الآية ٣٢ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٣٢ من سورة سبأ

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوٓا۟ أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 53 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فقال لهم القادة والسادة ، وهم الذين استكبروا : ( أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ) أي : نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان ، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الأنبياء ، لشهوتكم واختياركم لذلك; ولهذا قالوا : ( بل كنتم مجرمين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) يقول تعالى ذكره: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) في الدنيا، فرأسوا في الضلالة والكفر بالله (لِلَّذِينّ اسْتُضْعِفُوا) فيها فكانوا أتباعًا لأهل الضلالة منهم إذ قالوا لهم لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ : (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى) ومنعناكم من اتباع الحق (بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ) من عند الله يبين لكم (بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) فمنعكم إيثاركم الكفر بالله على الإيمان من اتباع الهدى، والإيمان بالله ورسوله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم هو استفهام بمعنى الإنكار ، أي ما رددناكم نحن عن الهدى بعد إذ جاءكم ، ولا أكرهناكم .

[ ص: 272 ] بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين أي مشركين مصرين على الكفر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا } مستفهمين لهم ومخبرين أن الجميع مشتركون في الجرم: { أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ } أي: بقوتنا وقهرنا لكم.

{ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ } أي: مختارين للإجرام, لستم مقهورين عليه, وإن كنا قد زينا لكم, فما كان لنا عليكم من سلطان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال الذين استكبروا ) أجابهم المتبوعون في الكفر ( للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين ) بترك الإيمان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم» لا «بل كنتم مجرمين» في أنفسكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الرؤساء للذين استُضعِفوا: أنحن منعناكم من الهدى بعد إذ جاءكم؟

بل كنتم مجرمين إذ دخلتم في الكفر بإرادتكم مختارين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا يرد الزعماء باستنكار وضيق ، ويحكى ذلك القرآن فيقول : ( قَالَ الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا ) على سبيل التوبيخ والتقريع ( أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الهدى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ ) كلا ، إننا ما فعلنا ذلك ، ولسنا نحن الذين حلنا بينكم وبين اتباع الحق .( بَلْ ) أنتم الذين ( كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ) فى حق أنفسكم ، حيث ابتعتمونا باختياركم ، ورضيتم عن طواعية منكم أن تتبعوا غيركم بدون تفكر أو تدبر للأمور .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

رداً لما قالوا إن كفرنا كان لمانع ﴿ أَنَحْنُ صددناكم عَنِ الهدى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ﴾ يعني المانع ينبغي أن يكون راجحاً على المقتضى حتى يعمل عمله، والذي جاء به هو الهدى، والذي صدر من المستكبرين لم يكن شيئاً يوجب الامتناع من قبول ما جاء به فلم يصح تعليلكم بالمانع، ثم بين أن كفرهم كان إجراماً من حيث إن المعذور لا يكون معذوراً إلا لعدم المقتضى أو لقيام المانع ولم يوجد شيء منهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أولى الاسم أعني ﴿ نَحْنُ ﴾ حرف الإنكار؛ لأنّ الغرض إنكار أن يكونوا هم الصادّين لهم عن الإيمان، وإثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عنه، وأنهم أتوا من قبل اختيارهم، كأنهم قالوا: أنحن أجبرناكم وحلنا بينكم وبين كونكم ممكنين مختارين ﴿ بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ ﴾ بعد أن صممتم على الدخول في الإيمان وصحّت نياتكم في اختياره؟

بل أنتم منعتم أنفسكم حظها وآثرتم الضلال على الهدى وأطعتم آمر الشهوة دون آمر النهي، فكنتم مجرمين كافرين لاختياركم لا لقولنا وتسويلنا.

فإن قلت: إذ وإذا من الظروف اللازمة للظرفية، فلم وقعت إذ مضافاً إليها؟

قلت: قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره، فإضيف إليها الزمان، كما أضيف إلى الجمل في قولك: جئتك بعد إذ جاء زيد، وحينئذ، ويومئذ، وكان ذلك أوان الحجاج أمير، وحين خرج زيد.

لما أنكر المستكبرون بقولهم: ﴿ أَنَحْنُ صددناكم ﴾ أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين وأثبتوا بقولهم: ﴿ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ﴾ أن ذلك بكسبهم واختيارهم، كرّ عليهم المستضعفون بقولهم: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ فأبطلوا بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم لنا دائباً ليلاً ونهاراً، وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد.

ومعنى مكر الليل والنهار: مكركم في الليل والنهار، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه.

أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي.

وقرئ: ﴿ بل مكر الليل والنهار ﴾ بالتنوين ونصب الظرفين.

وبل مكرّ الليل والنهار بالرفع والنصب.

أي تكرّون الإغواء مكرّاً دائباً لا تفترون عنه، فإن قلت: ما وجه الرفع والنصب؟

قلت: هو مبتدأ أو خبر، على معنى: بل سبب مكركم أو مكرّكم أو مكركم أو مكرّكم سبب ذلك.

والنصب على: بل تكرّون الإغواء مكرّ الليل والنهار.

فإن قلت: لم قيل: ﴿ قَالَ الذين استكبروا ﴾ ، بغير عاطف؛ وقيل: ﴿ وَقَالَ الذين استضعفوا ﴾ ؟

قلت: لأن الذين استضعفوا مرّ أولاً كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأوّل.

فإن قلت: من صاحب الضمير في ﴿ وَأَسَرُّواْ ﴾ قلت: الجنس المشتمل على النوعين من المستكبرين والمستضعفين، وهم الظالمون في قوله: ﴿ إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ [سبأ: 31] يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين ﴿ فِى أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ ﴾ أي في أعناقهم، فجاء بالصريح للتنويه بذمهم، وللدلالة على ما استحقوا به الأغلال.

وعن قتاده: أسروا الكلام بذلك بينهم.

وقيل: أسروا الندامة أظهروها، وهو من الأضداد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ولا بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ الدّالَّةِ عَلى النَّعْتِ.

قِيلَ إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنِ الرَّسُولِ  فَأخْبَرُوهم أنَّهم يَجِدُونَ نَعْتَهُ في كُتُبِهِمْ فَغَضِبُوا وقالُوا ذَلِكَ، وقِيلَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ.

﴿ وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ في مَوْضِعِ المُحاسَبَةِ.

﴿ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ ﴾ يَتَحاوَرُونَ ويَتَراجَعُونَ القَوْلَ.

﴿ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ يَقُولُ الأتْباعُ.

﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ لِلرُّؤَساءِ.

﴿ لَوْلا أنْتُمْ ﴾ لَوْلا إضْلالُكم وصَدُّكم إيّانا عَنِ الإيمانِ.

﴿ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ ﴾ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ  .

﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ﴾ أنْكَرُوا أنَّهم كانُوا صادِّينَ لَهم عَنِ الإيمانِ وأثْبَتُوا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ صَدُّوا أنْفُسَهم حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ الهُدى وآثَرُوا التَّقْلِيدَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ بَنَوُا الإنْكارَ عَلى الِاسْمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا أَنَحْنُ صددناكم عَنِ الهدى} أولى الاسم أي نحن حرف الإنكار لأن المراد انكار أن يكونوا هم الصادين لهم عن الإيمان وإثبات أنهم هم الذين صدوا بأنفسهم عنه وأنهم أتو من قبل اختيارهم {بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ} إنما وقعت إذ مضافاً إليها وإن كانت إذ وإذا من الظروف الازمة للظرفية لأنه قد اتسع فى الزمان مالم يتسع في غيره فأضيف إليها الزمان {بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ} كافرين لاختياركم وإيثاركم الضلال على الهدى لا بقولنا وتسويلنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَمّا اِعْتَرَضَ عَلَيْهِمُ الأتْباعُ ووَبَّخُوهُمْ؟

فَقِيلَ قالُوا: ﴿ أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ﴾ أنْكَرُوا أنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ وأثْبَتُوا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ صَدُّوا أنْفُسَهم أيْ لَسْنا نَحْنُ الَّذِينَ حُلْنا بَيْنَكم وبَيْنَ الإيمانِ بَعْدَ إذْ صَمَّمْتُمْ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ بَلْ أنْتُمْ مَنَعْتُمْ أنْفُسَكم حَظَّها بِإجْرامِكم وإيثارِكُمُ الكُفْرَ عَلى الإيمانِ.

ووُقُوعُ إذْ مُضافًا إلَيْها الظَّرْفُ شائِعٌ في كَلامِهِمْ كَوُقُوعِها مُضافَةً وذَلِكَ مِن بابِ الِاتِّساعِ في الظُّرُوفِ لا سِيَّما الزَّمانِيَّةُ، وبِهَذا يُجابُ عَمّا قِيلَ إنَّ إذْ مِن الظُّرُوفِ اللّازِمَةِ لِلظَّرْفِيَّةِ فَكَيْفَ وقَعَتْ هاهُنا مَجْرُورَةً مُضافًا إلَيْها.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ إنَّ إذْ هاهُنا جُرِّدَتْ عَنْ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ وانْسَلَخَتْ عَنْهُ رَأْسًا وصُيِّرَتِ اِسْمًا صِرْفًا، لِأنَّ المُرادَ مِن وقْتِ مَجِيءِ الهُدى هو الهُدى لا الوَقْتُ نَفْسُهُ فَلِذا أُضِيفَ إلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من التوراة والإنجيل.

يعني: لا نصدق بذلك كله فحكى الله قولهم ثم ذكر عقوبتهم في الآخرة فقال: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ يعني: لو رأيت يا محمد الظالمين يوم القيامة مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني: محبوسين في الآخرة يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يعني: يرد بعضهم بعضاً الجواب.

ثم أخبر عن قولهم فقال: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم السفلة والأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: القادة والرؤساء لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ يعني: لولا دعوتكم وتعريفكم إيانا لكنا مصدقين.

قوله عز وجل: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: القادة لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم الأتباع أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى يعني: أنحن منعناكم عن الإيمان بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ به الرسول بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ يعني: مشركين.

قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا يعني: ردت الضعفاء عليهم الجواب.

وقالوا: لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يعني: قولكم لنا بالليل والنهار، واحتيالكم بالدعوة إلى الشرك.

إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ يعني: نجحد بوحدانية الله وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً يعني: نقول له شركاء وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ يعني: أخفوا الحسرة.

ويقال: أظهروا الندامة والحسرة لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ يعني: نجعل الأغلال يوم القيامة فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا من الرؤساء والسفلة هَلْ يُجْزَوْنَ يعني: هل يثابون في الآخرة إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.

قوله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ يعني: من رسول إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها يعني: جبابرتها ورؤساؤها للرسل إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ يعني: جاحدون بالتوحيد.

والمترف المتنعم، وإنما أراد به المتكبرين وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً في الدنيا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ في الآخرة.

ومعناه: أن الكفار المتقدمين استخفوا بالفقراء، وآذوا الرسل.

كما يفعل بك قومك، وافتخروا بما أعطاهم الله عز وجل من الأموال كما افتخر قومك.

وأمره بأن يأمرهم بأن لا يفتخروا بالمال.

فإن الله تعالى يعطي المال لمن يشاء.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يَعْنُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وذَلِكَ أنَّ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ قالُوا: إنَّ صِفَةَ مُحَمَّدٍ في كِتابِنا، فَكَفَرَ أهْلُ مَكَّةَ بِكِتابِهِمْ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ ﴾ أيْ: يَرُدُّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الجِدالِ واللَّوْمِ ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ وهُمُ الأتْباعُ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ وهُمُ الأشْرافُ والقادَةُ: ﴿ لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: مُصَدِّقِينَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ؛ والمَعْنى: أنْتُمْ مَنَعْتُمُونا عَنِ الإيمانِ؛ فَأجابَهُمُ المَتْبُوعُونَ فَقالُوا: ﴿ أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى ﴾ أيْ: مَنَعْناكم عَنِ الإيمانِ ﴿ بَعْدَ إذْ جاءَكُمْ ﴾ بِهِ الرَّسُولُ؟

﴿ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ﴾ بِتَرْكِ الإيمانِ- وفي هَذا تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّ طاعَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في الدُّنْيا تَصِيرُ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ في الآخِرَةِ- فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الأتْباعُ فَقالُوا: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ: بَلْ مَكْرُكم بِنا في اللَّيْلِ والنَّهارِ.

قالَ الفَرّاءُ: وَهَذا مِمّا تَتَوَسَّعُ فِيهِ العَرَبُ لِوُضُوحِ مَعْناهُ، كَما يَقُولُونَ: لَيْلُهُ قائِمٌ، ونَهارُهُ صائِمٌ، فَتُضِيفُ الفِعْلَ إلى غَيْرِ الآدَمِيِّينَ، والمَعْنى لَهم.

وقالَ الأخْفَشُ: وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ  ﴾ قالَ جَرِيرٌ: لَقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غِيلانَ في السُّرى ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ وَقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " بَلْ مَكَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والرّاءِ " اللَّيْلُ والنَّهارُ " بِرَفْعِهِما.

وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ: " بَلْ مَكْرٌ " بِإسْكانِ الكافِ ورَفْعِ الرّاءِ وتَنْوِينِها " اللَّيْلَ والنَّهارَ " بِنَصْبِهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُمْ: إنَّ دِينَنا حَقٌّ ومُحَمَّدٌ كَذّابٌ، ﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ في (يُونُسَ: ٥٤) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إذا دَخَلُوا جَهَنَّمَ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ، وقالَتْ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُ " هَلْ " هاهُنا مَجازُ الإيجابِ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ؛ والمَعْنى: ما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ﴾ حُكِيَتْ في هَذِهِ الآيَةِ مَقالَةٌ قالَها بَعْضُ قُرَيْشٍ، وهي أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ ولا بِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، فَكَأنَّهم كَذَّبُوا بِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ، وإنَّما فَعَلُوا هَذا لَمّا وقَعَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِما في التَوْراةِ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" هي الساعَةُ والقِيامَةُ، وهَذا خَطَأٌ لَمْ يَفْهَمْ قائِلُهُ أمْرَ "بَيْنَ اليَدِ" في اللُغَةِ وأنَّهُ المُتَقَدِّمُ في الزَمَنِ، وقَدْ بَيَّنّا مَعْناهُ فِيما تَقَدَّمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ عن حالَةِ الظالِمِينَ في صِيغَةِ التَعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، و ﴿ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ أيْ يُرِيدُ: يَتَحاوَرُونَ ويَتَجادَلُونَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الجَدَلَ بِأنَّ الأتْباعَ والضُعَفاءَ مِنَ الكَفَرَةِ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ ولِلرُّؤُوسِ - عَلى جِهَةِ التَذْنِيبِ والتَوْبِيخِ ورَدِّ اللائِمَةِ عَلَيْهِمْ -: لَوْلا أنْتُمْ لَآمَنّا نَحْنُ واهْتَدَيْنا، أيْ: أنْتُمْ أغْوَيْتُمُونا وأمَرْتُمُونا بِالكُفْرِ، فَقالَ لَهُمُ الرُؤَساءُ - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَكْذِيبِ -: أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى؟

بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، أيْ: دَخَلْتُمْ في الكُفْرِ بِبَصائِرِكُمْ، وأجْرَمْتُمْ بِنَظَرٍ مِنكُمْ، ودَعْوَتُنا لَمْ تَكُنْ ضَرْبَةَ لازِبٍ عَلَيْكُمْ؛ لِأنّا دَعَوْناكم بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُهُ اللَفْظُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جُرِّد فعل ﴿ قال ﴾ عن العاطف لأنه جاء على طريقة المجاوبة والشأنْ فيه حكاية القول بدون عطف كما بيّناه غير مرة.

وهمزة الاستفهام مستعملة في الإِنكار على قول المستضعفين تبرّؤا منه.

وهذا الإِنكار بهتان وإنكار للواقع بعثه فيهم خوف إلقاء التبعة عليهم وفرط الغضب والحسرة من انتقاض أتباعهم عليهم وزوال حرمتهم بيْنهم فلم يتمالكوا أن لا يكذبوهم ويذيلوا بتوريطهم.

وأتى بالمسند إليه قبل المسند الفعلي في سياق الاستفهام الإِنكاري الذي هو في قوة النفي ليفيد تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلي على طريقة: ما أنا قلت هذا.

والمعنى: ما صددناكم ولكن صدكم شيء آخر وهو المعطوف ب ﴿ بل ﴾ التي للإِبطال بقوله: ﴿ بل كنتم مجرمين ﴾ أي ثبت لكم الإِجرام من قبل وإجرامكم هو الذي صدّكم إذ لم تكونوا على مقاربة الإِيمان فنصدكم عنه ولكنكم صددتم وأعرضتم بإجرامكم ولم تقبلوا دعوة الإِيمان.

وحاصل المعنى: أن حالنا وحالكم سواء، كل فريق يتحمل تبعة أعماله فإن كلا الفريقين كان مُعْرِضاً عن الإِيمان.

وهذا الاستدلال مكابرة منهم وبهتان وسفسطة فإنهم كانوا يصدون الدهماء عن الدين ويختلقون لهم المعاذير.

وإنما نفوا هنا أن يكونوا محوِّلين لهم عن الإِيمان بعد تقلده وليس ذلك هو المدَّعَى.

فموقع السفسطة هو قولهم: ﴿ بعد إذ جاءكم ﴾ لأن المجيء فيه مستعمل في معنى الاقتراب منه والمخالطة له.

و ﴿ إذ ﴾ في قوله: ﴿ إذ جاءكم ﴾ مجردة عن معنى الظرفية ومحضة لكونها اسم زمان غير ظرف وهو أصل وضعها كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ في سورة البقرة (30)، ولهذا صحت إضافة بعد } إليها لأن الإِضافة قرينة على تجريد ﴿ إذ ﴾ من معنى الظرفية إلى مطلق الزمان مثل قولهم: حينئذٍ ويومئذٍ.

والتقدير: بعد زمن مجيئه إياكم.

و ﴿ بل ﴾ إضراب إبطال عن الأمر الذي دخل عليه الاستفهام الإِنكاري، أي ما صددناكم بل كنتم مجرمين.

والإِجرام: الشرك وهو مؤذن بتعمدهم إياه وتصميمهم عليه على بصيرة من أنفسهم دون تسويل مسوّل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي كَفّارَ العَرَبِ، ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: التَّوْراةُ، والإنْجِيلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مِنَ الأنْبِياءِ والكُتُبِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قائِلُ ذَلِكَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ بَلْ غَرَّكُمُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: بَلْ عَمَلُكم مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: بَلْ مَعْصِيَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: بَلْ مُرُّ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الخامِسُ: بَلْ مَكْرُهم في اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أشْباهًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: شُرَكاءُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ﴾ قال: هذا قول مشركي العرب كفروا بالقرآن ﴿ ولا بالذي بين يديه ﴾ من الكتب والأنبياء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا بالذي بين يديه ﴾ قال: التوراة والإِنجيل وفي قوله: ﴿ يقول الذين استضعفوا ﴾ قال: هم الاتباع ﴿ للذين استكبروا ﴾ قال: هم القادة وفي قوله: ﴿ بل مكر الليل والنهار ﴾ يقول: غركم اختلاف الليل والنهار.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ بل مكر الليل والنهار ﴾ قال: بل مكركم بما في الليل والنهار.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ بل مكر الليل والنهار ﴾ قال: بل مكركم بالليل والنهار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بل مكر الليل والنهار ﴾ قال: بل مكركم بما في الليل والنهار يا أيها العظماء، والرؤساء، حتى أزلتمونا عن عبادة الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: ما في جهنم دار، ولا مغار، ولا غل، ولا قيد، ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب.

فحدث به أبو سليمان الداراني رضي الله عنه، فبكى ثم قال: فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه، والغل في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أدخل الدار، وأدخل المغار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ ﴾ يعني يوم القيامة، أو نزول العذاب بهم في الدنيا، وهو الذي سألوا عنه على وجه الاستخفاف؛ فقالوا: ﴿ متى هذا الوعد ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أذن له ﴾ على البناء للمفعول: أبو عمرو وعي وخلف والأعشى والبرجمي ﴿ فزع علي ﴾ البناء للفاعل: ابن عامر ويعقوب ﴿ جزاء ﴾ بالنصب ﴿ الضعف ﴾ مرفوعاً: يعقوب ﴿ في الغرفة ﴾ على التوحيد: حمزة ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ ثم يقول ﴾ على الغيبة فيهما: حفص ويعقوب.

الباقون: بالنون ﴿ ثم تفكروا ﴾ بتشديد التاء: رويس ﴿ أجري إلا ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: ﴿ التناؤش ﴾ مهموزاً: ابو عمرو وحمزة وخلف وعاصم سوى حفص والشموني والبرجمي.

﴿ حيل ﴾ بضم الحاء وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس.

الوقوف: ﴿ من دون الله ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده حالاً واستئنافاً ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ أذن له ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ لا لاتصال المقول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ولا تستقدمون ﴾ ه ﴿ بين يديه ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً وهذا أوجه ﴿ القول ﴾ ج لمثل ذلك ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ أنداداً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافرونه ﴾ ه ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ لا يعملون ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ز أن أولئك مبتدأ مع الفاء ﴿ آمنون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ه ﴿ يخلفه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لتنويع الكلام مع اتحاد المقول ﴿ الجن ﴾ ج لذلك ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ ضراً ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ آباؤكم ﴾ ج للعطف مع طول الكلام والتكرار ﴿ مفترى ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ بواحدة ﴾ ج لأن ما بعده بدل أو خبر أي هي أن تقوموا ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده بدل من الضمير في يقذف أو خبر أي هو علام ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ على نفسي ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ لا لأن ما بعده معطوف على ﴿ أخذوا ﴾ : ﴿ آمنا به ﴾ ط لاحتمال كون الجملة الاستفهامية مبتدأ بها أو حالاً ﴿ بعيد ﴾ ه لا للآية ولاحتمال الاستئناف والحال بعده والعامل معنى الفعل في التناوش ﴿ من قبل ﴾ ج للعطف على كفروا بناء على أنه حال ماضية أو للاستئناف اي وهم يقذفون ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من حكاية أهل الشكر وأهل الكفران تمثيلاً عاد إلى مخاطبة كفار قريش وتقريعهم.

ومفعولاً زعم محذوف أي زعمتموهم آلهة، وسبب حذف الأوّل استحقاق عوده إلى الموصول، وسبب حذف الثاني إقامة الصفة وهي ﴿ من دون الله ﴾ مقام الموصوف.

وتفسير الآية مبني على تفصيل وهو أن مذاهب أهل الشرك أربعة: أحدها قولهم إنا نعبد الملائكة والكواكب التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم فالله  قال في إبطال قولهم أنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أن الأرض والارضيات في حكمهم.

وثانيها قول بعضهم إن السموات من الله على سبيل الاستقلال، وإن الأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب واتصالاتها وانصرافاتها فأبطل معتمد هؤلاء بقوله ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾ أي الأرض كالسماء لله لغيره فيها نصيب.

وثالثها قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله لكن فوض ذلك إلى الكواكب وإعانتها فأشار إلى إبطال معتقد هؤلاء بقوله ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ ورابعها مذهب من زعم أنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فبين بطلان مذهبهم بقوله ﴿ ولا تنفع الشفاعة ﴾ قال جار الله: تقول الشفاعة لزيد على أنه الشافع وعلى معنى أنه المشفوع له أي لا تنفع الشفاعة ﴿ إلا ﴾ كائنة ﴿ لمن أذن له ﴾ من الشافعين أو إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله.

و"حتى" غاية لمضمون الكلام الدال على انتظار الإذن كأنه قيل: يتربصون ويقفون ملياً فزعين ﴿ حتى إذا فزع ﴾ أي كشف الفزع في القيامة عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً ﴿ ماذا قال ربكم قالوا ﴾ قال ﴿ الحق ﴾ أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، يريد هذا التفسير قول ابن عباس عن النبي "فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة" والتشديد للسلب والإزالة على نحو "قردته وجلدته" أي أزلت قراده وسلخت جلده.

وقيل: إن "حتى" على هذا التفسير متعلق بقوله ﴿ زعمتم ﴾ أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق.

ومنهم من ذهب إلى أن التفزيع غاية الوحي المستفاد من قل فإنه عند الوحي يفزع من في السموات كما جاء في حديث "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيه جبرائيل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربكم؟

فيقول الحق" أي يقول الحق الحق.

وقيل: أراد بالفزع أنه  لما أوحى إلى محمد  فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد  من أشراطها فلما زال عنهم ذلك قالوا: ماذا قال الله؟

قال جبرائيل وأتباعه: الحق.

وقيل: إنه الفزع عند الموت يزيله الله عن القلوب فيعرف كل أحد أن ما قال الله هو الحق فينتفع بتلك المعرفة أهل الإيمان ولا ينتفع بها أهل الكفر.

وحين بين بقوله ﴿ قل ادعوا ﴾ أنه لا يدفع الضر إلا هو أشار بقوله ﴿ قل من يرزقكم ﴾ إلى أن جلب النفع لا يكمل إلا به.

وههنا نكتة هي أنه قال في دفع الضر ﴿ قالوا الحق ﴾ وفي طلب النفع قال ﴿ قل الله ﴾ تنبيهاً على أنهم في الضراء مقبلون على الله معترفون به، وفي السراء معرضون عنه غافلون لا ينتبهون إلا بمسه.

وقوله ﴿ وإنا أو إياكم ﴾ من الكلام المنصف الذي يتضمن قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا.

وفي تخالف حرفي الجر في قوله ﴿ لعلى هدى أو في ضلال ﴾ إشارة إلى أن أهل الحق راكبون مطية الهدى مستعلون على متنها، وأن أهل الباطل منغمسون في ظلمة الضلال لا يدرون أين يتوجهون.

وإنما وصف الضلال بالمبين وأطلق الهدى لأن الحق كالخط المستقيم واحد، والباطل كالخطوط المنحنية لا حصر لها فبعضها أدخل في الضلالة من بعض وابين.

وقوله ﴿ عما أجرمنا ﴾ إلى قوله ﴿ عما تعملون ﴾ أبلغ في سلوك طريقة الإنصاف حيث أسند الإجرام وهو الصغائر والزلات أو هي مع الكبائر إلى أهل الإيمان، وعبر عن إجرام أهل الكفر بلفظ عام وهو العمل.

وفيه إرشاد إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وإذا قال أحد المناظرين للآخر: أنت مخطئ أغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض.

ومعنى الفتح الحكم والفصل بين الفريقين بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

وحين حث في الآية الأولى على وجوب النظر من حيث إن كل أحد يؤاخذ بجرمه ولو كان البريء أخذ بالمجرم لم يكن كذلك، أكد ذلك المعنى بالآية الثانية فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب فكيف إذا كان يوم عرض وحساب.

وفي قوله ﴿ العليم ﴾ إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا كحكم من يحكم بمجرد الغلبة والهوى.

ولما بين أن غير الله لا يعبد لدفع الضر ولا لجلب النفع أراد أن يبين أن غير الله لا ينبغي أن يعبد لأجل استحقاق العبادة فإنه لا مستحق للعبادة إلا هو.

ومعنى ﴿ أروني ﴾ وكان يعرفهم ويراهم الاستخفاف بهم والتنبيه على الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله أو أراد أعلموني بأي صفة الحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاء فـ ﴿ ـشركاء ﴾ نصب على الحال والعائد محذوف و ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن مذهبهم بعدما كسده بإبطال المقايسة وردّ الإلحاق.

ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ بل هو الله العزيز الحكيم ﴾ كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات فإن الإله لا يمكن أن يخلو عن القدرة الكاملة والحكمة الشاملة.

وهو يحتمل أن يكون ضمير الشأن.

وحين فرغ من التوحيد شرع في الرسالة.

ومعنى ﴿ كافة ﴾ عامة لأن الرسالة إذا شملتهم قد منعتهم أن يخرج أحد منهم والكف المنع وكافة صفة لرسالة.

وقال الزجاج: التاء للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإنه حال من الكاف أي أرسلناك جامعاً للناس في الإبلاغ والتبشير والإنذار، أو مانعاً للناس من الكفر والمعاصي.

وبعض النحويين جعله حالاً من الناس وزيف بأن حال المجرور لا يتقدم عليه.

ومن هؤلاء من جعل اللام بمعنى "إلى" لأن أرسل يتعدى بإلى فضوعفت تخطئته بأن استعمال اللام بمعنى.

"إلى" ضعيف، ولا يخفى أن ثاني مفعولي ﴿ أرسلنا ﴾ على غير هذا التفسير محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلى الناس إلا كافة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.

وحين ذكر الرسالة بين الحشر وذكر أنهم استعجلوه تعنتاً منهم فبين على طريق التهديد أنه لا استعجال فيه كما لا إمهال وهذا شأن كل أمر ذي بال.

قال جار الله ﴿ ميعاد يوم ﴾ كقولك "سحق عمامة" في أن الإضافة للتبيين يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ميعاد يوم ﴾ بالرفع فيهما فأبدل منه اليوم.

وفي إسناد الفعل إليهم بقوله ﴿ لا تستأخرون عنه ﴾ دون أن يقول لا يؤخر عنكم زيادة تأكيد لوقوع اليوم.

ولما بين الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر، ذكر أنهم كافرون بالكل قائلين ﴿ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.

يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة محمد  في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع الكتب.

وقيل: الذين كفروا عام والذي بين يديه يوم القيامة وما جاء ذكره في القرآن من تفاصيل الحشر وغيرها، وأن أهل الكتاب لو صدّقوا بشيء من ذلك فليس لأجل مجيئه في القرآن ولكن لمجيئه في كتبهم.

وحين وقع اليأس من إيمانهم بقولهم ﴿ لن نؤمن ﴾ وعد نبيه بأنه سيراهم على أذل حال موقوفين للسؤال متجاذبين أهداب المراجعة كما يكون حال جماعة أخطأوا في تدبير أمره وجواب "لو" محذوف أي لقضيت العجب.

وبدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ.

وفي قوله ﴿ لولا أنتم ﴾ إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى فإن الرسول قد جاء ولم يقصر في الإبلاغ.

ثم ذكر جواب المستكبرين وهم الرؤوس والمتبوعين على طريقة الاستئناف.

وفي إيلاء الاسم وهو نحن حرف الإنكار إثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عن الهدى بكسب منهم واختيار وأن المانع لم يكن راجحاً على المقتضى ولا مساوياً له وأكدوا ذلك بقولهم ﴿ بل كنتم مجرمين ﴾ أي إنكم أنتم الذين أطعتم أمر الشهوة فكنتم كافرين ولم يكن منا إلا التسويل والتزيين.

ثم عطف قولاً آخر للمستضعفين على قولهم الأول.

والإضافة في ﴿ مكر الليل والنهار ﴾ من باب الاتساع بإجراء الظرف مجرى المفعول به وأصل الكلام: بل مكرهم في الليل والنهار.

أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، فالأول اتساع لفظي، والثاني معنوي.

أبطلوا إضرابهم بإضرابهم قائلين: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا مستمراً دائماً دائباً ليلاً ونهاراً.

وقدم الليل لأنه أخفى للمكر والويل.

وقرئ ﴿ مكرّ الليل ﴾ بالتشديد أي سبب ذلك أنكم تكرّون الإغواء مكراً دائباً.

والمعنى: ما أنتم بالصارف القطعي والمانع القويّ ولكن انضم إلى ذلك طول المدة فصار قولكم جزء السبب.

وفي قوله ﴿ أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً ﴾ إشارة إلى أن الشرك وإن كان مثبتاً لله في الظاهر ولكنه نافٍ له على الحقيقة لأنه جعل مساوياً للصنم.

ويجوز أن يكون كل منهما قول طائفة فبعضهم كانوا مأمورين بجحد الصانع وبعضهم بالإشراك به.

وتفسير قوله ﴿ واسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ مذكور في سورة يونس.

والضمير يعود إلى جنس الظالمين الشامل للمستضعفين وللمستكبرين.

وقوله ﴿ في أعناق الذين كفروا ﴾ أي في أعناقهم من وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهي محمولة على الظاهر وإن جاز أن يراد بها العلائق.

وفي قوله ﴿ هل تجزون ﴾ إشارة إلى أنهم استحقوها عدلاً.

ثم سلى نبيه  بأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعاً وإنما ذلك هجيراهم قدماً.

وإنما خص المترفين بالذكر لأنهم أصل في الجحود والإنكار وغيرهم تبع، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد اعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله ما رزقهم، ثم قاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا فقالوا ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فبين الله خطأهم بأن القابض الباسط ه والله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعملون ﴾ أن ذلك بمجرد المشيئة لا بالكسب والاستحقاق فكم من شقيّ موسر وتقي معسر.

ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وما أموالكم ﴾ اي وما جماعة أموالكم ﴿ ولا ﴾ جماعة ﴿ أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ﴾ أي قربى اسم بمعنى القربة وقع موقع المصدر كقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ثم استثنى من ضمير المفعول في تقرّبكم بقوله ﴿ إلا من آمن ﴾ والمراد أن الأموال والأولاد لا تقرّب أحداً إلا المؤمن الصالح ينفق الأموال في سبيل الله ويعلم أولاده الخير والفقه في الدين.

ويحتمل أن يكون الاستثناء من الفاعل والمعنى أن شيئاً من الأشياء لا يقرّب إلا عمل المؤمن الصالح لأن ما سوى ذلك شاغل عن الله، والعمل الصالح إقبال على العبودية.

ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب شيئاً من الله حصل.

وجزاء الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول تقديره: فأولئك لهم أن يجاوزوا الضعف.

ومعنى قراءة يعقوب: أولئك لهم الضعف جزاء.

والتضعيف يكون إلى العشر وإلى سبعمائة وأكثر كما عرفت.

والباقي إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ قد سبق.

وحين بين أن حصول الترف لا يدل على الشرف ذكر أن بسط الرزق لا يختص بهم ولكنه  قد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده المؤمنين.

ثم رتب وعد الإخلاف على الإنفاق وذلك إما في العاجل بالمال أو بالقنوع، وإما في الآخرة بالثواب الذي لا خلف فوقه ولا مثله.

ومما يؤكد الآية قوله  "اللهم أعط منفقاً خلفاً" الحديث.

وقول الفقهاء ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، وأن التاجر إذا علم أن مالاً من الأموال في معرض الفناء يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء وإلا نسب إلى الخطأ وسخافة الرأي، ولا ريب أن مال الدنيا في معرض الزوال وأن أغنى الأغنياء قد طلب منا الإقراض ووعد الإضعاف والإخلاف فأي تجارة عند العاقل أربح من هذا؟

﴿ وهو خير الرازقين ﴾ لأن سلسلة الأرزاق والرزق تنتهي إليه.

وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي.

ثم حكى عاقبة حال الكفار بقوله ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ وفي خطاب الملائكة تقريع الكفار وتقرير لما يعروهم من الخجل والوجل عند اقتصاص ذلك كما مر في قوله لعيسى ﴿ ءَأَنتَ قلت للناس  ﴾ ﴿ قالوا سبحانك ﴾ ننزهك عن أن نعبد غيرك أنت الذي نواليك ونعادي غيرك في شأن العبادة ﴿ بل كانوا يعبدون الجن ﴾ حيث أطاعوهم في عبادة غيرك فهم كانوا يطيعونهم وكنا نحن كالقبلة، أو صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو كانوا يدخلون في أجواب الأصنام فيعبدون بعبادتها.

وإنما قالوا ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ وما ادّعوا الإحاطة لأن الذين رأوهم وأطلعهم الله على أحوالهم كانوا كذلك ولعل في الوجود من لا يطلع الله الملائكة عليه من الكفار.

وأيضاً أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن، والاطلاع على عمل القلب كما هو ليس إلا الله وحده فراعوا الأدب الجميل والحكم على الظاهر أكثري.

ثم ذكر أن الأمر في ذلك اليوم لله وحده والخطاب في قوله ﴿ لا يملك بعضكم ﴾ للملائكة والكفار وإن كان الكفار غائبين كما تقول لمن حضر عندك ولمن شاركه في أمر بسببه: أنتم قلتم كذا على معنى أنت قلت وهم قالوا.

ويحتمل أن يكون الخطاب للكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم أو لهم وللملائكة أيضاً بهذا التأويل، وعلى الأول يكون قوله ﴿ ونقول للذين ظلموا ﴾ إفراداً للكفرة بالذكر، وعلى الوجه الآخر يكون تأكيداً لبيان حالهم في الظلم وذكر الضر تأكيد لعدم تملكهم شيئاً وإلا فهو غير متصور في ذلك اليوم.

وإنما قال ههنا ﴿ عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ﴾ وفي السجدة ﴿ عذاب النار الذي كنتم به  ﴾ لأنهم هناك قد رأوا النار بدليل قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها  ﴾ فقيل لهم ذوقوا العذاب المؤبد الذي كنتم به تكذبون في قولكم ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة  ﴾ وههنا لم يروا النار.

وقيل: لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال فناسب التوبيخ على تكذيبهم بالنار.

ثم حكى أكاذيبهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ الآية.

ولا يخفى ما فيه من المبالغات.

ثم بين أن أقوالهم هذه لا تستند إلا إلى محض التقليد فقال ﴿ وما آتيناهم من كتب يدرسونها ﴾ فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية وما لهم من دليل أو بالنقليات وما عندهم من كتاب ولا رسول غيرك ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ كعاد وثمود ﴿ وما بلغوا معشار ما آتيناهم ﴾ والمعشار كالمرباع وهما العشر والربع.

قال الأكثرون: معناه وما بلغ هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر.

ثم إن الله أخذهم وما نفعهم محصولهم فكيف حال هؤلاء الضعفاء؟.

وقال بعضهم: أراد وما بلغ الذين من قبلهم معشار ما آتينا قوم محمد  من البيان والبرهان لأن محمداً  أفصح الرسل وكتابه أوضح الكتب.

ثنم إن المتقدمين أنكر عليهم تكذيبهم فكيف لا ينكر على هؤلاء؟

قال جار الله: قوله ﴿ فكذبوا رسلي ﴾ بعد قوله ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ تخصيص بعد تعميم كأنه قيل: وفعل الذين من قبلهم التكذيب فكذبوا رسلي؟

نظيره قول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد  .

ويجوز أن ينعطف على قوله ﴿ وما بلغوا معشار ما ﴾ كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه.

قلت: فعلى هذا تكون الفاء للسببية، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف يفضل عليه؟

وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين فكيف كذبوا؟

﴿ فكيف كان نكير ﴾ للمكذبين الأوّلين فليحذروا من مثله.

ويجوز عندي أن يكون الثاني تكريراً للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل: فإذ قد صح أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك: فعلت كذا وكذا، فإذا فعلت ذلك فتربص.

وبعد تقرير الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله ﴿ أن تقوموا ﴾ على أنه عطف بيان لها.

والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبيُّ متفرقين إلى أوطانهم.

وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم والجد.

فقوله ﴿ مثنى وفرادى ﴾ إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو لا فكأنه قال: أن تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية عن ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله.

وقوله ﴿ ثم تتفكروا ﴾ يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعدما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما اقول بعده، وهو الرسالة المشار إليها بقوله ﴿ ما بصاحبكم من جنة ﴾ والحشر المشار إليه بقوله ﴿ بين يدي عذاب شديد ﴾ قيل: وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال: ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد.

فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد، أو المراد أنه لا يأمرهم في أوّل الأمر بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء واحد.

وعند جار الله: الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد  والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا لوجه الله خالصاً متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً، فإن ما فوق الإثنين والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الإثنين محصول فكره على صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفه حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدّى لادعائه إلا رجلان: مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وعاقل اجتباه الله بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان.

لكن محمداً  بالاتفاق أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأوفرهم حياء وأمانة، فما هو إلا النبيّ المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد هو القيامة وأهوالها.

وقوله ﴿ ما بصاحبكم ﴾ إما أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه تنبيه على كيفية النظر في أمر النبيّ  والمراد: ثم تتفكروا فتعلموا ذلك.

وجوز بعضهم أن تكون "ما" استفهامية.

وحين ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبياً ذكر وجهاً آخر يلزم منه صحة نبوّته وهو قوله ﴿ ما سألتكم من أجر ﴾ الآية.

وتقريره أن العاقل لا يركب العناء الشديد إلا لغرض عاجل وهو غير موجود ههنا بل كل أحد يعاديه ويقصده بالسوء، أو لغرض آجل ولا يثبت إلا على تقدير الصدق فإن الكاذب معذب في الآخرة لا مثاب.

هذا إذا أريد بقوله ﴿ فهو لكم ﴾ نفي سؤال الآخر رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئاً فخذه وهو لم يعطه شيئاً.

ويحتمل أن يراد بالأجر قوله ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى  ﴾ وقوله ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً  ﴾ لأن المودة في القربى قد انتظمته وإياهم وكذا اتخاذ السبيل إلى الله عز وجل فيه نصيبهم ونفعهم.

﴿ وهو على كل شيء شهيد ﴾ يعلم أني لا أطلب الأجر على نصحكم أو يعلم أن فائدة النصح تعود عليكم.

قوله ﴿ يقذف بالحق ﴾ اي في قلوب المحقين وفيه إزالة استبعاد الكفرة تخصيص واحد منهم بإنزال الذكر عليه فإن الأمر بيد الله والفضل له يؤتيه من يشاء وإنه ﴿ علام الغيوب ﴾ يعلم عواقب الأمور ومراتب الاستحقاق فيعطى على حسب ذلك لا كما يفعل الهاجم الغافل، أو أراد يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وذلك أن براهين التوحيد قد ظهرت وشبه المبطلين قد دحضت.

وفي قوله ﴿ علام الغيوب ﴾ إشارة إلى أن البرهان الباهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فالدليل عليه إخبار علام الغيوب عنه.

وحين ذكر أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال أخبر أن ذلك الحق قد جاء وهو القرآن والإسلام وكل ما ظهر على لسان النبي  وعلى يده.

وقيل: السيف.

وقوله ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيده ﴾ مثل في الهلاك لأن الحيّ إما أن يبدئ فعلاً أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة.

والتحقيق فيه أن الحق هو الموجود الثابت.

ولما كان ما جاء به النبي  من بيان التوحيد والرسالة والحشر ثابتاً في نفسه بيناً لمن نظر إليه كان جائياً، وحين كان ماأتوا به من الإصرار والتكذيب مما لا أصل له قيل: إنه لا يبدئ ولا يعيد أي لا يعيد شيئاً لا في الأوّل ولا في الآخر.

وقيل: الباطل إبليس لأنه صاحب الباطل ولأنه هالك والمراد أنه لا ينشئ خلقاً ولا يعيد وإنما المنشئ والباعث هو الله.

وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.

وقال الزجاج: "ما" استفهامية والمعنى أي شيء ينشئ إبليس ويعيده؟

ثم قرر أمر الرسالة بوجه آخر وهو قوله ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ﴾ يعني كضلالكم وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم وإنما هو بالوحي المبين.

قال جار الله: هذا حكم عام لكل مكلف، والتقابل مرعي من حيث المعنى والمراد أن كل ما هو وبال على النفس وضارّ لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه.

وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿ إنه سميع قريب ﴾ يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله لا يعزب عنه منهما شيء، وفيه أن الرسول  إذا دعاه على من يكذبه أجابه ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي.

ثم عجب نبيه أو كل راءٍ من مآل حال أهل العناد بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ وجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً.

والأفعال الماضية التي هي ﴿ فزعوا ﴾ ﴿ وأخذوا ﴾ ﴿ وقالوا ﴾ ﴿ وحيل ﴾ كلها من قبيل ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ ووقت الفزع وقت البعث أو الموت أو يوم بدر.

وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء وهم ثمانون ألفاً أرادوا غزو الكعبة وتخريبها فخسف بهم حين دخلوا البيداء ﴿ فلا فوت ﴾ أي فلا يفوتون الله ولا يسبقونه.

والأخذ من مكان قريب هو من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إلى الأرض,.

وجوّز جار الله أن يعطف ﴿ وأخذوا ﴾ على ﴿ لافوت ﴾ على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا.

ثم بين أنهم سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه سولم أو بالقرآن أو بالحق حين لا ينفع الإيمان وذلك قوله ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ وهو تناول سهل لشيء قريب مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعيد كما يتناوله الآخر من قريب تناولاً سهلاً لا تعب فيه، أو أراد أن تناولهم التوبة وإيمانهم في الآخرة بعيد عن الدنيا فإن أمس الدابر لا يعود وإن كانت الآخرة قريبة من الدنيا ولهذا سماها الله الساعة وكل ما هو آت قريب.

وعن أبي عمرو: التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم: نأشت بالهمزة أي أبطأت وتأخرت.

والصح أنه من النوش كما مر همزت الواو المضمومة كما همزت فلي أجوه.

وقيل: التناوش بلغة اليمن التذكرة قاله أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب "المدخل في تفسير القرآن" والضمير في قوله ﴿ وقد كفروا ﴾ عائد إلى ما يعود إليه في قوله ﴿ آمنا به ﴾ .

قوله ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه قولهم في رسول الله صلى الله عيله وسلم شاعر ساحر وهذا تكلم بالأمر الخفي وقد أتوا به من جهة بعيدة عن حاله لأنهم قد عرفوا منه الأمانة والصدق لا الكذب والزور.

وثانيهاك أخذوا الشريك من حالهم في العجز فإنهم يحتاجون في الأمور العظام إلى التعاون فقاسوا الأمر الإلهي عليه.

وثالثها: أنهم قاسوا قدرة الله على قدرتهم عجزوا عن إحياء الموتى فظنوا أن الله لا يقدر على البعث، وقياس الخالق على المخلوق بعيد المأخذ.

ورابعها: قاسوا أمر الآخرة على الدنيا قائلين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة وحصول الثواب والعقاب فنحن أكرم على الله من أن يعذبنا.

وخامسها: قالوا ﴿ ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً  ﴾ وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا.

﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ من نفع الإيمان في الآخرة أو من الرد إلى الدنيا ﴿ كما فعل باشياعهم ﴾ أي بأشباههم من كفرة الأمم لم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله و ﴿ مريب ﴾ موقع في الريب منقول من الأعيان إلى المعنى أو ذو ريبة وذلك باعتبار صاحبه وكلاهما مجاز بوجهين وقد مر في هود.

التأويل: ﴿ مثقال ذرة في السموات ﴾ القلوب ﴿ ولا في الأرض ﴾ النفوس من سعادة أو شقاوة ﴿ قالوا الحق ﴾ يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه لا يقول إلا الحق ﴿ قل من يرزقكم ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس إذا نزل من سماء القلب ماء الفيض على أرض الشرعية.

﴿ ألحقتم به شركاء ﴾ من الدنيا والهوى والشيطان كافة للناس من أهل الأولين والآخرين في عالم الأجساد وهو ظاهر، وفي عالم الأرواح تبشرها بأن لها كمالاً عند الاتصال بالأشباح وتنذرها بالحرمان إن لم تتعلق بالأجسام، وذلك أن الأرواح علوية نورانية والأشباح سفلية مظلمة لا يحصل بينهما التعلق إلا بالتبشير والإنذار.

فالروح بمثابة البذر والقالب كالأرض، وشخص الإنسان بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها، والشريعة كالماء والبشير والنذير كالآكار.

وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات نابتة من بذر روحه  وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين ولكن بتبعية محمد  ولهذا حصلت له رتبة الشفاعة دونهم.

يقولون يعني أرباب الطلب يستعجلون متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا به.

ثم بين أن لثمرة كل شجرة وقتاً معلوماً لا تتجاوزه ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ اي أكثر مدعي الإسلام بأهل الأهواء مؤمنون ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه أن معارف الأسرار ومراتب الأحرار لا تصلح لمن هو اسير في أيدي صفات النفس ﴿ وحيل بينهم ﴾ لأن الدين ليس بالتمني والله أعلم بحقائق الأشياء والله الموفق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ ﴾ ، يا محمد، ﴿ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً ﴾ ، بالجنة لمن اتبعه، ﴿ وَنَذِيراً ﴾ بالنار لمن خالفه وعصاه.

وقوله: ﴿ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ ﴾ ، قال بعضهم، أي: ما أرسلناك إلا جامعاً للناس إلى الهدى داعياً إليه.

ومنهم [من] يقول: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ ﴾ ، أي: ما أرسلناك إلا إلى الناس جميعاً إلى العرب والعجم، وإلى إلإنس والجن، ليس كسائر الأنبياء؛ إنما أرسلوا إلى قوم دون قوم، وإلى بلدة دون بلدة.

وكذلك روي عن نبي الله  أنه قال: "أعطيت أربعاً لم يعطهن نبي قبلي: أحدها (ما ذكرنا): بعثت إلى الناس جميعاً عامة: إلى الأحمر والأسود، والعرب والعجم، والثاني: جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، وأرعب لنا عدوّنا مسيرة شهرين، وأحلت لي الغنائم" وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: لا يصدّقون، ويحتمل لا يعلمون، أي: لا ينتفعون بما يعلمون، ولا يعملون.

أو لا يعلمون حقيقة؛ لما لم ينظروا إلى الحجج والآيات [التي] قد مكن لهم: لو نظروا علموا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

هذا القول منهم إنما يقولون على الاستهزاء والسخرية، ليس على الاسترشاد على أنه لا يكون ذلك، وأنه كذب؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ : أخبر أن أولئك يستعجلون بها؛ لتركهم الإيمان بها استهزاء منه، والذين آمنوا خائفون منها؛ لإيمانهم بها أنها كائنة لا محالة، لكن الله -  - لم يجبهم بما يجاب المستهزئ؛ ولكن أجابهم بما يجاب المسترشد؛ بلطفه وكرمه وجوده حيث قال: ﴿ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ ﴾ .

أي: لكم ميعاد [اليوم] الذي وعدكم محمد أنه كائن لا محالة، وهو يوم ﴿ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ، وهكذا الواجب على كل مسئول إذا كان سائله سؤال استهزاء أن يجيبه جواب ما يجاب المسترشد، لا ما يجاب المستهزئ، ولا يدع علمه وحكمته لسفه السفيه، ولا لهزأ الهازئ، ولكنه يحفظ حكمته وعلمه وعقله، ولا يشتغل بجواب مثله، وبالله العصمة.

وقوله: ﴿ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .

فإن كان على طلب التأخير وطلب التقديم، ففيه تعيير وتوبيخ لهم؛ كأنه يقول: ليس لكم من الخطر والقدر والمنزلة ما يؤخر لكم ما تستأخرون أو يقدم لكم ما تستقدمون.

وإن كان على تحقيق ترك التأخير وترك التقديم، كأنه يقول: ميعادكم يوم لا تملكون تأخيره إذا جاء، ولا تقديمه عن وقته ولا رفعه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

كأن هذا القول منهم - والله أعلم - خرج عن مخاصمة وقعت بينهم وبين المؤمنين في شأن القرآن أو في شأن محمد؛ فتحاكموا إلى [أهل] الكتاب على اتفاق منهم على ما في كتبهم، فلما خرج ذلك على موافقة قول المؤمنين، ومخالفة قول أولئك - قالوا عند ذلك: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، وإلا على الابتداء من غير تنازع وخصومة كان بينهم في ذلك مستقيم.

ويذكر بعض أهل التأويل - ابن عباس وغيره -: أن رهطا بعثهم قريش إلى المدينة إلى رؤساء اليهود؛ يسألونهم عن محمد وبعثه؛ فأخبروهم أنه كائن وأنه مبعوث، فلما رجعوا إليهم فأخبروهم أنهم قد عرفوه، وهو عندهم في التوراة والإنجيل - فعند ذلك قالوا ما قالوا ثم كأنه اشتد ذلك على رسول الله  وثقل عليه؛ فقال له على التعزية والتصبير على ذلك: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .

أي: محبوسون عند ربهم، أي: على محاسبة ما كان منهم من العناد والمكابرة والتكذيب، أي: لو رأيتهم ما فيهم من الذل والهوان والخضوع لرحمتهم ولأخذتك الرأفة لهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ ﴾ .

أي: يلوم بعضهم بعضا؛ فيقولون ما ذكر.

﴿ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ ﴾ ، أي: السفلة والأتباع، ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ ، أي: القادة منهم والرؤساء، ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ ﴾ فيما صرفتمونا عن دين الله وصددتمونا عنه، ﴿ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ به تابعين له؛ لأنهم كانوا يصدرون لآرائهم ويقبلون قولهم؛ لما هم كانوا أهل شرف ومعرفة، والسفلة لا، فيقولون: لولا أنتم لكنا نتبع رأي أنفسنا، فنؤمن به، لكن قلتم لنا: إنه كذب، وإنه افتراء، وإنه سحر؛ فنحن صدقناكم في ذلك.

﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ ﴾ هو على التقدير: أي: لم نصدّكم، وإن كان ظاهره استفهاماً، ولكن أنتم بأنفسكم تركتم اتباعه؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يقولون للأتباع: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 33\] أخبروا أنه بشر مثلهم، ثم أخبروهم: أنكم إذا أطعتم بشراً مثلكم إذاً تكونوا خاسرين، ونحن بشر، فكيف اتبعتمونا وأطعتمونا؟.

﴿ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ﴾ .

في اتباعكم بما اتبعتموه.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: لولا تلبيسكم علينا وتمويهكم أن الرسل كذبة، وأنهم سحرة فيما يقولون ويدعون، وأنهم يفترون على الله - وإلا لكنا مؤمنين.

والثاني: لولا منعكم إيانا عن النظر والتفكر في أمورهم، والتأمل في الحجج والآيات لكنا مؤمنين؛ هذا قول الأتباع للرؤساء.

ثم أجاب لهم الرؤساء فقالوا: ﴿ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ﴾ ، يقولون - والله أعلم -: إن صددناكم ومنعناكم عن اتباعهم ظاهراً وعلانية؛ فمتى منعناكم سرّاً من غير أن نطلع ونعلم نحن بذلك.

أو ما ذكرنا من قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 34\]، وقد عرفتم أنا بشر مثلكم فأطعتمونا وتركتم طاعة الرسل؛ لأنهم بشر؛ فأجاب لهم الأتباع فقالوا: ﴿ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ ، بل يمكركم إيانا، وقولكم في الليل والنهار: إنهم كذبة سحرة، وخداعكم إيانا، وإنهم بشر مثلكم؛ تركنا اتباعهم؛ ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً ﴾ .

أو يقولون: بل مكركم في الليل والنهار ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ ﴾ ، أي: من تخويفكم إيانا وتهييبكم لنا من الأخذ على البغتة والغفلة - تركنا اتباعهم في السر إذا ظهر وبلغكم الخبر به.

هذه مناظرات أهل الكفر فيما بينهم يومئذ، وردّ بعضهم على بعض، ولعن بعضهم على بعض؛ يذكرها في الدنيا، ليلزمهم الحجة، وألا يقولوا يومئذ: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ .

فإن قيل: إنهم كانوا لا يؤمنون بهذا القرآن ولا بالبعث؛ فكيف يلزمهم ذلك، وهم لا يستمعون له؟!.

قيل: إنهم قد مكنوا من الاستمتاع والنظر فيه؛ فيلزمهم الحجة، وإن لم يستمعوا له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .

قال بعضهم: أسروا الرؤساء الندامة؛ بصرف الأتباع وصرف أنفسهم عن دين الله واتباع الرسل لما رأوا العذاب.

وقيل: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ : الأتباع والرؤساء جميعاً.

وقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ ، قال [بعضهم]: من الإسرار والإخفاء، أخفى بعضهم من بعض.

وقال بعضهم: أخفى الكفرة الندامة عن المؤمنين.

وقال القتبي: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ ، أي: أظهروا، وهو من الأضداد، يقال: أسررت الشيء: أخفيته وأظهرته.

وأما غيره من أهل التأويل فإنهم قالوا: هو من الإخفاء.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

الأغلال: جماعة الغل: وهو ما يجعل في اليد، ثم يشد اليد إلى العنق.

﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: لا يجزون إلا جزاء عملهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال المتبوعون الذين استكبروا عن الحق للتابعين الذين استضعفوهم: أنحن منعناكم عن الهدى الذي جاءكم به محمد؟!

لا، بل كنتم ظلمة وأصحاب فساد وإفساد.

<div class="verse-tafsir" id="91.qg185"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله