الآية ١١ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ١١ من سورة الصافات

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ۚ إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١١ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : فسل هؤلاء المنكرين للبعث : أيما أشد خلقا هم أم السماوات والأرض ، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة ؟

- وقرأ ابن مسعود : " أم من عددنا " - فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم ، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث ؟

وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا .

كما قال تعالى : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [ غافر : 57 ] ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف ، فقال ( إنا خلقناهم من طين لازب ) قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاك : هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض .

وقال ابن عباس ، وعكرمة : هو اللزج .

وقال قتادة : هو الذي يلزق باليد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (11) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : فاستفت يا محمد هؤلاء المشركين الذي يُنكرون البعث بعد الممات والنشور بعد البلاء: يقول: فسَلْهم: أهم أشد خلقا؟

يقول: أخلقُهم أشد أم خلق من عددنا خلقه من الملائكة والشياطين والسموات والأرض؟

وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله بن مسعود: " أهُمْ أشَدُّ خَلْقا أمْ مَنْ عَدَدْنَا "؟.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أهُمْ أشَدُّ خَلْقا أمْ مَنْ خَلَقْنَا )؟

قال: السموات والأرض والجبال.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح ،قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك أنه قرأ " أهُمْ أَشَدُّ خَلْقا أمْ مَنْ عَدَدْنَا "؟

وفي قراءة عبد الله بن مسعود " عَدَدْنَا " يقول: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ يقول: أهم أشد خلقا، أم السموات والأرض؟

يقول: السموات والأرض أشد خلقا منهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَاسْتَفْتِهِمْ أهُمْ أَشَدُّ خَلْقا أمْ مَنْ عَدَدْنَا) من خلق السموات والأرض، قال اللهُ: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ...

الآية.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي (فَاسْتَفْتِهِمْ أهُمْ أشَدُّ خَلْقَا ) قال: يعني المشركين، سلهم أهم أشد خلقا( أمْ مَنْ خَلَقْنَا ) وقوله ( إنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ) يقول: إنا خلقناهم من طين لاصق.

وإنما وصفه جل ثناؤه باللُّزوب، لأنه تراب مخلوط بماء، وكذلك خَلْق ابن آدم من تراب وماء ونار وهواء; والتراب إذا خُلط بماء صار طينا لازبا، والعرب تُبدل أحيانًا هذه الباء ميما، فتقول: طين لازم; ومنه قول النجاشي الحارثي: بنـى اللـؤم بيتـا فاسـتقرت عمـاده عليكــم بنـي النجـار ضربـة لازم (3) ومن اللازب قول نابغة بني ذُبيان: ولا يحسـبون الخـير لا شـرَّ بعـدهُ ولا يحســبون الشـر ضربـة لازب (4) وربما أبدلوا الزاي التي في اللازب تاء، فيقولون: طين لاتب، وذُكر أن ذلك في قَيس ، زعم الفرّاء أن أبا الجراح أنشده: صــداعٌ وتـوصيمُ العظـامِ وفـترة وغثـي مـع الإشراق في الجوف لاتب (5) بمعنى: لازم، والفعل من لازب: لَزِبَ يَلْزُب، لزْبا ولُزوبا (6) ------------------------ الهوامش: (3) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( مصورة الجامعة الورقة ص 208 - 1 ) قال في قوله تعالى"من طين لازب" مجازه مجاز لازم .

قال النجاشي:" بنى اللؤم ...

البيت" .اهـ.

(4) وهذا البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( مصورة الجامعة ص 208 - 1 ) .

وهو كالشاهد الذي قبله على أن معنى اللازب اللازم .

قال نابغة بني ذبيان:"لا يحسبون الخير ....

البيت": اهـ.

(5) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( مصورة الجامعة ص 271 ) قال اللازب اللاصق .

قال: وقيس تقول:"طين لاتب" أنشدني بعضهم: صــداع وتـوصيم ...............

..............................

البيت .

قال والعرب تقول: ليس هذا بضربة لازب، ولازم؛ يبدلون الباء ميما، لتقارب المخرج.اه.

(وفي اللسان:"لتب" اللاتب: الثابت؛ تقول منه لتب يلتب) .

(بوزن يقتل) لتبا ولتوبا، وأنشد أبو الجراح: فـإن يـك هـذا مـن نبيـذ شـربته فــإني مـن شـرب النبيـذ لتـائب صــداع وتـوصيم ...............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وفي اللسان عن الفرّاء في قوله تعالى" من طين لازب": قال: اللازب واللاتب واحد.

قال: وقيس تقول: طين لاتب.

واللاتب: اللازق، مثل اللازب.

وهذا الشيء ضربة لاتب كضربة لازم .اهـ.

(6) في الأصل: ويلزب وهو تحريف عما أثبتناه؛ لتصريحهم بأن الفعل من باب نفد، وأن المصدر لزبا ولزوبا .

( انظر اللسان والمصباح: لزب ) وضبط في التاج ككرم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فاستفتهم أي سلهم يعني أهل مكة ، مأخوذ من استفتاء المفتي .

أهم أشد خلقا أم من خلقنا قال مجاهد : أي : من خلقنا من السماوات والأرض والجبال والبحار .

وقيل : يدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية .

يدل على ذلك أنه أخبر عنهم " بمن " قال سعيد بن جبير : الملائكة .

وقال غيره : " من " الأمم الماضية وقد هلكوا وهم أشد خلقا منهم .

نزلت في أبي الأشد بن كلدة ، وسمي بأبي الأشد لشدة بطشه وقوته .

وسيأتي في [ البلد ] ذكره .

ونظير هذه : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس وقوله : ( أأنتم أشد خلقا أم السماء ) .قوله تعالى : إنا خلقناهم من طين لازب أي لاصق ، قاله ابن عباس .

ومنه قول علي - رضي الله عنه - :[ ص: 64 ]تعلم فإن الله زادك بسطة وأخلاق خير كلها لك لازبوقال قتادة وابن زيد : معنى لازب : لازق .

الماوردي : والفرق بين اللاصق واللازق أن اللاصق : هو الذي قد لصق بعضه ببعض ، واللازق : هو الذي يلتزق بما أصابه .

وقال عكرمة : لازب : لزج .

سعيد بن جبير : أي : جيد حر يلصق باليد .

مجاهد : لازب : لازم .

والعرب تقول : طين لازب ولازم ، تبدل الباء من الميم .

ومثله قولهم : لاتب ولازم .

على إبدال الباء بالميم .

واللازب الثابت ، تقول : صار الشيء ضربة لازب ، وهو أفصح من لازم .

قال النابغة :ولا يحسبون الخير لا شر بعده ولا يحسبون الشر ضربة لازبوحكى الفراء عن العرب : طين لاتب بمعنى لازم .

واللاتب الثابت ، تقول منه : لتب يلتب لتبا ولتوبا ، مثل لزب يلزب بالضم لزوبا ، وأنشد أبو الجراح في اللاتب :فإن يك هذا من نبيذ شربته فإني من شرب النبيذ لتائبصداع وتوصيم العظام وفترة وغم مع الإشراق في الجوف لاتبواللاتب أيضا : اللاصق مثل اللازب ، عن الأصمعي حكاه الجوهري .

وقال السدي والكلبي في اللازب : إنه الخالص .

مجاهد والضحاك : إنه المنتن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما بين هذه المخلوقات العظيمة قال: { فَاسْتَفْتِهِمْ } أي: اسأل منكري خلقهم بعد موتهم.

{ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا } أي: إيجادهم بعد موتهم، أشد خلقا وأشق؟.

{ أَمْ مَنْ خَلَقْنَا } من [هذه] المخلوقات؟

فلا بد أن يقروا أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.فيلزمهم إذا الإقرار بالبعث، بل لو رجعوا إلى أنفسهم وفكروا فيها، لعلموا أن ابتداء خلقهم من طين لازب، أصعب عند الفكر من إنشائهم بعد موتهم، ولهذا قال: { إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ } أي: قوي شديد كقوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فاستفتهم ) أي : سلهم ، يعني : أهل مكة ، ( أهم أشد خلقا أم من خلقنا ) يعني : من السماوات والأرض والجبال ، وهذا استفهام بمعنى التقرير ، أي : هذه الأشياء أشد خلقا كما قال : " لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس " ( غافر - 57 ) وقال : " أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها " ( النازعات - 27 ) .

وقيل : " أم من خلقنا " يعني : من الأمم الخالية ؛ لأن " من " يذكر فيمن يعقل ، يقول : إن هؤلاء ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم ، وقد أهلكناهم بذنوبهم فما الذي يؤمن هؤلاء من العذاب ؟

ثم ذكر خلق الإنسان ، فقال : ( إنا خلقناهم من طين لازب ) يعني : جيد حر لاصق يعلق باليد ، ومعناه اللازم ، أبدل الميم باء كأنه يلزم اليد .

وقال مجاهد والضحاك : منتن .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فاستفتهم» استخبر كفار مكة تقريرا أو توبيخا «أهم أشد خلقا أم من خلقنا» من الملائكة والسماوات والأرضين وما فيهما وفي الإتيان بمن تغليب العقلاء «إنا خلقناهم» أي أصلهم آدم «من طين لازب» لازم يلصق باليد: المعنى أن خلقهم ضعيف فلا يتكبروا بإنكار النبي والقرآن المؤدي إلى هلاكهم اليسير.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فاسأل -أيها الرسول- منكري البعث أَهُم أشد خلقًا أم من خلقنا من هذه المخلوقات؟

إنا خلقنا أباهم آدم من طين لزج، يلتصق بعضه ببعض.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ المنكرين للبعث والحساب ، وحكى جانبا من أقوالهم الباطلة حول هذه القضية ، ورد عليهم ردا يزهق باطلهم .

.

فقال - تعالى - :( فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ .

.

.

) .الفاء فى قوله - تعالى - : ( فاستفتهم .

.

.

) هى الفصيحة ، والاستفتاء : الاستخبار عن الشئ ومعرفة وجه الصواب فيه .والمراد من الاستفهام فى الآية : توبيخ المشركين على إصرارهم على شركهم وجهلهم .

وتعجيب العقلاء من أحوالهم .واللازب : أى : الملتصق بعضه ببعض .

يقال : لزب الشئ يلزب لزبا ولزوبا ، إذا تداخل بعضه فى بعض ، والتصق بعضه ببعض .

والطين اللازب : هو الذى يلزق باليد - مثلا - إذا ما التقت به قال النابغة الذبيانى :فلا تحسبون الخير لا شر بعده ...

ولا تحسبون الشر ضربة لازبأى : ضربة ملازمة لا مفارقة لها .والمعنى : إذا كان الأمر كما أخبرناك أيها الرسول الكريم - من أن كل شئ فى هذا الكون يشهد بوحدانيتنا وقدرتنا ، فاسأله هؤلاء المشركين ( أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ) أى : أهم أقوى خلقة وأمتن بنية ، وأضخم جسادا .

.

( أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ) من ملائكة غلاظ شداد ، ومن سماوات طباق ، ومن أرض ذات فجاج .لا شك أنهم لن يجدوا جوابا يريدون به عليك ، سوى قولهم : إن خلق الملائكة والسموات والأرض .

أشد من خلقنا .وقوله - تعالى - ( إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ) إشارة إلى المادة الأولى التى خلقوا منها فى ضمن خلق أبيهم آدم - عليه السلام - .أى : إنا خلقناهم من طين ملتصق بعضه ببعض ، ومتداخل بعضه فى بعض .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ساقت دليلين واضحين على صحة البعث الذى أنكره المشركون .أما الدليل الأول فهو ما يعترفون به من أن خلق السموات والأرض والملائكة .

.

أعظم وأكبر منهم .

.

ومن كان قادراً على خلق الأعظم والأكبر كان من باب أولى قادرا على خلق الأقل والأصغر .وقد ذكر - سبحانه - هذه الحقيقة فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - ( لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) وأما الدليل الثانى فهو قوله - تعالى - : ( إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ) وذلك لأن من خلقهم أولا من طين لازب ، قادر على أن يعيدهم مرة أخرى بعد أن يصيروا ترابا وعظاما .إذ من المعروف لدى كل عاقل أن الإِعادة أيسر من الابتداء .

وقد قرر - سبحانه - هذه الحقيقة فى آيات منها قوله - تعالى - : ( وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان النظم اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصد الأقصى من هذا الكتاب الكريم إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيات والمعاد والنبوة وإثبات القضاء والقدر.

فنقول إنه تعالى افتتح هذه السورة بإثبات ما يدل على وجود الصانع ويدل على وحدانيته وهو خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب، فلما أحكم الكلام في هذا الباب فرع عليها إثبات القول بالحشر والنشر والقيامة.

واعلم أن الكلام في هذه المسألة يتعلق بطرفين أولهما إثبات الجواز العقلي وثانيهما إثبات الوقوع أما الكلام في المطلوب الأول فاعلم أن الاستدلال على الشيء يقع على وجهين: أحدهما: أن يقال إنه قدر على ما هو أصعب وأشد وأشق منه فوجب أيضاً أن يقدر عليه والثاني: أن يقال إنه قدر عليه في إحدى الحالتين والفاعل والقابل باقيين كما كانا، فوجب أن تبقى القدرة عليه في الحالة الثانية والله تعالى ذكر هذين الطريقين في بيان أن القول بالبعث والقيامة أمر جائز ممكن.

أما الطريق الأول: فهو المراد من قوله: ﴿ فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ﴾ والتقدير كأنه تعالى يقول: استفت يا محمد هؤلاء المنكرين أهم أشد خلقاً من خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب وخلق الشياطين الذين يصعدون الفلك، ولا شك أنهم يعترفون بأن خلق هذا القسم أشق وأشد في العرف من خلق القسم الأول، فلما ثبت بالدلائل المذكورة في إثبات التوحيد كونه تعالى قادراً على هذا القسم الذي هو أشد وأصعب، فبأن يكون قادراً على إعادة الحياة في هذه الأجساد كان أولى، ونظير هذه الدلالة قوله تعالى في آخر يس ﴿ أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس  ﴾ وأما الطريق الثاني: فهو المراد من قوله: ﴿ إِنَّا خلقناهم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ والمعنى أن هذه الأجسام قابلة للحياة إذ لو لم تكن قابلة للحياة لما صارت حية في المرة الأولى والإله قادر على خلق هذه الحياة في هذه الأجسام، ولولا كونه تعالى قادراً على هذا المعنى لما حصلت الحياة في المرة الأولى، ولا شك أن قابلية تلك الأجسام باقية وأن قادرية الله تعالى باقية لأن هذه القابلية وهذه القادرية من الصفات الذاتية فامتنع زوالها فثبت بهذين الطريقين أن القول بالبعث والقيامة أمر ممكن، ولما بين تعالى إمكان هذا المعنى بهذين الطريقين بين وقوعه بقوله؛ ﴿ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ داخرون  ﴾ وذلك لأنه ثبت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل ظهور المعجزات عليه والصادق إذا أخبر عن أمر ممكن الوقوع وجب الاعتراف بوقوعه فهذا تقرير نظم هذه الآية وهو في غاية الحسن، والله أعلم.

المسألة الثانية: في تفسير ألفاظ هذه الآية، أما قوله: ﴿ فاستفتهم ﴾ يعني أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة كونه تعالى خالقاً للسموات والأرض وما بينهما فاستفت هؤلاء المنكرين وقل لهم ﴿ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ﴾ أم هذه الأشياء التي بينا كونه تعالى خالقاً لها ولم يحك عنهم أنهم أقروا أن خلق هذه الأشياء أصعب لأجل أن ظهور ذلك كالمعلوم بالضرورة فلا حاجة أن يحكى عنهم صحة أن الأمر كذلك.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّا خلقناهم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ يعني أنا لما قدرنا على خلق الحياة في ذواتهم أولاً وجب أن نبقى قادرين على خلق الحياة فيهم ثانياً، لما بينا أن حال القابل وحال الفاعل ممتنع التغير.

وفيه دقيقة أخرى وهي أن القوم قالوا كيف يعقل تولد الإنسان لا من النطفة ولا من الأبوين؟

فكأنه قيل لهم إنكم لما أقررتم بحدوث العالم واعترفتم بأن السموات والأرض وما بينهما إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه فلابد وأن تعترفوا بأن الإنسان الأول إنما حدث لا من الأبوين؟

فإذا عقلتم ذلك واعترفتم به فقد سقط قولكم الإنسان كيف يحدث من غير النطفة ومن غير الأبوين، وأيضاً قد اشتهر عند الجمهور أن آدم مخلوق من الطين اللازب ومن قدر على خلق الحياة في الطين اللازب فكيف يعجز عن إعادة الحياة إلى هذه الذوات.

وأما كيفية خلق الإنسان من الطين اللازب فهي مذكورة في السورة المتقدمة، واعلم أن هذا الوجه إنما يحسن إذا قلنا المراد من قوله تعالى: ﴿ إِنَّا خلقناهم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ هو أنا خلقنا أباهم آدم من طين لازب، وفيه وجوه أخر وهو أن يكون المراد أنا خلقنا كل إنسان من طين لازب، وتقريره أن الحيوان إنما يتولد من المني ودم الطمث والمني يتولد من الدم فالحيوان إنما يتولد من الدم والدم إنما يتولد من الغذاء، والغذاء إما حيواني وإما نباتي أما تولد الحيوان الذي صار غذاء فالكلام في كيفية تولده كالكلام في تولد الإنسان، فثبت أن الأصل في الأغذية هو النبات والنبات إنما يتولد من امتزاج الأرض بالماء وهو الطين اللازب وإذا كان الأمر كذلك فقد ظهر أن كل الخلق متولدون من الطين اللازب، وإذا ثبت هذا فنقول إن هذه الأجزاء التي منها تركب هذا الطين اللازب قابلة للحياة والله تعالى قادر عليها، وهذه القابلية والقادرية واجبة البقاء فوجب بقاء هذه الصحة في كل الأوقات وهذه بيانات ظاهرة واضحة، وأما اللازب فقيل اللاصق، وقيل اللزج وقيل الحتد، وأكثر أهل اللغة على أن الباء في لازب بدل من الميم يقال لازب ولازم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الهمزة وإن خرجت إلى معنى التقرير فهي بمعنى الاستفهام في أصلها، فلذلك قيل: ﴿ فاستفتهم ﴾ أي استخبرهم ﴿ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ﴾ ولم يقل: فقرّرهم والضمير لمشركي مكة.

قيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة، وكني بذلك لشدّة بطشه وقوّته ﴿ أَم مَّنْ خَلَقْنَا ﴾ يريد: ما ذكر من خلائقه: من الملائكة، والسموات والأرض، والمشارق، والكواكب، والشهب الثواقب، والشياطين المردة، وغلب أولي العقل على غيرهم، فقال: من خلقنا، والدليل عليه قوله بعد عدّ هذه الأشياء: ﴿ فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا ﴾ بالفاء المعقبة.

وقوله: ﴿ أَم مَّنْ خَلَقْنَا ﴾ مطلقاً من غير تقييد بالبيان، اكتفاء ببيان ما تقدّمه، كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق وبدائعه، فاستفتهم أهم أشدّ خلقاً أم الذي خلقناه من ذلك، ويقطع به قراءة من قرأ: ﴿ أم من عددنا ﴾ بالتخفيف والتشديد.

و ﴿ أشدّ خلقاً ﴾ : يحتمل أقوى خلقاً من قولهم: شديد الخلق.

وفي خلقه شدّة، وأصعب خلقاً وأشقّه، على معنى الردّ لإنكارهم البعث والنشأة الأخرى، وأنّ من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون.

وخلقهم ﴿ مّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة لأنّ ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوّة، أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب، فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا: ﴿ أئذا كنا تراباً ﴾ [الرعد: 5] .

وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث.

وقيل: من خلقنا من الأمم الماضية، وليس هذا القول بملائم.

وقرئ: ﴿ لازب ﴾ و ﴿ لاتب ﴾ ، والمعنى واحد، والثاقب: الشديد الإضاءة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فاسْتَفْتِهِمْ ﴾ فاسْتَخْبِرْهم والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ أوْ لِبَنِي آدَمَ.

﴿ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا ﴾ يَعْنِي ما ذَكَرَ مِنَ المَلائِكَةِ والسَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما والمَشارِقِ والكَواكِبِ والشُّهُبِ الثَّواقِبِ، و ( مَن ) لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ إطْلاقُهُ ومَجِيئُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ «أمْ مَن عَدَدْنا»، وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ ﴾ فَإنَّهُ الفارِقُ بَيْنَهم وبَيْنَها لا بَيْنَهم وبَيْنَ مَن قَبْلَهم كَعادٍ وثَمُودَ، وإنَّ المُرادَ إثْباتُ المَعادِ ورَدُّ اسْتِحالَتِهِ والأمْرُ فِيهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ وإلى مَن قَبْلَهم سَواءٌ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ اسْتِحالَةَ ذَلِكَ إمّا لِعَدَمِ قابِلِيَّةِ المادَّةِ ومادَّتُهُمُ الأصْلِيَّةُ هي الطِّينُ اللّازِبُ الحاصِلُ مِن ضَمِّ الجُزْءِ المائِيِّ إلى الجُزْءِ الأرْضِيِّ وهُما باقِيانِ قابِلانِ لِلِانْضِمامِ بَعْدُ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ إنَّما تَوَلَّدَ مِنهُ إمّا لِاعْتِرافِهِمْ بِحُدُوثِ العالَمِ أوْ بِقِصَّةِ آدَمَ وشاهَدُوا تَوَلُّدَ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ مِنهُ بِلا تَوَسُّطِ مُواقَعَةٍ، فَلَزِمَهم أنْ يُجَوِّزُوا إعادَتَهم كَذَلِكَ، وإمّا لِعَدَمِ قُدْرَةِ الفاعِلِ ومَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ قَدَرَ عَلى ما لا يُعْتَدُّ بِهِ بِالإضافَةِ إلَيْها سِيَّما ومِن ذَلِكَ بَدْؤُهم أوَّلًا وقُدْرَتُهُ ذاتِيَّةٌ لا تَتَغَيَّرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فاستفتهم} فاستخبر كفار مكة {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} أي أقوى خلقاً من قولهم شديد الخلق وفي خلقه شدة أو أصعب خلقاً وأشقه على معنى الرد

الصافات (٢١ - ١١)

لإنكارهم البعث وأن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون {أَم مَّنْ خلقنا} يريد ماذكر من خلائقه من الملائكة والسموات والأرض وما بينهما وجىء بمن تغليباً

للعقلاء على غيرهم ويدل عليه قراءة من قرأ أم من عددنا بالتشديد والتخفيف {إِنَّا خلقناهم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} لاصق أو لازم وقرىء به وهذا شهادة عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا أئذا كنا تراباً وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فاسْتَفْتِهِمْ ﴾ أيْ فاسْتَخْبِرْهُمْ، وأصْلُ الِاسْتِفْتاءِ الِاسْتِخْبارُ عَنْ أمْرٍ حَدَثَ، ومِنهُ الفَتى لِحَداثَةِ سِنِّهِ، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، قِيلَ: والآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ الجُمَحِيِّ وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ واسْمُهُ أسِيدٌ، والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ لَنا مِنَ المَخْلُوقاتِ ما سَمِعْتَ أوْ إذا عَرَفْتَ ما مَرَّ فاسْتَخْبِرْ مُشْرِكِي مَكَّةَ واسْألْهم عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ ﴿ أهم أشَدُّ خَلْقًا ﴾ أيْ أقْوى خِلْقَةً وأمْتَنُ بِنْيَةً أوْ أصْعَبُ خَلْقًا وأشَقُّ إيجادًا ﴿ أمْ مَن خَلَقْنا ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما والمَشارِقِ والكَواكِبِ والشَّياطِينِ والشُّهُبِ الثَّواقِبِ.

وتَعْرِيفُ المَوْصُولِ عَهْدِيٌّ أُشِيرَ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ صَراحَةً ودَلالَةً وغَلَّبَ العُقَلاءَ عَلى غَيْرِهِمْ والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ”أمْ مِن عَدَدْنا“ وهو مُؤَيِّدٌ لِدَعْوى العَهْدِ بَلْ قاطِعٌ بِها.

وقَرَأ الأعْمَشُ ”أمَن“ بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ ”أمْ“ جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرِيًّا فَـ”مَن“ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أمَّنْ خَلَقْنا أشَدُّ؟

﴿ إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ ﴾ أيْ مُلْتَصِقٍ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أخْرى بِلَفْظِ مُلْتَزِقٍ وبِهِ أجابَ ابْنُ الأزْرَقِ وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ النّابِغَةِ: فَلا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ قِيلَ: والمُرادُ مُلْتَزِقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ ويَرْجِعُ إلى حُسْنِ العَجْنِ جَيِّدِ التَّخْمِيرِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ يَلْزَقُ بِاليَدِ إذا مُسَّ بِها، وقالَ الطَّبَرَيُّ: خُلِقَ آدَمُ مِن تُرابٍ وماءٍ وهَواءٍ ونارٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ، واللّازِبُ عَلَيْهِ بِمَعْنى اللّازِمِ وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ، وقَدْ قُرِئَ ”لازِمٍ“ بِالمِيمِ بَدَلَ الباءِ و”لاتِبٍ“ بِالتّاءِ بَدَلَ الزّايِ والمَعْنى واحِدٌ.

وحُكِيَ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ اللّازِبِ بِالحُرِّ أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: اللّازِبُ الجَيِّدُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لازِبٌ أيْ لازِمٌ مُنْتِنٌ، ولَعَلَّ وصْفَهُ بِمُنْتِنٍ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ لَكِنْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وأيًّا ما كانَ فَخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ، لِأنَّ ما يَصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ، أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في أمْرِ البَعْثِ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تُرابٌ، فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِنهُ مَرَّةً ثانِيَةً حَيْثُ قالُوا ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ويُعَضِّدُ هَذا - عَلى ما في الكَشّافِ - ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا يعني: الأدنى.

وإنما سميت الدنيا لأنها أقرب إلى الأرض بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ أي: بضوء الكواكب.

قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص بِزِينَةٍ بالتنوين الْكَواكِبِ بالكسر بغير تنوين، بكسر الباء.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بِزِينَةٍ بالتنوين الْكَواكِبِ بالنصب، والباقون بِزِينَةٍ بالكسر بغير تنوين الْكَواكِبِ بكسر الباء.

فمن قرأ بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ بالكسر جعل الكواكب بدلاً من الزينة.

والمعنى: إنّا زينا السماء الدنيا بالكواكب.

ومن قرأ بالنصب، أقام الزينة مقام التزيين.

فكأنه قال: إنا زينا السماء الدنيا بتزيننا الكواكب، فيكون الكواكب على معنى التفسير.

ومن قرأ بغير تنوين، فهو على إضافة الزينة إلى الكواكب.

وروي عن ابن عباس-  - أنه قال: الكواكب معلقة بالسماء، كالقناديل.

ويقال: إنها مركبة عليها، كما تكون في الصناديق والأبواب.

ثم قال: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ يعني: حفظ الله تعالى السماء بالكواكب من كل شيطان متمرد.

يعني: شديد يقال: مرد يمرد إذا اشتد.

ثم قال: لاَ يَسَّمَّعُونَ قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص: لاَ يَسَّمَّعُونَ بنصب السين والتشديد.

والباقون: يَسْمَعُونَ بنصب الياء، وجزم السين، مع التخفيف.

فمن قرأ: بجزم السين فهو بمعنى يسمعون.

ومن قرأ بالتشديد فأصله يتسمعون، فأدغمت التاء في السين، وشددت.

يعني: لكيلا يستمعون إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى يعني: إلى الكتبة وَيُقْذَفُونَ يعني: يرمون مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً يعني: طرداً من كل ناحية من السماء، وكانوا من قبل يستمعون إلى كلام الملائكة- عليهم السلام- قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم.

قال: حدّثنا عبد الرزاق.

قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن علي بن الحسن، عن ابن عباس.

قال: بينما رسول الله  جَالِسٌ في نَفَرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار فقال الرسول  : «مَا كُنْتُمْ تَقَولُونَ لِمِثْلِ هذا فِي الجَاهِلِيَّةِ» ؟

قالوا: يموت عظيم، أو يولد عظيم فقال-  -: «إنَّهُ لا يُرْمَى لِمَوْتِ أحَدٍ، وَلا لِحيَاتِهِ ولكن الله عَزَّ وَجَلَّ إِذا قَضَى أمْراً يُسَبِّحُهُ حَمْلَةُ الْعَرْشِ، وَأَهْل السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.

يَقُولُ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فَيَخْبِرُونَهُمْ فَيَسْتَخْبِرَ أهْلَ كُلِّ سَمَاءٍ أهْلَ السَّمَاءِ الأُخْرَى، حَتَّى يَنْتَهِي الخَبَرُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَتَخطَفُ الجِنُّ، ويرمون فيما جاءوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَهُوَ حَقٌّ.

ولكنهم يَزِيدُونَ فِيهِ وَيَكْذِبُونَ» قال معمر: قلت للزهري: أو كان يرمى به في الجاهلية.

قال: نعم.

قال: قالت الجن لرسول الله  وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [الجن: 9] قال: غلظ وشدد أمرها، حيث بعث النبيّ  وقوله: دُحُوراً يعني طرداً بالشهب فيعيدونهم وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ يعني: دائم.

يعني: الشياطين لمن استمع، ولمن لم يستمع في الآخرة.

وقال مقاتل: في الآية تقديم إِلَّا مَنْ خَطِفَ من الشياطين الْخَطْفَةَ يختطف يعني: يستمع إلى الملأ الأعلى من كلام الملائكة- عليهم السلام- فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ والشهاب في اللغة كل أبيض ذي نور، والثاقب المضيء، فَاسْتَفْتِهِمْ يعني: سل أهل مكة.

وهذا سؤال تقدير لا سؤال استفهام.

وقال تعالى: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً بالبعث أَمْ مَنْ خَلَقْنا يعني: ما خلقنا من السموات، وما ذكر من المشارق والمغارب.

ويقال: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً بالبعث.

يعني: بعثهم أشد أَمْ مَنْ خَلَقْنا يعني: أم خلقهم في الابتداء.

ثم ذكر خلقهم في الابتداء فقال: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ يعني: خلقنا آدم وهم من نسله من طين حمئة.

ويقال: لازِبٍ أي: لاصق.

ويقال: لازِبٍ يعني: لازم.

إِلاَّ أن الباء تبدل من الميم، لقرب مخرجهما، كما يقال سمد رأسه، وسبد إذا استأصله، واللازب واللاصق واحد.

ثم قال: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ قرأ حمزة والكسائي: عَجِبْتَ بضم التاء.

وقرأ الباقون: بالنصب.

فمن قرأ بالنصب، فالمعنى بل عجبت يا محمد من نزول الوحي عليك، والكافرون يسخرون، مكذبين لك.

ومن قرأ بَلْ عَجِبْتَ بالضم، فهو إخبار عن الله تعالى.

وقد أنكر قوم هذه القراءة، وقالوا: إن الله تعالى لا يعجب من شيء، لأنه علم الأشياء قبل كونها، وإنما يتعجب من سمع أو رأى شيئاً لم يسمعه، ولم يره، ولكن الجواب أن يقال: العجب من الله عز وجل بخلاف العجب من الآدميين.

ويكون على وجه التعجب، ويكون على وجه الإنكار والاستعظام لذلك القول.

كما قال في آية أخرى وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: 5] وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة أن شريحاً كان يقرأ بَلْ عَجِبْتَ بالنصب.

ويقول: إنما يعجب من لا يعلم.

وقال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال إبراهيم النخعي: إن شريحاً كان معجباً برأيه، وعبد الله بن مسعود كان أعلم منه، وكان يقرؤها بَلْ عَجِبْتَ بالضم.

وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ هكذا بالضم، وهو اختيار أبي عبيدة.

ثم قال: وَيَسْخَرُونَ يعني: يسخرون حين سمعوا وَإِذا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ يعني: إذا وعظوا بالقرآن، لا يتعظون وَإِذا رَأَوْا آيَةً يعني: علامة مثل انشقاق القمر يَسْتَسْخِرُونَ يعني: يستهزئون، ويسخرون.

وقال أهل اللغة سخر واستسخر بمعنى واحد، مثل قرأ واستقر وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: يبين قوله عز وجل: أَإِذا مِتْنا يعني: يقولون إذا متنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ يعني: لمحيون بعد الموت أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ يا محمَّد نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ يعني: صاغرون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال قتادة: أراد بني آدم الذين يَتْلُونَ كُتُبَهُ المنزلةَ وتسبيحَه وتكبيرَه ونحوَ ذلك «١» ، والمُقْسَمُ عليه: قولهُ: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ.

وقوله: مارِدٍ قال العراقيُّ: مَارِدٌ سُخِطَ عَلَيْهِ، وهكذا مَرِيدٍ [الحج: ٣] انتهى وهَذَا لَفْظُهُ، والمَلأ الأعلى: أهلُ السَّمَاءِ الدنيا فما فوقها، وسُمِّيَ الكُلُّ منهم أعلى بالإضَافَةِ إلى ملإ الأرْضِ الذي هو أسفلُ، والضمير في يَسَّمَّعُونَ للشياطين، وقرأ حمزة، وعاصم في رواية حفص: «لا يَسَّمَّعُونَ» ، - بشد السين والميم «٢» ، بمعنى: لا يَتَسَمَّعُونَ، فينتفي على قراءة الجمهورِ سَمَاعُهُمْ، وإن كانوا يستمعون وهو المعنى الصحيحُ، ويعْضُدُه قولهُ تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: ٢١٢] وَيُقْذَفُونَ معناه: يُرْجَمُونَ، والدَّحُورُ: الإصْغار والإهانَةُ، لأن الدَّحْرَ هو الدَّفْعُ بِعُنْفٍ، وقال البخاريّ: وَيُقْذَفُونَ يرمون «٣» ودُحُوراً مُطْرَدِين، وقال ابن عباسٍ: «مدحوراً» مَطْرُوداً «٤» ، انتهى، والوَاصِبُ: الدائم قاله مجاهد وغيره «٥» ، وقال أبو صالح: الواصبُ:

المُوجِعُ «٦» ، ومنه الوَصَبُ، والمعنى: هذه الحالُ هي الغالبةُ على جميع الشياطين إلا مَنْ شَذَّ فَخَطَفَ خَبَراً أو نَبَأً، فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ فأحرقَه، والثَّاقِبُ، النافِذُ بضوئه وشعاعِه المنير قاله قتادة وغيره «٧» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَفْتِهِمْ ﴾ أيْ: فَسَلْهم سُؤالُ تَقْرِيرٍ ﴿ أهم أشَدُّ خَلْقًا ﴾ أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً ﴿ أمْ مَن خَلَقْنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أمْ مَن عَدَدْنا خَلْقَهُ مِنَ المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ والسَّمَواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّانِي: أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمَعْنى إنَّهم لَيْسُوا بِأقْوى مِن أُولَئِكَ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ، فَما الَّذِي يُؤْمِّنُ هَؤُلاءِ؟!

ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ النّاسِ فَقالَ: ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لاصَقٌ لازِمٌ، والباءُ تُبْدَلُ مِنَ المِيمِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الطِّينُ الحُرُّ الجَيِّدُ اللَّزِقُ.

وقالَ غَيْرُهُ: هو الطِّينُ الَّذِي يَنْشُفُ عَنْهُ الماءُ وتَبْقى رُطُوبَتُهُ في باطِنِهِ فَيُلْصَقُ بِاليَدِ كالشَّمْعِ.

وهَذا إخْبارٌ عَنْ تَساوِي الأصْلِ في خَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن قَبْلَهُمْ؛ فَمَن قَدَرَ عَلى إهْلاكَ الأقْوِياءِ، قَدَرَ عَلى إهْلاكِ الضُّعَفاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ﴾ "بَلْ" مَعْناهُ: تَرَكُ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الكَلامِ الآَخَرِ، كَأنَّهُ قالَ: دَعْ يا مُحَمَّدُ ما مَضى.

وَفِي "عَجِبْتَ" قِراءَتانِ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "بَلْ عَجِبْتَ" بِفَتْحِ التّاءِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ، والنَّخْعِيُّ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في آَخَرِينَ: "بَلْ عَجِبْتُ" بِضَمِّ التّاءِ، [واخْتارَها الفَرّاءُ] .

فَمَن فَتْحَ، أرادَ: بَلْ عَجِبْتَ يا مُحَمَّدُ، ﴿ وَيَسْخَرُونَ ﴾ هم.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: أنْتَ تَعْجَبُ مِنهُمْ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ.

وفي ما عَجِبَ مِنهُ قَوْلانِ، أحَدُهُما: مِنَ الكَفّارِ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآَنِ، والثّانِي: إذْ كَفَرُوا بِالبَعْثِ.

ومَن ضَمَّ، أرادَ الإخْبارَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ عَجِبَ، قالَ الفَرّاءُ؛ وهي قِراءَةُ عَلَيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وهي أحَبُّ إلَيَّ؛ وقَدْ أنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْمٌ، مِنهم شُرَيْحٌ القاضِي، فَإنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْجَبُ، إنَّما يَعْجَبُ مَن لا يَعْلَمُ قالَ الزَّجّاجُ: وإنْكارُ هَذِهِ القِراءَةِ غَلَطٌ لِأنَّ العَجَبَ مِنَ اللَّهِ خِلافُ العَجَبِ مِنَ الآَدَمَيِّينِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَيَمْكُرُ اللَّهُ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ  ﴾ ، وأصِلُ العَجَبَ في اللُّغَةِ: أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى ما يُنْكِرُهُ ويَقِلُّ مَثَلُهُ، قالَ: قَدْ عَجِبَتُ مِن كَذا، وكَذَلِكَ إذا فَعَلَ الآَدَمِيُّونَ ما يُنْكِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، جازَ أنْ يَقُولَ: عَجِبْتُ، واللَّهُ قَدْ عَلِمَ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: جازَيْتُهم عَلى عَجَبِهِمْ مِنَ الحَقِّ، فَسَمّى الجَزاءَ عَلى الشَّيْءِ بِاسْمِ الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ الجَزاءُ، فَسَمّى فِعْلَهُ عَجَبًا ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ المُتَعَجِّبَ يُدْهَشُ ويَتَحَيَّرُ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ سُمِّيَ تَعْظِيمُ الثَّوابِ عَجَبًا، لِأنَّهُ إنَّما يَتَعَجَّبُ مِنَ الشَّيْءِ إذا كانَ في النِّهايَةِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الفِعْلَ بِاسْمِ الفِعْلِ إذا داناهُ مِن بَعْضِ وُجُوهِهِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُ في أكْثَرِ مَعانِيهِ قالَ عَدِيٌّ: ثُمَّ أضْحَوْا لَعِبَ الدَّهْرُ بِهِمْ [وَكَذَلِكَ الدَّهْرُ يُودِي بِالرِّجالِ] فَجَعَلَ إهْلاكَ الدَّهْرِ وإفْسادِهِ لَعِبًا.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن ضَمِّ التّاءِ، فالمَعْنى: بَلْ عَظُمَ عِنْدِي وكَبُرَ اتِّخاذُهم لِي شَرِيكًا وتَكْذِيبُهم تَنْزِيلِي.

وقالَ غَيْرُهُ: إضافَةَ العَجَبِ إلى اللَّهِ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: بِمَعْنى الإنْكارِ والذَّمِّ، كَهَذِهِ الآَيَةِ، والثّانِي: بِمَعْنى الِاسْتِحْسانِ والإخْبارِ عَنْ تَمامِ الرِّضى، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "عَجِبَ رَبُّكَ مِن شابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ"» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ﴾ أيْ: إذا وعَظُوا بِالقُرْآَنِ لا يَذَّكَّرُونَ ولا يَتَّعِظُونَ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ: "ذَكَّرُوا" بِتَخْفِيفِ الكافِ.

﴿ وَإذا رَأوْا آيَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ ﴿ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَسْخِرُونَ ويَسْخَرُونَ سَواءٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، كَما يُقالُ: قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْألُونَ غَيْرَهم مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَسْخَرُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ، كَما يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: سَألْتُهُ العُتْبى، واسْتَوْهَبْتُهُ، أيْ: سَألْتُهُ الهِبَةَ، واسْتَعْفَيْتُهُ: سَألْتُهُ العَفْوَ.

﴿ وَقالُوا إنْ هَذا ﴾ يَعْنُونَ انْشِقاقَ القَمَرِ ﴿ إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: بَيَّنَ لِمَن تَأمَّلَهُ أنَّهُ سِحْرٌ.

﴿ أإذا مِتْنا ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُ [هَذِهِ] الآَيَةِ [مَرْيَمَ: ٦٦] .

﴿ أوَآباؤُنا ﴾ هَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ أوَأمِنَ أهْلُ القُرى  ﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أوْ آَباؤُنا الأوَّلُونَ" بِسُكُونِ الواوِ هاهُنا وفي [الواقِعَةِ: ٤٨] .

﴿ قُلْ نَعَمْ ﴾ أيْ: نَعَمَ تُبْعَثُونَ ﴿ وَأنْتُمْ داخِرُونَ ﴾ أيْ: صاغِرُونَ.

﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ أيْ: فَإنَّما قِصَّةُ البَعْثِ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ، وهي نَفْخَةُ البَعْثِ، وسُمِّيَتْ زَجْرَةً، لِأنَّ مَقْصُودَها الزَّجْرُ ﴿ فَإذا هم يَنْظُرُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: يَحْيَوْنَ ويُبْعَثُونَ بُصَراءَ يَنْظُرُونَ، فَإذا عايَنُوا بَعْثَهُمْ، ذَكَرُوا إخْبارَ الرُّسُلِ عَنِ البَعْثِ، ﴿ وَقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَوْمَ الحِسابِ والجَزاءِ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ أيْ: يَوْمَ القَضاءِ الَّذِي يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ؛ ويَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَئِذٍ لِلْمَلائِكَةِ ﴿ احْشُرُوا ﴾ أيِ: اجْمَعُوا ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ مِن حَيْثُ هُمْ، وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ظالِمٍ.

وفي أزْواجِهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أمْثالُهم وأشْباهُهُمْ، وهو قَوْلُ عُمْرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ، ومُجاهِدٌ في آَخَرِينَ.

ورُوِيَ عَنْ عُمْرَ قالَ: يَحْشُرُ صاحِبُ الرِّبا مَعَ صاحِبِ الرِّبا، وصاحِبُ الزِّنا مَعَ صاحِبِ الزِّنا، وصاحِبُ الخَمْرِ مَعَ صاحِبِ الخَمْرِ.

والثّانِي: أنَّ أزْواجَهُمُ: المُشْرِكاتُ.

قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أشْياعُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أضَلُّوهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: الأصْنامُ.

قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: إبْلِيسٌ وحْدَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الشَّياطِينُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ.

[ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: دَلُّوهم عَلى طَرِيقِها؛ والمَعْنى: اذْهَبُوا بِهِمْ إلَيْها.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: هَدَيْتُ الرَّجُلَ: إذا دَلَلْتُهُ، وهَدَيْتُ العَرُوسَ إلى زَوْجِها، وأهْدَيْتُ الهَدِيَّةَ، فَإذا جَعَلْتَ العَرُوسَ كالهَدِيَّةِ، قُلْتَ: أهْدَيْتُها] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ ﴾ أيِ: احْبِسُوهم ﴿ إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا سِيقُوا إلى النّارِ حُبِسُوا عِنْدَ الصِّراطِ، لِأنَّ السُّؤالَ هُناكَ.

وفي هَذا السُّؤالِ سِتَّةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم سُئِلُوا عَنْ أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ في الدُّنْيا.

الثّانِي: عَنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رُوِيا جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: عَنْ خَطاياهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: سَألَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: ﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ  ﴾ ونَحْوُ هَذا، قالَهُ مُقاتِلٌ والخامِسُ: أنَّهم يَسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والسّادِسُ: أنَّ سُؤالَهم قَوْلُهُ: ﴿ ما لَكم لا تَناصَرُونَ ﴾ ؟!، [ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ] .

قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما لَكم لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا؟!

وهَذا جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ  ﴾ ، فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ تَوْبِيخًا.

والمُسْتَسْلِمُ: المُنْقادُ الذَّلِيلُ؛ والمَعْنى أنَّهم مُنْقادُونَ لا حِيلَةَ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مَن طِينٍ لازِبٍ ﴾ ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأوا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ ﴾ الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ السُؤالِ، وكَأنَّهُ سُؤالُ مَن يُهْتَبَلُ بِقَوْلِهِ ويَجْعَلُ حُجَّةً، وكَذَلِكَ هي أقْوالُهم في هَذا الفاصِلِ، لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إلّا أنَّ خَلْقَ مَن سِواهم مِنَ الأُمَمِ والمَلائِكَةِ والإنْسِ والجِنِّ والسَمَواتِ والأرْضِ والمَشارِقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، هو أشَدُّ مِن هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ، وبِأنَّ الضَمِيرَ في "[خَلَقْنا]" يُرادُ بِهِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [أمْ مِن عَدَدْنا] يُرِيدُ مِنَ الصافّاتِ وغَيْرِها، والسَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ قَرَأ الأعْمَشُ، "أمَن" مُخَفَّفَةَ المِيمِ دُونَ "أمْ".

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا جَزْمًا عن خَلْقِهِ لِآدَمَ الَّذِي هو أبُو البَشَرِ، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِينِ إلى جَمِيعِ الناسِ مِن حَيْثُ الأبُ مَخْلُوقٌ مِنهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا، وهو اللازِمُ، أيْ: يُلازِمُ ما جاوَرَهُ ويَلْصِقُ بِهِ، وهو الصَلْصالُ كالفَخّارِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ عَنِ اللازِبِ بِالحُرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ، وحَقِيقَةُ المَعْنى ما ذَكَرْناهُ، يُقالُ: ضَرْبَةَ لازِبٍ ولازِمِ" بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "عَجِبْتَ" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ، أيْ يا مُحَمَّدُ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتَهم بِهِ مِن عِنْدِ اللهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ التاءِ، ورُوِيَتْ عن عَلَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ وثّابٍ، والنَخَعِيِّ، وطَلْحَةَ، وسُفْيانَ، والأعْمَشِ، وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ تَعالى هو المُتَعَجِّبُ، ومَعْنى ذَلِكَ مِنَ اللهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "تَعَجَّبَ اللهُ تَعالى إلى قَوْمٍ يُساقُونَ إلى الجَنَّةِ في السَلاسِلِ"،» وَقَوْلُهُ: « " تَعَجَّبَ اللهُ مِنَ الشابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ"،» فَإنَّما هي عِبارَةٌ عَمّا يُظْهِرُهُ في جانِبٍ مِنهُ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: بَلْ عَجِبَتُ مِن ضَلالِهِمْ وسُوءِ نِحْلَتِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ مَعَها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجِّبًا، ورُوِيَ عن شُرَيْحٍ إنْكارَ هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْجَبُ، وقالَ الأعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا كانَ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وإنَّ عَبْدَ اللهِ أعْلَمُ مِنهُ.

وقالَ مَكِّيُّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: هو إخْبارٌ عَنِ النَبِيِّ  عن نَفْسِهِ، كَأنَّهُ قالَ: "قُلْ لَهُمْ: عَجِبْتُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيَسْخَرُونَ" ﴾ أيْ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَسْتَسْخِرُونَ" ﴾ يُرِيدُ: بِالآيَةِ، وهي العَلامَةُ والدَلالَةُ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في رُكانَةَ، وهو رَجُلٌ مَكِّيٌّ مُشْرِكٌ، لَقِيَ النَبِيَّ  في جَبَلٍ خالٍ وهو يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وهو أقْوى أهْلِ زَمانِهِ، فَقالَ لَهُ: يا رُكانَةُ، إنْ أنا صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي؟

قالَ: نَعِمَ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ ألْفاظُ الحَدِيثِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم هَذا أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ.

و"يَسْتَسْخِرُونَ" مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يَسْخَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ "واسْتَغْنى اللهُ"،  ﴾ فَيَكُونُ فَعِلَ واسْتَفْعَلَ بِمَعْنى، وبِهَذا فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وفي بَعْضِ القِراءاتِ القَدِيمَةِ: "يَسْتَسْحِرُونَ" بِالحاءِ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَمّا قالَ رُكانَةُ؛ لِأنَّهُ اسْتَسْحَرَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا مِتْنا ﴾ .

وقَرَأ بِضَمِّ المِيمِ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، والعامَّةُ، وكَسَرَها الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ونافِعٌ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ، وهي الَّتِي لِلْقِسْمَةِ أوِ التَخْيِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِها، وهي واوُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْها ألْفُ الِاسْتِفْهامِ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُجِيبَ تَقْرِيرَهم بِـ"نَعَمْ" ويَزِيدَهم في الجَوابِ أنَّهم في البَعْثِ - في صَغارٍ وذِلَّةٍ، و"الداخِرُ": الصاغِرُ الذَلِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ذِكْرُ القِراءاتِ في الِاسْتِفْهامَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء تفريع على قوله: ﴿ إنَّا زيَّنا السَّماء الدنيا بزينةٍ الكواكب ﴾ [الصافات: 6] باعتبار ما يقتضيه من عظيم القدرة على الإِنشاء، أي فسَلْهُم عن إنكارهم البعث وإحالتِهم إعادةَ خلقهم بعد أن يصيروا عظاماً ورفاتاً، أخَلْقُهم حينئذٍ أشدّ علينا أم خلق تلك المخلوقات العظيمة؟

وضمير الغيبة في قوله: ﴿ فَاستفتِهِم ﴾ عائد إلى غير مذكور للعلم به من دلالة المقام وهم الذين أحالوا إعادة الخلق بعد الممات.

وكذلك ضمائر الغيبة الآتية بعده وضمير الخطاب منه موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي فسَلْهم، وهو سؤال محاجة وتغليط.

والاستفتاء: طلب الفَتوى بفتح الفاء وبالواو، ويقال: الفُتْيَا بضم الفاء وبالياء.

وهي إخبار عن أمر يخفَى عن غير الخواصّ في غرض مَّا.

وهي: إمّا إخبار عن علم مختص به المخبِر قال تعالى: ﴿ يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات ﴾ [يوسف: 46] الآية، وقال: ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ [النساء: 176]، وتقدم في قوله: ﴿ الذي فيه تستفتيان ﴾ في سورة [يوسف: 41].

وإمَّا إخبار عن رأي يطلب من ذي رأي موثوق به ومنه قوله تعالى: ﴿ قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ﴾ في سورة [النمل: 32].

والمعنى: فاسألهم عن رأيهم فلما كان المسؤول عنه أمراً محتاجاً إلى إعمال نظر أطلق على الاستفهام عنه فعل الاستفتاء.

وهمزة: أهُم أشدُّ خَلْقاً } للاستفهام المستعمل للتقرير بضعف خلق البشر بالنسبة للمخلوقات السماوية لأن الاستفهام يؤول إلى الإقرار حيث إنه يُلجئ المستفهم إلى الإِقرار بالمقصود من طرفي الاستفهام، فالاستفتاء في معنى الاستفهام فهو يستعمل في كل ما يستعمل فيه الاستفهام.

و ﴿ أشدّ ﴾ بمعنى: أصعب وأعسر.

و ﴿ خَلْقاً ﴾ تمييز، أي أخلقهم أشدّ أم خَلْق من خلقنا الذي سمعتم وصفه.

والمراد ب ﴿ مَن خَلَقْنا ﴾ ما خَلَقَه الله من السماوات والأرض وما بينهما الشامل للملائكة والشياطين والكواكب المذكورة آنفاً بقرينة إيراد فاء التعقيب بعد ذكر ذلك، وهذا كقوله تعالى: ﴿ أأنتم أشد خلقاً أم السماء ﴾ [النازعات: 27] ونحوه.

وجيء باسم العاقل وهو ﴿ مَن ﴾ الموصولة تغليباً للعاقلين من المخلوقات.

وجملة ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ في موضع العلة لما يتولد من معنى الاستفهام في قوله: ﴿ أهم أشد خلقاً أم من خلقنا ﴾ من الإِقرار بأنهم أضعف خلقاً من خلق السماوات وعوالمها احتجاجاً عليهم بأن تأتِّي خلقهم بعد الفناء أهون من تَأتي المخلوقات العظيمة المذكورة آنفاً ولم تكن مخلوقة قبلُ فإنهم خلقوا من طين لأن أصلهم وهو آدم خلق من طين كما هو مقرر لدى جميع البشر فكيف يحيلون البعث بمقالاتهم التي منها قولُهم: ﴿ أإذَا مِتنا وكنا تُراباً وعِظاماً أءِنَّا لَمَبْعُوثونَ ﴾ [الصافات: 16].

والطينُ: التراب المخلوط بالماء.

واللازب: اللاصق بغيره ومنه أطلق على الأمر الواجب «لازب» في قول النابغة: ولا يحسبون الشر ضَربةَ لازب *** وقد قيل: إن باء لازب بدل من ميم لازم، والمعنى: أنه طين عتيق صار حَمْأة.

وضمير ﴿ إنَّا خلقناهُم ﴾ عائد إلى المشركين وهو على حذف مضاف، أي خلقنا أصلهم وهو آدم فإنه الذي خلق من طين لازب، فإذا كان أصلهم قد أنشئ من تراب فكيف ينكرون إمكان إعادة كل آدمي من تراب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَلْهم قالَ قَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتِفْتاءِ المُفْتِي.

الثّانِي: فَحاجِّهِمْ أيُّهم أشَدُّ خَلْقًا، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ أمْ مَن خَلَقْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَقَدْ هَلَكُوا وهم أشَدُّ خَلْقًا مِنهم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لاصِقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مِنهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَعَلَّمْ فَإنَّ اللَّهَ زادَكَ بَسْطَةً وأخْلاقَ خَيْرٍ كُلُّها لَكَ لازِبٌ الثّانِي: لَزِجٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: لازِقٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

والفَرْقُ بَيْنَ اللّاصِقِ واللّازِقِ أنَّ اللّاصِقَ هو الَّذِي قَدْ لَصِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، واللّازِقُ هو الَّذِي يَلْزَقُ بِما أصابَهُ.

الرّابِعُ: لازِمٌ، والعَرَبُ تَقُولُ طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ، وقالَ النّابِغَةُ: ولا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضُرْبَةَ لازِبٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رُكانَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ وأبِي الأشَدِّ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ كِلابٍ الجُمَحِيِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ ﴾ وفي ﴿ عَجِبْتَ ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِضَمِّ التّاءِ، قَرَأ بِها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ويَكُونُ التَّعَجُّبُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ لا يَتَعَجَّبُ مِن شَيْءٍ لِأنَّ التَّعَجُّبَ مِن حُدُوثِ العِلْمِ بِما لَمْ يَعْلَمْ، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها.

وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بَلْ أنْكَرْتُ حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: هو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى أنَّهم قَدْ حَلُّوا مَحِلَّ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِفَتْحِ التّاءِ قَرَأ بِها الباقُونَ، وأضافَ التَّعَجُّبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  كَأنَّهُ قالَ: بَلْ عَجِبْتَ يا مُحَمَّدُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِيما عَجِبْتَ مِنهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ القُرْآنِ حِينَ أُعْطِيَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مِنَ الحَقِّ الَّذِي جاءَهم بِهِ فَلَمْ يَقْبَلُوهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زِيادٍ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ وَيَسْخَرُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الرَّسُولِ إذا دَعاهم.

الثّانِي: مِنَ القُرْآنِ إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإذا ذُكِّرُوا بِما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ لا يَنْتَفِعُونَ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّانِي: وإذا ذُكِّرُوا بِمَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ لا يُبْصِرُونَ، وهو مَعْنى ما رَواهُ سَعِيدٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ انْشِقاقُ القَمَرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: ما شاهَدُوهُ مِن هَلاكِ المُكَذِّبِينَ، وهو مُحَتْمَلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتَهْزِئُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: هو أنْ يَسْتَدْعِيَ بَعْضُهم مِن بَعْضِ السُّخْرِيَةَ بِها؛ لِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ سَخِرَ واسْتَسْخَرَ كالفَرْقِ بَيْنَ عَلِمَ واسْتَعْلَمَ.

وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ في رُكانَةَ بْنِ زَيْدٍ وأبِي الأشَدِّ بْنِ كِلابٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ أيْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ: وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً لِأنَّ مَقْصُودَها الزَّجْرُ.

﴿ فَإذا هم يَنْظُرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: البَعْثُ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ.

الثّانِي: يَنْظُرُونَ سُوءَ أعْمالِهِمْ.

الثّالِثُ: يَنْتَظِرُونَ حُلُولَ العَذابِ بِهِمْ، ويَكُونُ النَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أهم أشدّ خلقاً أم من خلقنا ﴾ قال: السموات، والأرض، والجبال.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم من خلقنا ﴾ قال: أم من عددنا عليك من خلق السموات والأرض قال الله تعالى ﴿ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ [ غافر: 57] .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ أهم أشدّ خلقاً أم من عددنا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم من خلقنا ﴾ قال: من الأموات والملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من طينٍ لازب ﴾ قال: ملتصق.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أن نافع بن الأزرق سأله قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ من طين لازب ﴾ قال: الملتزق قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت النابغة وهو يقول: فلا تحسبون الخير لا شر بعده ** ولا تحسبون الشر ضربة لازب وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من طين لازب ﴾ قال: اللزب الجيد.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ من طين لازب ﴾ قال: لازج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من طين لازب ﴾ قال: اللازب، والحمأ، والطين واحد.

كان أوله تراباً، ثم صار حمأ منتناً، ثم صار طيناً لازباً فخلق الله منه آدم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ﴿ اللازب ﴾ الذي يلزق بعضه إلى بعض.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: اللازب الذي يلزق باليد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ طين لازب ﴾ قال: لازم منتن.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ بل عجبت ويسخرون ﴾ بالرفع.

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق الأعمش عن شقيق بن سلمة عن شريح رضي الله عنه أنه كان يقرأ هذه الآية ﴿ بل عجبت ويسخرون ﴾ بالنصب، ويقول إن الله لا يعجب من الشيء، إنما يعجب من لا يعلم قال الأعمش: فذكرت ذلك لإِبراهيم النخعي رضي الله عنه، فقال: إن شريحاً كان معجباً برأيه، وعبدالله بن مسعود رضي الله عنه كان أعلم منه، كان يقرأها ﴿ بل عجبت ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ بل عجبت ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بل عجبت ويسخرون ﴾ قال: عجبت من كتاب الله ووحيه ﴿ ويسخرون ﴾ بما جئت به.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ بل عجبت ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبت بالقرآن حين أنزل، ويسخر منه ضلال بني آدم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بل عجبت ﴾ قال: عجب محمد صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر منه أهل الضلالة ﴿ ويسخرون ﴾ يعني أهل مكة ﴿ وإذا ذكروا لا يذكرون ﴾ أي لا ينتفعون، ولا يبصرون ﴿ وإذا رأوا آية يستسخرون ﴾ أي يسخرون منه ويستهزؤون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يستسخرون ﴾ قال: يستهزؤون.

وفي قوله: ﴿ فإنما هي زجرة ﴾ قال: صيحة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإنما هي زجرة واحدة ﴾ قال: نفخة واحدة، وهي النفخة الآخرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ هذا يوم الدين ﴾ قال: يدين الله فيه العباد بأعمالهم ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ يعني يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: قل يا محمد لقومك (١) وقال أبو إسحاق: فسألهم (٢) ﴿ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا ﴾ أي: أحكم صنعة ﴿ أَمْ مَنْ خَلَقْنَا ﴾ من غيرهم، يعني من الأمم السالفة، يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقًا من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بالتكذيب، فما الذي يؤمنهم من العذاب، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٣) وقال مقاتل: ﴿ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا ﴾ بعد الموت، وذلك أنهم كفروا بالبعث (٤) ﴿ أَمْ مَنْ خَلَقْنَا ﴾ يعني السموات والأرض والجبال، وهذا قول مجاهد وسفيان (٥) وقال الكلبي: ﴿ أَمْ مَنْ خَلَقْنَا ﴾ يقول: أم من عندنا من الملائكة (٦) ثم ذكر خلق الإنسان فقال: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ﴾ قال عطاء: يريد الذي يلصق (٧) وقال مجاهد عن ابن عباس: من طين لازب قال جيد (٨) وقال السدي: الذي يلزق بعضه ببعض (٩) وقال عكرمة: اللزوج (١٠) (١١) (١٢) وقال الكسائي: لزِب يلزِب بالكسر ولزُب بالضم لغتان لزوبًا (١٣) والمعنى: قال مقاتل: فالذي خلق من الطين أهون خلقًا عند هذا المكذب بالبعث من خلق السموات والأرض (١٤) (١) انظر: "تنوير المقباس" ص 374 بهامش المصحف.

(٢) هكذا في النسخ ولعل الصواب: فاسألهم؛ لأن عبارة أبي إسحاق: أي سلهم.

"معاني القرآن وإعرابه" 4/ 299.

(٣) لم أقف عليه.

وانظر: "القرطبي" 68/ 15، "زاد المسير" 7/ 49.

(٤) "تفسير مقاتل" 11 أ.

(٥) "تفسير مجاهد" ص 540، ولم أقف عليه عن سفيان.

(٦) لم أقف عليه.

وانظر: "القرطبي" 15/ 68، "زاد المسير" 7/ 49، فقد ذكرا القول بدون نسبه.

(٧) لم أقف عليه عن عطاء وقد روى عن ابن عباس.

وانظر: "الطبري" 23/ 43، "مجمع البيان" 8/ 686.

(٨) انظر: "الطبري" 23/ 43، "المحرر الوجيز" 4/ 467، "زاد المسير" 7/ 49.

(٩) لم أقف عليه عن السدي وينسب للضحاك وقتادة وابن زيد.

وانظر: "الطبري" 23/ 42، "القرطبي" 15/ 69.

(١٠) انظر: "الطبري" 23/ 43، "الماوردي" 5/ 40، "القرطبي" 15/ 69.

(١١) لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: المصادر السابقة.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" 2/ 384، "تهذيب اللغة" 13/ 215، عن الفراء.

"تاج العروس" 4/ 205.

(١٣) لم أقف عليه وانظر: "القرطبي" 15/ 69.

(١٤) "تفسير مقاتل" 110 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ﴾ الضمير لكفار قريش، والاستفتاء نوع من السؤال، وكأنه سؤال من يعتبر قوله ويجعل حجة؛ لأن جوابهم عن السؤال مما تقوم به الحجة عليهم و ﴿ مَّنْ خَلَقْنَآ ﴾ يراد به ما تقدم ذكره من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب، وقيل: يراد به ما تقدم من الأمم والأول أرجح؛ لقراءة ابن مسعود أم من عددنا ومقصد الآية: إقامة الحجة عليهم في إنكارهم البعث في الآخرة كأنه يقول: هذه المخلوقات أشد خلقاً منكم، فكما قدرنا على خلقهم كذلك نقدر على إعادتكم بعد فنائكم ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ اللازب اللازم أي يلزم ما جاوره ويلصق به، ووصفه بذلك يراد به ضعف خلقة بني آدم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والصافات صفاً ﴾ وما بعدهما مدغماً: حمزة وأبو عمرو غير عباس ﴿ بزينة ﴾ منوناً: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ الكواكب ﴾ بالنصب: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالجر ﴿ لا يسمعون ﴾ بتشديد السين والميم وأصله "يتسمعون": حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم.

﴿ بل عجبت ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالفتح على الخطاب ﴿ آيذا ﴾ بالمد والياء ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة مكسورة: يزيد وقالون وزيد.

الباقون: مثل التي في "الرعد" وأما الثانية فمثل التي في "الرعد" ﴿ أو آباؤنا ﴾ مثل ﴿ أو أمن أهل القرى  ﴾ وكذلك في "الواقعة" ﴿ لا تناصرون ﴾ بالتشديد البزي وابن فليح ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئنك ﴾ ﴿ أئفكا ﴾ مثل ﴿ ائنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ ينزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الآخرون: بفتح الزاي ﴿ لترديني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ صفا ﴾ ه لا ﴿ زجراً ﴾ ه لا ﴿ لواحد ﴾ ه ط ﴿ المشارق ﴾ ه ط ﴿ الكواكب ﴾ ه لا ﴿ مارد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي.

وعليه بحث يجيء في التفسير ﴿ واصب ﴾ ه لا ﴿ ثاقب ﴾ ه ج ﴿ خلقنا ﴾ ط ﴿ لازب ﴾ ه ﴿ ويسخرون ﴾ ه ص ﴿ لا يذكرون ﴾ ه ص ﴿ يستسخرون ﴾ ه ص ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأوّلون ﴾ ه ط ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ مسؤولون ﴾ ه لا لأن المسؤول عنه قوله ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ ه ﴿ مستسلمون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج ﴿ سلطان ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ لذائقون ﴾ ه ﴿ غاوين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ يستكبرون ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ط ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ الأليم ﴾ ه ج ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ فواكه ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ مكرمون ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ج ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ للشارين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ ينزفون ﴾ ه ﴿ عين ﴾ ط ﴿ مكنون ﴾ ج ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ المصدّقين ﴾ ه ﴿ لمدينون ﴾ ه ﴿ مطلعون ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ لتردين ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ بميتين ﴾ ه لا ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ الزقوم ﴾ ه ﴿ للظالمين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة لشجرة ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ البطون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ج ﴿ ضالين ﴾ ه لا للعطف مع اتصال المعنى ﴿ يهرعون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ المجيبون ﴾ ه ز ﴿ العظيم ﴾ ه ز ﴿ الباقين ﴾ ه ز ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ في أوّل هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مرّ في أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله  ، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف.

قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، الا ترى أن التاء والصاد هما من طرف اللسان وأوصل الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟

وأيضاً الزاي مجهورة وفيها زيادة صفير.

ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثاً لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة.

وأما التقدير الأوّل ففيه وجوه الأوّل: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله  .

والصف ترتيب الشيء على نسق.

الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين.

قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفاً أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة.

والزجر سوق السحاب.

قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب.

وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم.

والتاليات الذين يتلون كتاب الله على الأبنياء.

والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية.

الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها.

أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً  ﴾ والزجرة والصيحة سواء.

والمراد رفع الصوت بزجر الخيل.

وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله.

يحكى عن علي بن أبي طالب  أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دماً فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء.

الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، وكلها مترتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات.

وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال: شعر شاعر.

والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه.

ويحتمل وإن لم يذكره جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله: الصابح فالغانم فالآيب *** كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب.

مثاله المصلون يقفون أوّلاً صفوفاً ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة.

وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات متغايرة؛ فالصافات الطير من قوله ﴿ والطير صافات  ﴾ والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله.

أو الصافات طائفة من الملائكة أو من الأشخاص الإِنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى.

وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه.

والفاء على هذه المعاني لترتب الموصوفات في الفضل.

ثم إنه  لو يقتصر في إثبات التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق ﴾ فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها.

وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ .

ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية الحفظ من الشيطان.

والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة لما تلاق به الدواة.

ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله  الكواكب وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط التي تنظم طائفة منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني عشر.

وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما يروق الناظر، ويجوز أن يقع ﴿ الكواكب ﴾ بياناً للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة.

ويجوز أن يراد بالزينة ما زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء.

ومن قرأ باتنوين ﴿ زينة ﴾ وجر ﴿ الكواكب ﴾ فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين ﴿ زينة ﴾ ونصب ﴿ الكواكب ﴾ فعلى أنه بدل من محل ﴿ بزينة ﴾ أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة.

قوله ﴿ وحفظاً ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه محمول على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين.

وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظاً من كل شيطان زيناها بالكواكب.

وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم.

تقول: افعل ذلك كرامة أي وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: وحفظناها حفظاً.

قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله الكواكب في زمن محمد  بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء في إصغائهم.

قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبحرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه.

وأيضاً إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟

وأيضاً مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟

والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضاً كالنادر.

فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان ناراً صرفاً، ولكن الناري غالب عليه.

ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن الله.

والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق.

والضمير في قوله ﴿ لا يسمعون ﴾ لكل شيطان لأنه في معنى الجمع.

والتسمع تكلف السماع سمع أو لم سمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى.

وقيل: معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي.

قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن يكون استئنافاً لأن سائلاً لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟

فأجيب بأنهم لا يسمعون.

لم يستقم فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع.

قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان مستأنفاً كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا.

ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم "أن" وأهدر عملها كما في قول القائل: ألا ايهذا الزاجري أحضر الوغى *** ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك "جئتك أن تكرمني" وحذف "أن" في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات.

قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضاً لا يصح إلا بتقدير اللام أو "من" مع "أن".

والملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات.

وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة.

وعنه: الكتبة من الملائكة.

والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجراً.

وقوله ﴿ من كل جانب ﴾ أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب.

وقيل: من كل الجوانب.

﴿ دحوراً ﴾ أي طرداً مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران كأنه قيل: يقذفون قذفاً أو يدحرون دحوراً.

ويجوز أن يكون مفعولاً له اي لأجل الدحور أو مصدراً في موضع الحال أي مدحورين كقوله ﴿ مذموماً مدحوراً  ﴾ ﴿ ولهم ﴾ أي للشياطين ﴿ عذاب واصب ﴾ دائم وقد مر في النحل في قوله ﴿ وله الدين واصباً  ﴾ يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب غير منقطع ﴿ إلا من خطف ﴾ في محل الرفع بدلاً من الواو في ﴿ لا يسمعون ﴾ أي لا يسمع إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة.

وقيل: وثب وثبة.

وقيل: الاستثناء منقطع خبره ﴿ فأتبعه ﴾ أي أتبعه ورمى في أثره ﴿ شهاب ثاقب ﴾ مضيء أو ماض فإذا قذفوا احترقوا.

وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون.

وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك.

وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة.

وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأوّل أن يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر فيقدر في الحالة الثانية.

أما الطريق الأوّل فاشار إليه بقوله ﴿ فاستفتهم ﴾ أي سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم.

وقيل: اراد عاداً وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية.

والقول الأول اقوى بدليل فاء التعقيب ولإطلاق قوله ﴿ خلقنا ﴾ إكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق، ومن هان عليه هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون.

وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ أي لازم والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين الحر.

وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن.

ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم يكن قابلاً للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أوّلاً فلا يبقى ريب في قبولها ثانياً، وقادرية الله  باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها.

وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق الأوّل، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة.

ثم بين أنهم مع قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال ﴿ بل عجبت ﴾ من قرأ بفتح التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث ﴿ و ﴾ هم ﴿ يسخرون ﴾ من تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه.

ومن قرأ بالضم فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام الشيء.

وقيل: هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء.

وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل عجبت.

سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله  غير منكر.

سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه  محمولة على النهايات كالمكر والاستهزاء والمعنى: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم  ﴾ .

عند من يرى أن العجب من الله.

وقد جاء في الحديث "يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة" .

وقال أيضاً: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته" .

والألّ التضرع.

ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون.

﴿ وإذا رأوا آية ﴾ بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات ﴿ يستسخرون ﴾ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر.

فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث.

قوله ﴿ أو آباؤنا ﴾ من قرأ بسكون الواو فمعطوف على محل اسم "أن"، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في ﴿ مبعوثون ﴾ وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى: أيبعث أيضاً آباؤنا؟

يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد.

وعلى الأوّل أرادوا إنكار أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله  بقوله ﴿ قل نعم ﴾ تبعثون ﴿ وأنتم داخرون ﴾ صاغرون أذلاء.

وإذا كان كذلك ﴿ فإنما هي ﴾ أي البعثة أو هو مبهم يوضحه خبره ﴿ زجرة ﴾ واحدة يعني صيحة النفخة الثانية ﴿ فإذا هم ينظرون ﴾ أراد أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم.

﴿ وقالوا يا ويلنا ﴾ الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله ﴿ تكذبون ﴾ يقوله الكفرة فيما بينهم.

وقيل: إن كلامهم يتم عند قوله ﴿ يا ويلنا ﴾ ثم قال الله أو الملائكة ﴿ هذا يوم الدين ﴾ الجزاء والحساب ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ القضاء والفرق بين المحسن والمسيء ﴿ احشروا الذين ظلموا ﴾ بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم.

وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه بعد البعث اي اجمعوهم ﴿ وأزواجهم ﴾ أي أشكالهم الذي على دينهم وسيرتهم؛ الزاني مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب.

وقيل: قرناءهم من الشياطين.

وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم.

﴿ وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ من الأصنام ﴿ فاهدوهم ﴾ ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم ﴿ إلى صراط الجحيم ﴾ وسطها أو طريقها لأنه قال بعد ذلك ﴿ وقفوهم ﴾ اي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا تهكماً وتوبيخاً بالعجز عن التناصر ﴿ ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ﴾ قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله.

وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة.

ثم حكى أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم ﴿ قالوا ﴾ لرؤسائهم ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعاً وعرفاً.

كان رسول الله يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيآت، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح.

فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصدّه عنه وأضله.

قال جار الله: من المجاز ما غلب عليه الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير.

ثم صار قولك "أتاه عن اليمين" مجازاً في المعنى المذكور.

الثاني: أن يقال: فلان يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم.

الثالث: اليمين الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم.

الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع البطش غالباً أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال.

وكما أن الضمير في ﴿ قالوا ﴾ الأول كان عائداً إلى الأتباع بقرينة الخطاب، فالضمير في ﴿ قالوا ﴾ الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة.

والمعنى بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا.

﴿ وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً ﴾ مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم  ﴾ ﴿ فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ﴾ قال مقاتل: أراد قوله: ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في العذاب وكان خبر الله حقاً فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب.

قال جار الله: لو حكى الوعيد كما هو لقال "إنكم لذائقون" ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوين ﴾ أي أقدمنا على أغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب أغوائنا فغوايتنا إن كانت بسب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضاً من الله كما مر في قوله ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ هذا تفسير أهل السنة.

وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: ﴿ بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة ﴿ فأغويناكم ﴾ فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين فاردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا.

وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله ﴿ فإنهم ﴾ جميعاً ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم القيامة ﴿ في العذاب مشتركون ﴾ كما كانوا مشتركين في الغواية.

ولعل للمتبوعين عذاباً زائداً للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء ﴿ إنا كذلك ﴾ أي مثل ذلك الفعل ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم أي كافر بدليل قوله ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ يأبون من قبوله، والجملة الشرطية خبر "كان" وهو مع الاسم والخبر خبر "إن" وإن ألغيت "كان" فالخبر ﴿ يستكبرون ﴾ و"إذا" ظرفه.

﴿ ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ عنوا محمداً  بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوّة جميعاً فردّ عليهم بقوله ﴿ بل جاء ﴾ متلبساً ﴿ بالحق وصدّق المرسلين ﴾ وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم في قولهم ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة قائلاً ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال ﴿ وما تجوزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحققه صوناً للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة اشبه.

والسنيّ يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل.

قال جار الله ﴿ إلا عباد الله ﴾ استثناء منقطع أي لكن عباد الله ﴿ المخلصين أولئك لهم رزق ﴾ قلت: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف.

ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله ﴿ إنكم ﴾ للمكلفين جميعاً فيصح الاستثناء المتصل مطلقاً أي تذوقون العذاب الأليم.

قوله ﴿ معلوم ﴾ قيل: أي معلوم الوقت كقوله ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر.

وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم.

وقيل: أراد أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع.

ثم فسر ذلك الرزق بأنه ﴿ فواكه ﴾ فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة.

وقيل: أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الطعام أولى بالحضور.

وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال ﴿ وهم مكرمون ﴾ إذ الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.

وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة جلوسهم فقال ﴿ في جنات النعيم على سرر متقابلين ﴾ وقد مر في "الحجر".

ثم وصف مشروبهم.

قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كاساً إلا إذا كان فيها خمر، وقد تسمى الخمر نفسها كأساً.

عن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر *** وكذا في تفسير ابن عباس: والمعين النهر الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء.

وقد يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جارياً قاله ثعلب.

وقيل: "فعيل" من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير أي بالغ فيه.

واشتدّ وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء.

وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن.

﴿ ولذة ﴾ إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي تأنيث.

اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال العقول.

يقال: غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وافسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ أي يسكرون.

وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر.

يقال: نزف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله.

والتركيب يدور على الفناء والنفاد ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء.

وأنزف مثله ومعناه صار ذا نزف.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ هو أن الشراب لا ينقطع عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار.

والأوّلون حملوه على المبالغة.

ثم وصف منكوحهم بقوله ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله ﴿ عرباً  ﴾ والعين جمع العيناء مؤنث الأعين وهو كبير العين.

ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، وذلك لأن فيها بياضاً يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور.

ثم عطف على قوله ﴿ يطاف ﴾ قوله قوله ﴿ فأقبل ﴾ وهو مضارع في المعنى إلا أنه على عادة الله  في الأخبار.

ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في تخاصم أهل النار.

والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة.

قال بعضهم: وما بقيت من اللذات إلا *** أحاديث الكرام على المدام وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ابتداء الحكاية ﴿ قال قائل منهم ﴾ أي من أهل الجنة ﴿ إني كان لي قرين ﴾ جليس أو شريك في الدنيا ﴿ يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ أي بيوم الدين ﴿ أئنا لمدينون ﴾ لمجزيون من دان يدين إذا جزى.

وقيل: لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه الحديث "الكيس من دان نفسه" وعن بعضهم: أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين  ﴾ ﴿ قال ﴾ يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ إلى النار اي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها.

عن ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ﴿ فاطلع ﴾ على أهل النار فرأى قرينه ﴿ في سواء الجحيم ﴾ وسطها ﴿ قال ﴾ لقرينه ﴿ تالله إن كدت لتردين ﴾ "إن" مخففة واللام فارقة.

والإرداء الإِهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدّي إلى الهلاك الحقيقي.

والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم  ﴾ إلى آخر الآية والله أعلم.

ثم شكر الله  على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل فقال ﴿ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ﴾ في النار مثلك أطلق إطلاقاً لأن الإِحضار يستعمل في الشر غالباً ولا سيما في اصطلاح القرآن.

وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قريناً له في الدنيا وهو الآن من أهل النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلاً ﴿ أفما نحن بميتين ﴾ وفيه قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أوّل دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب.

وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله  واغتباطاً بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول.

أفيدوم هذا لي؟

وإن كان على يقين من دوامه.

وايضاً إنه قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وليحكيه الله فيكون لنا لطفاً وزجراً.

احتج نفاة عذاب القبر بقوله ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ فإنه يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين.

وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾ يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعاً له وتوبيخاً وأن يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقاً لهم، وكذا قوله ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله عز وجل كأنه لما تمم قصة المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الزرق ﴿ خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ قال جار الله: أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل.

فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم والغم.

ويمكن أن يقال: النزل ما يقدّم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك.

وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة.

وقال غيره: إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ وذلك أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله  وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وقيل: إنما كانت فتنة لهم لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمداً يخوّفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر.

وذكروا أيضاً أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال: تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم.

وذكر بقية أوصاف الشجرة منها ﴿ إنها تخرج في أصل الجحيم ﴾ اي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.

وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر.

ومنها ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ قال جار الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك إذا كان يشبه الطلع شكلاً ولوناً.

وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال أحدها وهو الأقوى: إنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل النفوس إليه، وإذا كان الشيطان كله مستقبحاً فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في الجحيم.

الثاني أن الشيطان ههنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها أعراف ورؤوس قباح.

الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين.

الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة سود تكون حول مكة.

ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضاً يعود إلى الأول إلا أنه بعد التسمية كأنه صار أصلاً يشبه به.

ثم علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله ﴿ فإنهم لآكلون منها ﴾ أي من طلعها ﴿ فمالؤن منها البطون ﴾ أي بطونهم إما لأن شدّة الجوع تحملهم على تناول ذلك الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون باباً من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد الحرارة، وقد وصفه الله  في قوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه  ﴾ والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة ﴿ ومزاجه من تسنيم  ﴾ وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج بالحميم أو يسقون صديداً أو شراباً حاراً ممزوجاً بما هو أحر وهو الحميم.

ومعنى "ثم" التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلاً للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير.

قال مقاتل: معنى "ثم" في قوله ﴿ ثم إن مرجعهم ﴾ أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردّون إلى موضعهم أي من الجحيم فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار.

وقيل: هو كقولهم "فلان يرجع إلى مال ونعمة" أي هو فيها.

وقيل: "ثم" لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار.

وقيل: "ثم" مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم.

ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو التقليد.

والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقاً ولو لم يوجد في ذم التقليد إلا هذه الآية لكفى.

ثم اراد تسلية النبي  إجمالاً بقوله ﴿ ولقد ضل قبلهم ﴾ أي قبل قومك ﴿ أكثر الأوّلين ﴾ ثم استثنى من قوله ﴿ ولقد ضل ﴾ أو ﴿ من المنذرين ﴾ المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة.

ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلاً, وقدّم قصة نوح  لكونه أباً ثانياً ونداؤه في قوله ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ \[المؤمنون: 26\] أو قوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ واللام الداخلة على ﴿ نعم ﴾ جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في ﴿ فلنعم ﴾ دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقروناً بإجابة.

والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع الياس من إيمانهم وهذا أقرب.

وفي قوله ﴿ هم الباقين ﴾ بصيغة الحصر دلالة على أن كل ما سواه وسوى ذريته فقد فنوا.

روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذرّيته وهم سام وحام ويافث.

فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقاً وغرباً، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي ﴿ سلام على نوح ﴾ ومعنى ﴿ في العالمين ﴾ أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة.

ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسناً وهذا جزاء كل محسن.

ثم بين أن إحسانه كان مسبوقاً بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسناً.

وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال ﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ أعاذنا الله من الإغراق والإِحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمناً للنصر والفتوح.

التأويل: ﴿ والصافات ﴾ إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر ﴿ فالزاجرات ﴾ هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ هم الذين يذكرون الله في الخلوات بخلوص النيات.

رب سموات القلوب وأرض النفوس وما بينهما من صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد واقمار الطوالع ونجوم اللوامع.

السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية ﴿ طين لازب ﴾ أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام.

فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأوّلون أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف.

والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا االله فيسترها عليهم كما جاء ذكره في الحديث "إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم اي رب.

ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا!

وكذا!؟

فيقول: نعم.

ثم يقول: اي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم أي رب.

حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته" ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا موت، بل ينتقل من دار إلى دار.

﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ بل لمثل هذه الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر) على مثل ليلى يقتل المرء نفسه *** وإن بات من ليلى على اليأس والصدّ ثم أخبر بعد قصة الأولياء عن قصة الأعداء بقوله ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ وفي قوله ﴿ كأنه رؤوس الشياطين ﴾ دليل على أن أفعالهم كانت في قبح صفات الشياطين فكانت مكافأتهم من جنس صورة الشياطين ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ أنه  سلم على نوح الروح لأنه يحتاج إلى سلام الله ليعبر على الصراط المستقيم الذي هو أدقَ من الشعر وأحدّ من السيف، ولهذا يكون دعوة الرسل حينئذ رب "سلم سلم".

وإنما اختصوا بالصراط والعبور عليه ليؤدّوا الأمانة التي حملوها إلى أهلها وهو الله  وتعالى .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ﴾ .

قيل: هي السماوات والأرض والجبال، وقيل: الملائكة، وأكثرهم قالوا: قوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ﴾ ، أي: السماوات والأرض؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ...

﴾ الآية [غافر: 57]، يقول - والله أعلم -: سلهم أن خلقهم وإعادتهم أشدّ وأكبر وأعظم من خلق السماوات والأرض؟

وإذا أقررتم أنتم بقدرته على خلق السماوات والأرض كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم بعد ما متم، وكنتم تراباً ورفاتاً؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ ﴾ و ﴿ سَلْهُمْ  ﴾ ونحو ذلك مما أمر الله - عز وجل - رسوله أن يسألهم ويستفتيهم يخرج من الله - عز وجل - على وجوه: أحدها: على التقرير عندهم والتنبيه لهم.

أو على التعيير لهم والتوبيخ.

أو على التعليم حجة الحجاج والمناظرة فيما بينهم وبين خصومهم، وهكذا كل سؤال واستفتاء كان من خبير عليم لمن دونه يخرج على هذه الوجوه، وكل سؤال واستفتاء كان من الجهّال لخبير عليم يخرج على استرشاد وطلب الصواب.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ ﴾ و ﴿ سَلْهُمْ  ﴾ ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ...

﴾ الآية [الزخرف: 45]، و ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ...

﴾ كذا - هذا كله يخرج على التقرير والتنبيه، وعلى تعليم الكل حجة الحجاج والمناظرة لا على الأمر؛ لأنه لو كان [على] الأمر، لكان لا يقول ذلك المأمور بالتبليغ: سل، ولا قل، ولا شيء من ذلك، ولكن يبلغ إليه رسالته وأمره أنه يقول لكم: أن افعلوا كذا ولا تفعلوا؛ فدل أن ذلك الأمر للكل في أمر أنفسهم: أن قولوا لهم، وأن افعلوا بهم كذا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً...

﴾ الآية.

أمره أن يستفتيهم، ولم يذكر أنهم ما أفتوه؟

ولا أجابوه أو لا؟

ولا قال لهم: إنهم لو أجابوك وأفتوك بكذا فقل لهم كذا أو أجبهم بكذا؛ فجائز أن يكون الجواب ما ذكرنا: أنكم لو لم تشاهدوا خلق ما ذكر من السماوات والأرض وغيرها سوى خلق أنفسكم ثم شاهدتم خلقنا أعني ما ذكرنا من السماوات والأرض والجبال وغيرها - هل تنكرون قدرته على خلق ما شهدتم وعاينتم: أنه لم يخلقها إلا هو، كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم وبعثكم؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ .

فذكر - والله أعلم - ضعفهم وشدة ما خلق من سواهم أنكم تعلمون ضعف أنفسكم وعجزها، وشدة من سواكم وقوتها وصلابتها، ثم إنها مع شدتها وقوتها وصلابتها أخضع لله وأطوع منكم نحو ما ذكر من طاعتها له وخضوعها؛ حيث قال: - عز وجل -: ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك مما يكثر، والله أعلم.

أو أن يذكر لقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ بدء خلقهم وأصله الذي خلقوا هم منه، إنكم إنما عرفتم ابتداء خلقكم وأصلكم الذي منه خلقتم أنه تراب أو طين بإخبار الرسل، ويقول لهم: وأنتم يا أهل مكة ممن لا يؤمنون بالرسل، فكيف صدقتم الرسل بما أخبروا من أصلهم وبدء خلقكم، ولم تصدقوهم بما يخبرونكم من إعادتكم وبعثكم بعد موتكم؟!

فإذا صدقتموهم في ذلك لزمكم التصديق لهم في كل ما يخبرون ويقولون، والله أعلم.

أو يقول: إنه أنشأ من تلك النفس الواحدة التي خلقها من تراب من الخلق ما لو تركهم جميعاً لم يفنهم ولم يمتهم، لامتلأت الدنيا منها، فمن قدر على إنشاء ما تمتلئ الدنيا منه من نفس واحدة لا يحتمل أن يعجزه شيء من البعث والإعادة وغير ذلك، والله أعلم.

أو أن يقول في قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ ، أي: قد أنشأ من تلك النفس ومن ذلك الأصل قرناً وقرنا بعد قرن بعد إفناء كل قرن أنشأ قرناً آخر؛ فلا يحتمل أن يكون المقصود من إنشائهم الإنشاء ثم الإفناء والنقض، خاصة لا عاقبة تقصد بالإنشاء والإفناء؛ إذ في الشاهد من كان مقصوده في البناء الفناء والنقض خاصة كان غير حكيم، فإذا عرفتم الله - عز وجل - أنه حكيم؛ فلا يحتمل أن يكون مراده من إنشائكم وإفنائكم ذلك خاصة لا غير وذلك مزيل الحكمة، ويوجب السفه،  الله عن ذلك وجميع ما يصفه الملاحدة علوّاً كبيراً.

أو أن يقول: إنكم عرفتم أنه إنما أنشأكم من تلك النفس التي أنشأها من تراب أو طين على اتفاق منكم، فإذا متم وفنيتم صرتم تراباً أو طيناً، فكيف أنكرتم إعادته إياكم من تراب أو طين، وقد أقررتم أن أصلكم تراب أو طين - والله أعلم - على الوجوه التي ذكرنا يجوز أن يخرج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾ .

بالنصب يحتمل وجوهاً: أحدها: عجبت منهم إنكارهم ما أنكروا بعد كثرة قيام الآيات والحجج عليهم في ذلك وهم ينكرون ويسخرون.

أو يقول: عجبت ويسخرون؛ لما أنك بزعمهم لعظيم ما ينزل بهم من العذاب والشدائد وما يستقبلهم من الأمور المهمة وهم يسخرون، والله أعلم.

أو يقول: بل عجبت لما تدعوهم أنت إلى ما به نجاتهم وفلاحهم وهم يسخرون، ونحو ذلك يحتمل، والله أعلم بما كان يعجِّبه.

وفي بعض الحروف: ﴿ بل عجبتُ ﴾ بالرفع، وكذلك ذكر عن ابن مسعود -  - أنه كان يقرؤه بالرفع: ﴿ بل عجبتُ ﴾ فإن ثبت ذلك وصح إضافة العجب إلى الله فهو في الشاهد وإن كان لظهور عظيم مما قالوا خفيّاً عليهم مستتراً، عند ذلك يقع لهم العجبُ فهو في الله عز وجل، وإن كان لا يحتمل أن يخفى عليه شيء، فذلك لعظيم ما كان منهم من الإنكار من قدرته على الإنشاء والجحود في ذلك؛ فيكون ما ذكر من حرف العجب منه كناية عن الإنكار والدفع لقولهم، وذلك كما أضاف الامتحان إلى نفسه وإن كان في الشاهد لا يستعمل إلا في استظهار ما خفي عليهم واستتر منهم، فهو من الله يخرج على الأمر والنهي - أعني الامتحان - وإن كان في الشاهد بين الخلق لا يكون إلا لما ذكرنا، فعلى ذلك جائز إضافة العجب إلى الله على إرادة الإنكار منه عليهم والدفع لقولهم، والله أعلم.

ومن الناس من أنكر هذه القراءة وقال: لا يجوز إضافة التعجب إلى الله - عز وجل - لما هو لم يزل عالماً بما كان ويكون، وهو في الشاهد إنما يكون لظهور عظيم من الأمر قد جهلوه، لكن هذا وإن كان في الخلق ما ذكر فهو من الله على غير ذلك، على ما ذكرنا من إضافة الامتحان إليه والابتلاء وإن كان بين الخلق لما ذكرنا، وقد ظهرت إضافته إليه بقوله: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ  ﴾ وهو يخرج على الإنكار عليهم والرد على تعظيم إنكار ما قالوا وأنكروا، والله أعلم.

ومن الناس من قال في قوله عز وجل: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ﴾ فيما أضافه إلى رسول الله  : أي عجبت من هذا القرآن حين أعطاك إياه ويسخر منه أولئك الكفرة.

ويحتمل معنى [آخر]، وهو أن يقال: إن قوله عز وجل: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ﴾ أي: جعلت ما أنزلت عليك من القرآن والوحي أمراً عجباً، أو أن يقال: كان إنكارهم رسالتك وتكذيبهم الآيات أمراً عجباً وهم يسخرون، ونحوه، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ ﴾ .

ابن عباس يقول: وإذا وُعِظوا لا يتعظون، والموعظة والتذكير واحد.

وقتادة يقول: ﴿ وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ ﴾ أي: [لا] ينتفعون بالموعظة على ما ذكرنا في قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ أي: لا ينتفعون بتلك الحواس، وإن كانت لهم تلك، كمن لا حاسة له.

فعلى ذلك قول قتادة.

وجائز أن يكون على مرادفة التذكير ما نسوا من الآيات والحجج، يقول: إنهم وإن ذكروا ما نسوا وتركوا وغفلوا عنه لا يتذكرون، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ هذه الآيات وأمثالها ذكرها - والله أعلم - لقوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً [ ] ﴿ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر؛ يخبر عن عنادهم ومكابرتهم ...

الآيات، ويذكر سفههم.

ثم في ذكر ما ذكر من عنادهم وسفههم، وجعله آيات من القرآن تتلى أبداً وجهان من الحكمة: أحدهما: صيَّر ذلك آية لرسالته  لأنه معلوم أنهم كانوا على ما أخبر عنهم من العناد والسفه وعلى أن ختموا وقبضوا، دل أنه بالله عرف ذلك وبوحيه علم، والله أعلم.

والثاني: يخبر - والله أعلم - على ما رأى سلفنا من سفه أولئك وعنادهم وما قاسوا منهم وما لحق بهم من الأذى والضرر والسوء؛ لئلا يضيق صدرنا في سفه من تسفه علينا من أهل الفساد والفسق، وألا نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسفه السفيه، ولا لأذى المؤذي ولا سوء يقال، بل يجب علينا أن نتأسى بسلفنا ونقتدي بهم، وإذا أصابنا منهم ما أصاب أولئك من الأذى والسفه، وإن عاندوا أو كابروا وظهر منهم كل فسق وسوء على ما فعل أولئك، واحتملوا منهم ما كرهوا، فنحمل عن سفهائنا مثله - والله أعلم - وإلا لو لم يكن في ذكر سفههم وعنادهم ما ذكرنا من الحكمة كان لا معنى لذكر سفه أولئك وعنادهم.

وجائز أن يكون الشيء سفهاً باطلاً في نفسه ويكون حكمة ودليلاً لغيره - والله أعلم - على ما قال بعض الناس: إن الكذب نفسه يجوز أن يكون دليل الصدق، وكلام السفه والباطل دليل الصدق والحكمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ أي: وإذا أنزل عليهم آية على سؤال منهم يستسخرون ويستهزئون، يخبر عن سفههم أنهم وإن سألوا الآيات فإنهم لا يسألون سؤال استرشاد ولكن سؤال عناد وهزء؛ كقوله عز وجل : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ  لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقالوا: ﴿ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ كان هذا تلقيناً لأولئك الكفرة الرؤساء من الشيطان اللعين حتى يموِّهوا على أتباعهم عندما ظهر، وكثير من الآيات؛ لما كانوا يعلمون أن لا كل أحد يعرف السحر ويتهيأ إتيانه وفعله؛ يلبسون بذلك على أتباعهم ليقع عندهم أنها السحر لا الآية، والله أعلم.

ولو كان ذلك سحراً حقيقة لكان من آيات الرسالة، فكيف إذا كان آية لما كانوا يعلمون أنه لم يختلف إلى أحد ممن له معرفة بالسحر قط؟!

فدل أنه بالله عرف ذلك، على ما ذكرنا: أن ما أنبأ وأخبر عن أنباء الأمم الخالية وأخبارهم يدل على رسالته؛ لما علموا أنه لم يختلف إلى أحد ممن له المعرفة بتلك الأنباء والأخبار ولا ينظر في كتبهم ليعرف ذلك، ثم أخبر على ما كان في كتبهم، دل أنه بالله عرف ذلك وبوحى منه إليه علم، فعلى ذلك لو كان سحراً فكيف إذا كانت آية عظيمة معجزة؟!

وقال الزجاج: حرف العجب إنما يكون عند ظهور العجب من الأمر وعبرة عظيمة، فأما ما أضيف إلى الله فهو على الإنكار منه والرد على من أنكر عظيماً من الأمر ظاهراً، أو كلام نحوه، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ ﴾ قيل: دائم؛ كقوله عز وجل: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً  ﴾ أي دائماً، وقيل: ﴿ عَذابٌ وَاصِبٌ ﴾ أي: شديد.

وقوله عز وجل: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ قيل: ملتزق، وقيل ملتصق الذي يلتصق باليد إذا لمس.

وقوله: ﴿ دُحُوراً ﴾ قيل: طرداً، وهو مطرود.

وقوله: ﴿ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ قيل: مضيء، وقيل: هوى بضوئه.

ثم قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ قال بعضهم: يسخرون، وقال بعضهم: ﴿ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ : يطلبون من أتباعهم السخرية - يعني: القادة - على الآية.

والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ ﴾ : قد ذكرنا: أنهم يقولون ذلك وما تقدم على العناد والتعنت وعلم منهم أنهم لا يؤمنون أبداً وإن بين لهم جهة الإحياء والقدرة عليهم؛ لذلك اكتفى بقوله: ﴿ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ ﴾ ، قد ذكرنا أنهم كانوا يقولون ذلك، ولم يذكر شيئاً من الحجاج سوى قوله: ﴿ نَعَمْ ﴾ .

أي: صاغرون ذليلون؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ .

يحتمل قدر زجرة واحدة، يخبر عن سرعة قيامها ومرورها.

ويحتمل على حقيقة الزجرة، لكن يخبر عن خفة ذلك وهوانه عليه؛ كقوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ من غير أن كان منه كاف ونون أو شيء من ذلك، لكنه أخفّ كلام على الألسن يؤدى به المعنى، ويفهم به المراد من ذلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ إخباراً عن خفة ذلك عليه وهوانه، من غير أن جعل الزجرة سبب الإحياء أو سبباً من ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَنظُرُونَ ﴾ إلى ماذا يؤمرون؟

وعن ماذا ينهون؟

لأن الذي أصابهم في الآخرة إنما كان لتركهم الأمر في الدنيا، فإذا عاينوا ما كانوا يوعدون في الدنيا بتركهم الأمر عنه ينظرون إلى ماذا يؤمرون وينهون عنه؟

والله أعلم.

أو ينظرون كالمتحيرين؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث ويكذبونه، فإذا عاينوا تحيروا وتاهوا وضجروا، وهكذا الأمر المتعارف في الخلق أن من أنكر شيئاً أو كذبه، ثم أخبر به وأعلم حتى تيقن عنده ما أنكر تحير وضجر؛ فعلى ذلك هؤلاء لما أنكروا في الدنيا وكذبوه ثم عاينوا ذلك وتيقنوا به - تحيروا وضجروا به، ينظرون نظر المتحير الضجر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ .

هذا كلام يقال عند الوقوع في الهلاك.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ أي: يوم الحساب ويوم الجزاء، وكذلك قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ .

ويحتمل: هذا يوم الذي ينفع كل من معه الدين دينه، والدين المطلق هو دين الله، وكذلك السبيل المطلق هو سبيل الله، أي: هذا يوم الدين الذي ينفع من كان معه دين الله، وكذا السبيل المطلق هو سبيل الله.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: يوم القضاء والحكم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ  ﴾ أي: يقضي بينهم ﴿ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: يفصل ويفرق بينهم، أي: بين الكفار وأهل الإيمان، وبين الخبيث والطيب؛ كقوله -  -: ﴿ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً...

﴾ الآية [الأنفال: 38]، وقوله: ﴿ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ .

فالزوج: هو اسم لشكله واسم لضده اسم لهما جميعاً.

يحتمل قوله: ﴿ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ أي: أشكالهم وقرناؤهم من الجن والإنس والشياطين، يأمر الملائكة أن تجمع بين من كانوا يجتمعون في هذه الدنيا ويستحبون الاجتماع معهم أن يجمعوا في عذاب الآخرة، على ما كانوا يستحبون الاجتماع في الملاهي والطرب في هذه الدنيا ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يجمع بين أولئك وبين قرنائهم جهنم، ويقرن بعضهم إلى بعض في العذاب؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ  فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقال قتادة وغيره: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: يدان لبعض الناس من بعض في المظالم والحقوق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ﴾ .

يحتمل الوقف للحساب.

ويحتمل ﴿ مَّسْئُولُونَ ﴾ أي: محاسبون.

وعن ابن عباس قال: "إن دون الحساب يوم القيامة كذا كذا موقفاً، في كل موقف يوقفون مقدار كذا عاماً، ثم تلا هذه الآية".

ويحتمل [ليس] السؤال عما فعلوا، ولكن يسألون لماذا فعلوا؟

ويحتمل الوقوف فتنوا إلى بعضهم بعضاً، والمخاصمة فيما بينهم والمراجعة؛ كقوله: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ...

 ﴾ كذا، و ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ...

 ﴾ كذا؛ على ما أخبر أنه يجري فيما بينهم من الخصومة ومراجعة القول واللائمة.

وقوله: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ ﴾ .

أي: ما لكم لا تنصرون؟

أي: ما لكم لا ينصركم الأصنام التي عبدتموها في الدنيا رجاء النصر والشفاعة؛ كقوله: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

فيخبر عن إياسهم من نصر ما عبدوا على رجاء النصر لهم والشفاعة؛ كقوله: ﴿ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُون  ﴾ ، أي: خاضعون ذليلون لله، لما علموا ألا يكون النصر والعون إلا منه، فعند ذلك يستسلمون له.

وقال بعضهم: يستسلمون في عذابه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فاسأل -يا محمد- الكفار المنكرين للبعث: أهم أشد خلقًا وأقوى أجسامًا وأعظم أعضاءً ممن خلقنا من السماوات والأرض والملائكة؟

إنا خلقناهم من طين لَزِج، فكيف ينكرون البعث، وهم مخلوقون من خلق ضعيف وهو الطين اللزِج؟

<div class="verse-tafsir" id="91.ZYZK8"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد