الآية ٥٨ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٥٨ من سورة الأحزاب

وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا ٥٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٨ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٨ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ) أي : ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه ، ( فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) وهذا هو البهت البين أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه ، على سبيل العيب والتنقص لهم ، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه ، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم; فإن الله ، عز وجل ، قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم ، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم ، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدا ، فهم في الحقيقة منكوسو القلوب يذمون الممدوحين ، ويمدحون المذمومين .

وقال أبو داود : حدثنا القعنبي ، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أنه قيل : يا رسول الله ، ما الغيبة ؟

قال : " ذكرك أخاك بما يكره " .

قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟

قال : " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " .

وهكذا رواه الترمذي ، عن قتيبة ، عن الدراوردي ، به .

قال : حسن صحيح .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سلمة ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن عمار بن أنس ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " أي الربا أربى عند الله ؟

" قالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : "أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم " ، ثم قرأ : ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ) كان مجاهد يوجه معنى قوله (يُؤْذُونَ) إلى يقفون.

ذكر الرواية عنه: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ) قال: يقفون.

فمعنى الكلام على ما قال مجاهد: والذين يقفون المؤمنين والمؤمنات.

ويعيبونهم طلبا لشينهم (بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا) يقول: بغير ما عملوا.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله (بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا) قال: عملوا.

حدثنا نصر بن علي، قال: ثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: قرأ ابن عمر: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) قال: فكيف إذا أوذي بالمعروف، فذلك يضاعف له العذاب.

حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن ثور، عن ابن عمر ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ) قال: كيف بالذي يأتي إليهم المعروف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) فإياكم وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضب له.

وقوله (فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) يقول: فقد احتملوا زورا وكذبًا وفرية شنيعة، وبهتان: أفحش الكذب، (وَإِثْمًا مُبِينًا) يقول: وإثما يبين لسامعه أنه إثم وزور.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا .أذية المؤمنين والمؤمنات هي أيضا بالأفعال والأقوال القبيحة ، كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق .

وهذه الآية نظير الآية التي في النساء : ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا كما قال هنا .

وقد قيل : إن من الأذية تعييره بحسب مذموم ، أو حرفة مذمومة ، أو شيء يثقل عليه إذا سمعه ؛ لأن أذاه في الجملة حرام .

وقد ميز الله تعالى بين أذاه وأذى الرسول وأذى المؤمنين فجعل الأول كفرا والثاني كبيرة ، فقال في أذى المؤمنين : فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا وقد بيناه .

وروي أن عمر بن الخطاب قال لأبي بن كعب : قرأت البارحة هذه الآية ففزعت منها والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا الآية ، والله إني لأضربهم وأنهرهم .

فقال له أبي : يا أمير المؤمنين ، لست منهم ، إنما أنت معلم ومقوم .

وقد قيل : إن سبب نزول هذه الآية أن عمر رأى جارية من الأنصار فضربها وكره ما رأى من زينتها ، فخرج أهلها فآذوا عمر باللسان ; فأنزل الله هذه الآية .

وقيل : نزلت في علي ، فإن المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه .

رضي الله عنه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وإن كانت أذية المؤمنين عظيمة، وإثمها عظيمًا، ولهذا قال فيها: { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا } أي: بغير جناية منهم موجبة للأذى { فَقَدِ احْتَمَلُوا } على ظهورهم { بُهْتَانًا } حيث آذوهم بغير سبب { وَإِثْمًا مُبِينًا } حيث تعدوا عليهم، وانتهكوا حرمة أمر اللّه باحترامها.ولهذا كان سب آحاد المؤمنين، موجبًا للتعزير، بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزير من سب الصحابة أبلغ، وتعزير من سب العلماء، وأهل الدين، أعظم من غيرهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ) من غير أن علموا ما أوجب أذاهم ، وقال مجاهد : يقعون فيهم ويرمونهم بغير جرم ( فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) وقال مقاتل : نزلت في علي بن أبي طالب وذلك أن ناسا من المنافقين كانوا يؤذونه ويشتمونه .

وقيل : نزلت في شأن عائشة .

وقال الضحاك ، والكلبي : نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن ، فيغمزون المرأة ، فإن سكتت اتبعوها ، وإن زجرتهم انتهوا عنها ، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ، ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحدا ، يخرجن في درع وخمار ، الحرة والأمة ، فشكون ذلك إلى أزواجهن ، فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية : ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ) الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا» يرمونهم بغير ما عملوا «فقد احتملوا بهتانا» تحملوا كذبا «وإثما مبينا» بيِّنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بقول أو فعل من غير ذنب عملوه، فقد ارتكبوا أفحش الكذب والزور، وأتوا ذنبًا ظاهر القبح يستحقون به العذاب في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الوعيد الشديد لمن آذى الله ورسوله ، جاء وعيد آخر لمن آذى المؤمنين والمؤمنات ، فقال - تعالى - : ( والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا فَقَدِ احتملوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) .أى : والذين يرتكبون فى حق المؤمنين والمؤمنات ما يؤذيهم فى أعراضهم أو فى أنفسهم أو فى غير ذلك مما يتعلق بهم ، دون أن يكون المؤمنون أو المؤمنات قد فعلوا ما يوجب أذاهم .

.( فَقَدِ احتملوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) أى : فقد ارتكبوا إثما شنيعا ، وفعلا قبيحا ، وذنبا ظاهرا بينا ، بسبب إذائهم للمؤمنين والمؤمنات .وقال - سبحانه - هنا ( بِغَيْرِ مَا اكتسبوا ) ولم يقل ذلك فى الآية السابقة عليها ، لأن الناس بطبيعتهم يدفع بعضهم بعضا ، ويعتدى بعضهم على بعض ، ويؤذى بعضهم بعضا ، أما الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا تصور منهما ذلك .وجمع - سبحانه - فى ذمهم بين البهتان والاثم المبين ، للدلالة على فظاعة ما ارتكبوه فى حق المؤمنين والمؤمنات ، إذ البهتان هو الكذب الصرحي الذى لا تقبله العقول ، بل يحيرها ويدهشا لشدته وبعده عن الحقيقة .والإِثم المبين : هو الذنب العظيم الظاهر البين ، الذى لا يخفى قبحه على أحد .روى ابن أبى حاتم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " " أى الربا أربى عند الله؟قالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : أربى الربا عند الله ، استحلال عرض امرئ مسلم " " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما كان الله تعالى مصلياً على نبيه لم ينفك إيذاء الله عن إيذانه، فإن من آذى الله فقد آذى الرسول فبين الله للمؤمنين أنكم إن أتيتم بما أمرتكم وصليتم على النبي كما صليت عليه، لا ينفك إيذاؤكم عن إيذاء الرسول فيأثم من يؤذيكم لكون إيذائكم إيذاء الرسول، كما أن إيذائي إيذاؤه وبالجملة لما حصلت الصلاة من الله والملائكة والرسول والمؤمنين صار لا يكاد ينفك إيذاء أحد منهم عن إيذاء الآخر كما يكون حال الأصدقاء الصادقين في الصداقة، وقوله: ﴿ بِغَيْرِ مَا اكتسبوا ﴾ احتراز عن الأمر بالمعروف من غير عنف زائد، فإن من جلد مائة على شرب الخمر أو حد أربعين على لعب النرد آذى بغير ما اكتسب أيضاً، ومن جلد على الزنا أو حد الشرب لم يؤذ بغير ما اكتسب، ويمكن أن يقال لم يؤذ أصلاً لأن ذلك إصلاح حال المضروب، وقوله: ﴿ فَقَدِ احتملوا بهتانا ﴾ البهتان هو الزور وهو لا يكون إلا في القول والإيذاء قد يكون بغير القول فمن آذى مؤمناً بالضرب أو أخذ ماله لا يكون قد احتمل بهتاناً، فنقول: المراد والذين يؤذون المؤمنين بالقول.

وهذا لأن الله تعالى أراد إظهار شرف المؤمن، فلما ذكر أن من آذى الله ورسوله لعن، وإيذاء الله بأن ينكر وجود الله بعد معرفة دلائل وجوده أو يشرك به من لا يبصر ولا يسمع أو من لا يقدر ولا يعلم أو من هو محتاج في وجوده إلى موجد وهو قول ذكر إيذاء المؤمن بالقول، وعلى هذا خص الأنبياء بالقول بالذكر لأنه أعم وأتم، وذلك لأن الإنسان لا يقدر أن يؤذي الله بما يؤلمه من ضرب أو أخذ ما يحتاج إليه فيؤذيه بالقول، ولأن الفقير الغائب لا يمكن إيذاؤه بالفعل، ويمكن إيذاؤه بالقول بأن يقول فيه ما يصل إليه فيتأذى، والوجه الثاني في الجواب هو أن نقول قوله بعد ذلك: ﴿ وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ مستدرك فكأنه قال احتمل بهتاناً إن كان بالقول وإثماً مبيناً كيفما كان الإيذاء، وكيفما كان فإن الله خص الإيذاء القولي بالذكر لما بينا أنه أعم ولأنه أتم لأنه يصل إلى القلب، فإن الكلام يخرج من القلب واللسان دليله ويدخل في القلب والآذان سبيله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أن يعبر بإيذائهما عن فعل ما يكرهانه ولا يرضيانه: من الكفر والمعاصي، وإنكار النبوّة، ومخالفة الشريعة، وما كانوا يصيبون به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنواع المكروه، على سبيل المجاز.

وإنما جعلته مجازاً فيهما جميعاً، وحقيقة الإيذاء صحيحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا أجعل العبارة الواحدة معطية معنى المجاز والحقيقة.

والثاني: أن يراد يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: في أذى الله: هو قول اليهود والنصارى والمشركين: يد الله مغلولة وثالث ثلاثة والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه.

وقيل: قول الذين يلحدون في أسمائه وصفاته.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكى عن ربه: «شتمني ابنُ آدمَ ولم ينبغ لَهُ أنْ يشتمني، وآذَانِي ولم ينبغِ لَهُ أنْ يؤذيني، فأمّا شتمُهُ إياي فقولِه: إنِّي اتخذْتُ ولَداً.

وأما أذاه فقولُه: إنّ الله لا يعيدني بعد أنْ بدأني» وعن عكرمة: فعل أصحاب التصاوير الذين يرمون تكوين خلق مثل خلق الله، وقيل: في أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولهم: ساحر، شاعر، كاهن، مجنون.

وقيل: كسر رباعيته وشجّ وجهه يوم أحد.

وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حيي، وأطلق إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛ لأن أذى الله ورسوله لا يكون إلاّ غير حق أبداً.

وأما أذى المؤمنين والمؤمنات، فمنه ومنه.

ومعنى ﴿ بِغَيْرِ مَا اكتسبوا ﴾ بغير جناية واستحقاق للأذى.

وقيل: نزلت في ناس من المنافقين يؤذون علياً رضي الله عنه ويسمعونه.

وقيل: في الذين أفكوا على عائشة رضي الله عنها.

وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهنّ كارهات.

وعن الفضيل: لا يحل لك أن تؤذي كلباً أو خنزيراً بغير حق، فكيف، وكان ابن عون لا يكري الحوانيت إلا من أهل الذمّة، لما فيه من الروعة عند كرّ الحول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ يَرْتَكِبُونَ ما يَكْرَهانِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أوْ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ بِكَسْرِ رُباعِيَّتِهِ وقَوْلِهِمْ شاعِرٍ مَجْنُونٍ ونَحْوِ ذَلِكَ وذَكَرَ اللَّهَ لِلتَّعْظِيمِ لَهُ.

ومَن جَوَّزَ إطْلاقَ اللَّفْظِ عَلى مَعْنَيَيْنِ فَسَّرَهُ بِالمَعْنَيَيْنِ بِاعْتِبارِ المَعْمُولَيْنِ.

﴿ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ.

﴿ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا ﴾ يُهِينُهم مَعَ الإيلامِ.

﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا ﴾ بِغَيْرِ جِنايَةٍ اسْتَحَقُّوا بِها الإيذاءَ.

﴿ فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا ﴾ ظاهِرًا.

قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا يُؤْذُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ في أهْلِ الإفْكِ، وقِيلَ في زُناةٍ كانُوا يَتَّبِعُونَ النِّساءَ وهُنَّ كارِهاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا} أطلق إيذاء الله ورسوله

الأحزاب (٦٠ - ٥٨)

وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات لأن ذاك يكون غير حق أبداً وأما هذا فمنه حق كالحد والتعزير ومنه باطل قيل نزلت في ناس من المنافقين يؤذون عليا رضى الله عنه ويسمعونه وقيل في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات وعن الفضيل لا يحل لك أن تؤذي كلباً أو خنزيراً

بغير حق فكيف إيذاء المؤمنين والمؤمنات {فَقَدِ احتملوا} تحملوا {بهتانا} كذبا عظيما {وإثما مبينا} ظاهرا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ واَللَّهِ إنِّي لَأُعاقِبُهم وأضْرِبُهم فَقالَ: إنَّكَ لَسْتَ مِنهم إنَّما أنْتَ مُعَلِّمٌ ومُقَوِّمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( الَّذِينَ ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا ﴾ أيْ فِعْلًا شَنِيعًا، وقِيلَ ما هو كالبُهْتانِ أيِ الكَذِبِ الَّذِي يُبْهِتُ الشَّخْصَ لِفَظاعَتِهِ في الإثْمِ، وقِيلَ اِحْتَمَلَ بُهْتانًا أيْ كَذِبًا فَظِيعًا إذا كانَ الإيذاءُ بِالقَوْلِ ﴿ وإثْمًا مُبِينًا ﴾ أيْ ظاهِرًا بَيِّنًا خَبَرُهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطَ، والآيَةُ قِيلَ نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا يُؤْذُونَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ويُسْمُعُونَهُ ما لا خَيْرَ فِيهِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ جُوَيْبِرٍ عَنْ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وناسٍ مَعَهُ قَذَفُوا عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَخَطَبَ النَّبِيُّ  وقالَ: ««مَن يَعْذُرُنِي مِن رَجُلٍ يُؤْذِينِي ويَجْمَعُ في بَيْتِهِ مَن يُؤْذِينِي فَنَزَلَتْ»» .

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ طَعَنُوا عَلى النَّبِيِّ  في أخْذِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وعَنْ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في زُناةٍ كانُوا يَتَّبِعُونَ النِّساءَ إذا بَرَزْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ وكانُوا لا يَتَعَرَّضُونَ إلّا لِلْإماءِ ولَكِنْ رُبَّما يَقَعُ مِنهُمُ التَّعَرُّضُ لِلْحَرائِرِ جَهْلًا أوْ تَجاهُلًا لِاتِّحادِ الكُلِّ في الزِّيِّ واللِّباسِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الآيَةِ لِكُلِّ ما ذُكِرَ ولِكُلِّ ما سَيَأْتِي مِن أراجِيفِ المُرْجِفِينَ، وفِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى حُرْمَةِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ما فِيها، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: يُلْقى الجَرَبُ عَلى أهْلِ النّارِ فَيَحُكُّونَ حَتّى تَبْدُوَ العِظامُ فَيَقُولُونَ رَبَّنا بِماذا أصابَنا هَذا فَيُقالُ: بِأذاكُمُ المُسْلِمِينَ، وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إيّاكم وأذى المُؤْمِنِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَحُوطُهُ ويَغْضَبُ لَهُ.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  لِأصْحابِهِ أيُّ الرِّبا أرْبى عِنْدَ اللَّهِ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أرْبى الرِّبا عِنْدَ اللَّهِ اِسْتِحْلالُ عِرْضِ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَرَأ  ﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا ﴾ الآيَةَ»» .

يا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ والصلاة من الله الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة- عليهم السلام- الاستغفار.

يعني: أن الله عزَّ وجلَّ يغفر للنبي، ويأمر ملائكته بالاستغفار والصلاة عليه.

ثم أمر المسلمين بالصلاة عليه فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة أنه قال: قلنا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟

فقال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» إلى آخِرِهِ.

وروى أبو هريرة عن رسول الله  أنه قال: «صَلَّوا عَلَيَّ، فإنَّ الصَّلاة عَلَيَّ زَكَاةٌ لَكُمْ وَاسْأَلُوا الله لِيَ الوَسِيلَةَ» .

قالوا: وما الوسيلة؟

يا رسول الله؟

قال: «أعْلَى دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ لا يَنَالُهَا إلاَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ» .

وروى أنس بن مالك عن رسول الله  أنه قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ» .

ويقال: ليس شيء من العبادات أفضل من الصلاة على النبيّ  ، لأن سائر العبادات أمر الله تعالى بها عباده.

وأما الصلاة على النبي  فقد صلى عليه أولاً هو بنفسه، وأمر الملائكة بذلك، ثم أمر العباد بذلك.

ثم قال: وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً يعني: اخضعوا له خضوعاً.

ويقال: ائتمروا بما يأمركم الله تعالى.

ويقال: لما نزلت هذه الآية، قال المسلمون: هذا لك فما لنا فنزل: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الأحزاب: 43] .

ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: اليهود والنصارى حيث قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: 64] ونحو ذلك من الكلمات، ويقال: أذاهم الله وهو قولهم: لله ولد ونحو ذلك.

وإيذاءهم رسوله أنهم زعموا أنه ساحر ومجنون لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا يعني: عذبهم الله في الدنيا بالقتل والسبي وَالْآخِرَةِ بالنار.

ويقال: هم الذين يجعلون التصاوير.

ويقولون: تخلق كما يخلق الله تعالى وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً يهانون فيه.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا يعني: بغير جرم فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً يعني: قالوا كذباً وَإِثْماً مُبِيناً يعني: ذنباً بيّناً.

قال مقاتل: قال السدي: نزلت هذه الآية في أمر عائشة وصفوان.

ويقال: في جميع من يؤذي مسلماً بغير حق.

وقال عثمان لأبي بن كعب: إني قرأت هذه الآية: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فوقعت مني كل موقع، والله إني لأضربهم وأعاقبهم.

فقال له أبي: إنك لست منهم، إنك مؤدب معلم.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وذلك أن المهاجرين نزلوا في ديار الأنصار، فضاقت الدور عليهم.

وكن النساء يخرجن بالليل إلى التخلي يقضين حوائجهن.

كان الزناة يرصدون في الطريق، وكانوا يطلبون الولائد، ولم يعرفوا المرأة الحرة من الأمة بالليل.

فأمر الحرائر بأخذ الجلباب.

وقال الحسن: كن النساء والإماء بالمدينة.

يقال لهن: كذا وكذا يخرجن، فيتعرض لهن السفهاء فيؤذونهن، فكانت الحرة تخرج فيحسبون أنها أمة ويؤذونها، فأمر الله تعالى المؤمنات أن يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ.

وقال القتبي: يلبسن الأردية.

ويقال: يعني: يرخين الجلابيب على وجوههن.

وقال مجاهد: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ يعني: متجلببين ليعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة.

قوله: وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ يعني: أحرى فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً إذا تابوا ورجعوا، ثم وعد المنافقين وخوّفهم لينزجروا عن الحرائر أو الإماء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واللفظ له، وابن ماجه، والترمذي، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، ورواه أبو داود أيضاً من حديث أبي هريرة «١» ، انتهى من «السلاح» .

وقوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً ...

الآية، هي آية الحجَابِ، والمتَاعُ عام في جميع ما يمكن أن يُطْلَب من المَواعِينِ وَسائر المرَافِق، وباقي الآية بيِّن.

وقد تقدَّم في سورة النور طرف من بيانه فأغنى عن إعادته.

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ...

الآية، تضمّنت شرف النّبي صلى الله عليه وسلّم وعظيمَ منزلتِه عندَ اللهِ تَعالى.

قالتْ فِرقَة: تقدير الآيةِ: أن الله يُصَلِّي وملائكتُه يصلُّون، فالضَّميرُ في قوله يُصَلُّونَ: للملائِكةِ فَقط.

وقالت فرقة: بل الضميرُ في يُصَلُّونَ لِلَّهِ والملائكة وهذا قول من الله تعالى، شَرَّفَ به ملائكتَه فَلاَ يُرِدُ عليه الاعتراضُ الذي جَاءَ في قَوْلِ الخَطِيبِ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فقد رشد، ومن يعصهما، فقد ضلّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم:

«بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ» «٢» .

وهذا القَدْرُ كَافٍ هُنَا، وصلاة الله تعالى: رحمةٌ منه وبركةٌ، وصلاة الملاَئكةِ: دعاء، وصلاةُ المؤمنين: دعاء، وتعظيم، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم في كل حينٍ من الواجباتِ وجوبَ السُّنَنِ المؤكَّدَةِ التي لا يسعُ تَرْكُها وَلاَ يُغْفِلُها إلاَّ مَن لاَ خيرَ فيه، وفي حديث ابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية قال قوم من الصحابة: «هَذَا السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عرفْنَاهُ، فكَيْفَ نُصَلِّي عليك؟» الحديث «٣» .

ت: ولفظ البخاري: عن كعب بن عُجْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمَّا السَّلاَمُ عَلَيْكَ، فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلاَةُ؟

قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» «١» .

انتهى وفيه طرقٌ يَزِيدُ فيها بعضُ الرواةِ على بعض، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فيه فَإنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» «٢» الحديثُ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، واللفظ لأبي داود، ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي مسعود الأنصاري، وقال: صحيحُ الإِسناد، وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلاَّ رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حتى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ» «٣» وعنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا عَلَيَّ، فَإنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُم» «٤» .

رواهما أبو داود، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﴾ في صَلاةِ اللَّهِ وصَلاةِ المَلائِكَةِ أقْوالٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ [الأحْزابِ: ٤٣] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صَلُّوا عَلَيْهِ ﴾ «قالَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا التَّسْلِيمَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ؟

فَقالَ: قُولُوا: " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى [آلِ] إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلى [آلِ] إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: " قَدّ عَلِمْنا التَّسْلِيمَ عَلَيْك ": ما يُقالُ في التَّشَهُّدِ: " السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ " .

وذَهَبَ ابْنُ السّائِبِ إلى أنَّ مَعْنى التَّسْلِيمِ: سَلِّمُوا لِما يَأْمُرُكم بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: في الَّذِينَ طَعَنُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ اتَّخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَزَلَتْ في المُصَوِّرِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: في المُشْرِكِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، وصَفُوا اللَّهَ بِالوَلَدِ وكَذَّبُوا رَسُولَهُ وشَجُّوا وجْهَهُ وكَسَرُوا رَباعِيَّتَهُ وقالُوا: مَجْنُونٌ شاعِرٌ ساحِرٌ كَذّابٌ.

ومَعْنى أذى اللَّهِ: وصْفُهُ بِما هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وعِصْيانُهُ؛ ولَعْنُهم في الدُّنْيا: بِالقَتْلِ والجَلاءِ، وفي الآخِرَةِ: بِالنّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَأى جارِيَةً مُتَبَرِّجَةً فَضَرَبَها وكَفَّ ما رَأى مِن زِينَتِها، فَذَهَبَتْ إلى أهْلِها تَشْكُو، فَخَرَجُوا إلَيْهِ فَآذَوْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الزُّناةِ الَّذِينَ كانُوا يَمْشُونَ في طُرُقِ المَدِينَةِ يَتْبَعُونَ النِّساءَ إذا بَرَزْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضاءِ حَوائِجِهِنَّ، فَيَرَوْنَ المَرْأةَ فَيَدْنُونَ مِنها فَيَغْمِزُونَها؛ وإنَّما كانُوا يُؤْذُونَ الإماءَ، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ تَكُنِ الأمَةُ تُعْرَفُ مِنَ الحُرَّةِ، فَشَكَوْنَ ذَلِكَ إلى أزْواجِهِنَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن تَكَلَّمُ في عائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطِّلِ بِالإفْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ آذَوْا عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: يَرْمُونَهم بِما لَيْسَ فِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهَ في الدُنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ شَرَّفَ اللهُ بِها رَسُولَهُ  ، وذَكَرَ مَنزِلَتَهُ مِنهُ، وطَهَّرَ بِها سُوءَ فِعْلِ مَنِ اسْتَصْحَبَ في جِهَتِهِ فِكْرَةَ سُوءٍ في أمْرِ زَوْجاتِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "يُصَلُّونَ"، ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ ولِلْمَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلٌ مِنَ اللهِ تَعالى شَرَّفَ بِهِ مَلائِكَتَهُ، فَلا يَصْحَبُهُ الِاعْتِراضُ الَّذِي جاءَ في «قَوْلِ الخَطِيبِ عِنْدَ النَبِيِّ  : "مَن أطاعَ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ ضَلَّ"، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"،» قالُوا: لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يَجْمَعَ ذِكْرَ اللهِ تَعالى مَعَ غَيْرِهِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ مِن ذَلِكَ ما شاءَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذَفٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ اللهَ يُصَلِّي عَلى النَبِيِّ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ، ودَلَّ الظاهِرُ مِنَ القَوْلِ عَلى ما تُرِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ اجْتِماعٌ في ضَمِيرٍ، وذَلِكَ جائِزٌ لِلْبَشَرِ فِعْلُهُ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ  : « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» لِهَذا المَعْنى، وإنَّما قالَهُ لِأنَّ الخَطِيبَ وقَفَ عَلى "وَمَن يَعْصِهِما" وسَكَتَ سَكْتَةً، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ في كَلامِ النَبِيِّ  في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ: "فَجَمَعَ ذِكْرَ اللهِ تَعالى مَعَ رَسُولِهِ في ضَمِيرٍ"، ومِمّا يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ أنْ في كِتابِ مُسْلِمٍ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، قُلْ: ومَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ"،» وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَمّا خَطَّأهُ في وقْفِهِ وقالَ لَهُ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» أصْلَحَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعَ كَلامِهِ؛ لِأنَّ فَصْلَ ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى مِن ضَمِيرِ غَيْرِهِ أولى لا مَحالَةَ، فَقالَ لَهُ.

« "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» لِمَوْضِعٍ خَطَّأهُ في الوَقْفِ، وحَمَلَهُ عَلى الأُولى في فَصْلِ الضَمِيرَيْنِ.

وإنْ كانَ جَمْعُهُما جائِزًا.

وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "وَمَلائِكَتَهُ" بِنَصْبِ التاءِ عَطْفًا عَلى المَكْنُونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ "إنَّ"، وفي هَذا نَظَرٌ.

وصَلاةُ اللهِ تَعالى رَحْمَةٌ مِنهُ وبَرَكَةٌ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ دُعاءٌ وتَعْظِيمٌ، والصَلاةُ عَلى رَسُولِ اللهِ  في كُلٍّ حِينِ مَنَّ الواجِباتِ وُجُوبَ السُنَنِ المُؤَكِّدَةِ الَّتِي لا يَصِحُّ تَرْكُها، ولا يَغْفَلُها إلّا مَن لا خَيْرَ فِيهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أكْثِرُوا مِنَ الصَلاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ".» وصِفَتُها ما ورَدَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في كِتابِ الطَبَرِيُّ، ومِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ لَهُ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ هَذا السَلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَرِفْناهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟

قالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ صِلِّي عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ، وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ كَما رَحِمَتْ إبْراهِيمَ وآلَ إبْراهِيمَ في العالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"،» وفي بَعْضِ الرِواياتِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، هَذا مَعْناهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ"، وهَذِهِ الفاءُ تُقَوِّي مَعْنى الشَرْطِ، أيْ: صَلّى اللهُ فَصَلُّوا أنْتُمْ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُكَ فَخُذْ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "صَلُّوا عَلَيْهِ كَما صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ الآيَةُ، قالَ الجُمْهُورُ مَعْناهُ: بِالكُفْرِ ونِسْبَةِ الصاحِبِ والوَلَدِ والشَرِيكِ إلَيْهِ، ووَصْفِهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ « (قالَ اللهُ: شَتَمَنِي عَبْدِي فَقالَ: إنْ لِي ولَدًا، وكَذَّبَنِي فَقالَ: إنَّهُ لَنْ يُبْعَثَ)،» وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ بِالتَصْوِيرِ والتَعْرِيضِ لِفِعْلٍ ما لا يَفْعَلُهُ إلّا اللهُ بِنَحْتِ الصُوَرِ وخَلْقِها، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لَعَنَ اللهُ المُصَوِّرِينَ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: يُؤْذُونَ أولِياءَ اللهِ.

وإذايَةُ الرَسُولِ  هي بِما يُؤْذِيهِ مِنَ الأقْوالِ في غَيْرِ مَعْنًى واحِدٍ، مِنَ الأفْعالِ أيْضًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في الَّذِينَ طَعَنُوا عَلَيْهِ حِينَ اتَّخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والطَعْنُ في تَأْمِيرِ أُسامَةَ إذايَةٌ لَهُ أيْضًا.

وقَوْلُهُ: [لَعَنُوا] مَعْناهُ: أُبْعِدُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ.

وَإذايَةُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ هي أيْضًا بِالأفْعالِ والأقْوالِ القَبِيحَةِ والبُهْتانِ والكَذِبِ الفاحِشِ المُخْتَلَقِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ يَوْمًا لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنِّي قَرَأْتُ البارِحَةَ هَذِهِ الآيَةَ فَفَزِعَتْ مِنها ﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةُ، واللهِ إنِّي لَأضْرِبَهم وأنْهَرَهُمْ، فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: لَسْتُ مِنهم يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّما أنْتَ مُعَلِّمٌ ومُقَوِّمٌ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَرَأ: "إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ"، ثُمَّ قالَ لِأُبَيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟

فَقَرَأها كَما قَرَأها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ألحقت حُرمة المؤمنين بحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم تنويهاً بشأنهم، وذكروا على حدة للإِشارة إلى نزول رتبتهم عن رتبة الرسول عليه الصلاة والسلام.

وهذا من الاستطراد معترض بين أحكام حُرمة النبي صلى الله عليه وسلم وآداب أزواجه وبناته والمؤمنات.

وعطف ﴿ المؤمنات ﴾ على ﴿ المؤمنين ﴾ للتصريح بمساواة الحكم وإن كان ذلك معلوماً من الشريعة، لوَزْع المؤذين عن أذى المؤمنات لأنهن جانب ضعيف بخلاف الرجال فقد يزعهم عنهم اتقاء غضبهم وثأرهم لأنفسهم.

والمراد بالأذى: أذى القول بقرينة قوله: ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ لأن البهتان من أنواع الأقوال وذلك تحقير لأقوالهم، وأتبع ذلك التحقير بأنه إثم مبين.

والمراد بالمبين العظيم القوي، أي جُرماً من أشد الجرم، وهو وعيد بالعقاب عليه.

وضمير ﴿ اكتسبوا ﴾ عائد إلى المؤمنين والمؤمنات على سبيل التغليب، والمجرور في موضع الحال.

وهذا الحال لزيادة تشنيع ذلك الأذى بأنه ظلم وكذب.

وليس المراد بالحال تقييد الحكم حتى يكون مفهومه جواز أذى المؤمنين والمؤمنات بما اكتسبوا، أي أن يُسبوا بعمل ذميم اكتسبوه لأن الجزاء على ذلك ليس موكولاً لعموم الناس ولكنه موكول إلى ولاة الأمور كما قال تعالى: ﴿ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ﴾ [النساء: 16].

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغِيبة وقال: «هي أن تذكر أخاك بما يكره.

فقيل: وإن كان حقاً.

قال: إن كان غير حق فذلك البهتان» فأما تغيير المنكر فلا يصحبه أذى.

وما صْدَق الموصول في قوله: ﴿ ما اكتسبوا ﴾ سيّئاً، أي بغير ما اكتسبوا من سيّئ.

ومعنى ﴿ احتملوا ﴾ كَلَّفوا أنفسهم حَملاً، وذلك تمثيل للبهتان بحمل ثقيل على صاحبه، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمَل بهتاناً وإثماً مبيناً ﴾ في سورة النساء (112).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أصْحابُ التَّصاوِيرِ; قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ طَعَنُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ اتَّخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَكْذِبُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ويَبْهُتُونَهُ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يُؤْذُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ أذى رَسُولِهِ  أذًى لَهُ تَشْرِيفًا لِمَنزِلَتِهِ.

الثّالِثُ: هو ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  : « (يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وما كانَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْتُمَنِي، وكَذَّبَنِي وما كانَ لَهُ أنْ يُكَذِّبَنِي فَأمّا شَتْمُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ إنَّ لِيَ ولَدًا وَأمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ إنِّي لا أبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ أحَدًا.

وَلَعْنَةُ الدُّنْيا التَّقْتِيلُ والجَلاءُ، ولَعْنَةُ الآخِرَةِ النّارُ)» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ الآيَةَ.

فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الزُّناةِ وكانُوا يَمْشُونَ فَيَرَوْنَ المَرْأةَ فَيَغْمِزُونَها; قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْذُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَكْذِبُونَ عَلَيْهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والنَّقّاشُ.

الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن تَكَلَّمَ في عائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ بِالإفْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَرَوى قَتادَةُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأها ذاتَ لَيْلَةٍ فَأفْزَعَهُ ذَلِكَ حَتّى انْطَلَقَ إلى أبِي فَقالَ يا أبا المُنْذِرِ إنِّي قَرَأْتُ كِتابَ اللَّهِ فَوَقَعَتْ مِنِّي كُلَّ مَوْقِعٍ.

﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا ﴾ واللَّهِ إنِّي لَأُعاقِبُهم وأضْرِبُهم، فَقالَ: إنَّكَ لَسْتَ مِنهم، إنَّما أنْتَ مُؤَدِّبٌ، إنَّما أنْتَ مُعَلِّمٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن سعد في الطبقات وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ﴾ قال: يقعون ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ يقول: بغير ما علموا ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ قال: إثماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: يلقى الجرب على أهل النار، فيحكون حتى تبدو العظام، فيقولون: ربنا بم أصابنا هذا؟

فيقال: بأذاكم المسلمين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: إياكم وأذى المؤمنين فإن الله يحوطهم، ويغضب لهم، وقد زعموا أن عمر بن الخطاب قرأها ذات يوم، فأفزعه ذلك حتى ذهب إلى أُبي بن كعب رضي الله عنه، فدخل عليه فقال: يا أبا المنذر إني قرأت آية من كتاب الله تعالى فوقعت مني كل موقع ﴿ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ﴾ والله إني لأعاقبهم وأضربهم فقال له: إنك لست منهم، إنما أنت معلم.

وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إني لأبغض فلاناً، فقيل للرجل: ما شأن عمر رضي الله عنه يبغضك!

فلما أكثر القوم في الذكر جاء فقال: يا عمر أفتقت في الإِسلام فتقاً؟

قال: لا.

قال: فجنيت جناية؟

قال: لا.

قال: أحدثت حدثاً؟

قال: لا.

قال: فعلام تبغضني وقد قال الله: ﴿ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً ﴾ ؟!

فقد آذيتني فلا غفرها الله لك.

فقال عمر رضي الله عنه: صدق والله ما فتق فتقاً، ولا ولا فاغفرها لي، فلم يزل به حتى غفرها له.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما ﴿ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ﴾ إلى قوله: ﴿ وإثماً مبيناً ﴾ قال: فكيف بمن أحسن إليهم يضاعف لهم الأجر.

وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن عبدالله بن يسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منَّا ذو حسد، ولا نميمة، ولا خيانة، ولا إهانة، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات...

﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «أي الربا أربى عند الله؟

قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم، ثم قرأ ﴿ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا..

﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ﴾ قال مجاهد: يقضون فيهم بعد ما علموا، يعني: يرمونهم بما ليس فيهم (١) (٢) وقال قتادة والحسن: إياكم وأذى المؤمن فإن الله يغضب له (٣) واختلفوا في سبب نزوله، فقال عطاء عن ابن عباس: رأى عمر -  - جارية من الأنصار متبرجة فضربها وكره ما رأى من زينتها، فذهبت إلى أهلها تشكو عمر، فخرجوا إليه فآذوه، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ يريد عمر بن الخطاب (٤) وقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب وذلك أن نفرًا من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه (٥) وقال السدي والكلبي: نزلت في أهل الفسق والفجور كانوا يتبعون الإماء بالمدينة يفجرون بهن فكانت المرأة من نساء المؤمنين تبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار يرى أنها أمة وكان الزي واحداً فتصيح به، فيذهب، فشكا المسلمون ذلك إلى رسول الله -  - فأنزل الله هذه الآية (٦) (١) "تفسير مجاهد" ص 520 ومعنى يقضون: يقذفونهم ويتهمونهم بالفجور.

(٢) انظر: "الوسيط" 3/ 482.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 45، وابن أبي حاتم 10/ 3152 كلاهما عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 657 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة والواحدي في "الوسيط" 3/ 482 ونسبه لقتادة والحسن والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 580 عن قتادة والحسن.

(٤) انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 207، و"تفسير زاد المسير" 6/ 421.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 95 أ، "تفسير الماوردي" 4/ 423.

(٦) انظر: "الماوردي" (4/ 423) عن الكلبي، "مجمع البيان" 8/ 580، "تفسير زاد المسير" 6/ 4219.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا ﴾ الآية: في البهتان وهو ذكر الإنسان بما ليس فيه، وهو أشد من الغيبة، مع أن الغيبة محرمة، وهي ذكره ما فيه مما يكره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.

الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بالثاء المثلثة.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.

التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي  ، وقد مر أنه  بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.

والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله  "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.

ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله  "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.

ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.

جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.

وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.

ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.

وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.

ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".

وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.

والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي  مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله  جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي  مدع لها.

بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله  ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.

وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.

أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.

ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.

ووصف النبي  بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.

وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.

ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".

ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.

قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.

ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.

في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.

وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.

وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.

وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.

وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.

وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله  أيضاً.

ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.

ثم عاد إلى تعليم النبي  .

وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله  اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.

وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي  كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي  لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.

والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ  من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.

ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾  يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.

والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.

قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال  ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله  من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.

وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله  كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.

وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي  .

وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.

والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.

وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.

وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.

وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.

ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.

ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه  بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.

والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.

﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.

يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.

وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.

وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.

وعن الحسن: وكان النبي  إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.

ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.

ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.

ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.

وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.

وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه  شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله  من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.

وإنه  زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.

وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.

وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.

يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي  وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله  : يا عيينة أين الاستئذان؟

فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.

ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟

فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.

قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.

فقال  : إن الله قد حرم ذلك.

فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟

قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.

وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.

قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.

واستثنى ممن حرم عليه الإماء.

وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.

واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له  من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.

وعن عائشة: ما مات رسول الله  حتى أحل له النساء.

تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.

ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله  فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.

وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.

وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.

وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.

ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.

وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا  ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.

يروى أن رسول الله  أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.

فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟

وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله  شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.

ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.

والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.

قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.

والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.

وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.

﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.

وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.

ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.

إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.

ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.

قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.

وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.

وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.

ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.

قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.

ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.

ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.

وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي  : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه  شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي  .

واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.

وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟

فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وعنه  "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.

ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.

والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم  ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله  ﴿ فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.

وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.

وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.

وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.

وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.

ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.

قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً  .

وقيل: في إفك عائشة.

وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.

ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.

يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.

ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.

وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.

ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.

روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.

ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.

المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.

وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.

وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.

ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله  عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.

ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.

ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.

ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.

والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.

ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.

قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.

من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.

قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.

وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".

وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.

وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.

ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.

أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.

وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.

والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.

واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.

وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.

فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.

وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".

والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.

فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.

ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله  ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.

فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.

وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.

وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.

وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.

وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.

واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين  ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.

والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا  ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.

ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.

فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.

وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).

الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.

وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.

ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.

التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.

وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي  كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.

﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.

﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم  ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.

وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.

فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.

ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.

فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.

ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ .

ذكر في بعض الحديث: أنه لما نزلت هذه الآية، قيل له: يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟

فنزل قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 43]: قد بين ما صلاته وصلاة الملائكة؟

وهو ما ذكر من إخراجهم من الظلمات إلى النور، وهو دعاؤهم إلى الهدى والرشد، وذكر عن كعب بن عجرة قال: "لما نزل ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ قمت إليه، فقلت: يا رسول الله، السلام قد عرفناه؛ فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟

قال: قل: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" ففي الآية الأمر للمؤمنين أن يصلوا على النبي، ثم لما سئل هو عن كيفية الصلاة عليه وماهيتها؟

قال لهم: أن تقولوا: "اللهم صل على محمد"، وهو سؤال أن يتولى الرب الصلاة عليه.

وفي ظاهر الآية: هم المأمورون بتولي الصلاة بأنفسهم عليه، لكنه - صلوات الله [عليه] - لما أمروا بالصلاة عليه، وهي الغاية من الثناء، لم ير في وسعهم وطاقتهم القيام بغاية ما أمروا به من الثناء عليه - أمرهم أن يكلوا ذلك إلى الله ويفوضوا إليه، وأن يسألوه ليتولى ذلك هو دونهم؛ لما [لم] ير في وسعهم القيام بغاية الثناء عليه، وإلا ليس في ظاهر الآية سؤال الرب أن يصلي هو عليه؛ ولكن فيها الأمر: أن صلوا أنتم عليه، والله أعلم.

وقوله: "كما صليت وباركت على إبراهيم وآله": تخصيص إبراهيم من بين غيره من الرسل يحتمل ما ذكره أهل التأويل: إنه ليس من أهل دين ومذهب إلا وهو يدعي ويزعم أنه على دينه ومذهبه، وأنه يتأسّى به؛ لذلك خصّه بالصلاة عليه من بين غيره من الأنبياء وجائز أن يكون لا لهذا؛ ولكنه لمعنى كان فيه وفي ذريته، لا نعرفه نحن؛ فخصّه بذلك من بين غيره، والله أعلم.

وقوله: "وبارك على محمد" البركة كأنها اسم كل خير يكون أبداً على النماء والزيادة في كل وقت، وقد ذكرنا فيما تقدم ما قيل في صلاة الله عليهم وصلاة الملائكة وصلاة المؤمنين.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: نزلت الآية في اليهود؛ حين قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ  ﴾ ، وهو ﴿ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ  ﴾ ، وفي النصارى؛ حين قالوا: ﴿ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وإنه ﴿ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ  ﴾ ؛ وفي مشركي العرب، حين قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام آلهة، ونحو ذلك، وأذاهم رسول الله حين شجُّوه وكسروا رباعيته، وقالوا: إنه مجنون، أو ساحر، وأمثال ذلك؛ فأنزل الله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، يقول: عذبهم الله ﴿ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ : فأما تعذيبه إياهم في الدنيا: قتلهم بالسيف يوم بدر - يعني: مشركي العرب - وأهل الكتاب: بالجزية إلى يوم القيامة.

وفي الآخرة: النار.

وقال بعضهم قريباً من ذلك: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ هم أصحاب التصاوير والتماثيل؛ فلهم ما ذكر.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ .

أي: يقعون فيهم.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ هم الذين قذفوا عائشة بصفوان؛ آذوا رسول الله في زوجته عائشة حين قذفوها، وهي بريئة مما قذفوا.

وقوله: ﴿ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ : صفوان وعائشة.

وقال بعضهم: نزلت في علي بن أبي طالب -  - فعلى هذا: عذابهم في الدنيا الجلد، وفي الآخرة: النار.

وجائز أن يكون هذا الوعيد في قاذف كل مؤمن ومؤمنة بغير ما اكتسب به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ إضافة الأذى إلى الله؛ على إرادة رسوله خاصة؛ لأن الله لا يجوز أن يقال: إنه يتأذى بشيء، أو يؤذيه شيء؛ لأن الأذى ضرر يلحق، والله يتعالى عن أن يلحقه ضرر أو نفع؛ بل هو القاهر الغالب القادر الغني بذاته، ويكون المراد بإضافة الأذى إليه: رسوله خاصة، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ؛ أي: يخادعون رسوله، أو يخادعون أولياءه؛ لأن الله -  - لا يخادع، وكقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، أي: إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا رسوله وأولياءه ينصركم، وأمثال ذلك كثير في القرآن؛ نسب ذلك إلى نفسه على إرادة أوليائه، فعلى ذلك هذا، والله أعلم، وبالله العصمة والتوفيق.

إلا أن يريد بالأذى - أعني: ما ذكر من أذى الله -: المعصية؛ فهو جائز، وكذلك ما روي عن النبي  قال: "من آذاني فقد آذى الله" ، أي: من عصاني فقد عصى الله.

وفي الآية بيان وقوع المراد على الاختلاف والتفاوت من لفظ واحد؛ لأنه ذكر - هاهنا - أذى رسول الله، وعقب الوعيد الشديد من اللعن والعذاب في الدنيا والآخرة، وذكر في الآية التي قبلها، حيث قال: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ  ﴾ ، و ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وما ذكر من الأذى، ثم لا شك أن المفهوم من هذا الأذى المذكور في هذه الآية - غير المفهوم من الأذى المذكور في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وأن أحدهما من المؤمنين، والآخر من الكفار، وإن كان ظاهر اللفظ في المخرج واحدا، وكذلك المفهوم من الظلم الذي ذكر في قوله: ﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً  ﴾ غير المفهوم من الظلم الذي قال آدم: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا  ﴾ ، والمفهوم من الضلال الذي قال موسى: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ  ﴾ غير المفهوم من ضلال فرعون وسائر الكفرة، وكذلك الفسق، ومثل هذا كثير، لا يجب أن نفهم من أمثال هذا شيئاً واحداً أو معنى واحدا، وإن كان اللفظ لفظا واحداً؛ ولكن على اختلاف الموقع.

وفي الآية دلالة عصمة رسول الله، وألا يكون منه ما يستحق الأذى بحال، وقد يكون من المؤمنين والمؤمنات ما يستوجبون الأذى ويستحقونه؛ حيث ذكر الأذى لرسول الله مطلقاً مرسلا غير مقيد بشيء؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، وذكر أذى المؤمنين مقيداً بشرط الكسب؛ حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ ؛ فدل شرط الكسب على أنهم قد يكتسبون ما يستحقون الأذى، ويكون منهم ما يستوجبون ذلك، وأما الرسول فلا يكون منه ما يستحق ذلك أو يوجب له، ولا قوة إلا بالله.

واللعن: هو الطرد في اللعنة، طردهم عن رحمته، وبعدهم عنها، والبهتان: قيل: هو أن يقال [فيه] ما ليس فيه؛ فبهت: قيل: تحير وانقطع حجاجه.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ أنزل في قوم همتهم الزنا بالإماء، وكانت الحرائر يومئذ يخرجن بالليل على زي الإماء فيتابعونهن، ويطلبون [ما يطلبون] من الإماء؛ فكان ذلك يؤذيهم ويتأذين بذلك جدّاً؛ فشكوا ذلك إلى رسول الله  في ذلك؛ فنزل ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ ، ثم أمرن عند ذلك بإدناء الجلباب وإرخائه عليهن؛ ليعرفن أنهن حرائر، ونهين أن يتشبهن بالإماء؛ لئلا يؤذين، وهو قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ ﴾ .

وقال بعضهم: نزل هذا بالمدينة في نساء المهاجرين؛ وذلك أن المهاجرين قدموا إلى المدينة، وهي مضيقة، ومعهم نساؤهم؛ فنزلوا مع الأنصار في ديارهم؛ فضاق الدور عليهم، فكانت النساء يخرجن بالليل إلى البراز، فيقضين حوائجهن هنالك، فكان المريب يرصد النساء بالليل، فيأتيها فيعرض عليها، وإنما كانوا يطلبون الولائد والإماء، فلم تعرف الأمة من الحرة بالليل؛ لأن زيهن كان واحداً يومئذ؛ فذكر نساء المؤمنين ذلك إلى أزواجهن ما يلقين بالليل من أهل الريبة والفجور؛ فذكروا ذلك لرسول الله  فنزل فيهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: أمر الحرائر بإرخاء الجلباب وإسداله عليهن؛ ليكون علما بين الحرائر والإماء.

وروى عن عمر -  - أن جارية مرت به متقنعة؛ فضربها بالدرة، وقال: "اكشفي قناعك، ولا تتشبهي بالحرائر"، وأمر الإماء بكشف ما ذكر، والحرائر بستر ذلك.

وقد أمر الحرائر في سورة النور بضرب الخمر على الجيوب بقوله: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ  ﴾ ؛ لئلا يظهر الزينة التي على الجيوب، ونهين أن يظهرن ويبدين زينتهن للأجنبيين إلا ما ظهر منها، وأمرن في هذه الآية على إرخاء الجلباب وإسداله عليهن؛ ليعرفن أنهن حرائر؛ فلا يؤذين بما ذكرنا.

ثم اختلف في الجلباب: قال بعضهم: هو الرداء، والجلابيب: الأردية، وهو قول القتبي: أمرن أن يلبسن الأردية والملاء.

وقال أبو عوسجة: الجلابيب: المقانع، الواحد: جلباب، يقال: تجلببي، أي تقنعي، وهو الذي يكون فوق الخمار.

وفي الآية دلالة رخصة خروج الحرائر للحوائج؛ لأنه لو لم يجز لهن الخروج لم يؤمرن بإرخاء الجلباب على أنفسهن؛ ولكن ينهاهن عن الخروج؛ فدل أنه يجوز لهن الخروج للحاجة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ عما سبق ذكره من التعرض للنساء بالزنا والفجور بهنّ؛ وإنهم هم الفاعلون لذلك بهنّ.

وأما المسلمون فلا يحتمل أن يتعرضوا لشيء من ذلك [في ذلك] الوقت؛ فقال: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ ومن ذكر، عن ذلك يفعل بهم ما ذكر.

وقال بعضهم: إن أهل النفاق كانوا يرجفون أخبار العدو ويذيعونها، ويقولون: قد أتاكم عدد وعدة من العدو؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ : كانوا يجبنونهم ويضعفونهم؛ لئلا يغتروا أولئك الكفرة؛ يسرون النفاق والخلاف لهم، ويظهرون الوفاق ويسرون فيما بينهم، ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول؛ فنهوا عن ذلك؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ  ﴾ ؛ فنهوا عن ذلك؛ فقال هاهنا: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ عن صنيعهم ذلك، ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ﴾ ، أي: لنسلطنك عليهم.

وقال بعضهم: لنحملنك عليهم.

وقال بعضهم: لنولعنك بهم.

وكأن الإغراء هو التخلية بينه وبينهم؛ حتى يقابلهم بالسيف ويقتلهم، وكان قبل ذلك يقابلهم باللسان، لم يأمره بالمقابلة بالسيف إلى هذا الوقت، وأخبر أنهم ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ ﴾ .

أي: مطرودون أينما وجدوا؛ لأن اللعن هو الطرد، وأنهم يقتلون تقتيلا، وأنهم لا يجاورونك إلا قليلا فيما لا تعلم بهم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ قال بعضهم: هم الزناة، و ﴿ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ ، هم المنافقون، ﴿ وَٱلْمُرْجِفُونَ ﴾ : ليسوا بمنافقين؛ ولكنهم قوم كانوا يحبون أن يفشوا الأخبار، ويقال: الإرجاف: هو تشييع الخبر.

وجائز أن يكون المنافق هو الذي كان مع الكفرة في السر حقيقة، والذي في قبله مرض: هو الذي في قلبه ريب واضطراب، لم يكن مع الكفرة لا سرّاً ولا ظاهراً، والذي بين الكافر والمنافق.

وقوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ .

قال بعضهم: سنة الله في الأمم السالفة والإهلاك من الكفار.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ ﴾ في أهل النفاق من الأمم السالفة - ما ذكر في هؤلاء.

وقال مقاتل: ﴿ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ : أهل بدر حين أسروا وقتلوا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بالقول أو الفعل بغير ذنب اكتسبوه من جناية توجب ذلك الإيذاء، فقد احتملوا كذبًا وإثمًا ظاهرًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.PEWp0"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا  ﴾ .

نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته  ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ  ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).

فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي  ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه  لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.

لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ  ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟

أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟

ومن وجهة أخرى نرى أن النبي  -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.

ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ إلخ.

فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.

مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي  ومن يختصه الله بالتأسي به.

لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي  إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.

نادى  في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.

على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي  في أمر زينب.

كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ  ﴾ إلخ، فعمد النبي  -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.

لهذا أرغم النبي  زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله  المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا  ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.

ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ  ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ  ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ  ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا  ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا  ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ .

وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.

واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي  وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي  كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا  ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ  ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.

قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي  رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟

حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال  : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!

"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.

سبحان الله!

كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى  ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟

فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود  .

وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.

تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.

أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.

وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.

أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ  ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه  لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!

إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل