الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ١٤٢ من سورة الصافات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 122 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤٢ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وأمر الله تعالى حوتا من البحر الأخضر أن يشق البحار ، وأن يلتقم ، يونس - عليه السلام - فلا يهشم له لحما ، ولا يكسر له عظما .
فجاء ذلك الحوت وألقى يونس - عليه السلام - نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها .
ولما استقر يونس في بطن الحوت ، حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي ، فقام يصلي في بطن الحوت ، وكان من جملة دعائه : " يا رب ، اتخذت لك مسجدا في موضع لم يبلغه أحد من الناس " واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت ، فقيل : ثلاثة أيام ، قاله قتادة .
وقيل جمعة قاله جعفر الصادق .
وقيل : أربعين يوما ، قاله أبو مالك .
وقال مجالد ، عن الشعبي : التقمه ضحى ، وقذفه عشية .
والله أعلم بمقدار ذلك .
وفي شعر أمية بن أبي الصلت : وأنت بفضل منك نجيت يونسا وقد بات في أضعاف حوت لياليا
وقوله ( فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ) يقول: فابتلعه الحوت; وهو افتعل من اللَّقْم.
وقوله ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) يقول: وهو مكتسب اللوم، يقال: قد ألام الرجل، إذا أتى ما يُلام عليه من الأمر وإن لم يُلَم، كما يقال: أصبحت مُحْمِقا مُعْطِشا: أي عندك الحمق والعطش; ومنه قول لبيد: سَــفَها عَـذَلْتَ ولُمْـتَ غـيرَ مُلِيـمِ وَهَــداكَ قَبـلَ الْيـومِ غـيرُ حَـكيمِ (6) فأما الملوم فهو الذي يلام باللسان، ويعذل بالقول.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) قال: مذنب.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) : أي في صنعه.
حدثني يونس، قال.
أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) قال: وهو مذنب، قال: والمليم: المذنب.
------------------------ الهوامش: (6) البيت للبيد بن ربيعة العامري .
استشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة 211 - 1) قال في قوله تعالى" وهو مليم" يقول العرب : ألام فلان في أمره : وذاك إذا أتى أمرا يلام عليه .
وقال لبيد :" سفها ...
البيت" .
ا هـ .
واستشهد به في ( اللسان : لوم ) على مثل ما استشهد به أبو عبيدة .
وقال : لام فلان غير مليم .
قوله تعالى : فالتقمه الحوت وهو مليم أي أتى بما يلام عليه .
فأما الملوم فهو الذي يلام ، استحق ذلك أو لم يستحق .
وقيل : المليم المعيب .
يقال : لام الرجل إذا عمل شيئا فصار معيبا بذلك العمل .
فألقي في البحر { فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ } وقت التقامه { مُلِيمٌ } أي: فاعل ما يلام عليه، وهو مغاضبته لربه.
( فالتقمه الحوت ) ابتلعه ، ( وهو مليم ) آت بما يلام عليه .
«فالتقمه الحوت» ابتلعه «وهو مليم» أي آت بما يلام عليه من ذهابه إلى البحر وركوبه السفينة بلا إذن من ربه.
فأُلقي في البحر، فابتلعه الحوت، ويونس عليه السلام آتٍ بما يُلام عليه.
( فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ ) أى بعد أن وقعت القرعة عليه ، ألقى بنفسه فى البحر ، ( فالتقمه الحوت ) أى : ابتلعه بسرعة : يقال : لَقِم فلان الطعام - كسمع - والتقمه ، إذا ابتلعه بسرعة ، وتَلَّقمه إذا ابتلعه على مهل .وجملة ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) حالية فى محل نصب ، أى : فالتقمه الحوت وهو مكتسب من الأفعال ما يلام عليه ، حيث غادر قومه بدون إذن من ربه .يقال : رجل مليم ، إذا أتى من الأقوال أو الأفعال ما يلام عليه ، وهو اسم فاعل من ألاَم الرجل ، إذا أتى ما يلام عليه .
واعلم أن هذا هو القصة السادسة وهو آخر القصص المذكورة في هذه السورة، وإنما صارت هذه القصة خاتمة للقصص، لأجل أنه لما لم يصبر على أذى قومه وأبق إلى الفلك وقع في تلك الشدائد فيصير هذا سبباً لتصبر النبي صلى الله عليه وسلم على أذى قومه.
أما قوله: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين * إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلك المشحون ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف قريء يونس بضم النون وكسرها.
المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أن هذه الواقعة إنما وقعت ليونس عليه السلام بعد أن صار رسولاً، لأن قوله: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين * إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلك ﴾ معناه أنه كان من المرسلين حينما أبق إلى الفلك، ويمكن أن يقال: إنه جاء في كثير من الروايات أنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله، ثم أبق والتقمه الحوت فعند ذلك أرسله الله تعالى، والحاصل أن قوله: ﴿ لَمِنَ المرسلين ﴾ لا يدل على أنه كان في ذلك الوقت مرسلاً من عند الله تعالى، ويمكن أن يجاب بأنه سبحانه وتعالى ذكر هذا الوصف في معرض تعظيمه، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان المراد من قوله: ﴿ لَمِنَ المرسلين ﴾ أنه من المرسلين عند الله تعالى.
المسألة الثالثة: أبق من إباق العبد وهو هربه من سيده، ثم اختلف المفسرون فقال بعضهم: إنه أبق من الله تعالى، وهذا بعيد لأن ذلك لا يقال إلا فيمن يتعمد مخالفة ربه، وذلك لا يجوز على الأنبياء واختلفوا فيما لأجله صار مخطئاً، فقيل: لأنه أمر بالخروج إلى بني إسرائيل فلم يقبل ذلك التكليف وخرج مغاضباً لربه، وهذا بعيد سواء أمره الله تعالى بذلك بوحي أو بلسان نبي آخر، وقيل: إن ذنبه أنه ترك دعاء قومه، ولم يصبر عليهم.
وهذا أيضاً بعيد لأن الله تعالى لما أمره بهذا العمل فلا يجوز أن يتركه، والأقرب فيه وجهان الأول: أن ذنبه كان لأن الله تعالى وعده إنزال الإهلاك بقومه الذين كذبوه فظن أنه نازل لا محالة، فلأجل هذا الظن لم يصبر على دعائهم، فكان الواجب عليه أن يستمر على الدعاء لجواز أن لا يهلكهم الله بالعذاب وإن أنزله، وهذا هو الأقرب لأنه إقدام على أمر ظهرت أماراته فلا يكون تعمداً للمعصية، وإن كان الأولى في مثل هذا الباب أن لا يعمل فيه بالظن ثم انكشف ليونس من بعد أنه أخطأ في ذلك الظن، لأجل أنه ظهر الإيمان منهم فمعنى قوله: ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلك ﴾ ما ذكرناه الوجه الثاني: أن يونس كان وعد قومه بالعذاب فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور عنهم فقصد البحر وركب السفينة، فذلك هو قوله: ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلك ﴾ وتمام الكلام في مشكلات هذه الآية ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مغاضبا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ وقوله: ﴿ إِلَى الفلك المشحون ﴾ مفسر في سورة يونس والسفينة إذا كان فيها الحمل الكثير والناس يقال إنها مشحونة، ثم قال تعالى: ﴿ فساهم ﴾ المساهمة هي المقارعة، يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا، قال المبرد: وإنما أخذ من السهام التي تجال للقرعة ﴿ فَكَانَ مِنَ المدحضين ﴾ أي: المغلوبين يقال: أدحض الله حجته فدحضت أي: أزالها فزالت وأصل الكلمة من الدحض الذي هو الزلق، يقال: دحضت رجل البعير إذا زلقت، وذكر ابن عباس في قصة يونس عليه السلام أنه كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، وكان الله تعالى أوحى إلى بني إسرائيل إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم، فلما نسوا ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن اذهب إلى ملك هؤلاء الأقوام وقل له حتى يبعث إلى بني إسرائيل نبياً، فاختار يونس عليه السلام لقوته وأمانته، قال يونس: الله أمرك بهذا قال: لا ولكن أمرت أن أبعث قوياً أميناً وأنت كذلك، فقال يونس: وفي بني إسرائيل من هو أقوى مني فلم لا تبعثه، فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما دخلت لجة البحر أشرفت على الغرق، فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر، وقال التجار: قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع، فمن خرج سهمه نغرقه، فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل فخرج سهم يونس، فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله، ثم عادوا ثانياً وثالثاً يقترعون فيخرج سهم يونس، فقال: يا هؤلاء أنا العاصي وتلفف في كساء ورمى بنفسه فابتلعته السمكة فأوحى الله تعالى إلى الحوت: ا تكسر منه عظماً ولا تقطع له وصلاً ثم إن السمكة أخرجته إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى بحر البطائح ثم دجلة فصعدت به ورمته بأرض نصيبين بالعراء، وهو كالفرخ المنتوف لا شعر ولا لحم، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكان يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى تشدد، ثم إن الأرض أكلتها فخرت من أصلها فحزن يونس لذلك حزناً شديداً، فقال: يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت، فقيل له يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة واقتلعت في ساعة ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون تركتهم!
انطلق إليهم، والله أعلم بحقيقة الواقعة.
ثم قال تعالى: ﴿ فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ يقال: التقمه والتهمه والكل بمعنى واحد، وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ يقال: ألام إذا أتى بما يلام عليه، فالمليم المستحق للوم الآتي بما يلام عليه.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ وفي تفسير كونه من المسبحين قولان الأول: أن المراد منه ما حكى الله تعالى عنه في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ الثاني: أنه لولا أنه كان قبل أن التقمه الحوت من المسبحين يعني المصلين وكان في أكثر الأوقات مواظباً على ذكر الله وطاعته للبث في بطن ذلك الحوت، وكان بطنه قبراً له إلى يوم البعث، قال بعضهم: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن يونس عليه السلام كان عبداً صالحاً ذاكراً لله تعالى، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ﴾ وإن فرعون كان عبداً طاغياً ناسياً، فلما أدركه الغرق قال: ﴿ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل ﴾ قال الله تعالى: ﴿ ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ واختلفوا في أنه كم لبث في بطن الحوت، ولفظ القرآن لا يدل عليه.
قال الحسن: لم يلبث إلا قليلاً وأخرج من بطنه بعد الوقت الذي التقمه، وعن مقاتل بن حيان ثلاثة أيام وعن عطاء سبعة أيام وعن الضحاك عشرين يوماً وقيل شهراً ولا أدري بأي دليل عينوا هذه المقادير، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة، فقال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟
قال: نعم، فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل فذاك هو قوله: ﴿ فنبذناه بالعراء ﴾ » وفيه مباحث: الأول: العراء المكان الخالي قال أبو عبيدة إنما قيل له العراء لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.
الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ فنبذناه بالعراء ﴾ فأضاف ذلك النبذ إلى نفسه، والنبذ إنما حصل بفعل الحوت، وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ قيل المراد أنه بلي لحمه وصار ضعيفاً كالطفل المولود كالفرخ الممعط الذي ليس عليه ريش، وقال مجاهد سقيم أي سليب.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ ﴾ ظاهر اللفظ يدل على أن الحوت لما نبذه في العراء فالله تعالى أنبت عليه شجرة من يقطين وذلك المعجز له، قال المبرد والزجاج كل شجر لا يقوم على ساق وإنما يمتد على وجه الأرض فهو يقطين، نحو الدباء والحنظل والبطيخ، قال: الزجاج أحسب اشتقاقها من قطن بالمكان إذا أقام به وهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض فلذلك قيل له اليقطين، روى الفراء أنه قيل عند ابن عباس هو ورق القرع، فقال: ومن جعل القرع من بين الشجر يقطيناً كل ورقة اتسعت وسترت فهي يقطين، قال الواحدي رحمه الله والآية تقتضي شيئين لم يذكرهما المفسرون أحدهما: أن هذا اليقطين لم يكن قبل فأنبته الله لأجله والآخر: أن اليقطين كان معروشاً ليحصل له ظل، لأنه لو كان منبسطاً على الأرض لم يمكن أن يستظل به.
ثم قال تعالى: ﴿ وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ وفيه مباحث: الأول: يحتمل أن يكون المراد وأرسلناه قبل أن يلتقمه الحوت وعلى هذا الإرسال وإن ذكر بعد الالتقام، فالمراد به التقديم والواو معناها الجمع، ويحتمل أن يكون المراد به الإرسال بعد اللالتقام، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كانت رسالة يونس عليه السلام بعد ما نبذه الحوت، وعلى هذا التقدير يجوز أن يكون أرسل إلى قوم آخرين سوى القوم الأول، ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين ثانياً بشريعة فآمنوا بها.
البحث الثاني: ظاهر قوله: ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ يوجب الشك وذلك على الله تعالى محال ونظيره قوله تعالى: ﴿ عُذْراً أَوْ نُذْراً ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى ﴾ وأجابوا عنه من وجوه كثيرة والأصح منها وجه واحد وهو أن يكون المعنى أو يزيدون في تقديركم بمعنى أنهم إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على المائة، وهذا هو الجواب عن كل ما يشبه هذا.
ثم قال تعالى: ﴿ فَئَامَنُواْ فمتعناهم إلى حِينٍ ﴾ والمعنى أن أولئك الأقوام لما آمنوا أزال الله الخوف عنهم وآمنهم من العذاب ومتعهم الله إلى حين، أي إلى الوقت الذي جعله الله أجلاً لكل واحد منهم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ يونس ﴾ بضم النون وكسرها.
وسمي هربه من قومه بغير إذن ربه: إباقا على طريقة المجاز.
والمساهمة: المقارعة.
ويقال: استهم القوم، إذا اقترعوا.
والمدحض: المغلوب المقروع.
وحقيقته: المزلق عن مقام الظفر والغلبة.
روى: أنه حين ركب في السفينة وقفت، فقالوا: هاهنا عبد أبق من سيده، وفيما يزعم البحارون أنّ السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس فقال: أنا الآبق، وزجّ بنفسه في الماء ﴿ فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ داخل في الملامة.
يقال: رب لائم مليم، أي يلوم غيره وهو أحقّ منه باللوم.
وقرئ: ﴿ مليم ﴾ بفتح الميم، من ليم فهو مليم، كما جاء: مشيب في مشوب، مبنياً على شيب.
ونحوه: مدعي، بناء على دعى ﴿ مِنَ المسبحين ﴾ من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس.
وقيل: هو قوله في بطن الحوت ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ [الأنبياء: 87] وقيل: من المصلين.
وعن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة.
وعن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء.
قال: وكان يقال: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا صرع وجد متكأً.
وهذا ترغيب من الله عزّ وجلّ في إكثار المؤمن من ذكره بما هو أهله، وإقباله على عبادته، وجمع همه لتقييد نعمته بالشكر في وقت المهلة والفسحة، لينفعه ذلك عنده تعالى في المضايق والشدائد ﴿ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ ﴾ الظاهر لبثه فيه حياً إلى يوم البعث.
وعن قتادة: لكان بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة.
وروي أنه حين ابتلعه أوحى الله إلى الحوت: إني جعلت بطنك له سجناً، ولم أجعله لك طعاماً.
واختلف في مقدار لبثه، فعن الكلبي: أربعون يوماً، وعن الضحاك: عشرون يوماً.
وعن عطاء سبعة.
وعن بعضهم: ثلاثة.
وعن الحسن: لم يلبث إلاّ قليلاً، ثم أخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقم فيه.
وروي: أنّ الحوت سار مع السفينة رافعاً رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح، ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر، فلفظه سالماً لم يتغير منه شيء، فأسلموا: وروي أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل.
والعراء: المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ اعتلّ مما حلّ به، وروي: أنه عاد بدنه كبدن الصبيِّ حين يولد.
واليقطين: كل ما ينسدح على وجه الأرض ولا يقوم على ساق كشجر البطيخ والقثاء والحنظل، وهو (يفعيل) من قطن بالمكان إذا قام به.
وقيل هو: الدباء.
وفائدة الدباء: أن الذباب لا يجتمع عنده- وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع.
قال: «أجل هي شجرة أخي يونس» وقيل: هي التين، وقيل: شجرة الموز، تغطى بورقها.
واستظلّ بأغصانها، وأفطر على ثمارها.
وقيل: كان يستظلّ بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه، فيشرب من لبنها.
وروي: أنه مرّ زمان على الشجرة فيبست، فبكى جزعاً، فأوحى الله إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف في يد الكافر، فإن قلت: ما معنى ﴿ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً ﴾ ؟
قلت: أنبتناها فوقه مظلة له؛ كما يطنب البيت على الإنسان ﴿ وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ ﴾ المراد به ما سبق من إرساله إلى قومه وهم أهل نينوى.
وقيل: هو إرسال ثان بعد ما جرى عليه إلى الأولين.
أو إلى غيرهم.
وقيل: أسلموا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى، لأنّ النبيّ إذا هاجر عن قومه لم يرجع إليهم مقيماً فيهم، وقال لهم: إن الله باعث إليكم نبياً ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ في مرأى الناظر؛ أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر؛ والغرض: الوصف بالكثرة ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى أجل مسمى وقرئ: ﴿ ويزيدون ﴾ بالواو.
وحتى حين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ.
﴿ إذْ أبَقَ ﴾ هَرَبَ، وأصْلُهُ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ حَسُنَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ.
﴿ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ المَمْلُوءِ.
﴿ فَساهَمَ ﴾ فَقارَعَ أهْلَهُ.
﴿ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ بِالقُرْعَةِ، وأصْلُهُ المَزْلَقُ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا وُعِدَ قَوْمُهُ بِالعَذابِ خَرَجَ مِن بَيْنِهِمْ قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ، فَرَكِبَ السَّفِينَةَ فَوَقَفَتْ فَقالُوا: هاهُنا عَبْدٌ آبِقٌ فاقْتَرِعُوا فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنا الآبِقُ ورَمى بِنَفْسِهِ في الماءِ.
﴿ فالتَقَمَهُ الحُوتُ ﴾ فابْتَلَعَهُ مِنَ اللُّقْمَةِ.
﴿ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ داخِلٌ في المَلامَةِ، أوْ آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْها أوْ مُلِيمٌ نَفْسَهُ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ مَبْنِيًّا مَن لِيمَ كَمَشِيبٍ في مَشُوبٍ.
﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا بِالتَّسْبِيحِ مُدَّةَ عُمْرِهِ، أوْ في بَطْنِ الحُوتِ وهو قَوْلُهُ ﴿ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ وقِيلَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ حَيًّا وقِيلَ: مَيِّتًا، وفِيهِ حَثٌّ عَلى إكْثارِ الذِّكْرِ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، ومَن أقْبَلَ عَلَيْهِ في السَّرّاءِ أخَذَ بِيَدِهِ عِنْدَ الضَّرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{فالتقمه الحوت} فابتلعه {وَهُوَ مُلِيمٌ} داخل في الملامة
﴿ فالتَقَمَهُ الحُوتُ ﴾ أيِ ابْتَلَعَهُ مِنَ اللُّقْمَةِ.
وفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ أتى قَوْمًا في سَفِينَةٍ فَحَمَلُوهُ وعَرَفُوهُ، فَلَمّا دَخَلَها رَكَدَتْ، والسُّفُنُ تَسِيرُ يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ: ما بالُ سَفِينَتِكُمْ؟
قالُوا: ما نَدْرِي، قالَ: ولَكِنِّي أدْرِي، إنَّ فِيها عَبْدًا آبِقٌ مِن رَبِّهِ، وإنَّها واللَّهِ لا تَسِيرُ حَتّى تُلْقُوهُ، قالُوا: أمّا أنْتَ واللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَلا نُلْقِيكَ، فَقالَ لَهُمُ: اقْتَرِعُوا فَمَن قُرِعَ فَلْيُلْقَ، فاقْتَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ، وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَرَمى بِنَفْسِهِ، فَكانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى.
وكَيْفِيَّةُ اقْتِراعِهِمْ عَلى ما في البَحْرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم أخَذُوا لِكُلٍّ سَهْمًا عَلى أنَّ مَن طَفا سَهْمُهُ فَهو ومَن غَرِقَ سَهْمُهُ، فَلَيْسَ إيّاهُ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا وقَفَ عَلى شَفِيرِ السَّفِينَةِ لِيَرْمِيَ بِنَفْسِهِ رَأى حُوتًا - واسْمُهُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وجَماعَةٌ، عَنْ قَتادَةَ نَجْمٌ - قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الماءِ قَدْرَ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ، يَرْقُبُهُ، ويَتَرَصَّدُهُ، فَذَهَبَ إلى رُكْنٍ آخَرَ، فاسْتَقْبَلَهُ الحُوتُ، فانْتَقَلَ إلى آخَرَ فَوَجَدَهُ.
وهَكَذا حَتّى اسْتَدارَ بِالسَّفِينَةِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَطَرَحَ نَفْسَهُ فَأخَذَهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الماءِ، ﴿ وهُوَ مُلِيمٌ ﴾ أيْ داخِلٌ في المَلامَةِ عَلى أنَّ بِناءَ أفْعَلَ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ نَحْوَ أحْرَمَ، إذا دَخَلَ الحَرَمَ، أوْ آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ، عَلى أنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلصَّيْرُورَةِ نَحْوَ أغَدَّ البَعِيرُ أيْ صارَ ذا غُدَّةٍ، فَهو هُنا لِما أتى بِما يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ عَلَيْهِ صارَ ذا لَوْمٍ، أوْ مُلِيمَ نَفْسِهِ، عَلى أنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ نَحْوَ أقْدَمْتُهُ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ مِن تَفْسِيرِهِ بِالمُسِيءِ والمُذْنِبِ، فَبَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.
وقُرِئَ ”مَلِيمٌ“ بِفَتْحِ أوَّلِهِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وقِياسُهُ مَلْوُومٌ، لِأنَّهُ واوِيٌّ، يُقالُ: لُمْتُهُ ألُومُهُ لَوْمًا، لَكِنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى لِيمَ كَما قالُوا: مَشِيبٌ ومَدْعِيٌّ في مَشُوبٍ ومَدْعُوٍّ بِناءً عَلى شِيبَ ودُعِيَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قُلِبَتِ الواوُ ياءً في المَجْهُولِ جُعِلَ كالأصْلِ، فَحُمِلَ الوَصْفُ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ يعني: أنعمنا عليهما بالنبوة وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ يعني: من الغرق وَنَصَرْناهُمْ يعني: موسى، وقومه، فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ بالحجة على فرعون وَآتَيْناهُمَا يعني: موسى وهارون الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ يعني: المبين الذي قد بيّن فيه الحلال والحرام وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني: ثبتناهما على دين الإسلام وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ يعني: الثناء الحسن في الباقين سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ يعني: السلامة منا، والمغفرة عليهما إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي: نكافئ المحسنين إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ يعني: من المرسلين.
قوله عز وجل: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ يعني: نبي من أنبياء بني إسرائيل- عليهم السلام- وقال بعضهم: إنه إدريس.
وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ وَأَنْ إِدْرِيسَ لَمِنَ المرسلين، سلام على إِدْرِيسَ.
وقال بعضهم: إلياس هو الخضر- -.
وقال بعضهم: إلياس غير الخضر.
وإلياس صاحب البراري.
والخضر صاحب الجزائر، ويجتمعان في كل يوم عرفة بعرفات ويقال: هو من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، فكذبوه، فأهلكهم الله تعالى بالقحط.
وقال الله عز وجل لإلياس: سلني أعطك.
قال: ترفعني إليك.
فرفعه الله تعالى إليه، وجعله أرضياً، سماوياً، إنسياً، ملكياً، يطير مع الملائكة، فذلك قوله تعالى: إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الأمر.
يعني: اتقوا الله تعالى أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ ربا.
روى عكرمة عن ابن عباس قال: البعل الصنم.
وقال مجاهد: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ رباً.
وروى جبير عن الضحاك قال: مرّ رجل وهو يقول: من يعرف بعل البقرة.
فقال رجل أنا بعلها.
فقال له ابن عباس إنك زوج البقرة.
فقال الرجل: يا ابن عباس أما سمعت قول الله تعالى يقول: أَتَدْعُونَ بَعْلًا يعني: رباً وأنا ربها ويقال: البعل كان اسم ذلك الصنم خاصة الذي كان لهم.
ويقال: كان صنماً من ذهب، فقال لهم: أَتَدْعُونَ بَعْلًا أي الصنم وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ الذي خلقكم يعني: تتركون عبادة الله اللَّهَ رَبَّكُمْ قرأ حمزة.
والكسائي، وعاصم، في رواية حفص اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ كلها بالنصب.
وقرأ الباقون كلها بالضم.
فمن قرأ: بالنصب.
يرده إلى قوله: وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ على صفة أحسن الخالقين.
ومن قرأ بالضم، فهو على معنى الاستئناف.
فكأنه قال: هو الله ربكم ورب آبائكم الأولين.
ثم قال عز وجل: فَكَذَّبُوهُ يعني: كذبوا إلياس فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ يعني: هم وآلهتهم لمحضرون النار إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم لا يحضرون النار وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ يعني: الثناء الحسن سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ قرأ نافع، وابن عامر، سلام على إِلْ يَاسِينَ وقرأ الباقون: إِلْ ياسِينَ.
ومن قرأ إِلْ يَاسِينَ يعني: محمداً ويقال: آل محمد.
فياسين اسم والال مضاف إليه، وآل الرجل أتباعه.
وقيل: أهله.
ومن قرأ الياسين، فله طريقان أحدهما أنه جمع الياس.
ومعناه: الياس، وأمته من المؤمنين.
كما يقال: رأيت المهالبة.
يعني: بني المهلب.
والثاني أن يكون لقبان الياس والياسين مثل ميكال وميكائيل.
ثم قال: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وقد ذكرناه.
قوله عز وجل: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
قوله: إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وقد ذكرناه.
ثم قال عز وجل: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ يعني: إنكم يا أهل مكة لتمرون على قرياتهم، إذا سافرتم بالليل والنهار، فذلك قوله: وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ يعني: من جملة المرسلين إِذْ أَبَقَ يعني: إذ فرّ.
ويقال: إذ هرب.
ويقال: خرج إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ يعني: المُوقد من الناس، والدواب.
ويقال: المجهز الذي قد فرغ من جهازه فَساهَمَ يعني: اقترعوا وقد ذكرت قصته في سورة الأنبياء فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ يعني: من المقروعين والمدحض في اللغة هو المغلوب في الحجة، وأصله من دحض الرجل إذ ذلّ من مكانه.
قوله: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ يعني: ابتلعه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ قال أهل اللغة: المليم الذي استوجب اللوم، سواء لأمره، أو لا.
والملوم الذي يلام، سواء استوجب اللوم أو لا.
ويقال: وهو ملوم يعني: يلوم نفسه فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ قال مقاتل والكلبي: لولا أنه كان من المصلين قبل ذلك.
ويقال: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ في بطن الحوت لَلَبِثَ أي: لمكث فِي بَطْنِهِ ولكان بطنه قبره إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يعني: إلى يوم القيامة.
قوله عز وجل: فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ يعني: نبذه الحوت على ساحل البحر.
ويقال: بالفضاء على ظاهر الأرض.
وقال أهل اللغة: العراء هو المكان الخاليّ من البناء، والشجر، والنبات.
فكأنه من عرى الشيء وَهُوَ سَقِيمٌ يعني: مريض.
وذكر في الخبر أنه لم يبقَ له لحم، ولا ظفر، ولا شعر، فألقاه على الأرض كهيئة الطفل لا قوة له، وقد كان مكث في بطن الحوت أربعين يوماً.
ثم قال: وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال مقاتل: يعني: من قرع.
وهكذا قال قتادة، ومجاهد.
وقال أهل اللغة: كل شيء ينبت بسطاً، فهو يقطين، هكذا قال الكلبي.
وذكر في الخبر أن وعلة كانت تختلف إليه، ويشرب من لبنها، فكان تحت ظل اليقطين، ويشرب من لبن الوعلة، يعني: بقرة الوحش حتى تقوى، ثم يبست تلك الشجرة، فاغتم لذلك، وحزن حزناً شديداً، وبكى فأوحى الله تعالى إليه إنك قد اغتتمت بيبس هذه الشجرة، فكيف لم تغتم بهلاك مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ؟
فذلك قوله: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ يعني: كما أرسلناه قبل ذلك إلى قومه، وهم مائة ألف.
يعني: أهل نينوى أَوْ يَزِيدُونَ.
يعني: بل يزيدون.
ويقال: يعني: ويزيدون وكانوا مائة وعشرين ألفا فَآمَنُوا يعني: لما جاءهم العذاب، أقروا وصدقوا، فصرف الله عنهم العذاب، فذلك قوله: فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ يعني: أبقيناهم إلى منتهى آجالهم.
فخرج يونس- -، فمر بجانب مدينة نينوى، فرأى هناك غلاماً يرعى، فقال: من أنت يا غلام؟
فقال: من قوم يونس.
فقال: فإذا رجعت إليهم فأخبرهم بأنك قد رأيت يونس.
فقال الغلام: إنه من يحدث، ولم تكن له بينة قتلوه.
فقال له يونس: تشهد لك هذه البقعة، وهذه الشجرة.
فدخل، وقال للملك: إني رأيت يونس- - يقرئك السلام، فلم يصدقوه، حتى خرجوا.
فشهدت له الشجرة، والبقعة.
قال عبد الله بن مسعود- -: فأخذ الملك بيد الغلام، وقال: أنت أحق بالملك مني.
فأقام الغلام أميرهم أربعين سنة.
<div class="verse-tafsir"
بالنَّصبِ بَدَلاً مِن قوله: أَحْسَنَ الْخالِقِينَ وقرأ الباقونَ كلَّ ذلكَ بالرفعِ على القَطْعِ والاستئناف، والضميرُ في فَكَذَّبُوهُ عائِدٌ على قومِ إلياسَ، ولَمُحْضَرُونَ معناه:
مَجْمُوعُونَ لعذابِ اللَّهِ.
وقوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ
مخاطبةٌ لقريشٍ، ثم وبَّخَهُمْ بقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ.
وقوله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ ...
الآية/ هو يونُسُ بن متّى صلّى الله عليه وسلّم، وهُو مِنْ بنِي إسرائيل.
وقوله تعالى: إِذْ أَبَقَ ...
الآية، وذلك أنه لما أخْبَرَ قَوْمَهُ بِوقْتِ مجيءِ العذَابِ، وغَابَ عَنْهُمْ، ثم إنَّ قَوْمَهُ لَما رَأَوْا مَخَايِلَ العَذَابِ أنابُوا إلى اللَّهِ، فَقبلَ تَوْبَتَهُمْ، فلَمّا مَضَى وقتُ العَذَابِ، وَلَمْ يُصِبْهُمْ، قال يونسُ: لا أرْجِعُ إليهمْ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، ورُوِي أنَّه كَانَ في سيرَتِهِمْ أَنْ يَقْتُلُوا الكَذَّابَ فَأَبقَ إلى الْفُلْكِ، أيْ: أَرَادَ الهُرُوبَ، ودَخَلَ في البَحْرِ، وعبَّر عَنْ هُرُوبِهِ بالإباقِ مِنْ حَيْثُ [إنَّه] فَرَّ عَنْ غَيْرِ إذْنِ مولاهُ، فَرُوِيَ عَنِ ابنِ مسعودٍ أنه لمَّا حَصَلَ في السفينةِ، وأبْعَدَتْ في البحرِ، رَكَدَتْ وَلَمْ تَجْرِ وغيرُها من السُّفُن يجري يميناً وشِمالاً، فقال أهلها إنَّ فينا لصاحب ذنب وبه يحسبنا اللَّهُ تعالى، فقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فأَخَذُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْماً، واقترعوا، فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يونُسَ، ثَلاَثَ مراتٍ، فَطَرَحَ حينَئِذٍ نَفْسَهُ، والْتَقَمَهُ الحُوتُ «١» ، ورُوي أَنَّ اللَّهَ تعالى أَوْحَى إلى الحوتِ أَني لَمْ أَجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقاً، وإنما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَه حِرْزاً وسِجْناً، فهذا معنى فَساهَمَ.
والمدحض: المغلوب في محاجّة أو مساهمة، وعبارة ابنِ العَرَبِيِّ في «الأحكام» «٢» : «وأوْحَى اللَّه تعالى إلى الحُوتِ: إنا لَمْ نَجْعَلْ يونُسَ لَكَ رِزْقاً، وإنما جعلنا بَطْنَكَ له مَسْجِداً» الحديثَ، انتهى، ولَفْظَةُ «مَسْجِدٍ» : أَحْسَنُ من السِّجْنِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عَبداً لَزِمَ الأَدَبَ لا سِيَّمَا مَعَ أنْبِيَائِهِ وأَصْفِيائِه، وال «مُلِيمُ» : الّذِي أتَى مَا يلام عليه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ أبَقَ ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُ "أبْقَ": تَباعَدَ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَزِعَ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: هَرَبَ؛ وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: خَرَجَ ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَكانَ بِذَلِكَ كالهارِبِ مِن مَوْلاهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: والفُلْكُ: السَّفِينَةُ، والمَشْحُونُ: المَمْلُوءُ، وساهَمَ بِمَعْنى [قارَعَ]، ﴿ مِنَ المُدْحَضِينَ ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ، فَدَحَضَتْ، أيْ: أزالَها [فَزالَتْ]، وأصْلُ الدَّحْضِ: الزَّلَقُ.
الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِ قَدْ شَرَحْنا بَعْضَ قِصَّتِهِ في آَخِرِ يُونُسَ وفي [الأنْبِياءِ: ٨٦] عَلى قَدْرِ ما تَحْتَمِلُهُ الآَياتُ، ونَحْنُ نَذْكُرُ هاهُنا ما تَحْتَمِلُهُ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا وعْدَ يُونُسَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ بَعْدَ ثَلاثٍ، جَأرُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتَغْفَرُوا، فَكَفَّ عَنْهُمُ العَذابَ، فانْطَلَقَ مُغاضِبًا حَتّى انْتَهى إلى قَوْمٍ في سَفِينَةٍ، فَعَرَّفُوهُ فَحَمَلُوهُ، فَلَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ وقَفَتْ، فَقالَ: ما لِسَفِينَتِكُمْ؟
قالُوا: لا نَدْرِي، قالَ: لَكِنِّي أدْرِي، فِيها عَبَدٌ آَبِقٌ مِن رَبِّهِ، إنَّها واللَّهِ لا تَسِيرُ حَتّى تُلْقُوهُ، فَقالُوا: أمّا أنْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ فَواللَّهِ لا نُلْقِيكَ، قالَ: فاقْتَرِعُوا، فَمَن قُرِعَ فَلْيَقَعْ، فاقْتَرَعُوا، فَقُرِعَ يُونُسُ، فَأبَوْا أنْ يُمَكِّنُوهُ مِنَ الوُقُوعِ، فَعادُوا إلى القُرْعَةِ حَتّى قُرِعَ يُونُسُ ثَلاثَ مَرّاتٍ.
وقالَ طاوُوسُ: إنَّ صاحِبَ السَّفِينَةِ هو الَّذِي قالَ: إنَّما يَمْنَعُها أنْ تَسِيرَ أنَّ فِيكم رَجُلًا مَشْؤُومًا، فاقْتَرِعُوا لِنُلْقِيَ أحَدَنا، فاقْتَرَعُوا، فَقَرَعَ يُونُسُ ثَلاثَ مَرّاتٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكَّلَّ اللَّهِ بِهِ حُوتًا، فَلَمّا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ التَقَمَهُ، وأمَرَ أنْ لا يَضُرَّهُ ولا يُكَلِّمَهُ، وسارَتِ السَّفِينَةُ حِينَئِذٍ.
ومَعْنى التَقَمَهُ: ابْتَلَعَهُ.
﴿ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُذْنِبٌ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ: إذا أتى ذَنْبًا يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: [تَعُدُّ مَعاذِرًا لا عُذْرَ فِيها] ومَن يَخْذُلْ أخاهُ فَقَدْ ألاما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: مِنَ المَصَلِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: مِنَ العابِدِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّالِثُ: قَوْلُ ﴿ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.
ورَوى عِمْرانُ القَطّانُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ ما كانَتِ الّا صَلاةً أحْدَثَها في بَطْنِ الحُوتِ؛ فَعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ تَسْبِيحُهُ في بَطْنِ الحُوتِ.
وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ أرادَ: لَوْلا ما تَقَدَّمَ لَهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، ﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَكِنَّهُ كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ في الرَّخاءِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ.
وَفِي قَدْرِ مُكْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وكَعْبٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: سَبْعَةُ أيّامٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: عُشْرُونَ يَوْمًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: بَعْضُ يَوْمٍ، التَقَمَهُ ضُحًى، ونَبْذَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَبَذْناهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ألْقَيْناهُ ﴿ بِالعَراءِ ﴾ وهي الأرْضُ الَّتِي لا يَتَوارى فِيها بِشَجَرٍ ولا غَيْرِهِ، وكَأنَّهُ مِن عُرْيِ الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ أيْ: مَرِيضٌ؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَهَيْأةِ الفَرْخِ المَمْعُوطِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ رِيشٌ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ أنَ ألْقِهِ في البَرِّ، فَألْقاهُ لا شِعْرَ عَلَيْهِ، ولا جِلْدَ ولا ظَفْرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ قَبْلَ الإسْلامِ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ ∗∗∗ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرَةٍ لا تَنْبُتُ عَلى ساقٍ وإنَّما تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوُ القَرْعِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَهي يَقْطِينٌ، واشْتِقاقُهُ مِن: قَطَنَ بِالمَكانِ: إذا أقامَ، فَهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: يَقْطِينٌ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويُصِيبُ مِنها فَيَبِسَتْ فَبَكى عَلَيْها، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أتَبْكِي عَلى شَجَرَةٍ أنْ يَبِسَتْ، ولا تَبْكِي عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ أرَدْتَ أنْ تُهْلِكَهُمْ؟!
قالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ: قَيَّضَ [اللَّهُ] لَهُ أرْوِيَةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بُكْرَةً وعَشِيًّا فَيَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى نَبَتَ لَحْمُهُ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في إنْباتِ شَجَرَةِ اليَقْطِينِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِها؟
فالجَوابُ: أنَّهُ خَرَجَ كالفَرْخِ عَلى ما وصَفْنا، وجِلْدُهُ قَدْ ذابَ، فَأدْنى شَيْءٍ يَمُرُّ بِهِ يُؤْذِيهِ، وفي ورَقِ اليَقْطِينِ خاصِّيَّةً، وهو أنَّهُ إذا تُرِكَ عَلى شَيْءٍ، لَمْ يُقْرَبْهُ ذُبابٌ، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيُغَطِّيَهُ ورَقُها ويَمْنَعَ الذُّبابَ رِيحُهُ أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ فَيُؤْذِيَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أمْ بَعْدَ ذَلِكَ؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ بَعْدَ نَبْذِ الحُوتِ إيّاهُ، عَلى ما ذَكَرْنا في [يُونُسَ: ٩٨]، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، مِنهُمُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وهو الأصَحُّ، والمَعْنى: وكُنّا أرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ، فَلَمّا خَرَجَ مِن بَطْنِ الحُوتِ، أُمِرَ أنْ يَرْجِعَ إلى قَوْمِهِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ.
وَفِي قَوْلِهِ: [أوْ] ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الواوُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقَدْ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "وَيَزِيدُونَ" مِن غَيْرِ ألْفٍ.
والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكُمْ، إذا رَآَهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ.
وَفِي زِيادَتِهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا مِائَةَ ألْفٍ يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: أنَّهم كانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا.
والثّالِثُ: مِائَةُ ألْفٍ وبِضْعَةٌ وثَلاثِينَ ألْفًا، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَزِيدُونَ سَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ونَوْفُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآمَنُوا ﴾ في وقْتِ إيمانِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ.
والثّانِي: حِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ يُونُسُ ﴿ فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ إلى مُنْتَهى آَجالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ ﴿ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ ﴾ ﴿ فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ ﴾ ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ ﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ ﴾ ﴿ وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ.
فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا.
ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"، ﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ.
و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ.
ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ.
وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ.
وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ ﴾ .
وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ : إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ...
مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ.
ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
يونس هو ابن متّى، واسمه بالعبرانية (يُونان بن آمتاي)، وهو من أهل فلسطين، وهو من أنبياء بني إسرائيل أرسله الله إلى أهل (نينوَى) وكانت نينَوى مدينة عظيمة من بلاد الأشوريين وكان بها أسرى بني إسرائيل الذين بأيدي الأشوريين وكانوا زهاء مائة ألف بقُوا بعد (دانيال).
وكان يونس في أول القرن الثامن قبل المسيح، وقد تقدم ذكره وذكر قومه في الأنعام وسورة يونس.
و ﴿ إذ ﴾ ظرف متعلق ب ﴿ المُرسلينَ ﴾ ، وإنما وُقتت رسالته بالزمن الذي أبَق فيه إلى الفُلك لأن فَعلته تلك كانت عندما أمره الله بالذهاب إلى نينَوى لإِبلاغ بني إسرائيل أن الله غضب عليهم لأنهم انحرفوا عن شريعتهم.
فحينما أوحى الله إليه بذلك عَظم عليه هذا الأمر فخرج من بلده وقصد مرسى (يافا) ليذهب إلى مدينة (ترشيش) وهي طرطوسِية على شاطئ بلاد الشام فهال البحر حتى اضطر أهل السفينة إلى تخفيف عدد ركابها فاستهموا على من يطرحونه من سفينتهم في البحر فكان يونس ممن خرج سهم إلقائه في البحر فالْتَقَمه حوت عظيم وجرت قصته المذكورة في سورة الأنبياء، فلما كان هروبه من كلفة الرسالة مقارناً لإِرساله وُقّت بكونه من المرسلين.
و ﴿ أبَقَ ﴾ مصْدره إِباق بكسر الهمزة وتخفيف الباء وهو فرار العبد مِن مالكه.
وفعله كضرب وسمع.
والمراد هنا: أن يونس هرب من البلد الذي أوحي إليه فيه قاصداً بلداً آخر تخلصاً من إبلاغ رسالة الله إلى أهل (نِينْوَى) ولعله خاف بأسَهم واتّهم صبرَ نفسه على أذاهم المتوَّقعَ لأنهم كانوا من بني إسرائيل في حماية الأشوريين.
ففِعل ﴿ أبَق ﴾ هنا استعارة تمثيلية، شبّهت حالة خروجه من البلد الذي كلّفه ربه فيه بالرسالة تباعداً من كلفة ربه بإباق العبد من سيده الذي كلّفه عملاً.
و ﴿ الفُلك المشحون ﴾ : المملوء بالراكبين، وتقدم معناه في قصة نوح.
وساهم: قَارع.
وأصله مشتق من اسم السَّهم لأنهم كانوا يقترعون بالسهام وهي أعواد النبال وتُسمّى الأزلام.
وتفريع ﴿ فَسَاهَمَ ﴾ يؤذن بجمل محذوفة تقديرها: فهال البحر وخاف الراكبون الغرق فساهم.
وهذا نظير التفريع في قوله تعالى: ﴿ أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ﴾ [الشعراء: 63] والمذكور في كتاب «يونان» من كتب اليهود: أن بعضهم قال لبعض: هلمّ نُلْققِ قرعة لنعرف مَن هو سبب هذه البلية فألقَوا قرعة فوقعت على يونس.
وعن ابن عباس ووهب بن منبه أن القرعة خرجت ثلاث مرات على يونس.
وسنُة الاقتراع في أسفار البحر كانت متَّبعة عند الأقدمين إذا ثقُلت السفينة بوفرة الراكبين أو كثرة المتاع.
وفيها قصة الحيلة التي ذكرها الصفدي في «شرح الطغرائية»: أن بعض الأصحاب يدعي أن مركباً فيه مسلمون وكفار أشرف على الغرق وأرادوا أن يرموا بعضهم إلى البحر ليخفّ المركب فينجو بعضهم ويسلم المركب فقالوا: نقترع فمن وقعت القرعة عليه ألقيناه.
فنظر رئيس المركب إليهم وهم جالسون على هذه الصورة فقال: ليس هذا حكماً مرضياً وإنما نَعدّ الجماعة فمن كان تاسعاً ألقيناه فارتضَوْا بذلك فلم يزل يعدهم ويلقي التاسع فالتاسع إلى أن ألقى الكفار وسلم المسلمون وهذه صورة ذلك (وصوَّر دائرة فيها علامات حمر وعلامات سود، فالحمر للمسلمين ومنهم ابتداءُ العَدّ وهو إلى جهة الشِمال) قال: ولقد ذكرتها لنور الدين علي بن إسماعيل الصفدي فأعجبته وقال: كيف أصنع بحفظ هذا الترتيب فقلت له: الضابط في هذا البيت تجعل حروفه المعجمة للكفار والمهملة للمسلمين وهو: اللَّه يقضي بكل يسر *** ويرزق الضيف حين كانا وكانت القرعة طريقاً من طرق القضاء عند التباس الحق أو عند استواء عدد في استحقاق شيء.
وقد تقدم في سورة آل عمران (44) عند قوله: ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ﴾ وهي طريقة إقناعية كان البشر يصيرون إليها لفصل التنازع يزعمون أنها دالة على إرادة الله تعالى عند الأمم المتدينة، أو إرادة الأصنام عند الأمم التي تعبد الأصنام تمييزَ صاحب الحق عند التنازع.
ولعلها من مخترعات الكهنة وسَدنة الأصنام.
فلما شاعت في البشر أقرتها الشرائع لما فيها من قطع الخصام والقتال، ولكن الشرائع الحقَّ لما أقرتها اقتصدت في استعمالها بحيث لا يُصار إليها إلا عند التساوي في الحقّ وفقداننِ المرجِّح، الذي هو مؤثر في نوع ما يختلفون فيه، فهي من بقايا الأوهام.
وقد اقتصرت الشريعة الإِسلامية في اعتبارها على أقل ما تعتبر فيه.
مثل تعيين أحد الأقسام المتساوية لأحد المتقاسِمين إذ تشاحوا في أحدها، قال ابن رشد في المقدمات } : «والقرعة إنما جعلت تطييباً لأنفس المتقاسمين وأصلها قائم في كتاب الله لقوله تعالى في قصة يونس: وعندي: أن ليس في الآية دليل على مشروعية القرعة في الفصل بين المتساويين لأنها لم تحك شرعاً صحيحاً كان قبل الإِسلام إذ لا يعرف دين أهل السفينة الذين أجرَوْا الاستهام على يونس، على أن ما أُجري الاستهام عليه قد أجمع المسلمون على أنه لا يجري في مثله استهام.
فلو صح أن ذلك كان شرعاً لمن قبلنا فقد نسخه إجماع علماء أمتنا.
قال ابن العربي: الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز فكيف المسلم فإنه لا يجوز فيمن كان عاصياً أن يقتل ولا أن يرمَى به في النار والبحر.
وإنما تجري عليه الحدود والتعزيرُ على مقدار جنايته.
وظَنّ بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة تضرب عليهم فيطرح بعضهم تخفيفاً، وهذا فاسد فلا تُخفَّف برَمْي بعض الرجال وإنما ذلك في الأموال وإنما يصبِرون على قضاء الله.
وكانت في شريعة من قبلنا القرعة جائزة في كل شيء على العموم.
وجاءت القرعة في شرعنا على الخصوص في ثلاثة مواطن: الأول:} كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم رُفع إليه أن رجلاً أعتق في مَرض موته ستة أعبد لا مال له غيرهم فأقرع بين اثنين وهما معادل الثلث وأرقّ أربعة.
الثالث: أن رجلين اختصما إليه في مواريث درست، فقال: اذهبا وتوخيا الحق واستَهِما وليُحَلل كل واحد منكما صاحبَه.
واختلف علماؤنا في القرعة بين الزوجات عند الغزو على قولين: الصحيح منهما الاقتراعُ، وبه قال أكثر فقهاء الأمصار، وذلك لأن السفر بجميعهن لا يمكن واختيار واحدة منهن إيثار فلم يبق إلا القرعة.
قال القرافي في «الفرق» (240): متى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الاقتراع لأن في القرعة ضياع الحق ومتى تساوت الحقوق أو المصالح فهذا موضع القرعة دفعاً للضغائن فهي مشروعة بين الخُلَفاء إذا استوت فيهم الأهلية للولاية والأيمةِ والمؤذنين إذ استووا والتقدم للصف الأول عند الازدحام وتغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء وتساويهم وبين الحاضنات والزوجات في السفر والقسمة والخصوم عند الحكام في عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم في المرض ولم يحملهم الثلث.
وقاله الشافعي وابن حنبل.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز القرعة (بينهم).
ويعتق من كل واحِد ثلثُه ويستسعَى في قيمته ووافق في قيمة الأرض.
قال: والحق عندي أنها تجري في كل مشكل ا.
ه.
قلت: وفي «الصحيح» «عن أم العلاء الأنصارية أنه لما اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين وقع في سهمهم عثمانُ بن مظعُون» الحديث.
وقال الجصاص: (احتج بهذه الآية بعض الأغمار في إيجاب القرعة في العبيد يعتقهم المريض.
وذلك إغفال منه لأن يونس ساهم في طرحه في البحر وذلك لا يجوز عند أحد من الفقهاء كما لا تجوز القرعة في قتل من خرجت عليه وفي أخذ ماله فدلّ على أنه خاص فيه).
وقال في سورة آل عمران: «ومن الناس من يحتج بإلقاء الأقلام في كفالة مريم» على جواز القرعة في العبيد يعتقهم الرجل في مَرضه ثم يموت ولا مال له غيرهم وليس هذا (أي إلقاء الأقلام) من عتق العبيد في شيء لأن الرضى بكفالة الواحِد منهم مَريمَ جائزٌ في مثله ولا يجوز التراضي على استرقاق من حصلت له الحرية، وقد كان عتق الميّت نافذاً في الجميع فلا يجوز نقله بالقرعة عن أحد منهم إلى غيره كما لا يجوز التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه.
والإِدحاض: جعل المرء داحضاً، أي زالقاً غير ثابتتِ الرِجلين وهو هنا استعارة للخسران والمغلوبية.
والالتقام: البلْع.
والحوت الذي التقمه: حوتٌ عظيم يبتلع الأشياء ولا يعضّ بأسنانه ويقال: إنه الحوت الذي يسمّى (بَالَيْن) بالافرنجية.
والمُليم: اسم فاعل من ألام، إذا فعل ما يلومه عليه الناس لأنه جعلهم لائمين فهو ألاَمَهم على نفسه.
وكان غرقه في البحر المسمّى بحر الروم وهو الذي نسميه البحر الأبيضَ المتوسط، ولم يكن بنهرِ دجلة كما غلط فيه بعض المفسرين.
و ﴿ كان من المسبحين ﴾ بقوله: ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين كما في سورة الأنبياء ﴾ (87)، فأنجاه الله بسبب تسبيحه وتوبته فقذفه الحوت من بطنه إلى البر بعد أن مكث في جوف الحوت ثلاث ليال، وقيل: يوماً وليلة، وقيل: بضع ساعات.
ومعنى قوله: ﴿ إلى يوم يُبعثون ﴾ التأبيد بأن يميت الله الحوت حين ابتلاعه ويبقيهما في قعر البحر، أو بأن يختطف الحوت في حجر في البحر أو نحوه فلا يطفوَ على الماء حتى يبعث يونس يوم القيامة من قعر البحر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يُونُسُ بْنُ مَتّى نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى بَعَثَهُ إلى قَرْيَةٍ يُقالُ لَها نِينَوى عَلى شاطِئِ دِجْلَةَ: قالَ قَتادَةُ: وهي مِن أرْضِ المَوْصِلِ.
﴿ إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ والآبِقُ الفارُّ إلى حَيْثُ لا يُعْلَمُ بِهِ، قالَ الحَسَنُ: فَرَّ مِن قَوْمِهِ وكانَ فِيما عَهِدَ إلَيْهِمْ أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا أتاهُمُ العَذابُ، وجَعَلَ عَلامَةَ ذَلِكَ خُرُوجًا مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَلَمّا خَرَجَ عَنْهُ جاءَتْهم رِيحٌ سَوْداءُ فَخافُوها فَدَعَوُا اللَّهَ بِأطْفالِهِمْ وبَهائِمِهِمْ فَأجابَهم وصَرَفَ العَذابَ عَنْهم فَخَرَجَ مُكايِدًا لِقَوْمِهِ مُغاضِبًا لِدِينِ رَبِّهِ حَتّى أتى البَحْرَ فَرَكِبَ سَفِينَةً وقَدِ اسْتَوْقَرَتْ حِمْلًا، فَلَمّا اشْتَطَّتْ بِهِمْ خافُوا الغَرَقَ.
وَفِيما خافُوا الغَرَقَ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أمْواجٌ مِن رِيحٍ عَصَفَتْ بِهِمْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِنَ الحُوتِ الَّذِي عارَضَهم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى، فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: فِينا مُذْنِبٌ لا نَنْجُو إلّا بِإلْقائِهِ، فاقْتَرَعُوا فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ فَألْقَوْهُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَساهَمَ ﴾ أيْ قارَعَ بِالسِّهامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
﴿ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ المَقْرُوعِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِنَ المَغْلُوبِينَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسٍ قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ الثّالِثُ: أنَّهُ الباطِلُ الحُجَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ مَأْخُوذٌ مِن دَحْضِ الحُجَّةِ وهو بُطْلانُها فَلَمّا ألْقَوْهُ في البَحْرِ آمَنُوا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى سَمَكَةٍ يُقالُ لَها اللَّخْمُ مِنَ البَحْرِ الأخْضَرِ أنْ شُقِّي البِحارَ حَتّى تَأْخُذِي يُونُسَ، ولَيْسَ يُونُسُ لَكِ رِزْقًا، ولَكِنْ جَعَلْتُ بَطْنَكِ لَهُ سِجْنًا، فَلا تَخْدِشِي لَهُ جِلْدًا ولا تَكْسِرِي لَهُ عَظْمًا، فالتَقَمَهُ الحُوتُ حِينَ أُلْقِيَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ مُسِيءٌ مُذْنِبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَلُومُ نَفْسَهُ عَلى ما صَنَعَ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّالِثُ: يُلامُ عَلى ما صَنَعَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والفَرْقُ بَيْنَ المَلُومِ والمُلِيمِ أنَّ المُلِيمَ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، والمَلُومَ إذا لِيمَ عَلَيْهِ.
﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ القائِلِينَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: مِنَ المُصَلِّينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مِنَ العابِدِينَ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
الرّابِعُ: مِنَ التّائِبِينَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وَقِيلَ تابَ في الرَّخاءِ فَنَجّاهُ اللَّهُ مِنَ البَلاءِ.
﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَصِيرُ الحُوتُ لَهُ قَبْرًا، وفي مُدَّةِ لُبْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَعْضُ يَوْمٍ، قالَ الشَّعْبِيُّ: التَقَمَهُ ضُحًى ولَفِظَهُ عَشِيَّةً.
الثّانِي: ثَلاثَةُ أيّامٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: سَبْعَةُ أيّامٍ، قالَهُ جَعْفَرٌ.
الرّابِعُ: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ، وقِيلَ إنَّهُ سارَ بِيُونُسَ حَتّى مَرَّ بِهِ إلى الإيلَةِ ثُمَّ عادَ في دِجْلَةَ إلى نِينَوى.
﴿ فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالسّاحِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بِالأرْضِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ الضَّحّاكُ: هي أرْضٌ يُقالُ لَهاَ بَلَدٌ.
الثّالِثُ: مَوْضِعٌ بِأرْضِ اليَمَنِ.
الرّابِعُ: الفَضاءُ الَّذِي لا يُوارِيهِ نَبْتٌ ولا شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ: ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَهَيْئَةِ الصَبِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: كَهَيْئَةِ الفَرْخِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ رِيشٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأنَّهُ ضَعُفَ بَعْدَ القُوَّةِ، ورَقَّ جِلْدُهُ بَعْدَ الشِّدَّةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القَرْعُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّهُ كُلُّ شَجَرَةٍ لَيْسَ فِيها ساقٌ يَبْقى مِنَ الشِّتاءِ إلى الصَّيْفِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّها كُلُّ شَجَرَةٍ لَها ورَقٌ عَرِيضٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ ما يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ البِّطِّيخِ والقَثّاءِ، رَواهُ القاسِمُ بْنُ أبِي أيُّوبَ.
الخامِسُ: أنَّها شَجَرَةٌ سَمّاها اللَّهُ تَعالى يَقْطِينًا أظَلَّتْهُ رَواهُ هِلالُ بْنُ حَيّانَ.
وَهو تَفْعِيلٌ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ أقامَ إقامَةَ زائِلٍ لا إقامَةَ راسِخٍ كالنَّخْلِ والزَّيْتُونِ، فَمَكَثَ يُونُسُ تَحْتَها يُصِيبُ مِنها ويَسْتَظِلُّ بِها حَتّى تَراجَعَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ فَبَكى حُزْنًا عَلَيْها، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أتَبْكِي عَلى هَلاكِ شَجَرَةٍ ولا تَبْكِي عَلى هَلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ؟
حَكاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَحَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا تَساقَطَ ورَقُ الشَّجَرِ عَنْهُ أفْضَتْ إلَيْهِ الشَّمْسُ فَشَكاهُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسَ جَزِعْتَ مِن حَرِّ الشَّمْسِ ولَمْ تَجْزَعْ لِمِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ تابُوا إلَيَّ فَتُبْتُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بَعْدَما نَبَذَهُ الحُوتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَكانَ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ بَعْدَ قَوْمٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أُرْسِلَ إلى الأوَّلِينَ فَآمَنُوا بِشَرِيعَتِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أوْ يَزِيدُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لِلْإبْهامِ كَأنَّهُ قالَ أرْسَلْناهُ إلى أحَدِ العَدَدَيْنِ.
الثّانِي: أنَّهُ عَلى شَكِّ المُخاطَبِينَ.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَدَدٌ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ، مِثْلُهُ قَوْلُهُ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى يَعْنِي بَلْ أدْنى، قالَ جَرِيرٌ: أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أوْ رَباحًا ∗∗∗ عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا والمَعْنى أثَعْلَبَةَ بَلْ رَباحًا.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في قَدْرِ زِيادَتِهِمْ عَلى مِائَةِ ألْفٍ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مَرْفُوعًا.
الثّانِي: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، قالَهُ الحَكَمُ.
الرّابِعُ: بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا رَواهُ سُفْيانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ.
الخامِسُ: سَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاوس في قوله: ﴿ وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون ﴾ قال: قيل ليونس عليه السلام إن قومك يأتيهم العذاب يوم كذا وكذا..
فلما كان يومئذ، خرج يونس عليه السلام، ففقده قومه، فخرجوا بالصغير، والكبير، والدواب، وكل شيء.
ثم عزلوا الوالدة عن ولدها، والشاة عن ولدها، والناقة والبقرة عن ولدها، فسمعت لهم عجيجاً، فأتاهم العذاب حتى نظروا إليه، ثم صرف عنهم.
فلما لم يصبهم العذاب، ذهب يونس عليه السلام مغاضباً، فركب في البحر في سفينة مع أناس، حتى إذا كانوا حيث شاء الله تعالى، ركدت السفينة، فلم تسر فقال صاحب السفينة: ما يمنعنا أن نسير إلا أن فيكم رجلاً مشؤوماً قال: فاقترعوا ليلقوا أحدهم، فخرجت القرعة على يونس، فقالوا: ما كنا لنفعل بك هذا.
ثم اقترعوا أيضاً، فخرجت القرعة عليه ثلاثاً، فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت قال طاوس: بلغني أنه لما نبذه الحوت بالعراء وهو سقيم، نبتت عليه شجرة من يقطين واليقطين الدباء، فمكث حتى إذا رجعت إليه نفسه يبست الشجرة، فبكى يونس عليه السلام حزناً عليها، فأوحى الله إليه: أتبكي على هلاك شجرة ولا تبكي على هلاك مائة ألف؟.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل قريته، فردوا عليه ما جاءهم به، فامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه: إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا..
فأخرج من بين أظهرهم، فاعلم قومه الذي وعد الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمقوه فإن هو خرج من بين أظهركم فهو الله كائن ما وعدكم.
فلما كانت الليلة التي وعدوا العذاب في صبيحتها، أدلج فرآه القوم، فحذروا فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها.
ثم عجوا إلى الله، وأنابوا واستقالوا، فأقالهم وانتظر يونس عليه الخبر عن القرية وأهلها.
حتى مر مار فقال: ما فعل أهل القرية؟
قال: فعلوا أن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله، وتابوا إليه فقبل منهم، وأخر عنهم العذاب.
فقال يونس عليه السلام عند ذلك: لا أرجع إليهم كذاباً أبداً، ومضى على وجهه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن الحارث قال: لما خرج يونس عليه السلام مغاضباً أتى السفينة، فركبها فامتنعت أن تجري فقال أصحاب السفينة: ما هذا إلا لحدث أحدثتموه!
فقال بعضهم لبعض: تعالوا حتى نقترع، فمن وقعت عليه القرعة فالقوه في الماء، فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس عليه السلام، ثم عادوا فوقعت القرعة عليه في الثالثة، فلما رأى يونس ذلك قال: هو أنا، فخرج فطرح نفسه في الماء، فإذا حوت قد رفع رأسه من الماء قدر ثلاثة أذرع، فذهب ليطرح نفسه، فاستقبله الحوت، فإذا هوى إليه ليأخذه، فتحول إلى الجانب الآخر، فإذا الحوت قد استقبله، فلما رأى يونس عليه السلام ذلك عرف أنه أمر من الله، فطرح نفسه، فأخذه الحوت قبل أن يمر على الماء، فأوحى الله إلى الحوت أن لا تهضم له عظماً، ولا تأكل له لحماً حتى آمر بأمري بكذا وكذا وكذا.
..
حتى ألزقه بالطين، فسمع تسبيح الأرض، فذلك حين نادى.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما ألقى يونس عليه سلام نفسه في البحر التقمه الحوت، هوى به حتى انتهى إلى مفجر من الأرض أو كلمة تشبهها، فسمع تسبيح الأرض ﴿ فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ [ الأنبياء: 87] فأقبلت الدعوة تحوم العرش، فقالت الملائكة: يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً من بلاد غربة قال: وتدرون ما ذاكم؟
قالوا: لا يا ربنا قال: ذاك عبدي يونس قالوا: الذي كنا لا نزال نرفع له عملاً متقبلاً، ودعوة مجابة، قال: نعم.
قالوا: يا ربنا ألا ترحم ما كان يصنع في الرخاء، وتنجيه عند البلاء.
قال: بلى فأمر الحوت فحفظه» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن لفظه حين لفظه في أصل يقطينة وهي الدباء، فلفظه وهو كهيئة الصبي، وكان يستظل بظلها، وهيأ الله له أرواة من الوحش، فكانت تروح عليه بكرة وعشية، فتفشخ رجليها، فيشرب من لبنها حتى نبت لحمه.
وأخرج ابن إسحاق والبزار وابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أراد الله حبس يونس عليه السلام في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً، فأخذه ثم أهوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حساً فقال في نفسه: ما هذا...
!
فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب الأرض، فسبح وهو في بطن الحوت، فقالوا: ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غربة قال: ذاك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم عمل صالح؟
قال: نعم.
فشفعوا له عند ذلك، فأمره، فقذفه في الساحل كما قال الله: ﴿ وهو سقيم ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن يونس عليه السلام كان وعد قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا، فجأروا إلى الله، واستغفروه، فكف الله عنهم العذاب، وغدا يونس عليه السلام ينتظر العذاب، فلم ير شيئاً، وكان من كذب ولم يكن له بينة قتل.
فانطلق مغاضباً، حتى أتى قوماً في سفينة، فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يميناً وشمالاً فقال: ما بال سفينتكم؟!
قالوا: ما ندري!
قال: ولكني أدري أن فيها عبداً أبق من ربه، وأنها والله لا تسير حتى تلقوه، قالوا: أما أنت والله يا نبي الله فلا نلقيك.
فقال لهم يونس عليه السلام: اقترعوا فمن قرع.
فليقع، فاقترعوا فقرعهم يونس عليه السلام ثلاث مرات، فوقع وقد وكل به الحوت، فلما وقع ابتلعه، فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونس عليه السلام تسبيح الحصى ﴿ فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ [ الأنبياء: 87] قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، قال: ﴿ فنبذ بالعراء وهو سقيم ﴾ قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكان يستظل بها ويصيب منها، فيبست فبكى عليها حين يبست، فأوحى الله إليه: أتبكي على شجرة أن يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم؟
فخرج فإذا هو بغلام يرعى غنماً فقال: ممن أنت يا غلام؟
قال: من قوم يونس قال: فإذا رجعت إليهم، فاقرئهم السلام وأخبرهم إنك لقيت يونس، فقال له الغلام: إن تكن يونس فقد تعلم أنه من كذب ولم يكن له بينة قتل، فمن يشهد لي قال: تشهد لك هذه الشجرة، وهذه البقعة.
فقال الغلام ليونس: مرهما فقال لهما يونس عليه السلام: إذا جاء كما هذا الغلام فاشهدا له.
قالتا: نعم.
فرجع الغلام إلى قومه، وكان له إخوة، فكان في منعة، فأتى الملك فقال: إني لقيت يونس وهو يقرأ عليكم السلام، فأمر به الملك أن يقتل فقال: إن له بينة، فأرسل معه، فانتهوا إلى الشجرة والبقعة فقال لهما الغلام: نشدتكما بالله هل أشهدكما يونس؟
قالتا: نعم.
فرجع القوم مذعورين يقولون: تشهد لك الشجرة والأرض!
فأتوا الملك، فحدثوه بما رأوا، فتناول الملك يد الغلام، فأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني، وأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: إن يونس بن متى كان عبداً صالحاً، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوّة.
ولها أثقال لا يحملها إلا قليل.
تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فقذفها من يده، وخرج هارباً منها.
يقول الله لنبيه ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ [ الأحقاف: 35] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فساهم فكان من المدحضين ﴾ قال: من المسهومين قال: اقترع فكان من المدحضين قال: من المسهومين.
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فساهم فكان من المدحضين ﴾ قال: احتبست السفينة، فعلم القوم أنها احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقرع يونس عليه السلام، فرمى بنفسه، ﴿ فالتقمه الحوت وهو مليم ﴾ أي مسيء فيما صنع ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: كان كثير الصلاة في الرخاء فنجا، وكان يقال في الحكمة.
إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا ما صرع وجد متكأ ﴿ للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ﴾ يقول: لصارت له قبر إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن وهب بن منبه رضي الله عنه أنه جلس هو وطاوس ونحوهم من أهل ذلك الزمان، فذكروا أي أمر الله أسرع؟
فقال بعضهم: قول الله تعالى ﴿ كلمح البصر ﴾ [ النحل: 77] وقال بعضهم: السرير حين أتى به سليمان.
فقال ابن منبه: أسرع أمر الله أن يونس على حافة السفينة، إذ أوحى الله تعالى إلى نون في نيل مصر، فما خرَّ من حافتها إلا في جوفه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال (التقمه حوت) يقال له نجم، فجرى به في بحر الروم، ثم النيل، ثم فارس، ثم في دجلة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وهو مليم ﴾ مسيء.
وأخرج ابن الأنباري والطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وهو مليم ﴾ قال: المليم المسيء والمذنب قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول: بريء من الآفات ليس لها ** بأهل ولكن المسيء هو المليم وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وهو مليم ﴾ قال: مذنب.
وأخرج أحمد في الزهد عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: لولا أنه حلاله عمل صالح ﴿ للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ﴾ قال: وفي الحكمة.
إن العمل الصالح يرفع صاحبه.
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: من المصلين قبل أن يدخل بطن الحوت.
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: ما كان إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت.
فذكر ذلك لقتادة رضي الله عنه فقال: لا.
إنما كان يعمل في الرخاء.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: من المصلين.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: العابدين الله قبل ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن أبي الحسن رضي الله عنه ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: لولا أنه كان له سلف من عبادة وتسبيح، تداركه الله به حين أصابه ما أصابه، نعمه في بطن الحوت أربعين من بين يوم وليلة، ثم أخرجه وتاب عليه.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: نعلم والله أن التضرع في الرخاء استعداد لنزول البلاء، ويجد صاحبه متكأ إذا نزل به، وإن سالف السيئة تلحق صاحبها وإن قدمت.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه قال: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن يونس عليه السلام كان عبداً صالحاً ذاكراً لله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله: ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ﴾ وإن فرعون كان عبداً طاغياً، ناسياً لذكر الله، فلما أدركه الغرق قال: ﴿ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ﴾ [ يونس: 90] فقيل له ﴿ آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ﴾ [ يونس: 90] .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: كان يكثر الصلاة في الرخاء، فلما حصل في بطن الحوت، ظن أنه الموت، فحرك رجليه، فإذا هي تتحرك، فسجد وقال: يا رب اتخذت لك مسجداً في موضع لم يسجد فيه أحد.
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن الشعبي قال: التقمه الحوت ضحى، ولفظه عشية، ما بات في بطنه.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مكث يونس عليه السلام في بطن الحوت أربعين يوماً.
وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن ابن جريج قال: بقي يونس في بطن الحوت أربعين يوماً.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه قال: لبث يونس عليه السلام في بطن الحوت أربعين يوماً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لبث يونس في بطن الحوت سبعة أيام، فطاف به البحار كلها، ثم نبذه على شاطئ دجلة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ﴿ التقمه الحوت ﴾ يقال له نجم، وإنه لبث ثلاثاً في جوفه، وفي قوله: ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: كان كثير الصلاة في الرخاء، فنجا ﴿ للبث في بطنه ﴾ قال: لصار له بطن الحوت قبراً ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ قال: إلى يوم القيامة.
وفي قوله: ﴿ فنبذناه بالعراء ﴾ قال: شط دجلة.
ونينوى على شط دجلة، مكث في بطنه أربعين يوماً يتردّد به في دجلة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فنبذناه بالعراء ﴾ قال: ألقيناه بالساحل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: انطلق يونس عليه السلام مغضباً، فركب مع قوم في سفينة، فوقفت السفينة لم تسر، فساهمهم، فتدلى في البحر، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت أنا لم نجعل يونس لك رزقاً، إنما جعلناك له حرزاً ومسجداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما ذهب مغاضباً، فكان في بطن الحوت قال من بطن الحوت: إلهي من البيوت أخرجتني، ومن رؤوس الجبال أنزلتني، وفي البلاد سيرتني، وفي البحر قذفتني، وفي بطن الحوت سجنتني، فما تعرف مني عملاً صالحاً تروح به عني.
قالت الملائكة عليهم السلام: ربنا صوت معروف من مكان غربة!
فقال لهم الرب: ذاك عبدي يونس قال الله: ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ﴾ وكان في بطن الحوت أربعين يوماً، فنبذه الله ﴿ بالعراء وهو سقيم ﴾ وأنبت ﴿ عليه شجرة من يقطين ﴾ قال: اليقطين الدباء، فاستظل بظلها، وأكل من قرعها، وشرب من أصلها ما شاء الله.
ثم إن الله تعالى أيبسها، وذهب ما كان فيها، فحزن يونس عليه السلام، فأوحى الله إليه: حزنت على شجرة أنبتها ثم أيبستها، ولم تحزن على قومك حين جاءهم العذاب، فصرف عنهم، ثم ذهبت مغاضباً.
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن حميد بن هلال قال: كان يونس عليه السلام يدعو قومه، فيأبون عليه، فإذا خلا دعا الله لهم بالخير، وقد بعثوا عليه عيناً، فلما أعيوه، دعا الله عليهم، فأتاهم عينهم فقال: ما كنتم صانعين فاصنعوا، فقد أتاكم العذاب، فقد دعا عليكم، فانطلق ولا يشك أنه سيأتيهم العذاب، فخرجوا قد ولهوا البهائم عن أولادها، فخرجوا تائبين فرحمهم الله تعالى، وجاء يونس عليه السلام ينظر بأي شيء أهلكها، فإذا الأرض مسودة منهم بدون عذاب، وذاك حين ذهب مغاضباً، فركب مع قوم في سفينة، فجعلت السفينة لا تنفذ، ولا ترجع فقال بعضهم لبعض، ماذا إلا لذنب بعضكم؟
فاقترعوا أيكم نلقيه في الماء ونخلي وجهنا، فاقترعوا، فبقي سهم يونس عليه السلام في الشمال فقالوا: لا نفتدي من أصحابنا بنبي الله فقال يونس عليه السلام: ما يراد غيري، فاقذفوني ولا تنكسوني، ولكن صبوني على رجلي صباً، ففعلوا وجاء الحوت شاحباً فاه، فالتقمه فاتبعه حوت أكبر من ذلك ليلتقمهما، فسبقه فكان يونس في بطن الحوت حتى رق العظم، وذهب اللحم والبشر والشعر، وكان سقيماً فدعا بما دعا به، فنبذ بالعراء وهو سقيم، فأنبت الله ﴿ عليه شجرة من يقطين ﴾ فكان فيها غذاه حتى اشتد العظم، ونبت اللحم والشعر والبشر، فعاد كما كان، فبعث الله عليها ريحاً، فيبست فبكى عليها، فأوحى الله إليه يا يونس أتبكي على شجرة جعل الله لك فيها غذاء، ولا تبكي على قومك أن يهلكوا؟
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما بعث الله يونس عليه السلام إلى قومه يدعوهم إلى الله وعبادته، وأن يتركوا ما هم فيه، أتاهم فدعاهم، فأبوا عليه، فرجع إلى ربه فقال: رب إن قومي قد أبوا عليَّ وكذبوني قال: فارجع إليهم فإن هم آمنوا وصدقوا، وإلا فاخبرهم أن العذاب مصبحهم غدوة، فأتاهم فدعاهم، فأبوا عليه قال: فإن العذاب مصبحكم غدوة، ثم تولى عنهم فقال القوم بعضهم لبعض، والله ما جربنا عليه من كذب منذ كان فينا، فانظروا صاحبكم، فإن بات فيكم الليلة، ولم يخرج من قريتكم، ولم يبت فيها، فاعلموا أن العذاب مصبحكم، حتى إذا كان في جوف الليل، أخذ مخلاة فجعل فيها طعيماً له، ثم خرج فلما رأوه فرقوا بين كل والدة وولدها، من بهيمة أو إنسان، ثم عجوا إلى الله مؤمنين ومصدقين بيونس عليه السلام، وبما جاء به، فلما رأى الله ذلك منهم بعد ما كان قد غشيهم العذاب كما يغشى القبر بالثوب كشفه عنهم، ومكث ينظر ما أصابهم من العذاب، فلما أصبح رأى القوم يخرجون لم يصبهم شيء من العذاب قال: لا والله لا آتيهم وقد جربوا عليَّ كذبة، فخرج فذهب مغاضباً لربه، فوجد قوماً يركبون في سفينة، فركب معهم، فلما جنحت بهم السفينة، تكفت ووقفت فقال القوم: إن فيكم لرجلاً عظيم الذنب، فاستهموا لا تغرقوا جميعاً، فاستهم القوم فسهمهم يونس عليه السلام قال القوم: لا نلقي فيه نبي الله، اختلطت سهامكم، فأعيدوها فاسهموا، فسهمهم يونس فلما رأى يونس عليه السلام ذلك قال للقوم: فالقوني لا تغرقوا جميعاً، فألقوه فوكل الله تعالى به حوتاً، فالتقمه لا يكسر له عظماً، ولا يأكل له لحماً، فهبط به الحوت، إلى أسفل البحر، فلما جنه الليل، نادى في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر: ﴿ أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ [ الأنبياء: 87] فأوحى الله إلى الحوت: أن ألقيه في البر، فارتفع الحوت، فألقاه في البر لا شعر له، ولا جلد، ولا ظفر، فلما طلعت عليه الشمس أذاه حرها، فدعا الله فأنبتت ﴿ عليه شجرة من يقطين ﴾ وهي الدباء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما ألقي يونس عليه السلام في بطن الحوت، طاف في البحور كلها سبعة أيام، ثم انتهى به إلى شط دجلة، فقذفه على شط دجلة، فأنبت الله ﴿ عليه شجرة من يقطين ﴾ قال من نبات البرية، فأرسله ﴿ إلى مائة ألف أو يزيدون ﴾ قال: يزيدون بسبعين ألفاً، وقد كان أظلهم العذاب، ففرقوا بين كل ذات رحم ورحمها من الناس والبهائم، ثم عجوا إلى الله، فصرف عنهم العذاب، ومطرت السماء دماً.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد عن وهب قال: أمر الحوت أن لا يضره، ولا يكلمه.
قال الله: ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قال: من العابدين قبل ذلك، فذكر بعبادته، فلما خرج من البحر نام نومة، فأنبت الله ﴿ عليه شجرة من يقطين ﴾ وهي الدباء فأظلته، فبلغت في يومها، فرآها قد أظلته، ورأى خضرتها فأعجبته، ثم نام نومة فاستيقظ، فإذا هي قد يبست، فجعل يحزن عليها، فقيل أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها.
وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون، ثم رحمتهم، فشق عليك.
وأخرج ابن جرير من طريق ابن قسيط أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: طرح بالعراء، فأنبت الله عليه يقطينة، فقلنا يا أبا هريرة: ما اليقطينة؟
قال: شجرة الدباء.
هيأ الله تعالى له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض، فتفشخ عليه، فترويه من لبنها كل عشية وبكرة.
حتى نبت وقال ابن أبي الصلت قبل الإِسلام في ذلك بيتاً من شعر: فأنبت يقطيناً عليه برحمة ** من الله لولا الله ألفى ضاحيا وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ﴾ قال: القرع.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ شجرة من يقطين ﴾ قال: القرع.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: كنا نحدث أنها الدباء هذا القرع، الذي رأيتم أنبتها الله عليه يأكل منها.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ شجرة من يقطين ﴾ قال: القرع.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ شجرة من يقطين ﴾ قالا: هي الدباء.
وأخرج الديلمي عن الحسن بن علي رفعه «كلوا اليقطين، فلو علم الله عز وجل شجرة أخف منها لأنبتها على يونس عليه السلام، وإذا اتخذ أحدكم مرقا فليكثر فيه من الدباء، فإنه يزيد في الدماغ، وفي العقل» .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه قال: أنبت الله شجرة من يقطين، وكان لا يتناول منها ورقة فيأخذها إلا أروته لبناً.
أو قال: يشرب منها ما شاء حتى نبت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ﴾ قال: غير ذات أصل من الدباء، أو غيره من شجرة ليس لها ساق.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ﴾ قال: كل شيء نبت، ثم يموت من عامه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما بال البطيخ من القرع، هو كل شيء يذهب على وجه الأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين، والذي يكون على وجه الأرض من البطيخ والقثاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه سئل عن اليقطين أهو القرع؟
قال: لا.
ولكنها شجرة سماها الله اليقطين، أظلته.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قي قوله: ﴿ وأرسلناه ﴾ قبل أن يلتقمه الحوت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ وأرسلناه ﴾ قالا بعثه الله تعالى قبل أن يصيبه ما أصابه، أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل.
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما كانت رسالة يونس عليه السلام بعدما نبذه الحوت، ثم تلا ﴿ فنبذناه بالعراء ﴾ إلى قوله: ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف ﴾ .
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ﴾ قال: يزيدون عشرين ألفاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو يزيدون ﴾ قال: يزيدون ثلاثين ألفاً.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو يزيدون ﴾ قال: يزيدون بضعة وثلاثين ألفاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلى مائة ألف أو يزيدون ﴾ قال: كانوا مائة ألف، وبضعة وأربعين ألفاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ مائة ألف أو يزيدون ﴾ قال: يزيدون بسبعين ألفاً.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن نوف في قوله: ﴿ مائة ألف أو يزيدون ﴾ قال: كانت زيادتهم سبعين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ قال: الموت.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين ﴾ قد ذكرنا قصته في يونس و[الأنبياء: 87] ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلك المشحون ﴾ أي هرب إلى السفينة والفلك هنا واحد والمشحون المملوء، وسبب هروبه غضبه على قومه حين لم يؤمنوا، وقيل: إنه أخبرهم أن العذاب يأتيهم في يوم معين حسبما أعلمه الله، فلما رأى قومه مخايل العذاب آمنوا، فرفع الله عنهم العذاب فخاف أن ينسبوه إلى الكذب فهرب ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المدحضين ﴾ معنى ساهم ضارب القرعة والمدحض المغلوب في القرعة والمحاجة، وسبب مقارعته أنه لما ركب السفينة، وقفت ولم تجر، فقالوا: إنما وقفت من حدث أحدثه أحدنا، فنقترع لنرى على من تخرج القرعة فنطرحه فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فطرحوه في البحر ﴿ فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ أي فعل ما يلام عليه، وذلك خروجه بغير أن يأمره الله بالخروج ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين ﴾ تسبحه هو قوله: ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ [الأنبياء: 87]، حسبما حكى الله عنه في الأنبياء وقيل: هو قوله سبحانه الله وقيل: هو الصلاة، واختلف على هذا على يعني صلاته في بطن الحوت أو قبل ذلك، واختلف في مدة بقائه في بطن الحوت فقيل: ساعة وقيل: ثلاثة أيام وقيل: سعبة أيام وقيل: أربعون يوماً ﴿ فَنَبَذْنَاهُ بالعرآء ﴾ العراء الأرض الفضاء التي لا شجر فيها، ولا ظل، وقيل يعني الساحل ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ روي أنه كان كالطفل المولود بضعة لحم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة.
الباقون: بفتح الياء ﴿ إني أرى ﴾ ﴿ إني أذبحك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابو عمرو.
﴿ وترى ﴾ بضم التاء وكسر الراء: علي وخلف وحمزة.
﴿ ستجدني ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وإن إلياس ﴾ موصولاً كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بكسر الهمزة ﴿ الله ربكم ورب ﴾ بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.
الباقون: برفعها على الابتداء والخبر.
﴿ آل ياسين ﴾ ابن عامر ونافع ورويس.
الآخرون ﴿ إلياسين ﴾ كأنه جمع إلياس ﴿ لكاذبون اصطفى ﴾ موصلاً والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ورش الباقون: بفتحها في الحالين.
الوقوف: ﴿ لإبراهيم ﴾ ه ط لأن التقدير "واذكر".
وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف ﴿ سليم ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تريدون ﴾ ه ط لاستفهام آخر ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ في النجوم ﴾ ه لا للفاء واتحاد المعنى ﴿ سقيم ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ج للاستفهام مع الاتحاد كما مر ﴿ لا تنطقون ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه ﴿ يزفون ﴾ ه ﴿ تنحتون ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في الجحيم ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ماذا ترى ﴾ ط ﴿ ما تؤمر ﴾ ز للسين مع اتصال المقول ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ للجبين ﴾ ه ج لاحتمال أن الواو مقحمة ﴿ وناديناه ﴾ جواب "لما"، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه لا ﴿ الرؤيا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وهارون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ العظيم ﴾ ه ج لذلك ﴿ الغالبين ﴾ ه لا ﴿ المستبين ﴾ ه ج ﴿ المستقيم ﴾ ه ج ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ وهارون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصوداً فلهذا لم يكن الوقف لازماً.
﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الخالقين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالنصب ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ لمحضرون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ الياسين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه لا ﴿ وبالليل ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ المدحضين ﴾ ه ج لحق المحذوف مع الفاء ﴿ مليم ﴾ ه ﴿ من المسبحين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ سقيم ﴾ ه ج ﴿ يقطين ﴾ ه ج ﴿ أو يزيدون ﴾ ه ط ﴿ إلى حين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ شاهدون ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ ولد الله ﴾ لا تعجيلاً لتكذيبهم ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ البنين ﴾ ه ط لابتداء استفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ج لأن "أم" تصلح استئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعجيل أمر التعجيز ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ نسباً ﴾ ط ﴿ لمحضرون ﴾ ه لا لتعلق الاستثناء و ﴿ سبحان الله ﴾ معترض ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ بفاتنين ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ الصافون ﴾ ه ج للعطف مع الاتفاق ﴿ المسبحون ﴾ ه ج ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ من الأوّلين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولاً للكلمة ﴿ المنصورون ﴾ ه ص لعطف الجملتين المفقتين ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا للعطف ولشدة اتصال المعنى ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ عما يصفون ﴾ ه ج لعطف جملتين مختلفتين ﴿ المرسلين ﴾ ه ج للابتداء بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: الضمير في ﴿ شيعته ﴾ يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحاً على أصول الدين أو على التصلب في الدين.
وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً والأوّل لتقدّم ذكر نوح.
ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.
ومعنى ﴿ جاء ربه ﴾ أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له.
والقلب السليم قد مرّ في "الشعراء".
ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد.
ومعنى ﴿ ماذا تعبدون ﴾ أي شيء تعبدونه كقوله في "الشعراء" ﴿ وما تعبدون ﴾ سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله ﴿ أئفكاً ﴾ هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل.
ويجوز أن يكون ﴿ إفكاً ﴾ حالاً معنى أو مفعولاً به ﴿ آلهة ﴾ بدل منه على أنها إفك في أنفسها.
﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ حتى جعلتم الجمادات أنداداً له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته.
وفي قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قولان: الأوّل أنه صدر منه كذباً لمصلحة رأى فيه، ولما جاء في الحديث "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعلهم كبيرهم ﴾ وقوله لسارة إنها أختي" وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء.
والثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة.
وأما الحديث فنسبه الراوي إلى الكذب أولى من نسبة نبي الله إلى ذلك.
وفي التوجيه وجوه: الأوّل إن النظر في النجوم يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه خص كل واحد من الكواكب بقوّة وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا نيفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقماً كالحمى الثابتة، أو أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولا داء أعي منه.
الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ إلى آخر الآية.
أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة.
وقوله ﴿ إني سقيم ﴾ أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم النفس لكفركم.
الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحرياً منها ما فيه شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به.
وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذراً أحسن من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله ﴿ فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم ﴾ ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها مراوغاً قومه من روغان الثعلب.
وقيل: راغ بقوله ﴿ إني سقيم ﴾ حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم.
وقوله ﴿ ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون ﴾ استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه.
وقيل: وضع الطعام ليبارك فيه.
وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق.
وإنما جاء في هذه السورة ﴿ فقال ألا تأكلون ﴾ بالفاء وفي "الذاريات" ﴿ قال ألا تأكلون ﴾ بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، وفي الذاريات" يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون فقال ألا تأكلون.
﴿ فراغ عليهم ﴾ عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا كان بطريق العنف والقهر وهذا كما يقال في المحبوب: مال إليه.
وفي المكروه: مال عليه.
وقوله ﴿ ضرباً ﴾ مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي بضرب ضرباً أو ضارباً.
ومعنى ﴿ باليمين ﴾ اي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو باقوّة مجازاً، أو بسبب الحلف وهو قوله ﴿ تالله لأكيدن أصنامكم ﴾ ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ أي إلى إبراهيم ﴿ يزفون ﴾ بمشون على سرعة.
وزفيف النعامة ابتداء عدوها.
ومن قرأ بضم الياء فإما لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعدٍ والمفعول محذوف أي يزفون دوابهم أو بعضهم بعضاً وقد مر نظيره في التوبة في قوله ﴿ ولأوضعوا خلالكم ﴾ قال بعض الطاعنين، قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم.
وقوله في "الأنبياء" ﴿ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ﴾ دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض.
وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه.
على أن قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر.
وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم فـ ﴿ ـقال أتعبدون ما تنحتون ﴾ وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً لي صار بسبب تصرفي فيه معبوداً لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور الأشاعرة بقوله ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم.
وزيف بأن "ما" موصولة لتناسب قرينتها في قوله ﴿ ما تنحتون ﴾ وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم.
والصحيح أن الآية كقوله ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن ﴾ أي فطر الأصنام: ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء و ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً ﴾ قال ابن عباس: بنوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون.
وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه ناراً وألقوه فيها.
والجحيم النار العظيمة.
ومعنى الفاء في قوله ﴿ فأرادوا ﴾ كقوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾ كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ناراً وألقوه فنجيناه منها.
وقد صح أنهم أرادوا به كيداً ﴿ فجعلناهم الأسفلين ﴾ الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة.
وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ الأسفلين ﴾ لأنه ذكر أنهم بنوا بنياناً عالياً فكان ذكر السفل في طباقه أنسب.
ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ إني مهاجر إلى ربي ﴾ وإنما حكم بقوله ﴿ سيهدين ﴾ ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتماداً على فضل الله أو عرف ذلك بالوحي.
وحين هاجر إلى الرض المقدسة أراد الولد فقال ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ والله بين استجابته بقوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وصف الغلام بالعلم في سورة الحجر وبالحلم ههنا.
فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه يكون حليماً، وأيّ حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه بالحلوم كما وصف به إبراهيم في قوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب ﴾ .
وقيل: العليم إسحق لقوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ والحليم إسماعيل.
ثم حكى حديث ذبحه قائلاً ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ أي قوي على أن يمشي مع أبيه في حوائجه.
والظرف بيان كأنه قال أوّلاً ﴿ فلما بلغ السعي ﴾ فقيل: مع من؟
فأجيب مع أبيه.
ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدّم عليه ولا بقوله ﴿ بلغ ﴾ لأنهما لم يبلغا معاً حد السعي - والمعنى في اختصاص الأب إخراج الكلام مخرج الأغلب.
وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته.
يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع وفي طاعة الله.
اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل لقوله "أنا ابن الذبيحين" فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله.
وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحداً منهم تقرباً، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد اتلله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها وسن الدية مائة.
وفي رواية أن أعرابياً قال للنبي "يا ابن الذبيحين".
فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده.
فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه بمائة من الإبل.
حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت ابا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك؟
ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة.
وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله ﴿ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين ﴾ وهو صبره على الذبح في قوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ووصفه بصدق الوعد ﴿ إنه كان صادق الوعد ﴾ وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح فوفى به.
أخرى: ﴿ ومن وراء إسحق يعقوب ﴾ فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه.
أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ ثم إنه ذكر عقيبة قصة الذبح.
وأيضاً قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ يجب أن يكون غير قوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وإلا لزم التكرار.
حجة أخرى: ان قرني الكبش كانا ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج.
وعن علي وابن مسعود وكعب الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما روي أن النبي سئل اي النسب أشرف؟
فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.
وأجابوا عن قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ أنه بشر بغلام أوّلاً ثم بنبوته ثانياً.
وايضاً صرح بالمبشر به في قوله ﴿ فبشرناه بإسحق ﴾ وفي قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ فيحمل عليه المبهم في قوله ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ وأيضاً لا نسلم أن البشارة بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتباراً بقراءة من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع.
وأيضاً أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ هو مهاجرته إلى الشام ثم قال ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة.
وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح.
ويتفرع على اختلاف المفسرين في الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى أن الذبح كان بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا ان الذبح كان بالشام وخصه بعضهم ببيت المقدس.
إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله ﴿ يا بني إني أرى في المنام ﴾ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا الأنبياء وحي ثانٍ فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أني ناجٍ من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك.
ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه.
قال بعض المفسرين: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروّي في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية.
فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر.
وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له: أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي.
ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا تبصر من رأيك وتدبيرك.
وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ذلك ﴿ قال يا أبت افعل ما تؤمر ﴾ أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير.
اي أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: ﴿ فلما اسلما ﴾ أي انقادا وخضعا لأمر الله.
قال قتادة: اسلم هذا ابنه وهذا نفسه.
﴿ وتله ﴾ أي صرعه.
واللام في ﴿ للجبين ﴾ كهي في قوله ﴿ ويخرون للأذقان ﴾ والجبين أحد جانبي الجبهة.
وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال له اذبحني وأنا ساجد.
يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا اضطرب واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك واسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون اسهل.
فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله.
ثم اقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إليّ حتى لا تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله.
قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ذلك من الثواب والثناء، وقد اشير إلى جميع ذلك بقوله ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا ﴾ الأمر الذي قد وقع ﴿ لهو البلاء المبين ﴾ الذي يتميز فيه المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه.
يروى أنه لما وصل موضع السجود منه الأرض جاء الفرج.
وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين وونودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا.
فنظر فإذا جبرائيل معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه وذلك قوله ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه،.
والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن.
وقوله ﴿ عظيم ﴾ أي سمين ضخم الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي.
قال "استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" .
والاستشراف جعلها شريفة وكريمة.
وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً.
وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل.
وقيل: سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله فداء عن ولد خليله.
وقيل: وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله.
وعن الحسن: أنه وعل أهبط عليه من ثبير.
وقال السدّي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم فذبحه وخلى ابنه.
استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور وقته.
وقالت المعتزلة.
وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه أمر إبراهيم في المنام بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر.
سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءاً فجزءاً فلهذا قيل له ﴿ قد صدّقت الرؤيا ﴾ .
والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلاً من عدم وقوع الذبح في الظاهر ولهذا قال ﴿ وفديناه ﴾ .
بإسناد الفداء إلى ذاته .
والحق أن نسخ الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على الانقياد والطاعة أم لا.
وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف وتكريم ووضع سنة مؤكدة.
وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي.
وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر.
فقال الولد الذبيح: لا إله إلا الله واله أكبر.
فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد.
فبقي سنة.
قوله ﴿ وتركنا ﴾ إلى قوله ﴿ المؤمنين ﴾ قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل ههنا ﴿ في العالمين ﴾ اكتفاء بما علم في قصة نوح.
ولم يقل ههنا ﴿ إنا كذلك ﴾ بل اقتصر على ﴿ كذلك ﴾ لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض.
قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحق بعد إسماعيل.
ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوّته وقد كان بشر بمولده.
قوله ﴿ نبياً من الصالحين ﴾ كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدراً وعالماً وحاكماً بأنه نبي صالح.
وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه حال مقدرة من إسحق.
وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل.
﴿ وباركنا عليه ﴾ قيل: أي على الغلام المبشر به.
قيل: على إبراهيم: ﴿ وعلى إسحق ﴾ اي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا.
ومن جملة ذلك ما روي أنه أخرج من صلب غسحق ألفي نبي أوّلهم يعقوب وآخرهم عيسى وهم المشار إليهم بقوله ﴿ ومن ذريتهما محسن ﴾ ويعلم من قوله ﴿ وظالم لنفسه ﴾ أن البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب.
وأما قصة موسى فلا خفاء بها.
والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه.
وقيل: الغرق.
والضمير في ﴿ نصرناهم ﴾ لها ولقومهما.
والمستبين البليغ في بيانه وهو التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ.
والصراط المستقيم دين الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل.
وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون.
وقيل: هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم.
و"إذ" ظرف لمحذوف أي اذكر يا محمد لقومك ﴿ إذ قال لقومه ألا تتقون ﴾ الله.
قال الكلبي.
أي ألا تخافون عبادة غير الله.
وحين خوّفهم مجملاً ذكر سببه فقال ﴿ أتدعون ﴾ أي أتعبدون ﴿ بعلاً ﴾ وهم اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعاً وله اربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس.
قال الإمام فخر الدين الرازي : لو جوّزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحاً في كثير من المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل.
قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوّة بمعجزات أخر.
وقيل: البعل الرب بلغة اليمن.
والمعنى أتبعدون بعض البعول وتتركون عبادة أحسن الخالقين.
ثم بين أجزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب غداً.
وباقي القصة ظاهر إلا قوله ﴿ إلياسين ﴾ فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي سلام على أهل ياسين.
وقيل: آل ياسين آل محمد .
وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: سلام على من آمن بكتاب الله.
والوجه الأوّل هو أنسب الأقوال.
ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: أراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة.
وقيل: إنه لغة في إلياس.
قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا ههنا.
حكى الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان فيهم ملك يقال له "أحب" وله امرأة يقال لها "إزبيل" وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف.
فجاء فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟
فرمى إلياس إليه بكسائه من الجوّ وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل.
ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً.
وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من بني آدم.
وكان الحسن يقول: قد هلك إليا والخضر ولا نقول كما يقول الناس.
وقصة لوط مذكورة مراراً.
ومعنى ﴿ مصبحين وبالليل ﴾ أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشأم فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره.
وقصة يونس أيضاً مما سبق ذكرها، وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي قال بعضهم: إنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله .
فالإباق وهو هرب العبد من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله ﴿ وإن يونس لمن المرسلين ﴾ مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان الإرسال من الله .
وأما الجواب عن إباقة فقد مر في قوله ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضباً ﴾ قوله ﴿ المشحون ﴾ كالعلة لقوله ﴿ فساهم ﴾ والمساهمة المقارعة.
يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا.
قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة.
يروى أنه حين غضب على قومه خرج من بينهم حتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما رناه من غير ريح ولا سبب ظاهر.
وقد يزعم أهل البحر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس.
فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله.
ثم عادوا ثانياً وثالثاً فخرج سهمه فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى نفسه إلى الماء.
﴿ فالتقمه الحوت ﴾ أي ابتلعه كاللقمة ﴿ وهو مليم ﴾ داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم.
أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قيل: أي من المصلين.
قيل: أي من المصلين.
عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء.
وقيل: من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات.
والأظهر أن المراد منه ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ .
والضمير في ﴿ يبعثون ﴾ للخلائق بالقيرنة وقوله ﴿ للبث ﴾ في أقوال: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث.
والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه.
والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه.
واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن الحسن أنه لم يلبث إلا قليلاً.
وقيل: ثلاثة ايام.
وعن عطاء: سبعة.
وعن الضحاك: عشرون.
وقال الكلبي: أربعون.
روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً راسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.
عن أبي هريرة عن النبي أنه قال "سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة.
فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح.
قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل" وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له.
قال المبرد والزجاج: هو "يفعيل" من قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده وقيل لرسول الله : إنك لتحب القرع.
قال: أجل هي شجرة أخي يونس.
قال الواحدي: في الآية دلالة أوّلاً على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته الله لأجله.
والآخر أن اليقطين كان قائماً بحيث يحصل له ظل.
قلت: الثاني مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم.
وقيل: هي التين.
وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى من ثمارها.
وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها.
وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعاً فأوحى إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه.
وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و"أو" في قوله ﴿ أو يزيدون ﴾ ليست للشك وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر.
ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث المعنى كأنه قيل: وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون.
وقيل: التقدير وأرسلناه إلى مائة ألف وارسلناه إلى قوم ثزيدون في الإيهام.
وكم الزائد؟
قيل: ثلاثون ألفاً.
عن ابن عباس.
وقيل: بضعة وثلاثون.
وقيل: بضعة وأربعون.
وقيل: سبعون.
وجاء مرفوعاً عشرون الفاً.
ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه يبقى فيهم مدة كما قال ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ هو انقضاء آجالهم.
وقيل: القيامة وقد مر.
ثم عطف قوله ﴿ فاستفتهم ﴾ على مثله في أول السورة.
والوجه فيه أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلاً بعضه ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله قائلين الملائكة بنات الله مع كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين.
وحين استفتاهم على سبيل التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون حساً أو خبراً أو نظراً.
أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ﴾ وأما الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعاً وهؤلاء كذابون أفاكون وأشار إليه بقوله ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ﴾ وأما النظر فمفقود أياضً وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده لأنه أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك قوله ﴿ أَصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون ﴾ من قرا اصطفى بفتح الهمزة فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة.
الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم وهو قوله ﴿ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ وقوله ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من صفته الاحتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسباً لا يجوز عليه صفات الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله ﴿ إنهم لمحضرون ﴾ للكفرة.
والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون.
وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون بيزدان واهر من كما مر في "الأنعام" في قوله ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين.
روى عكرمة أنهم قالوا: سروات الجن بنات الرحمن.
وقال الكلبي: زعموا أن الله تزوّج إلى الجن فخرج منها الملائكة.
والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة.
قال جار الله: الاستثناء في قوله ﴿ إلا عباد الله ﴾ منقطع معناه إنهم لمحضرون ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه.
وجوّز أن يكون الاستثناء من الضمير في ﴿ يصفون ﴾ اي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن من وصفه بما لا ينبغي.
وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بيّن أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق في علم الله بأنه من أهل النار.
وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.
وجوز جار الله أن تكون الواو في ﴿ وما تعبدون ﴾ بمعنى "مع" وجاز السكوت على ﴿ تعبدون ﴾ كما في قولهم "كل رجل وضيعته".
ثم قال ﴿ ما أنتم عليه ﴾ أي على ما تعبدون ﴿ بفاتنين إلا من هو صال ﴾ مثلكم.
وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن يكون قوله ﴿ سبحان الله ﴾ إلى قوله ﴿ المسبحون ﴾ من كلام الملائكة والمعنى: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين.
وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه إلا من كان مثلكم ممن علم الله عز وجل لكفرهم أنهم أهل النار.
وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السروة ونحن المسبحون وقال في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلا طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب درجتهم من درجة الملك فضلاً عن دعوى الأفضلية؟
قلت: لا شك أن هذا التركيب يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم.
وقيل: هذه الآيات من قول رسول الله أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله.
ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه.
ثم حكى أن مشركي قريش ﴿ كانوا يقولون لو أن عندنا ذكراً ﴾ أي كتاباً من جملة كتب الأوّلين اي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف لأخلصنا العبادة لله.
وإن مخففة واللام فارقة ﴿ فكفروا به ﴾ الفاء للربط أي فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به ﴿ فسوف يعلمون ﴾ وخامة عاقبة التكذيب.
وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقول محمد لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه.
ثم بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلاً وآجلاً، والأول أكثريّ والثاني تحقيق يقيني.
ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلاً ﴿ فتوّل عنهم ﴾ أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر.
عن السدي: أو إلى الموت والقيامة.
﴿ وأبصرهم ﴾ وما يقضى عليهم من السر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة فسوف يبصرونك وما يؤل غليه أمرك من النصر والثواب في الدارين.
وفي هذا الأمر تنفيس عن النبي وتسلية له كأن الحالة الموعودة قدام عينيه قرباً وتحققاً.
و ﴿ سوف ﴾ في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه.
وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعدما أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشنّ الغارة عليهم.
وقيل: نزل في فتح مكة.
وعن أنس: لما أتى رسول الله خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس.
ورجعوا إلى حصنهم فقال : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم.
واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس.
وإنما ثنى وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية.
والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، وأطلق الفعل الثاني ايضاً اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة.
واعلم أن السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني.
ومعنى ﴿ رب العزة ﴾ كقوله ﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه.
عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ولكن كلام الله.
والظاهر أن قوله ﴿ عما يصفون ﴾ يتعلق ﴿ بسبحان ﴾ كما في قوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء من تحقيق هذه الحالة في آخر يس.
قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ عن علي : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس ﴿ سبحان ربك رب العزة ﴾ إلى آخر السورة.
قوله: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
هذا ينقض على الباطنية قولهم حين قالوا: إن الرسل ليس إلا ستة لا يعدون يونس ولوطا - عليهم السلام - منهم فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ ، وهم يقولون: ليس من المرسلين، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴾ .
ذكر هاهنا الإباق، وفي سورة الأنبياء الذهاب، وهو قوله: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ﴾ .
فمن الناس من يجعل هذا غير الأول - يعني: إباقه الذي ذكر وذهابه - لكن جائز أن يكون ذكر الإباق وذكر الذهاب وإن كان في رأى العين في ظاهر اللفظ مختلفاً فهما في المعنى واحد، فيكون قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَبَقَ ﴾ من قومه بدينه؛ ليسلم له، أو أبق لخوف على نفسه من قومه، أو أبق على ما أوعد قومه من نزول العذاب بهم إذا لم يؤمنوا به، وكان الرسل - صلوات الله عليهم - يخرجون من بين أظهر قومهم إذا خافوا نزول العذاب بهم؛ إلا أن يونس خرج من بينهم قبل أن يأتيه الإذن من الله - عز وجل - بالخروج من بينهم؛ لذلك جاء العتاب له والتعيير، لا لما يقوله عامة أهل التأويل من الخرافات التي يذكرونها وينسبون إليه ما لا يجوز نسبة ذلك إلى أجهل الناس بربه وأخسهم، فضلا أن يجوز نسبة ذلك إلى نبي من أنبيائه ورسول من رسله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ﴾ .
ذكر في القصة أنه - - لما أبق إلى سفينة فركبها أراد أن يعبر البحر، فجعلت تكفو وتقف وكادت أن تغرق، فقال القوم بعضهم لبعض: إن فيكم لرجلاً مذنباً [ذنباً] عظيماً، وكانوا يعرفون ذلك من عادتها من قبل كانت إذا ركبها مذنب تغرق وتتسرب في الماء، فلم يعرفوا من هو ذلك؟
فاستهموا مرارا فساهم يونس في كل مرة، فلما رأى ذلك يونس - - قال لهم: يا قوم ألقوني في البحر حتى لا تغرقوا جميعاً، فأبوا وقالوا: لا نلقي نبيّاً من أنبياء الله في البحر، فألقى هو نفسه فيه، فالتقمه الحوت على ما أخبر الله - عز وجل - حيث قال: ﴿ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ﴾ قال: فكان من المغلوبين في القرعة والاستهام، أي: خرجت القرعة عليه، و ﴿ ٱلْمُدْحَضِينَ ﴾ : هو الذي لا حجة له فيما يريد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ أي: عجيب.
وقال بعضهم: مليم من الملامة، أي: كان يلوم نفسه فيما صنع من الخروج من بينهم بلا إذن من الله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ﴾ لربه قبل ذلك ومن المصلين له، وإلا للبث في بطنه إلى ما ذكر؛ ولذلك قيل: من عمل لله - - في حال الرخاء، نفعه الله بذلك في حال الشدة ويرفعه إذا عثر، والله أعلم.
قيل في الحكمة: إن العمل الصالح رفع صاحبه إذا عثر وإذا صرع وجد متكئاً، والله أعلم.
ويحتمل ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ﴾ ، أي: صار من المسبحين في بطن الحوت؛ وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ .
العراء: قيل: هي الأرض الصحراء التي لا شجر فيها ولا نبت ولا ركز.
وقال أبو عوسجة: العراء: الأرض التي لا ظل فيها، والمدحض: المغلوب، ومليم: أي: أتى أمراً يلام عليه.
وقال القتبي: العراء: هي الأرض التي لا يواري فيها شجر ولا غيره، كأنه من عري الشيء، والله أعلم.
البعل: الزوج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ .
ذكر أن الحوت لما نبذه بالعراء لم يكن به شعر ولا جلد ولا ظفر ولا سن سقيم من السقم وهو المرض، أي: مريض لما مسه بطن الحوت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ﴾ .
قال بعضهم: هي شجرة القرع، أنبت عليه ليأكل منها، ويستظل بها.
وقال بعضهم: كل شجرة تنبسط على وجه الأرض مما يتسع أطرافه إذا مد [و] أصله واحد، فهو يقطين، من نحو البطيخ والعرجون وغيرهما.
والأشبه أن تكون شجرة القرع؛ لأنها أسرع الأشجار نبتاً وامتداداً وارتفاعاً في السماء في مدة لطيفة ووقت قريب، والوصول إلى الانتفاع بها أكلا واستظلالا لها ما لا يكون مثل ذلك [في] مثل تلك المدة من الأشجار، والله أعلم.
وعلى ذلك "روي أنه قيل: يا رسول الله، إنك لتحب القرع؟
قال: أجل هى شجرة أخي يونس، وهو تزيد في العقل" فهذا يدل إن ثبت: أنها كانت شجرة القرع، والله أعلم.
ثم فيه لطف من الله - عز جل -: حيث أنبت عليه شجرة في وقت لطيف، لا ينبت مثلها إلا بعد مدة [غير] لطيفة ووقت مديد، وأبقى عليه الضعف وقتاً طويلا مما يرتفع ذلك ويزول في وقت يسير في العرف؛ ليذكره ما أنعم عليه ويقوم بشكره، وهو كما ذكر في قصة صاحب الحمار حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ ﴾ أبقى طعامه وشرابه وحفظه وقتاً طويلا غير متغير مما طعبه التغير في وقت يسير وغير ما طبعه البقاء لطفاً منه، فعلى ذلك أنبت على يونس شجرة في وقت لطيف مما لا ينبت مثلها إلا في وقت طويل، وأبقى ذلك الضعف الذي كان به والسقم مما سبيله الزوال والارتفاع في وقت يسير لطفاً منه؛ لتذكير ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكرنا أن حرف الاستفهام إذا أضيف إلى الله فهو على التقدير والإيجاب ليس على حقيقة الاستفهام، فعلى ذلك حرف الشك: أي: مائة ألف بل يزيدون، أو يقول: ويزيدون؛ لما يتعالى عن الشك.
والثاني: قوله: ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ حتى يزيدوا؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، أي: حتى يسلموا.
أو كأنه وقت ما بعثه إليهم كانوا مائة ألف، ثم ازدادوا بعد ذلك، والله أعلم.
والثالث: يزيدون مائة ألف أو يزيدون عند الناس، فمعناه: أن من نظر إليهم لا يظن دون مائة ألف، ولكن يظن مائة ألف وزيادة، والله أعلم.
قال - عز وجل -: ﴿ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .
قيل: آمنوا به فلم يهلكوا، ولكن أخر عنهم إلى وقت موت حتفهم.
وقال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ ﴾ أخبر هاهنا أنه لم ينفع قوماً إيمانهم عند معاينتهم العذاب إلا قوم يونس، وكذلك ذكر - عز وجل -: في آية أخرى: أنه لم ينفع الإيمان عند معاينة العذاب حيث قال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ ثم لا يدرآ أنه إنما يقبل إيمان قوم يونس؛ لأنهم آمنوا عند خروج يونس - - من بين أظهرهم قبل أن يقبل العذاب عليهم، لما كانوا يعلمون أن الرسول متى ما خرج من بينهم بعد ما أوعدهم بالعذاب أن العذاب ينزل بهم لا محالة، فآمنوا به، وإن لم يعاينوا.
أو أن يكون العذاب قد أقبل عليهم فعاينوه عند معاينتهم فعند ذلك آمنوا.
فإن كان الأول فهو بأنهم إنما آمنوا به عند خروجه منهم فهو مستقيم قبل إيمانهم؛ لأنهم لم يؤمنوا عند معاينتهم العذاب، ولكن إنما آمنوا قبل ذلك.
وإن كان الثاني، فجائز أن يكون قبل إيمانهم ونفعهم إيمانهم وإن عاينوا العذاب؛ لما عرف - جل وعلا - أن إيمانهم كان حقا وهم صادقون في ذلك محققون، لم يكونوا دافعين العذاب عن أنفسهم إلا بإيمان حقيقة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فلما ألقوه في البحر أخذه الحوت، وابتلعه، وهو آت بما يُلام عليه؛ لذهابه إلى البحر بغير إذن ربه.
<div class="verse-tafsir" id="91.4D5K8"