الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٥٣ من سورة القصص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٣ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن ، كما قال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) [ البقرة : 121 ] ، وقال : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) [ آل عمران : 199 ] ، وقال : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) [ الإسراء : 107 ، 108 ] ، وقال : ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون .
وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ) [ المائدة : 82 ، 83 ] .
قال سعيد بن جبير : نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي ، فلما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ عليهم : ( يس .
والقرآن الحكيم ) حتى ختمها ، فجعلوا يبكون وأسلموا ، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون .
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ) يعني : من قبل هذا القرآن كنا مسلمين ، أي : موحدين مخلصين لله مستجيبين له .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) يقول تعالى ذكره: ( وَإِذَا يُتْلَى ) هذا القرآن على الذين آتيناهم الكتاب من قبل نـزول هذا القرآن ( قَالُوا آمَنَّا بِهِ ) يقول: يقولون: صدّقتا به ( إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا ) يعني من عند ربنا نـزل,( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ) أي نـزول هذا القرآن ( مُسْلِمِينَ ) , وذلك أنهم كانوا مؤمنين بما جاء به الأنبياء قبل مجيء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم من الكتب, وفي كتبهم صفة محمد ونعته, فكانوا به وبمبعثه وبكتابه مصدّقين قبل نـزول القرآن, فلذلك قالوا: ( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ).
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا أي إذا قرئ عليهم القرآن قالوا صدقنا بما فيه ( إنا كنا من قبله ) أي من قبل نزوله ، أو من قبل بعثة محمد عليه السلام مسلمين أي موحدين ، أو مؤمنين بأنه سيبعث محمد وينزل عليه القرآن .
{ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ } استمعوا له وأذعنوا و { قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا } لموافقته ما جاءت به الرسل، ومطابقته لما ذكر في الكتب، واشتماله على الأخبار الصادقة، والأوامر والنواهي الموافقة، لغاية الحكمة.وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم، وينفع قولهم، لأنهم لا يقولون ما يقولون إلا عن علم وبصيرة، لأنهم أهل الصنف وأهل الكتب، وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق على شبهة، فضلا عن الحجة، لأنهم ما بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق.قال تعالي: { قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا } الآيات.وقوله: { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } فلذلك ثبتنا على ما مَنَّ اللّه به علينا من الإيمان، فصدقنا بهذا القرآن، آمنا بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا الكتاب، إيمانه بالكتاب الأول.
( وإذا يتلى عليهم ) يعني القرآن ، ( قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ) وذلك أن ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، ( إنا كنا من قبله مسلمين ) أي : من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله بالتوحيد مؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - أنه نبي حق .
«وإذا يتلى عليهم» القرآن «قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين» موحدين.
وإذا يتلى هذا القرآن على الذين آتيناهم الكتاب، قالوا: صدَّقنا به، وعملنا بما فيه، إنه الحق من عند ربنا، إنا كنا من قبل نزوله مسلمين موحدين، فدين الله واحد، وهو الإسلام.
( وَإِذَا يتلى ) عليهم هذا القرآن ( قالوا ) بفرح وسرور ( آمَنَّا بِهِ ) بأنه كلام الله - تعالى - ( إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ ) أى : إنه الكتاب المشتمل على الحق الكائن من عند ربنا وخالقنا ( إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ ) أى : من قبل نزوله ( مُسْلِمِينَ ) وجوهنا لله - تعالى - ، ومخلصين له العبادة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين الاستئنافين ( إِنَّهُ ) و ( إنَّا ) ؟قلت : الأول تعليل للإيمان به ، لأن كونه حقا من الله حقيق بأن يؤمن به .
والثانى : بيان لقوله : ( آمَنَّا بِهِ ) لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده ، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم ، لأن آباءهم القدماء قرءوا فى الكتب الأول ذكره؛ وأبناءهم من بعدهم .
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عند الخوف قالوا هلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك، بين أيضاً أنه بعد الإرسال إلى أهل مكة قالوا: ﴿ لَوْلا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ موسى ﴾ فهؤلاء قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى، فظهر أنه لا مقصود لهم سوى الزيغ والعناد.
أما قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا ﴾ أي جاءهم الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من الكتاب المنزل جملة واحدة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر وتظليل الغمام وانفجار الحجر بالماء والمن والسلوى ومن أن الله كلمه وكتب له في الألواح وغيرها من الآيات فجاؤا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد كما قالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ ﴾ وما أشبه ذلك.
واعلم أن الذي اقترحوه غير لازم لأنه لا يجب في معجزات الأنبياء عليهم السلام أن تكون واحدة ولا فيما ينزل إليهم من الكتب أن يكون على وجه واحد إذ الصلاح قد يكون في إنزاله مجموعاً كالتوراة ومفرقاً كالقرآن، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى مِن قَبْلُ ﴾ واختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ ﴾ إلى من يعود، وذكروا وجوهاً: أحدها: أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً أن يؤتى مثل ما أوتي موسى عليه السلام فقال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى ﴾ يعني أو لم تكفروا يا هؤلاء اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال بموسى عليه السلام مع تلك الآيات الباهرة.
وثانيها: أن الذين أوردوا هذا الاقتراح كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام إلا أنه تعالى جعلهم كالشيء الواحد لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد.
وثالثها: قال الكلبي إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة ليسألهم عن محمد وشأنه فقالوا إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم وأخبروهم بقول اليهود قالوا إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر، فقال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى ﴾ .
ورابعها: قال الحسن قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهرون ساحران.
وخامسها: قال قتادة أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد عليهما السلام فقالوا ساحران.
وسادسها: وهو الأظهر عندي أن كفار قريش ومكة كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم معجزات موسى عليه السلام قال الله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى مِن قَبْلُ ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، فعلمنا أنه لا غرض لكم في هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم إنه تعالى حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى من وجهين: الأول: قولهم: ﴿ ساحران تَظَاهَرَا ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة (ساحران) بالألف وقرأ أهل الكوفة بغير ألف وذكروا في تفسير الساحرين وجوهاً: أحدها: المراد هرون وموسى عليهما السلام تظاهرا أي تعاونا وقرئ (اظاهرا) على الإدغام وسحران بمعنى ذوي سحر وجعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر وكثير من المفسرين فسروا قوله: ﴿ سِحْرَانِ ﴾ بأن المراد هو القرآن والتوراة واختار أبو عبيدة القراءة بالألف لأن المظاهرة بالناس وأفعالهم أشبه منها بالكتب وجوابه: إنا بينا أن قوله: ﴿ سِحْرَانِ ﴾ يمكن حمله على الرجلين وبتقدير أن يكون المراد الكتابين لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما تقول تظاهرت الأخبار وهذه التأويلات إنما تصح إذا حملنا قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى ﴾ إما على كفار مكة أو على الكفار الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام ولا شك أن ذلك أليق بمساق الآية الثاني: قولهم: ﴿ إِنَّا بِكُلّ كافرون ﴾ أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء عليهم السلام ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين لا باليهود وذلك مبالغة في أنهم مع كثرة آيات موسى عليه السلام كذبوه فما الذي يمنع من مثله في محمد صلى الله عليه وسلم وإن ظهرت حجته، ولما أجاب الله تعالى عن شبههم ذكر الحجة الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ ﴾ وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله، قال الزجاج (أتبعه) بالجزم على الشرط ومن قرأ (أتبعه) بالرفع فالتقدير أنا أتبعه، ثم قال: ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ ﴾ قال ابن عباس يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما وهذا أشبه بالآية فإن قيل الاستجابة تقتضي دعاء فأين الدعاء ههنا؟
قلنا قوله: ﴿ فَأْتُواْ بكتاب ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل ثم قال: ﴿ فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ ﴾ يعني قد صاروا ملزمين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى ثم زيف طريقتهم بقوله: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ الله ﴾ وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد وأنه لابد من الحجة والاستدلال ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ وهو عام يتناول الكافر لقوله: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ واحتج الأصحاب به في أن هداية الله تعالى خاصة بالمؤمنين.
وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها ما لا يحسن إلا بعد الإيمان والدليل عليه قوله: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى ﴾ فقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ محمول على القسم الثاني ولا يجوز حمله على القسم الأول، لأنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن عدم بعثة الرسول جار مجرى العذر لهم، فبأن يكون عدم الهداية عذراً لهم أولى، ولما بين تعالى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الدلالة قال: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول ﴾ وتوصيل القول هو إتيان بيان بعد بيان، وهو من وصل البعض بالبعض، وهذا القول الموصل يحتمل أن يكون المراد منه إنا أنزلنا القرآن منجماً مفرقاً يتصل بعضه ببعض ليكون ذلك أقرب إلى التذكير والتنبيه، فإنهم كل يوم يطلعون على حكمة أخرى وفائدة زائدة فيكونون عند ذلك أقرب إلى التذكر، وعلى هذا التقدير يكون هذا جواباً عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة كما أوتي موسى كتابه كذلك، ويحتمل أن يكون المراد وصلنا أخبار الأنبياء بعضها ببعض وأخبار الكفار في كيفية هلاكهم تكثيراً لمواضع الاتعاظ والانزجار ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى لعلهم يتذكرون.
ثم إنه تعالى لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بأن قال: ﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ ﴾ أي من قبل القرآن أسلموا بمحمد فمن لا يعرف الكتب أولى بذلك، واختلفوا في المراد بقوله: ﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب ﴾ وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قال قتادة إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها فلما بعث الله تعالى محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبدالله بن سلام.
وثانيها: قال مقاتل نزلت في أربعين رجلاً من أهل الإنجيل وهم أصحاب السفينة جاؤا من الحبشة مع جعفر.
وثالثها: قال رفاعة بن قرظة نزلت في عشرة أنا أحدهم، وقد عرفت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من حصل في حقه تلك الصفة كان داخلاً في الآية ثم حكى عنهم ما يدل على تأكيد إيمانهم وهو قولهم: ﴿ آمنا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ فقوله: ﴿ إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا ﴾ يدل على التعليل يعني أن كونه حقاً من عند الله يوجب الإيمان به وقوله: ﴿ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ بيان لقوله: ﴿ آمنا به ﴾ لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيده، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء عليهم السلام المتقدمين من البشارة بمقدمه، ثم إنه تعالى لما مدحهم بهذا المدح العظيم قال: ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أنهم يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وبعد بعثته وهذا هو الأقرب لأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا به بعد البعثة وبين أيضاً أنهم كانوا به قبل مؤمنين البعثة ثم أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.
وثانيها: يؤتون الأجر مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذي كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم ومرة أخرى بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وثالثها: قال مقاتل هؤلاء لما آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران أجر على الصف وأجر على الإيمان، يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه، قال السدي اليهود عابوا عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول سلام عليكم ثم قال: ﴿ وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة ﴾ والمعنى (يدفعون) بالطاعة المعصية المتقدمة، ويحتمل أن يكون المراد دفعوا بالعفو والصفح الأذى، ويحتمل أن يكون المراد من الحسنة امتناعهم من المعاصي لأن نفس الامتناع حسنة ويدفع به ما لولاه لكان سيئة، ويحتمل التوبة والإنابة والاستقرار عليها، ثم قال: ﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ .
واعلم أنه تعالى مدحهم أولاً بالإيمان ثم بالطاعات البدنية في قوله: ﴿ وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة ﴾ ثم بالطاعات المالية في قوله: ﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ قال القاضي دل هذا المدح على أن الحرام لا يكون رزقاً جوابه: أن كلمة من للتبعيض فدل على أنهم استحقوا المدح بإنفاق بعض ما كان رزقاً، وعلى هذا التقدير يسقط استدلاله، ثم لما بين كيفية اشتغالهم بالطاعات والأفعال الحسنة بين كيفية إعراضهم عن الجهال فقال: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ واللغو ما حقه أن يلغى ويترك من العبث وغيره وكانوا يسمعون ذلك فلا يخوضون فيه بل يعرضون عنه إعراضاً جميلاً فلذلك قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ ﴾ وما أحسن ما قال الحسن رحمه الله في أن هذه الكلمة تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً ﴾ ثم أكد تعالى ذلك بقوله حاكياً عنهم ﴿ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين ﴾ والمراد لا نجازيهم بالباطل على باطلهم، قال قوم نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأن ترك المسافهة مندوب، وإن كان القتال واجباً.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: أي فرق بين الاستئنافين إنه وإنا؟
قلت: الأوّل تعليل للإيمان به، لأن كونه حقاً من الله حقيق بأن يؤمن به.
والثاني: بيان لقوله: ﴿ ءَامَنَّا بِهِ ﴾ لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيده، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم؛ لأنّ آباءهم القدماء قرؤوا في الكتب الأول ذكره وأبناءهم من بعدهم ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ من قبل وجوده ونزوله ﴿ مُسْلِمِينَ ﴾ كائنين على دين الإسلام؛ لأن الإسلام صفة كل موحد مصدّق للوحي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ في أرْبَعِينَ مِن أهْلِ الإنْجِيلِ اثْنانِ وثَلاثُونَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ، والضَّمِيرُ في ( مِن قَبْلِهِ ) لِلْقُرْآنِ كالمُسْتَكِنِ في: ﴿ وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ ﴾ أيْ بِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى.
﴿ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أوْجَبَ إيمانُهم بِهِ.
﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إيمانَهم بِهِ لَيْسَ مِمّا أحْدَثُوهُ حِينَئِذٍ، وإنَّما هو أمْرٌ تَقادَمَ عَهْدُهُ لَمّا رَأوْا ذِكْرَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وكَوْنُهم عَلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، أوْ تِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ بِاعْتِقادِهِمْ صِحَّتَهُ في الجُمْلَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وإذا يتلى} القرآن {عليهم قالوا آمنا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا إنَّا كُنَّا من قبله}
القصص (٥٧ - ٥٤)
من قبل نزول القرآن {مُسْلِمِينَ} كائنين على دين الإسلام مؤمنين بمحمد عليه السلام وقوله إنه تعليل للإيمان به لأن كونه حقاً من الله حقيق بأن يؤمن به وقوله إنا بيان لقوله آمنا لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيده فأخبروا بأن إيمانهم به متقادم
﴿ وإذا يُتْلى ﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿ عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ ﴾ أيْ بِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا ﴾ أيِ الحَقُّ الَّذِي كُنّا نَعْرِفُ حَقِّيَّتَهُ، وهو اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أوْجَبَ إيمانَهم بِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً لِما قَبْلَها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ ﴿ مُسْلِمِينَ ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ إيمانِهِمْ بِهِ أمْرًا مُتَقادِمَ العَهْدِ لِما شاهَدُوا ذِكْرَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وأنَّهم عَلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ ويَكْفِي في كَوْنِهِمْ عَلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِهِ إيمانُهم بِهِ إجْمالًا.
وفي الكَشّافِ والبَحْرِ أنَّ الإسْلامَ صِفَةُ كُلِّ مُوَحِّدٍ مُصَدِّقٍ بِالوَحْيِ والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ مِن خُصُوصِيّاتِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِن بَيْنِ الأُمَمِ، وذَهَبَ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إلى كَوْنِهِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ وألَّفَ في ذَلِكَ كُرّاسَةً وقالَ في ذَيْلِها: لَمّا فَرَغْتُ مِن تَأْلِيفِ هَذِهِ الكُرّاسَةِ واضْطَجَعْتُ عَلى الفِراشِ لِلنَّوْمِ ورَدَ (عَلَيَّ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ ﴾ الآيَةَ فَكَأنَّما أُلْقِيَ عَلَيَّ جَبَلٌ لِما أنَّ ظاهِرَها الدَّلالَةُ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ الخُصُوصِيَّةِ وقَدْ فَكَّرْتُ فِيها ساعَةً ولَمْ يَتَّجِهْ لِي فِيها شَيْءٌ فَلَجَأْتُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَجَوْتُ أنْ يَفْتَحَ بِالجَوابِ عَنْها فَلَمّا اسْتَيْقَظْتُ وقْتَ السَّحَرِ إذا بِالجَوابِ قَدْ فُتِحَ فَظَهَرَ عَنْها ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: الأوَّلُ أنَّ مُسْلِمِينَ اسْمُ فاعِلٍ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِقْبالُ كَما هو حَقِيقَةٌ فِيهِ دُونَ الحالِ والماضِي والتَّمَسُّكُ بِالحَقِيقَةِ هو الأصْلُ وتَقْدِيرُ الآيَةِ إنّا كُنّا مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ عازِمِينَ عَلى الإسْلامِ بِهِ إذا جاءَ لِما كُنّا نَجِدُهُ في كُتُبِنا مِن بَعْثِهِ ووَصْفِهِ ويُرَشِّحُ هَذا أنَّ السِّياقَ يُرْشِدُ إلى أنَّ قَصْدَهُمُ الإخْبارُ بِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهم كانُوا عَلى قَصْدِ الإسْلامِ بِهِ إذا جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ولَيْسَ قَصْدُهُمُ الثَّناءَ عَلى أنْفُسِهِمْ في حَدِّ ذاتِهِمْ بِأنَّهم كانُوا بِصِفَةِ الإسْلامِ أوَّلًا لِنُبُوِّ المَقامِ عَنْهُ كَما لا يَخْفى، الثّانِي أنْ يُقَدَّرَ في الآيَةِ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ بِهِ فَوَصْفُ الإسْلامِ سَبَبُهُ القُرْآنُ لا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ويُرَشِّحُ ذَلِكَ ذِكْرُ الصِّلَةِ فِيما قَبْلُ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصِّلَةَ مُرادَةٌ هُنا أيْضًا إلّا أنَّها حُذِفَتْ كَراهَةَ التَّكْرارِ.
الثّالِثُ أنَّ هَذا الوَصْفَ مِنهم بِناءً عَلى ما هو مَذْهَبُ الأشْعَرِيِّ مِن أنَّ مِن كُتُبِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمُوتَ مُؤْمِنًا فَهو يُسَمّى عِنْدَهُ تَعالى مُؤْمِنًا ولَوْ كانَ في حالِ الكُفْرِ وإنَّما لَمْ نُطْلِقْ نَحْنُ هَذا الوَصْفَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ عِلْمِنا بِما عِنْدَهُ تَعالى، فَهَؤُلاءِ لَمّا خَتَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلُ لِأنَّ العِبْرَةَ في هَذا الوَصْفِ بِالخاتِمَةِ ووَصْفُهم بِذَلِكَ أوْلى مِن وصْفِ الكافِرِ الَّذِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الإسْلامِ بِهِ لِأنَّهم كانُوا عَلى دِينٍ حَقٍّ وهَذا مَعْنًى دَقِيقٌ اسْتَفَدْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَواعِدِ عِلْمِ الكَلامِ انْتَهى.
ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا الجَوابِ وكَذا الجَوابُ الأوَّلُ وأمّا الجَوابُ الثّانِي فَهو بِمَعْنى ما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ وقَدْ ذَكَرَهُالبَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالإسْلامِ الِانْقِيادُ أيْ إنّا كُنّا مِن قَبْلِ نُزُولِهِ مُنْقادِينَ لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقِ بِها كِتابُهُ المُنَزَّلُ إلَيْنا ومِنها وُجُوبُ الإيمانِ بِهِ فَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ <div class="verse-tafsir"
قوله: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ يعني: بيّنّا لكفار مكة لهم في القرآن من خبر الأمم الماضية كيف عذبوا لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لكي يخافوا فيؤمنوا بما في القرآن ويقال: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ يعني: أرسلنا لهم الكتب بعضها ببعض، يعني بعثنا بعضها على إثر بعض.
ويقال: وَلَقَدْ وَصَّلْنا أي: أوصلنا لهم القول.
يعني: أنزلنا لهم القرآن آية بعد آية هداية، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا.
ثم وصف مؤمني أهل الكتاب فقال: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ يعني: من قبل القرآن هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ يعني: مؤمني أهل الكتاب، وهم أربعون رجلاً من أهل الإنجيل كانوا مسلمين قبل أن يبعث محمد : اثنان وثلاثون من أهل أرض الحبشة قدموا مع جعفر الطيار، وثمانية من أهل الشام.
ويقال: إنهم ثمانية عشر رجلاً وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني: القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ أي صدقنا إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا يعني: القرآن، وذلك أنهم عرفوا بما ذكر في كتبهم من نعت النبيّ وصفته وكتابه فقالوا: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ يعني: مِن قَبْلِ هذا القرآن، ومن قبل محمد كنا مخلصين.
قوله عز وجل: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ يعني: يعطون ثوابهم ضعفين: مرة إيمانهم بكتابهم، ومرة بإيمانهم بالقرآن وبمحمد بِما صَبَرُوا يعني: بصبرهم على ما أوذوا، ويقال: بصبرهم على دينهم الأول، وبصبرهم على أذى المشركين، فصدقوا وثبتوا على إيمانهم.
حيث قال لهم أبو جهل وأصحابه: ما رأينا أحداً أجهل منكم، تركتم دينكم، وأخذتم دينه.
فقالوا: ما لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله، فذلك قوله عز وجل: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ يعني: يدفعون قول المشركين بالمعروف.
ويقال: يدفعون الشرك بالإيمان.
ويقال: يدفعون بالكلام الحسن الكلام القبيح.
ويقال: يدفعون ما تقدم لهم من السيئات بما يعملون من الحسنات وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني: يتصدقون.
قوله عز وجل: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ يعني: إذا سمعوا الشتم والأذى والقبيح لم يردوا عليهم، ولم يكافئوهم به ولم يلتفتوا إليه، يعني: إذا شتمهم الكفار لم يشتغلوا بمعارضتهم بالشتم وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا يعني: ديننا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ يعني: دينكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني: ردّوا معروفاً عليهم ليس هذا تسليم التحية، وإنما هو تسليم المتاركة والمسالمة، أي: بيننا وبينكم المتاركة والمسالمة، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال.
ويقال: السلام عليكم يعني: أكرمكم الله تعالى بالإسلام لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي: لا نطلب دين الخاسرين، ولا نصحبهم.
ويقال: هذه الآية مدنية نزلت في شأن عبد الله بن سلام.
وروى أسباط عن السدي قال: لما أسلم عبد الله بن سلام فقال: يا رسول الله، ابعث إلى قومي فاسألهم عني.
فبعث إليهم رسول الله ، وقد ستر بينهم وبينه ستراً.
وقال: «أَخْبِرُونِي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلامِ كَيْفَ هُوَ فِيكُمْ؟» قالوا: ذاك سيدنا وأعلمنا.
قال: «أَرَأَيْتُمْ إنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي أَتُؤْمِنُونَ بِي وَتُصَدِّقُونِي؟» قالوا: هو أفقه من أن يدع دينه ويتبعك.
قال: «أَرَأَيْتُمْ إنْ فَعَلَ؟» قالوا: لا يفعل.
قال: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ فَعَلَ؟» قالوا: إنه لا يفعل، ولو فعل إذاً نفعل.
فقال : «أخْرُجْ يا عَبْدَ الله» .
فخرج.
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فوقعوا فيه وشتموه وقالوا: ما فينا أحد أقل علماً ولا أجهل منك.
قال: «أَلَمْ تُثْنُوا عَلَيْهِ آنِفاً؟» قالوا: إنا استحينا أن نقول اغتبتم صاحبكم، فجعلوا يشتمونه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ فقال: ابن يامين وكان من رؤساء بني إسرائيل: أشهد أن عبد الله بن سلام صادق، فابسط يدك يا محمد، فبسط يده، فبايع ابن يامين مع رسول الله فنزل: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ إلى قوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وإلى قوله: لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (١) (١) عزاه السيوطي: 6/ 426 إلى ابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ويحتمل أن يريد بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ أَمْرِ محمدٍ والإخبارِ به الذي هو في التوراة.
وقوله: وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ يُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، وقرأ حمزةُ والكسائي «٢» وعاصم: «سِحْران» والمرادُ بهما: التَّوراةُ والقرآنُ قاله ابن عباس «٣» ، وتَظاهَرا: معناه:
تعاوناً.
وقوله: أَهْدى مِنْهُما.
قال الثعلبي: يعني: أهدى من كتابِ محمدٍ وكتابِ موسى انتهى.
ت: ويحتملُ أنْ يكونَ الضميرُ في يَكْفُرُوا لقريشٍ كما أشار إليه الثعلبيُّ، وكذا في قالُوا لقريش عنده.
وسِحْرانِ يريدونَ موسى ومحمداً- عليهما السلام- وهو ظاهرُ قولِهم: إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ لأن اليهودَ لا يقولون ذلك في موسى في عصر نبينا محمد عليه السلام، ويُبيِّن هذَا كلَّه قولُه تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ...
الآية، فإنَّ ظاهرَ الآيةِ أنَّ المرادَ قريشٌ وعَلَى هذا كله مرّ الثعلبيّ، انتهى.
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)
إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠)
وقوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ...
الآية الذينَ وصَّلَ لَهُمُ القَوْلَ: همْ قريشٌ قاله مجاهد «١» وغيره، قال الجمهورُ: والمعنى: وَاصَلْنَا لهم في القرآن، وتابعناه موصولاً بعضُه ببعضٍ في المواعظ والزواجر، والدعاء، إلى الإسلام.
وذهبت فرقةٌ إلى: أنَّ الإشارة بتوصيلِ القولِ إنما هي إلى الألفاظ، فالمعنى «٢» : ولقد وصَّلنا لهم قَوْلاً معجزا دالّا على نبؤتك.
قال ع «٣» : والمعنى الأولُ تقديره: ولقد وصلنا لهم قولا يتضمّن معاني مَنْ تَدَبَّرَهَا اهْتَدَى.
ثم ذكر- تعالى- القومَ الذينَ آمنوا بمحمدٍ مِنْ أهلِ الكتاب مُبَاهِياً بهم قريشاً.
واختُلِفَ في تَعيينهم فقال الزهري: الإشَارَةُ: إلى النَّجَاشِيِّ «٤» .
وقيل: إلى سلمان، وابن سلام، وأسند الطبريُّ «٥» إلى رفاعة القرظي، قال: نزلت ٥٨ ب هذه الآيةُ/ في اليهود في عَشْرَةٍ أَنَا أَحَدُهُمْ، أَسْلَمْنَا فَأُوذِينَا «٦» فنزلت فينا هذه الآية.
والضمير في قَبْلِهِ يعود على القرآن.
وأَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ معناه: على مِلَّتَيْنِ وهذا المعنى هو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلّم «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بي ...
» الحديث «٧» .
ويَدْرَؤُنَ معناه: يَدْفَعُونَ وهذا وصفٌ لمكَارِمِ الأخلاقَ، أي: يتغابون ومن قال لهم سوءا لاينوه وقَابَلُوهُ من القول الحسِن بما يَدْفَعُه، واللغْوُ سَقَطُ القولِ، والقولُ يَسْقُط لوجوهٍ يَعِزُّ حَصْرُها، والمرادُ منه في الآيةِ: ما كان سبّاً وأذى ونحوه فأدب الإسلام الإعراض عنه.
وسَلامٌ في هذا الموضِع قُصِدَ به المَتَارَكةُ لا التحيّة.
قال
الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال، ولا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ معناه: لا نَطْلُبُهُمْ للجِدَالِ والمراجعة والمشاتمة.
ت: قال ابن المباركِ في «رقائقه» : أخبرنا حبيبُ بنُ حجر القيسي، قال: كان يقال: ما أحْسَنَ الإِيمَانَ يَزِينُه العلمُ، وما أحْسَنَ العِلمَ يَزِينُه العَمَلُ، وما أَحْسَنَ العَمَلَ يزينه الرفق، وما أضفت شيئا إلى شَيء، مِثْلَ حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، انتهى.
وأجْمَعَ جُلُّ المفسرينَ على أنَّ قولَه تعالى: إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ إنما نَزَلَتْ في شَأْنِ أَبي طالب، فَرَوى أبو هريرةَ وغيره «أن النبي صلى الله عليه وسلّم دَخَلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَمِّ، قُلْ: لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ ...
» الحديثُ «١» قد ذَكَرناه في سورة: «براءَة» ، فَماتَ أبو طالبٍ على كُفْرِه، فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ فيه.
قالَ أبو روق: قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إشارة إلى العباسِ «٢» ، والضميرُ في قوله: وَقالُوا لقريش.
قال ابن عباس: والمُتَكَلِّمُ بذلك فيهم الحارثُ بن نوفَلِ، وحكى الثعلبيُّ أنه قالَ له:
إنا لنعلم أن الذي تقولُ حَقٌّ وَلَكِنْ إن اتبَعْنَاكَ تَخَطَّفَتْنَا العرب.
وتجبى: معناه: تُجْمَعُ وتُجْلَبُ.
وقوله: كُلِّ شَيْءٍ يريد مما به صلاحُ حالهِم، ثم توعَّدَ قريشاً بقوله وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ وبَطِرَتْ معناه: سَفِهَت وأشِرَتْ وطَغَتْ قاله ابن زيد «٣» وغيره.
ت: قالَ الهروي: قولُه تعالى: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي: في مَعِيْشَتِهَا، والبَطَرُ:
الطغيانُ عند النِّعمةِ، انتهى.
ثم أحالَهُم على الاعتبارِ في خَرَابِ دِيار الأُمَمِ المُهْلَكَةِ كَحِجْرِ ثَمُودَ، وغيرِه.
ثُمَّ خَاطبَ تعالَى قريشاً مُحقِّراً لما كانوا يَفتَخِرُونَ به من مالٍ وبنينَ، وأَنَّ ذلك متاعُ الدنْيَا الفانِي، وأنَّ الآخرةَ وَمَا فِيهَا من النَّعِيمِ الذي أعدَّهُ اللهُ للمؤمِنِينَ خيْرٌ وأبقى.
ت: وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جناح
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ الحَقُّ مِن عِنْدِنا ﴾ وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ والقُرْآنُ ﴿ قالُوا لَوْلا ﴾ أيْ: هَلّا ﴿ أُوتِيَ ﴾ مُحَمَّدٌ مِنَ الآياتِ ﴿ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ﴾ كالعَصا واليَدِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أمَرَتِ اليَهُودُ قُرَيْشًا أنْ تَسْألَ مُحَمَّدًا مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى ﴾ أيْ: فَقَدْ كَفَرُوا بِآياتِ مُوسى، و ﴿ قالُوا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اليَهُودُ.
والثّانِي: قُرَيْشٌ.
﴿ سِحْرانِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " ساحِرانِ " .
﴿ تَظاهَرا ﴾ أيْ: تَعاوَنا.
ورَوى العَبّاسُ الأنْصارِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " تَظّاهَرا " بِتَشْدِيدِ الظّاءِ.
وَفِيمَن عَنَوْا ثَلاثَةَ أقْوالٍ.
أحَدُها: مُوسى ومُحَمَّدٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ فَعَلى هَذا هو مِن قَوْلِ مُشْرِكِي العَرَبِ.
والثّانِي: مُوسى وهارُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا هو مِن قَوْلِ اليَهُودِ لَهُما في ابْتِداءِ الرِّسالَةِ.
والثّالِثُ: مُحَمَّدٌ وعِيسى، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَعَلى هَذا هو مِن قَوْلِ اليَهُودِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيِّنا.
وَقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " سِحْرانِ " وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّوْراةُ والفُرْقانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: الإنْجِيلُ والقُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ.
ومَعْنى الكَلامِ: كُلُّ سِحْرٍ مِنهُما يُقَوِّي الآَخَرَ، فَنُسِبَ التَّظاهُرُ إلى السِّحْرَيْنِ تَوَسُّعًا في الكَلامِ، ﴿ وَقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ﴾ يَعْنُونَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﴿ قُلْ ﴾ لِكُفّارِ مَكَّةَ ﴿ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما ﴾ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنَّهُما ساحِرانِ.
﴿ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ﴾ أيْ: فَإنْ لَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِ التَّوْراةِ والقُرْآنِ، ﴿ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ ﴾ أيْ: أنَّ ما رَكِبُوهُ مِنَ الكُفْرِ لَمْ يَحْمِلْهم عَلَيْهِ حُجَّةٌ، وإنَّما آَثَرُوا فِيهِ الهَوى ﴿ وَمَن أضَلُّ ﴾ أيْ: ولا أحَدَ أضَلُّ ﴿ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى ﴾ أيْ: بِغَيْرِ رَشادٍ ولا بَيانٍ جاءَ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ .
﴿ وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ يَعْمُرَ: " وصَلْنا " بِتَخْفِيفِ الصّادِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما أنَّهم قُرَيْشٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ.
والثّانِي: اليَهُودُ، قالَهُ رِفاعَةُ القُرَظِيُّ.
والمَعْنى: أنْزَلْنا القُرْآَنَ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُخْبِرُ عَنِ الأُمَمِ الخالِيَةِ كَيْفَ عُذِّبُوا لَعَلَّهم يَتَّعِظُونَ.
﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: مُسْلِمُو أهْلِ الإنْجِيلِ، رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أرْبَعِينَ مِن أصْحابِ النَّجاشِيِّ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَشَهِدُوا مَعَهُ أُحُدًا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
والثّالِثُ: مُسْلِمُو اليَهُودِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْن سَلامٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآَنِ ﴿ هم بِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُحَمَّدٍ ، لِأنَّ ذِكْرَهُ كانَ مَكْتُوبًا [عِنْدَهُمْ] في كُتُبِهِمْ، فَآمَنُوا بِهِ.
والثّانِي: إلى القُرْآَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿ قالُوا آمَنّا بِهِ ﴾ ، ﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآَنِ ﴿ مُسْلِمِينَ ﴾ أيْ: مُخْلِصِينَ لِلَّهِ مُصَدِّقِينَ بِمُحَمَّدٍ، وذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَهُ كانَ في كُتُبِهِمْ فَآَمَنُوا بِهِ ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الظّاهِرُ وَفِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم صَبَرُوا عَلى الكِتابِ الأوَّلِ، وصَبَرُوا عَلى اتِّباعِهِمْ مُحَمَّدًا، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهم صَبَرُوا عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، ثُمَّ عَلى اتِّباعِهِ حِينَ بُعِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ أسْلَمُوا، فَكانَ قَوْمُهم يُؤْذُونَهم، فَصَبَرُوا عَلى الأذى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في (الرَّعْدِ: ٢٢) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأذى والسَّبُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ آمَنُوا، فَكانُوا يَسْمَعُونَ ما غَيَّرَ اليَهُودُ مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ فَيَكْرَهُونَ ذَلِكَ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وهَلْ هَذا مَنسُوخٌ، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَنا دِينُنا ولَكم دِينُكم.
والثّانِي: لَنا حِلْمُنا ولَكم سَفَهُكم.
﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يُرِيدُوا التَّحِيَّةَ، وإنَّما أرادُوا: بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ المُتارَكَةُ، وهَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ المُسْلِمُونَ بِالقِتالِ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا نَبْتَغِي دِينَ الجاهِلِينَ.
والثّانِي: لا نَطْلُبُ مُجاوَرَتَهم.
والثّالِثُ: لا نُرِيدُ أنْ نَكُونَ جُهّالًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ ﴿ وَإذا سَمِعُوا اللَغْوَ أعْرَضُوا عنهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ الَّذِينَ وصَلَ إلَيْهِمُ القَوْلَ قُرَيْشٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو رَفاعَةَ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ في عَشَرَةٍ أنا أحَدُهُمْ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.
وقالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ واصَلْنا لَهم في القُرْآنِ وتابَعْناهُ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ في المَواعِظِ والزَجْرِ والدُعاءِ إلى الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: وفي ذِكْرِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، وُصِلَتْ لَهم قِصَّةٌ بِقِصَّةٍ، حَسَبَ مُرُورَ الأيّامِ.
وذَهَبَ مُجاهِدٌ أنَّ مَعْنى "وَصَّلْنا": فَصَّلْنا، أيْ: جَعَلْناهُ أوصالًا مِن حَيْثُ كانَ أنْواعًا مِنَ القَوْلِ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى اتِّصالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ حاصِلٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، لَكِنْ إنَّما عَدَّدَ عَلَيْهِمْ ها هُنا تَقْسِيمَهُ في أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا التَوَصُّلَ الَّذِي وصَّلَ لَهُمُ القَوْلَ مَعْناهُ: وصَّلَ المَعانِي مِنَ الوَعْظِ والزَجْرِ، والأجْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الإشارَةَ بِتَوْصِيلِ القَوْلِ إنَّما هي إلى الألْفاظِ، أيِ الإعْجازِ، فالمَعْنى: ولَقَدْ وصَّلْنا لَهم قَوْلًا مُعْجِزًا عَلى نُبُوَّتِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى الأوَّلُ تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ وصَّلْنا لَهم قَوْلًا تَضَمَّنَ مَعانِيَ مَنِ اهْتَدى.
وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلَقَدْ وصَلْنا" بِتَخْفِيفِ الصادِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ: يَتَّعِظُونَ بِالقُرْآنِ عن عِبادَةِ الأصْنامِ، أو يَتَذَكَّرُونَ مُحَمَّدًا فَيُؤْمِنُوا بِهِ.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى القَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مُباهِيًا بِهِمْ قُرَيْشًا، واخْتُلِفَ، إلى مَنِ الإشارَةُ؟
فَقِيلَ: إلى جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمَتْ وكانَتْ تَلْقى مِنَ الكُفّارِ أذًى، وقِيلَ: إلى بَحِيرى الراهِبِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: إلى النَجاشِيِّ، وقِيلَ: إلى سَلْمانَ، وابْنِ سَلامٍ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي رَفاعَةَ قالَ: خَرَجَ عَشَرَةُ رَهْطٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، فِيهِمْ أبُو رَفاعَةَ -يَعْنِي أباهُ- فَأسْلَمُوا، فَأُوذُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيِّ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ، وما بَعْدُ يُؤَيِّدُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ يُرِيدُونَ الإسْلامَ المُتَحَصِّلَ لَهم مِن شَرِيعَةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وإيتاءُ أجْرِهِمْ مَرَّتَيْنِ مَعْناهُ: عَلى مِلَّتَيْنِ، ولِإيمانِهِمْ بِشَرِيعَتَيْنِ، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولَ اللهِ : «ثَلاثَةٌ يُؤْتِيهِمُ اللهُ أجَرَهم مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي، والعَبْدُ الناصِحُ في عِبادَةِ رَبِّهِ وخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، ورَجُلٌ كانَتْ لَهُ أمَةٌ فَأدَّبَها وعَلَّمَها ثُمْ أعْتَقَها وتَزَوَّجَها».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ عامٌّ في صَبْرِهِمْ عَلى مِلَّتِهِمْ ثُمْ عَلى هَذِهِ وعَلى الأذى الَّذِي يَلْقَوْنَهُ مِنَ الكُفّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَدْرَءُونَ ﴾ مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، وهَذا وصْفٌ لِمَكارِمُ الأخْلاقِ، أيْ: يَتَعاوَنُونَ، ومَن قالَ لَهم سُوءًا لايَنُوهُ وقابَلُوهُ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ بِما يَدْفَعُهُ، وهَذِهِ آيَةُ مُهادَنَةٍ، وهي في صَدْرِ الإسْلامِ، وهي مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، وبَقِيَ حُكْمُها فِيما دُونَ الكُفْرِ تَتَعاطاهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ مَدْحٌ لَهم بِالنَفَقَةِ في الطاعاتِ، وعَلى رَسْمِ الشَرْعِ، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى الصَدَقاتِ ونَحْوِها.
و"اللَغْوُ" لَغْوُ القَوْلِ، واليَمِينُ لَغْوٌ، حَسَبَ الخِلافِ فِيهِما، وكَلامُ مُسْتَمِعِ الخُطْبَةِ لَغْوٌ، والمُرادُ مِن هَذا -فِي هَذِهِ الآيَةِ- ما كانَ سَبًّا وأذًى ونَحْوَهُ، فَأدَبُ أهْلِ الإسْلامِ الإعْراضُ عنهُ، والقَوْلُ -عَلى جِهَةِ التَبَرِّي- ﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ .
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اللَغْوُ ها هُنا ما كانَ بَنُو إسْرائِيلَ كَتَبُوهُ في التَوْراةِ مِمّا لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المُهادَنَةُ هي لِبَنِي إسْرائِيلَ، الكُفّارِ مِنهُمْ، و ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَ المَقْصُودُ بِها التَحِيَّةُ، لَكِنَّهُ لَفْظُ التَحِيَّةِ قُصِدَ بِهِ المُتارَكَةُ، وهو لَفْظٌ مُؤْنِسٌ مُسْتَنْزِلٌ لِسامِعِهِ؛ إذْ هو في عُرْفِ اسْتِعْمالِهِ تَحِيَّةً، قالَ الزَجّاجُ: وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، و ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ مَعْناهُ: لا نَطْلُبُهم لِلْجِدالِ والمُراجَعَةِ والمُسابَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
لمّا أفهم قوله ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ [القصص: 51] أنهم لم يفعلوا ولم يكونوا عند رجاء الراجي عقب ذلك بهذه الجملة المستأنفة استئنافاً بيانياً لأنها جواب لسؤال من يسأل هل تذكر غيرهم بالقرآن أو استوى الناس في عدم التذكر به.
فأجيب بأن الذين أوتوا الكتاب من قبل نزول القرآن يؤمنون به إيماناً ثابتاً.
والمراد بالذين أوتوا الكتاب طائفة معهودة من أهل الكتاب شهد الله لهم بأنهم يؤمنون بالقرآن ويتدبرونه وهم بعض النصارى ممن كان بمكة مثل ورقة بن نوفل، وصهيب، وبعض يهود المدينة مثل عبد الله بن سلام ورفاعة بن رفاعة القرظي ممن بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر النبي إلى المدينة فلما هاجر أظهروا إسلامهم.
وقيل: أريد بهم وفد من نصارى الحبشة اثنا عشر رجلاً بعثهم النجاشي لاستعلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فجلسوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به وكان أبو جهل وأصحابه قريباً منهم يسمعون إلى ما يقولون فلما قاموا من عند النبي صلى الله عليه وسلم تبعهم أبو جهل ومن معه فقال لهم: خيَّبكم الله من ركب وقبحكم من وفد لم تلبثوا أن صدقتموه، فقالوا: سلام عليكم لم نأل أنفسنا رشداً لنا أعمالنا ولكم أعمالكم.
وبه ظهر أنهم لما رجعوا أسلم النجاشي وقد أسلم بعض نصارى الحبشة لما وفد إليهم أهل الهجرة إلى الحبشة وقرأوا عليهم القرآن وأفهموهم الدين.
وضمير ﴿ من قبله ﴾ عائد إلى القول من ﴿ ولقد وصلنا لهم القول ﴾ [القصص: 51]، وهو القرآن.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في ﴿ هم به يؤمنون ﴾ لتقوي الخبر.
وضمير الفصل مقيد للقصر الإضافي، أي هم يوقنون بخلاف هؤلاء الذين وصلنا لهم القول.
ومجيء المسند مضارعاً للدلالة على استمرار إيمانهم وتجدده.
وحكاية إيمانهم بالمضي في قوله ﴿ آمنا به ﴾ مع أنهم يقولون ذلك عند أول سماعهم القرآن: إما لأن المضي مستعمل في إنشاء الإيمان مثل استعماله في صيغ العقود، وإما لللإشارة إلى أنهم آمنوا به من قبل نزوله، أي آمنوا بأنه سيجيء رسول بكتاب مصدق لما بين يديه، يعني إيماناً إجمالياً يعقبه إيمان تفصيلي عند سماع آياته.
وينظر إلى هذا المعنى قوله ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ ، أي مصدقين بمجيء رسول الإسلام.
ويجوز أن يراد ب ﴿ مسلمين ﴾ موحدين مصدقين بالرسل فإن التوحيد هو الإسلام كما قال إبراهيم ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ [البقرة: 132].
وجملة ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ في موقع التعليل لجملة ﴿ آمنا به ﴾ .
وجملة ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ بيان لمعنى ﴿ آمنا به ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الَّذِينَ آتَيْناهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ القُرْآنِ هم بِالقُرْآنِ يُؤْمِنُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: الَّذِي آتَيْناهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ هم بِمُحَمَّدٍ يُؤْمِنُونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَفِيمَن نَزَلَتْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وتَمِيمٍ الدّارِيِّ والجارُودِ العَبْدِيِّ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ أسْلَمُوا فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ الإنْجِيلِ كانُوا مُسْلِمِينَ بِالنَّبِيِّ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، اثْنانِ وثَلاثُونَ رَجُلًا مِنَ الحَبَشَةِ أقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وقْتَ قُدُومِهِ وثَمانِيَةٌ قَدِمُوا مِنَ الشّامِ.
مِنهم بَحِيرا وأبْرَهَةُ والأشْرافُ وعامِرٌ وأيْمَنُ وإدْرِيسُ ونافِعٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، والَّتِي بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ﴾ قالَ قَتادَةُ: [بِإيمانِهِمْ] بِالكِتابِ الأوَّلِ وإيمانِهِمْ بِالكِتابِ الآخِرِ.
وَفِي قَوْلِهِ بِما صَبَرُوا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِما صَبَرُوا عَلى الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: عَلى الأذى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: يَدْفَعُونَ بِالحِلْمِ جَهْلَ الجاهِلِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: يَدْفَعُونَ بِالسَّلامِ قُبْحَ اللِّقاءِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ النَّقّاشِ.
الرّابِعُ: يَدْفَعُونَ بِالمَعْرُوفِ المُنْكَرَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الخامِسُ: يَدْفَعُونَ بِالخَيْرِ الشَّرَّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: يَدْفَعُونَ بِالتَّوْبَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ.
﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُؤْتُونَ الزَّكاةَ احْتِسابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلى أهْلِهِ وهَذا قَبْلَ نُزُولِ الزَّكاةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: يَتَصَدَّقُونَ مِن أكْسابِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا فَكانَ اليَهُودُ يَتَلَقَّوْنَهم بِالشَّتْمِ والسَّبِّ فَيُعْرِضُونَ عَنْهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا فَكانُوا إذا سَمِعُوا ما غَيَّرَهُ اليَهُودُ مِنَ التَّوْراةِ وبَدَّلُوهُ مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ وصِفَتِهِ أعْرَضُوا عَنْهُ وكَرِهُوا تَبْدِيلَهُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ إذا سَمِعُوا الشِّرْكَ أعْرَضُوا عَنْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومَكْحُولٌ.
الرّابِعُ: أنَّهم أُناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا يَهُودًا ولا نَصارى وكانُوا عَلى دِينِ أنْبِياءِ اللَّهِ وكانُوا يَنْتَظِرُونَ بِعْثَةَ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمّا سَمِعُوا بِظُهُورِهِ بِمَكَّةَ قَصَدُوهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وأسْلَمُوا.
وَكانَ أبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ يَلْقَوْنَهم فَيَقُولُونَ لَهم: أُفٍّ لَكم مِن قَوْمٍ مَنظُورٍ إلَيْكم تَبِعْتُمْ غُلامًا قَدْ كَرِهَهُ قَوْمُهُ وهم أعْلَمُ بِهِ مِنكُمْ، فَإذا قالُوا ذَلِكَ لَهم أعْرَضُوا عَنْهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ قالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنا دِينُنا ولَكم دِينُكم، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: لَنا حِلْمُنا ولَكم سَفَهُكم.
﴿ سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ رَدُّوا خَيْرًا واسْتَكْفَوْا شَرًّا، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا نُجازِي الجاهِلِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لا نَتَّبِعُ الجاهِلِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو القاسم البغوي في معجمه والباوردي وابن قانع الثلاثة في معاجم الصحابة والطبراني وابن مردويه بسند جيد عن رفاعة القرظي رضي الله عنه قال: نزلت ﴿ ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ في عشرة رهط: انا أحدهم.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولقد وصلنا لهم ﴾ قال: لقريش ﴿ القول ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ ولقد وصلنا لهم القول ﴾ قال: بَيَّنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولقد وصلنا لهم القول ﴾ قال: وصل الله لهم القول في هذا القرآن يخبرهم كيف يصنع بمن مضى، وكيف صنعوا، وكيف هو صانع.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي رفاعة رضي الله عنه قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب- منهم أبو رفاعة- إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا، فأوذوا، فنزلت ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر عن علي بن رفاعة رضي الله عنه قال: كان أبي من الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، وكانوا عشرة، فلما جاؤوا جعل الناس يستهزئون بهم، ويضحكون منهم، فأنزل الله: ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ قال: في مسلمة أهل الكتاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ قال: كنا نحدث أنها أنزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق يأخذون بها، وينتهون إليها، حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وصبرهم على ذلك قال: وذكر لنا أن منهم سلمان، وعبد الله بن سلام.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ قال: يعني من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب.
وأخرج ابن مردويه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: تداولتني الموالي حتى وقعت بيثرب، فلما يكن في الأرض قوم أحب إلي من النصارى، ولا دين أحب إلي من النصرانية، لما رأيت من اجتهادهم، فبينا أنا كذلك إذ قالوا: قد بعث في العرب نبي، ثم قالوا: قدم المدينة فاتيته فجعلت أسأله عن النصارى قال: لا خير في النصارى، ولا أحب النصارى قال: فاخبرته أن صاحبي قال: لو أدركته فأمرني أن أقع النار لوقعتها قال: وكنت قد استهترت بحب النصارى، فحدثت نفسي بالهرب، وقد جرد رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف، فأتاني آتٍ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فقلت: اذهب حتى أجيء وأنا أحدث نفسي بالهرب قال لي: لن افارقك حتى أذهب بك إليه، فانطلقت به فلما رآني قال: يا سلمان قد أنزل الله عذرك ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ .
وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: أنا رجل من أهل رام هرمز، كنا قوماً مجوساً، فأتانا رجل نصراني من أهل الجزيرة، فنزل فينا واتخذ فينا ديراً، وكنت في كتاب في الفارسية، وكان لا يزال غلام معي في الكتاب يجيء مضروباً يبكي قد ضربه أبواه.
فقلت له يوماً: ما يبكيك؟
قال: يضربني أبواي قلت: ولم يضربانك؟
قال: آتي صاحب هذا الدير، فإذا علما ذلك ضرباني، وأنت لو أتيته سمعت منه حديثاً عجيباً قلت: فاذهب بي معك، فاتيناه فحدثنا عن بدء الخلق، وعن بدء مغلق السموات والأرض، وعن الجنة والنار.
فحدثنا باحاديث عجب، وكنت أختلف إليه معه، ففطن لنا غلمان من الكتاب، فجعلوا يجيئون معنا.
فلما رأى ذلك أهل القرية أتوه فقالوا: يا هذا إنك قد جاورتنا فلم نر من جوارك إلا الحسن، وإننا لنا غلماننا يختلفون إليك، ونحن نخاف أن تفسدهم علينا، أخرج عنا قال: نعم.
فقال لذلك الغلام الذي كان يأتيه: اخرج معي.
قال: لا أستطيع ذلك قد علمت شدة أبوي علي قلت: لكنني أخرج معك، وكنت يتيماً لا أب لي، فخرجت معه فأخذنا جبل رام هرمز، فجعلنا نمشي ونتوكل ونأكل من ثمر الشجر حتى قدمنا الجزيرة، فقدمنا نصيبين فقال لي صاحبي: يا سلمان ان هاهنا قوماً عباد الأرض، وأنا أحب أن ألقاهم.
فجئنا إليهم يوم الأحد وقد اجتمعوا، فسلم عليهم صاحبي فحيوه وبشوا به وقالوا: أين كان غيبتك؟
قال: كنت في اخوان لي من قبل فارس، فتحدثنا ما تحدثنا ثم قال لي صاحبي: قم يا سلمان انطلق قلت: لا، دعني مع هؤلاء قال: إنك لا تطيق ما يطيق هؤلاء، يصومون الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل، فإذا فيهم رجل من أبناء الملوك ترك الْمُلْكَ ودخل في العبادة، فكنت فيهم حتى أمسينا، فجعلوا يذهبون واحداً واحداً إلى غاره الذي يكون فيه، فلما أمسينا قال: ذاك الذي من أبناء الملوك هذا الغلام ما تصنعونه؟
ليأخذه رجل منكم فقالوا: خذه أنت.
فقال لي: قم يا سلمان فذهب بي حتى أتى غاره الذي يكون فيه فقال لي: يا سلمان هذا خبز، وهذا أدم، فكل إذ غرثت، وصم إذا نشطت، وصَلِ ما بدا لك، ونم إذا كسلت، ثم قام في صلاته فلم يكلمني ولم ينظر الي، فأخذني الغم تلك السبعة الأيام لا يكلمني أحد، حتى كان الأحد فانصرف إلي، فذهبت إلى مكانهم الذي كانوا يجتمعون، وهم يجتمعون كل أحد يفطرون فيه، فيلقى بعضهم بعضاً، فيسلم بعضهم على بعض، ثم لا يلتقون إلى مثله.
فرجعت إلى منزلنا فقال لي: مثل ما قال لي أول مرة: هذا خبز وهذا أدم فكل منه إذا غرثت، وصم إذا نشطت، وصلِّ ما بدا لك، ونم إذا كسلت، ثم دخل في صلاته فلم يلتفت إلي ولم يكلمني إلى الأحد الآخر، فاخذني غم، وحدثت نفسي بالفرار، فقلت: اصبر أحدين أو ثلاثة، فلما كان الأحد رجعنا إليهم، فافطروا واجتمعوا فقال لهم: إني أريد بيت المقدس.
فقالوا له: وما تريد إلى ذاك؟
قال: لا عهد به قالوا: إنا نخاف أن يحدث بك حدث فيليك غيرنا، وكنا نحب أن نليك قال: لا عهد به.
فلما سمعته يذكر ذاك فرحت قلت: نسافر ونلقى الناس فيذهب عني الغم الذي كنت أجد، فخرجت أنا وهو وكان يصوم من الأحد إلى الأحد، ويصلي الليل كله، ويمشي بالنهار، فإذا نزلنا قام يصلي.
فلم يزل ذاك دأبه حتى نزلنا بيت المقدس، وعلى الباب رجل مقعد يسأل الناس فقال: اعطني.
فقال: ما معي شيء، فدخلنا بيت المقدس، فلما رآه أهل بيت المقدس بشوا به واستبشروا به فقال لهم: غلامي هذا فاستوصوا به، فانطلقوا بي فاطعموني خبزاً ولحماً، ودخل في الصلاة فلم ينصرف إلي حتى كان يوم الأحد الآخر، ثم انصرف فقال لي: يا سلمان إني أريد أن أضع رأسي، فإذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فايقظني.
فبلغ الظل الذي قال فلم أوقظه رحمة له مما رأيت من اجتهاده ونصبه، فاستيقظ مذعوراً فقال: يا سلمان ألم أكن قلت لك إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني؟
قلت: بلى.
ولكن إنما منعني رحمة لك لما رأيت من دأبك قال: ويحك يا سلمان..
!
إني أكره أن يفوتني شيء من الدهر لم أعمل فيه لله خيراً.
ثم قال لي: يا سلمان اعلم أن أفضل ديننا اليوم النصرانية.
قلت: ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية؟
كلمة ألقيت على لساني.
قال: نعم.
يوشك أن يبعث نبي يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإذا أدركته فاتبعه وصدقه قلت: وإن أمرني أن أدع النصرانية؟
قال: نعم.
فإنه نبي الله لا يأمر إلا بالحق، ولا يقول إلا حقاً، والله لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعتها.
ثم خرجنا من بيت المقدس، فمررنا على ذلك المقعد فقال له: دخلت فلم تعطني وهذا تخرج فاعطني.
فالتفت فلم ير حوله أحداً قال: فاعطني يدك، فأخذ بيده فقال: قم باذن الله.
فقام صحيحاً سوياً، فتوجه نحو أهله، فاتبعته بصري تعجباً مما رأيت، وخرج صاحبي فأسرع المشي، وتبعته فتلقاني رفقة من كلب اعراب، فسبوني فحملوني على بعير، وشدوني وثاقاً فتداولني البياع حتى سقطت إلى المدينة، فاشتراني رجل من الأنصار، فجعلني في حائط له من نخل، فكنت فيه ومن ثم تعلمت الخوص، أشتري خوصاً بدرهم فاعلمه فابيعه بدرهمين، فأرد درهماً إلى الخوص واستنفق درهماً أحب أن آكل من عمل يدي، فبلغنا ونحن بالمدينة أن رجلاً خرج بمكة يزعم أن الله أرسله، فمكثنا ما شاء الله أن نمكث، فهاجر إلينا وقدم علينا فقلت: والله لأجربنه فذهبت إلى السوق، فاشتريت لحم جزور ثم طحنته، فجعلت قصعة من ثريد، فاحتملتها حتى أتيته بها على عاتقي حتى وضعتها بين يديه فقال: ما هذه..
أصدقة أم هدية؟قلت: بل صدقة فقال لأصحابه: كلوا بسم الله.
وأمسك ولم يأكل، فمكثت أيام، ثم اشتريت لحماً أيضاً بدرهم، فاصنع مثلها فاحتملتها حتى أتيته بها، فوضعتها بين يديه فقال: ما هذه...
صدقة أم هدية؟
فقلت: بل هدية.
فقال لأصحابه: كلوا بسم الله وأكل معهم.
قلت: هذا- والله- يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فرأيت بين كتفيه خاتم النبوّة مثل بيضة الحمامة، فاسلمت.
فقلت له ذات يوم: يا رسول الله أي قوم النصارى؟
قال: لا خير فيهم ولا فيمن يحبهم قلت في نفسي: أنا- والله- أحبهم.
قال: وذاك حين بعث السرايا وجرد السيف.
فسرية تخرج وسرية تدخل والسيف يقطر قلت: يحدث بي الآن أني أحبهم، فيبعث إلي فيضرب عنقي، فقعدت في البيت فجاءني الرسول ذات يوم فقال: يا سلمان أجب رسول الله قلت: هذا- والله- الذي كنت أحذر قلت: نعم.
اذهب حتى ألحقك قال: لا والله حتى تجيء، وأنا أحدث نفسي أن لو ذهب فأفر.
فانطلق بي حتى انتهيت إليه، فلما رآني تبسم وقال لي: يا سلمان ابشر فقد فرج الله عنك، ثم تلا على هؤلاء الآيات ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ قلت: يا رسول الله- والذي بعثك بالحق- سمعته يقول: لو أدركته فأمرني أن أقع في النار لوقعتها، إنه نبي لا يقول إلا حقاً، ولا يأمر إلا بالحق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ قال: «نزلت في عبد الله بن سلام لما أسلم أحب أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعظمته في اليهود، ومنزلته فيهم، وقد ستر بينه وبينهم ستراً فكلمهم ودعاهم فأبوا فقال: أخبروني عن عبد الله بن سلام كيف هو فيكم؟
قالوا: ذاك سيدنا وأعلمنا قال: أرأيتم إن آمن بي وصدقني أتؤمنون بي وتصدقوني؟
قالوا: لا يفعل ذاك.
هو أفقه فينا من أن يدع دينه ويتبعك، قال أرأيتم إن فعل؟
قالوا: لا يفعل قال: أرأيتم إن فعل؟
قالوا إذاً نفعل..
قال: أخرج يا عبد الله بن سلام فخرج فقال: أبسط يدك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فبايعه، فوقعوا به وشتموه وقالوا: والله ما فينا أحد أقل علماً منه، ولا أجهل بكتاب الله منه قال: ألم تثنوا عليه آنفاً؟
قالوا: انا استحينا أن تقول اغتبتم صاحبكم من خلفه.
فجعلوه يشتمونه فقام إليه أمين بن يامين فقال: أشهد أن عبد الله بن سلام صادق، فابسط يدك فبايعه، فأنزل الله فيهم ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ يعني إبراهيم واسمعيل وموسى وعيسى وتلك الأمم وكانوا على دين محمد صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنيس رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ قال: هؤلاء قوم كانوا في زمان الفترة متمسكين بالإِسلام، مقيمين عليه، صابرين على ما أوذوا، حتى أدرك رجال منهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما أتى جعفر وأصحابه النجاشي أنزلهم، واحسن إليهم، فلما أرادوا أن يرجعوا قال من آمن من أهل مملكته: ائذن لنا فلنصحب هؤلاء في البحر، ونأتي هذا النبي فنحدث به عهداً، فانطلقوا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهدوا معه أحداً وخيبر ولم يصب أحد منهم فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائذن لنا فلنأت أرضنا فإن لنا أموالاً فنجيء بها فننفقها على المهاجرين، فانا نرى بهم جهداً، فأذن لهم فانطلقوا، فجاؤوا بأموالهم فانفقوها على المهاجرين، فأنزلت فيهم الآية ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ﴾ .
وأخرج ابن ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: إن قوماً من المشركين أسلموا فكانوا يؤذونهم، فنزلت هذه الآية فيهم ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه...
﴾ قال: أناس من أهل الكتاب أسلموا فكان أناس من اليهود إذا مروا عليهم سبوهم، فأنزل الله هذه الآية فيهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ﴾ قال: لا يجاورون أهل الجهل والباطل في باطلهم، أتاهم من الله ما وقذهم عن ذلك.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر.
ورجل كانت له أمة فأدبها وأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها.
وعبد مملوك أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده» .
وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ ﴾ يعني القرآن (١) ﴿ قَالُوا آمَنَّا بِهِ ﴾ صدقنا بالقرآن ﴿ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا ﴾ (٢) - كان مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فلم يعاند هؤلاء وآمنوا وصدقوا، وقالوا للقرآن: ﴿ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ (٣) (٤) وقال الكلبي: يقولون: إنا كنا من قبل أن يأتينا محمد مؤمنين به أنه سيكون (٥) وقال السدي: يقولون: كنا من قبله على دين إبراهيم وإسماعيل، وتلك الأمم كانوا على دين محمد (٦) (١) "تفسير الثعلبي" 8/ 149 أ.
(٢) "تفسير مقاتل" 67 أ.
و"تفسير ابن جرير" 20/ 89 (٣) "تفسير ابن جرير" 20/ 89.
(٤) "تفسير مقاتل" 67 أ.
(٥) "تنوير المقباس" 328.
وهو قول الفراء، قال: وذلك أنهم يجدون صفة النبي - - في كتابهم فصدقوا به، فذلك إسلامهم، وقال أيضًا: ﴿ مِنْ قَبْلِهِ ﴾ هذه الهاء للنبي - -، ولو كانت الهاء كناية عن القرآن كان صوابًا؛ لأنهم قد قالوا: ﴿ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا ﴾ فالهاء هاهنا أيضًا تكون للقرآن، ولمحمد - -.
"معاني القرآن" 2/ 307.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2989.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ ﴾ يعني من أسلم من اليهود، وقيل: النجاشي وقومه، وقيل: نصارى نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهم عشرون رجلاً فآمنوا به، والضمير في قبله القرآن، وقولهم إنه الحق: تعليل لإيمانهم، وقولهم: ﴿ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ : بيان لأن إسلامهم قديم، لأنهم وجدوا ذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم قبل أن يبعث.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سحران ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ بالتخفيف اتفاقاً ﴿ تجبى إليه ﴾ بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.
الباقون على التذكير ﴿ يعقلون ﴾ بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير ﴿ ثم هو ﴾ بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون ﴿ تبرأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .
الوقوف: ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ العمر ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ آياتنا ﴾ ج لما مر ﴿ مرسلين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ما أوتي موسى ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل ﴿ تظاهرا ﴾ ج للتعجب من عنادهم ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أهواهم ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ﴿ عليكم ﴾ ط لذلك ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ أرضنا ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ معيشتها ﴾ ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ آياتنا ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وزينتها ﴾ ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين ﴿ وأبقى ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ أغوينا ﴾ ج ﴿ غوينا ﴾ ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل ﴿ إليك ﴾ ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ج لجواز تعلق "لو" بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ ﴿ يهتدون ﴾ والوقف على ﴿ لهم ﴾ أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ لا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحين ﴾ ه ﴿ ويختار ﴾ ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد ﴿ الخيرة ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ز لعطف الجمل ﴿ ترجعون ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا فذكر أوّلاً أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب أنواراً للقلوب وإرشاداً لأهل الضلال وسبباً لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي التذكر إلى موسى.
ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ اي بجانب المكان الواقع في شق الغرب وهو ناحية الشأم التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء.
﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ على ذلك فقد يكون الشخص حاضراً ولا يكون شاهداً ولا مشاهداً.
قال ابن عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى.
ثم قال ﴿ ولكنا أنشأنا ﴾ بعد عهد موسى إلى عهدك ﴿ قروناً فتطاول عليهم العمر ﴾ فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى آخرهم قرناً وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء.
وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوّتك.
ثم فصل ما أجمل فذكر أوّل أمر موسى وبين أنه لم يكن هناك وهو قوله ﴿ وما كنت ثاوياً ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ وهم شعيب والمؤمنون به ﴿ تتلوا عليهم آياتنا ﴾ قال مقاتل: أي لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا ارسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها.
وقال الضحاك: يقول يا محمد: إنك لم تكن رسولاً إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ في كل زمان رسولاً فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.
ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه.
وعن بعض المفسرين أنه اراد قوله ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ﴾ إلى قوله ﴿ المفلحون ﴾ وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني.
قال: وإنما قال الله ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه.
وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد قال: يا رب أرنيهم.
قال: إنك لن تردكهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم.
قال: بلى يا رب.
فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال : أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس.
وروى سهل بن سعد أن رسول الله قال في قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: "كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة" .
قوله ﴿ ولكن رحمة ﴾ أي ولكنا علمناك ﴿ رحمة من ربك ﴾ ثم فسر الرحمة بقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة.
وقيل: كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة.
قوله ﴿ ولولا أن تصيبهم ﴾ هي امتناعية وجوابها محذوف.
والفاء في قوله ﴿ فيقولوا ﴾ للعطف على أن تصيبهم، وقوله ﴿ لولا أرسلت ﴾ هي تخصيصية.
والفاء في ﴿ فنتبع ﴾ جواب "لولا"، وذلك أن التخصيص في حكم الأمر لأن كلاً منهما بعث على الفعل.
والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم.
والحاصل أن إرسال الرسول لجل إزالة هذا العذر.
قال اصحاب اليبان: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها "لولا" وجيء بالقول معطوفاً عليها بفاء السببية تنبيهاً على أنهم لو لم يعاقبوا على كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فالسبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا يبان استحكام كفرهم وتصميمهم.
قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت.
وقال الكعبي: فيه دليل على أنه يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله .
وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان موقوفاً على خلق الله فأيّ فائدة في قولهم هذا.
ومعارضة الأشاعرة بالعلم والداعي معلومة.
ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا مقصود لهم إلا العناد فقال ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ اي الرسول المصدّق بالكتاب المعجز ﴿ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ من الكتاب المنزل جملة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم يكفروا ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى فقال : ﴿ أولم يكفروا ﴾ هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك الآيات الباهرة.
والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر والعنت.
وقال الكلبي: إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول اليهود قالوا: إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر فقال الله في حقهم ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ﴾ .
وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا أي تعاونا.
وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد فـ ﴿ قالوا ساحران ﴾ والأظهر أن كفار مكة وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات.
ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال الله تعالى: ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟
فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت.
من قرأ ﴿ ساحران ﴾ بالألف فظاهر، وأما من قرأ ﴿ سحران ﴾ فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو القرآن والتوراة.
وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم اشبه منها بالكتب.
وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوّي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار.
وفي تكرار ﴿ قالوا ﴾ وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة ﴿ وقالوا إنا بكل ﴾ من موسى ومحمد أو بكل من الكتابين ﴿ كافرون ﴾ مرة.
وثانيهما أن يكون قوله ﴿ وقالوا ﴾ معطوفاً على ﴿ أولم يكفروا ﴾ ثم عجزهم بقوله ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ اي مما أنزل على موسى ومما أنزل عليّ.
قال ابن عباس ﴿ فإِن لم يستجيبوا لك ﴾ معناه فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج.
وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما.
وهذا اشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا.
ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم.
وإنما لم يقل "فإن لم يأتوا" لأن قوله ﴿ فأتوا ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى.
وفي قوله ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه ﴾ حال كونه ﴿ بغير هدى من الله ﴾ إشارة إلى فساد طريقة التقليد.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ اي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله خاصة بالمؤمن.
وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها مالا يحسن إلا بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذراً لهم.
ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله ﴿ ولقد وصلنا ﴾ أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متصلاً بعضه في أثر بعض ليكون ذلك اقرب إلى التذكر والتذكير والتنبيه فإِنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة جديدة.
ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً ووعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً إلى غير ذلك من معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا.
ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى.
وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله ﴾ أي من قبل القرآن ﴿ هم به يؤمنون ﴾ قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام.
وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من ارض الحبشة في السفينة، وثمانية جاؤا من الشام.
وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم.
والتحقيق أن كل من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلاً في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ تعليل للإٍيمان به لأن كونه حقاً من الله يوجب الإيمان به.
وقوله ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوا في كتب الأنبياء من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل وجوده ونزوله.
وفي قوله ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أقوال بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعث ثم اثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.
﴿ ويدرؤن بالحسنة ﴾ وهي الطاعة ﴿ السيئة ﴾ وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى.
يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.
وقال السدي: عاب اليهود عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم.
مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم بالتحمل والتواضع.
وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك ﴿ أعرضوا عنه وقالوا ﴾ لأهل ذلك اللغو ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا نسخ.
ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله.
قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في ابي طالب وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟
قال: فما تريد يا ابن أخي؟
قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله.
قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند الموت.
وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله ﴿ وهم ينهون وينأون عنه ﴾ .
واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله ﴿ وانك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة ههنا معلوم.
وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم ﴿ قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله : أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ وبين مزيته بقوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ قالوا: الكل ههنا بمعنى الأكثر.
قلت: يحتمل أن يكون على أصله.
وانتصب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مصدر لأن ﴿ يجبى ﴾ بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله.
وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة.
وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى.
ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله .
وفي الآية دلالة على صحة المحاجة.
لإزالة شبهة المبطلين.
قالت الشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على ايدي الناس وقد اضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن افعال العباد مستندة إلى الله.
ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بحديث آخر مخلوط بالوعيد.
وانتصب ﴿ معيشتها ﴾ بنزع الخافض كقوله ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أو على أنه ظرف مكان مجازاً كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله فيه.
ومعنى ﴿ إلا قليلاً ﴾ قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة.
ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً.
﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ كقوله ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ لأنه الباقي بعد فناء خلقه.
ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟
فقال ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ﴾ اي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها ﴿ رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة.
قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد خاتم الأنبياء.
وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن.
ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا.
فبين بقوله ﴿ وما أوتيتم من شيء ﴾ الآية.
أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم.
ونبه على جهلهم بقوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير.
نظير الاية قوله "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" .
قال البرهان: إنما السورة "وما أوتيتم" الواو وفي الشورى ﴿ فما أوتيتم ﴾ بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف.
وإنما زاد في هذه السورة ﴿ وزينتها ﴾ .
لأن المراد ههنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع مالا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة.
وأما في "الشورى" فلم يقصد الاستيعاب بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر الزينة.
ثم زاد البيان المذكور تأكيداً بقوله ﴿ افمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه ﴾ لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا محالة.
وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع الحياة الدنيا يسوّي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟
ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة ﴾ تراخي حال الإِحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن وقته.
وتخصيص لفظ ﴿ المحضرين ﴾ بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن.
قال الله ﴿ لكنت من المحضرين ﴾ ﴿ فإنهم لمحضرون ﴾ ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعاراً به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإِلزام وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة.
قيل: نزلت في النبي وأبي جهل.
وقيل: في علي وحمزة وأبي جهل.
وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة.
ثم ذكر من وصف القيامة قائلاً ﴿ ويوم يناديهم ﴾ أي فاذكر ذلك اليوم.
ومعنى الاستفهام في ﴿ أين ﴾ التوبيخ والتهكم.
ومفعولا ﴿ تزعمون ﴾ محذوفان تقديره تزعمونهم شركائي.
﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم الشياطين ورؤساء الكفر.
و ﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ الذين أغوينا ﴾ صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر ﴿ أغويناهم ﴾ والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا.
قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضاً أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا.
وقالت المعتزلة: يعنون أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن أغواءنا ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال فيكون كما حكي عن الشيطان ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ﴾ ثم قالوا ﴿ تبرأنا إليك ﴾ منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة.
وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى.
وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذاراً ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم وهو قوله: ﴿ وقيل ادعوا شركاءهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ زعم جم غفير من المفسرين أن جواب "لو" محذوف.
فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.
وقيل: اراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئاً ولكنهم صاروا مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئاً فلا جرم ما رأوه.
وقيل: الضمير للأصنام أي كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب.
وقيل: "لو" للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين.
ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.
ومعنى ﴿ عميت عليهم الأنباء ﴾ أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسال بعض الناس بعضاً في المشكلات لأنهم متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ﴾ فما ظنك بضلال أممهم؟!
قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك.
وكذا القول فيما تقدّم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك فيّ الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية والعذر ظاهراً.
وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي.
والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت.
وزيفه الأشعري بأن الكافر لو اورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً.
ولقائل أن يقول: السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت.
وحين فرغ من توبيخ الكفار وتهديدهم اتبعة ذكر التائبين وأنهم من المفلحين.
و"عسى" من الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب.
ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى وهي قولهم ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ فأجاب الله عنها بقوله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ لأنه المالك المطلق المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء.
وعلى مذهب المعتزلة هو حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير.
وقوله ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ بيان لقوله ﴿ ويختار ﴾ والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم "محمد خيرة الله من خلقه".
وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على ﴿ ما يشاء ﴾ ثم يقول ﴿ ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، واي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله.
فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك الأفضل لا يحصل فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة.
ثم قولهم "المستحق خير من المتفضل به" ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟
قلت: لقائل أن يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر.
ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ والغرض أن الخلق والاختيار والإِعزاز والإِذلال والإِهانة والإِجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.
ثم اكد ذلك بقوله ﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم ﴾ من عداوة نبيه ﴿ وما يعلنون ﴾ من مطاوعتهم فيه.
ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية.
و ﴿ لا إله إلا هو ﴾ تقرير لما قبله ﴿ له الحمد في ﴾ الدار ﴿ الأولى ﴾ على نعمه الفائضة على البر والفاجر ﴿ و ﴾ في الدار ﴿ الآخرة ﴾ كقولهم ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف.
قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.
والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس.
قال القاضي: إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر.
وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب.
ولقائل أن يقول: لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف.
ثم بين بقوله ﴿ وله الحكم ﴾ أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم ابيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه.
التأويل: ﴿ ولقد آتينا موسى ﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿ إذ قضينا إلى موسى ﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ وما كنت في عالم الشهادة ﴿ ولكنا أنشأنا قروناً ﴾ في عالم الشهادة ﴿ فتطاول عليهم العمر ﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿ وما كنت ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم.
ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ يعني محمداً.
وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿ لولا أوتي مثل ما أوتي ﴾ لولم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿ بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ﴾ ﴿ الذين آتيناهم ﴾ حقيقة ﴿ الكتاب ﴾ في عالم الأرواح ﴿ من قبل ﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿ هم به يؤمنون ﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ ولذلك قال ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أي في العالمين ﴿ بما صبروا ﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ ويدرؤن ﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ ومما رزقناهم ﴾ من الوجود المجازي ﴿ ينفقون ﴾ في طلب الوجود الحقيقي: ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو طلب ماسوى الله ﴿ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ في طلب الفاني ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح ابداً، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ وقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ الذين اصابهم رشاش النور ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ﴾ بجذبات الألوهية من ارض الأنانية ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ في مقام الهوية ﴿ يجبى إليه ثمرات ﴾ حقائق ﴿ كل شيء رزقاً ﴾ من العلوم اللدنية ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ذوق العلم اللدني ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً ﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿ إلا قليلاً ﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ اي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿ رسولاً ﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى "تجوّع ترنى تجرد تصل إلي" ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿ فبما أغويتني ﴾ أي ﴿ أغويناهم ﴾ بتقديريك ﴿ كما أغوينا ﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ ورأوا العذاب ﴾ يعني ﴿ لو كانوا يهتدون ﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ : اختلف فيه: قال قائلون: هو القرآن، ثم يخرج على وجهين: أحدهما: وصل القرآن بعضه ببعض حتى خرج كله موافقا بعضه بعضا مصدقاً مجتمعاً غير مختلف، وإن فرق في الإنزال على تباعد الأوقات وطول المدد.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ : أن مثل هذا لا يكون إلا ممن يعلم الغيب، ولا يعزب عنه شيء ولا يغيب؛ إذ لو كان هو ممن لا يعلم ذلك من كلام المخلوق لخرج مختلفاً متناقضا على ما يكون من كلام المخلوق في تباعد الوقت وطول المدة مختلفاً متناقضاً.
والثاني: وصل مواعظ القرآن بعضها ببعض ومواعيده بعضها ببعض، وعداته بعضها ببعض، وكذلك أوامره ومناهيه، وإن تفرق نزولها واختلف مواضعها، يدعوهم به مرة بعد مرة؛ لعلهم يتذكرون به.
ومنهم من يقول في قوله: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمْ ﴾ : القول، أي: الإنباء وإخبار الأمم الخالية نبأ بعد نبأ وخبرا على أثر خبر ما نزل بمكذبي الرسل منهم من الهلاك والعذاب، ومصدقي الرسل من النجاة والبقاء في النعم الدائمة، على إقرار منهم بذلك وعلم أنه كان بهم ذلك؛ لعلهم يتذكرون ذلك وينزجرون عن تكذيب رسولهم؛ مخافة أن ينزل بهم بالتكذيب ما نزل بأولئك.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ ﴾ أي: قول التوحيد.
ووجه هذا: أن وصلنا التوحيد حتى جعلنا في كل أمة وكل قوم أهل توحيد لم يخل قوم لا أمة عنه؛ كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ...
﴾ ونحو ذلك من الآيات، يدل على أن كل أمة وقرن أهل توحيد؛ لعلهم يتذكرون أن في آبائهم من قد آمن بالرسل وصدق بهم، ولا يقولون: إن آباءنا على ما هم عليه، يشبه أن يكون هذا وصل القول الذي ذكر.
و ﴿ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ ﴾ .
قال أبو عوسجة والقتبي: أي: أتبعنا بعضه بعضا؛ فاتصل عندهم.
وقال بعضهم: ﴿ وَصَّلْنَا ﴾ أي: بينا شيئاً فشيئا؛ حتى صار عندهم ظاهراً.
وقال أبو معاذ: وصلنا في كلام العرب: أتممنا؛ كصلتك الشيء بالشيء.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، وقال: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ وأمثاله.
يذكر في هذه الآيات أن من أهل الكتاب من لم يؤمن، ويذكر في الأولى على الإطلاق: أن الذين أوتوا الكتاب من قبله هم به يؤمنون، جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ وانتفعوا به يؤمنون به.
أو أن يكون الذي آتيناهم الكتاب فيتلونه حق تلاوته هم يؤمنون به على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ أولئك يؤمنون به، وأما من لم يتله حق تلاوته فلا يؤمنون.
فأما أهل التأويل فإنهم صرفوا الآية إلى قوم خاص من أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه الذين آمنوا به، وكذا جائز أن تكون الآية في قوم منهم؛ ألا ترى أنه قال على أثره: ﴿ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ ذكر أهل التأويل: أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث محمد، فلما بعث ثبتوا على ذلك وآمنوا على ما كانوا من قبل.
وفيه دلالة: أن الإيمان والإسلام واحد؛ لأنهم قالوا: ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ ، وقالوا: ﴿ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ دل أنهما واحد؛ وكذلك قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ وهما واحد ذكر مرة الإيمان ومرة الإسلام؛ دل أنهما واحد.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ : هذا يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: يؤتون أجرهم مرة بالإسلام، ومرة بما صبروا على زوال الرياسة منهم وذهابها؛ لأنهم كانوا أهل رياسة ومنزلة وقدر، فذهب ذلك كله عنهم بالإسلام، فلهم الأجر مرتين لذلك.
والثاني: يؤتون أجرهم مرتين: مرة بالإسلام، ومرة بما صاروا قدوة وأئمة لمن بعدهم يقتدون بهم: أحد الأجرين بإسلام أنفسهم، والثاني بدعائهم غيرهم إليه على ما يعاقب الرؤساء منهم والقادة، ويضاعف العذاب عليهم مرتين: مرة بضلال أنفسهم، ومرة بإضلال غيرهم؛ كقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ جائز: أن يكون إيتاء الأجر مرتين؛ لما يصيرون أئمة وقدوة لغيرهم في الخير، ويضاعف عليهم العذاب إذا صاروا أئمة وقدوة في الشر؛ ألا ترى أنه قال في نساء رسول الله : ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ ، وذلك - والله أعلم - لما يصرن هن أئمة لغيرهن يقتدين بهن؛ فعلى ذلك الأول.
والثالث: جائز أن يكون يؤتون أجرهم مرتين بالإسلام نفسه، ويكون الصبر كناية عن الإيمان؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: آمنوا وأسلموا.
وما أهل التأويل فإنهم يقولون: يؤتون أجرهم مرتين: مرة بإيمانهم بمحمد قبل أن يبعث، ومرة بإيمانهم بعدما بعث، والأول أشبه.
وقال بعضهم: ﴿ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ بما صبروا: مرة بإسلامهم، ومرة بما صبروا، وحلموا على أذى أولئك الكفرة، ولم يكافئوهم، بل خاطبوهم بخير حيث قالوا: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ .
وروي في بعض الأخبار عن نبي الله أنه قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل آمن بنبي ثم إذا بعث آخر آمن به، ومملوك لرجل يخدمه ويحسن خدمته ويعبد ربه، ورجل ربى جاريته ثم أعتقها فتزوجها" وقوله: ﴿ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يحسنون إليهم بعد إساءتهم إليهم وأذاهم إياهم على ما كانوا يفعلون ويصنعون إليهم قبل ذلك.
والثاني: ﴿ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ أي: يعفون عن أذاهم ولا يكافئونهم فيكون كقوله: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ...
﴾ الآية [الأعراف: 199]، والأول كقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ أي: ينفقون في حق الله وسبيل الخير، وإلا كل كافر ينفق كقوله: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ...
﴾ الآية [آل عمران: 117].
وقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ ﴾ : هذا - أيضاً - يحتمل وجهين: إذا سمعوا منهم من الكلام ما يتأذون من كلام اللغو والأذى والفرية، أعرضوا عنه، أي: لم يكافئوهم لأذاهم.
والثاني: إذا سمعوا ما يلغون به من الباطل أعرضوا، أي: لم يخالطوهم فيما هم فيه؛ فليس أنهم لا ينهون ولا يمنعونهم عن ذلك إذا رأوا النهي ينجع فيهم، وإذا رأوه لا ينجع فيهم، فعند ذلك أعرضوا عنه؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ : يقولون هذا لهم إذا لم ينجع النهي والموعظة ولم يقبلوا ذلك، عند ذلك يقولون: ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ ، أي: لكم جزاء أعمالكم ولنا جزاء أعمالنا؛ وكذلك قوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ لم يقل هذا لهم في ابتداء الدعاء، ولكن بعدما أيس عن إيمانهم وإجابتهم؛ فعلى ذلك الأوّل.
وقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ : هذا يشبه أن يخرج على وجهين: أحدهما: على القول منهم بالسلام عليهم، أي: كانوا لا يخاطبون الجهال، ولا يخاطبونهم إلا بالسلام خاصة، بهذا القدر يخالطونهم حسب.
والثاني: ليس على حقيقة قول: السلام عليهم، ولكن على الصلح وترك المكافأة لهم، وتركهم إياهم على ما هم عليه؛ إذ السلام هو الصلح، والله أعلم.
وقال بعضهم: ردوا عليهم معروفاً ﴿ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ، يعنون: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه.
وقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ : ذكر أهل التأويل أن هذا نزل في أبي طالب عم النبي، "وذلك أن أبا طالب قال: يا معشر بني هاشم، أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا، فقال له النبي : تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟!
قال: فقال: ما تريد يابن أخي؟
قال: أريد منك كلمة واحدة في آخر يوم من الدنيا: أن تقول: لا إله إلا الله؛ أشهد لك بها عند الله قال: يابن أخي، قد علمت أنك صادق، ولكن أكره أن يقال: جزع عن الموت، ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك وأخيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق؛ لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ولكن سوف أموت على ملة الأشياخ فلان وفلان؛ فأنزل الله ذلك: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ " ، فهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الهدى البيان، ولو كان بيانا على ما يقولون لكان رسول الله يقدر أن يبين له وقد بين.
لكن الجبائي يحتج لهم فيتأول ويقول: إن رسول الله كان يحرص أن يدخله الجنة فيقول: إنك لا تهدي طريق الجنة له حتى يدخلها، أو كلام يشبه هذا، وذلك بعيد.
وقال جعفر بن حرب: هذا ليس في ابتداء الهداية، ولكن في اللطائف التي تخرج مخرج الثواب لهم لما كان منهم من الاهتداء في البداء والأنف؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى...
﴾ الآية [محمد: 17]، فيخبر أنك لا تملك الهداية اللطيفة التي تخرج مخرج الثواب أن تهديهم.
فيقال له: أخبرنا عن تلك الزيادة التي تخرج مخرج الثواب لهم لما كان منهم من الاهتداء في الابتداء تنفع لهم دون الابتداء.
فإن قالوا: نعم.
فيقال لهم: فذلك عليه أن يفعل بهم؛ إذ من قولهم: إن عليه أن يعطي كل كافر ما ينفعه ويصلح له في دينه، فكيف منع ذلك وهو ينفعهم؟!
والثاني: يقال لهم: إن تلك الزيادة التي تخرج مخرج الثواب لهم واللطائف على ما كان منهم في الابتداء يستوجبها أو لا يستوجبها، فإن كان يستوجبها فلا معنى للمنع على قولهم؛ لأنهم يقولون: إن على الله أن يعطي ذلك، وإن كان لا يستوجبها، فلا معنى لقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ على قولهم؛ فيبطل الاحتجاج به على قولهم.
وعندنا زيادة الهداية وابتداؤها سواء، وهو على ما أخبر رسوله أنه لا يهديه، ولكن لو كان الهداية بياناً - على ما قالوا - لكان قد بين لهم؛ فدل ذلك منه أن ثم هداية سوى البيان عند الله إذا أعطاها العبد يصير بها مؤمناً، وهي التوفيق والعصمة والسداد، وذلك لا يملك رسول الله إنشاء ذلك وابتداعه، بل الله هو المالك بذلك.
<div class="verse-tafsir"
وإذا يقرأ عليهم قالوا آمنا به إنه الحق الَّذي لا مِرْية فيه، المنزل من ربنا، إنا كنا من قبل هذا القرآن مسلمين لإيماننا بما جاء به الرسل من قبله.
<div class="verse-tafsir" id="91.8PVpD"