الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٦٩ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 113 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٩ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا عوف ، عن الحسن [ ومحمد ] وخلاس ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موسى كان رجلا حييا ، وذلك قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ) .
هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرا جدا ، وقد رواه في أحاديث " الأنبياء " بهذا السند بعينه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن موسى ، عليه السلام ، كان رجلا حييا ستيرا ، لا يرى من جلده شيء استحياء منه ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده ، إما برص وإما أدرة وإما آفة ، وإن الله ، عز وجل ، أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى عليه السلام ، فخلا يوما وحده ، فخلع ثيابه على حجر ، ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل ، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله ، عز وجل ، وأبرأه مما يقولون ، وقام الحجر ، فأخذ ثوبه فلبسه ، وطفق بالحجر ضربا بعصاه ، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا - قال : فذلك قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ) .
وهذا سياق حسن مطول ، وهذا الحديث من أفراد البخاري دون مسلم وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا عوف ، عن الحسن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - وخلاس ، ومحمد ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية : ( ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ) قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا ، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه " .
ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولا ورواه في تفسيره .
عن روح ، عن عوف ، به .
ورواه ابن جرير من حديث الثوري ، عن جابر الجعفي ، عن عامر الشعبي ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو هذا .
وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، وعبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس في قوله : ( لا تكونوا كالذين آذوا موسى ) قال : قال قومه له : إنك آدر .
فخرج ذات يوم يغتسل ، فوضع ثيابه على صخرة ، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه ، وخرج يتبعها عريانا حتى انتهت به مجالس بني إسرائيل ، قال : فرأوه ليس بآدر ، فذلك قوله : ( فبرأه الله مما قالوا ) .
وهكذا رواه العوفي ، عن ابن عباس سواء .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الآدمي قالا حدثنا يحيى بن حماد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كان موسى ، عليه السلام ، رجلا حييا ، وإنه أتى - أحسبه قال الماء - ليغتسل ، فوضع ثيابه على صخرة ، وكان لا يكاد تبدو عورته ، فقال بنو إسرائيل : إن موسى آدر - أو : به آفة ، يعنون : أنه لا يضع ثيابه فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل ، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال ، أو كما قال ، فذلك قوله : ( فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ) .
وقال ابن أبي حاتم ، حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، حدثنا الحكم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، في قوله : ( فبرأه الله مما قالوا ) قال : صعد موسى وهارون الجبل ، فمات هارون ، عليه السلام ، فقال بنو إسرائيل لموسى ، عليه السلام : أنت قتلته ، كان ألين لنا منك وأشد حياء .
فآذوه من ذلك ، فأمر الله الملائكة فحملته ، فمروا به على مجالس بني إسرائيل ، فتكلمت بموته ، فما عرف موضع قبره إلا الرخم ، وإن الله جعله أصم أبكم .
وهكذا رواه ابن جرير ، عن علي بن موسى الطوسي ، عن عباد بن العوام ، به .
ثم قال : وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى ، وجائز أن يكون الأول هو المراد ، فلا قول أولى من قول الله ، عز وجل .
قلت : يحتمل أن يكون الكل مرادا ، وأن يكون معه غيره ، والله أعلم .
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قسما ، فقال رجل من الأنصار : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله .
قال : فقلت : يا عدو الله ، أما لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت .
قال : فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فاحمر وجهه ، ثم قال : " رحمة الله على موسى ، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر " .
أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش به .
طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، سمعت إسرائيل بن يونس ، عن الوليد بن أبي هاشم - مولى الهمداني ، عن زيد بن زائد ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا [ سليم الصدر ] " .
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال فقسمه ، قال : فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه : والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة .
قال : فتثبتت حتى سمعت ما قالا ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إنك قلت لنا : " لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئا " ، وإني مررت بفلان وفلان ، وهما يقولان كذا وكذا .
فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشق عليه ، ثم قال : " دعنا منك ، لقد أوذي موسى بأكثر من هذا ، فصبر " .
وقد رواه أبو داود في الأدب ، عن محمد [ بن يحيى الذهلي ، عن محمد بن يوسف الفريابي ، عن إسرائيل عن الوليد ] بن أبي هاشم به مختصرا : " لا يبلغني أحد [ من أصحابي ] عن أحد شيئا; إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " وكذا رواه الترمذي في " المناقب " ، عن الذهلي سواء ، إلا أنه قال : " زيد بن زائدة " .
ورواه أيضا عن محمد بن إسماعيل ، عن عبد الله بن محمد ، عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد كلاهما عن إسرائيل ، عن السدي ، عن الوليد بن أبي هاشم ، به مختصرا أيضا ، فزاد في إسناده السدي ، ثم قال : غريب من هذا الوجه .
وقوله : ( وكان عند الله وجيها ) أي : له وجاهة وجاه عند ربه ، عز وجل .
قال الحسن البصري : كان مستجاب الدعوة عند الله .
وقال غيره من السلف : لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه .
ولكن منع الرؤية لما يشاء الله ، عز وجل .
وقال بعضهم : من وجاهته العظيمة [ عند الله ] : أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه ، فأجاب الله سؤاله ، وقال : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) [ مريم : 53 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) يقول تعالى ذكره لأصحاب نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تؤذوا رسول الله بقول يكرهه منكم، ولا بفعل لا يحبه منكم، ولا تكونوا أمثال الذين آذوا موسى نبي الله فرموه بعيب كذبًا وباطلا(فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) فيه من الكذب والزور بما أظهر من البرهان على كذبهم (وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) يقول: وكان موسى عند الله مشفعًا فيما يسأل ذا وجه ومنـزلة عنده بطاعته إياه.
ثم اختلف أهل التأويل في الأذى الذي أوذي به موسى الذي ذكره الله في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: رموه بأنه آدر، وروِي بذلك عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خبرا.
* ذكر الرواية التي رويت عنه، ومن قال ذلك: حدثني أَبو السائب قال ثنا أَبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير وعبد الله بن الحارث عن ابن عباس في قوله ( لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ) قال: قال له قومه: إنك آدر، قال: فخرج ذات يوم يغتسل فوضع ثيابه على صخرة فخرجت الصخرة تشتد بثيابه وخرج يتبعها عريانًا حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، قال: فذلك قوله (فَبَرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُوا) .
حدثني يحيى بن داود الواسطي قال ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن سفيان عن جابر عن عكرمة عن أَبي هريرة عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ) قال: قالوا هو آدر قال: فذهب موسى يغتسل، فوضع ثيابه على حجر فمر الحجر بثيابه فتبع موسى قفاه، فقال: ثيابي حجر.
فمر بمجلس بني إسرائيل، فرأوه؛ فبرأه الله مما قالوا(وَكَانَ عِنْدَ الله وَجِيهًا) .
حدثني محمد بن سعد قال: ثني أَبي قال ثني عمي قال ثني أَبي عن أبيه عن ابن عباس ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ...) إلى (وَجِيهًا) قال: كان أذاهم موسى أنهم قالوا والله ما يمنع موسى أن يضع ثيابه &; 20-333 &; عندنا إلا أنه آدر، فآذى ذلك موسى، فبينما هو ذات يوم يغتسل وثوبه على صخرة، فلما قضى موسى غسله وذهب إلى ثوبه ليأخذه انطلقت الصخرة تسعى بثوبه وأنطلق يسعى في أثرها حتى مرت على مجلس بني إسرائيل وهو يطلبها، فلما رأوا موسى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم متجردا لا ثوب عليه قالوا: ولله ما نرى بموسى بأسًا، وإنه لبريء مما كنا نقول له فقال الله (فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) .
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ...) الآية قال: كان موسى رجلا شديد المحافظة على فرجه وثيابه، قال: فكانوا يقولون: ما يحمله على ذلك إلا عيب في فرجه يكره أن يرى، فقام يوما يغتسل في الصحراء فوضع ثيابه على صخرة، فاشتدت بثيابه، قال: وجاء يطلبها عريانًا حتى اطلع عليهم عريانًا، فرأوه بريئًا مما قالوا، وكان عند الله وجيهًا، قال: والوجيه في كلام العرب: المحب المقبول.
وقال آخرون: بل وصفوه بأنه أبرص.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال ثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد قال: قال بنو إسرائيل إن موسى آدر، وقالت طائفة: هو أبرص، من شدة تستره، وكان يأتي كل يوم عينًا، فيغتسل ويضع ثيابه على صخرة عندها، فعدت الصخرة بثيابه حتى انتهت إلى مجلس بني إسرائيل، وجاء موسى يطلبها فلما رأوه عريانًا ليس به شيء مما قالوا لبس ثيابه ثم أقبل على الصخرة يضربها بعصاه، فأثرت العصا في الصخرة.
حدثنا بحر بن حبيب بن عربي قال ثنا روح بن عبادة قال ثنا عوف عن محمد عن أَبي هريرة في هذه الآية ( لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا &; 20-334 &; قَالُوا ...) الآية قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إن موسى كان رجلا حييًّا سِتِّيرًا لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بنو إسرائيل، وقالوا: ما تستر هذا التستر إلا من عيب في جلده؛ إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن موسى خلا يومًا وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ من غسله، أقبل على ثوبه ليأخذه وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصًا وطلب الحجر، وجعل يقول: ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا كأحسن الناس خلقًا وبرأه الله مما قالوا، وإن الحجر قام فأخذ ثوبه ولبسه فطفق بالحجر ضربًا بذلك، فوالله إن في الحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا ".
حدثنا ابن بشار قال ثنا ابن أَبي عدي عن عوف عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " كان موسى رجلا حييًّا ستيرا " ثم ذكر نحوًا منه.
حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قال حدث الحسن عن أَبي هريرة أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون وهم عراة وكان نبي الله موسى حييًّا؛ فكان يتستر إذا اغتسل، فطعنوا فيه بعورة قال: فبينا نبي الله يغتسل يومًا إذ وضع ثيابه على صخرة فانطلقت الصخرة واتبعها نبي الله ضربًا بعصاه: ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر، حتى انتهت إلى ملإ من بني إسرائيل، أو تَوَسَّطَهُم، فقامت فأخذ نبي الله ثيابه ، فنظروا إلى أحسن الناس خلْقًا وأعدله مروءة فقال الملأ قاتل الله أفَّاكي بني إسرائيل، فكانت براءته التي برأه الله منها ".
وقال آخرون: بل كان أذاهم إيَّاه ادعاءهم عليه قتل هارون أخيه.
* ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن مسلم الطوسي قال ثنا عباد قال ثنا سفيان بن حبيب عن &; 20-335 &; الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قول الله (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ...) الآية، قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته وكان أشد حبًّا لنا منك وألين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته، حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأه الله من ذلك فانطلقوا به فدفنوه، فلم يطلع على قبره أحد من خلق الله إلا الرخم؛ فجعله الله أصم أبكم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن بني إسرائيل آذوا نبي الله ببعض ما كان يكره أن يؤذى به، فبرأه الله مما آذوه به.
وجائز أن يكون ذلك كان قيلهم: إنه أبرص.
وجائز أن يكون كان ادعاءهم عليه قتل أخيه هارون.
وجائز أن يكون كل ذلك؛ لأنه قد ذكر كل ذلك أنهم قد آذوه به، ولا قول في ذلك أولى بالحق مما قال الله إنهم آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا.
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها .لما ذكر الله تعالى المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، حذر المؤمنين من التعرض للإيذاء ، ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في أذيتهم نبيهم موسى .
واختلف الناس فيما أوذي به محمد صلى الله عليه وسلم وموسى ، فحكى النقاش أن أذيتهم محمدا عليه السلام قولهم : زيد بن محمد .
وقال أبو وائل : أذيته أنه صلى الله عليه وسلم قسم قسما فقال رجل من الأنصار : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال : رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر وأما أذية موسى صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس وجماعة : هي ما تضمنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه قال : كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكان موسى عليه السلام يتستر كثيرا ويخفي بدنه فقال قوم هو آدر وأبرص أو به آفة ، فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام وجعل ثيابه على صخرة ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى عريانا يقول ثوبي [ ص: 227 ] حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فنظروا إليه وهو من أحسنهم خلقا وأعدلهم صورة وليس به الذي قالوا فهو قوله تبارك وتعالى فبرأه الله مما قالوا أخرجه البخاري ومسلم بمعناه .
ولفظ مسلم : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر قال فذهب يوما يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال فجمح موسى عليه السلام بإثره يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى وقالوا والله ما بموسى من بأس فقام الحجر حتى نظر إليه قال فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا قال أبو هريرة : والله إنه بالحجر ندب ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر .
فهذا قول .وروي عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال : آذوا موسى بأن قالوا : قتل هارون ; وذلك أن موسى وهارون خرجا من فحص التيه إلى جبل فمات هارون فيه ، فجاء موسى فقالت بنو إسرائيل لموسى : أنت قتلته وكان ألين لنا منك وأشد حبا .
فآذوه بذلك فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى طافوا به في بني إسرائيل ، ورأوا آية عظيمة دلتهم على صدق موسى ، ولم يكن فيه أثر القتل .
وقد قيل : إن الملائكة تكلمت بموته ولم يعرف موضع قبره إلا الرخم ، وإنه تعالى جعله أصم أبكم .
ومات هارون قبل موسى في التيه ، ومات موسى قبل انقضاء مدة التيه بشهرين .
وحكى القشيري عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : أن الله تعالى أحيا هارون فأخبرهم أنه لم يقتله ، ثم مات .
وقد قيل : إن أذية موسى عليه السلام رميهم إياه بالسحر والجنون .
والصحيح الأول .
ويحتمل أن فعلوا كل ذلك فبرأه الله من جميع ذلك .مسألة : في وضع موسى عليه السلام ثوبه على الحجر ودخوله في الماء عريانا دليل على جواز ذلك ، وهو مذهب الجمهور .
ومنعه ابن أبي ليلى واحتج بحديث لم يصح ; وهو [ ص: 228 ] قوله صلى الله عليه وسلم : لا تدخلوا الماء إلا بمئزر فإن للماء عامرا .
قال القاضي عياض : وهو ضعيف عند أهل العلم .قلت : أما إنه يستحب التستر لما رواه إسرائيل عن عبد الأعلى أن الحسن بن علي دخل غديرا وعليه برد له متوشحا به ، فلما خرج قيل له ، قال : إنما تسترت ممن يراني ولا أراه ; يعني من ربي والملائكة .
فإن قيل : كيف نادى موسى عليه السلام الحجر نداء من يعقل ؟
قيل : لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل .
و ( حجر ) منادى مفرد محذوف حرف النداء ، كما قال تعالى : يوسف أعرض عن هذا .
و ( ثوبي ) منصوب بفعل مضمر ; التقدير : أعطني ثوبي ، أو اترك ثوبي ، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه .قوله تعالى : قالوا وكان عند الله أي عظيما .
والوجيه عند العرب : العظيم القدر الرفيع المنزلة .
ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه .
وقرأ ابن مسعود : ( وكان عبدا لله ) .
وقيل : معنى وجيها أي كلمه تكليما .
قال أبو بكر الأنباري في ( كتاب الرد ) : زعم من طعن في القرآن أن المسلمين صحفوا وكان عند الله وجيها وأن الصواب عنده ( وكان عبدا لله وجيها ) وذلك يدل على ضعف مقصده ونقصان فهمه وقلة علمه ، وذلك أن الآية لو حملت على قوله وقرئت : ( وكان عبدا ) نقص الثناء على موسى عليه السلام ; وذلك أن وجيها يكون عند أهل الدنيا وعند أهل زمانه وعند أهل الآخرة ، فلا يوقف على مكان المدح ، لأنه إن كان وجيها عند بني الدنيا كان ذلك إنعاما من الله عليه لا يبين عليه معه ثناء من الله .
فلما أوضح الله تعالى موضع المدح بقوله : وكان عند الله وجيها استحق الشرف وأعظم الرفعة بأن الوجاهة عند الله ، فمن غير اللفظ صرف عن نبي الله أفخر الثناء وأعظم المدح .
يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أذية رسولهم، محمد صلى اللّه عليه وسلم، النبي الكريم، الرءوف الرحيم، فيقابلوه بضد ما يجب له من الإكرام والاحترام، وأن لا يتشبهوا بحال الذين آذوا موسى بن عمران، كليم الرحمن، فبرأه اللّه مما قالوا من الأذية، أي: أظهر اللّه لهم براءته.
والحال أنه عليه الصلاة والسلام، ليس محل التهمة والأذية، فإنه كان وجيها عند اللّه، مقربًا لديه، من خواص المرسلين، ومن عباده المخلصين، فلم يزجرهم ما له، من الفضائل عن أذيته والتعرض له بما يكره، فاحذروا أيها المؤمنون، أن تتشبهوا بهم في ذلك، والأذية المشار إليها هي قول بني إسرائيل لموسى لما رأوا شدة حيائه وتستره عنهم: "إنه ما يمنعه من ذلك إلا أنه آدر" أي: كبير الخصيتين، واشتهر ذلك عندهم، فأراد الله أن يبرئه منهم، فاغتسل يومًا، ووضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فأهوى موسى عليه السلام في طلبه، فمر به على مجالس بني إسرائيل، فرأوه أحسن خلق اللّه، فزال عنه ما رموه به.
قوله - عز وجل - : ( ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ) فطهره الله مما قالوا : ( وكان عند الله وجيها ) كريما ذا جاه ، يقال : وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه ، إذا كان ذا جاه وقدر .
قال ابن عباس : كان حظيا عند الله لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه .
وقال الحسن : كان مستجاب الدعوة .
وقيل : كان محببا مقبولا .
واختلفوا فيما أوذي به موسى : فأخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا روح بن عبادة أخبرنا عوف ، عن الحسن ومحمد وخلاس ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده ، إما برص أو أدرة وإما آفة ، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا ، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ، ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل ، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله ، وأبرأه مما يقولون ، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه ، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا " فذلك قوله - عز وجل - : " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها .
وقال قوم : إيذاؤهم إياه أنه لما مات هارون في التيه ادعوا على موسى أنه قتله ، فأمر الله الملائكة حتى مروا به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم يقتله ، فبرأه الله مما قالوا .
وقال أبو العالية : هو أن قارون استأجر مومسة لتقذف موسى بنفسها على رأس الملإ فعصمها الله وبرأ موسى من ذلك ، وأهلك قارون .
أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أبو الوليد ، أخبرنا شعبة ، عن الأعمش قال : سمعت أبا وائل قال : سمعت عبد الله قال : قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - قسما ، فقال رجل : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته ، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ، ثم قال : " يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر "
(يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا) مع نبيكم (كالذين آذوا موسى) بقولهم مثلا: ما يمنعه أن يغتسل معنا إلا أنه آذر (فبرأه الله مما قالوا) بأن وضع ثوبه على حجر ليغتسل ففر الحجر به حتى وقف بين ملأ من بني إسرائيل فأدركه موسى فأخذ ثوبه فاستتر به فرأوه ولا أدرة به وهي نفخة في الخصية (وكان عند الله وجيها) ذا جاه: ومما أوذي به نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قسم قسما فقال رجل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال: "يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" رواه البخاري.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تؤذوا رسول الله بقول أو فعل، ولا تكونوا أمثال الذين آذوا نبيَّ الله موسى، فبرَّأه الله مما قالوا فيه من الكذب والزور، وكان عند الله عظيم القدر والجاه.
وبعد أن فصلت السورة الكريمة ما فصلت من أحكام ، وأرشدت إلى ما أرشدت من أداب ، وقصت ما قصت من أحداث .
.
بعد كل ذلك وجهت فى أواخرها نداءين إلى المؤمنين ، أمرتهم فيهما بتقوى الله - تعالى - وبالاقتداء بالأخيار من عباده ، وباجتناب بسلوك الأشرار ، كما ذكرتهم بثقل الأمانة التى رضوا بحلمها ، وبحسن عاقبة الصالحين وسوء عاقبة المكذبين ، قال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ .
.
.
.
وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) .والمراد بالذين آذوا موسى - عليه السلام - فى قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى ) قومه الذين أرسله الله إليهم .فقد حكى القرآن الكريم ألوانا من إيذائهم له ، ومن ذلك قولهم له : ( ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ .
.
.
) وقولهم : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) ومن إيذائهم له - عليه السلام - ما رواه الإِمام البخارى والترمذى عن أبى هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شئ ، فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل ، وقالوا : ما يستتر إلا من عيب بجلده ، إما برص ، وإما آفة .
وإن الله - تعالى - أراد أن يبرئه مما قالوا ، وإن موسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل عى ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، وأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبى حجر ، ثوبى حجر حتى انتهى إلا ملأ بنى إسرائيل ، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله - تعالى - ، وأبرأه الله - تعالى مما يقولون .
.
" فذلك قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى ) .والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ، التزموا الأدب والطاعة والاحترام لنبيكم صلى الله عليه وسلم واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذى سلكه بنو إسرائيل مع نبيهم موسى - عليه السلام - حيث آذوه بشتى أنواع الأذى .وقولهم : ( لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ .
.
.
) واتخاذهم العجل إلها من دون الله فى غيبة نبيهم موسى - عليه السلام - .
.( فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ ) أى : فأظهر الله - تعالى - براءته من كل ما نسبوه إليه من سوء .( وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً ) أى : وكان عند الله - تعالى - ذا جاه عظيم ، ومكانه سامية ، ومنزلة عالية ، حيث نصره - سبحانه - عليهم ، واصطفاه لحمل رسالته .
.يقال : وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه ، إذا كان ذا جاه وقدر .
.
لما بين الله تعالى أن من يؤذي الله ورسوله يلعن ويعذب وكان ذلك إشارة إلى إيذاء هو كفر، أرشد المؤمنين إلى الامتناع من إيذاء هو دونه وهو لا يورث كفراً، وذلك مثل من لم يرض بقسمة النبي عليه السلام وبحكمه بالفيء لبعض وغير ذلك فقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين ءاذَوْاْ موسى ﴾ وحديث إيذاء موسى مختلف فيه، قال بعضهم هو إيذاؤهم إياه بنسبته إلى عيب في بدنه، وقال بعضهم: (إن) قارون قرر مع امرأة فاحشة حتى تقول عند بني إسرائيل إن موسى زنى بي فلما جمع قارون القوم والمرأة حاضرة ألقى الله في قلبها أنها صدقت ولم تقل ما لقنت وبالجملة الإيذاء المذكور في القرآن كاف وهو أنهم قالوا له: ﴿ اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا ﴾ وقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ﴾ وقولهم: ﴿ لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد ﴾ إلى غير ذلك فقال للمؤمنين لا تكونوا أمثالهم إذا طلبكم الرسول إلى القتال أي لا تقولوا: ﴿ اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا ﴾ ولا تسألوا ما لم يؤذن لكم فيه: (وإذا أمركم الرسول بشيء فأتوا منه ما استطعتم) وقوله: ﴿ فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ ﴾ على الأول ظاهر لأنه أبرز جسمه لقومه فرأوه وعلموا فساد اعتقادهم ونطقت المرأة بالحق وأمر الملائكة حتى عبروا بهرون عليهم فرأوه غير مجروح فعلموا براءة موسى عليه السلام عن قتله الذي رموه به، وعلى ما ذكرنا ﴿ فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ ﴾ أي أخرجه عن عهدة ما طلبوا بإعطائه البعض إياهم وإظهاره عدم جواز البعض وبالجملة قطع الله حجتهم ثم ضرب عليهم الذلة والمسكنة وغضب عليهم، وقوله: ﴿ وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً ﴾ أي ذا وجاهة ومعرفة، والوجيه هو الرجل الذي يكون له وجه أي يكون معروفاً بالخير، وكل أحد وإن كان عند الله معروفاً لكن المعرفة المجردة لا تكفي في الوجاهة، فإن من عرف غيره لكونه خادماً له وأجيراً عنده لا يقال هو وجيه عند فلان، وإنما الوجيه من يكون له خصال حميدة تجعل من شأنه أن يعرف ولا ينكر وكان كذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَكُونُواْ كالذين ءاذَوْاْ موسى ﴾ قيل: نزلت في شأن زيد وزينب، وما سمع فيه من قالة بعض الناس.
وقيل: في أذى موسى عليه السلام: هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها، وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون، وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك، فحملته الملائكة ومرّوا به عليهم ميتاً فأبصروه حتى عرفوا أنه غير مقتول.
وقيل: أحياه الله فأخبرهم ببراءة موسى عليه السلام.
وقيل: قرفوه بعيب في جسده من برص أو أدرة، فأطلعهم الله على أنه بريء منه ﴿ وَجِيهاً ﴾ ذا جاه ومنزلة عنده، فلذلك كان يميط عنه التهم، ويدفع الأذى، ويحافظ عليه، لئلا يلحقه وصم ولا يوصف بنقيصة، كما يفعل الملك بمن له عنده قربة ووجاهة.
وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبو حيوة: ﴿ وكان عبد الله وجيهاً ﴾ قال ابن خالويه: صليت خلف ابن شنبوذ في شهر رمضان، فسمعته يقرؤها.
وقراءة العامة أوجه؛ لأنها مفصحة عن وجاهته عند الله، كقوله تعالى: ﴿ عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ ﴾ [التكوير: 20] وهذه ليست كذلك، فإن قلت: قوله: ﴿ مِمَّا قَالُواْ ﴾ معناه: من قولهم، أو من مقولهم؛ لأنّ (ما) إما مصدرية أو موصولة، وأيهما كان فكيف تصحّ البراءة منه؟
قلت: المراد بالقول أو المقول: مؤداه ومضمونة وهو الأمر المعيب، ألا ترى أنهم سموا السبة بالقالة، والقالة بمعنى القول؟.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا ﴾ فَأظْهَرَ بَراءَتَهُ مِن مَقُوَلِهِمْ يَعْنِي مُؤَدّاهُ ومَضْمُونَهُ، وذَلِكَ أنَّ قارُونَ حَرَّضَ امْرَأةً عَلى قَذْفِهِ بِنَفْسِها فَعَصَمَهُ اللَّهُ كَما مَرَّ في «القَصَصِ»، أوِ اتَّهَمَهُ ناسٌ بِقَتْلِ هارُونَ لَمّا خَرَجَ مَعَهُ إلى الطُّورِ فَماتَ هُناكَ، فَحَمَلَتْهُ المَلائِكَةُ ومَرُّوا بِهِ حَتّى رَأوْهُ غَيْرَ مَقْتُولٍ.
وقِيلَ أحْياهُ اللَّهُ فَأخْبَرَهم بِبَراءَتِهِ، أوْ قَذَفُوهُ بِعَيْبٍ في بَدَنِهِ مِن بَرَصٍ أوْ أُدْرَةٍ لِفَرْطِ تَسَتُّرِهِ حَياءً فَأطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ مِنهُ.
﴿ وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا ﴾ ذا قُرْبَةٍ ووَجاهَةٍ، وقُرِئَ «وَكانَ عَبْدَ اللَّهِ وجِيهًا» .
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ} ما مصدرية أو موصولة وأيهما كان فالمراد البراءة عن مضمون القول ومؤداه وهو الأمر المعيب وأذى موسى عليه السلام هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها أو اتهامهم إياه بقتل هرون فأحياه الله تعالى فأخبرهم ببراءة موسى عليه السلام كما برأ نبينا عليه السلام بقوله مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ {وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً} ذا جاه ومنزلة مستجاب الدعوة وقرأ ابن مسعود والأعمش وكان عبدا لله وجيها
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ فِيما كانَتْ مِن أمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وتَزَوُّجِهِ بِها وما سَمِعَ في ذَلِكَ مِن كَلامٍ آذاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا ﴾ أيْ مِن قَوْلِهِمْ أوِ الَّذِي قالُوهُ وأيًّا ما كانَ فالقَوْلُ هُنا بِمَعْنى المَقُولِ، والمُرادُ بِهِ مَدْلُولُهُ الواقِعُ في الخارِجِ وبِتَبْرِئَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن ذَلِكَ إظْهارُ بَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ وكَذِبِهِمْ فِيما أسْنَدُوا إلَيْهِ لِأنَّ المُرَتَّبَ عَلى أذاهم ظُهُورُ بَراءَتِهِ لا بَراءَتِهِ لِأنَّها مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ، واسْتِعْمالُ الفِعْلِ مَجازًا عَنْ إظْهارِهِ، والمَقُولُ بِمَعْنى المَضْمُونِ كَثِيرٌ شائِعٌ فالمَعْنى فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى بَراءَتَهُ مِنَ الأمْرِ المَعِيبِ الَّذِي نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ما ذُكِرَ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أظْهَرَ بَراءَتَهُ عَمّا اِفْتَرَوْهُ عَلَيْهِ اِنْقَطَعَتْ كَلِماتُهم فِيهِ فَبَرِئَ مِن قَوْلِهِمْ عَلى أنَّ (بَرَّأهُ) بِمَعْنى خَلَّصَهُ مِن قَوْلِهِمْ لِقَطْعِهِ عَنْهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ تَكَلُّفِهِ لِأنَّ قَطْعَ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ بَلِ المُرادُ اِنْقِطاعُهُ لِظُهُورِ خِلافِهِ لا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ ما ذُكِرَ، والمُرادُ بِالأمْرِ الَّذِي نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَيْبٌ في بَدَنِهِ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ واَلتِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يُرى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ اِسْتِحْياءً مِنهُ فَآذاهُ مَن آذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقالُوا ما يَسْتَتِرُ هَذا السِّتْرَ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إمّا بَرَصٌ وإمّا أُدْرَةٌ وإمّا آفَةٌ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يُبَرِّئَهُ مِمّا قالُوا وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ ثُمَّ اِغْتَسَلَ فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ إلى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَها وأنَّ الحَجَرَ غَدا بِثَوْبِهِ فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَصاهُ وطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثُوبِي حَجَرُ، حَتّى اِنْتَهى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى وبَرَّأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وقامَ الحَجَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصاهُ،» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا ﴾ .
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَتْلِ هارُونَ، أخْرَجَ اِبْنُ مَنِيعٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: صَعِدَ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ الجَبَلَ فَماتَ هارُونُ فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى أنْتَ قَتَلْتَهُ كانَ أشَدَّ حُبًّا لَنا مِنكَ وألْيَنَ فَآذَوْهُ مِن ذَلِكَ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَلَيْهِمْ فَحَمَلُوهُ فَمَرُّوا بِهِ عَلى مَجالِسِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَكَلَّمَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِمَوْتِهِ فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى فانْطَلَقُوا بِهِ فَدَفَنُوهُ ولَمْ يَعْرِفْ قَبْرَهُ إلّا الرَّخَمُ وإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ أصَمَّ أبْكَمَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وأُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى إنِّي مُتَوَفٍّ هارُونَ فَأْتِ جَبَلَ كَذا فانْطَلَقا نَحْوَ الجَبَلِ فَأذاهم بِشَجَرَةٍ وبَيْتٍ فِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ فَرْشٌ ورِيحٌ طَيِّبَةٌ فَلَمّا نَظَرَ هارُونُ إلى ذَلِكَ الجَبَلِ والبَيْتِ وما فِيهِ أعْجَبَهُ فَقالَ يا مُوسى إنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ عَلى هَذا السَّرِيرِ قالَ نَمْ عَلَيْهِ قالَ نَمْ مَعِي فَلَمّا ناما أخَذَ هارُونَ المَوْتُ فَلَمّا قُبِضَ رُفِعَ ذَلِكَ البَيْتُ وذَهَبَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ ورُفِعَ السَّرِيرُ إلى السَّماءِ فَلَّما رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا قَتَلَ هارُونَ وحَسَدَهُ لِحُبِّ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ وكانَ هارُونُ أكُفَّ عَنْهم وألِينَ لَهم وكانَ في مُوسى بَعْضُ الغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ فَلَمّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قالَ: ويَحْكُمُ إنَّهُ كانَ أخِي أفَتَرَوْنِي أقْتُلُهُ فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا اللَّهَ تَعالى فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتّى نَظَرُوا إلَيْهِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَصَدَّقُوهُ.
وقِيلَ: ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الزِّنا وحاشاهُ، رُوِيَ أنَّ قارُونَ أغْرى مُومَسَةً عَلى قَذْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْسِها ودَفَعَ إلَيْها مالًا عَظِيمًا فَأقَرَّتْ بِالمُصانَعَةِ الجارِيَةِ بَيْنَها وبَيْنَ قارُونَ وفَعَلَ بِهِ ما فَعَلَ كَما فُصِّلَ في سُورَةِ القَصَصِ، ويَبْعُدُ هَذا القَوْلُ تَبْعِيدًا ما جُمِعَ المَوْصُولُ.
وقِيلَ: ما نَسَبُوا إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، وقِيلَ: ما حُكِيَ عَنْهم في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ﴿ لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ﴾ وقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ حَمْلُ ما قالُوا عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ.
﴿ وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا ﴾ أيْ كانَ ذا جاهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ قُطْرُبَ: كانَ رَفِيعَ القَدْرِ ونَحْوُهُ قَوْلُ اِبْنِ زَيْدٍ: كانَ مَقْبُولًا، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ وجِيهًا مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ وزادَ بَعْضُهم ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطى إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا، ولا يَخْفى أنَّ اِسْتِجابَةَ الدَّعْوَةِ مِن فُرُوعِ رِفْعَةِ القَدْرِ، وقِيلَ: وجاهَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَمَّهُ ولُقِّبَ كَلِيمَ اللَّهِ، وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ «عَبْدًا» مِنَ العُبُودَةِ «لِلَّهِ» بِلامِ الجَرِّ فَيَكُونُ عَبْدًا خَبَرَ كانَ و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، وفي صِحَّةِ القِراءَةِ بِالشَّواذِّ كَلامٌ.
قالَ اِبْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ اِبْنِ شَنْبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ وكانَ «عَبْدًا لِلَّهِ» عَلى قِراءَةِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ولَعَلَّ اِبْنُ شَنْبُوذَ مِمَّنْ يَرى صِحَّةَ القِراءَةِ بِها مُطْلَقًا، ويُحْتَمَلُ مِثْلُ ذَلِكَ في اِبْنِ خالَوَيْهِ، وإلّا فَقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ قالَ صاحِبُ الرَّوْضَةِ: وتَصِحُّ بِالقِراءَةِ الشّاذَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيها تَغْيِيرُ مَعْنًى ولا زِيادَةُ حَرْفٍ ولا نُقْصانٌ، وهاهُنا بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بَوْنٌ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، ونَحْوُهُ عَنِ اِبْنِ جِنِّيٍّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى - - يعني: لا تؤذوا رسول الله كما آذى بنو إسرائيل موسى- - قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أخبرني الثقة، بإسناده عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي أنه قال: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وكان موسى- - يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلاّ أنَّهُ آدَرُ (١) - فأخبر أنه لم يقتله أحد، وأنه مات بأجله فذلك قوله تعالى: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً يعني: مكيناً وكان له جاه عنده منزلة وكرامة.
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني: أطيعوا الله واخشوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يعني: عدلاً صواباً فيما بينكم وهو قولهم ابن فلان فأمرهم أن ينسبوهم إلى آبائهم.
ويقال: قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يعني: لا إله إِلاَّ الله.
ويقال: قولاً مخلصاً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ يعني: يقبل أعمالكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في السر والعلانية فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً يعني: نجى بالخير وأصاب نصيبا وافرا.
قوله عز وجل: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ قال مجاهد: لما خلق الله عز وجل آدم- - عرض عليه الأمانة فحملها، فما كان بين أن حملها، وبين أن أخرج من الجنة، إلا كما بين الظهر والعصر.
وروي عن ابن عباس- - أنه قال: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ يعني: الفرائض على السموات والارض والجبال.
فقال لهن: يأخذن بما فيها.
فقلنا: وما فيه يا رب؟
قال: إن أحسنتن جوزيتن.
وإن أسأتن عوقبتن.
فقلن: يا رب إن تعرضها علينا فلا نريد، وإن أمرتنا بها فنحن نجتهد.
وعرضت على الإنسان يعني: آدم- - فقبلها وحملها.
وقال بعضهم: هذا على وجه المثل إن لم تظهر الخيانة في الأمانة إلا من الإنسان.
فلم تظهر من السموات والأرض والجبال كما قال: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [الحشر: 21] فكأنه يقول: لو عرضنا الامانة على السموات والأرض والجبال لأبين حملها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ يعني: آدم وذريته إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا بالقبول.
وروي عن الحسن أنه قال: عرض على السموات عرض تخيير لا عرض إيجاب.
فلذلك لم تعصِ بترك قبولها ويقال: عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ يعني: على ملائكة السموات والأرض والجبال.
كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] يعني: أهل القرية.
وقال السدي: لما أراد أن يحج، عرض الأمانة يعني: أمر ولده شِيث وقابيل وهابيل فعرض على قابيل الكخداذبية والائتمار، والقيام في شغل الدنيا، والعيش حتى يرجع هو من الحج إلى وطنه.
فقبله ثم خانه، فقتل أخاه.
وإنما كان عرض آدم بأمر الله تعالى فلذلك قال: عَرَضْنَا.
وقال بعضهم: أن الله عزَّ وجلَّ لما استخلف آدم على ذريته، وسلّطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والوحوش والطير، عهد إليه عهداً أمره فيه، ونهاه فقبله.
ولم يزل عاملاً به إلى أن حضرته الوفاة.
فسأل ربه أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده الأمانة.
أن يعرض على السموات والأرض بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع، ومن العقاب إن عصى فَأَبَيْنَ أن يقبلنها شفقاً من عذاب الله.
فأمره أن يعرض على الأرض والجبال فكلاهما أبيا، ثم أمره أن يعرض على ولده فقبل بالشرط إنه كان ظلوماً جهولاً لعاقبة ما تقلده يعني: المتقبل الذي تقبله منه.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم قال: الْأَمانَةَ ثلاث في الصلاة والصيام والجنابة.
ثم قال عز وجل: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ يعني: عرضنا الأمانة على الإنسان لكي يعذب الله المنافقين والمنافقات وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ بما خانوا الأمانة وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بما أوفوا الأمانة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وكان صلة في الكلام يعني والله غفور لذنوب المؤمنين، رحيم بهم.
وروى سفيان عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: قال أبي بن كعب: كانت سورة الأحزاب لتقارب سورة البقرة أو أطول منها، وكان فيها آية الرجم.
قلت: يا أبا المنذر وما آية الرجم؟
فقال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله العزيز الحكيم، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وسلم.
(١) الآدر: من أصابه فتق في إحدى خصية من خصييه.
أو من كانت خصيته عظيمة بلا فتق.
النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاَةً» «١» .
رواه الترمذي، وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ، ولفظهما سواء، وقال الترمذي: حسن غريب.
انتهى من «السلاح» .
وقولُه سبحانه: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ الجلبابُ: ثوبٌ أَكْبَرُ مِنْ الخِمَار، ورُوِي عَن ابن عباس وابن مسعود: أَنَّهُ الخمارُ، واخْتُلِفَ في صورة إدنائه: فقالَ ابنُ عباسٍ «٢» / وغيره: ذلك أن تَلْوِيَه المرأةُ حَتَّى لا يظهرَ منهَا إلاَّ عينٌ واحِدَةٌ تبصر بها، وقال ٧٧ أابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه على الجبينِ وتشدُّهُ، ثم تَعْطِفَهُ على الأنفِ، وإن ظهرتُ عَيْنَاها لكنَّه يستر الصدر ومعظمَ الوجهِ «٣» .
وقوله: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ: أي حتى لا يختلطّن بالإمَاءِ، فَإذَا عُرِفْنَ لم يقابَلْن بأذَى من المعارضة مراقبةً لرتبةِ الحرائر، وليس المعنى أن تُعْرَفَ المرأةُ حتى يعلمَ من هي وكان عمر إذا رأى أمَةً قد تقنعت قَنَّعَها بالدِّرَّةِ محافظةً على زِيِّ الحرائر.
وقوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ ...
الآية.
اللام في قوله: لَئِنْ هي المُؤْذِنَةُ بمجيء القَسَمِ، واللام في لَنُغْرِيَنَّكَ: هي لامُ القسمِ.
قلت: ورَوَى الترمذيُّ عن ابن عُمَرَ قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم المِنْبَرَ، فنادى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ قَدْ أَسْلَمَ بلِسَانِهِ، وَلَمْ يَفُضْ الإيْمَانُ إلى قَلْبِهِ، لاَ تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ يَتَبِعَ اللهُ عَوْرَتَه وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْه، وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ...
» الحديث «١» .
انتهى.
ورواه أبو دَاودَ في «سننه» من طريق أبي برزة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلّم «٢» وتوعَّد الله سبحانه هذه الأصنافَ في هذه الآية.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ المرض، هنا: هو الغَزَل وحب الزنا قاله عكرمة «٣» .
وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ: هم قوم كانوا يتحدثون بغزو العربِ المدينةَ ونحوِ هذا مما يُرْجِفُونَ بهِ نُفُوسَ المؤمنينَ، فيحتمل أنْ تكونَ هذه الفِرَقُ دَاخِلَةً في جملة المنافقين، ويحتمل أن تكون متباينة ولَنُغْرِيَنَّكَ معناه: نحضك عليهم بعد تعيينهم لك.
وفي «البخاري» : وقال ابن عباس «٤» : لَنُغْرِيَنَّكَ: لنسلطنك.
انتهى.
وقوله تعالى: ثُمَّ لاَ يُجاوِرُونَكَ أي: بعد الإغراء لأنك تَنْفِيهم بالإخافَة والقَتْلِ.
وقوله: إِلَّا قَلِيلًا يحتمل: أن يريد إلا جِوَاراً قليلاً، أو وقتاً قليلاً، أو عدداً قليلاً، كأنه قال: إلا أقلاء، وثُقِفُوا: معناه: حصروا وقدر عليهم وأُخِذُوا: معناه: أُسِرُوا والأخِيذُ الأسِيرُ.
والَّذِينَ خَلَوْا هم منافقو الأمم، وباقي الآية متّضح المعنى.
والسَّبِيلَا: مفعولٌ ثَانٍ لأَنَّ أَضلَّ متعدٍ بالهَمْزَةِ، وهي سبيل الإيمان والهدى،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى ﴾ أيْ: لا تُؤْذُوا مُحَمَّدًا كَما آذى بَنُو إسْرائِيلَ مُوسى فَيَنْزِلَ بِكم ما نَزَلَ بِهِمْ.
وَفِي ما آذَوْا بِهِ مُوسى أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم قالُوا: هو آدَرُ، فَذَهَبَ يَوْمًا يَغْتَسِلُ، ووَضَعَ ثَوْبَهُ عَلى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ في طَلَبِهِ، فَرَأوْهُ فَقالُوا: واللَّهِ ما بِهِ مِن بَأْسٍ.
والحَدِيثُ مَشْهُورٌ في الصِّحاحِ كُلِّها مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ؛ وقَدْ ذَكَرْتُهُ بِإسْنادِهِ في " المُغَنِي " و " الحَدائِقِ " .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والآدَرُ: عَظِيمُ الخِصْيَتَيْنِ.
والثّانِي: أنَّ مُوسى صَعِدَ الجَبَلَ ومَعَهُ هارُونُ، فَماتَ هارُونُ، فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: أنْتَ قَتَلْتَهُ، فَآذَوْهُ بِذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ فَحَمَلَتْهُ حَتّى مَرَّتْ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَكَلَّمَتِ المَلائِكَةُ بِمَوْتِهِ حَتّى عَرَفَ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّهُ ماتَ، فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّالِثُ: أنَّ قارُونَ اسْتَأْجَرَ بَغِيًّا لِتَقْذِفَ مُوسى بِنَفْسِها عَلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَعَصَمَها اللَّهُ وبَرَّأ مُوسى مِن ذَلِكَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهم رَمَوْهُ بِالسِّحْرِ والجُنُونِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عِنْدَ اللَّهِ حَظِيًّا لا يَسْألُهُ شَيْئًا إلّا أعْطاهُ.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى الوَجِيهِ في (آلِ عِمْرانَ: ٤٥) .
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ: " وكانَ عَبْدًا لِلَّهِ " بِالتَّنْوِينِ والباءِ، وكَسْرِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: صَوابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: صادِقًا، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: عَدْلًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَصْدًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
ثُمَّ في المُرادِ بِهَذا القَوْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ العَدْلُ في جَمِيعِ الأقْوالِ والأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: في شَأْنِ زَيْنَبَ وزَيْدٍ، ولا تَنْسِبُوا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما لا يَصْلُحُ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَتَقَبَّلُ حَسَناتِكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يُزَكِّي أعْمالَكُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ أيْ: نالَ الخَيْرَ وظَفِرَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللهُ وجِيهًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ﴾ ﴿ يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ الَّذِينَ آذَوْا مُوسى هم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، واخْتَلَفَ الناسُ في الإذايَةِ الَّتِي كانَتْ وبَرَّأهُ اللهُ مِنها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي قِصَّةُ قارُونَ وإدْخالِهِ المَرْأةَ البَغِيَّ في أنْ تَدَّعِيَ عَلى مُوسى، ثُمَّ تَبْرِئَتِها مُوسى وإشْهارِها لِمُداخَلَةِ قارُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في ذِكْرِ قارُونَ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي أنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ خَرَجا مِن فَحْصِ التِيهِ إلى جَبَلٍ، فَماتَ هارُونُ فِيهِ، فَجاءَ مُوسى وحْدَهُ، فَقالَ قَوْمٌ: هو قَتَلَهُ، فَبَعَثَ اللهُ مَلائِكَةً حَمَلُوا هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى طافُوا بِهِ في أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، ورَأوا آيَةً عَظِيمَةً دَلَّتْهم عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ أثَرُ [القَتْلِ]، ورُوِيَ أنَّهُ حَيِيَ فَأخْبَرَهم بِأمْرِهِ وبِبَراءَةِ مُوسى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجَماعَةٌ: هي ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ: « "كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُراةً، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَتَسَتَّرُ كَثِيرًا ويُخْفِي بَدَنَهُ، فَقالَ قَوْمٌ: هو آدَرُ أو أبْرَصُ أو بِهِ آفَةٌ فاغْتَسَلَ مُوسى يَوْمًا وحْدَهُ وجَعَلَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثِيابِهِ واتَّبَعَهُ مُوسى يَقُولُ: ثَوْبِيَ حَجَرُ، ثَوْبِيَ حَجَرُ، فَمَرَّ في اتِّباعِهِ عَلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوهُ سَلِيمًا مِمّا ظُنَّ بِهِ.."..
الحَدِيثُ» بِطُولِهِ خَرَّجَهُ البُخارِيُّ، فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قالُوا.
وَ"الوَجِيهُ": المُكَرَّمُ الوَجْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَكانَ عِنْدَ اللهِ"، ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَكانَ عَبْدُ اللهِ ".
ثُمَّ وصّى اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالقَوْلِ السَدادِ، وذَلِكَ يَعُمُّ جَمِيعَ الخَيْراتِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، والسَدادُ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذا، وإنْ كانَ ظاهِرُ الآيَةِ يُعْطِي أنَّهُ إنَّما أشارَ إلى ما يَكُونُ خِلافًا لِلْأذى الَّذِي قِيلَ في جِهَةِ الرَسُولِ وجِهَةِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِأنَّهُ يُجازِي عَلى القَوْلِ السَدّادِ بِإصْلاحِ الأعْمالِ وغُفْرانِ الذُنُوبِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
لما تقضى وعيد الذين يؤذون الرسول عليه الصلاة والسلام بالتكذيب ونحوه من الأذى المنبعث عن كفرهم من المشركين والمنافقين من قوله: ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ﴾ [الأحزاب: 57] حذر المؤمنين مما يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم بتنزيههم عن أن يكونوا مثل قوم نَسبوا إلى رسولهم ما هو أذى له وهم لا يعبأون بما في ذلك من إغضابه الذي فيه غضب الله تعالى.
ولما كان كثير من الأذى قد يحصل عن غفلة أصحابه عما يوجبه فيصدر عنهم من الأقوال ما تجيش به خواطرهم قبل التدبر فيما يحفّ بذلك من الاحتمالات التي تقلعه وتنفيه ودون التأمل يترتب عليه من إخلال بالواجبات.
وكذلك يصدر عنهم من الأعمال ما فيه ورطة لهم قبل التأمل في مغبة عملهم، نبه الله المؤمنين كي لا يَقعُوا في مثل تلك العنجهية لأن مدارك العقلاء في التنبيه إلى معاني الأشياء وملازماتها متفاوتة المقادير، فكانت حَرية بالإِيقاظ والتحذير.
وفائدة التشبيه تشويه الحالة المشبَّهة لأن المؤمنين قد تقرر في نفوسهم قبْح ما أوذي به موسى عليه السلام بما سبق من القرآن كقوله: ﴿ وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ﴾ [الصف: 5] الآية.
والذين آذوا موسى هم طوائف من قومه ولم يكن قصدهم أذاه ولكنهم أهملوا واجب كمال الأدب والرعاية مع أعظم الناس بينهم.
وقد حكى الله عنهم ذلك إجالاً وتفصيلاً بقوله: ﴿ وإذ قال موسى لقومه ﴾ الآية (فلم يكن هذا الأذى من قبيل التكذيب لأجل قوله: ﴿ وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ﴾ والاستفهام في قوله: ﴿ لم تؤذونني ﴾ إنكاري).
فكان توجيه الخطاب للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مراعى فيه المشابهة بين الحالين في حصول الإِذاية.
فالذين آذوا موسى قالوا مرة ﴿ فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون ﴾ [المائدة: 24] فآذوه بالعصيان وبضرب من التهكم.
وقالوا مرة ﴿ أَتتَّخِذُنا هزؤا ﴾ [البقرة: 67] فنسبوه إلى الطيش ولاسخرية ولذلك قال لهم ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ [البقرة: 67].
وفي التوراة في الإصحاح الرابع عشر من الخروج «وقالوا لموسى فإذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر فإنه خير لنا أن نخدُم المصريين من أن نموت في البرية».
وفي الإصحاجح السادس عشر «وقالوا لموسى وهراون إنكما أخرجتمونا إلى هذا القفر لكي تميتا كل هذا الجمهور بالجوع».
وفي الحديث «إن موسى كان رجلاً حييّاً ستِّيراً فقال فريق من قومه: ما نراه يستتر إلا مِن عاهة فيه.
فقال قوم: به برص، وقال قوم: هو آدر» ونحو هذا، وكان قريباً من هذا قول المنافقين: إن محمداً تزوج مطلقة ابنه زيد بن حارثة.
وقد دلت هذه الآية على وجوب توقير النبيء صلى الله عليه وسلم وتجنب ما يؤذيه وتلك سنة الصحابة والمسلمين وقد عرضَت فلتاتٌ من بعض أصحابه الذين لم يبلغوا قبلها كمال التخلق بالقرآن مثل الذي قال له لما حَكَم بينه وبين الزُبير في ماء شراح الحَرّة: أنْ كان ابنَ عمتِك يا رسول الله.
ومثل التميمي خرفوص الذي قال في قسمَة مغانم حُنين: «هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبَر».
واعلم أن محل الشتبيه هو قوله: ﴿ كالذين آذوا موسى ﴾ دون ما فرع عليه من قوله: ﴿ فبرأه الله مما قالوا ﴾ وإنما ذلك إدماج وانتهاز للمقام بذكر براءة موسى مما قالوا، ولا اتصال له بوجه التشبيه لأن نبيئنا صلى الله عليه وسلم لم يُوذَ إيذاء يقتضي ظهور براءته ما أوذي به.
ومعنى «بَرَّأه» أظهر براءته عيَاناً لأن موسى كان بريئاً مما قالوه من قبل أن يؤذوه بأقوالهم فليس وجود البراءة منه متفرعة على أقوالهم ولكن الله أظهرها عقب أقوالهم فإِن الله أظهر براءته من التغرير بهم إذ أمرهم بدخول أريحا فثبّت قلوبهم وافتتحوها وأظهر براءته من الاستهزاء بهم إذ أظهر معجزته حين ذبحوا البقرة التي أمرهم بذبحها فتبين من قتل النفس التي ادّارأوا فيها.
وأظهر سلامته من البرص والأدرة حين بدا لهم عرياناً لما انتقل الحجر الذي عليه ثيابه.
ومعنى: «برأه مما قالوا» برأه من مضمون قولهم لا من نفس قولهم لأن قولهم قد حصل وأوذي به وهذا كما سموا السُّبة القالة.
ونظيره قوله تعالى: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ [مريم: 80]، أي ما دل عليه مقاله وهو قوله: ﴿ لأوتين مالاً وولداً ﴾ [مريم: 77] أي نرثه ماله وولده.
وجملة ﴿ وكان عند الله وجيهاً ﴾ معترضة في آخر الكلام ومفيدة سبب عناية الله بتبرئته.
والوجيه صفة مشبهة، أي ذو الوجاهة.
وهي الجاه وحسن القبول عند الناس.
يقال: وجُه الرجل، بضم الجيم، وجاهة فهو وجيه.
وهذا الفعل مشتق من الاسم الجامد وهو الوجْه الذي للإِنسان، فمعنى كونه وجيهاً عند الله أنه مرضيّ عنه مقبول مغفور له مستجاب الدعوة.
وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ وجيهاً في الدنيا والآخرة ﴾ في سورة [آل عمران: 45]، فضُمّه إلى هنا.
وذكر فعل ﴿ كان ﴾ دال على تمكن وجاهته عند الله تعالى.
وهذا تسفيه للذين آذوه بأنهم آذوه بما هو مبرأ منه، وتنويه وتوجيه لتنزيه الله إياه لأنه مستأهل لتلك التبرئة لأنه وجيه عند الله وليس بخامل.
قَوْلُهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى ﴾ مَعْناهُ لا تُؤْذُوا مُحَمَّدًا فَتَكُونُوا كالَّذِينِ آذَوْا مُوسى.
وَفِيما آذَوْا بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهم زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ قَسَمَ قَسْمًا فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ إنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَغَضِبَ وقالَ: (رَحِمَ اللَّهُ مُوسى قَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ)» قالَهُ أبُو وائِلٍ.
وَفِيما أُوذِيَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ رَمَوْهُ بِالسِّحْرِ والجُنُونِ.
الثّانِي: ما رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ مُوسى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يَكادُ يُرى مِن جَسَدِهِ شَيْءٌ يَسْتَحْيا مِنهُ فَآذاهُ مَن آذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقالُوا ما يَسْتَتِرُ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ أوْ جِسْمِهِ، إمّا مِن بَرَصٍ وإمّا آدَرٌ أوْ بِهِ آفَةٌ، وإنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُبْرِئَهُ مِمّا قالُوا وإنَّ مُوسى خَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ إلى ثَوْبِهِ لِيَأْخُذَهُ وإنَّ الحَجَرَ عَدا بِثِيابِهِ فَطَلَبَهُ مُوسى فانْتَهى إلى مَلَإٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا كَأحْسَنِ الرِّجالِ خَلْقًا فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا)» .
الثّالِثُ: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ مُوسى صَعِدَ وهارُونُ الجَبَلَ فَماتَ هارُونُ فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ أنْتَ قَتَلْتَهُ وكانَ ألْيَنَ لَنا مِنكَ وأشَدَّ حُبًّا فَآذَوْهُ بِذَلِكَ فَأمَرَ اللَّهُ المَلائِكَةَ فَحَمَلَتْهُ فَمَرُّوا بِهِ عَلى مَجْلِسِ بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكَلَّمَتِ المَلائِكَةُ بِمَوْتِهِ ثُمَّ دَفَنَتْهُ فَما عَرَفَ مَوْضِعَ قَبْرِهِ إلّا الرَّخَمُ وأنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ أصَمَّ أبْكَمَ وماتَ هارُونُ /قَبْلَ مُوسى في التِّيهِ وماتَ مُوسى قَبْلَ انْقِضاءِ مُدَّةِ التِّيهِ بِشَهْرَيْنِ.
﴿ وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَقْبُولُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: لِأنَّهُ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: لِأنَّهُ ما سَألَ اللَّهَ شَيْئًا إلّا أعْطاهُ إلى النَّظَرِ، قالَهُ ابْنُ سِنانٍ.
قالَ قُطْرُبٌ: والوَجِيهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَجْهِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الجَسَدِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى عليه السلام كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فأذاه من أذاه من بني إسرائيل، وقالوا ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده.
إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا، وان موسى عليه السلام خلا يوماً وحده، فوضع ثيابه على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عليه السلام عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر!
حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه.
ثلاثاً.
أو أربعاً أو خمساً.
فذلك قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ﴾ » .
وأخرج البزار وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان موسى رجلاً حيياً، وإنه أتى ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، وكان لا يكاد تبدو عورته، فقالت بنو إسرائيل: إن موسى عليه السلام آدر به آفة- يعنون أنه لا يضع ثيابه- فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى عليه السلام كأحسن الرجال، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً ﴾ » .
وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى بن عمران كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء» .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا تكونوا كالذين آذوا موسى ﴾ قال: قال له قومه: إنه آدر.
فخرج ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، فخرج موسى عليه السلام يتبعها عرياناً حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل، فرأوه وليس بآدر، فذلك قوله: ﴿ فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً ﴾ .
وأخرج ابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا تكونوا كالذين آذوا موسى ﴾ قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون عليه السلام فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: أنت قتلته، كان أشد حباً لنا منك وألين، فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة عليهم السلام، فحملته فمروا به على مجالس بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة عليهم السلام بموته، فبرأه الله من ذلك، فانطلقوا به فدفنوه ولم يعرف قبره إلا الرُخَّم، وأن الله جعله أصم أبكم.
وأخرج الحاكم وصححه من طريق السدي رضي الله عنه عن أبي مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مرة عن ابن مسعود رضي الله عنه وناس من الصحابة.
أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام: إني متوفِ هارون، فائت به جبل كذا وكذا..
فانطلقا نحو الجبل، فإذا هم بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيب، فلما نظر هارون عليه السلام إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال: نم عليه قال: نم معي.
فلما ناما أخذ هارون عليه السلام الموت، فلما قبض رفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل قالوا: قتل هارون عليه السلام وحسده حب بني إسرائيل له، وكان هارون عليه السلام أكف عنهم وألين لهم، وكان موسى عليه السلام فيه بعض الغلظة عليهم، فلما بلغه ذلك قال: ويحكم انه كان أخي أفتروني أقتله!
فلما أكثروا عليه قام يصلي ركعتين، ثم دعا الله، فنزلت الملائكة بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ﴾ قال: لا تؤذوا محمداً، كما آذى قوم موسى.
موسى.
وأخرج البخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحمر وجهه ثم قال:رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكان عند الله وجيهاً ﴾ قال: مستجاب الدعوة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سنان عمن حدثه في قوله: ﴿ وكان عند الله وجيهاً ﴾ قال: ما سأل موسى عليه السلام ربه شيئاً قط إلا أعطاه إياه إلا النظر.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ﴾ قال مقاتل: وعظ الله المؤمنين ألا يؤذوا محمدًا - - بقولهم زيد بن محمد فإن ذلك أذى له كما آذت بنو إسرائيل موسى فزعموا أنه آدر وذلك أن موسى كان فيه حياء شديد وكان لا يغتسل إلا وعليه إزار وكانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، فقالوا ما يمنع موسى أن يتجرد كما نتجرد إلا أنه آدر فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام واستتر بصخرة فوضع ثيابه عليها [ففرت] (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ﴾ \[وهذا قول ابن عباس\] (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾ الوجيه ذو الوجاهة [يقال] (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال الحسن: كان مستجاب الدعوة (١١) (١٢) (١) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
(٢) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
(٣) هكذا في النسخ وقد سقطت كلمة الرجال ففي بعض روايات الحديث من أحسن الرجال خلقًا.
(٤) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
(٥) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 96 أ، "تفسير الطبري" 22/ 51، "تفسير الماوردي" 4/ 427، "تفسير كتاب الله لهود من محكم" 3/ 384، "مجمع البيان" 8/ 583، "تفسير زاد المسير" 6/ 425.
والحديث رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الاغتسال، باب: من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة 1/ 789 ومسلم في كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى - - 4/ 1841.
(٧) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
(٨) انظر: "لسان العرب" 13/ 558 (وجه).
(٩) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
(١٠) انظر: "الماوردي" 4/ 427، "مجمع البيان" 8/ 583، "زاد المسير" 6/ 425.
(١١) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 427، وذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 484.
(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى ﴾ هم قوم من بني إسرائيل، وإذايتهم لهم: ما ورد في الحديث: «أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة، وكان موسى يستتر منهم إذا اغتسل، فقالوا: إنه لآدر [آدر: أي فيه عيب في خصيته]، فاغتسل موسى يوماً وحده وجعل ثيابه على حجر، ففر الحجر بثيابه، واتبعه موسى وهو يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر، فمر في أتباعه على ملأ من بني إسرائيل فرأوه سليماً ما قالوا، فذلك قوله: ﴿ فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ ﴾ » ، وقيل: إذايتهم له أنهم رموه بأنه قتل أخاه هارون، فبعث الله ملائكة فحملته حتى رآه بنو إسرائيل ليس فيه أثر فبرأ الله موسى، وروي أن الله أحياه فأخبرهم ببراءة موسى، والقول الأول هو الصحيح لوروده في الحديث الصحيح ﴿ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ قيل: يعني لا إله إلا الله، واللفظ أعم من ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.
الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالثاء المثلثة.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي ، وقد مر أنه بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.
والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.
ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.
ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.
جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.
وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.
ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.
وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.
ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".
وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.
والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي مدع لها.
بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.
وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.
أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.
ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.
ووصف النبي بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.
وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.
ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".
ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.
قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.
ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.
في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.
وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.
وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.
وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.
وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.
وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله أيضاً.
ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.
ثم عاد إلى تعليم النبي .
وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.
وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.
والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.
ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾ يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.
والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.
قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.
وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.
وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي .
وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.
والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.
وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.
وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.
وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.
ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.
ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.
والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.
﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.
يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.
وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.
وعن الحسن: وكان النبي إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.
ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.
ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.
ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.
وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.
وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.
وإنه زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.
وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.
يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله : يا عيينة أين الاستئذان؟
فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.
ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟
فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.
قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.
فقال : إن الله قد حرم ذلك.
فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟
قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.
وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.
قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.
واستثنى ممن حرم عليه الإماء.
وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.
واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.
وعن عائشة: ما مات رسول الله حتى أحل له النساء.
تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.
ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.
وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.
وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.
وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.
ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.
وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.
يروى أن رسول الله أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.
فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟
وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.
ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.
والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.
قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.
والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.
وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.
﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.
وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.
ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.
إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.
ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.
قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.
وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.
وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.
ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.
قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.
ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.
ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.
وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي .
واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.
وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟
فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وعنه "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.
ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.
والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.
وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.
وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.
وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.
وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.
ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.
قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً .
وقيل: في إفك عائشة.
وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.
ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.
يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.
ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.
وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.
ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.
روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.
ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.
المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.
وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.
وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.
ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.
ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.
ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.
ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.
والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.
ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.
قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.
من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.
قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.
وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".
وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.
وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.
ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.
أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.
وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.
والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.
واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.
وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.
فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.
وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".
والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.
فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.
ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.
فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.
وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.
وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.
وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.
وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.
واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.
والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.
ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.
فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.
وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).
الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.
وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.
ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.
التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.
وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.
﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.
﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.
وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.
فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.
ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.
فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.
ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ .
يقول عامة أهل التأويل: إن موسى كان لا يغتسل فيما يراه أحد؛ فقال بنو إسرائيل: إن موسى آدر، ويروون على ذلك عن نبي الله أنه قال: "إن بني إسرائيل طعنوا نبي الله موسى بذلك، فذهب ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على حجر، فسعى الحجر بثوبه؛ فجعل موسى يعدو في إثره ويقول: [ثوبي] حجر - أي: يا حجر ثوبي - حتى مرّ به على ملأ بني إسرائيل؛ فعلموا أنه ليس به شيء، فذلك قوله: ﴿ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ " ، وكان موسى يتأذى بما كانوا يطعنون؛ فعلى ذلك رسول الله كان يتأذى؛ إذا قالوا: زيد بن محمد؛ فأمروا أن يدعوه لأبيه، يقول: ﴿ ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ زيد بن حارثة، لكن هذا التأويل بعيد؛ لأن موسى كان يدعوهم إلى ستر العورة، لا يحتمل أن يطمعوا هم منه الاغتسال معهم، وأن يكشف عورته لهم، أو ينظر إلى عورة أحد، هذا وخش من القول أو يسلط حجراً، فيذهب بثيابه حتى يراه الناس متجرداً، والله أعلم.
وقال بعضهم: آذوه؛ لأنه كان خرج بهارون إلى بعض الجبال؛ فمات هارون هناك، فرجع موسى إليهم وحده؛ فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته حسداً؛ فقال موسى: "ويلكم، أيقتل الرجل أخاه"؛ فآذوه، فذلك قوله: ﴿ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ ؛ فجاءت به الملائكة فوضعته بينهم، فقال لهم: لم يقتلني أحد؛ إنما جاء أجلي فمت، فذلك قوله: ﴿ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ﴾ .
هذا يشبه أن يكون - وغيره - كأنه أقرب وأشبه، وهو ما كان قوم كل رسول نسبوا رسولهم إلى الجنون مرة، وإلى السحر ثانياً، وأنه كذاب مفتر، ونحوه، على علم منهم أنه رسول الله، ولا شك أنهم كانوا يتأذون بذلك جدّاً؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ : لا يحتمل أن يكون هذا في الأول؛ لأنهم لو كانوا علموا أنه ليس به ما ذكروا - لم يؤذوه؛ فدل أن أذاهم إياه فيما ذكرنا، وفي أمثال ذلك، وكذلك ما نهى قوم رسول الله من الأذى له؛ لما نسبوه مرة إلى الجنون، وإلى السحر ثانياً، وإلى الافتراء والكذب على الله ثالثاً، لا فيما ذكر أولئك.
﴿ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً ﴾ .
أي: مكيناً في القدر والمنزلة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ .
جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: اتقوا الشرك في حادث الوقت، ﴿ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، أي: ائتوا بالتوحيد في حادث الوقت؛ لأنه إنما خاطب به المؤمنين: ﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ .
أي: بالتوحيد؛ لأنه بالتوحيد تصلح الأعمال وتذكر، وبه يغفر ما كان من الذنوب، وبه يكون الفوز العظيم، وبالله التوفيق.
ويحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في الخيانة فيما بينكم وبين الخلق، أي: لا تخونوا الخلق.
﴿ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، أي: صدقا وصوابا؛ أي: لا تكذبوا، ولا تقولوا فحشاً ونحوه.
ويحتمل ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تعصوه، واعملوا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر ﴿ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، ومروا الناس، وانهوا عن المنكر ﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ ﴾ قد تكلف أهل التأويل تفسير هذه الأمانة المذكورة في الآية.
قال بعضهم: هي كلمة الشهادة والتوحيد.
ومنهم من قال: هي جميع الفرائض التي افترض الله على عباده.
ومنهم من قال: هي الصلاة، والصيام، والحج، وأمثاله، وجميع ما أمروا به ونهوا عنه.
لكن التكلف والاشتغال بالتكلم في ماهية هذه الأمانة المذكورة المعروضة على من ذكر - فضل، لا يجب أن يتكلف تفسيرها: أنها كذا،لأنها مبهمة، لا تعلم إلا بالخبر الوارد عن الله - - أنها كذا، وأن يجعل ذلك من المكتوم، ولا يشتغل بالتفسير، والله أعلم بذلك.
ثم اختلف فيما ذكر من عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وما ذكر من إبائها عن احتمالها والإشفاق: فقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ومن ذكر؛ أي: خلقنا خلقة ما ذكر من السماوات والأرض والجبال خلقة لا تحتمل حمل ما ذكر من الأمانة؛ ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ﴾ إباء خلقة؛ أي: لم يخلق خلقتها بحيث تحتمل ذلك، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ أي: خلقنا خلقة الإنسان خلقة تحتمل ذلك؛ إلى هذا يذهب بعضهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ عَرَضْنَا ﴾ حقيقة العرض، إلا أنه على التخيير بين أن تقبل وتتحمل وتفي بذلك فيكون لها الثواب، أو لا تفي فيكون لها العقاب في الآخرة، وبين ألا تتحمل ولا تقبل؛ فتكون كسائر الموات تفنى بفناء الدنيا: لا ثواب لها في الآخرة ولا عقاب، وإلا لم يحتمل أن يعرض عليهن ما ذكر عرض لزوم وإيجاب، ثم يأبين ذلك ويشفقن منها، وقد وصفهن الله بالطاعة له والخضوع في غير آي من القرآن؛ حيث قال: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ وقال: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ...
﴾ الآية [الحشر: 21]، وقال في آية ﴿ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ ﴾ وكذا، ونحوه، ولكن إن كان على حقيقة العرض فهو على التخيير الذي ذكرنا، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ ، فكان له الثواب إن قام بها، وعليه العقاب إن لم يقم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ ﴾ ، أي: عرض على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال، فلم يحملوها، إلا الإنسان منهم فإنه حملها.
﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ قال الحسن: ظلوماً لنفسه، جهولا لأمر ربه.
وقال بعضهم: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾ ، أي: أبين أن يعصين الله وأشفقن منه؛ أي: لم يعصوا قط ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ أي: عصى الإنسان ربه؛ فيجعل الحمل كناية عن العصيان والوزر، يقول: لأنه ما ذكر في القرآن الحمل إلا في الوزر والخطايا؛ كقوله: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ ، ونحوه كثير.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ إلى أي تأويل من هذه التأويلات التي ذكرنا صرف هذا إليه - استقام، والله أعلم.
وعن ابن عباس - ما - قال: ﴿ ٱلأَمَانَةَ ﴾ : العبادة: قال الله - - للسماوات والأرض والجبال: تأخذن العبادة بما فيها،قلن: يا ربّ، وما فيها؟
قال: إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن، ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾ ، أي: خفن، وعرضت على الإنسان فقبلها، وهو قول الله لبني آدم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أما خيانتهم الله ورسوله فمعصيتهما، وأمّا خيانة الأمانة فتركهم ما افترض الله عليهم من العبادة.
وقتادة: يقول: أما والله ما بهن معصية، ولكن قيل لهنّ: أتحملنها وتؤدين حقها؟
قلن: لا نطيق ذلك، فقيل للإنسان - وهو آدم - أتحملها وتؤدي حقها؟
قال: نعم ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ عن حقها.
وفي حرف أبيّ وابن مسعود وحفصة ﴿ فَأبَيْنَ ﴾ أي: فلم يطقنها.
وقال أبو معاذ: الإباء في كلام العرب على وجهين: أحدهما: هذا، وهو العجز.
والآخر: قوله: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ﴾ أي: عصى وترك الأمر.
والحسن يقول: عرضت الأمانة على السماوات وما ذكر، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها، قلن: يا رب، وما فيها؟
قيل لهن: إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً ﴾ لنفسه ﴿ جَهُولاً ﴾ بربه، وهو مثل الأول.
وقال بعضهم: كان ظلوماً لنفسه في ركوبه المعصية، جهولا بعاقبة ما تحمل.
والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً أنه لا تفسّر الأمانة أنها ما هي؟
وكيف كان ذلك العرض على من ذكر من السماوات والأرض والجبال، وإباؤهن، وإشفاقهن؟
والله أعلم ما أراد بذلك.
وقوله: ﴿ لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ...
﴾ \[على\] من ذكر؛ أي: ليعذب من علم أنه لا يقوم بوفائها ويضيعها - أعني: الأمانة التي احتملها - وإنما ضيعها من ذكر من المنافقين والمشركين، ويثيب من لم يضيعها وقام بوفائها، وهم المؤمنون.
قال أبو عوسجة: السداد: الاستقامة؛ تقول: سددك الله، وأرشدك.
وقال أبو عبيدة: السديد: القصد.
وكذلك قال القتبي، والقصد كأنه العدل، والله أعلم.
وصلى الله على محمد وآله أجمعين.
يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه <div class="verse-tafsir" id="91.WZVbL"
نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ .
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).
فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.
لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟
أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟
ومن وجهة أخرى نرى أن النبي -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ إلخ.
فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.
مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي ومن يختصه الله بالتأسي به.
لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.
نادى في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.
على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي في أمر زينب.
كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ إلخ، فعمد النبي -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.
لهذا أرغم النبي زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.
ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ .
وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.
واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.
قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟
حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!
"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.
سبحان الله!
كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟
فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود .
وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.
تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.
أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.
وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.
أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!
إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ والله أعلم.