الآية ٤٦ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٤٦ من سورة الأحزاب

وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًۭا مُّنِيرًۭا ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وداعيا إلى الله بإذنه ) أي : داعيا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك ، ( وسراجا منيرا ) أي : وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق ، كالشمس في إشراقها وإضاءتها ، لا يجحدها إلا معاند .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ ) يقول: وداعيا إلى توحيد الله، وإفراد الألوهة له، وإخلاص الطاعة لوجهه دون كل من سواه من الآلهة والأوثان.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ ) إلى شهادة أن لا إله إلا الله.

وقوله (بِإِذْنِهِ) يقول: بأمره إياك بذلك (وَسِرَاجًا مُنِيرًا) يقول: وضياء لخلقه يستضيء بالنور الذي أتيتهم به من عند الله عباده (مُنِيرًا) يقول: ضياء ينير لمن استضاء بضوئه، وعمل بما أمره، وإنما يعني بذلك: أنه يهدي به من اتبعه من أمته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

( وداعيا إلى الله ) الدعاء إلى الله هو تبليغ التوحيد والأخذ به ، ومكافحة الكفرة .

بإذنه هنا معناه : بأمره إياك ، وتقديره ذلك في وقته وأوانه .

( وسراجا منيرا ) هنا استعارة للنور الذي يتضمنه شرعه .

وقيل : وسراجا أي هاديا من ظلم الضلالة ، وأنت كالمصباح المضيء .

ووصفه بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء ، إذا قل سليطه ودقت فتيلته .

وفي كلام بعضهم : ثلاثة تضني : رسول بطيء ، وسراج لا يضيء ، ومائدة ينتظر لها من يجيء .

وسئل بعضهم عن الموحشين فقال : ظلام ساتر وسراج فاتر ، وأسند النحاس قال : حدثنا محمد بن إبراهيم الرازي قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن شيبان النحوي قال حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا .

وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا فقال : انطلقا فبشرا ولا تعسرا فإنه قد نزل علي الليلة آية يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا - من النار - وداعيا إلى الله - قال - شهادة أن لا إله إلا الله - بإذنه - بأمره - وسراجا منيرا - قال - بالقرآن .

وقال الزجاج : وسراجا أي وذا سراج منير ، أي كتاب نير .

وأجاز أيضا أن يكون بمعنى : وتاليا كتاب الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ } أي: أرسله اللّه، يدعو الخلق إلى ربهم، ويسوقهم لكرامته، ويأمرهم بعبادته، التي خلقوا لها، وذلك يستلزم استقامته، على ما يدعو إليه، وذكر تفاصيل ما يدعو إليه، بتعريفهم لربهم بصفاته المقدسة، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، وذكر أنواع العبودية، والدعوة إلى اللّه بأقرب طريق موصل إليه، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإخلاص الدعوة إلى اللّه، لا إلى نفسه وتعظيمها، كما قد يعرض ذلك لكثير من النفوس في هذا المقام، وذلك كله بِإِذْنِ الله تعالى له في الدعوة وأمره وإرادته وقدره.الخامس: كونه { سِرَاجًا مُنِيرًا } وذلك يقتضي أن الخلق في ظلمة عظيمة، لا نور، يهتدى به في ظلماتها، ولا علم، يستدل به في جهالاتها حتى جاء اللّه بهذا النبي الكريم، فأضاء اللّه به تلك الظلمات، وعلم به من الجهالات، وهدى به ضُلَّالًا إلى الصراط المستقيم.فأصبح أهل الاستقامة، قد وضح لهم الطريق، فمشوا خلف هذا الإمام وعرفوا به الخير والشر، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، واستناروا به، لمعرفة معبودهم، وعرفوه بأوصافه الحميدة، وأفعاله السديدة، وأحكامه الرشيدة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وداعيا إلى الله ) إلى توحيده وطاعته ) ( بإذنه ) بأمره ( وسراجا منيرا ) سماه سراجا لأنه يهتدى به كالسراج يستضاء به في الظلمة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وداعيا إلى الله» إلى طاعته «بإذنه» بأمره «وسراجا منيرا» أي مثله في الاهتداء به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها النبي إنَّا أرسلناك شاهدًا على أمتك بإبلاغهم الرسالة، ومبشرًا المؤمنين منهم بالرحمة والجنة، ونذيرًا للعصاة والمكذبين من النار، وداعيًا إلى توحيد الله وعبادته وحده بأمره إياك، وسراجًا منيرًا لمن استنار بك، فأمْرك ظاهر فيما جئتَ به من الحق كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ ) أى : وأرسلناك - أيضا - داعيا للناس إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، وهذه الدعوة لهم منك كائنة بإذنه - سبحانه - وبأمره وبتيسيره .فالتقييد بقوله ( بِإِذْنِهِ ) لبيان أنه صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس إلى ما دعاهم إليه من وجوب إخلاص العبادة له - سبحانه - ، من تلقاء نفسه ، وإنما دعاهم إلى ذلك بأمر الله - تعالى - وإذنه ومشيئته ، وللإِشارة إلى أن هذه الدعوة لا تؤتى ثمارها المرجوة منها إلا إذا صاحبها إذن الله - تعالى - للنفوس بقبولها .وقوله : ( وَسِرَاجاً مُّنِيراً ) معطوف على ما قبله .

والسراج : المصباح الذى يستضاء به فى الظلمات .أى : وأرسلناك - أيها الرسول الكريم - بالدين الحق ، لتكون كالسراج المنير الذى يهتدى به الضالون ، ويخرجون بسببه من الظلمات إلى النور .ووصف السراج بالإِنارة ، لأن من المصابيح ما لا يضئ إذا لم يوجد به ما يضيئه من زيت أو ما يشبهه .قال صاحب الكشاف : جلى الله - تعالى - بنبيه صلى الله عليه وسلم ظلمات الشرك ، فاهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به .

أو أمد الله بنور نبوته نور البصائر ، كما يمد بنور السراج نور الأبصار .

ووصفه بالإِنارة لأن من السراج ما لا يضئ إذا قل سليطه - أى : زيته - ودقت فتيلته .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قد ذكرنا أن السورة فيها تأديب للنبي عليه السلام من ربه فقوله في ابتدائها: ﴿ يا أيها النبى اتق الله ﴾ اشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع ربه وقوله: ﴿ يا أيها النبى قُل لأزواجك ﴾ إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله وقوله: ﴿ يا أيها النبى إِنَّا أرسلناك ﴾ إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع عامة الخلق وقوله تعالى: ﴿ شاهدا ﴾ يحتمل وجوهاً أحدهما: أنه شاهد على الخلق يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ وعلى هذا فالنبي بعث شاهداً أي متحملاً للشهادة ويكون في الآخرة شهيداً أي مؤدياً لما تحمله ثانيها: أنه شاهد أن لا إله إلا الله، وعلى هذا لطيفة وهو أن الله جعل النبي شاهداً على الوحدانية والشاهد لا يكون مدعياً فالله تعالى لم يجعل النبي في مسئلة الوحدانية مدعياً لها لأن المدعي من يقول شيئاً على خلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس والنبي عليه السلام كان ادعى النبوة فجعل الله نفسه شاهداً له في مجازاة كونه شاهداً لله فقال تعالى: ﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ  ﴾ .

