعرفون بالتوحيد.
﴿ فأوقد لي يا هامان ﴾ الشيطان ﴿ على الطين ﴾ البشرية بنفخ الوساوس والغرور ﴿ فاجعل لي صرحاً ﴾ من المقدمات الخيالية والوهمية ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ أغرقوا في ماء شهوات الدنيا ويم هممها فأدخلوا نار الحسرة والندامة.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ ﴾ : قال بعضهم: أخذ طريقاً إذا سلك ذلك الطريق وأخذ فيه خرج تلقاء مدين، أو وقع تلقاء المكان المقصود إليه.
وقوله: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ أي: الطريق الذي كان يقصده ويطلبه وهو طريق مدين، وذكر أنه كان ضل الطريق.
وقوله: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ﴾ أي: ورد البئر التي كان ماء مدين من تلك البئر.
﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ ﴾ أمة أي: جماعة.
وقيل: أناس من الناس يسقون أغنامهم ومواشيهم.
﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ ﴾ : قال: بعضهم: ﴿ تَذُودَانِ ﴾ : تحبسان حتى يفرغ الناس ويصدرون ويخلو لهما البئر.
وقال بعضهم: ﴿ تَذُودَانِ ﴾ أي: تطردان أغنامهما لتسقياها.
ثم قوله: ﴿ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: تذودان غنمهما ولا تسقيانها حتى يصدر الرعاء؛ لما لا تتركان تسقيان غنمهما مع غنم أولئك الرعاء حتى يصدروا هم.
والثاني: لا تمنعان ذلك، ولكنهما تستحيان أن تزاحما الرجال وتختلطا بهم، فتنتظران فراغهم صدور الرعاء عنها.
فإن قيل: فما بالهما لا تتخلفان وقت اجتماع القوم، وتشهدان في ذلك الوقت، ولا تنتظران خلاء البئر عنهم؟!
قيل: لما ذكر أن على رأس البئر حجرا يلقى عليه لا يطيقه إلا كذا كذا نفرا؛ وكذلك الدلو التي يستقى منها لا يطيقها إلا كذا كذا من عشرة إلى أربعين على ما ذكر، فهما تشهدان ذلك البئر وقت شهود القوم وحضورهم؛ ليتولوا هم نزح الدلو واستقاءها، ولو تخلفتا وانتظرتا خلاء البئر عنهم ثم تأتيان، لم تقدرا على نزح الماء والدلو، ورفع الحجر الذي ذكر أنه كان على رأس البئر، لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ أي: ما شأنكما وما أمركما؟
﴿ قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ﴾ ؛ لما ذكرنا.
وقرئ: ﴿ يُصْدِرَ ﴾ بنصب الياء وبالرفع جميعاً.
فمن قرأه بالنصب فإنه يقول: حتى يصدر الرعاء بأنفسهم أي: يرجع.
ومن قرأه بالرفع، أي: حتى يصرفوا ويرجعوا أغنامهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ : تذكران - والله أعلم - عذر أبيهما في التخلف عن سقي الغنم، وإرساله إياهما في ذلك دون تولي ذلك بنفسه، وقالا: ذلك لكبره وضعفه ما يتخلف عن ذلك ويرسلهما، وإلا لا معنى لذكر كبر أبيهما بلا سبب يحملهما على ذلك سوى ما ذكرنا.
وجائز أن يكون لمعنى آخر لا نعلمه.
وقوله: ﴿ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ ﴾ : دل أن البئر التي كانت تسقى الماشية منها كانت في الشمس؛ حيث أخبر أنه أسقى لهما ثم تولى إلى الظل.
وفيه أن لا بأس بأن يجلس في الظل.
وقوله: ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ قيل: إن هذا منه شكاية عما أصابه من الجوع؛ لأنه ذكر أنه خرج من المصر إلى مدين هارباً من فرعون وقومه، غير متزود، وهو مسيرة ثماني ليال.
وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يخبر ويذكر عما هو فيه من الشدة والبلاء، حيث ذكر موسى حاله التي هو فيها من الجوع الذي أصابه؛ وكذلك ما قال في آية أخرى: ﴿ لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً ﴾ ، وذلك يرد قول من يقول: إن مثل هذا يخرج مخرج الشكاية عن الله، ولو كانت شكاية لكان موسى لا يقول ذلك ولا يذكره.
وقوله: ﴿ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ .
قوله: ﴿ تَمْشِي ﴾ : مشي من لم يعتد الخروج.
أو ﴿ تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ ، أي: تمشي مشي من لم يخالط الناس على التستر والتغطية.
﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ : هذا يدل على أن لا بأس أن يؤخذ على المعروف الذي صنع إلى آخر أجر، والأفضل على من صنع إليه المعروف والتبرع أن يعطي لمعروفه وتبرعه بدلا وأجرا، والأفضل على المتبرع وعلى صانع المعروف ألاَّ يأخذ على ذلك بدلا، إلا أن موسى كان قد اشتدت به الحاجة؛ لذلك كان ما ذكر وأخذ لمعروفه ما ذكر بدلا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ ﴾ أي: لما جاء موسى أبا المرأتين وقص عليه قصته قال له: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
دل قوله هذا لموسى: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : أنه لم يكن لفرعون على ذلك المكان سلطان ولا يد؛ إذ لو كان له سلطان لكان له فيه الخوف الذي كان من قبل، ولم يكن نجا موسى منه، دل أنه لم يكن له عليهم سلطان.
وقوله: ﴿ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ يحتمل: المشركين؛ إذ كل مشرك ظالم.
ويحتمل ﴿ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : الذين يقتلون بغير حق حيث قال: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ : قال أهل التأويل: قال أبوهما لما قالت له استأجره فإنه قوي أمين: ما قوته وأمانته؟
فقالت: أما قوته: فإنه رفع الحجر من رأس البئر وحده، وكان لا يطيقه إلا كذا كذا نفرا، ونزح الدلو من البئر وحده، وكان لا يطيق نزحه إلا كذا كذا؛ فذلك قوته.
وأمّا أمانته: فإنه قال لي: امشي خلفي وصفي لي الطريق؛ فذلك أمانته.
ولكن قد كانت تعرف أمانته قبل ذلك لما جرى بينه وبينهما من المعاملة حين قال لهما: ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ ، وحين سقى لهما في مثل هذا تعرف أمانته في ترك النظر إليهما، وترك الاعتراض لما يوجب التهمة، والله أعلم.
وقولها: ﴿ يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ ﴾ كأن أباها كان في طلب أجير قوي أمين، لكنه لا يجد ولا يظفر به؛ لذلك قالت له: ﴿ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ إذ لا يحتمل أن يكون له ماشية وله غناء وبه حاجة إلى رعي ذلك وسقيه، وقد بلغ في نفسه من الكبر والضعف ما ذكر، يرسل ابنتيه في الرعي والسقي، ولا يستأجر الأجير ليتولى ذلك دون بناته، هذا لا يحتمل ذلك، وخاصة مع ما وصف ابنته من الحياء حيث قال: ﴿ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ﴾ دل ذلك أنه كان في طلب الأجير، وإنما أرسل ابنتيه في سقي الغنم وهو مضطر إلى ذلك محتاج إليه؛ لذلك قالت له: ﴿ يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ .
ثم قال: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ : طلبت هي الاستئجار، وهو عرض عليه النكاح لما لم ترغب هي في النكاح، أو طلبت الاستئجار ولم تُرِ من نفسها الرغبة في النكاح، وإن كانت لها الرغبة حياء، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: أنه جعل عمله ثماني حجج بدلا للنكاح ومهرا لبضعها.
ثم تحديده ثماني حجج لما رأى عمل ثماني سنين مهر مثلها.
وقوله: ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ أي: فإن أتممت عشراً وزدت على مهر المثل فمن عندك، أي: لك ذلك فضل منك وإحسان.
والثاني: قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ ليس على جعله بدلا للنكاح، ولكن على الإجارة المعروفة على أجر معلوم على حدة، من غير أن كان ذلك مهرا لها.
ثم التحديد بثماني سنين على هذا الوجه يخرج على إحدى خلتين: إحداهما: أنه لما قص عليه قصته علم أنه لا يقدر على العود إلى المصر، ورأى أنه لا يأمن تلك الناحية بدون ما ذكر من المدة.
أو لما رأى أن نفسه تنزع وتشوق بالعود في ذلك الوقت فشرط ذلك عليه لئلا يحدث نفسه بالرجوع إليه إلى ذلك الوقت.
وقوله: ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ أي: فإن زدت سنتين على ذلك فمن فضلك وإحسانك ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ في الزيادة على ذلك كله، والله أعلم.
ثم قال: ﴿ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ في جميع ما يجري بينك وبيني من المعاملة والصحبة.
وفيه أن الثنيا فيما يعدون كان ظاهراً في الأمم السالفة.
ثم اختلف في أبي المرأتين: قال بعضهم: كان شعيباً.
وقال بعضهم: ابن أخي شعيب.
وقال الحسن: لم يكن شعيباً، ولكن كان سيّد الماء يومئذ.
وليس لنا إلى معرفة من كان حاجة، أمّا شعيب فإنه لم يكن في زمن موسى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ ذَلِكَ ﴾ يعني: الشرط - والله أعلم - ﴿ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ﴾ أي: أوفيت وعملت، إمّا الثماني وإما العشر ﴿ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾ يقول: لا سبيل لك عليَّ بعد ذلك ولا تبعة، والعدوان: هو الظلم والمجاوزة عن الحدّ الذي حد له يقول: لا ظلم عليّ ولا مجاوزة علي أي الاختيارين قضيت، أيّ الأجلين اخترت وشئت لنا.
ثم قال: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ قال بعضهم: والله كفيل على مقالتي ومقالتك، والوكيل: هو الشهيد أو الحافظ، كأنه يقول: والله على ما نقول شهيد.
"ذكر أن جبريل جاء رسول الله فقال: إن سُئلت: أي الأجلين قضى موسى؟
فقل: أبرّهما وأوفاهما، وإن سُئلت: أي المرأتين تزوج؟
فقل: أصغرهما" فإن ثبت هذا، ففيه أنه قضى الأجلين جميعاً: الثماني والعشر، وليس في الآية إلا قضاء الأجل حيث قال: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ﴾ .
وقال القتبي: ﴿ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ﴾ أي: تجازيني من التزويج والأجر من الله إنما على الجزاء على العمل.
<div class="verse-tafsir"
قال أبوهما مخاطبًا موسى : إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين، على أن يكون مهرها أن ترعى غنمنا ثماني سنين، فإن أكملت المدة عشر سنين فهذا تفضّل منك لا يلزمك؛ لأن التعاقد إنما هو على ثمان سنين، فما فوقها تطوع، وما أريد أن ألزمك ما فيه مشقة عليك، ستجدني -إن شاء الله- من الصالحين الذين يوفون بالعقود، ولا ينقضون العهود.
<div class="verse-tafsir" id="91.lXeDx"