الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ١١ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن ذلك الحال ، حين نزلت الأحزاب حول المدينة ، والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم : أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالا شديدا ، فحينئذ ظهر النفاق ، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم .
وقوله: (هُنالكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ) يقول: عند ذلك اختبر إيمان المؤمنين، ومُحِّصَ القوم وعرف المؤمن من المنافق.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (هُنالكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ) قال: محصوا.
وقوله: (وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا) يقول: وحرّكوا بالفتنة تحريكا شديدا، وابتلوا وفتنوا.
قوله تعالى : هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا .( هنا ) للقريب من المكان .
و ( هنالك ) للبعيد .
و ( هناك ) للوسط .
ويشار به إلى الوقت ; أي عند ذلك اختبر المؤمنون ليتبين المخلص من المنافق .
وكان هذا الابتلاء بالخوف والقتال والجوع والحصر والنزال .
وزلزلوا زلزالا شديدا أي حركوا تحريكا .
قال الزجاج : كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر والفتح ; نحو قلقلته قلقالا وقلقالا ، وزلزلوا زلزالا وزلزالا .
والكسر أجود ; لأن غير المضاعف على الكسر نحو دحرجته دحراجا .
وقراءة العامة بكسر الزاي .
وقرأ عاصم والجحدري زلزالا بفتح الزاي .
قال ابن سلام : أي حركوا بالخوف تحريكا شديدا .
وقال الضحاك : هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق .
وقيل : إنه اضطرابهم عما كانوا عليه ; فمنهم من اضطرب في نفسه ومنهم من اضطرب في دينه .
و ( هنالك ) يجوز أن يكون العامل فيه ابتلي فلا يوقف على ( هنالك ) .
ويجوز أن يكون وتظنون بالله الظنونا فيوقف على ( هنالك ) .
{ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ } بهذه الفتنة العظيمة { وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا } بالخوف والقلق، والجوع، ليتبين إيمانهم، ويزيد إيقانهم، فظهر -وللّه الحمد- من إيمانهم، وشدة يقينهم، ما فاقوا فيه الأولين والآخرين.وعندما اشتد الكرب، وتفاقمت الشدائد، صار إيمانهم عين اليقين، { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } وهنالك تبين نفاق المنافقين، وظهر ما كانوا يضمرون قال تعالى:
( هنالك ابتلي ) أي : عند ذلك اختبر المؤمنون ، بالحصر والقتال ، ليتبين المخلص من المنافق ( وزلزلوا زلزالا شديدا ) حركوا حركة شديدة .
«هنالك ابتُليَ المؤمنون» اختبروا ليتبين المخلص من غيره «وزلزلوا» حركوا «زلزالا شديدا» من شدة الفزع.
في ذلك الموقف العصيب اختُبر إيمان المؤمنين ومُحِّص القوم، وعُرف المؤمن من المنافق، واضطربوا اضطرابًا شديدًا بالخوف والقلق؛ ليتبين إيمانهم ويزيد يقينهم.
ولفظ ( هُنَالِكَ ) فى قوله - تعالى - : ( هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون ) : ظرف مكان للبعيد ، وهو منصوب بقوله ( ابتلي ) والابتلاء : الاختبار والامتحان بالشدائد والمصائب .أى : فى ذلك المكان الذى أحاط به الأحزاب من كل جانب ، امتحن الله - تعالى - المؤمنين واختبرهم ، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .( وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ) أى : واضطربوا شديدا ، من شدة الفزع ، لأن الأعداء حاصروهم ، ولأن بنى قوى الإِيمان من ضعيفه .( وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ) اى : واضطربوا اضطرابا شديدا ، من شدة الفزع ، لأن الأعداء حاصروهم ، ولأن بنى قريظة نقضوا عهودهم .ولقد بلغ انشغال المسلمين بعدوهم انشغالا عظيما ، حتى أنهم لم يستطيعوا أن يؤدوا بعض الصلوات فى أوقاتها ، " وقال بعض الصحابة : يا رسول الله ، ما صلينا ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : " ولا أنا ، والله ما صليت ثم قال : شغلنا المشركون عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ، ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارا ".
وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا ، فالتقتا - دون أن تعرف إحداهما الأخرة - فتقاتلا .
وحديث بينهم ما حدث من جراح وقتل ، ولم يشعروا أنهم من المسلمين ، حتى تنادوا بشعار الإِسلام : " حم .
لا ينصرون " .
فكف بعضهم عن بعض .فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : " جراحكم فى سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد " " .
أي عند ذلك امتحن الله المؤمنين فتميز الصادق عن المنافق، والامتحان من الله ليس لاستبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد إظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء، كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة وعزم على معاقبته على مخالفته وعنده غيره من العبيد وغيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه يخالفه فيبين الأمر عند الغير فتقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنها بظلم أو من قلة حلم وقوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ أي أزعجوا وحركوا فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وبذكر الله تطمئن مرة أخرى، وهم المؤمنون حقاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اذكروا ﴾ ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق ﴿ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ ﴾ وهم الأحزاب، فأرسل الله عليهم ريح الصبا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» ﴿ وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً: بعث الله عليهم صبا باردة في ليلة شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدي: أما محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال، وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار عليه بذلك سلمان الفارسي رضي الله عنه، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام واشتدّ الخوف، وظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصرولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.
وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن.
وعامر بن الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله النصر ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ قرئ بالتاء والياء ﴿ مّن فَوْقِكُمْ ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق: بنو غطفان ﴿ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب: قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً ﴿ زَاغَتِ الأبصار ﴾ مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة وشخوصاً.
وقيل: عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها لشدة الروع.
الحنجرة: رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم.
والحلقوم: مدخل الطعام والشراب، قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغمّ الشديد: ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثمة قيل للجبان: انتفخ سحره.
ويجوز أن يكون ذلك مثلاً في اضطراب القلوب ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة ﴿ وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا ﴾ خطاب للذين آمنوا.
ومنهم الثبت القلوب والأقدام، والضعاف القلوب: الذين هم على حرف، والمنافقون: الذين لم يوجد منهم الإيمان إلا بألسنتهم فظن الأولون بالله أنه يبتليهم ويفتنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأمّا الآخرون فظنوا بالله ما حكى عنهم.
وعن الحسن: ظنوا ظنوناً مختلفة: ظن المنافقون أنّ المسلمين يستأصلون، وظنّ المؤمنون أنهم يبتلون.
وقرئ ﴿ الظنون ﴾ بغير ألف في الوصل والوقف وهو القياس، وبزيادة ألف في الوقف زادوها في الفاصلة، كما زادها في القافية من قال: أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا وكذلك الرسولا والسبيلا.
وقرئ بزيادتها في الوصل أيضاً، إجراء له مجرى الوقف.
قال أبو عبيد: وهنّ كلهنّ في الإمام بألف.
وعن أبي عمرو إشمام زاي زلزلوا.
وقرئ: ﴿ زلزالاً ﴾ بالفتح.
والمعنى: أنّ الخوف أزعجهم أشد الإزعاج.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ﴾ اخْتُبِرُوا فَظَهَرَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ والثّابِتُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ.
﴿ وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا ﴾ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وقُرِئَ «زَلْزالًا» بِالفَتْحِ.
﴿ وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ ضَعْفُ اعْتِقادٍ.
﴿ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ مِنَ الظَّفَرِ وإعْلاءِ الدِّينِ.
﴿ إلا غُرُورًا ﴾ وعْدًا باطِلًا.
قِيلَ قائِلُهُ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ قالَ يَعِدُنا مُحَمَّدٌ بِفَتْحِ فارِسَ والرُّومِ وأحَدُنا لا يَقْدِرُ أنْ يَتَبَرَّزَ فَرَقًا ما هَذا إلّا وعْدُ غُرُورٍ.
<div class="verse-tafsir"
{هُنَالِكَ ابتلى المؤمنون} امتحنوا بالصبر على الإيمان {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} وحركوا بالخوف تحريكاً بليغاً
﴿ هُنالِكَ ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ، ويُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ وهو أنْسَبُ هُنا، وأيًّا ما كانَ، فَهو ظَرْفٌ لِما بَعْدَهُ، لا (لِتَظُنُّونَ) كَما قِيلَ، أيْ في ذَلِكَ الزَّمانِ الهائِلِ، أوْ في ذَلِكَ المَكانِ المُدْحَضِ، ﴿ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ﴾ أيِ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، والكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، والمُرادُ عامَلَهم سُبْحانَهُ وتَعالى مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ، فَظَهَرَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والرّاسِخُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ، وابْتِلاؤُهم عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ بِالجُوعِ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ بِشِدَّةِ الحِصارِ، عَلى ما قِيلَ بِالصَّبْرِ عَلى الإيمانِ.
﴿ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا ﴾ أيِ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا شَدِيدًا مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وكَثْرَةِ الأعْداءِ، وعَنِ الضَّحّاكِ «أنَّهم زُلْزِلُوا عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ»، وقِيلَ: أيْ حُرِّكُوا إلى الفِتْنَةِ فَعُصِمُوا.
وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى اللُّؤْلُئِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو «زِلْزِلُوا» بِكَسْرِ الزّايِ، قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ أبِي عَمْرٍو إشْمامُ زايِ (زُلْزِلُوا) وكَأنَّهُ عَنى إشْمامَها الكَسْرَ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ إتْباعُ حَرَكَةِ الزّايِ الأُولى لِحَرَكَةِ الثّانِيَةِ، ولَمْ يَعْتَدَّ بِالسّاكِنِ كَما لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ مَن قالَ: مِنتِنٌ، بِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أنْتَنَ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى «زَلْزالًا» بِفَتْحِ الزّايِ، ومَصْدَرُ فَعْلَلَ مِنَ المُضاعَفِ يَجُوزُ فِيهِ الفَتْحُ والكَسْرُ نَحْوُ قَلْقَلَ قَلْقالًا، وقَدْ يُرادُ بِالمَفْتُوحِ اسْمُ الفاعِلِ نَحْوُ: صَلْصالٍ بِمَعْنى مُصَلْصِلٍ، فَإنْ كانَ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ فَما سُمِعَ مِنهُ عَلى فَعْلالٍ مَكْسُورُ الفاءِ نَحْوُ: سَرْهَفَهُ سَرْهافًا، ﴿ وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( إذْ زاغَتِ ) وصِيغَةُ المُضارِعِ لِما مَرَّ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ القَوْلِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ.
﴿ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ ظاهِرُ العَطْفِ أنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ فَقِيلَ: هم قَوْمٌ كانَ المُنافِقُونَ يَسْتَمِيلُونَهم بِإدْخالِ الشُّبْهَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: قَوْمٌ كانُوا ضُعَفاءَ الِاعْتِقادِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالإسْلامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ المُنافِقِينَ أنْفُسَهُمْ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفِ كَقَوْلِهِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ.
﴿ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ مِنَ الظَّفَرِ وإعْلاءِ الدِّينِ ﴿ إلا غُرُورًا ﴾ أيْ وعْدَ غُرُورٍ، وقِيلَ: أيْ قَوْلًا باطِلًا، وفي البَحْرِ: أيْ أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ.
رُوِيَ «أنَّ الصَّحابَةَ بَيْنَما يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ عَرَضَتْ لَهم صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا، لا تَدْخُلُ فِيها المَعاوِلُ، فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخَذَ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَضَرَبَها ضَرْبَةً دَعَّها وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةً أضاءَ مِنها ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّانِيَةَ فَصَدَعَها وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةً أضاءَ مِنها ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّالِثَةَ فَكَسَرَها، وبَرَقَتْ بَرْقَةً أضاءَ مِنها ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أضاءَ لِي في الأُولى قُصُورُ الحِيرَةِ، ومَدائِنُ كِسْرى، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي الثّانِيَةَ قُصُورُ الحُمْرِ مِن أرْضِ الرُّومِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّالِثَةِ قُصُورُ صَنْعاءَ، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ، فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ، وقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى مُعْتِبَ بْنَ قُشَيْرٍ وكانَ مُنافِقًا: أيَعِدُنا مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَفْتَحَ لَنا مَدائِنَ اليَمَنِ وبِيضَ المَدائِنِ وقُصُورَ الرُّومِ، وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ إلّا قُتِلَ، هَذا واللَّهِ الغُرُورُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في هَذا» .
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ يعني: أتاكم المشركون من فوق الوادي.
يعني: طلحة بن خويلد الأسدي وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من قبل المغرب وهو أبو الأعور السلمي.
ويقال: مِنْ فَوْقِكُمْ أي: من قبل المشرق، مالك بن عوف، وعيينة بن حصن الفزاري، ويهود بني قريظة.
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أبو سفيان.
فلما رأى ذلك قالوا: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ يعني: شخصت الأبصار فوقاً يعني: أبصار المنافقين، لأنهم أشد خوفاً كأنهم خشب مسندة وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ خوفاً، هذا على وجه المثل.
ويقال: اضطراب القلب يبلغ الحناجر.
ويقال: إذا خاف الإنسان، تنتفخ الرئة، وإذا انتفخت الرئة، يبلغ القلب الحنجرة.
ويقال للجبان: منتفخ الرئة.
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا يعني: الإياس من النصرة.
يعني: ظننتم أن لن ينصر الله عز وجل محمدا ، قرأ ابن كثير والكسائي وعاصم في رواية حفص: الظنون بالألف عند الوقف، ويطرحونها عند الوصل.
وكذلك في قوله وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الأحزاب: 66] فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب: 67] وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: بالألف في حال الوصل والوقف.
وقرأ أبو عمرو وحمزة بغير ألف في الحالتين جميعاً.
فمن قرأ بالألف في الحالين، فلاتباع الخط.
لأن في مصحف الإمام وفي سائر المصاحف بالألف.
ومن قرأ بغير ألف فلأن الألف غير أصلية، وإنما يستعمل هذه الألف الشعراء في القوافي.
وقال أبو عبيدة: أحب إلي في هذه الحروف أن يتعمد الوقف عليها بالألف، ليكون متبعاً للمصحف، واللغة.
ثم قال عز وجل: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ يعني: عند ذلك اختبر المؤمنون.
يعني: أمروا بالقتال والحضور.
وكان في ذلك اختباراً لهم وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً أي: حركوا تحريكاً شديداً واجتهدوا اجتهاداً شديداً.
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً وهم لم يقولوا رسول الله، وإنما قالوا باسمه.
ولكن الله عز وجل ذكره بهذا اللفظ.
قوله عز وجل: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يعني: جماعة من المنافقين يا أَهْلَ يَثْرِبَ يعني: يا أهل المدينة وكان اسم المدينة يثرب، فسماها رسول الله المدينة لاَ مُقامَ لَكُمْ قرأ عاصم في رواية حفص: بضم الميم.
وقرأ الباقون: بالنصب.
فمن يقرأ بالضم فمعناه لا إقامة لكم.
ومن قرأ بالنصب، فهو بالمكان أي: لا مكان لكم تقومون فيه، والجمع المقامات.
وكان أبو عبيدة يقرأ بالنصب، لأنه يحتمل المقام والمكان جميعاً.
يعني: أن المنافقين قالوا: خوفاً ورعباً منهم: لا مقام لكم عند القتال.
فَارْجِعُوا يعني: فانصرفوا إلى المدينة وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ وهم بنو حارثة وبنو سلمة، وذلك أن بيوتهم كانت من ناحية المدينة يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعني: ضائعة، نخشى عليها السراق.
ويقال: معناه أن بيوتنا مما يلي العدو، وإنا لا نأمن على أهالينا.
وقال القتبي: أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ.
وكان الرجال ستراً وحفظاً للبيوت.
فقالوا: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعني: خالية والعرب تقول: اعور منزلك أي: إذا سقط جداره.
يقول الله تعالى: وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ لأن الله عز وجل يحفظها، يعني: وما هي بخالية إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً أي: ما يريدون إلا فراراً من القتال.
ثم قال: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها يعني: لو دخل العسكر من نواحي المدينة ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ يعني: دعوهم إلى الشرك لَآتَوْها قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: لاَتَوْهَا بالهمزة بغير مد.
وقرأ الباقون: بالهمز والمد.
فمن قرأ بالمد لَآتَوْها يعني: لأعطوها.
ومن قرأ بغير مد معناه صاروا إليها وجاءوها وكلاهما يرجع إلى معنى واحد يعني: لو دعوا إلى الشرك لأجابوا سريعاً.
وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً أي: وما تحسبوا بالشرك إلا قليلاً.
يعني: يجيبوا سريعاً.
ويقال: لو فعلوا ذلك لم يلبثوا بالمدينة إلا قليلاً.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل قتال الخندق حين كان النبيّ بمكة، خرج سبعون رجلاً من المدينة إلى مكة.
فخرج إليهم رسول الله ليلة العقبة إلى السبعين، فبايعهم وبايعوه.
فقالوا للنبي : اشترط لربك ولنفسك ما شئت.
فقال: «أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بهِ شَيْئاً وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا مَنَعْتُمْ به أَنْفُسَكُمْ وَأَوْلادَكُمْ» .
فقالوا: قد فعلنا ذلك.
فما لنا؟
قال- -: «لكم النصرة في الدنيا، والجنة في الآخرة» .
قالوا: قد فعلنا ذلك، فذلك قوله: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ منهزمين وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا يعني: يسأل في الآخرة من ينقض العهد.
قوله عز وجل: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: لا تؤجلون إلا يسيراً، لأن الدنيا كلها قليلة.
ثم قال عز وجل: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: يمنعكم من قضاء الله وعذابه إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً يعني: القتل أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً أي: عافية.
ويقال: سُوءاً يعني: الهزيمة أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً يعني: خيراً.
وهو النصر.
يعني: من يقدر على دفع السوء عنكم وجر الخير إليكم وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً يعني: قريباً ومانعا.
<div class="verse-tafsir"
معناه: اخْتُبِرُوا وَزُلْزِلُوا: مَعْنَاه: حُرِّكُوا بعنف.
ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمَرْضَى القلوبِ على جِهَةِ الذَّمِّ لَهُمْ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً فَرُوِيَ عَنْ يزِيدَ بْنِ رُومَانَ أن مُعَتِّبَ بن قُشَيْرٍ قال: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أن نَفْتَتِحَ كنوز كِسْرَى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا إلا غروراً، وقال غيره من المنافقين نحو هذا.
وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)
وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي: من المنافقين لاَ مُقامَ لَكُمْ أي: لا موضعَ قيام ومُمَانَعة، فارْجِعوا إلى منازِلكم وبيوتِكم، وكان هذا على جِهَة التخذيل عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، والفريق المستأذن هو أوسُ بن قيظي استأذنَ في ذلك على اتِّفَاقِ من أصحابهِ المنافقين فقالَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أيْ: مُنْكَشِفَة للعدو فأكذَبَهم الله- تعالى- ولو دخلت المدينة مِنْ أَقْطارِها أي: من نواحيها، واشتد الخوف الحقيقي، ثم سُئِلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه لبادروا إليها وآتوها محبين فيها ولم يَتَلَبَّثُوا في بُيوتهم لحفظها إلاَّ يسيراً، قيل: قَدْرَ ما يأخذون سلاحَهم.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد كانوا عاهدوا الله إثْر أُحُدٍ لاَ يُولُّونَ الأدْبَارَ وفي قوله تعالى: وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا تَوَعُّدٌ وباقي الآية بَيِّن.
ثم وبَّخَهُمْ بقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وهم الذين يُعَوِّقُونَ الناسَ عن نُصْرة الرسولِ ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك ويَسْعَوْنَ على الدين، وأما القائلون لإخوانهم هَلُمَّ إلينا فقال ابن زيد وغيره: أراد
من كان من المنافقين يقول لإخوانه في النَّسَب وقَرَابته هلُم، أَي: إلى المنَازِل والأكل والشرب، واترك القتال «١» .
وروي: أنّ جماعة منهم فَعَلَتْ ذلك وأصلُ هَلُمَّ:
ها المم.
وهذا مِثْلُ تعليل «رَدَّ» من «ارْدُدْ» والبأسُ: القتالُ وإِلَّا قَلِيلًا معناه إلا إتيانا قليلا، وأَشِحَّةً جمع شَحِيحٍ والصَّوَابِ تَعْمِيمُ الشُّحِّ أنْ يكون بِكُلّ ما فيه للمؤمنين منفعة.
وقوله: فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ قيل: معناه: فإذا قوي الخوفُ رأيت هؤلاء المنافقين ٧٢ ب ينظرونَ إليك/ نَظَرَ الهَلِعِ المُخْتَلِطِ الذي يُغْشَى عَليه، فإذا ذهب ذلك الخوفُ العظيمُ وَتَنَفَّسَ المختَنِقُ: سَلَقُوكُمْ أي: خاطبوكم مخاطبة بليغة، يقال: خطيب سَلاَّقٌ ومِسْلاَقٌ ومِسْلَقٌ ولِسَان أيضاً كذلك إذا كان فصيحاً مقتدراً ووصف الألسِنة بالحدّة لقَطْعِها المعاني ونفوذِها في الأقوال، قالت فرقةٌ: وهذا السَّلْقُ هو في مخادعةِ المؤمنِين بما يُرْضيهِم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة.
وقوله: أَشِحَّةً حال من الضمير في سَلَقُوكُمْ.
وقوله: عَلَى الْخَيْرِ يدل على عموم الشح في قوله أولاً: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ وقيل: المراد بالخير: المال، أي: أشحة على مال الغنائِم، والله أعلم.
ثم أخبرَ تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا، وجمهورُ المفسرينَ على أن هذه الإشارةَ إلى منافقينَ لم يكن لهم قط إيمان، ويكونُ قولهُ: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي: أنها لم تُقْبَل قط، والإشارة بذلك في قوله وَكانَ ذلِكَ إلى حبط أعمال هؤلاء المنافقين، والضميرُ في قوله: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ للمنافقين، والمعنى: أنهم من الفزع والجزع بحيثُ رَحَلَ الأحزابُ وهزمهَم الله تعالى، وهؤلاء يظنون أنها من الخُدَعِ وأنَّهم لم يَذْهَبوا، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ، أي: يرجعوا إليهم كرةً ثانية يَوَدُّوا من الخوف والجبن لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ أي:
خارجون إلى البادية.
فِي الْأَعْرابِ وهم أهل العمود ليسلموا من القتال.
يَسْئَلُونَ أي من وَرَدَ عليهم.
ثم سَلَّى سبحانه عَنْهُم وحَقَّر شَأْنَهُم بِأَنْ أخْبَرَ أنهمْ لَو حَضَرُوا لَمَا أَغْنَوا وَلَمَا قَاتَلُوا إلا قِتَالاً قَلِيلاً لا نفعَ لَه.
ثُم قال تعالى- على جهة الموعظة-: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ حين صَبَرَ وجَادَ بنفسه، وأُسْوَةٌ معناه قُدْوَة، وَرَجَاءُ الله تَابع للمَعْرِفة به، ورجاء اليومِ الآخر ثمرة العمل الصالح، وذكرُ الله كثيراً من خَير الأعمال فَنَبَّه عليه.
ت: وعن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا مَعَ عَبْدِي إذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» «١» .
رواه ابن ماجه، واللفظ له وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي الدرداء.
وروى جابرُ بن عبد الله قال: خرج علينا النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيّها النَّاسُ، إن لِلَّهِ سَرَايا مِنَ المَلاَئِكَةِ تَحُلُّ وَتَقِفُ على مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الأَرْضِ، فارتعوا فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ، قَالُوا:
وأَيْن رِيَاضُ الجَنَّةِ يا رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟
قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ فاغدوا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللهِ وذَكِّرُوهُ أنْفُسَكُمْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ فَإنَّ اللهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنْهُ، حَيثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ» «٢» رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحُ الإِسناد.
وعن معاذِ بْنِ جبل قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلّم أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللهِ تعالى؟
قَالَ:
«أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» «٣» رواه ابن حبان في «صحيحه» ، انتهى من «السِّلاَحِ» .
ولَولاَ خشيةُ الإطالةِ، لأتَيْتُ في هذا الباب بأحاديثَ كَثِيرَةٍ، وروى ابنُ المُبَاركَ في «رقائقه» قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجِيحٍ عن مجاهدٍ قَالَ: لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكرَاتِ حَتَّى يَذْكُرَ اللهَ قَائِماً وَقَاعِداً وَمُضْطَجِعاً، انتَهى.
وفي «مصحف ابن مسعود «٤» » «يَحْسَبُونَ الأحزاب/ قَدْ ذَهَبُواْ فَإِذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا ودّوا ٧٣ أأنّهم بادون في الأعراب» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ الوادِي ومِن أسْفَلِهِ ﴿ وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ ﴾ أيْ: مالَتْ وعَدَلَتْ، فَلَمْ تَنْظُرْ إلى شَيْءٍ إلّا إلى عَدُوِّها مُقْبِلًا مِن كُلِّ جانِبٍ ﴿ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ ﴾ وهي جَمْعُ حَنْجَرَةٍ.
والحَنْجَرَةُ: جَوْفُ الحُلْقُومِ.
قالَ قَتادَةُ: شَخَصَتْ عَنْ مَكانِها، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها أنْ تَخْرُجَ لَخَرَجَتْ.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى أنَّهم جَبُنُوا وجَزِعَ أكْثَرُهُمْ؛ وسَبِيلُ الجَبانِ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْ تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فَيَرْتَفِعَ حِينَئِذٍ القَلْبُ إلى الحَنْجَرَةِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والفَرّاءِ.
وذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّ المَعْنى: كادَتِ القُلُوبُ تَبْلُغُ الحُلُوقَ مِنَ الخَوْفِ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " كادَ " لا يُضْمَرُ ولا يُعْرَفُ مَعْناهُ إذا لَمْ يُنْطَقْ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا ﴾ قالَ الحَسَنُ: اخْتَلَفَتْ ظُنُونُهُمْ، فَظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يُسْتَأْصَلُونَ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ يُنْصَرُ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ الظُّنُونا ﴾ و ﴿ الرَّسُولا ﴾ و ﴿ السَّبِيلا ﴾ بِألِفٍ إذا وقَفُوا عَلَيْهِنَّ، وبِطَرْحِها في الوَصْلِ.
وقالَ هُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ: وصَلَ أوْ وقَفَ بِألِفٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِالألِفِ فِيهِنَّ وصَلًا ووَقَفًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِغَيْرِ ألِفٍ في وصْلٍ ولا وقْفٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عَلَيْهِ حُذّاقُ النَّحْوِيِّينَ والمُتَّبِعُونَ السُّنَّةَ مِن قُرّائِهِمْ أنْ يَقْرَؤُوا: " الظَّنُونا " ويَقِفُونَ عَلى الألِفِ ولا يَصِلُونَ؛ وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ، لِأنَّ أواخِرَ الآياتِ عِنْدَهم فَواصَلُ يُثْبِتُونَ في آخِرِها الألِفَ في الوَقْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ ﴾ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ ﴿ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ﴾ أيِ: اخْتُبِرُوا بِالقِتالِ والحَصْرِ لِيَتَبَيَّنَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ ﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ أيْ: أُزْعِجُوا وحُرِّكُوا بِالخَوْفِ، فَلَمْ يُوجَدُوا إلّا صابِرِينَ.
وقالَ الفَرّاءُ: حُرِّكُوا إلى الفِتْنَةِ تَحْرِيكًا، فَعُصِمُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: النِّفاقُ، قالَهُ قَتادَةُ، ﴿ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا يَوْمَئِذٍ: إنَّ مُحَمَّدًا يَعِدُنا أنْ نَفْتَحَ مَدائِنَ كِسْرى وقَيْصَرَ وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُجاوِزُ رَحْلَهُ!
هَذا واللَّهِ الغُرُورُ.
وزَعَمَ ابْنُ السّائِبِ أنَّ قائِلَ هَذا مَعْتِبُ بْنُ قُشَيْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُنُونا ﴾ ﴿ هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا ﴾ ﴿ وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا ﴾ "إذْ" هَذِهِ بَدَلٌ مِنَ الأُولى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ جاءَتْكُمْ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن فَوْقِكُمْ ﴾ يُرِيدُ أهْلَ نَجْدٍ مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَنٍ، ﴿ وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ يُرِيدُ مَكَّةَ وسائِرَ تُهامَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: ﴿ مِن فَوْقِكُمْ ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي مِن قِبَلِ مَشْرَفِ غَطْفانِ، ﴿ وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِنهُ قِبَلَ المَغْرِبِ وقِيلَ: إنَّما أرادَ ما يَخْتَصُّ بِبُقْعَةِ المَدِينَةِ، أيْ: نَزَلَتْ طائِفَةٌ في أعْلى المَدِينَةِ، وطائِفَةٌ في أسْفَلِها، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ الحَصْرِ.
و ﴿ زاغَتِ الأبْصارُ ﴾ مَعْناهُ: مالَتْ عن مَواضِعِها، وذَلِكَ فِعْلُ الوالِهِ الفَزَعِ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ "إذْ زاغَتِ"، وبَيَّنَ الذالَ الجُمْهُورُ، وكُلٌّ حَسَنٌ.
﴿ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ ﴾ عِبارَةٌ عَمّا يَجِدُهُ الهَلَعُ مِن ثَوَرانِ نَفْسِهِ وتَفَرُّقِها شُعاعًا، ويَجِدُ كَأنَّ حَشَوْتَهُ وقَلْبَهُ يَصْعَدُ عُلُوًّا لِيَنْفَصِلَ، فَلَيْسَ بُلُوغُ القُلُوبِ الحَناجِرَ حَقِيقَةً بِالنَقْلَةِ، بَلْ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، فَيُسْتَعارُ لَها بُلُوغُ الحَناجِرِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ «أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا يَوْمَ الخَنْدَقِ: يا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟
قالَ نَعَمْ، قُولُوا: "اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا"، فَقالُوها فَضَرَبَ اللهُ تَعالى وُجُوَهَ الكُفّارِ بِالرِيحِ فَهَزَمَهم.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُنُونا ﴾ ، أيْ: تَكادُونَ تَضْطَرِبُونَ وتَقُولُونَ: ما هَذا الخُلْفُ لِلْمَوْعِدِ؟
وهَذِهِ عِبارَةٌ عن خَواطِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ لا يُمْكِنُ لِلْبَشَرِ دَفَعُها، وأمّا المُنافِقُونَ فَجَلَّحُوا ونَطَقُوا.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "الظُنُونا" بِألْفٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وذَلِكَ اتِّباعٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ، وعِلَّتُهُ تَعْدِيلُ رُؤُوسِ الآيِ، وطَرْدُ هَذِهِ العِلَّةِ أنْ يُلازِمَ الوَقْفَ.
وقَدْ رُوِيَ عن أبِي عَمْرُو أنَّهُ كانَ لا يَصِلُ، فَكّانِ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ وقِياسَ الفَواصِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو أيْضًا، وحَمْزَةُ في الوَصْلِ والوَقْفِ: "الظُنُونَ" بِغَيْرِ ألْفٍ، وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو بِالألْفِ في الوَقْفِ، وبِحَذْفِها في الوَصْلِ، وعَلَّلُوا الوَقْفَ بِتَساوِي رُؤُوسِ الآيِ، وبِما يَفْعَلُ العَرَبُ في القَوافِي مِنَ الزِيادَةِ والنَقْصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "هُنالِكَ" ﴾ ظَرْفُ زَمانٍ، والعامِلُ فِيهِ ﴿ "ابْتُلِيَ"، ﴾ ومَن قالَ: إنِ العامِلَ فِيهِ "وَتَظُنُّونَ" فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ البُداءَةَ لَيْسَتْ بِمُتَمَكِّنَةٍ.
و"ابْتُلِيَ" مَعْناهُ: اخْتُبِرَ وامْتُحِنَ الصابِرُ مِنهم مَنِ الجازِعِ، ﴿ "وَزُلْزِلُوا" ﴾ مَعْناهُ: حُرِّكُوا بِعُنْفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالًا" بِكَسْرِ الزايِ، وقَرَأها "زِلْزالًا" بِالفَتْحِ: الجَحْدَرِيُّ، وكَذَلِكَ "زَلْزالَها" في ﴿ إذا زُلْزِلَتِ ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى قَوْلَ المُنافِقِينَ والمَرْضى القُلُوبِ، ونَبَّهَ عَلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الذَمِّ لَهُمْ، ورُوِيَ «عن يَزِيدِ بْنِ رُومانٍ أنَّ مُعَتَّبَ بْنَ قُشَيْرٍ قالَ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ نَفْتَحَ كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ ومَكَّةَ ونَحْنُ الآنُ لا يَقْدِرُ أحَدُنا أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ، ما يَعِدُنا إلّا غُرُورًا، أيْ أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ نَحْوَ هَذا فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ،» وقَوْلُهُمْ: ﴿ ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ إنَّما هو عَلى جِهَةِ الهَزْءِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: عَلى زَعْمِ هَذا الَّذِي يَدَّعِي، أنَّهُ رَسُولٌ، يَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ اعْتِقادُهم أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ هو مِنَ اللهِ ومِن رَسُولِهِ ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِالغُرُورِ، بَلْ مَعْناهُ: عَلى زَعْمِ هَذا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذ جاءوكم ﴾ بدل من ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ [الأحزاب: 9] بدلَ مفصَّل من مجمل.
والمراد ب (فوق) و ﴿ أسفل ﴾ فوق جهة المدينة وأسفلها.
و ﴿ وإذا زاغت الأبصار ﴾ عطف على البدل وهو من جملة التفصيل، والتعريف في والزَيغ: الميل عن الاستواء إلى الانحراف.
فزيغ البصر أن لا يرى ما يتوجه إليه، أو أن يريد التوجه إلى صوب فيقع إلى صوب آخر من شدة الرعب والانذعار.
والحناجر: جمع حَنْجَرة بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الجيم: منتهى الحُلقوم وهي رأس الغلصمة.
وبلوغ القلوب الحناجر تمثيل لشدة اضطراب القلوب من الفزع والهلع حتى كأنها لاضطرابها تتجاوز مقارّها وترتفع طالبة الخروج من الصدور فإذا بلغت الحناجر لم تستطع تجاوزها من الضيق؛ فشبهت هيئة قلب الهلوع المرعُود بهيئة قلببٍ تجاوز موضعه وذهب متصاعداً طالباً الخروج، فالمشبه القلبُ نفسه باعتبار اختلاف الهيئتين.
وليس الكلام على الحقيقة، فإن القلوب لا تتجاوز مكانها، وقريبٌ منه قولهم: تنفّس الصُعَداء، وبلغت الروح التراقيَ.
وجملة وتظنون بالله الظنونا } يجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ زاغت الأبصار ﴾ ويجوز أن يكون الواو للحال وجيء بالفعل المضارع للدلالة على تجدد تلك الظنون بتجدد أسبابها كناية عن طول مدة هذا البلاء.
وفي صيغة المضارع معنى التعجيب من ظنونهم لإدماج العتاب بالامتنان فإن شدة الهلع الذي أزاغ الأبصار وجعل القلوب بمثل حالة أن تبلغ الحناجر، دل على أنهم أشفقوا من أن يهزموا لِمَا رأوا من قوة الأحزاب وضيق الحصار أو خافوا طول مدة الحرب وفناء الأنفس، أو أشفقوا من أن تكون من الهزيمة جراءة للمشركين على المسلمين، أو نحو ذلك من أنواع الظنون وتفاوت درجات أهلها.
والمؤمن وإن كان يثق بوعد ربه لكنه لا يأمن غضبه من جراء تقصيره، ويخشى أن يكون النصر مرجَّأ إلى زمن آخر، فإن ما في علم الله وحكمته لا يحاط به.
وحذف مفعولا ﴿ تظنون ﴾ بدون وجود دليل يدل على تقديرهما فهو حذف لتنزيل الفعل منزلة اللازم، ويسمى هذا الحذف عند النحاة الحذف اقتصاراً، أي: للاقتصار على نسبة فعل الظن لفاعله، والمقصود من هذا التنزيل أن تذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، وهو حذف مستعمل كثيراً في الكلام الفصيح وعلى جوازه أكثر النحويين ومنه قوله تعالى: ﴿ أعنده علم الغيب فهو يَرى ﴾ [النجم: 35] وقوله: ﴿ وظننتم ظن السوء ﴾ [الفتح: 12]، وقول المثل: من يسمع يَخل، ومنعه سيبويه والأخفش.
وضُمِّن ﴿ تظنّون ﴾ معنى تُلحقون، فعدي بالباء فالباء للملابسة.
قال سيبويه: قولهم: ظننت به، معناه: جعلته موضع ظنّي.
وليست الباء هنا بمنزلتها في ﴿ كفى بالله حسيباً ﴾ [النساء: 6]، أي: ليست زائدة، ومجرورها معمول للفعل قبلها كأنك قلت: ظننت في الدار، ومثله: شككت فيه، أي: فالباء عنده بمعنى (في).
والوجه أنها للملابسة كقول دريد بن الصِّمَّة: فقلت لهم: ظُنوا بألفي مدجج *** سراتهم في الفارسي المسرد وسيأتي تفصيل ذلك عند قوله تعالى ﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ في سورة الصافات (87).
وانتصب ﴿ الظنونا ﴾ على المفعول المطلق المبين للعدد، وهو جمع ظن.
وتعريفه باللام تعريف الجنس، وجمعه للدلالة على أنواع من الظن كما في قول النابغة: أبيتك عارياً خلقاً ثيابي *** على خوف تظن بي الظنون وكتب ﴿ الظنونا ﴾ في الإمام بألف بعد النون، زيدت هذه الألف في النطق للرعاية على الفواصل في الوقوف، لأن الفواصل مثل الأسْجاع تعتبر موقوفاً عليها لأن المتكلم أرادها كذلك.
فهذه السورة بنيت على فاصلة الألف مثل القصائد المقصورة، كما زيدت الألف في قوله تعالى ﴿ وأطعنا الرسولا ﴾ [الأحزاب: 66] وقوله: ﴿ فأضلونا السبيلا ﴾ [الأحزاب: 67].
وعن أبي علي في «الحجة»: من أثبت الألف في الوصل لأنها في المصحف كذلك وهو رأس آية ورؤوس الآيات تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع، فأما في طرح الألف في الوصل فإنه ذهب إلى أن ذلك في القوافي وليس رؤوس الآي بقواففٍ.
فأما القراء فقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بإثبات الألف في الوصل والوقف.
وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم والكسائي بحذف الألف في الوصل وإثباتها في الوقف.
وقرأ أبو عمرو وحمزة ويعقوب بحذف الألف في الوصل والوقف، وقرأ خلف بإثبات الألف بعد النون في الوقف وحذفها في الوصل.
وهذا اختلاف من قبيل الاختلاف في وجوه الأداء لا في لفظ القرآن.
وهي كلها فصيحة مستعملة والأحسن الوقف عليها لأن الفواصل كالأسجاع والأسجاع كالقوافي.
والإشارة ب ﴿ هُنَالك ﴾ إلى المكان الذي تضمنه قوله ﴿ جاءتكم جنود ﴾ [الأحزاب: 9] وقوله ﴿ إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم.
﴾ والأظهر أن تكون الإشارة إلى الزمان الذي دلت عليه ﴿ إذْ في قوله: وإذ زاغت الأبصار.
﴾ وكثيراً ما ينزّل أحد الظرفين منزلة الآخر ولهذا قال ابن عطية: ﴿ هنالك: ظرف زمان والعامل فيه ابتلي ﴾ اه.
قلت: ومنه دخول (لات) على (هَنّا) في قول حجل بن نضلة: خنت نَوارُ ولات هَنَّا حِنت *** وبدا الذي كانت نوار أجنت فإن (لات) خاصة بنفي أسماء الزمان فكان (هَنَّا) إشارة إلى زمان منكر وهو لغة في (هُنا).
ويقولون: يومُ هُنَا، أي يوم أول، فيشيرون إلى زمن قريب، وأصل ذلك مجاز توسع فيه وشاع.
والابتلاء: أصله الاختبار، ويطلق كناية عن إصابة الشدة لأن اختبار حال الثبات والصبر لازم لها، وسمى الله ما أصاب المؤمنين ابتلاء إشارة إلى أنه لم يزعزع إيمانهم.
والزلزال: اضطراب الأرض، وهو مضاعف زَلّ تضعيفاً يفيد المبالغة، وهو هنا استعارة لاختلال الحال اختلالاً شديداً بحيث تُخَيَّل مضطربة اضطراباً شديداً كاضطراب الأرض وهو أشدّ اضطراباً للحاقه أعظم جسم في هذا العالم.
ويقال: زُلْزِلَ فلان، مبنياً للمجهول تبعاً لقولهم: زُلزلت الأرض، إذ لا يعرف فاعل هذا الفعل عُرفاً.
وهذا هو غالب استعماله قال تعالى: ﴿ وزلزلوا حتى يقول الرسول الآية ﴾ [البقرة: 214].
والمراد بزلزلة المؤمنين شدة الانزعاج والذعر لأن أحزاب العدو تفوقُهم عَدداً وعُدة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالحَصْرِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: بِالجُوعِ فَقَدْ أصابَهم بِالخَنْدَقِ جُوعٌ شَدِيدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: امْتُحِنُوا في الصَّبْرِ عَلى إيمانِهِمْ وتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ عَنِ المُنافِقِينَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَحَكى ابْنُ عِيسى أنَّ ﴿ هُنالِكَ ﴾ لِلْبُعْدِ مِنَ المَكانِ، وهُناكَ لِلْوَسَطِ وهُنا لِلْقَرِيبِ.
﴿ وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّهُ اضْطِرابُهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَمِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في نَفْسِهِ ومِنهم مَنِ اضْطَرَبَ في دِينِهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ حَرَّكَهُمُ الأمْرُ بِالثَّباتِ والصَّبْرِ، وهو مُحْتَمَلٌ.
الرّابِعُ: هو إزاحَتُهم عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَرَضَ النِّفاقُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا ﴾ حَكى السُّدِّيُّ «أنَّ النَّبِيَّ كانَ يَحْفِرُ الخَنْدَقَ لِحَرْبِ الأحْزابِ فَبَيْنا هو يَضْرِبُ فِيهِ بِمِعْوَلِهِ إذْ وقَعَ المِعْوَلُ عَلى صَفاةٍ فَطارَ مِنها كَهَيْئَةِ الشِّهابِ مِن نارٍ في السَّماءِ، وضَرَبَ الثّانِي فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ، وضَرَبَ الثّالِثَ فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ فَرَأى ذَلِكَ سَلْمانُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ : (رَأيْتَ ما خَرَجَ في كُلِّ ضَرْبَةٍ ضَرَبْتَها؟
قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ : (تُفْتَحُ لَكم بِيضُ المَدائِنِ وقُصُورُ الرُّومِ ومَدائِنُ اليَمَنِ، قالَ: فَفَشا ذَلِكَ في أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ فَتَحَدَّثُوا بِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى قُشَيْرَ بْنَ مُعَتِّبٍ.
وَقالَ غَيْرُهُ قُشَيْرَ بْنَ عَدِيٍّ الأنْصارِيَّ مِنَ الأوْسِ: وعَدَنا مُحَمَّدٌ أنْ تُفْتَحَ لَنا مَدائِنُ اليَمَنِ وقُصُورُ الرُّومِ وبِيضُ المَدائِنِ وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ إلّا قُتِلَ؟
هَذا واللَّهِ الغُرُورُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ المُنافِقِينَ قِيلَ إنَّهم مِن بَنِي سُلَيْمٍ، وقِيلَ إنَّهُ مِن قَوْلِ أوْسِ بْنِ فَيْظِيٍّ ومَن وافَقَهُ عَلى رَأْيِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وحَكى السُّدِّيُّ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ.
﴿ يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ المِيمِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ.
وَفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّ المَقامَ بِالفَتْحِ الثَّباتُ عَلى الأمْرِ، وبِالضَّمِّ الثَّباتُ في المَكانِ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ بِالفَتْحِ المَنزِلُ وبِالضَّمِّ الإقامَةُ.
وَفي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ لا مُقامَ لَكم عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ فارْجِعُوا إلى دِينِ مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: لا مُقامَ لَكم عَلى القِتالِ فارْجِعُوا إلى طَلَبِ الأمانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: لا مُقامَ في مَكانِكم فارْجِعُوا إلى مَساكِنِكم، قالَ النَّقّاشُ.
والمُرادُ بِيَثْرِبَ المَدِينَةُ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ يَثْرِبَ هي المَدِينَةُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّ المَدِينَةَ في ناحِيَةٍ مِن يَثْرِبَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَدْ رَوى يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ « (مَن قالَ: المَدِينَةُ يَثْرِبُ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هي طابَةُ) ثَلاثَ مَرّاتٍ.
» ﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي اسْتَأْذَنَهُ مِنهم رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي حارِثَةَ، أحَدُهُما أبُو عُرابَةَ بْنُ أوْسٍ، والآخِرُ أوْسُ بْنُ فَيْظِيٍّ.
قالَ الضَّحّاكُ: ورَجَعَ ثَمانُونَ رَجُلًا بِغَيْرِ إذْنٍ.
﴿ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قاصِيَةٌ مِنَ المَدِينَةِ نَخافُ عَلى عَوْرَةِ النِّساءِ والصِّبْيانِ مِنَ السَّبْيِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: خالِيَةٌ لَيْسَ فِيها إلّا العَوْرَةُ مِنَ النِّساءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدِ اعْوَرَّ الفارِسُ إذا كانَ فِيهِ مَوْضِعُ خَلَلٍ لِلضَّرْبِ قالَ الشّاعِرُ: لَهُ الشِّدَّةُ الأُولى إذا القَرْنُ أعَوَرا الثّالِثُ: مَكْشُوفَةُ الحِيطانِ نَخافُ عَلَيْها السِّراقَ والطَّلَبَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والعَرَبُ تَقُولُ قَدْ أعْوَرَ مَنزِلُكَ إذا ذَهَبَ سَتْرُهُ وسَقَطَ جِدارُهُ وكُلُّ ما كُرِهَ انْكِشافُهُ فَهو عِنْدَهم عَوْرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ بُيُوتَنا عَوِرَةٌ، بِكَسْرِ الواوِ، أيْ مُمْكِنَةُ العَوْرَةِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَما هي بِعَوْرَةٍ ﴾ تَكْذِيبًا لَهم فِيما ذَكَرُوهُ.
﴿ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِرارًا مِنَ القَتْلِ.
الثّانِي: مِنَ الدِّينِ.
وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي حارِثَةَ وبَنِي سَلَمَةَ، هَمُّوا أنْ يَتْرُكُوا مَراكِزَهم يَوْمَ الخَنْدَقِ وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا ﴾ الآيَةَ.
فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: واللَّهِ ما سَرَّنا ما كُنّا هَمَمْنا بِهِ إنْ كانَ اللَّهُ ولِيَّنا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة قال: «لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحاً منها، أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد منا اصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون ﴿ إن بيوتنا عورة وما هي بعورة ﴾ فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، يتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً حتى مر علي، وما علي جنة من العدو، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا؟
قلت: حذيفة فتقاصرت إلى الأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقال: قم.
فقمت فقال: إنه كان في القوم خبر، فأتني بخبر القوم قال: وأنا من أشد الناس فزعاً، وأشدهم قراً، فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، قال: فو الله ما خلق الله فزعاً ولا قراً في جوف إلا خرج من جوفي، فما أجد منه شيئاً، فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئاً حتى تأتيني، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم، نظرت في ضوء نار لهم توقد، واذا برجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل...
الرحيل...
ثم دخل العسكر فإذا في الناس رجال من بني عامر يقولون: الرحيل...
الرحيل يا آل عامر لا مقام لكم، وإذا الرحيل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبراً فوالله أني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم، ومن بينهم الريح يضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك، إذا أنا بنحو من عشرين فارساً متعممين، فقالوا: اخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حز به أمر صلى، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يرتحلون.
فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود...
﴾ » .
وأخرج الفريابي وابن عساكر عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحملته ولفعلت.
فقال حذيفة: لقد رأيتني ليلة الأحزاب ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في ليلة باردة ما قبله ولا بعده برد كان أشد منه، فحانت مني التفاتة، فقال: «ألا رجل يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم- جعله الله معي يوم القيامة- قال: فما قام منه انسان قال: فسكتوا، ثم عاد...
فسكتوا، ثم قال: يا أبا بكر، ثم قال: استغفر الله رسوله، ثم قال: إن شئت ذهبت فقال: يا عمر فقال: استغفر الله رسوله، ثم قال: يا حذيفة فقلت: لبيك.
فقمت حتى أتيت، وإن جنبي ليضربان من البرد، فمسح رأسي ووجهي، ثم قال: ائت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم، ولا تحدث حدثاً حتى ترجع، ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، حتى يرجع.
قال فلان: يكون أرسلها كان أحب إلي من الدنيا وما فيها.
قال: فانطلقت، فأخذت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمام قال: فوجدتهم قد أرسل الله عليهم ريحاً، فقطعت أطنابهم، وذهبت بخيولهم، ولم تدع شيئاً إلا أهلكته، قال: وأبو سفيان قاعد يصطلي عند نار له، قال فنظرت إليه، فأخذت سهماً، فوضعته في كبد قوسي قال:- وكان حذيفة رامياً- فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم» لا تحدثن حدثاً حتى ترجع «قال: فرددت سهمي في كنانتي قال: فقال رجل من القوم: الا فيكم عين للقوم؟
فأخذ كل بيد جليسه، فأخذت بيده جليسي فقلت: من أنت؟
قال: سبحان الله!
أما تعرفني؟
أنا فلان ابن فلان فإذا رجل من هوازن، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر، فلما أخبرته ضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، وذهب عني الدفء فأدناني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه، وألقى علي طرف ثوبه، فإن كنت لألزق بطني وصدري ببطن قدميه، فلما أصبحوا هزم الله الأحزاب، وهو قول ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ﴾ قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقول: فقد بلغت القلوب الحناجر؟
قال: «نعم.
قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله بالريح» .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن مجاهد ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ قال: الأحزاب.
عيينة بن بدر، وأبو سفيان، وقريظة.
﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ قال: يعني ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتى اظعنتهم ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ يعني الملائكة قال: ولم تقاتل الملائكة يومئذ.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كانت ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب قالت: انطلقي فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب: إن الحرة لا تسري بالليل، فغضب الله عليها وجعلها عقيماً، فأرسل الله عليهم الصبا، فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطنابهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور، فذلك قوله: ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ﴾ » .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ﴾ قالت: كان ذلك يوم الخندق.
وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: «خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب، فخرجت لنا من الخندق صخرة بيضاء مدوّرة، فكسرت حديدنا وشقت علينا، فشكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ المعول من سلمان، فضرب الصخر ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة، حتى لكأن مصباحاً في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، فكبر وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، وكبر وكبر المسلمون، فسألناه فقال: أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فابشروا بالنصر.
فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون: ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً ﴾ وقال المنافقون: الا تعجبون!
يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل، يخبر أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وإنها تفتح لكم، وإنكم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا، وأنزل القرآن ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ » .
وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل الله في شأن الخندق، وذكر نعمه عليهم، وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن، ومقالة من تكلم من أهل النفاق ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ﴾ وكانت الجنود التي أتت المسلمين.
أسد.
وغطفان.
وسليما.
وكانت الجنود التي بعث الله عليهم من الريح الملائكة فقال: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ﴾ فكان الذين جاؤوهم من أسفل منهم قريشاً، وأسداً، وغطفان فقال: ﴿ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ يقول: معتب بن قشير ومن كان معه على رأيه ﴿ وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي ﴾ يقول أوس بن قيظي ومن كان معه على مثل رأيه ﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ﴾ إلى ﴿ وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً ﴾ ثم ذكر يقين أهل الايمان حين أتاهم الأحزاب فحصروهم وظاهرهم بنو قريظة، فاشتد عليهم البلاء، فقال: ﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ إلى ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ قال: وذكر الله هزيمة المشركين، وكفايته المؤمنين، فقال: ﴿ ورد الله الذين كفروا بغيظهم...
﴾ .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا: قال معتب بن قشير: كان محمداً يرى أن يأكل من كنز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه من بني حارثة ﴿ إن بيوتنا عورة ﴾ وهي خارجة من المدينة: إئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا، فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم، وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم، ومقالة من قال من أهل النفاق، ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ﴾ فكانت الجنود: قريشاً، وغطفان، وبني قريظة.
وكانت الجنود التي أرسل عليهم مع الريح الملائكة ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ﴾ بنو قريظة ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ قريش، وغطفان.
إلى قوله: ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ يقول: معتب بن قشير وأصحابه ﴿ وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ﴾ يقول: أوس بن قيظي ومن كان معه على ذلك من قومه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: لما كان حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق، عرض لنا في بعض الجبل صخرة عظيمة شديدة لا تدخل فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها أخذ المعول، وألقى ثوبه وقال: «بسم الله، ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر.
أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثاً آخر فقال: الله أكبر.
أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصور المدائن البيض، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله.
فقطع بقية الحجر وقال: الله أكبر.
أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ﴾ قال عيينة بن حصن ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ قال: سفيان بن حرب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة في قوله: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ﴾ قال: كان ذلك يوم الخندق.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ﴾ قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب، وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن معه من الناس حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عيينة بن حصن أخو بني بدر بغطفان ومن تبعه حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاتبت اليهود أبا سفيان فظاهروه، فبعث الله عليهم الرعب والريح.
فذكر أنهم كانوا كلما بنوا بناء قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا ناراً أطفأها الله، حتى لقد ذكر لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم إلي.
حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النجاة...
النجاة...
أتيتم لما بعث الله عليهم الرعب.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إذ جاءُوكم من فوقكم ﴾ قال: عيينة بن حصن في أهل نجد ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ قال: أبو سفيان بن حرب في أهل تهامة، ومواجهتهم قريظة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ زاغت الأبصار ﴾ قال: شخصت الأبصار.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وبلغت القلوب الحناجر ﴾ قال: شخصت من مكانها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وبلغت القلوب الحناجر ﴾ قال: فزعها ولفظ ابن أبي شيبة قال: إن القلوب لو تحركت أو زالت خرجت نفسه، ولكن إنما هو الفزع.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ قال: ظنون مختلفة ظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله ورسوله حق أنه سيظهر على الدين كله.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ قال: هم المنافقون يظنون بالله ظنوناً مختلفة.
وفي قوله: ﴿ هنالك ابتلي المؤمنون ﴾ قال: محصوا.
وفي قوله: ﴿ وإذ يقول المنافقون ﴾ تكلموا بما في أنفسهم من النفاق، وتكلم المؤمنون بالحق والإِيمان ﴿ قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله قال: لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق، وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين جهد شديد، فمكثوا ثلاثاً لا يجدون طعاماً حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجراً من الجوع.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قال المنافقون يوم الأحزاب حين رأوا الأحزاب قد اكتنفوهم من كل جانب، فكانوا في شك وريبة من أمر الله قالوا: إن محمداً كان يعدنا فتح فارس والروم، وقد حصرنا هاهنا حتى ما يستطيع يبرز أحدنا لحاجته.
فأنزل الله: ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، واجتمعت قريش، وكنانة، وغطفان، فاستأجرهم أبو سفيان بلطيمة قريش، فاقبلوا حتى نزلوا بفنائه، فنزلت قريش أسفل الوادي، ونزلت غطفان عن يمين ذلك، وطليحة الأسدي في بني أسد يسار ذلك، وظاهرهم بنو قريظة من اليهود على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم تحصن بالمدينة، وحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق، فبينما هو يضرب فيه بمعوله إذ وقع المعول في صفا، فطارت منه كهيئة الشهاب من النار في السماء، وضرب الثاني فخرج مثل ذلك، فرأى ذلك سلمان رضي الله عنه فقال: يا رسول الله قد رأيت خرج من كل ضربة كهيئة الشهاب، فسطع إلى السماء فقال: لقد رأيت ذلك؟
فقال: نعم يا رسول الله قال: تفتح لكم أبواب المدائن، وقصور الروم، ومدائن اليمن، ففشا ذلك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فتحدثوا به، فقال رجل من الأنصار يدعى قشير بن معتب: أيعدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتح لنا مدائن اليمن، وبيض المدائن، وقصور الروم وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل، هذا والله الغرور.
فأنزل الله تعالى في هذا ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ ﴾ يقال: هنا للقريب من المكان، وهنالك للبعيد، وهناك للوسيط بين القريب والبعيد، وسبيله سبيل ذا وذلك وذاك، وذكرنا فيما تقدم (١) ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ ﴾ ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ ﴾ .
قال مقاتل: يعني عند ذلك (٢) (٣) وقوله: ﴿ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ قال الفراء والزجاج: اختبروا (٤) (٥) ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وقد مر، قال مقاتل: ابتلي المؤمنون بالقتال والحصر (٦) وقال عطاء: بالجزع (٧) قوله تعالى: ﴿ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ أي: أزعجوا وحركوا، يقال: زل فلان عن مكانه وزلزله غيره.
﴿ زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ ، قال أبو إسحاق: ويجوز فتح الزاي والمصدر من المضاعف يجيء على فعلال وفعلال نحو: قلقلته قلقالًا وقلقالًا والكسر أجود؛ لأن غير المضاعف من هذا البناء مكسور الأول نحو: دحرجته دحراجًا، لا يجوز فيه غير الكسر (٨) وقال الفراء: الزلزال بالكسر المصدر وبالفتح الاسم، وكذلك الوِسواس والوَسواس (٩) (١٠) وقال عبد الله بن مسلم: أي شدد عليهم وهول (١١) وقال أبو إسحاق: (أزعجوا إزعاجًا شديدًا) (١٢) (١) عند قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)﴾.
آية 38.
(٢) "تفسير مقاتل" 88 ب.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219 مع اختلاف في العبارة.
(٤) "معاني القرآن" 2/ 336، "معاني القرآن وإعرابه للزجاج" 4/ 219.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 132، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 5/ 330.
(٦) "تفسير مقاتل" 88 ب.
(٧) لم أعثر على من ذكر هذا القول من المفسرين.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 218 مع اختلاف في العبارة.
(٩) "معاني القرآن" 3/ 283.
(١٠) "تفسير مقاتل" 88 ب، ولم أجد من نسب القول للكلبي.
(١١) "تفسير غريب القرآن" ص 348.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون ﴾ أي اختبروا أو أصابهم بلاء، والعامل في الظرف ابتلى وقيل: ما قبله ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ أصل الزلزلة شدة التحريك وهو هنا عبارة عن اضطراب القلوب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما يعملون خبيراً ﴾ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو ﴿ اللائي ﴾ بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر.
بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل ﴿ اللاي ﴾ بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في "المجادلة" و"الطلاق" ﴿ تظاهرون ﴾ من المظاهرة عاصم ﴿ تظاهرون ﴾ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون ﴿ تظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير ﴿ وإذ زاغت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو ﴿ وزاغت ﴾ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ الرسولا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل.
وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين.
الباقون: بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل ﴿ لا مقام ﴾ بضم الميم: حفص الآخرون: بفتحها.
﴿ لأتوها ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء و ﴿ يساءلون ﴾ بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون ﴿ يسألون ﴾ ثلاثياً.
الوقوف: ﴿ والمنافقين ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط5 ﴿ في جوفه ﴾ ج فصلاً بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ أمهاتكم ﴾ ج لذلك ﴿ أبناءكم ﴾ ط ﴿ بأفواهكم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ ومواليكم ﴾ ط ﴿ أخطأتم به ﴾ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خب مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك ﴿ رحيماً ﴾ ه ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ص للعطف ﴿ غليظاً ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ تروها ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ﴿ يعملون ﴾ على الغيبة ﴿ الظنونا ﴾ ط ﴿ شديداً ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ فأرجعوا ﴾ ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف ﴿ بعورة ﴾ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على ﴿ عورة ﴾ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ط ﴿ مسؤلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ رحمة ﴾ ط ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ إلينا ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده حال ﴿ عليكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الموت ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه ﴿ لم يذهبوا ﴾ ج ﴿ أنبائكم ﴾ ط ﴿ قليلا ﴾ ه.
التفسير: لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه.
قال جار الله عن زر قال: قال ابي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟
قلت: ثلاثاً وسبعين آية.
قال: فوالذي يحلف به ابي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره.
أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن.
وأما من يحكى أن تلك الزيادة كانت ي صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة.
ومن تشريفات الرسول أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ﴿ يا آدم ﴾ ﴿ يا موسى ﴾ ﴿ يا عيسى ﴾ ﴿ يا داود ﴾ وإنما جاء في الأخبار ﴿ محمد رسول الله ﴾ تعليماً للناس وتلقيناً لهم أنه رسول وجاء ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ﴾ ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لايكون القرآن خالياً عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله ﴿ لقد جاءكم رسول ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين ﴾ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ والمراد بقوله ﴿ اتق الله ﴾ واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه مالا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ﴾ يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.
يروى أنه لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.
وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.
أي اتق الله في نقض العهد.
﴿ ولا تطع الكافرين ﴾ من أهل مكة ﴿ والمنافقين ﴾ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.
﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بالصواب ﴿ حكيماً ﴾ فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق الله ويفوِّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه، ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين ﴾ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله ﴿ وما جعل أزواجكم ﴾ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة.
وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانياً.
فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف.
والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله ﴿ القلوب التي في الصدور ﴾ من زيادة التصوير للتأكيد.
ومعنى ظَاهَرَ من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.
كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار.
وعدى بـ "من" لتضمين معنى التباعد.
وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه.
وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب الظهر كان محذوراً عندهم زعماً منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه.
والدعي "فعيل" بمعنى "مفعول" وهو المدعو ولد اشبه بفعيل الذي هو بمعنى "فاعل" كتقي وأتقياء فجمع على "أفعلاء".
واعلم أن زيد بن حارثة كان رجلاً من قبيلة كلب سبي صغيراً فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ وقيل: كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين.
وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلاً في الظهار والتبني.
وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم.
وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في ﴿ رجل ﴾ وزيادة من الأستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين ألبتة ﴿ ذلكم ﴾ النسب ﴿ قولكم بأفواهكم ﴾ إذ ا أصل شرعاً لقول القائل: هذا ابني: وذلك إذ كان معروف النسب حراً، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حراً ثبت نسبه من المتنبي ظاهراً إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبداً له عتق وثبت النسب.
وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب.
ثم بين كا هو الحق والهدى عند الله فقال ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ اي انسبوهم إليهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين.
ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي.
ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للخاطئ ﴿ رحيماً ﴾ للعامل ولا سيما إذا تاب.
ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابناً، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي بقوله "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين.
وقيل: إن أولى بمعنى ارأف وأعطف كقوله "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وإن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً فإليَّ" وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه باحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن.
ومن كمال عناية الله بأمة محمد أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبداً، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته.
ولذلك صار المؤمنون أخوة.
قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ الآية.
وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر "الأنفال".
وقوله ﴿ من المؤمنين ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألوا الأرحام ﴾ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، وإما أن يتعلق بـ ﴿ أولى ﴾ أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة.
ثم أشار إلى الوصية بقوله ﴿ إلا أن تفعلوا ﴾ أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفاً براً بطريق التوصية.
والحاصل أن القارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث.
قال أهل النظم: كأنه قال: بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلاً على قوله ﴿ أولى بالمؤمنين ﴾ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو اراد أحد براً مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده.
ثم ما يفضل منه يكون لغيره ﴿ كان ذلك ﴾ الذي ذكر في الآيتين ﴿ في الكتاب ﴾ وهو القرآن أو اللوح ﴿ مسطوراً ﴾ والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.
ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله ﴿ وإذ أخذنا ﴾ اي اذكر وقت أخذنا في الأزل ﴿ من النبيين ميثاقهم ﴾ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوانٍ.
وقد خصص بالذكر خمسة لفضلهم وقدم نبينا لأفضليته.
وإنما قدم نوحاً في قوله ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك ﴾ لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستفامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير.
وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحاً كان أصلاً ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشاداً للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم.
قال أهل البيان: اراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً أي عظيماً وهو مستعار من وصف الأجرام.
وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله كان ميثاقاً فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظاً في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما قال "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم ﴾ الآية.
وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما قال علي : حلالها حساب وحرامها عقاب.
فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ﴿ بلى ﴾ في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقاً.
ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ﴿ ولنسألن المرسلين ﴾ وكقوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ﴾ وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر.
قال جار الله: قوله ﴿ وأعد ﴾ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين.
وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف.
ثم أكد الأمر بالتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا ﴾ الآية.
وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير البصير.
وذكروا في القصة أن قريشاً كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن معامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير.
وحين سمع رسول الله بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط.
ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر، وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم ﴿ و ﴾ أرسل ﴿ جنوداً لم تروها ﴾ وهم الملائكة وكانوا ألفاً فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفأوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا.
ومعنى ﴿ من فوقكم ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً.
ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً.
والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴾ كما حكينا عن معتب.
ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة.
فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.
﴿ وإذ قالت طائفة منهم ﴾ كعبد الله بن أُبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي لاقرار لكم ولا مكان ههنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفاراً واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله بقوله ﴿ وما هي بعورة ﴾ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال ﴿ إن يريدون إلا فراراً ﴾ ثم بين مصداق بقوله ﴿ ولو دخلت ﴾ اي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ﴿ لآتوها ﴾ والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا غليه وما تعللوا بشيء.
ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال كيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام.
والضمير في قوله ﴿ وما تلبثوا بها إلا يسيراً ﴾ يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زماناً يسيراً ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلاً ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين.
ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلاً فإِن الله يهلكهم.
قوله ﴿ ولقد كانوا ﴾ الآية.
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.
وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن.
وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل.
ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زماناً قليلاً.
عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
ثم أكد التقرير المذكور بقوله ﴿ قل من ذا الذي يعصمكم ﴾ الآية.
قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلجاً سيفاً ورمحاً.
اي ومعتقلاً رمحاً.
أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع.
والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول وهم المنافقون واليهود ﴿ هلم إلينا ﴾ معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في "الأنعام" في قوله ﴿ قل هلم شهداءكم ﴾ وقوله ﴿ ولا يأتون ﴾ معطوف على ﴿ القائلين ﴾ لأنه في معنى الذين يقولون.
وقوله ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا إتياناً قليلاً كقوله ﴿ ما قاتلوا إلا قليلاً ﴾ لقلة الرغبة.
وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت.
وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله ﴿ فإذا ذهب الخوف ﴾ وجمعت الغنائم ﴿ سلقوكم ﴾ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل.
﴿ أولئك ﴾ المنافقون ﴿ لم يؤمنوا ﴾ حقيقة وإن آمنوا في الظاهر ﴿ فأحبط الله أعمالهم ﴾ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم ﴿ وكان ذلك ﴾ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق ﴿ يسيراً ﴾ على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلاً.
قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف.
ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هيناً.
ثم قرر طرفاً آخر من جبنهم وهو أنهم ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان.
ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه ﴿ أن يأت الأحزاب ﴾ كرة ثانية تمنوا ﴿ أنهم بادون ﴾ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذراً من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم ﴿ يسألون عن أنبائكم ﴾ قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر ﴿ ولو كانوا فيكم ﴾ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا ﴿ إلا قليلاً ﴾ إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.
التأويل: ﴿ اتق الله ﴾ من التكوين وكان متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿ وما جعل أزواجكم أمهاتكم ﴾ و ﴿ وأدعياءكم أبناءكم ﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي فإنه النسب الباقي كما قال "كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي" فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في ارحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم.
وبعد النبي سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ في الأزل ﴿ ومنك ﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ ومن نوح ﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ ليسأل الصادقين ﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف.
والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿ إذ جاءتكم جنود ﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهي المتولدات البشرية.
أو ﴿ من فوقكم ﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً ﴾ من نكبات قهرنا ﴿ وجنوداً لم تروها ﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿ وعاهدوا الله من قبل ﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
اشكروا ما أنعم الله عليكم وأحسنوا صحبة نعمه في النصر لكم والدفع عنكم، ثم الأمر في تذكير ما أنعم عليهم وجوه من الحكمة والدلالة: أحدها: تذكير لنا في مقاساة أولئك السلف من أصحابه في الدين، وعظيم ما امتحنوا في أمر الدين، حتى بلغوا الدين إلينا؛ لكيلا نضيعه نحن، بل يلزمنا أن نحفظه ونتمسك به، ونتحمل فيه، كما تحمل أولئك.
والثاني: فيه آية لهم وذلك أنهم كانوا جميعاً هم وأعداؤهم، فجاءتهم الريح والملائكة فأهلكتهم دون المؤمنين، وقال رسول الله : "نصرتُ بالصَّبَا، وأُهلِكَ عادٌ بالدَّبُور" ، وذلك آية عظيمة.
والثالث: يذكرهم ما أتاهم من الغوث عند إياسهم من أنفسهم وشرفهم على الهلاك وخروج أنفسهم من أيديهم؛ لأن العدو قد أحاطوا بهم؛ حيث قال: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ ، وبلغ أمرهم وحالهم ما ذكر، حيث قال: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ...
﴾ الآية.
أو أن يذكر لما كان منهم من العهد والميثاق ألا يولّوا الأدبار، ولا يهربوا كقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 15]: يذكرهم عظيم نعمه التي كانت عليهم في النصر لهم على عدوّهم والدفع عنهم، وحالهم ما ذكر في الآية، وذلك كان يوم الخندق تحزبوا المؤمنين في ثلاثة أمكنة يقاتلونهم من كل وجه شهراً، فبعث الله عليهم بالليل ريحاً باردة، وبعث الملائكة فغلبتهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴾ .
يذكر أنه لا عن غفلة وسهو ترككم هنالك حتى أحاط بكم العدو؛ ولكن أراد أن يمتحنكم محنة عظيمة.
أو يقول: إنه بصير عليم فيجزيكم جزاء عملكم وصبركم على ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: من فوق الوادي ومن أسفل منه.
وقيل: أحاطوا بهم من النواحي جميعاً.
وجائز أن يكون ذلك كناية عن الخوف، أي: أحاطوا بهم حتى خافوا على أنفسهم الهلاك؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ ﴾ .
وعن ابن عباس - ما - قال: هذا وصف المنافقين ﴿ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ ﴾ ، أي: شخصت، ﴿ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ ﴾ ؛ لشدة خوفهم، كقوله: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، وأمثال هذا قد وصفهم في غير آي من القرآن ما وصف هاهنا، وهذا يشبه أن يكون.
وقال بعضهم: هذا وصف حال المؤمنين: شخصت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر؛ لمّا اشتد بهم الخوف؛ لما أحاطوا بهم من فوق ومن أسفل.
ثم جائز أن يكون ذلك على التمثيل، أي: كادت أن تكون هكذا.
وجائز أن يكون على التحقيق، وهي أن تزول عن أمكنتها، وبلغت ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ ﴾ .
قال بعضهم: ظن ناس من المنافقين ظنونا مختلفة، يقولون: هلك محمد وأصحابه، ونحوه من الظنون الفاسدة السوء، وكقوله: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ ، ونحوه.
وجائز أن يكون ذلك الظن من المؤمنين: ظنوا بالله ظنوناً لتقصير أو تفريط كان منهم نحو قوله: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 155].
ثم قال: ﴿ هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ بالقتال وأنواع الشدائد.
﴿ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ : قيل: جهدوا جهداً شديداً، وقيل: حركوا تحريكاً شديداً.
<div class="verse-tafsir"
في ذلك الموقف في غزوة الخندق اختُبِر المؤمنون بما لاقوه من تكالب أعدائهم عليهم، واضطربوا اضطرابًا شديدًا من شدة الخوف، وتبين بهذا الاختبار المؤمن والمنافق.
<div class="verse-tafsir" id="91.xJwDy"