وثالثها: أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا بالطاعة والمعصية والصلاح والفساد وقوله: ﴿ وَمُبَشّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً ﴾ فيه ترتيب حسن وذلك من حيث إن النبي عليه السلام أرسل شاهداً بقوله لا إله إلا الله ويرغب في ذلك بالبشارة فإن لم يكف ذلك يرهب بالإنذار ثم لا يكتفي بقولهم لا إله إلا الله بل يدعوهم إلى سبيل الله كما قال تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ﴾ أي مبرهناً على ما يقول مظهراً له بأوضح الحجج وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ .

وفيه لطائف إحداها: قوله تعالى: ﴿ وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ ﴾ حيث لم يقل وشاهداً بإذنه ومبشراً وعند الدعاء قال وداعياً بإذنه، وذلك لأن من يقول عن ملك إنه ملك الدنيا لا غيره لا يحتاج فيه إلى إذن منه فإنه وصفه بما فيه وكذلك إذا قال من يطيعه يسعد ومن يعصه يشقى يكون مبشراً ونذيراً ولا يحتاج إلى إذن من الملك في ذلك، وأما إذا قال تعالوا إلى سماطه، واحضروا على خوانه يحتاج فيه إلى إذنه فقال تعالى: ﴿ وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ ﴾ ووجه آخر وهو أن النبي يقول إني أدعو إلى الله والولي يدعو إلى الله، والأول لا إذن له فيه من أحد، والثاني مأذون من جهة النبي عليه السلام كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هذه سَبِيلِى ادعوا إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: رحم الله عبداً سمع مقالتي فأداها كما سمعها والنبي عليه السلام هو المأذون من الله في الدعاء إليه من غير واسطة.

اللطيفة الثانية: قال في حق النبي عليه السلام سراجاً ولم يقل إنه شمس مع أنه أشد إضاءة من السراج لفوائد منها، أن الشمس نورها لا يؤخذ منه شيء والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة فإذا انطفأ الأول يبقى الذي أخذ منه، وكذلك إن غاب والنبي عليه السلام كان كذلك إذ كل صحابي أخذ منه نور الهداية كما قال عليه السلام: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وفي الخبر لطيفة وإن كانت ليست من التفسير ولكن الكلام يجر الكلام وهي أن النبي عليه السلام لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل له في نفسه نور إذا غرب هو لا يبقى نور مستفاد منه، وكذلك الصحابي إذا مات فالتابعي يستنير بنور النبي عليه السلام ولا يأخذ منه إلا قول النبي عليه السلام وفعله، فأنوار المجتهدين كلهم من النبي عليه السلام ولم جعلهم كالسرج والنبي عليه السلام أيضاً سراج كان للمجتهد أن يستنير بمن أراد منهم ويأخذ النور ممن اختار، وليس كذلك فإن مع نص النبي عليه السلام لا يعمل بقول الصحابي فيؤخذ من النبي النور ولا يؤخذ من الصحابي فلم يجعله سراجاً وهذا يوجب ضعفاً في حديث سراج الأمة والمحدثون ذكروه وفي تفسير السراج وجه آخر وهو أن المراد منه القرآن وتقديره إنا أرسلناك، وسراجاً منيراً عطفاً على محل الكاف أي وأرسلنا سراجاً منيراً وعلى قولنا إنه عطف على ﴿ مبشراً ونذيراً ﴾ يكون معناه وذا سراج لأن الحال لا يكون إلا وصفاً للفاعل أو المفعول، والسراج ليس وصفاً لأن النبي عليه السلام لم يكن سراجاً حقيقة أو يكون كقول القائل رأيته أسداً أي شجاعاً فقوله سراجاً أي هادياً مبيناً كالسراج يرى الطريق ويبين الأمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ شاهدا ﴾ على من بعثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي: مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم، كمل يقبل قول الشاهد العدل في الحكم.

فإن قلت: وكيف كان شاهداً وقت الإرسال، وإنما يكون شاهداً عند تحمل الشهادة أو عند أدائها؟

قلت: هي حال مقدرة كمسألة الكتاب: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً أي: مقدراً به الصيد غداً.

فإن قلت: قد فهم من قوله: إنا أرسلناك داعياً: أنه مأذون له في الدعاء، فما فائدة قوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ؟

قلت: لم يرد به حقيقة الإذن.

وإنما جعل الإذن مستعاراً للتسهيل والتيسير؛ لأن الدخول في حقّ المالك متعذر، فإذا صودف الإذن تسهل وتيسر، فلما كان الإذن تسهيلاً لما تعذر من ذلك، وضع موضعه، وذلك أن دعاء أهل الشرك والجاهلية إلى التوحيد والشرائع أمر في غاية الصعوبة والتعذر، فقيل: بإذنه للإيذان بأن الأمر صعب لا يتأتى ولا يستطاع إلاّ إذا سهله الله ويسّره، ومنه قولهم في الشحيح: أنه غير مأذون له في الإنفاق، أي: غير مسهل له الإنفاق لكونه شاقاً عليه داخلاً في حكم التعذر.

[ ﴿ وَسِرَاجاً منيراً ﴾ ] جلى به الله ظلمات الشرك واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به.

أو أمدّ الله بنور نبوّته نور البصائر، كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار، وصفه بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطة ودقت فتيلته.

وفي كلام بعضهم: ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظر لها من يجيء.

وسئل بعضهم عن الموحشين؟

فقال: ظلام ساتر، وسراج فاتر.

وقيل: وذا سراج منير.

أو وتاليا سراجاً منيراً.

ويجوز على هذا التفسير أن يعطف على كاف ﴿ أرسلناك ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ﴾ عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ ونَجاتِهِمْ وضَلالِهِمْ وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ.

﴿ وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ .

﴿ وَداعِيًا إلى اللَّهِ ﴾ إلى الإقْرارِ بِهِ وبِتَوْحِيدِهِ وما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن صِفاتِهِ.

﴿ بِإذْنِهِ ﴾ بِتَيْسِيرِهِ وأطْلَقَ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِن أسْبابِهِ وقَيَّدَ بِهِ الدَّعْوَةَ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ صَعْبٌ لا يَتَأتّى إلّا بِمَعُونَةٍ مِن جَنابِ قُدْسِهِ.

﴿ وَسِراجًا مُنِيرًا ﴾ يُسْتَضاءُ بِهِ عَنْ ظُلُماتِ الجَهالاتِ ويُقْتَبَسُ مِن نُورِهِ أنْوارُ البَصائِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وداعيا إلى الله بإذنه} بأمره وبتيسيره والكل منصوب على الحال {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} جلا به الله ظلمات الشرك واهتدى به الضالون كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به والجمهور على أنه القرآن فيكون التقدير وذا سراج منير أو وتالياً سراجاً منيراً ووصف بالإنارة لأن من السرج ما لا يضئ إذا قل سليطه ودقت فتيلته أو شاهداً بوحدانيتنا ومبشرا برحمتنا ونذيرا بنقمتنا وداعيا الله عبادتنا وسراجاً وحجة ظاهرة لحضرتنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وداعِيًا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ إلى الإقْرارِ بِهِ سُبْحانَهُ وبِوَحْدانِيَّتِهِ وبِسائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن صِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَعَلَّ هَذا هو مُرادُ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ مِن قَوْلِهِما، أيْ شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

﴿ بِإذْنِهِ ﴾ أيْ بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ تَعالى، وأُطْلِقَ الإذْنُ عَلى التَّسْهِيلِ مَجازًا لِما أنَّهُ مِن أسْبابِهِ لا سِيَّما الإذْنُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يُحْمَلْ عَلى حَقِيقَتِهِ وإنْ صَحَّ هُنا أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةً في الدَّعْوَةِ لِأنَّهُ قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: إنّا أرْسَلْناكَ داعِيًا أنَّهُ  مَأْذُونٌ لَهُ في الدَّعْوَةِ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ أنَّ ( بِإذْنِهِ ) مِن مُتَعَلِّقاتِ ( داعِيًا )، وقُيِّدَتِ الدَّعْوَةُ بِذَلِكَ إيذانًا بِأنَّها أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ وخَطْبٌ في غايَةِ الإعْضالِ لا يَتَأتّى إلّا بِإمْدادٍ مِن جَنابِ قُدْسِهِ، كَيْفَ لا وهو صَرْفٌ لِلْوُجُوهِ عَنِ القُبُلِ المَعْبُودَةِ وإدْخالٌ لِلْأعْناقِ في قِلادَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ، وجُوِّزَ رُجُوعُ القَيْدِ لِلْجَمِيعِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ﴿ وسِراجًا مُنِيرًا ﴾ يَسْتَضِيءُ بِهِ الضّالُّونَ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغَوايَةِ ويُقْتَبَسُ مِن نُورِهِ أنْوارُ المُهْتَدِينَ إلى مَناهِجِ الرُّشْدِ والهِدايَةِ، وهو تَشْبِيهٌ إمّا مُرَكَّبٌ عَقْلِيٌّ أوْ تَمْثِيلٌ مُنْتَزَعٌ مِن عِدَّةِ أُمُورٍ أوْ مُفَرَّقٌ، وبُولِغَ في الوَصْفِ بِالإنارَةِ لِأنَّ مِنَ السُّرُجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ شاهِدًا ﴾ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذا سِراجٍ مُنِيرٍ، وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا عَلى مَعْنى وتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا، وعَلَيْهِما السِّراجُ المُنِيرُ القُرْآنُ، وإذا فُسِّرَ بِذَلِكَ اِحْتَمَلَ عَلى ما قِيلَ أنْ يُعْطَفَ عَلى كافِ ( أرْسَلْناكَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلْناكَ، والقُرْآنُ إمّا عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ وإمّا مِن بابِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تالِيًا سِراجًا يَجُوزُ هَذا العَطْفُ، أيْ إنّا أرْسَلْناكَ وتالِيًا سِراجًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً  ﴾ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عَلى نَحْوِ: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً  ﴾ أيْ أرْسَلْنا بِإرْسالِكَ تالِيًا.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ وجَعَلْناكَ تالِيًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذا سِراجُ القُرْآنِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّقْدِيرُ إنّا أرْسَلْناكَ وأنْزَلْنا عَلَيْكَ ذا سِراجٍ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ جَعْلَ القُرْآنِ ذا سِراجٍ تَعَسُّفٌ، والحَقُّ أنَّ كُلَّ ما قِيلَ كَذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: مَّا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ يعني: بالتبني.

وليس بأب لزيد بن حارثة وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ يعني: ولكنه محمد رسول الله  ، ويقال: لم يكن أب الرجال لأن بنيه ماتوا صغاراً، ولو كان الرجال بنيه لكانوا أنبياء، ولا نبي بعده.

فذلك قوله: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ قرأ بعضهم ولكن رَسُولَ اللَّهِ بضم اللام، ومعناه: ولكن هو رسول الله وكان خاتَمَ النَّبِيِّينَ وقرأ عاصم في إحدى الروايتين وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ بنصب التاء.

وقرأ الباقون: بالكسر.

فمن قرأ بالكسر يعني: آخر النبيين.

ومن قرأ بالنصب فهو على معنى إضافة الفعل إليه.

يعني: أنه ختمهم وهو خاتم.

قال أبو عبيد: وبالكسر نقرأ لأنه رويت الآثار عنه أنه قال «أَنَا خَاَتَمُ النَّبِيِّين» فلم يسمع أحد من فقهائنا يروون إلا بكسر التاء.

وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً بمن يصلح للنبوة، وبمن لا يصلح.

فإن قيل: كيف يظن برسول الله  أنه يظهر من نفسه، خلاف ما في قلبه.

قيل له: يجوز مثل هذا لأن في قوله أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ أمر بالمعروف وفيه ردّ النفس عما تهوى.

وهذا عمل الأنبياء والصالحين- عليهم السلام-.

وقال بعضهم: للآية وجه آخر وهو إن الله تعالى قد أخبر النبيّ  أنها تكون زوجته.

فلما زوّجها من زيد بن حارثة لم يكن بينهما ألفة.

وكان النبيّ  ينهاه عن الطلاق، ويخفي في نفسه ما أخبره الله تعالى.

وقال: بأنها تكون زوجته.

فلما طلقها زيد بن حارثة، كان يمتنع من تزوجها، خشية مقالة الناس، يتزوج امرأة ابنه المتبنى به.

فأمره الله عز وجل بأن يتزوجها، ليكون ذلك سبب الإباحة لنكاح امرأة الابن المتبنى لأمته ونزل وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب: 37] الآية.

ثم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً يعني: اذكروا الله باللسان.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «إنَّ هِذِه القُلُوبَ لَتَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ» .

قيل: يا رسول الله فما جلاؤها؟

قال: تِلاوَةُ كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَكَثْرَةُ ذِكْرِهِ» .

وذكر أن أعرابياً سأل النبي  فقال: إن شرائع الإسلام قد كثرت، فأنبئني منها بأمر أتشبث به.

فقال: «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبَاً مِنْ ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ» .

ويقال: ليس شيء من العبادات أفضل من ذكر الله تعالى، لأنه قدر لكل عبادة مقداراً، ولم يقدر للذكر، وأمر بالكثرة فقال: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً يعني: اذكروه في الأحوال كلها.

لأن الإنسان لا يخلوا من أربعة أحوال.

إما أن يكون في الطاعة، أو في المعصية، أو في النعمة، أو في الشدة.

فإذا كان في الطاعة ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالإخلاص، ويسأله القبول والتوفيق.

وإذا كان في المعصية ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالامتناع عنها، ويسأل منه التوبة منها والمغفرة.

وإذا كان في النعمة يذكره بالشكر وإذا كان في الشدة يذكره بالصبر.

ثم قال تعالى: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: غدواً وعشياً.

يعني: صلوا لله بالغداة والعشي.

يعني: الفجر والعصر.

ويقال: بالغداة.

يعني: صلوا أول النهار وهي صلاة الفجر وَأَصِيلًا يعني: صلوا آخر النهار، وأول النهار.

وهي صلاة الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ يقول: هو الذي يرحمكم ويغفر لكم وَمَلائِكَتُهُ أي: يأمر الملائكة- عليهم السلام- بالاستغفار لكم لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني: أخرجكم من الكفر إلى الإيمان ووفّقكم لذلك.

اللفظ لفظ المستأنف، والمراد به الماضي يعني: أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ونّور قلوبكم بالمعرفة.

ويقال: معناه ليثبتكم على الإيمان ويمنعكم عن الكفر.

ويقال: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ يعني: من المعاصي إلى نور التوبة، والطهارة من الذنوب.

ويقال: من ظلمات القبر إلى نور المحشر.

ويقال: من ظلمات الصراط إلى نور الجنة.

ويقال: من ظلمات الشبهات إلى نور البرهان والحجة.

ثم قال: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً يعني: بالمصدقين الموحدين رَحِيماً يرحم عليهم.

ثم قال عز وجل: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قال مقاتل: يعني: يلقون الرب في الآخرة بسلام.

وقال الكلبي: تجيبهم الملائكة- عليهم السلام- على أبواب الجنة بالسلام.

فإذا دخلوها، حيَّا بعضهم بالسلام.

وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام.

ويقال: يعني: يسلم بعضهم على بعض.

ويقال: يسلمون على الله تعالى.

وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً يعني: جزاءً حسناً في الجنة.

ويقال: مساكن في الجنة حسنة.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً يعني: شهيداً على أمتك بالبلاغ وَمُبَشِّراً بالجنة لمن أطاع الله في الآخرة وفي الدنيا بالنصرة وَنَذِيراً من النار يعني: مخوفاً لمن عصى الله عز وجل وَداعِياً إِلَى اللَّهِ يعني: أرسلناك داعياً إلى توحيد الله ومعرفته بِإِذْنِهِ يعني: بأمره وَسِراجاً مُنِيراً يعني: أرسلناك بسراج منير، لأنه يضيء الطريق.

فهذه كلها صارت نصباً لنزع الخافض.

ثم قال عز وجل: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: بشّر يا محمد المصدقين بالتوحيد بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً في الجنة.

وذلك أنه لما نزل قوله عز وجل: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 20] فقال المؤمنون: هذا لك.

فما لنا؟

فنزل قوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [النساء: 138] في الجنة فلما سمع المنافقون ذلك قالوا فما لنا فنزل وبَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [النساء: 138] .

ثم رجع إلى ما ذكر في أول السورة فقال تعالى: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ من أهل مكة وَالْمُنافِقِينَ من أهل المدينة وَدَعْ أَذاهُمْ أي: تجاوز عن المنافقين، ولا تقتلهم.

ويقال: ودع أذاهم يعني: اصبر على أذاهم.

وإن خوفك شيء منهم فتوكل على الله يعني: فوض أمْرك إلى الله.

وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة عن ابن مسعود.

وقال: قسم رسول الله  قسمة.

فقال رجل من الأنصار: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.

فأخبر بذلك، فاحمر وجهه، فقال: «رَحِمَ الله أخِي مُوَسى- عَلَيْهِ السَّلاَمُ- لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَر» .

ثم قال: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يعني: حافظاً نصيرا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وهذا الحديثُ خرَّجه ابن حِبَّان في «صحيحه» .

وقوله: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أراد في كل الأوقات فحدّد الزمن بطرفي نهارِه ولَيْلِه، والأصيل من العَصْر إلى الليلِ، وعن ابن أبي أوفى قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللهِ» «١» رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ...

الآية: صلاةُ الله على العبدِ هي رحمتُه له، وصلاة الملائكة هي دعاؤهم للمؤمنين.

ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيساً لَهُم.

وقوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قيل: يوم القيامة تجيء الملائكةُ المؤمنين بالسلامِ، ومعناه: السلامةُ من كل مكروهٍ، وقال قتادة: يوم دُخولِهم الجنَّةِ يحي بعضُهم بعضاً بالسلامِ «٢» ، والأجرُ الكريمُ: جنة الخلدِ في جوار الله تبارك وتعالى.

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً ...

الآية، هذه الآية فيها تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين، وتكريم لجميعهم.

وقوله: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ أي: بأمره وَسِراجاً مُنِيراً استعارةُ للنور الذي تَضَمَّنهُ شرعُه.

وقوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ﴾ أيْ: عَلى أُمَّتِكَ بِالبَلاغِ ﴿ وَمُبَشِّرًا ﴾ بِالجَنَّةِ لِمَن صَدَّقَكَ ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ أيْ: مُنْذِرًا بِالنّارِ لِمَن كَذَّبَكَ، ﴿ وَداعِيًا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: إلى تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ، لا أنَّكَ فَعَلْتَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ ﴿ وَسِراجًا مُنِيرًا ﴾ أيْ: أنْتَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ " سِراجًا " أيْ: كالسِّراجِ المُضِيْءِ في الظُّلْمَةِ يُهْتَدى بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا ﴾ وهو الجَنَّةُ.

قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَمّا أُنْزِلَ قَوْلُهُ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ الآياتُ [الفَتْحِ] قالَ الصَّحابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما لَنا؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ ﴾ قَدْ سَبَقَ في أوَّلِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ودَعْ أذاهم قالَ العُلَماءُ: مَعْناهُ: لا تُجازِهِمْ عَلَيْهِ ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ؛ وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ ﴿ وَداعِيًا إلى اللهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا ﴾ ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا ﴾ ﴿ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا ﴾ هَذِهِ الآياتُ فِيها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ  ولِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكْرِيمٌ لِجَمِيعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "شاهِدًا" ﴾ مَعْناهُ: عَلى أُمَّتِكَ بِالتَبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وعَلى سائِرِ الأُمَمِ في تَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: "مُبَشِّرًا" مَعْناهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وبِالجَنَّةِ.

﴿ "وَنَذِيرًا" ﴾ مَعْناهُ: لِلْعُصاةِ والمُكَذِّبِينَ مِنَ النارِ وعَذابِ الخُلْدِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَعا رَسُولُ اللهِ  عَلِيًّا ومُعاذًا رَضِيَ اللهُ عنهُما فَبَعَثَهُما إلى اليَمَنِ، وقالَ: "اذْهَبا فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ: وقَرَأ الآيَةَ"،» و"الدُعاءُ إلى اللهِ" هو تَبْلِيغُ التَوْحِيدِ والأخْذُ بِهِ، ومُكافَحَةُ الكَفَرَةِ.

"وَبِإذْنِهِ" مَعْناهُ هُنا: بِأمْرِهِ إيّاكَ وتَقْدِيرُهُ ذَلِكَ في وقْتِهِ وأوانِهِ.

و"سِراجًا مُنِيرًا" اسْتِعارَةٌ لِلنُّورِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ، فَكَأنَّ المُهْتَدِينَ بِهِ والمُؤْمِنِينَ يَخْرُجُونَ بِهِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبَشِّرِ"، ﴾ الواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِالفَضْلِ الكَبِيرِ مِنَ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ لَنا أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذِهِ مِن أرْجى آيَةٍ عِنْدِي في كِتابِ اللهِ تَعالى: لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ فَضْلًا كَبِيرًا، وقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الفَضْلَ الكَبِيرَ ما هو في قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ  ﴾ ، فالآيَةُ الَّتِي في هَذِهِ السُورَةِ خَبَرٌ، والَّتِي في "حم، عسق" تَفْسِيرٌ لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السَماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ كانُوا يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ النَصائِحِ وهي غِشٌّ، إلى نَحْوِ هَذا المَعْنى.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَدَعْ أذاهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَأْمُرَهُ بِتَرْكٍ أنْ يُؤْذِيَهم هو ويُعاقِبَهُمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: فاصْفَحْ عن زَلَلِهِمْ ولا تُؤْذِهِمْ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونُسِخَ مِنَ الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - ما يَخُصُّ الكافِرِينَ، وناسِخُهُ آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ وَدَعْ أذاهُمْ ﴾ بِمَعْنى: أعْرِضْ عن أقْوالِهِمْ وما يُؤْذُونَكَ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، وآنَسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَفى بِاللهِ وكِيلا ﴾ ، فَفي قُوَّةِ الكَلامِ وعْدٌ بِنَصْرٍ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "كَفى بِاللهِ".

و"الوَكِيلُ": الحافِظُ القائِمُ عَلى الأمْرِ.

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِحُكْمِ الزَوْجَةِ تُطْلَقُ قَبْلَ البِناءِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ وبِمُهْلَةِ "ثُمَّ" عَلى أنَّ الطَلاقَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ نِكاحٍ، وأنَّ مَن طَلَّقَ المَرْأةَ قَبْلَ نِكاحِها - وإنَّ عَيَّنَها - فَإنَّ ذَلِكَ لا يَلْزَمُهُ، وقالَ هَذا نَيِّفٌ عَلى ثَلاثِينَ مِن صاحِبٍ وتابِعٍ وإمامٍ، سَمّى البُخارِيُّ مِنهُمُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ طَلاقَ المُعَيَّنَةِ الشَخْصِ أوِ القَبِيلِ أوِ البَلَدِ لازِمٌ قَبْلَ النِكاحِ، مِنهم مالِكٌ وجَمِيعُ أصْحابِهِ وجَمْعٌ عَظِيمٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "تَمَسُّوهُنَّ"، ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "تَماسُّوهُنُّ"، والمَعْنى فِيهِما الجِماعُ، وهَذِهِ العِدَّةُ إنَّما هي لِاسْتِبْراءِ الرَحِمِ وحِفْظِ النَسَبِ في الحَمْلِ، فَمَن لَمْ تُمَسُّ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ مَن ﴿ "تَعْتَدُّونَها" ﴾ بِشَدِّ الدالِّ عَلى وزْنِ تَفْتَعِلُونَها، مِنَ العَدِّ، ورَوى ابْنُ أبِي بِرْزَةَ عن أبِي بَكْرٍ "تَعْتَدُونَها" بِالتَخْفِيفِ، مِنَ العُدْوانِ، كَأنَّهُ قالَ: فَما لَكم عِدَّةٌ تُلْزِمُونَها عُدْوانًا وظُلْمًا لَهُنَّ.

والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ عن كَثِيرٍ، وتَخْفِيفُ الدالِّ وهُمٌ مِنَ ابْنِ أبِي بِزَّةَ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَمْتِيعِ المُطْلَقَةِ قَبْلَ البِناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُتْعَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هِيَ واجِبَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَندُوبٌ إلَيْها، مِنهم مالِكٌ وأصْحابُهُ، وقالَ قَوْمٌ: المُتْعَةُ لِلَّتِي لَمْ يَفْرِضْ لَها، ونِصْفُ المَهْرِ لِلَّتِي فُرِضَ لَها، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: بَلِ المُتْعَةُ كانَتْ لِجَمِيعِهِنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسْخَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِالنِصْفِ لِمَن فُرِضَ لَها ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُتْعَةِ.

وهَذِهِ الآيَةُ خَصَّصَتْ آيَتَيْنِ: إحْداهُما ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ  ﴾ ، فَخَصَّصَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَن لَمْ يَدْخُلْ بِها، وكَذَلِكَ خَصَّصَتْ مِن ذَواتِ الثَلاثَةِ الأشْهُرِ، وهُنَّ مَن قَعَدْنَ عَنِ المَحِيضِ، ومَن لَمْ يَحْضُنْ مَن صَغِيرِ المُطَلَّقاتِ قَبْلَ البِناءِ.

و"السَراحُ الجَمِيلُ" هو الطَلاقُ يَتْبَعُهُ عِشْرَةٌ حَسَنَةٌ وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ دُونَ أذى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا النداء الثالث للنبيء صلى الله عليه وسلم فإن الله لما أبلغه بالنداء الأول ما هو متعلق بذاته، وبالنداء الثاني ما هو متعلق بأزواجه وما تخلل ذلك من التكليف والتذكير، ناداه بأوصاف أودعها سبحانه فيه للتنويه بشأنه، وزيادة رفعة مقداره وبين له أركان رسالته، فهذا الغرض هو وصف تعلقات رسالته بأحوال أمته وأحوال الأمم السالفة.

وذُكر له هنا خمسةُ أوصاف هي: شاهد.

ومبشّر.

ونذير.

وداع إلى الله.

وسراج منير.

فهذه الأوصاف ينطوي إليها وتنطوي على مجامع الرسالة المحمدية فلذلك اقتصر عليها من بين أوصافه الكثيرة.

والشاهد: المخبر عن حجة المدعي المحقّ ودفع دعوى المبطل، فالرسول صلى الله عليه وسلم شاهد بصحة ما هو صحيح من الشرائع وبقاءِ ما هو صالح للبقاء منها ويشهد ببطلان ما ألصق بها وبنسخ ما لا ينبغي بقاؤه من أحكامها بما أخبر عنهم في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ﴾ [المائدة: 48].

وفي حديث الحشر: «يُسأل كل رسول هل بلّغ؟

فيقول: نعم.

فيقول الله: مَن يشهد لك؟

فيقول: محمد وأمته».

الحديث.

ومحمد صلى الله عليه وسلم شاهد أيضاً على أمته بمراقبة جريهم على الشريعة في حياته وشاهد عليهم في عَرَصات القيامة، قال تعالى: ﴿ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ [النساء: 41] فهو شاهد على المستجيبين لدعوته وعلى المعرضين عنها، وعلى من استجاب للدعوة ثم بَدّل.

وفي حديث الحَوض: «ليَرِدَنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوضَ حتى إذا رأيتُهم وعرفتُهم اختُلجوا دوني فأقول: يا رب أُصَيْحَابي أُصَيْحَابي.

فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول تَبًّا وسُحْقاً لمَن أحدث بعدي» يعني: أحدثوا الكفر وهم أهل الردة كما في بعض روايات الحديث: «إنهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم».

فلا جرم كان وصف الشاهد أشمل هذه الأوصاف للرسول صلى الله عليه وسلم بوصف كونه رسولاً لهذه الأمة، وبوصف كونه خاتماً للشرائع ومتمّماً لِمراد الله من بعثة الرسل.

والمبشر: المخبر بالبُشرى والبِشارة.

وهي الحادث المسرّ لمن يخبر به والوعد بالعطية، والنبي صلى الله عليه وسلم مبشر لأَهل الإِيمان والمطيعين بمراتب فوزهم.

وقد تضمن هذا الوصف ما اشتملت عليه الشريعة من الدعاء إلى الخير من الأوامر وهو قسم الامتثال من قسمي التقوى، فإن التقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمأمورات متضمنة المصالح فهي مقتضية بشارة فاعليها بحسن الحال في العاجل والآجل.

وقدمت البِشارة على النِذارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم غلب عليه التبشير لأنه رحمة للعالمين، ولكثرة عدد المؤمنين في أمته.

والنذير: مشتق من الإِنذار وهو الإِخبار بحلول حادث مسيء أو قُرْب حلوله، والنبي عليه الصلاة والسلام منذر للذين يخالفون عن دينه من كافرين به ومن أهل العصيان بمتفاوت مؤاخذتهم على عملهم.

وانتصب ﴿ شاهداً ﴾ على الحال من كاف الخطاب وهي حال مقدرة، أي أرسلناك مقدَّراً أن تكون شاهداً على الرسل والأمم في الدنيا والآخرة.

ومثّل سيبويه للحال المقدرة بقوله: مُررت برجل معه صقر صائِداً به.

وجيء في جانب النِذارة بصيغة فَعيل دون اسم الفاعل لإِرادة الاسم فإن النذير في كلامهم اسم للمخبر بحلول العدو بديار القوم.

ومن الأَمثال: أنا النذير العُريان، أي الآتي بخبر حلول العدوّ بديار قوم.

والمراد بالعريان أنه ينزع عنه قميصه ليشير به من مكان مرتفع فيراه من لا يسمع نداءه، فالوصف بنذير تمثيل بحال نذير القوم كما قال: ﴿ إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ﴾ [سبأ: 46] للإِيماء إلى تحقيق ما أنذرهم به حتى كأنه قد حلّ بهم وكأنَّ المخبر عنه مخبر عن أمر قد وقع، وهذا لا يؤديه إلا اسم النذير، ولذلك كثر في القرآن الوصف بالنذير وقلّ الوصف بمنذر.

وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أُنزل عليه: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ [الشعراء: 214] خرج حتى صعد الصفا، فنادى: يا صباحاه (كلمة ينادِي بها من يطلب النجدة) فاجتمعوا إليه فقال: أرأيتُم إن أخبرتكم أن خَيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقيَّ؟

قالوا: نعم.

قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد».

فهذا يشير إلى تمثيل الحالة التي استخلصها بقوله: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد).

وما في ﴿ بين يدي عذاب ﴾ من معنى التقريب.

وشمل اسم النذير جوامعَ ما في الشريعة من النواهي والعقوبات وهو قسم الاجتناب من قسمي التقوى فإن المنهيات متضمنة مفاسد فهي مقتضية تخويف المُقدمين على فعلها من سوء الحال في العاجل والآجل.

والداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ترك عبادة غير الله ويدعوهم إلى اتباع ما يأمرهم به الله.

وأصل دَعاه إلى فلان: أنه دعاه إلى الحضور عنده، يقال: ادعُ فلاناً إليَّ.

ولما عُلم أن الله تعالى منزه عن جهة يحضرها الناس عنده تعين أن معنى الدعاء إليه الدعاء إلى ترك الاعتراف بغيره (كما يَقولون: أبو مسلم الخراساني يدعو إلى الرضَى من آل البيت) فشمل هذا الوصف أصول الاعتقاد في شريعة الإِسلام مما يتعلق بصفات الله لأن دعوة الله دعوة إلى معرفته وما يتعلق بصفات الدُعاة إليه من الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم.

وزيادة ﴿ بإذنه ﴾ ليفيد أن الله أرسله داعياً إليه ويسّر له الدعاء إليه مع ثقل أمر هذا الدعاء وعظم خطره وهو ما كان استشعره النبي صلى الله عليه وسلم في مبدأ الوحي من الخشية إلى أن أُنزل عليه ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ [المدثر: 1، 2]، ومثلُه قوله تعالى لموسى: ﴿ لا تخف إنك أنت الأعلى ﴾ [طه: 68]، فهذا إذن خاص وهو الإِذن بعد الإِحجام المقتضي للتيسير، فأطلق اسم الإِذن على التيسير على وجه المجاز المرسل.

ونظيره قوله تعالى خطاباً لعيسى عليه السلام: ﴿ وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني ﴾ [المائدة: 110] وقوله حكاية عن عيسى ﴿ فأنفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله ﴾ [آل عمران: 49].

وقوله ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ تشبيه بليغ بطريق الحالية وهو طريق جميل، أي أرسلناك كالسراج المنير في الهداية الواضحة التي لا لبس فيها والتي لا تترك للباطل شبهة إلا فضحتها وأوقفت الناس على دخائلها، كما يضيء السراج الوقّاد ظلمة المكان.

وهذا الوصف يشمل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من البيان وإيضاح الاستدلال وانقشاع ما كان قبله في الأديان من مسالك للتبديل والتحريف فشمل ما في الشريعة من أصول الاستنباط والتفقه في الدين والعلم، فإن العلم يشبَّه بالنور فناسبه السراج المنير.

وهذا وصف شامل لجميع الأوصاف التي وصف بها آنفاً فهو كالفذلكة وكالتذييل.

ووصف السراج ب ﴿ منيراً ﴾ مع أن الإِنارة من لوازم السراج هو كوصف الشيء بالوصف المشتق من لفظه في قوله: شعر شاعر، وليلٌ ألْيَل لإِفادة قوة معنى الاسم في الموصوف بهِ الخاص فإن هدى النبي صلى الله عليه وسلم هو أوضح الهدى.

وإرشاده أبلغ إرشاد.

روى البخاري في كتاب «التفسير» من صحيحه في الكلام على سورة الفتح عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال: «إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ قال في التوراة: يأيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحِرزاً للأمِّيين، أنت عبدي ورسولي سمّيتك المتوكِّل ليس بفظّ ولا غليظ ولا صَخَّاب في الأسواق، ولا يدفع السيِّئة بالسيئة ولكنْ يعْفو ويصفح (أو وَيغفر) ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العَوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتحَ (أو فيفتح) به أعينا عُمْياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاء» ا ه.

وقول عبد الله بن عمرو «في التوراة» يعني بالتوراة: أسفار التوراة وما معها من أسفار الأنبياء إذ لا يوجد مثل ذلك فيما رأيت من الأسفار الخمسة الأصليّة من التوراة.

وهذا الذي حدث به عبد الله بن عَمرو ورأيت مقارِبه في سفر النبي أشعياء من الكتب المعبر عنها بالتوراة تغليباً وهي الكتب المسماة بالعهد القديم؛ وذلك في الإصحاح الثاني والأربعين منه بتغيير قليل (أحسب أنه من اختلاف الترجمة أو من تفسيرات بعض الأحبار وتأويلاتهم)، ففي الإصحاح الثاني والأربعين منه «هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سُرَّتْ به نفسي، وَضَعْتُ رُوحي عليه فيُخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يُسمع في الشارع صوته، قصبة مرضوضة لا تقصف، وفتيلة خامدة لا تطفأ، إلى الأمان يخرج الحق، لا يكلّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته أنا الرب قد دعوتك بالبر فأُمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم لنفتح عيون العُمي لتُخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن، الجالسين في الظلمة، أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر».

وإليك نظائر صفته التي في التوراة من صفاته في القرآن: ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ نظيرها هذه الآية وحرزاً للأميين ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ﴾ سورة [الجمعة: 2] أنت عبدي ورسولي ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ سورة [الكهف: 1] سميتك المتوكل ﴿ وتوكل على الله ﴾ سورة [الأحزاب: 3] ليس بفظ ولا غليظ ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ (سورة [آل عمران: 159] ولا صخّاب في الأسواق ﴿ واغضض من صوتك ﴾ سورة [لقمان: 19] ولا يدفع السيئة بالسيئة ﴿ وادفع بالتي هي أحسن ﴾ سورة [فصلت: 34] ولكن يعفو ويصفح ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ سورة [العقود: 13] ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملةَ العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً ﴾ سورة [المائدة: 3] ويفتح به أعينا عُمْياً وآذاناً صُمًّا وقلوباً غُلْفاً ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ في سورة [البقرة: 7] في ذكر الذين كفروا مقابلاً لذكر المؤمنين في قوله قبله ﴿ هدى للمتقين ﴾ الآية [البقرة: 2].

ولنذكرْ هنا ما في سفر أشعياء ونقحم فيه بيان مقابلة كلماته بالكلمات التي جاءت في حديث عبد الله بن عمَرو.

جاء في الإصحاح الثاني والأربعين من سفر أشعياء: هو ذا عبدي (أنت عبدي) الذي أعضده مختاري (ورسولي) الذي سُرت به نفسي، وضَعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم لا يصيح (ليس بفظّ) ولا يرفع (ولا غليظ) ولا يسمع في الشارع صوته (ولا صَخَّاب في الأَسواق) قصبة مرضوضة لا يقصف (ولا يدفع السيئة بالسيئة) وفتيلة خامدة لا يَطفا (يعفو ويصفح) إلى الأمان يُخرج الحق (وحرزاً) لا يكلّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض (ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء) وتنتظر الجزائر شريعته (للأميين) أنا الرب قد دعوتك بالبر فأُمسكُ بيدِك (سميتك المتوكل) وأحفظك (ولن يقبضه الله) وأجعلك عهداً للشعب أرسلناك شاهداً (ونوراً للأمم) (مبشراً) لنفتح عيون العُمي (ونفتح به أعيناً عمياً) لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن (وآذاناً صُمًّا) الجالسين في الظلمة (وقلوباً غلفاً).

أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر (بأن يقولوا لا إله إلا الله).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ ومُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ ونَذِيرًا مِنَ النّارِ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: إلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: إلى الإسْلامِ، قالَهُ النَّقّاشُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِأمْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِعَمَلِهِ قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بِالقُرْآنِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ وَسِراجًا مُنِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ سِراجٌ مُنِيرٌ أيْ مُضِيءٌ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الرَّسُولُ كالسِّراجِ المُنِيرِ في الهِدايَةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ إنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ قَوْلُهُ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثَوابًا عَظِيمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ، وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا  ﴾ الآياتِ فَقالَ المُسْلِمُونَ هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ فَقَدْ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ فَما لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةَ.

» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ يُرِيدُ بِالكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ وأبا الأعْوَرِ وبِالمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أُبَيٍّ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ وطُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ اجْتَمَعُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ اذْكُرْ أنَّ لِآلِهَتِنا شَفاعَةً.

فَقالَ اللَّهُ: ﴿ وَدَعْ أذاهُمْ ﴾ وفِيهِ أوْجُهٌ: أحَدُها: دَعْ ذِكْرَ آلِهَتِهِمْ أنَّ لَها شَفاعَةً، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: كُفَّ عَنْ أذاهم وقِتالِهِمْ وهَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ بِالقِتالِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ اصْبِرْ عَلى أذاهم، قالَهُ قَتادَةُ وقُطْرُبٌ.

الرّابِعُ: هو قَوْلُهم زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وما تَكَلَّمُوا بِهِ حِينَ نَكَحَ زَيْنَبَ.

قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد كان أمر علياً ومعاذ أن يسيرا إلى اليمن، فقال: «انطلقا فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، فإنه قد أنزل عليَّ ﴿ يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ قال: شاهداً على أمتك، ومبشراً بالجنة، ونذيراً من النار، وداعياً إلى شهادة لا إله إلا الله ﴿ بإذنه وسراجاً منيراً ﴾ بالقرآن» .

وأخرج أحمد والبخاري وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال: أجل والله انه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا تجزِئ بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني عبدالله، وخاتم النبيين، وأبي منجدل في طينته، وأخبركم عن ذلك أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نوراً أضاءت لها قصور الشام.

ثم تلا ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ﴾ إلى قوله: ﴿ منيراً ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا: «لما نزلت ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ [ الفتح: 2] قالوا: يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟

فأنزل الله: ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ﴾ قال: الفضل الكبير: الجنة» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «اجتمع عتبة.

وشيبة.

وأبو جهل.

وغيرهم فقالوا: أسقط السماء علينا كسفا، أو ائتنا بعذاب أو امطر علينا حجارة من السماء.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذاك إلي.

إنما بعثت إليكم داعياً ومبشراً ونذيراً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ﴾ قال: على أمتك بالبلاغ ﴿ ومبشراً ﴾ بالجنة ﴿ ونذيراً ﴾ من النار ﴿ وداعياً إلى الله ﴾ إلى شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ بإذنه ﴾ قال: بأمره ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ قال: كتاب الله يدعوهم إليه ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ﴾ وهي الجنة ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم ﴾ قال: اصبر على أذاهم.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ودع أذاهم ﴾ قال: اعرض عنهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ ﴾ : إلى توحيد الله وطاعته وما يقرب منه ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ قال مقاتل: يعني بأمره (١) قوله تعالى: ﴿ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ يجوز أن يكون هذا من صة النبي -  -، يكون المعنى من اتبعه اهتدى به كالسراج في الظلمة يستضاء به، وهذا معنى قول ابن عباس (٢) وقال المبرد: هذا تمثيل، والمعنى أن ضياء الهدى منه قد شمل القلوب كما شمل ضياء السراج الأبصار (٣) (٤) واختاره الزجاج فقال: (والمعنى وذا سراج منير أي: ذا كتاب نير قال: وإن شئت كان المعنى وداعيًا إلى الله وتاليًا كتابًا بينًا) (٥) (١) المصدر السابق.

(٢) انظر: قول ابن عباس في "تنوير المقباس" ص 355.

(٣) لم أقف على قول المبرد.

(٤) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 411، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 624، وعزاه لابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر.

(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 211.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ﴾ أي يشهد على أمته ﴿ وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ ﴾ أي بأمر الله وإرساله ﴿ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ﴾ استعارة للنور الذي يتضمنه الدين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.

الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بالثاء المثلثة.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.

التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي  ، وقد مر أنه  بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.

والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله  "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.

ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله  "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.

ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.

جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.

وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.

ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.

وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.

ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".

وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.

والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي  مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله  جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي  مدع لها.

بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله  ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.

وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.

أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.

ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.

ووصف النبي  بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.

وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.

ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".

ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.

قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.

ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.

في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.

وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.

وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.

وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.

وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.

وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله  أيضاً.

ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.

ثم عاد إلى تعليم النبي  .

وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله  اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.

وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي  كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي  لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.

والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ  من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.

ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾  يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.

والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.

قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال  ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله  من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.

وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله  كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.

وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي  .

وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.

والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.

وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.

وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.

وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.

ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.

ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه  بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.

والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.

﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.

يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.

وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.

وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.

وعن الحسن: وكان النبي  إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.

ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.

ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.

ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.

وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.

وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه  شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله  من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.

وإنه  زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.

وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.

وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.

يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي  وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله  : يا عيينة أين الاستئذان؟

فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.

ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟

فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.

قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.

فقال  : إن الله قد حرم ذلك.

فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟

قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.

وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.

قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.

واستثنى ممن حرم عليه الإماء.

وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.

واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له  من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.

وعن عائشة: ما مات رسول الله  حتى أحل له النساء.

تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.

ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله  فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.

وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.

وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.

وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.

ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.

وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا  ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.

يروى أن رسول الله  أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.

فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟

وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله  شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.

ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.

والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.

قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.

والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.

وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.

﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.

وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.

ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.

إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.

ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.

قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.

وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.

وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.

ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.

قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.

ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.

ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.

وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي  : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه  شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي  .

واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.

وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟

فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وعنه  "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.

ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.

والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم  ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله  ﴿ فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.

وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.

وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.

وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.

وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.

ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.

قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً  .

وقيل: في إفك عائشة.

وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.

ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.

يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.

ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.

وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.

ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.

روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.

ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.

المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.

وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.

وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.

ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله  عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.

ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.

ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.

ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.

والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.

ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.

قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.

من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.

قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.

وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".

وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.

وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.

ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.

أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.

وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.

والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.

واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.

وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.

فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.

وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".

والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.

فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.

ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله  ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.

فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.

وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.

وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.

وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.

وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.

واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين  ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.

والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا  ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.

ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.

فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.

وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).

الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.

وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.

ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.

التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.

وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي  كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.

﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.

﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم  ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.

وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.

فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.

ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.

فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.

ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ على تبليغ الرسالة يشهد لهم بالإجابة له إذا أجابوه، ويشهد عليهم إذا ردوه وخالفوه.

وقال بعضهم: ﴿ شَٰهِداً ﴾ على أمتك بالتصديق لهم، وقيل: ﴿ شَٰهِداً ﴾ عليهم بالبلاغ.

وقوله: ﴿ وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ ، أي: يبلغ إليهم ما يكون لهم البشارة إن أطاعوه، ويبلغ إليهم أيضاً ما يستوجبون به النذارة إذا خالفوه، والبشارة هي: إخبار عن الخيرات التي تكون في عواقب الأمور الصالحة، والنذارة: إخبار عن أحزان تكون في عواقب الأمور السيئة، أو نحوه من الكلام.

وقوله: ﴿ وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ ﴾ إلى توحيد الله، وإلى طاعة الله، أو إلى دار السلام؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ ، أو إلى ما يدعو الله إليه.

وقوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ، قيل: بأمره.

وقوله: ﴿ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ ، وجعلناك ﴿ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ﴾ ؛ فالسراج المنير هو الرسول على هذا التأويل.

وقال بعضهم: السراج المنير هو القرآن، يقول: أرسلناك داعياً إلى الله وإلى السراج المنير، وهو هذا.

وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً ﴾ .

فيه دلالة أن البشارة إنما تكون بفضل من الله، لا أنهم يستوجبون بأعمالهم شيئاً من ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ .

هذا قد ذكرناه في أول السورة.

وقوله: ﴿ وَدَعْ أَذَاهُمْ ﴾ .

هذا يحتمل: أعرض عنهم، ولا تكافئهم بما يؤذونك.

أو أن يقول: ﴿ وَدَعْ أَذَاهُمْ ﴾ ، أي: اصبر على أذاهم.

وقوله: ﴿ وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: اعتمد بالله.

﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً ﴾ ، أي: كفى بالله معتمداً.

أو أن يقال: كفى بالله وكيلا، أي: حافظاً أو مانعاً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وبعثناك داعيًا إلى توحيد الله وطاعته بأمره، وبعثناك مصباحًا منيرًا يستنير به كل من يريد الهداية.

<div class="verse-tafsir" id="91.9OvLm"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا  ﴾ .

نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته  ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ  ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).

فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي  ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه  لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.

لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ  ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟

أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟

ومن وجهة أخرى نرى أن النبي  -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.

ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ إلخ.

فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.

مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي  ومن يختصه الله بالتأسي به.

لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي  إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.

نادى  في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.

على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي  في أمر زينب.

كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ  ﴾ إلخ، فعمد النبي  -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.

لهذا أرغم النبي  زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله  المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا  ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.

ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ  ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ  ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا  ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا  ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ .

وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.

واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي  وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي  كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ  ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.

قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي  رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟

حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال  : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!

"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.

سبحان الله!

كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى  ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟

فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود  .

وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.

تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.

أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.

وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.

أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ  ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه  لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!

إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله