الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٤٣ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٣ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ) : هذا تهييج إلى الذكر ، أي : إنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم ، كقوله تعالى : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) [ البقرة : 151 ، 152 ] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يقول الله : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة ، حكاه البخاري عن أبي العالية .
ورواه أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عنه .
وقال غيره : الصلاة من الله : الرحمة [ ورد بقوله : ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) ] وقد يقال : لا منافاة بين القولين والله أعلم .
وأما الصلاة من الملائكة ، فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار ، كقوله : ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ) الآية .
[ غافر : 7 - 9 ] .
وقوله : ( ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) أي : بسبب رحمته بكم وثنائه عليكم ، ودعاء ملائكته لكم ، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين .
( وكان بالمؤمنين رحيما ) أي : في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا : فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم ، وبصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأشياعهم من الطغام .
وأما رحمته بهم في الآخرة : فآمنهم من الفزع الأكبر ، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار ، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم .
قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس ، رضي الله عنه ، قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق ، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ ، فأقبلت تسعى وتقول : ابني ابني ، وسعت فأخذته ، فقال القوم : يا رسول الله ، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار .
قال : فخفضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " ولا الله ، لا يلقي حبيبه في النار " .
إسناده على شرط الصحيحين ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، ولكن في صحيح الإمام البخاري ، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيا لها ، فألصقته إلى صدرها ، وأرضعته فقال : " أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك ؟
" قالوا : لا .
قال : " فوالله ، لله أرحم بعباده من هذه بولدها " .
وقوله ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ) يقول تعالى ذكره: ربكم الذي تذكرونه الذكر الكثير وتسبحونه بكرة وأصيلا إذا أنتم فعلتم ذلك، الذي يرحمكم، ويثني عليكم هو ويدعو لكم ملائكته .
وقيل: إن معنى قوله ( يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ): يشيع عنكم الذكر الجميل في عباد الله.
وقوله ( لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) يقول: تدعو ملائكة الله &; 20-280 &; لكم؛ فيخرجكم الله من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله ( اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ) يقول: لا يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، قال فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال.
وقال: ( وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ) فإذا فعلتم ذلك؛ صلى عليكم هو وملائكته، قال الله عز وجل: ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ) .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ) صلاة الغداة، وصلاة العصر.
وقوله ( لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) أي: من الضلالات إلى الهدى.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) قال: من الضلالة إلى الهدى، قال: والضلالة الظلمات والنور: الهدى.
وقوله ( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) يقول تعالى ذكره: وكان بالمؤمنين به ورسوله ذا رحمة أن يعذبهم وهم له مطيعون، ولأمره متبعون.
قوله تعالى : هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما .قوله تعالى : هو الذي يصلي عليكم قال ابن عباس : لما نزل إن الله وملائكته يصلون على النبي قال المهاجرون والأنصار : هذا لك يا رسول الله خاصة ، وليس لنا فيه شيء ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .قلت : وهذه نعمة من الله تعالى على هذه الأمة من أكبر النعم ، ودليل على فضلها على سائر الأمم .
وقد قال : كنتم خير أمة أخرجت للناس .
والصلاة من الله على العبد هي رحمته له وبركته لديه .
وصلاة الملائكة : دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم ، كما قال : [ ص: 181 ] ويستغفرون للذين آمنوا وسيأتي .
وفي الحديث : أن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام : أيصلي ربك جل وعز ؟
فأعظم ذلك ، فأوحى الله جل وعز : ( إن صلاتي بأن رحمتي سبقت غضبي ) ذكره النحاس .
وقال ابن عطية : وروت فرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : يا رسول الله ، كيف صلاة الله على عباده .
قال : ( سبوح قدوس - رحمتي سبقت غضبي ) .
واختلف في تأويل هذا القول ، فقيل : إنه كلمة من كلام الله تعالى وهي صلاته على عباده .
وقيل سبوح قدوس من كلام محمد صلى الله عليه وسلم وقدمه بين يدي نطقه باللفظ الذي هو صلاة الله وهو ( رحمتي سبقت غضبي ) من حيث فهم من السائل أنه توهم في صلاة الله على عباده وجها لا يليق بالله عز وجل ، فقدم التنزيه والتعظيم بين يدي إخباره .قوله تعالى : ليخرجكم من الظلمات إلى النور أي من الضلالة إلى الهدى .
ومعنى هذا التثبيت على الهداية ، لأنهم كانوا في وقت الخطاب على الهداية .
وكان بالمؤمنين رحيما .
أي: من رحمته بالمؤمنين ولطفه بهم، أن جعل من صلاته عليهم، وثنائه، وصلاة ملائكته ودعائهم، ما يخرجهم من ظلمات الذنوب والجهل، إلى نور الإيمان، والتوفيق، والعلم، والعمل، فهذه أعظم نعمة، أنعم بها على العباد الطائعين، تستدعي منهم شكرها، والإكثار من ذكر اللّه، الذي لطف بهم ورحمهم، وجعل حملة عرشه، أفضل الملائكة، ومن حوله، يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا فيقولون: { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِي السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } فهذه رحمته ونعمته عليهم في الدنيا.
( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ) فالصلاة من الله : الرحمة ، ومن الملائكة : الاستغفار للمؤمنين .
قال السدي قالت بنو إسرائيل لموسى : أيصلي ربنا ؟
فكبر هذا الكلام على موسى ، فأوحى الله إليه : أن قل لهم : إني أصلي ، وإن صلاتي رحمتي ، وقد وسعت رحمتي كل شيء .
وقيل : الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده .
وقيل : الثناء عليه .
قال أنس : لما نزلت : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) قال أبو بكر : ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه ، فأنزل الله هذه الآية .
قوله : ( ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) أي : من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان يعني : أنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى النور ( وكان بالمؤمنين رحيما )
«هو الذي يصلي عليكم» أي يرحمكم «وملائكته» يستغفرون لكم «ليخرجكم» ليديم إخراجه إياكم «من الظلمات» أي الكفر «إلى النور» أي الإيمان «وكان بالمؤمنين رحيما».
هو الذي يرحمكم ويثني عليكم وتدعو لكم ملائكته؛ ليخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الإسلام، وكان بالمؤمنين رحيمًا في الدنيا والآخرة، لا يعذبهم ما داموا مطيعين مخلصين له.
وقوله - سبحانه - : ( هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ .
.
) استئناف جار مجرى التعليل لما قبله ، من الأمر بالإِكثار من الذكر ومن التسبيح .والصلاة من الله - تعالى - على عباده معناها : الرحمة بهم ، والثناء عليهم ، كما أن الصلاة من الملائكة على الناس معناها : الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ ) .
.
قال ابن عباس : لما نزل : ( إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي .
.
) قال المهاجرون والأنصار : هذا لك يا رسول الله خاصة ، وليس لنا فيه شئ ، فأنزل الله هذه الآية .ثم قال القرطبى : قلت : وهذه نعمة من الله - تعالى على هذه الأمة من أكبر النعم ، ودليل على فضلها على سائر الأمم .
وقد قال : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) والصلاة من الله على العبد هى رحمته له ، وبركته لديه .
وصلاة الملائكة : دعاؤهم وللمؤمنين استغفارهم لهم ، كما قال - تعالى - : ( الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ) وقوله : ( لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور ) متعلق بقوله : ( يُصَلِّي ) أى : يرحمكم - سبحانه - برحمته الواسعة ، ويسخر ملائكته للدعاء لكم ، لكى يخرجكم بفضله ومنته ، من ظلمات الظلال والكفر إلى النور والهداية والإِيمان .( وَكَانَ ) - سبحانه - وما زال ( بالمؤمنين رَحِيماً ) رحمة عظيمة واسعة ، تشمل الدنيا والآخرة .أما رحمته لهم فى الدنيا فمن مظاهرها : هدايته إياهم إلى الصراط المستقيم .وأما رحمته - سبحانه - لهم فى الآخرة فمن مظاهرها : أنهم يأمنون من الفزع الأكبر .وفى صحيح البخارى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبى قد أخذت صبيا لها فألصقته إلى صدرها وأضعته فقال : " أترون هذه تلقى ولدها فى النار وهى تقدر على ذلك؟
قالوا : لا .
قال : فوالله لله أرحم بعباده من هذه لولدها " " .
يعني هو يصلي عليكم ويرحمكم وأنتم لا تذكرونه فذكر صلاته تحريضاً للمؤمنين على الذكر والتسبيح ﴿ لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ يعني يهديكم برحمته والصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار فقيل بأن اللفظ المشترك يجوز استعماله في معنييه معاً وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ جائز وينسب هذا القول إلى الشافعي رضي الله عنه وهو غير بعيد فإن أريد تقريبه بحيث يصير في غاية القرب نقول الرحمة والاستغفار يشتركان في العناية بحال المرحوم والمستغفر له والمراد هو القدر المشترك فتكون الدلالة تضمنية لكون العناية جزأ منهما ﴿ وكان بالمؤمنين رَحِيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن قوله: ﴿ يُصَلّي عَلَيْكُمْ ﴾ غير مختص بالسامعين وقت الوحي.
<div class="verse-tafsir"
لما كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره حنوّاً عليه ترؤفاً.
كعائد المريض في انعطافه عليه، والمرأة في حنوّها على ولدها، ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف ومنه قولهم: صلّى الله عليك، أي ترحم عليك وترأف.
فإن قلت: قوله: ﴿ هُوَ الذى يُصَلّى عَلَيْكُمْ ﴾ إن فسرته بيترحم عليكم ويترأف، فما تصنع بقوله: ﴿ وملائكته ﴾ وما معنى صلاتهم؟
قلت: هي قولهم: اللَّهم صلّ على المؤمنين، جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة.
ونظيره قوله: حياك الله، أي حياك وأبقاك، وحييتك، أي: دعوت لك بأن يحييك الله؛ لأنك لا تكالك على إجابة دعوتك كأنك تبقيه على الحقيقة، وكذلك: عمرك الله، وعمرتك، وسقاك الله، وسقيتك، وعليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ياأيها الذين ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 56] أي ادعوا الله بأن يصلّي عليه.
والمعنى: هو الذي يترحم عليكم ويترأف: حيث يدعوكم إلى الخير ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر على الصلاة والطاعة ﴿ لِيُخْرِجَكُم ﴾ من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة ﴿ وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً ﴾ دليل على أنّ المراد بالصلاة الرحمة.
ويروى أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ﴾ [الأحزاب: 56] قال أبو بكر رضي الله عنه: ما خصك يا رسول الله بشرف إلاّ وقد أشركنا فيه، فأنزلت ﴿ تَحِيَّتُهُمْ ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: يحيون يوم لقائه بسلام.
فيجوز أن يعظمهم الله بسلامه عليهم، كما يفعل بهم سائر أنواع التعظيم، وأن يكون مثلاً كاللقاء على ما فسرنا.
وقيل: هو سلام ملك الموت والملائكة معه عليهم وبشارتهم بالجنة.
وقيل: سلام الملائكة عند الخروج من القبور.
وقيل: عند دخول الجنة، كما قال: ﴿ والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ [الرعد: 23 24] والأجر الكريم: الجنة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ﴾ بِالرَّحْمَةِ.
﴿ وَمَلائِكَتُهُ ﴾ بِالِاسْتِغْفارِ لَكم والِاهْتِمامِ بِما يُصْلِحُكم، والمُرادُ بِالصَّلاةِ المُشْتَرَكُ وهو العِنايَةُ بِصَلاحِ أمْرِكم وظُهُورِ شَرَفِكم مُسْتَعارٌ مِنَ الصَّلْوِ.
وقِيلَ التَّرَحُّمُ والِانْعِطافُ المَعْنَوِيُّ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّلاةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِانْعِطافِ الصُّورِيِّ الَّذِي هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، واسْتِغْفارُ المَلائِكَةِ ودُعاؤُهم لِلْمُؤْمِنِينَ تَرَحُّمٌ عَلَيْهِمْ سِيَّما وهو السَّبَبُ لِلرَّحْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّهم مُجابُو الدَّعْوَةِ.
﴿ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ إلى نُورَيِ الإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿ وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ حَيْثُ اعْتَنى بِصَلاحِ أمْرِهِمْ وإنافَةِ قَدْرِهِمْ واسْتَعْمَلَ في ذَلِكَ مَلائِكَتَهُ المُقَرَّبِينَ.
﴿ تَحِيَّتُهُمْ ﴾ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ أيْ يُحَيَّوْنَ.
﴿ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ ﴾ يَوْمَ لِقائِهِ عِنْدَ المَوْتِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ، أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ.
﴿ سَلامٌ ﴾ إخْبارٌ بِالسَّلامَةِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ.
﴿ وَأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا ﴾ هي الجَنَّةُ، ولَعَلَّ اخْتِلافَ النَّظْمِ لِمُحافَظَةِ الفَواصِلِ والمُبالَغَةِ فِيما هو أهَمُّ.
<div class="verse-tafsir"
{هو الذي يصلي عليكم وملائكته} لما كان من شأن المصلي أن ينعطف فى ركوعه وسجوده استعير لمن يتعطف على غيره حنواً عليه وترؤفاً كعائد المريض في انعطافه عليه والمرأة في حنوها على ولدها ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف ومنه قولهم صلى الله عليه وسلم أي ترحم عليك وترأف والمراد بصلاة الملائكة قولهم اللهم صل على المؤمنين جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة والمعنى هو الذي يترحم عليكم ويترأف حين يدعوكم إلى الخير ويأمركم باكثار الذكروالتوفر على الصلاة
الأحزاب (٤٨ - ٤٣)
والطاعة {لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات إِلَى النور} من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة {وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً} هو دليل على أن المراد بالصلاة والرحمة وروى أنه لما نزل الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى قال أبو بكر ما خضك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فنزلت
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ﴾ إلخ، اِسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ ﴿ ومَلائِكَتُهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ( يُصَلِّي ) لِمَكانِ الفَصْلِ المُغْنِي عَنِ التَّأْكِيدِ بِالمُنْفَصِلِ لا عَلى (هُوَ)، والصَّلاةُ في المَشْهُورِ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ - مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ ومِنَ المَلائِكَةِ اِسْتِغْفارٌ ومِن مُؤْمِنِي الإنْسِ والجِنِّ دُعاءٌ، ويَجُوزُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ اِسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ هُنا المَعْنَيانِ الأوَّلانِ فَيُرادُ بِها أوَّلًا الرَّحْمَةُ وثانِيًا الِاسْتِغْفارُ، ومَن لا يُجَوِّزُ كَأصْحابِنا يَقُولُ بِعُمُومِ المَجازِ بِأنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ مَعْنًى مَجازِيٌّ عامٌّ يَكُونُ كِلا المَعْنَيَيْنِ فَرْدًا حَقِيقِيًّا لَهُ، وهو إمّا الِاعْتِناءُ رُبَّما فِيهِ خَيْرُ المُخاطَبِينَ وصَلاحُ أمْرِهِمْ فَإنَّ كُلًّا مِنَ الرَّحْمَةِ والِاسْتِغْفارِ فَرْدٌ حَقِيقِيٌّ لَهُ وهَذا المَجازُ مِنَ الصَّلاةِ بِمَعْنى الدُّعاءِ وهو إمّا اِسْتِعارَةٌ لِأنَّ الِاعْتِناءَ يُشْبِهُ الدُّعاءَ لِمُقارَنَةِ كُلٍّ مِنهُما لِإرادَةِ الخَيْرِ والأمْرِ المَحْبُوبِ، أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ الدُّعاءَ مُسَبَّبٌ عَنِ الِاعْتِناءِ، وأمّا التَّرَحُّمُ والِانْعِطافُ المَعْنَوِيُّ المَأْخُوذُ مِنَ الصَّلاةِ المَعْرُوفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِانْعِطافِ الصُّورِيِّ الَّذِي هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، ولا رَيْبَ في أنَّ اِسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ودُعاءَهم لِلْمُؤْمِنِينَ تَرَحُّمٌ عَلَيْهِمْ، وأمّا أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلرَّحْمَةِ لِكَوْنِهِمْ مُجابِي الدَّعْوَةِ كَما قِيلَ فَفِيهِ بَحْثٌ، ورُجِّحَ جَعْلُ المَعْنى العامِّ ما ذُكِرَ بِأنَّهُ أقْرَبُ لِما بَعْدُ، فَإنَّهُ نُصَّ عَلَيْهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ رَحِمَ مُتَعَدٍّ وصَلّى قاصِرٌ فَلا يَحْسُنُ تَفْسِيرُهُ بِهِ، وبِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ جَوازَ رَحِمَ عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ تَعالى غايَرَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ ﴾ لِلْعَطْفِ الظّاهِرِ في المُغايَرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِتَفْسِيرِ صَلّى بِ رَحِمَ إلّا بَيانُ أنَّ المَعْنى المَوْضُوعَ لَهُ صَلّى هو المَوْضُوعُ لَهُ رَحِمَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْنى التَّعَدِّي واللُّزُومِ فَإنَّ الرَّدِيفَيْنِ قَدْ يَخْتَلِفانِ في ذَلِكَ وهو غَيْرُ ضارٍّ، فَزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَحْسُنُ، وأنَّهُ يَلْزَمُ جَوازُ رَحِمَ عَلَيْهِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ عَلى أنَّهُ يَحْسُنُ تَعْدِيَةُ صَلّى بِعَلى دُونَ رَحِمَ لِما في الأوَّلِ مِن ظُهُورِ مَعْنى التَّحَنُّنِ والتَّعَطُّفِ والعَطْفِ لِأنَّ الصَّلاةَ رَحْمَةٌ خاصَّةٌ ويَكْفِي هَذا القَدْرُ مِنَ المُغايَرَةِ، وقِيلَ: إنْ تَعَدَّدَ الفاعِلُ صُيِّرَ الفِعْلُ كالمُتَعَدِّدِ، فَكَأنَّ الرَّحْمَةَ مُرادَةٌ مِن لَفْظٍ والِاسْتِغْفارَ مُرادٌ مِن آخَرَ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ ولَيْسَ هُناكَ اِسْتِعْمالُ لَفْظٍ واحِدٍ حَقِيقَةً وحُكْمًا في مَعْنَيَيْنِ وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ كَوْنُ ( مَلائِكَتُهُ ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ هو الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَيْكم فَهُناكَ لَفْظانِ حَقِيقَةً كُلٌّ مِنهُما بِمَعْنًى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَزِيدُكَ عِلْمًا بِأمْرِ الصَّلاةِ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ خَيْرًا إلّا أشْرَكَنا فِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ » أيْ مِن ظُلُماتِ المَعاصِي إلى نُورِ الطّاعَةِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: مِنَ الجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعالى إلى مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ الجَهْلَ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالظُّلْمَةِ، والمَعْرِفَةَ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنُّورِ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ: أيٌّ مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى، وقالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ، وقِيلَ: مِنَ القُبُورِ إلى البَحْثِ حَكاهُ أبُو حَيّانَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ يُصَلِّي أيْ يَعْتَنِي بِكم هو سُبْحانَهُ ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم أوْ يَتَرَحَّمَ هو عَزَّ وجَلَّ ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم بِذَلِكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
﴿ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ اِعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أيْ كانَ سُبْحانَهُ بِكافَّةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن زُمْرَتِهِمْ كامِلَ الرَّحْمَةِ ولِذا يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ بِالذّاتِ وبِالواسِطَةِ أوْ كانَ بِكم رَحِيمًا عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مُظْهَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مَدْحًا لَهم وإشْعارًا بِعِلَّةِ الرَّحْمَةِ، <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: مَّا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ يعني: بالتبني.
وليس بأب لزيد بن حارثة وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ يعني: ولكنه محمد رسول الله ، ويقال: لم يكن أب الرجال لأن بنيه ماتوا صغاراً، ولو كان الرجال بنيه لكانوا أنبياء، ولا نبي بعده.
فذلك قوله: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ قرأ بعضهم ولكن رَسُولَ اللَّهِ بضم اللام، ومعناه: ولكن هو رسول الله وكان خاتَمَ النَّبِيِّينَ وقرأ عاصم في إحدى الروايتين وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ بنصب التاء.
وقرأ الباقون: بالكسر.
فمن قرأ بالكسر يعني: آخر النبيين.
ومن قرأ بالنصب فهو على معنى إضافة الفعل إليه.
يعني: أنه ختمهم وهو خاتم.
قال أبو عبيد: وبالكسر نقرأ لأنه رويت الآثار عنه أنه قال «أَنَا خَاَتَمُ النَّبِيِّين» فلم يسمع أحد من فقهائنا يروون إلا بكسر التاء.
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً بمن يصلح للنبوة، وبمن لا يصلح.
فإن قيل: كيف يظن برسول الله أنه يظهر من نفسه، خلاف ما في قلبه.
قيل له: يجوز مثل هذا لأن في قوله أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ أمر بالمعروف وفيه ردّ النفس عما تهوى.
وهذا عمل الأنبياء والصالحين- عليهم السلام-.
وقال بعضهم: للآية وجه آخر وهو إن الله تعالى قد أخبر النبيّ أنها تكون زوجته.
فلما زوّجها من زيد بن حارثة لم يكن بينهما ألفة.
وكان النبيّ ينهاه عن الطلاق، ويخفي في نفسه ما أخبره الله تعالى.
وقال: بأنها تكون زوجته.
فلما طلقها زيد بن حارثة، كان يمتنع من تزوجها، خشية مقالة الناس، يتزوج امرأة ابنه المتبنى به.
فأمره الله عز وجل بأن يتزوجها، ليكون ذلك سبب الإباحة لنكاح امرأة الابن المتبنى لأمته ونزل وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب: 37] الآية.
ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً يعني: اذكروا الله باللسان.
وروي عن النبيّ أنه قال: «إنَّ هِذِه القُلُوبَ لَتَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ» .
قيل: يا رسول الله فما جلاؤها؟
قال: تِلاوَةُ كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَكَثْرَةُ ذِكْرِهِ» .
وذكر أن أعرابياً سأل النبي فقال: إن شرائع الإسلام قد كثرت، فأنبئني منها بأمر أتشبث به.
فقال: «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبَاً مِنْ ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ» .
ويقال: ليس شيء من العبادات أفضل من ذكر الله تعالى، لأنه قدر لكل عبادة مقداراً، ولم يقدر للذكر، وأمر بالكثرة فقال: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً يعني: اذكروه في الأحوال كلها.
لأن الإنسان لا يخلوا من أربعة أحوال.
إما أن يكون في الطاعة، أو في المعصية، أو في النعمة، أو في الشدة.
فإذا كان في الطاعة ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالإخلاص، ويسأله القبول والتوفيق.
وإذا كان في المعصية ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالامتناع عنها، ويسأل منه التوبة منها والمغفرة.
وإذا كان في النعمة يذكره بالشكر وإذا كان في الشدة يذكره بالصبر.
ثم قال تعالى: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: غدواً وعشياً.
يعني: صلوا لله بالغداة والعشي.
يعني: الفجر والعصر.
ويقال: بالغداة.
يعني: صلوا أول النهار وهي صلاة الفجر وَأَصِيلًا يعني: صلوا آخر النهار، وأول النهار.
وهي صلاة الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء.
ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ يقول: هو الذي يرحمكم ويغفر لكم وَمَلائِكَتُهُ أي: يأمر الملائكة- عليهم السلام- بالاستغفار لكم لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني: أخرجكم من الكفر إلى الإيمان ووفّقكم لذلك.
اللفظ لفظ المستأنف، والمراد به الماضي يعني: أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ونّور قلوبكم بالمعرفة.
ويقال: معناه ليثبتكم على الإيمان ويمنعكم عن الكفر.
ويقال: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ يعني: من المعاصي إلى نور التوبة، والطهارة من الذنوب.
ويقال: من ظلمات القبر إلى نور المحشر.
ويقال: من ظلمات الصراط إلى نور الجنة.
ويقال: من ظلمات الشبهات إلى نور البرهان والحجة.
ثم قال: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً يعني: بالمصدقين الموحدين رَحِيماً يرحم عليهم.
ثم قال عز وجل: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قال مقاتل: يعني: يلقون الرب في الآخرة بسلام.
وقال الكلبي: تجيبهم الملائكة- عليهم السلام- على أبواب الجنة بالسلام.
فإذا دخلوها، حيَّا بعضهم بالسلام.
وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام.
ويقال: يعني: يسلم بعضهم على بعض.
ويقال: يسلمون على الله تعالى.
وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً يعني: جزاءً حسناً في الجنة.
ويقال: مساكن في الجنة حسنة.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً يعني: شهيداً على أمتك بالبلاغ وَمُبَشِّراً بالجنة لمن أطاع الله في الآخرة وفي الدنيا بالنصرة وَنَذِيراً من النار يعني: مخوفاً لمن عصى الله عز وجل وَداعِياً إِلَى اللَّهِ يعني: أرسلناك داعياً إلى توحيد الله ومعرفته بِإِذْنِهِ يعني: بأمره وَسِراجاً مُنِيراً يعني: أرسلناك بسراج منير، لأنه يضيء الطريق.
فهذه كلها صارت نصباً لنزع الخافض.
ثم قال عز وجل: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: بشّر يا محمد المصدقين بالتوحيد بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً في الجنة.
وذلك أنه لما نزل قوله عز وجل: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 20] فقال المؤمنون: هذا لك.
فما لنا؟
فنزل قوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [النساء: 138] في الجنة فلما سمع المنافقون ذلك قالوا فما لنا فنزل وبَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [النساء: 138] .
ثم رجع إلى ما ذكر في أول السورة فقال تعالى: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ من أهل مكة وَالْمُنافِقِينَ من أهل المدينة وَدَعْ أَذاهُمْ أي: تجاوز عن المنافقين، ولا تقتلهم.
ويقال: ودع أذاهم يعني: اصبر على أذاهم.
وإن خوفك شيء منهم فتوكل على الله يعني: فوض أمْرك إلى الله.
وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة عن ابن مسعود.
وقال: قسم رسول الله قسمة.
فقال رجل من الأنصار: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.
فأخبر بذلك، فاحمر وجهه، فقال: «رَحِمَ الله أخِي مُوَسى- عَلَيْهِ السَّلاَمُ- لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَر» .
ثم قال: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يعني: حافظاً نصيرا.
<div class="verse-tafsir"
وهذا الحديثُ خرَّجه ابن حِبَّان في «صحيحه» .
وقوله: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أراد في كل الأوقات فحدّد الزمن بطرفي نهارِه ولَيْلِه، والأصيل من العَصْر إلى الليلِ، وعن ابن أبي أوفى قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللهِ» «١» رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «السلاح» .
وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ...
الآية: صلاةُ الله على العبدِ هي رحمتُه له، وصلاة الملائكة هي دعاؤهم للمؤمنين.
ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيساً لَهُم.
وقوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قيل: يوم القيامة تجيء الملائكةُ المؤمنين بالسلامِ، ومعناه: السلامةُ من كل مكروهٍ، وقال قتادة: يوم دُخولِهم الجنَّةِ يحي بعضُهم بعضاً بالسلامِ «٢» ، والأجرُ الكريمُ: جنة الخلدِ في جوار الله تبارك وتعالى.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً ...
الآية، هذه الآية فيها تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين، وتكريم لجميعهم.
وقوله: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ أي: بأمره وَسِراجاً مُنِيراً استعارةُ للنور الذي تَضَمَّنهُ شرعُه.
وقوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هو أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: يُقالُ: ﴿ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هو التَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ والتَّهْلِيلُ والتَّكْبِيرُ عَلى كُلِّ حالٍ: وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " يَقُولُ رَبُّكُمْ: أنا مَعَ عَبْدِي ما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ "» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأصِيلُ: ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّسْبِيحِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّلاةُ، واتَّفَقَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ بُكْرَةً: صَلاةُ الفَجْرِ.
واخْتَلَفُوا في صَلاةِ الأصِيلِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها الظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعِشاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: أنَّها الظُّهْرُ والعَصْرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ التَّسْبِيحُ بِاللِّسانِ، وهو قَوْلُ: " سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ "، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ ﴾ في صَلاةِ اللَّهِ عَلَيْنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها رَحْمَتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مَغْفِرَتُهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: ثَناؤُهُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والرّابِعُ: كَرامَتُهُ، قالَهُ سُفْيانُ.
والخامِسُ: بَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وَفِي صَلاةِ المَلائِكَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها دُعاؤُهُمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: اسْتِغْفارُهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي الظُّلُماتِ والنُّورِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الضَّلالَةُ والهُدى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: الإيمانُ والكُفْرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الجَنَّةُ والنّارُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ ﴾ الهاءُ والمِيمُ كِنايَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ.
فَأمّا الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَلْقَوْنَهُ ﴾ فَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: تَحِيَّتُهم مِنَ اللَّهِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ.
ورَوى صُهَيْبٌ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ.» والثّانِي: تَحِيَّتُهم مِنَ المَلائِكَةِ يَوْمَ يَلْقَوْنَ اللَّهَ: سَلامٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: تُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، وتُبَشِّرُهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ.
والثّالِثُ: تَحِيَّتُهم بَيْنَهم يَوْمَ يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ: سَلامٌ وهو أنْ يُحَيِّيَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهاءَ تَرْجِعُ إلى مَلَكِ المَوْتِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في ذِكْرِ المَلائِكَةِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ قالَ لَهُ: رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ.
وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: في قَوْلِهِ: ﴿ تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ ﴾ قالَ: مَلَكُ المَوْتِ، لَيْسَ مُؤْمِنٌ يَقْبِضُ رُوحَهُ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ.
فَأمّا الأجْرُ الكَرِيمُ، فَهو الحَسَنُ في الجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما كانَ عَلى النَبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهُ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللهُ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهِ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا ﴾ ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتَمَ النَبِيِّينَ وكانَ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ ﴿ تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أعْلَمَهم أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى رَسُولِ اللهِ في نَيْلِ ما فَرَضَ اللهُ لَهُ وأباحَهُ، مِن تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ هو السُنَنُ الأقْدَمُ في الأنْبِياءِ، مِن أنْ يَنالُوا ما أحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُقاتِلٍ وابْنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الإشارَةَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، حَيْثُ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن فُتِنَ بِها، و"سُنَّةَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمَ أو نَحْوَهُ، أو عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةُ اللهِ.
و"الَّذِينَ خَلَوْا" هُمُ الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ﴾ .
و"أمْرُ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: مَأْمُوراتُ اللهِ والكائِناتِ عن أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ، وقَوْلُهُ: "قَدَرًا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: ذا قَدْرٍ وعن قَدْرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّذِينَ بَلَّغُوا رِسالاتِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللهَ ﴾ تَعْرِيضٌ بِالعِتابِ الأوَّلُ في خَشْيَةِ النَبِيِّ الناسَ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ كُلَّهُ إلى اللهِ، وأنَّهُ المُحاسِبُ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والمُعْتَقَداتُ، وكَفى بِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ "حَسِيبًا" ﴾ بِمَعْنى "مُحْسِبًا"، أيْ كافِيًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ ﴾ .
اذْهَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ في نُفُوسِ مُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن بَعْدِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ زَيْنَبَ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ؛ لِأنَّهم كانُوا اسْتَعْظَمُوا أنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَنَفى القُرْآنُ تِلْكَ الصُورَةَ في البُنُوَّةِ، وأعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ في حَقِيقَةِ أمْرِهِ أبا أحَدٍ مِن رِجالِ المُعاصِرِينَ لَهُ، ولَمْ يُقْصَدْ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ بِأمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ، ومَنِ احْتَجَّ بِذَلِكَ فَإنَّهُ تَأوَّلَ نَفْيَ البُنُوَّةِ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما قُصِدَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وبَعْضُ الناسِ: "وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هو رَسُولُ اللهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "رَسُولَ" بِالنَصْبِ عَلى العَطْفِ عَلى "أبا"، وهَؤُلاءِ قَرَؤُوا "وَلَكِنْ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ" بِشَدِّ النُونِ، فَيَنْتَصِبُ "رَسُولَ" عَلى أنَّهُ اسْمُ "لَكِنَّ" والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ: ﴿ "وَخاتَمَ النَبِيِّينَ" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ عَلى مَعْنى أنَّهم بِهِ خَتَمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطابَعِ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ التاءِ بِمَعْنى أنَّهُ خَتْمُهُمْ، أيْ جاءَ آخِرُهُمْ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ"،» بِفَتْحِ التاءِ، وهَذِهِ الألْفاظُ عِنْدَ جَماعَةِ عُلَماءِ الأُمَّةِ خَلَفًا وسُلَفًا مُتَلَقّاةٌ عَلى العُمُومِ التامِّ، مُقْتَضِيَةٌ نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وما ذَكَرَهُ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِي في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ إلْحادٌ عِنْدِي، وتَطَرُّقٌ خَبِيثٌ إلى تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ النُبُوءَةَ، فالحَذِرُ الحَذِرُ مِنهُ، واللهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن رِجالِكم ولَكِنَّ نَبِيَّنا خَتَمَ النَبِيِّينَ"، قالَ الرُمّانِيُّ خَتَمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الِاسْتِصْلاحَ فَمَن لَمْ يَصْلُحْ بِهِ فَمَيْئُوسٌ مِن صَلاحِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ عُمُومٌ، والمَقْصُودُ بِهِ هُنا عِلْمُهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِمُحَمَّدٍ ، وما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وجَعَلَ ذَلِكَ دُونَ حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لِسُهُولَتِهِ عَلى العَبِيدِ، ولِعِظَمِ الأجْرِ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ ذِكْرِ اللهِ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقالَ: الكَثِيرُ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ : « "أكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".» وقَوْلُهُ: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ أرادَ: في كُلِّ الأوقاتِ، مُجَدِّدُ الزَمانِ بِطَرَفَيْ نَهارِهِ ولَيْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: الإشارَةُ إلى صَلاتِي الغَداةُ والعَصْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها مَن زَعَمَ أنَّ الصَلاةَ إنَّما فُرِضَتْ أوَّلًا صَلاتَيْنِ في طَرَفَيِ النَهارِ، والرِوايَةُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، و"الأصِيلُ" مِنَ العَصْرِ إلى اللَيْلِ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى عِبادِهِ نِعْمَتَهُ في الصَلاةِ عَلَيْهِمْ، وصَلاةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العَبِيدِ هي رَحْمَتُهُ لَهُمْ، وبَرَكَتُهُ لَدَيْهِمْ، ونَشْرُهُ إلَيْنا الجَمِيلُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ «أنَّ النَبِيَّ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللهِ عَلى عِبادِهِ؟
قالَ: "سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» واخْتُلِفَ في تَأْوِيلٍ هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ مِن كَلامِ اللهِ، وهي صِلاتُهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: « "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ"» هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ نُقْطَةٍ بِاللَفْظِ الَّذِي هو صَلاةُ اللهِ، وهُوَ: « "رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"،» وقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَذا مِن حَيْثُ فَهَمَ مِنَ السائِلِ أنَّهُ تَوَهَّمَ في صَلاةِ اللهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وجْهًا لا يَلِيقُ بِاللهِ تَعالى فَقَدَّمَ التَنْزِيهَ لِلَّهِ والتَعْظِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أخْبارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيُخْرِجَكُمْ" ﴾ أيْ: صَلاتَهُ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ لِكَيْ يَهْدِيَكم ويُنْقِذَكم مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَحْمَتِهِ بِالمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ" ﴾ قِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ تُحْيِّيهِ المَلائِكَةُ بِالسَلامِ، ومَعْناهُ: السَلامَةُ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ.
وقالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ هَمٍّ وتَخَوُّفٍ.
وقِيلَ: تُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، وأمّا "الأجْرُ الكَرِيمُ" فَإنَّهُ جَنَّةُ الخُلْدِ في جِوارِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
تعليل للأمر بذكر الله وتسبيحه بِأن ذلك مجلبةٌ لانتفاع المؤمنين بجزاء الله على ذلك بأفضل منه من جنسه وهو صلاته وصلاة ملائكته.
والمعنى: أنه يصلي عليكم وملائكته إذا ذكرتموه ذكراً بُكرة وأصيلاً.
وتقديم المسند إليه على الخير الفعلي في قوله: ﴿ هو الذي يصلي عليكم ﴾ لإِفادة التقوِّي وتحقيق الحكم.
والمقصود تحقيق ما تعلق بفعل ﴿ يصلي ﴾ من قول ﴿ ليخرجكم من الظلمات إلى النور ﴾ .
والصلاة: الدعاء والذكر بخير، وهي من الله الثناء.
وأمره بتوجيه رحمته في الدنيا والآخرة، أي اذكروه ليذكركم كقوله: ﴿ فاذكروني أذكركم ﴾ [البقرة: 152] وقوله في الحديث القدسي: «فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي وإن ذكَرَنِي في ملإِ ذكرتُه في ملإِ خيرٍ منهم».
وصلاة الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين فيكون دعاؤهم مستجاباً عند الله فيزيد الذاكرين على ما أعطاهم بصلاته تعالى عليهم.
ففِعل ﴿ يصلي ﴾ مسند إلى الله وإلى ملائكته لأن حرف العطف يفيد تشريك المعطوف والمعطوف عليه في العامل، فهو عامل واحد له معمولان فهو مستعمل في القدر المشترك الصالح لصلاة الله تعالى وصلاة الملائكة الصادق في كلَ بما يليق به بحسب لوازم معنى الصلاة التي تتكيّف بالكيفية المناسبة لمن أسندت إليه.
ولا حاجة إلى دعوى استعمال المشترك في معنييه على أنه لا مانع منه على الأصح، ولا إلى دعوى عموم المجاز.
واجتلاب ﴿ يصلي ﴾ بصيغة المضارع لإِفادة تكرر الصلاة وتجددها كلما تجدد الذكر والتسبيح، أو إفادة تجددها بحسب أسباب أخرى من أعمال المؤمنين وملاحظة إيمانهم.
وفي إيراد الموصول إشارة إلى أنه تعالى معروف عندهم بمضمون الصلة بحسب غالب الاستعمال: فإمّا لأن المسلمين يعلمون على وجه الإِجمال أنهم لا يأتيهم خير إلاّ من جانب الله تعالى، فكل تفصيل لذلك الإجمال دخل في علمهم، ومنه أنه يصلي عليهم ويأمر ملائكته بذلك، وإمّا أن يكون قد سبق لهم علم بذلك تفصيلاً من قبل: فبعض آيات القرآن كقوله تعالى: ﴿ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ [الشورى: 5] فقد علم المسلمون أن استغفار الملائكة للمؤمنين بأمر من الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ [يونس: 3]، والدعاء لأحد من الشفاعة له، على أن من جملة صلة الموصول أن ملائكته يصلُّون على المؤمنين.
وذلك معلوم من آيات كثيرة، وقد يكون ذلك بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين فيما قبل نزول هذه الآية، ويؤيد هذا المعنى قوله بعده ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ كما يأتي قريباً.
واللام في قوله: ﴿ ليخرجكم ﴾ متعلقة ب ﴿ يصلي ﴾ .
فعلم أن هذه الصلاة جزاء عاجل حاصل وقت ذكرهم وتسبيحهم.
والمراد ب ﴿ الظلمات ﴾ : الضلالة، وبالنور: الهُدى، وبإخراجهم من الظلمات: دوام ذلك والاستزادَة منه لأنهم لما كانوا مؤمنين كانوا قد خرجوا من الظلمات إلى النور ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ [مريم: 76].
وجملة ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ تذييل.
ودلّ الإِخبار عن رحمته بالمؤمنين بإقحام فعل ﴿ كان ﴾ وخبرها لما تقتضيه ﴿ كان ﴾ من ثبوت ذلك الخبر له تعالى وتحققه وأنه شأن من شؤونه المعروف بها في آيات كثيرة.
ورحمته بالمؤمنين أعمّ من صلاته عليهم لأنها تشمل إسداء النفع إليهم وإيصال الخير لهم بالأقوال والأفعال والأَلطاف.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اذْكُرُوهُ بِالقَلْبِ ذِكْرًا مُسْتَدِيمًا يُؤَدِّي إلى طاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ.
الثّانِي: اذْكُرُوا اللَّهَ بِاللِّسانِ ذِكْرًا كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَرَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (مَن عَجَزَ عَنِ اللَّيْلِ أنْ يُكابِدَهُ، وجَبُنَ عَنِ العَدُوِّ أنْ يُجاهِدَهُ، وبَخِلَ بِالمالِ أنْ يُنْفِقَهُ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ)» وفي ذِكْرِهِ هُنا وجْهانِ: أحَدُها: الدُّعاءُ لَهُ والرَّغْبَةُ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: الإقْرارُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ والِاعْتِرافُ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ قالَ قَتادَةُ: صَلاةُ الصُّبْحِ والعَصْرِ، قالَ الأخْفَشُ: والأصِيلُ ما بَيْنَ العَصْرِ واللَّيْلِ.
وَقالَ الكَلْبِيُّ: الأصِيلُ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعَشاءِ.
وَفي التَّسْبِيحِ هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّسْبِيحُ الخاصُّ الَّذِي هو التَّنْزِيهُ.
الثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الدُّعاءُ، قالَهُ جَرِيرٌ: فَلا تَنْسَ تَسْبِيحَ الضُّحى إنَّ يُونُسًا دَعا رَبَّهُ فانْتاشَهُ حِينَ سَبَّحا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ثَناؤُهُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: كَرامَتُهُ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: رَحْمَتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: مَغْفِرَتُهُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَفِي صَلاةِ المَلائِكَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ دُعاؤُهم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: اسْتِغْفارُهم، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
﴿ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ما أنزل الله عليك خيراً إلا أشركنا فيه، فنزلت ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ .
وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن سليم بن عامر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى أبي أمامة فقال: إني رأيت في منامي أن الملائكة تصلي عليك كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست، قال: وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة، ثم قرأ ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً..
﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ قال: صلاة الله: ثناؤه.
وصلاة الملائكة عليهم: السلام الدعاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: صلاة الرب: الرحمة.
وصلاة الملائكة: الاستغفار.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ قال: الله يغفر لكم، وتستغفر لكم ملائكته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه أنه سئل عن قوله «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» قال: أكرم الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فصلى عليهم كما صلى على الأنبياء فقال: ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي يصلي عليكم ﴾ قال: إن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام هل يصلي ربك؟
فكان ذلك كبر في صدر موسى عليه السلام، فأوحى الله إليه أخبرهم اني أصلي، وأن صلاتي ان رحمتي سبقت غضبي.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مصعب بن سعد رضي الله عنه قال: إذا قال العبد: سبحان الله.
قالت الملائكة: وبحمده.
وإذ قال: سبحان الله وبحمده.
صلوا عليه.
وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في الآية قال: قال بنو اسرائيل: يا موسى سل لنا ربك هل يصلي؟
فتعاظم عليه ذلك فقال: «يا موسى ما يسألك قومك؟
فأخبره قال: نعم.
أخبرهم اني أصلي، وإن صلاتي ان رحمتي سبقت غضبي، ولولا ذلك لهلكوا» .
وأخرج ابن مردويه عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ قال: صلاته على عباده «سبوح قدوس تغلب رحمتي غضبي» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قلت لجبريل عليه السلام: هل يصلي ربك؟
قال: نعم.
قلت: وما صلاته؟
قال: سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ ﴾ قال ابن عباس: لما نزل على رسول الله - -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﴾ جاء المهاجرون والأنصار إلى رسول الله - - يهنئونه، فقال أبو بكر: يا رسول الله أهذا لك خاصة ليس لنا فيه شيء، فأنزل الله هذه الآية (١) ﴿ يُصَلِّي ﴾ (٢) (٣) ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ .
قوله: ﴿ وَمَلَائِكَتُهُ ﴾ قال ابن عباس: وملائكته تدعوا الله لكم (٤) وقال المقاتلان: ويأمر الملائكة بالاستغفار لكم (٥) قال الكلبي: صلاة الله على العباد مغفرته، فإذا رضي على العبد قال للملائكة: إني قد غفرت لعبدي فلان فاستغفروا له، وصلاة الملائكة: الاستغفار (٦) قوله -عز وجل-: ﴿ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ قالوا: من الشرك إلى الإيمان، يعني: أنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجوكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان بسبب توحيدكلم وتصديقكم رحمته ودعاء ملائكته (٧) (١) ذكر هذا الأثر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 622، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 534 عن أنس، وذكره القرطبي 14/ 198 عن ابن عباس.
(٢) في (أ): زيادة واو (ويصلي عليكم).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 202/ أ، "تفسير الطبري" 22/ 17، "معاني القرآن" للفراء 2/ 345، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 231، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 357.
(٤) انظر: "مجمع البيان" 8/ 568.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 398، "زاد المسير" 6/ 410.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 17، "بحر العلوم" 3/ 54، "تفسير البغوي" 3/ 537.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ ﴾ هذا خطاب للمؤمنين، وصلاة الله عليهم رحمة لهم، وصلاة الملائكة عليهم دعاؤهم لهم، فاستعمل لفظ يصلي في المعنيين على اختلافها وقيل: إنه على حذف مضاف تقديره وملائكته يصلون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.
الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالثاء المثلثة.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي ، وقد مر أنه بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.
والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.
ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.
ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.
جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.
وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.
ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.
وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.
ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".
وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.
والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي مدع لها.
بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.
وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.
أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.
ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.
ووصف النبي بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.
وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.
ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".
ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.
قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.
ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.
في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.
وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.
وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.
وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.
وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.
وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله أيضاً.
ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.
ثم عاد إلى تعليم النبي .
وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.
وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.
والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.
ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾ يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.
والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.
قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.
وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.
وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي .
وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.
والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.
وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.
وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.
وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.
ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.
ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.
والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.
﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.
يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.
وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.
وعن الحسن: وكان النبي إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.
ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.
ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.
ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.
وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.
وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.
وإنه زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.
وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.
يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله : يا عيينة أين الاستئذان؟
فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.
ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟
فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.
قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.
فقال : إن الله قد حرم ذلك.
فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟
قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.
وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.
قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.
واستثنى ممن حرم عليه الإماء.
وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.
واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.
وعن عائشة: ما مات رسول الله حتى أحل له النساء.
تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.
ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.
وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.
وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.
وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.
ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.
وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.
يروى أن رسول الله أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.
فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟
وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.
ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.
والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.
قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.
والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.
وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.
﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.
وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.
ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.
إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.
ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.
قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.
وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.
وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.
ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.
قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.
ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.
ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.
وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي .
واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.
وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟
فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وعنه "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.
ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.
والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.
وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.
وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.
وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.
وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.
ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.
قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً .
وقيل: في إفك عائشة.
وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.
ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.
يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.
ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.
وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.
ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.
روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.
ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.
المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.
وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.
وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.
ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.
ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.
ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.
ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.
والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.
ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.
قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.
من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.
قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.
وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".
وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.
وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.
ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.
أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.
وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.
والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.
واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.
وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.
فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.
وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".
والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.
فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.
ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.
فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.
وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.
وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.
وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.
وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.
واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.
والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.
ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.
فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.
وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).
الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.
وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.
ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.
التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.
وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.
﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.
﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.
وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.
فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.
ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.
فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.
ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾ : أما أهل التأويل يقولون: اذكروا الله في كل حال وفي كل وقت، ذكراً كثيراً باللسان.
وجائز أن يكون تأويل أمره بالذكر له كثيراً، أي: اذكروا نعمه؛ لتشكروا له، واذكروا أوامره؛ لتأتمروا، ونواهيه ومناهيه؛ لننتهي، ومواعيده؛ لنخاف، وعداته؛ لنرغب، واذكروا عظمته وجلاله وكبرياءه؛ ليهاب، ﴿ ذِكْراً كَثِيراً ﴾ ، أي: دائماً يذكرون ما ذكرنا؛ ليكون ما ذكرنا؛ إذ إنما يكون ذلك بالذكر؛ والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ .
البكرة: هي ختم الليل وابتداء النهار، والأصيل: هو ختم النهار وابتداء الليل؛ فكأنه أمر بالذكر له، والخير في ابتداء كل ليل وختمه، وابتداء كل نهار وانقضائه؛ ليتجاوز عنهم ويعفو ما يكون منهم من الزلات في خلال ذلك؛ وعلى ذلك ما روي في الخبر: "أن من صلى العشاء الأخيرة والفجر بالجماعة فكأنما أحيا ليلته" .
وجائز أن يكون ذلك ليس على إرادة البكرة والأصيل؛ ولكن على إرادة كل وقت وكل حال، ليس من وقت ولا من حال إلا ولله على عباده شكر أو صبر: الشكر على نعمائه، والصبر على مصائبه.
وقال بعضهم: الأمر بالذكر له بالبكرة والأصيل هي الصلوات الخمس: من الظهر إلى آخر الليل أصيل؛ فيدخل فيه صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي البكرة صلاة الفجر.
وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ ﴾ .
أما صلاة الله: هي الرحمة والمغفرة، وصلاة الملائكة: الاستغفار وطلب العصمة والنجاة؛ كقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً...
﴾ الآية [غافر: 7]، وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ...
﴾ الآية [غافر: 8]، وقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ جائز أن يكون المؤمنين خاصة.
وجائز أن يكون الكل: الكافر أو المؤمن؛ فإن كان هذا فيكون استغفارهم طلب الأسباب التي بها يستوجبون المغفرة، وهو الهدى؛ كقول هود: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ ، وقول: نوح: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ لا يحتمل أن يستغفروا وهم كفار؛ ولكن يطلبون منه التوبة عن الكفر؛ ليستوجبوا المغفرة؛ وكذلك استغفار إبراهيم لأبيه لا يحتمل أن يستغفر له وهو كافر؛ ولكن كان يطلب له من الله أن يجعله بحيث يستوجب المغفرة والرحمة، وهو الهدى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ .
قال بعضهم: رحمهم؛ حيث أخرجهم من أصلاب آبائهم قرنا فقرنا إلى أن بلغوا ما بلغوا.
وجائز إخراجه إياهم من ظلمات الكفر إلى نور الهدى بدعاء الملائكة واستغفارهم لهم.
﴿ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾ .
لم يزل الله بالمؤمنين رحيماً.
وقوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ ﴾ .
جائز أن يكون تحية الملائكة عليهم: سلام؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ .
أو تحية بعضهم على بعض: سلام لا غير، ليس كتحيتهم في الدنيا: أطال الله بقاءك؛ وكيف حالك؟
ونحو ما يقولون في الدنيا، ويسأل بعضهم بعضا عن أحوالهم، يقول: ليس تحية أهل الجنة ذاك؛ ولكن: سلام، كقوله: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ .
أو أن يكون قوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ ﴾ ، أي: صوابا وسدادا لا غير؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ ليس أن يقولوا: سلام عليكم؛ ولكن يقولون قولا صوابا سدادا، لا يقابلونهم بمثل ما خاطبوهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قولهم: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ ﴾ ، أي: صواب من الكلام وسداد.
﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ﴾ ، أي: حسناً.
<div class="verse-tafsir"
هو الذي يرحمكم ويثني عليكم، وتدعو لكم ملائكته ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وكان بالمؤمنين رحيمًا؛ فلا يعذبهم إذا هم أطاعوه فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه.
من فوائد الآيات وجوب استسلام المؤمن لحكم الله والانقياد له.
اطلاع الله على ما في النفوس.
من مناقب أم المؤمنين زينب بنت جحش: أنْ زوّجها الله من فوق سبع سماوات.
فضل ذكر الله، خاصة وقت الصباح والمساء.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZNk2b"
نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ .
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).
فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.
لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟
أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟
ومن وجهة أخرى نرى أن النبي -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ إلخ.
فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.
مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي ومن يختصه الله بالتأسي به.
لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.
نادى في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.
على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي في أمر زينب.
كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ إلخ، فعمد النبي -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.
لهذا أرغم النبي زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.
ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ .
وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.
واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.
قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟
حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!
"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.
سبحان الله!
كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟
فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود .
وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.
تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.
أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.
وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.
أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!
إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ والله أعلم.