الآية ٢٤ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ٢٤ من سورة الصافات

وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وقفوهم إنهم مسئولون ) أي : قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا كما قال الضحاك ، عن ابن عباس : يعني احبسوهم إنهم محاسبون .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا النفيلي ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال : سمعت ليثا يحدث عن بشر ، عن أنس بن مالك [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفا معه إلى يوم القيامة ، لا يغادره ولا يفارقه ، وإن دعا رجل رجلا " ، ثم قرأ : ( وقفوهم إنهم مسئولون ) .

ورواه الترمذي ، من حديث ليث بن أبي سليم .

ورواه ابن جرير ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن معتمر ، عن ليث ، عن رجل ، عن أنس مرفوعا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقفوهم إنهم مسئولون وحكى عيسى بن عمر " أنهم " بفتح الهمزة .

قال الكسائي : أي : لأنهم وبأنهم ، يقال : وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي وقوفا ، يتعدى ولا يتعدى ، أي : احبسوهم .

وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم ، وفيه تقديم وتأخير ، أي : قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار .

وقيل : يساقون إلى النار أولا ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار .

إنهم مسئولون عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم ، قاله القرظي والكلبي .

الضحاك : عن خطاياهم .

ابن عباس : عن لا إله إلا الله .

وعنه أيضا : عن ظلم الخلق .

وفي هذا كله دليل على أن الكافر يحاسب .

وقد مضى في [ الحجر ] الكلام فيه .

وقيل : سؤالهم أن يقال لهم : ألم يأتكم رسل منكم إقامة للحجة .

ويقال لهم :

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وبعد ما يتعين أمرهم إلى النار، ويعرفون أنهم من أهل دار البوار، يقال: { وَقِفُوهُمْ } قبل أن توصلوهم إلى جهنم { إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } عما كانوا يفترونه في الدنيا، ليظهر على رءوس الأشهاد كذبهم وفضيحتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقفوهم ) احبسوهم ، يقال : وقفته وقفا فوقف وقوفا .

قال المفسرون : لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال عند الصراط ، فقيل : وقفوهم ( إنهم مسئولون ) قال ابن عباس : عن جميع أقوالهم وأفعالهم .

وروي عنه : عن : لا إله إلا الله .

وفي الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربعة أشياء : عن شبابه فيما أبلاه ، وعن عمره فيما أفناه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقفوهم» احبسوهم عن الصراط «إنهم مسئولون» عن جميع أقوالهم، ويقال لهم توبيخا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واحبسوهم قبل أن يصلوا إلى جهنم؛ إنهم مسؤولون عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدنيا، مساءلة إنكار عليهم وتبكيت لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ) زيادة فى توبيخهم وإذلالهم ، والوقف هنا : بمعنى الحبس .قال القرطبى : يقال : وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هى وقوفا : أى : احبسوهم ، وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم ، وفيه تقديم وتأخير أى : قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار .

.

أى : واحبسوهم فى موقف الحساب ، لأنهم مسئولون عما كانوا يقترفونه فى الدنيا من عقائد زائفة ، وأفعال منكرة ، وأقوال باطلة .ولا تعارض بين هذه الآية وأمثالها من الآيات التى صرحت بأن المجرمين يسألون يوم القيامة ، وبين آيات أخرى صرحت بأنهم لا يسألون كما فى قوله - تعالى - : ( فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ) أقول لا تعارض بين هذه الآيات ، لأن فى يوم القيامة مواقف متعددة ، فقد يسألون فى موقف ولا يسألون فى آخر .

.

أو أن السؤال المثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع والسؤال المنفى هو سؤال الاستعلام والاستخبار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية أبحاث: البحث الأول: اعلم أنه لا نزاع في أن هذا من كلام الملائكة فإن قيل ما معنى: ﴿ احشروا ﴾ مع أنهم قد حشروا من قبل وحضروا في محفل القيامة وقالوا: ﴿ هذا يَوْمُ الدين  ﴾ وقالت الملائكة لهم بل: ﴿ هذا يَوْمُ الفصل  ﴾ أجاب القاضي عنه، فقال المراد احشروهم إلى دار الجزاء وهي النار، ولذلك قال بعده: ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ أي خذوهم إلى ذلك الطريق ودلوهم عليه ثم سأل نفسه فقال: كيف يصح ذلك وقد قال بعده ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسئولون ﴾ ومعلوم أن حشرهم إلى الجحيم، إنما يكون بعد المسألة، وأجاب أنه ليس في العطف بحرف الواو ترتيب فلا يمتنع أن يقال احشروهم وقفوهم، مع أنا بعقولنا نعلم أن الوقوف كان قبل الحشر إلى النار، هذا ما قاله القاضي، وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال إنهم إذا قاموا من قبورهم لم يبعد أن يقفوا هناك بحيرة تلحقهم بسبب معاينة أهوال القيامة، ثم إن الله تعالى يقول للملائكة: احشروا الذين ظلموا واهدوهم إلى صراط الجحيم، أي سوقوهم إلى طريق جهنم وقفوهم هناك وتحصل المسألة هناك ثم من هناك يساقون إلى النار وعلى هذا التقدير فظاهر النظم موافق لما عليه الوجه.

البحث الثاني: الآمر في قوله تعالى: ﴿ احشروا الذين ظَلَمُواْ ﴾ هو الله فهو تعالى أمر الملائكة أن يحشروا الكفار إلى موقف السؤال والمراد من الحشر أن الملائكة يسوقونهم إلى ذلك الموقف.

البحث الثالث: أن الله أمر الملائكة بحشر ثلاثة أشياء: الظالمين، وأزواجهم، والأشياء التي كانوا يعبدونها.

وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أنه تعالى قال: ﴿ احشروا الذين ظَلَمُواْ ﴾ ثم ذكر من صفات الذين ظلموا كونهم عابدين لغير الله وهذا يدل على أن الظالم المطلق هو الكافر وذلك يدل على أن كل وعيد ورد في حق الظالم فهو مصروف إلى الكفار ومما يؤكد هذا قوله تعالى: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون  ﴾ .

الفائدة الثانية: اختلفوا في المراد بأزواجهم وفيه ثلاثة أقوال الأول: المراد بأزواجهم أشباههم أي أحزابهم ونظراؤهم من الكفر فاليهودي مع اليهودي والنصراني مع النصراني والذي يدل على جواز أن يكون المراد من الأزواج الأشباه وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثلاثة  ﴾ أي أشكالاً وأشباهاً الثاني: أنك تقول عندي من هذا أزواج أي أمثال وتقول زوجان من الخف لكون كل واحد منهما نظير الآخر وكذلك الرجل والمرأة سميا زوجين لكونهما متشابهين في أكثر أحكام النكاح وكذلك العدد الزوج سمي بهذا الاسم لكون كل واحد من سميه مثالاً للقسم الثاني في العدد الصحيح، قال الواحدي فعلى هذا القول يجب أن يكون المراد بالذين ظلموا الرؤساء لأنك لو جعلت الذين ظلموا عاماً في كل من أشرك لم يكن للأزواج معنى القول الثاني: في تفسير الأزواج أن المراد قرناؤهم من الشياطين لقوله تعالى: ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون  ﴾ ، والقول الثالث: أن المراد نساؤهم اللواتي على دينهم.

أما قوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ الله ﴾ ففيه قولان الأول: المراد ما كانوا يعبدون من دون الله من الأوثان والطواغيت، ونظيره قوله: ﴿ فاتقوا النار التى وَقُودُهَا الناس والحجارة  ﴾ قيل المراد بالناس عباد الأوثان والمراد بالحجارة الأصنام التي هي أحجار منحوتة، فإن قيل إن تلك الأحجار جمادات فما الفائدة في حشرها إلى جهنم؟

أجاب القاضي بأنه ورد الخبر بأنها تعاد وتحيا لتحصل المبالغة في توبيخ الكفار الذين كانوا يعبدونها ولقائل أن يقول هب أن الله تعالى يحيي تلك الأصنام إلا أنه لم يصدر عنها ذنب، فكيف يجوز من الله تعالى تعذيبها؟

والأقرب أن يقال إن الله تعالى لا يحيي تلك الأصنام بل يتركها على الجمادية.

ثم يلقيها في جهنم لأن ذلك مما يزيد في تخجيل الكفار القول الثاني: أن المراد من قوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة ما عبدوا فلما قبلوا منهم ذلك الدين صاروا كالعابدين لأولئك الشياطين وتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان  ﴾ والقول الأول أولى لأن الشياطين عقلاء وكلمة ما لا تليق بالعقلاء، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ قال ابن عباس: دلوهم يقال هديت الرجل إذا دللته وإنما استعملت الهداية هاهنا، لأنه جعل بدل الهداية إلى الجنة، كما قال: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ فوقعت البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك، وعن ابن عباس ﴿ فاهدوهم ﴾ سوقوهم وقال الأصم: قدموهم، قال الواحدي: وهذا وهم.

لأنه يقال هدى إذا تقدم ومنه الهداية والهوادي والهاديات الوحش، قال ولا يقال هدى بمعنى قدم، ثم قال: ﴿ وَقِفُوهُمْ ﴾ يقال: وقفت الدابة اقفها وقفاً فوقفت هي وقوفاً، والمعنى احبسوهم وفي الآية قولان أحدهما: على التقديم والتأخير، والمعنى قفوهم واهدوهم، والأصوب أنه لا حاجة إليه، بل كأنه قيل: فاهدوهم إلى صراط الجحيم فإذا انتهوا إلى الصراط قيل ﴿ وَقِفُوهُمْ ﴾ فإن السؤال يقع هناك وقوله: ﴿ أَنَّهُمْ مسؤولون ﴾ قيل عن أعمالهم في الدنيا وأقوالهم، وقيل المراد سألتهم الخزنة ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ...

قَالُواْ بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين  ﴾ ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد ذلك وهو قوله تعالى: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تناصرون ﴾ أي أنهم يسألون توبيخاً لهم، فيقال: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تناصرون ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا ينصر بعضكم بعضاً كما كنتم في الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فقيل لهم يوم القيامة ما لكم غير متناصرين، وقيل يقال لكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب.

ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ يقال استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع، ومعناه في الأصل طلب السلامة بترك المنازعة، والمقصود أنهم صاروا منقادين لا حيلة لهم في دفع تلك المضار لا العابد ولا المعبود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ احشروا ﴾ خطاب الله للملائكة، أو خطاب بعضهم مع بعض ﴿ وأزواجهم ﴾ وضرباءهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: وهم نظراؤهم وأشباههم من العصاة: أهل الزنا مع أهل الزنا، وأهل السرقة مع أهل السرقة.

وقيل: قرناؤهم من الشياطين.

وقيل: نساؤهم اللاتي على دينهم ﴿ فاهدوهم ﴾ فعرّفوهم طريق النار حتى يسلكوها.

هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجر عن التناصر بعد ما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متعاضدين متناصرين ﴿ بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله عن عجز، فكلهم مستسلم غير منتصر.

وقرئ: ﴿ لا تتناصرون ﴾ ولا تناصرون، بالإدغام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقِفُوهُمْ ﴾ احْبِسُوهم في المَوْقِفِ.

﴿ إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ عَنْ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ والواوُ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ مَوْقِفُهم مُتَعَدِّدًا.

﴿ ما لَكم لا تَناصَرُونَ ﴾ لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا بِالتَّخْلِيصِ، وهو تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ.

﴿ بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ مُنْقادُونَ لِعَجْزِهِمْ وانْسِدادِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، وأصْلُ الِاسْتِسْلامِ طَلَبُ السَّلامَةِ أوْ مُتَسالِمُونَ كَأنَّهُ يَسْلَمُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَخْذُلُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقفوهم} احبسوهم {إنهم مسؤولون} عن أقوالهم وأفعالهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقِفُوهُمْ ﴾ أيِ احْبِسُوهم في المَوْقِفِ ﴿ إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ عَنْ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، وفي الحَدِيثِ «”لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ مِمّا كَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ ماذا عَمِلَ بِهِ“،» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُسْألُونَ عَنْ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهُزْءِ بِهِمْ.

ورَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُسْألُونَ عَنْ وِلايَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورَوَوْهُ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وأوْلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ السُّؤالَ عَنِ العَقائِدِ والأعْمالِ، ورَأْسُ ذَلِكَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، ومِن أجَلِّهِ وِلايَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وكَذا وِلايَةُ إخْوانِهِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الحَبْسَ لِلسُّؤالِ بَعْدَ هِدايَتِهِمْ إلى صِراطِ الجَحِيمِ بِمَعْنى تَعْرِيفِهِمْ إيّاهُ ودَلّالَتِهِمْ عَلَيْهِ لا بِمَعْنى إدْخالِهِمْ فِيهِ وإيصالِهِمْ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِراطُ الجَحِيمِ طَرِيقَهم لَهُ مِن قُبُورِهِمْ إلى مَقَرِّهِمْ وهو مُمْتَدٌّ فَيَجُوزُ كَوْنُ الوَقْفِ في بَعْضٍ مِنهُ مُؤَخَّرًا عَنْ بَعْضٍ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الوَقْفَ لِلسُّؤالِ قَبْلَ الأمْرِ المَذْكُورِ، والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقِيلَ الوَقْفُ بَعْدَ الأمْرِ عِنْدَ مَجِيئِهِمُ النّارَ، والسُّؤالُ عَمّا يَنْطِقُ بِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ يعني: صيحة ونفخة واحدة، ولا يحتاج إلى الأخرى فَإِذا هُمْ يعني: الخلائق يَنْظُرُونَ يعني: يخرجون من قبورهم، وينظرون إلى السماء كيف غيرت؟

والأرض كيف بدلت؟

فلما عاينوا البعث، ذكروا قول الرسل: إن البعث حق.

وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ يعني: يوم الحساب.

ويقال: يوم الجزاء.

فردت عليهم الحفظة.

ويقولون: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ أنه لا يكون.

ثم ينادي المنادي: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: سوقوا الذين كفروا وَأَزْواجَهُمْ يعني: وأشباههم.

ويقال: وقرناءهم، وضرباءهم.

ويقال: وأشياعهم، وأعوانهم.

ويقال: وأمثالهم وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: من الشياطين الذين أضلوهم.

ويقال: كل معبود، وكل من يطاع في المعصية فَاهْدُوهُمْ يعني: ادعوهم جميعاً.

ويقال: اذهبوا بهم، وسوقوهم جميعاً إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ يعني: إلى طريق الجحيم، والجحيم ما عظم من النار.

ويقال: إلى وسط الجحيم.

فلما انطلق بهم إلى جهنم أرسل الله عز وجل ملكاً يقول: وَقِفُوهُمْ أي: احبسوهم إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ عن ترك قول لا إله إلا الله.

ويقال: في الآية تقديم.

يعني: يقال لهم قفوا قبل ذلك.

فحبسوا، أو سئلوا.

ثم يساق بهم إلى الجحيم فيقال لهم: مَا لَكُمْ لاَ تَناصَرُونَ يعني: لم ينصر بعضكم بعضاً، ولا يدفع بعضكم عن بعض كما كنتم تفعلون في الدنيا.

قوله عز وجل: بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ أي: خاضعون ذليلون وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يعني: يسأل ويخاصم بعضهم بعضاً القادة والسفلة، والعابد، والمعبود، ومتابعي الشيطان للشيطان.

ويقال: يَتَساءَلُونَ يعني: يتلاومون قالُوا يعني: السفلة للرؤساء إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ يعني: من قبل الحق أي: الدين فزينتم لنا ضلالتنا.

وروي عن الفراء أنه قال: الْيَمِينِ في اللغة القوة والقدرة.

ومعناه إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا بأقوى الحيل، وكنتم تزينون علينا أعمالنا.

وقال الضحاك: تقول السفلة للقادة: إنكم قادرون وظاهرون علينا.

ونحن ضعفاء أذلاء في أيديكم.

روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ عن الحق.

يعني: الكفار يقولون: للشيطان.

وقال القتبي: إنما يقول هذا: المشركون لقرنائهم من الشياطين إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ يعني: عن أيماننا لأن إبليس قال: لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الأعراف: 17] وقال المفسرون: من أتاه الشيطان من قبل اليمين، أتاه من قبل الدين، وليس عليه الحق.

ومن أتاه من قبل الشمال، أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من بين يديه، أتاه من قبل التكذيب بالقيامة، ومن أتاه من خلفه خوفه الفقر على نفسه، وعلى من يخلف بعده، فلم يصل رحماً، ولم يؤد زكاة.

وقال المشركون لقرنائهم: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ في الدنيا من جهة الدين يعني: أضللتمونا قالُوا لهم قرناؤهم بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي: لم تكونوا على حق، فتشبه عليكم، ونزيلكم عنه إلى الباطل وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ يعني: من قدرة فنقهركم.

ويقال: من ملك فنجبركم عليه بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ يعني: كافرين عاصين فَحَقَّ عَلَيْنا يعني: وجب علينا جميعاً قَوْلُ رَبِّنا وهو السخط.

ويقال: قَوْلُ رَبِّنا يوم قال لإبليس لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) [ص: 85] إِنَّا لَذائِقُونَ يعني: العذاب جميعاً في النار.

قوله عز وجل: فَأَغْوَيْناكُمْ يعني: أضللناكم عن الهدى إِنَّا كُنَّا غاوِينَ يعني: ضالين.

يقول الله تعالى: فَإِنَّهُمْ يعني: الكفار والشياطين يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ يعني: شركاء في النار، وفي العذاب يوم القيامة إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ يعني: هكذا نفعل بمن أشرك، فنجمع بينهم وبين الذين أضلّوهم في النار.

ثم أخبر عنهم فقال: إِنَّهُمْ كانُوا يعني: في الدنيا إِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يعني: قولوا لا إله إلا الله يَسْتَكْبِرُونَ عنها، ولا يقولونها وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا يعني: أنترك عبادة آلهتنا لِشاعِرٍ يعني: لقول شاعر مَجْنُونٍ أي: مغلوب على عقله.

يقول الله تعالى: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ يعني: بالقرآن.

ويقال: بأمر التوحيد.

ويقال: جاء ببيان الحق وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ الذين قبله.

قال مقاتل: يعني: صدق محمد  بالمرسلين الذين قبله.

وقال الكلبي: وبتصديق المرسلين الذين قبله.

ومعناهما واحد.

ويقال: معناه جاء محمد-  - بموافقة المرسلين- عليهم السلام- إِنَّكُمْ يعني: العابد والمعبود لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ يعني: لتصيبوا العذاب الوجيع الدائم وَما تُجْزَوْنَ في الآخرة إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي والشرك.

ثم استثنى المؤمنين فقال عز وجل: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يعني: الموحدين ويقال: إِلَّا بمعنى لكن عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا أي: فلا يُمْكِنُهُمْ أن يقولوا إلا أنَّ خَلْقَ مَنْ سواهُم من الأمَمِ والملائِكَة، والجنِّ والسَّمواتِ والأرضِ والمشارِق والمغارِبِ وغير ذلك- هو أشَدُّ مِنْ هؤلاءِ المخاطَبِينَ، وبأن الضمير/ في خَلَقْنا يرادُ به ما تقدم ذكره، قال مجاهد وقتادة وغيرهما: ويُؤَيِّدُه ما في مصحف ابن مسعود «أُمْ مَنْ عَدَدْنَا» «١» وكذلك قرأَ الأَعْمَشُ «٢» .

وقوله تعالى: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ أي: خلقُ أصلِهم وهو آدم ع، واللاّزِبُ: اللازمُ: يَلْزَمُ ما جاورَهُ ويَلْصَقُ به، وهُوَ الصَّلْصَالُ، بَلْ عَجِبْتَ يا محمدُ مِنْ إعْرَاضِهِم عن الحق، وقرأ حمزةُ والكسائي «بل عَجِبْتُ» - بضمِ التاء- «٣» وذلك على أن يكونَ تَعَالَى هو المُتَعَجِّبُ ومعنَى ذَلِكَ مِن اللَّه تعالى: أنه صفة فعل، ونحوه قوله صلّى الله عليه وسلّم:

«يَعْجَبُ اللَّهُ مِنَ الشّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» فإنَّما هِي عِبَارَةٌ عَمَّا يُظْهِرُهُ اللَّه- تعالى- في جِانِبِ المُتَعَجَّبِ مِنْهُ من التعظيمِ أو التحقير حَتَّى يصيرَ الناسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنه، قال الثعلبي: قال الحسينُ بن الفضل: التعجبُ من اللَّهِ إنكارُ الشيء، وتعظيمهُ وهو لغة العرب، انتهى.

وقوله: وَيَسْخَرُونَ أي: وهمْ يَسْخَرُونَ من نبوّتك.

وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)

وقوله: وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ يريدُ بالآية: العلامةَ والدلالة، ورُوِيَ أنَّها نزلتْ في رُكَانة وَهُوَ رَجُلٌ من المشركينَ من أهل مكة لقيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في جَبَلٍ خَالٍ وهُوَ يرعى غَنَماً له وكانَ أقوى أهْلِ زَمانِه، فقال له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَا رُكَانَةُ أَرَأَيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أَتُؤْمِنُ بِي؟

قال: نعم، فصرعه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثَلاَثاً، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آيَاتٍ مِنْ دُعَاءِ شجرة وإقبالها،

ونَحْوَ ذَلك مما اخْتَلَفَتْ فيه ألفاظُ الحديثِ، فَلَمَّا فَرَغَ ذلكَ لَم يُؤْمِنْ، وجاءَ إلى مَكَّةَ، فَقَالَ: يَا بني هَاشِمٍ، سَاخِرُوا بِصَاحِبِكُمْ أَهْلَ الأرضِ، فنزلَتْ هذه الآية فيه وفي نظرائه، ويَسْتَسْخِرُونَ قال مجاهد وقتادة: معناه: يَسْخَرُونَ «١» ، ثم أمر تعالى نبيَّه أن يُجِيبَ تَقْرِيرَهُمْ واستفهامهم عَنِ البَعْثِ ب نَعَمْ، وأن يزيدَهُمْ في الجواب، أنَّهُمْ معَ البعث في صَغَارٍ وذلَّةٍ واستكانةٍ، والدَّاخِرُ: الصَّاغِرُ الذليلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بيانهُ غيرَ ما مَرَّةٍ، والزَّجْرَةُ الواحدةُ: هِيَ نَفْخَةُ البَعْثِ، قال العراقيّ: الزّجرة: الصّيحة بانتهار، انتهى.

والدِّينِ:

الجزاءُ، وأجمَع المفسِّرُونَ على أن قولَه تعالى: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ لَيْسَ هو من قولِ الكَفَرَةِ وإنما المعنى: يُقَالُ لهُم.

وقوله: وَأَزْواجَهُمْ معناه: أنوَاعُهُم وضُرَباؤهم قاله عمر وابن عبّاس وقتادة «٢» ، ومعهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ آدَمِيٍّ رَضِيَ بذلكَ، ومن صَنَمٍ وَوَثَنٍ توبيخاً لهم وإظهاراً لِسُوءِ حالهم، وقال الحسنُ: أَزْواجَهُمْ نساؤهم المشركاتُ: وقاله ابن عباس أيضاً «٣» .

وقوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ معناه: قَدِّمُوهم واحملوهم على طريق الجحيم، ثم يأمر اللَّهُ تعالى بوقوفهم- على جِهَةِ التَّوْبِيخِ لهم- والسؤال، قال جمهور المفسرين: يُسْأَلُونَ عن أعمالهم ويُوقَفُونَ على قُبْحِها، وقد تقدَّم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ ...

» الحديثَ، قال ع «٤» : ويَحْتَمِلُ عندي أنْ يكونَ المعنى على نحوِ ما فسّره تعالى بقوله: ما لَكُمْ لا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَفْتِهِمْ ﴾ أيْ: فَسَلْهم سُؤالُ تَقْرِيرٍ ﴿ أهم أشَدُّ خَلْقًا ﴾ أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً ﴿ أمْ مَن خَلَقْنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أمْ مَن عَدَدْنا خَلْقَهُ مِنَ المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ والسَّمَواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّانِي: أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمَعْنى إنَّهم لَيْسُوا بِأقْوى مِن أُولَئِكَ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ، فَما الَّذِي يُؤْمِّنُ هَؤُلاءِ؟!

ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ النّاسِ فَقالَ: ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لاصَقٌ لازِمٌ، والباءُ تُبْدَلُ مِنَ المِيمِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الطِّينُ الحُرُّ الجَيِّدُ اللَّزِقُ.

وقالَ غَيْرُهُ: هو الطِّينُ الَّذِي يَنْشُفُ عَنْهُ الماءُ وتَبْقى رُطُوبَتُهُ في باطِنِهِ فَيُلْصَقُ بِاليَدِ كالشَّمْعِ.

وهَذا إخْبارٌ عَنْ تَساوِي الأصْلِ في خَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن قَبْلَهُمْ؛ فَمَن قَدَرَ عَلى إهْلاكَ الأقْوِياءِ، قَدَرَ عَلى إهْلاكِ الضُّعَفاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ﴾ "بَلْ" مَعْناهُ: تَرَكُ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الكَلامِ الآَخَرِ، كَأنَّهُ قالَ: دَعْ يا مُحَمَّدُ ما مَضى.

وَفِي "عَجِبْتَ" قِراءَتانِ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "بَلْ عَجِبْتَ" بِفَتْحِ التّاءِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ، والنَّخْعِيُّ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في آَخَرِينَ: "بَلْ عَجِبْتُ" بِضَمِّ التّاءِ، [واخْتارَها الفَرّاءُ] .

فَمَن فَتْحَ، أرادَ: بَلْ عَجِبْتَ يا مُحَمَّدُ، ﴿ وَيَسْخَرُونَ ﴾ هم.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: أنْتَ تَعْجَبُ مِنهُمْ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ.

وفي ما عَجِبَ مِنهُ قَوْلانِ، أحَدُهُما: مِنَ الكَفّارِ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآَنِ، والثّانِي: إذْ كَفَرُوا بِالبَعْثِ.

ومَن ضَمَّ، أرادَ الإخْبارَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ عَجِبَ، قالَ الفَرّاءُ؛ وهي قِراءَةُ عَلَيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وهي أحَبُّ إلَيَّ؛ وقَدْ أنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْمٌ، مِنهم شُرَيْحٌ القاضِي، فَإنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْجَبُ، إنَّما يَعْجَبُ مَن لا يَعْلَمُ قالَ الزَّجّاجُ: وإنْكارُ هَذِهِ القِراءَةِ غَلَطٌ لِأنَّ العَجَبَ مِنَ اللَّهِ خِلافُ العَجَبِ مِنَ الآَدَمَيِّينِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَيَمْكُرُ اللَّهُ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ  ﴾ ، وأصِلُ العَجَبَ في اللُّغَةِ: أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى ما يُنْكِرُهُ ويَقِلُّ مَثَلُهُ، قالَ: قَدْ عَجِبَتُ مِن كَذا، وكَذَلِكَ إذا فَعَلَ الآَدَمِيُّونَ ما يُنْكِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، جازَ أنْ يَقُولَ: عَجِبْتُ، واللَّهُ قَدْ عَلِمَ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: جازَيْتُهم عَلى عَجَبِهِمْ مِنَ الحَقِّ، فَسَمّى الجَزاءَ عَلى الشَّيْءِ بِاسْمِ الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ الجَزاءُ، فَسَمّى فِعْلَهُ عَجَبًا ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ المُتَعَجِّبَ يُدْهَشُ ويَتَحَيَّرُ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ سُمِّيَ تَعْظِيمُ الثَّوابِ عَجَبًا، لِأنَّهُ إنَّما يَتَعَجَّبُ مِنَ الشَّيْءِ إذا كانَ في النِّهايَةِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الفِعْلَ بِاسْمِ الفِعْلِ إذا داناهُ مِن بَعْضِ وُجُوهِهِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُ في أكْثَرِ مَعانِيهِ قالَ عَدِيٌّ: ثُمَّ أضْحَوْا لَعِبَ الدَّهْرُ بِهِمْ [وَكَذَلِكَ الدَّهْرُ يُودِي بِالرِّجالِ] فَجَعَلَ إهْلاكَ الدَّهْرِ وإفْسادِهِ لَعِبًا.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن ضَمِّ التّاءِ، فالمَعْنى: بَلْ عَظُمَ عِنْدِي وكَبُرَ اتِّخاذُهم لِي شَرِيكًا وتَكْذِيبُهم تَنْزِيلِي.

وقالَ غَيْرُهُ: إضافَةَ العَجَبِ إلى اللَّهِ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: بِمَعْنى الإنْكارِ والذَّمِّ، كَهَذِهِ الآَيَةِ، والثّانِي: بِمَعْنى الِاسْتِحْسانِ والإخْبارِ عَنْ تَمامِ الرِّضى، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "عَجِبَ رَبُّكَ مِن شابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ"» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ﴾ أيْ: إذا وعَظُوا بِالقُرْآَنِ لا يَذَّكَّرُونَ ولا يَتَّعِظُونَ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ: "ذَكَّرُوا" بِتَخْفِيفِ الكافِ.

﴿ وَإذا رَأوْا آيَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ ﴿ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَسْخِرُونَ ويَسْخَرُونَ سَواءٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، كَما يُقالُ: قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْألُونَ غَيْرَهم مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَسْخَرُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ، كَما يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: سَألْتُهُ العُتْبى، واسْتَوْهَبْتُهُ، أيْ: سَألْتُهُ الهِبَةَ، واسْتَعْفَيْتُهُ: سَألْتُهُ العَفْوَ.

﴿ وَقالُوا إنْ هَذا ﴾ يَعْنُونَ انْشِقاقَ القَمَرِ ﴿ إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: بَيَّنَ لِمَن تَأمَّلَهُ أنَّهُ سِحْرٌ.

﴿ أإذا مِتْنا ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُ [هَذِهِ] الآَيَةِ [مَرْيَمَ: ٦٦] .

﴿ أوَآباؤُنا ﴾ هَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ أوَأمِنَ أهْلُ القُرى  ﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أوْ آَباؤُنا الأوَّلُونَ" بِسُكُونِ الواوِ هاهُنا وفي [الواقِعَةِ: ٤٨] .

﴿ قُلْ نَعَمْ ﴾ أيْ: نَعَمَ تُبْعَثُونَ ﴿ وَأنْتُمْ داخِرُونَ ﴾ أيْ: صاغِرُونَ.

﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ أيْ: فَإنَّما قِصَّةُ البَعْثِ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ، وهي نَفْخَةُ البَعْثِ، وسُمِّيَتْ زَجْرَةً، لِأنَّ مَقْصُودَها الزَّجْرُ ﴿ فَإذا هم يَنْظُرُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: يَحْيَوْنَ ويُبْعَثُونَ بُصَراءَ يَنْظُرُونَ، فَإذا عايَنُوا بَعْثَهُمْ، ذَكَرُوا إخْبارَ الرُّسُلِ عَنِ البَعْثِ، ﴿ وَقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَوْمَ الحِسابِ والجَزاءِ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ أيْ: يَوْمَ القَضاءِ الَّذِي يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ؛ ويَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَئِذٍ لِلْمَلائِكَةِ ﴿ احْشُرُوا ﴾ أيِ: اجْمَعُوا ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ مِن حَيْثُ هُمْ، وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ظالِمٍ.

وفي أزْواجِهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أمْثالُهم وأشْباهُهُمْ، وهو قَوْلُ عُمْرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ، ومُجاهِدٌ في آَخَرِينَ.

ورُوِيَ عَنْ عُمْرَ قالَ: يَحْشُرُ صاحِبُ الرِّبا مَعَ صاحِبِ الرِّبا، وصاحِبُ الزِّنا مَعَ صاحِبِ الزِّنا، وصاحِبُ الخَمْرِ مَعَ صاحِبِ الخَمْرِ.

والثّانِي: أنَّ أزْواجَهُمُ: المُشْرِكاتُ.

قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أشْياعُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أضَلُّوهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: الأصْنامُ.

قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: إبْلِيسٌ وحْدَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الشَّياطِينُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ.

[ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: دَلُّوهم عَلى طَرِيقِها؛ والمَعْنى: اذْهَبُوا بِهِمْ إلَيْها.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: هَدَيْتُ الرَّجُلَ: إذا دَلَلْتُهُ، وهَدَيْتُ العَرُوسَ إلى زَوْجِها، وأهْدَيْتُ الهَدِيَّةَ، فَإذا جَعَلْتَ العَرُوسَ كالهَدِيَّةِ، قُلْتَ: أهْدَيْتُها] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ ﴾ أيِ: احْبِسُوهم ﴿ إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا سِيقُوا إلى النّارِ حُبِسُوا عِنْدَ الصِّراطِ، لِأنَّ السُّؤالَ هُناكَ.

وفي هَذا السُّؤالِ سِتَّةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم سُئِلُوا عَنْ أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ في الدُّنْيا.

الثّانِي: عَنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رُوِيا جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: عَنْ خَطاياهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: سَألَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: ﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ  ﴾ ونَحْوُ هَذا، قالَهُ مُقاتِلٌ والخامِسُ: أنَّهم يَسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والسّادِسُ: أنَّ سُؤالَهم قَوْلُهُ: ﴿ ما لَكم لا تَناصَرُونَ ﴾ ؟!، [ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ] .

قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما لَكم لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا؟!

وهَذا جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ  ﴾ ، فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ تَوْبِيخًا.

والمُسْتَسْلِمُ: المُنْقادُ الذَّلِيلُ؛ والمَعْنى أنَّهم مُنْقادُونَ لا حِيلَةَ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِينِ ﴾ ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ ﴿ ما لَكم لا تَناصَرُونَ ﴾ ﴿ بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ جَرَّهُ ما قَبْلَهُ، فَأخْبَرَ تَعالى أنْ بَعَثَهم مِن قُبُورِهِمْ إنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، وهي نَفْخَةُ البَعْثِ في الصُورِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "يَنْظُرُونَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالأبْصارِ، أيْ: يَنْظُرُونَ ما هم فِيهِ، وصَدْقَ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ ويُؤْمَرُونَ بِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عنهم أنَّهم في تِلْكَ الحالِ يَقُولُونَ: ﴿ "يا ويْلَنا"، ﴾ يُنادُونَ الوَيْلَ، بِمَعْنى: هَذا وقْتُ حُضُورِكَ وأوانُ حُلُولِكَ.

ورَوى أبُو حاتِمٍ الوَقْفَ هاهُنا، وجَعِلَ قَوْلَهُ: ﴿ هَذا يَوْمُ الدِينِ ﴾ مِن قَوْلِ اللهِ أوِ المَلائِكَةِ لَهُمْ، ورَأى غَيْرُهُ أنَّ باقِيَ الآيَةِ مِن قَوْلِ الكَفَرَةِ.

و"الدِينُ" الجَزاءُ والمُقارَضَةُ، كَقَوْلِهِمْ: "كَما تَدِينُ تُدانُ"، وأجْمَعُوا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ لَيْسَ مِن قَوْلِ الكَفَرَةِ، وإنَّما المَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأزْواجَهُمْ" ﴾ يَعْنِي: وأنْواعَهم وضُرَباءَهُمْ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ  ﴾ أيْ: نُوِّعَتْ، ورُوِيَ أنَّهُ يُضَمُّ عِنْدَ هَذا الأمْرِ كُلُّ شَكْلٍ إلى شَكْلِهِ، وكُلُّ صاحِبٍ مِنَ الكَفَرَةِ إلى صاحِبِهِ، ومَعَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ، مِن آدَمِيٍّ رَضِيَ بِذَلِكَ ومِن صَنَمٍ أو وثَنٍ تَوْبِيخًا لَهم وإظْهارًا لِسُوءِ حالِهِمْ.

وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: وأزْواجَهُمُ المُشْرِكاتِ مِنَ النِساءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورَجَّحَهُ الرُمّانِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فاهْدُوهُمْ" ﴾ مَعْناهُ: قَوِّمُوهم واحْمِلُوهم عَلى طَرِيقِ الجَحِيمِ، و"الجَحِيمُ" طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ يُقالُ إنَّها الرابِعَةُ، ثُمَّ يَأْمُرُ تَعالى بِوَقْفِهِمْ، ووَقَفَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، تَقُولُ: "وَقَفْتُ زَيْدًا"، وأمْرُهُ بِذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم والسُؤالِ، واخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي يُسْألُونَ عنهُ، فَرُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: يُسْألُونَ: هَلْ يُحِبُّونَ شُرْبَ الماءِ البارِدِ؟

وهَذا عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَسْألُونَ عن لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: عن أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها، وهَذا قَوْلٌ مُتَّجَهٌ عامٌّ في الهَزْءِ وغَيْرِهِ، ورَوى أنَسُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أيُّما رَجُلٍ دَعا رَجُلًا إلى شَيْءٍ كانَ لازِمًا لَهُ"، وقَرَأ: ﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ »، ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ مِن بَيْنِ يَدَيِ اللهِ تَعالى حَتّى يَسْألَهُ عن خَمْسٍ: عن شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعن مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَمّا عَمِلَ فِيما عَلِمَ"،» ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما لَكم لا تَناصَرُونَ ﴾ ، أيْ: تُسْألُونَ عَنِ امْتِناعِ التَناصُرِ.

وقَرَأ بِتاءٍ واحِدَةٍ شَيْبَةُ، ونافِعٌ، وقَرَأ خالِدٌ بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ في حَرْفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ بِإدْغامِ التاءِ في التاءِ مِن قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هَذا جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ: ﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ  ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِجَوابِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ في حالَةِ الِاسْتِسْلامِ والإلْقاءِ بِاليَدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تخلُّص من الإِنذار بحصول البعث إلى الإِخبار عما يحلّ بهم عقبه إذا ثبتوا على شركهم وإنكارهم البعث والجزاء.

و ﴿ احْشُرُوا ﴾ أمر، وهو يقتضي آمراً، أي ناطقاً به، فهذا مقول لقول محذوف لظهور أنه لا يصلح للتعلق بشيء مما سبقه، وحَذْفُ القول من حديث البحر، وظاهر أنه أمر من قبل الله تعالى للملائكة الموكّلين بالناس يوم الحساب.

والحشر: جمع المتفرقين إلى مكان واحد.

و ﴿ الذين ظلموا ﴾ : المشركون ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13].

والأزواج ظاهره أن المراد به حلائلهم وهو تفسير مجاهد والحسن.

وروي عن النعمان بن بشير يرويه عن عمر بن الخطاب وتأويله: أنهن الأزواج الموافقات لهم في الإِشراك، أما من آمن فهن ناجيات من تبعات أزواجهن وهذا كذكر أزواج المؤمنين في قوله تعالى: ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ [يس: 56] فإن المراد أزواجهم المؤمنات فأطلق حملاً على المقيّد في قوله: ﴿ ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ﴾ [الرعد: 23] وذكر الأزواج إبلاغ في الوعيد والإِنذار لئلا يحسبوا أن النساء المشركات لا تبعة عليهن.

وذلك مثل تخصيصهن بالذكر في قوله تعالى: ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ في سورة [البقرة: 178].

وقيل: الأزواج: الأصناف، أي أشياعهم في الشرك وفروعه قاله قتادة وهو رواية عن عمر بن الخطاب وابن عباس.

وعن الضحاك: الأزواج المقارنون لهم من الشياطين.

وضمير ﴿ يَعْبُدُونَ ﴾ عائد إلى ﴿ الذين ظلموا وأزواجَهُم ﴾ .

ومَا صدَقُ ﴿ ما ﴾ غير العقلاء، فأما العقلاء فلا تزِرُ وازرة وزر أخرى.

والضمير المنصوب في ﴿ فَاهْدُوهُم ﴾ عائد إلى ﴿ الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله، ﴾ أي الأصنام.

وعطف ﴿ فَاهدُوهُم ﴾ بفاء التعقيب إشارة إلى سرعة الأمر بهم إلى النار عقب ذلك الحشر فالأمر بالأصالة في القرآن.

والهداية والهَدي: الدلالة على الطريق لمن لا يعرفه، فهي إرشاد إلى مرغوب وقد غلبت في ذلك، لأن كون المهديّ راغباً في معرفة الطريق من لوازم فعل الهداية ولذلك تقابل بالضلالة وهي الحيرة في الطريق، فذكر ﴿ اهدوهم ﴾ هنا تهكّم بالمشركين، كقول عمرو بن كلثوم: قريناكم فعجلنا قراكم *** قُبيل الصبح مِرادة طَحونا والصراط: الطريق، أي طريق جهنم.

ومعنى: ﴿ وَقِفُوهُم ﴾ أمر بإيقافهم في ابتداء السير بهم لما أفاده الأمر من الفور بقرينة فاء التعقيب التي عطفته، أي احبسوهم عن السير قَليلاً ليُسألوا سؤال تأييس وتحقير وتغليظ، فيقال لهم: ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ ، أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً فيدفع عنه الشقاء الذي هو فيه، وأين تناصركم الذي كنتم تتناصرون في الدنيا وتتألبون على الرسول وعلى المؤمنين.

فالاستفهام في ﴿ ما لكم لا تناصرونَ ﴾ مستعمل في التعجيز مع التنبيه على الخطأ الذي كانوا فيه في الحياة الدنيا.

[ وجملة ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ مبيّنة لإبهام ﴿ مَسْؤُولُونَ ﴾ وهو استفهام مستعمل في التعجيب للتذكير بما يسوءهم، فظهر أن السؤال ليس على حقيقته وإنما أريد به لازمه وهو التعجيب، والمعنى: أيّ شيء اختص بكم، ف ﴿ ما الاستفهامية مبتدأ ولكم ﴾ خبر عنه.

وجملة ﴿ لا تَنَاصَرُونَ ﴾ حال من ضمير ﴿ لكم ﴾ وهي مناط الاستفهام، أي أن هذه الحالة تستوجب التعجب من عدم تناصركم.

وقرأ الجمهور ﴿ لاَ تَنَاصَرُونَ ﴾ بتخفيف المثناة الفوقية على أنه من حذف إحدى التاءين.

وقرأه البَزِّي عن ابن كثير وأبو جعفر بتشديد المثناة على إدغام إحدى التاءين في الأخرى.

والإِضراب المستفاد من ﴿ بَل ﴾ إضراب لإِبطال إمكان التناصر بينهم وليس ذلك مما يتوهمه السمع، فلذلك كان الإِضراب تأكيداً لما دل عليه الاستفهام من التعجيز.

والاستسلام: الإِسلام القوي، أي إسلام النفس وترك المدافعة فهو مبالغة في أسلم.

وذكر ﴿ اليَوْمَ ﴾ لإِظهار النكاية بهم، أي زال عنهم ما كان لهم من تناصر وتطاول على المسلمين قبل اليوم، أي في الدنيا إذ كانوا يقولون: ﴿ نحن جميع منتصر ﴾ [القمر: 44] وقد قالها أبو جهل يوم بدر، أي نحن جماعة لا تغلب فكان لذكر اليوم وقع بديع في هذا المقام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَوْمُ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَوْمُ الجَزاءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَوْمُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ.

الثّانِي: هُمُ الشُّرَطُ، حَكاهُ الثَّوْرِيُّ.

الثّالِثُ: هم كُلُّ مَن تَعَدّى عَلى الخالِقِ والمَخْلُوقِ.

وَفِي ﴿ وَأزْواجَهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أشْباهُهم فَيُحْشَرُ صاحِبُ الزِّنى مَعَ صاحِبِ الزِّنى، وصاحِبُ الخَمْرِ مَعَ صاحِبُ الخَمْرِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّانِي: قُرَناؤُهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أشْياعُهم، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَكَبا الثَّوْرُ في وسِيلٍ ورَوْضٍ مُونِقِ النَّبْتِ شامِلِ الأزْواجِ الرّابِعُ: نِساؤُهُمُ المُوافِقاتُ عَلى الكُفْرِ، رَواهُ النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إبْلِيسُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الثّانِي: الشَّياطِينُ، وهو مَأْثُورٌ.

الثّالِثُ: الأصْنامُ، قالَهُ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ.

﴿ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ طَرِيقِ النّارِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاهْدُوهُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَدُلُّوهم، قالَهُ ابْنُ.

...

الثّانِي: فَوَجِّهُوهم، رَواهُ مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ.

الثّالِثُ: فادْعُوهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ أيِ احْبُسُوهم عَنْ دُخُولِ النّارِ.

﴿ إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: عَمّا دُعُوا إلَيْهِ مِن بِدْعَةٍ، رَواهُ أنَسٌ مَرْفُوعًا.

الثّالِثُ: عَنْ وِلايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَكاهُ أبُو هارُونَ العَبْدِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ.

الرّابِعُ: عَنْ جُلَسائِهِمْ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ زِيادَةَ.

الخامِسُ: مُحاسَبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّادِسُ: مَسْؤُولُونَ.

﴿ ما لَكم لا تَناصَرُونَ ﴾ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لَهم، وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: لا يَمْنَعُ بَعْضُكم بَعْضًا مِن دُخُولِ النّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: لا يَتَّبِعُ بَعْضُكم بَعْضًا في النّارِ يَعْنِي العابِدَ والمَعْبُودَ، قالَهُ قَتادَةُ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا كانُوا مَسْؤُولِينَ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿ فاهْدُوهُمْ ﴾ الآيَةَ؟

قِيلَ: لِأنَّ هَذا تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ فَكانَ نَوْعًا مِنَ العَذابِ فَلِذَلِكَ صارَ بَعْدَ الأمْرِ بِالعَذابِ.

قالَ مُجاهِدٌ: ولا تَزُولُ مِن بَيْنِ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى قَدَمُ عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خِصالٍ أرْبَعٍ: عُمُرُهُ فِيمَ أفْناهُ، وجَسَدُهُ فِيمَ أبْلاهُ، ومالُهُ مِمَّ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعِلْمُهُ ما عَمِلَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقفوهم إنهم مسئولون ﴾ قال: احبسوهم إنهم محاسبون.

وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي والدارمي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفاً يوم القيامة لازماً به لا يفارقه، وإن دعا رجل رجلاً.

ثم قرأ ﴿ وقفوهم إنهم مسئولون ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر عن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقفوهم إنهم مسئولون ﴾ قال: يقفون يوم القيامة حتى يسألوا عن أعمالهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عثمان بن زائدة رضي الله عنه قال: كان يقال أن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة عن جلسائه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ ﴾ يقال: وقفت الدابة أقفها وقفاً فوقفت هي وقوفًا (١) (٢) وقال الكلبي: وقفوا قبل ذلك وحوسبوا حين قدموا على الله (٣) قال المفضل (٤) وقال مقاتل: فلما سيقوا إلى النار حبسوا (٥) (٦) (٧) ﴿ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾ قال ابن عباس: عن أعمالهم في الدنيا وأقاويلهم (٨) وقال مقاتل (٩) ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ (١٠) ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴾ أي: أنهم مسؤولون توبيخًا لهم فيقال: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴾ (١١) قال ابن عباس: لا ينصر بعضكم بعضًا كما كنتم في الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر، فقيل لهم ذلك اليوم: ما لكم غير متناصرين (١٢) وقال مقاتل (١٣) (١) انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 333 (وقف)، "مقاييس اللغة" ص 1101 (وقف).

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.

(٣) انظر: "القرطبي" 15/ 74.

(٤) لم أقف على قول المفضل.

(٥) "تفسير مقاتل" 110 ب.

(٦) في (أ): (كانوا)، وهو خطأ.

(٧) في (أ): (وقفوهم السؤال)، وهو خطأ.

(٨) انظر: "البغوي" 4/ 25، "القرطبي" 15/ 74، "زاد المسير" 7/ 53.

(٩) "تفسير مقاتل" 110 ب.

(١٠) قوله: (ألم يأتكم رسل منكم) غير مثبت في (أ)، وعدم إثباته خطأ.

(١١) سقط من (أ) قوله: (لا).

(١٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 240 ب، "البغوي" 4/ 25، "القرطبي" 15/ 74.

(١٣) "تفسير مقاتل" 110 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ﴾ يعني إنهم يسألون عن أعمالهم، توبيخاً لهم وقيل: يسألون عن قول: لا إله إلا الله والأول أرجح، لأنه أهم ويحتمل أن يسألوا عن عدم تناصرهم، على وجه التهكم بهم، فيكون ﴿ مَّسْئُولُونَ ﴾ عاملاً فيما بعده والتقدير؛ يقال لهم: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً وقد كنتم في الدنيا تقولون: ﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴾ [القمر: 44] ﴿ مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ أي منقادون عاجزون عن الانتصار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والصافات صفاً ﴾ وما بعدهما مدغماً: حمزة وأبو عمرو غير عباس ﴿ بزينة ﴾ منوناً: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ الكواكب ﴾ بالنصب: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالجر ﴿ لا يسمعون ﴾ بتشديد السين والميم وأصله "يتسمعون": حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم.

﴿ بل عجبت ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالفتح على الخطاب ﴿ آيذا ﴾ بالمد والياء ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة مكسورة: يزيد وقالون وزيد.

الباقون: مثل التي في "الرعد" وأما الثانية فمثل التي في "الرعد" ﴿ أو آباؤنا ﴾ مثل ﴿ أو أمن أهل القرى  ﴾ وكذلك في "الواقعة" ﴿ لا تناصرون ﴾ بالتشديد البزي وابن فليح ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئنك ﴾ ﴿ أئفكا ﴾ مثل ﴿ ائنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ ينزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الآخرون: بفتح الزاي ﴿ لترديني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ صفا ﴾ ه لا ﴿ زجراً ﴾ ه لا ﴿ لواحد ﴾ ه ط ﴿ المشارق ﴾ ه ط ﴿ الكواكب ﴾ ه لا ﴿ مارد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي.

وعليه بحث يجيء في التفسير ﴿ واصب ﴾ ه لا ﴿ ثاقب ﴾ ه ج ﴿ خلقنا ﴾ ط ﴿ لازب ﴾ ه ﴿ ويسخرون ﴾ ه ص ﴿ لا يذكرون ﴾ ه ص ﴿ يستسخرون ﴾ ه ص ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأوّلون ﴾ ه ط ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ مسؤولون ﴾ ه لا لأن المسؤول عنه قوله ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ ه ﴿ مستسلمون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج ﴿ سلطان ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ لذائقون ﴾ ه ﴿ غاوين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ يستكبرون ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ط ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ الأليم ﴾ ه ج ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ فواكه ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ مكرمون ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ج ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ للشارين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ ينزفون ﴾ ه ﴿ عين ﴾ ط ﴿ مكنون ﴾ ج ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ المصدّقين ﴾ ه ﴿ لمدينون ﴾ ه ﴿ مطلعون ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ لتردين ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ بميتين ﴾ ه لا ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ الزقوم ﴾ ه ﴿ للظالمين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة لشجرة ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ البطون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ج ﴿ ضالين ﴾ ه لا للعطف مع اتصال المعنى ﴿ يهرعون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ المجيبون ﴾ ه ز ﴿ العظيم ﴾ ه ز ﴿ الباقين ﴾ ه ز ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ في أوّل هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مرّ في أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله  ، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف.

قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، الا ترى أن التاء والصاد هما من طرف اللسان وأوصل الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟

وأيضاً الزاي مجهورة وفيها زيادة صفير.

ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثاً لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة.

وأما التقدير الأوّل ففيه وجوه الأوّل: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله  .

والصف ترتيب الشيء على نسق.

الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين.

قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفاً أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة.

والزجر سوق السحاب.

قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب.

وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم.

والتاليات الذين يتلون كتاب الله على الأبنياء.

والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية.

الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها.

أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً  ﴾ والزجرة والصيحة سواء.

والمراد رفع الصوت بزجر الخيل.

وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله.

يحكى عن علي بن أبي طالب  أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دماً فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء.

الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، وكلها مترتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات.

وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال: شعر شاعر.

والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه.

ويحتمل وإن لم يذكره جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله: الصابح فالغانم فالآيب *** كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب.

مثاله المصلون يقفون أوّلاً صفوفاً ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة.

وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات متغايرة؛ فالصافات الطير من قوله ﴿ والطير صافات  ﴾ والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله.

أو الصافات طائفة من الملائكة أو من الأشخاص الإِنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى.

وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه.

والفاء على هذه المعاني لترتب الموصوفات في الفضل.

ثم إنه  لو يقتصر في إثبات التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق ﴾ فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها.

وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ .

ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية الحفظ من الشيطان.

والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة لما تلاق به الدواة.

ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله  الكواكب وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط التي تنظم طائفة منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني عشر.

وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما يروق الناظر، ويجوز أن يقع ﴿ الكواكب ﴾ بياناً للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة.

ويجوز أن يراد بالزينة ما زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء.

ومن قرأ باتنوين ﴿ زينة ﴾ وجر ﴿ الكواكب ﴾ فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين ﴿ زينة ﴾ ونصب ﴿ الكواكب ﴾ فعلى أنه بدل من محل ﴿ بزينة ﴾ أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة.

قوله ﴿ وحفظاً ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه محمول على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين.

وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظاً من كل شيطان زيناها بالكواكب.

وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم.

تقول: افعل ذلك كرامة أي وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: وحفظناها حفظاً.

قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله الكواكب في زمن محمد  بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء في إصغائهم.

قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبحرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه.

وأيضاً إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟

وأيضاً مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟

والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضاً كالنادر.

فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان ناراً صرفاً، ولكن الناري غالب عليه.

ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن الله.

والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق.

والضمير في قوله ﴿ لا يسمعون ﴾ لكل شيطان لأنه في معنى الجمع.

والتسمع تكلف السماع سمع أو لم سمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى.

وقيل: معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي.

قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن يكون استئنافاً لأن سائلاً لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟

فأجيب بأنهم لا يسمعون.

لم يستقم فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع.

قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان مستأنفاً كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا.

ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم "أن" وأهدر عملها كما في قول القائل: ألا ايهذا الزاجري أحضر الوغى *** ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك "جئتك أن تكرمني" وحذف "أن" في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات.

قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضاً لا يصح إلا بتقدير اللام أو "من" مع "أن".

والملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات.

وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة.

وعنه: الكتبة من الملائكة.

والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجراً.

وقوله ﴿ من كل جانب ﴾ أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب.

وقيل: من كل الجوانب.

﴿ دحوراً ﴾ أي طرداً مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران كأنه قيل: يقذفون قذفاً أو يدحرون دحوراً.

ويجوز أن يكون مفعولاً له اي لأجل الدحور أو مصدراً في موضع الحال أي مدحورين كقوله ﴿ مذموماً مدحوراً  ﴾ ﴿ ولهم ﴾ أي للشياطين ﴿ عذاب واصب ﴾ دائم وقد مر في النحل في قوله ﴿ وله الدين واصباً  ﴾ يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب غير منقطع ﴿ إلا من خطف ﴾ في محل الرفع بدلاً من الواو في ﴿ لا يسمعون ﴾ أي لا يسمع إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة.

وقيل: وثب وثبة.

وقيل: الاستثناء منقطع خبره ﴿ فأتبعه ﴾ أي أتبعه ورمى في أثره ﴿ شهاب ثاقب ﴾ مضيء أو ماض فإذا قذفوا احترقوا.

وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون.

وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك.

وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة.

وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأوّل أن يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر فيقدر في الحالة الثانية.

أما الطريق الأوّل فاشار إليه بقوله ﴿ فاستفتهم ﴾ أي سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم.

وقيل: اراد عاداً وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية.

والقول الأول اقوى بدليل فاء التعقيب ولإطلاق قوله ﴿ خلقنا ﴾ إكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق، ومن هان عليه هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون.

وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ أي لازم والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين الحر.

وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن.

ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم يكن قابلاً للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أوّلاً فلا يبقى ريب في قبولها ثانياً، وقادرية الله  باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها.

وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق الأوّل، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة.

ثم بين أنهم مع قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال ﴿ بل عجبت ﴾ من قرأ بفتح التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث ﴿ و ﴾ هم ﴿ يسخرون ﴾ من تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه.

ومن قرأ بالضم فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام الشيء.

وقيل: هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء.

وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل عجبت.

سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله  غير منكر.

سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه  محمولة على النهايات كالمكر والاستهزاء والمعنى: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم  ﴾ .

عند من يرى أن العجب من الله.

وقد جاء في الحديث "يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة" .

وقال أيضاً: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته" .

والألّ التضرع.

ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون.

﴿ وإذا رأوا آية ﴾ بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات ﴿ يستسخرون ﴾ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر.

فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث.

قوله ﴿ أو آباؤنا ﴾ من قرأ بسكون الواو فمعطوف على محل اسم "أن"، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في ﴿ مبعوثون ﴾ وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى: أيبعث أيضاً آباؤنا؟

يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد.

وعلى الأوّل أرادوا إنكار أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله  بقوله ﴿ قل نعم ﴾ تبعثون ﴿ وأنتم داخرون ﴾ صاغرون أذلاء.

وإذا كان كذلك ﴿ فإنما هي ﴾ أي البعثة أو هو مبهم يوضحه خبره ﴿ زجرة ﴾ واحدة يعني صيحة النفخة الثانية ﴿ فإذا هم ينظرون ﴾ أراد أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم.

﴿ وقالوا يا ويلنا ﴾ الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله ﴿ تكذبون ﴾ يقوله الكفرة فيما بينهم.

وقيل: إن كلامهم يتم عند قوله ﴿ يا ويلنا ﴾ ثم قال الله أو الملائكة ﴿ هذا يوم الدين ﴾ الجزاء والحساب ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ القضاء والفرق بين المحسن والمسيء ﴿ احشروا الذين ظلموا ﴾ بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم.

وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه بعد البعث اي اجمعوهم ﴿ وأزواجهم ﴾ أي أشكالهم الذي على دينهم وسيرتهم؛ الزاني مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب.

وقيل: قرناءهم من الشياطين.

وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم.

﴿ وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ من الأصنام ﴿ فاهدوهم ﴾ ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم ﴿ إلى صراط الجحيم ﴾ وسطها أو طريقها لأنه قال بعد ذلك ﴿ وقفوهم ﴾ اي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا تهكماً وتوبيخاً بالعجز عن التناصر ﴿ ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ﴾ قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله.

وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة.

ثم حكى أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم ﴿ قالوا ﴾ لرؤسائهم ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعاً وعرفاً.

كان رسول الله يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيآت، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح.

فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصدّه عنه وأضله.

قال جار الله: من المجاز ما غلب عليه الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير.

ثم صار قولك "أتاه عن اليمين" مجازاً في المعنى المذكور.

الثاني: أن يقال: فلان يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم.

الثالث: اليمين الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم.

الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع البطش غالباً أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال.

وكما أن الضمير في ﴿ قالوا ﴾ الأول كان عائداً إلى الأتباع بقرينة الخطاب، فالضمير في ﴿ قالوا ﴾ الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة.

والمعنى بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا.

﴿ وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً ﴾ مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم  ﴾ ﴿ فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ﴾ قال مقاتل: أراد قوله: ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في العذاب وكان خبر الله حقاً فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب.

قال جار الله: لو حكى الوعيد كما هو لقال "إنكم لذائقون" ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوين ﴾ أي أقدمنا على أغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب أغوائنا فغوايتنا إن كانت بسب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضاً من الله كما مر في قوله ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ هذا تفسير أهل السنة.

وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: ﴿ بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة ﴿ فأغويناكم ﴾ فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين فاردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا.

وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله ﴿ فإنهم ﴾ جميعاً ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم القيامة ﴿ في العذاب مشتركون ﴾ كما كانوا مشتركين في الغواية.

ولعل للمتبوعين عذاباً زائداً للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء ﴿ إنا كذلك ﴾ أي مثل ذلك الفعل ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم أي كافر بدليل قوله ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ يأبون من قبوله، والجملة الشرطية خبر "كان" وهو مع الاسم والخبر خبر "إن" وإن ألغيت "كان" فالخبر ﴿ يستكبرون ﴾ و"إذا" ظرفه.

﴿ ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ عنوا محمداً  بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوّة جميعاً فردّ عليهم بقوله ﴿ بل جاء ﴾ متلبساً ﴿ بالحق وصدّق المرسلين ﴾ وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم في قولهم ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة قائلاً ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال ﴿ وما تجوزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحققه صوناً للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة اشبه.

والسنيّ يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل.

قال جار الله ﴿ إلا عباد الله ﴾ استثناء منقطع أي لكن عباد الله ﴿ المخلصين أولئك لهم رزق ﴾ قلت: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف.

ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله ﴿ إنكم ﴾ للمكلفين جميعاً فيصح الاستثناء المتصل مطلقاً أي تذوقون العذاب الأليم.

قوله ﴿ معلوم ﴾ قيل: أي معلوم الوقت كقوله ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر.

وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم.

وقيل: أراد أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع.

ثم فسر ذلك الرزق بأنه ﴿ فواكه ﴾ فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة.

وقيل: أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الطعام أولى بالحضور.

وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال ﴿ وهم مكرمون ﴾ إذ الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.

وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة جلوسهم فقال ﴿ في جنات النعيم على سرر متقابلين ﴾ وقد مر في "الحجر".

ثم وصف مشروبهم.

قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كاساً إلا إذا كان فيها خمر، وقد تسمى الخمر نفسها كأساً.

عن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر *** وكذا في تفسير ابن عباس: والمعين النهر الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء.

وقد يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جارياً قاله ثعلب.

وقيل: "فعيل" من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير أي بالغ فيه.

واشتدّ وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء.

وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن.

﴿ ولذة ﴾ إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي تأنيث.

اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال العقول.

يقال: غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وافسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ أي يسكرون.

وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر.

يقال: نزف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله.

والتركيب يدور على الفناء والنفاد ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء.

وأنزف مثله ومعناه صار ذا نزف.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ هو أن الشراب لا ينقطع عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار.

والأوّلون حملوه على المبالغة.

ثم وصف منكوحهم بقوله ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله ﴿ عرباً  ﴾ والعين جمع العيناء مؤنث الأعين وهو كبير العين.

ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، وذلك لأن فيها بياضاً يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور.

ثم عطف على قوله ﴿ يطاف ﴾ قوله قوله ﴿ فأقبل ﴾ وهو مضارع في المعنى إلا أنه على عادة الله  في الأخبار.

ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في تخاصم أهل النار.

والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة.

قال بعضهم: وما بقيت من اللذات إلا *** أحاديث الكرام على المدام وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ابتداء الحكاية ﴿ قال قائل منهم ﴾ أي من أهل الجنة ﴿ إني كان لي قرين ﴾ جليس أو شريك في الدنيا ﴿ يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ أي بيوم الدين ﴿ أئنا لمدينون ﴾ لمجزيون من دان يدين إذا جزى.

وقيل: لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه الحديث "الكيس من دان نفسه" وعن بعضهم: أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين  ﴾ ﴿ قال ﴾ يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ إلى النار اي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها.

عن ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ﴿ فاطلع ﴾ على أهل النار فرأى قرينه ﴿ في سواء الجحيم ﴾ وسطها ﴿ قال ﴾ لقرينه ﴿ تالله إن كدت لتردين ﴾ "إن" مخففة واللام فارقة.

والإرداء الإِهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدّي إلى الهلاك الحقيقي.

والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم  ﴾ إلى آخر الآية والله أعلم.

ثم شكر الله  على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل فقال ﴿ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ﴾ في النار مثلك أطلق إطلاقاً لأن الإِحضار يستعمل في الشر غالباً ولا سيما في اصطلاح القرآن.

وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قريناً له في الدنيا وهو الآن من أهل النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلاً ﴿ أفما نحن بميتين ﴾ وفيه قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أوّل دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب.

وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله  واغتباطاً بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول.

أفيدوم هذا لي؟

وإن كان على يقين من دوامه.

وايضاً إنه قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وليحكيه الله فيكون لنا لطفاً وزجراً.

احتج نفاة عذاب القبر بقوله ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ فإنه يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين.

وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾ يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعاً له وتوبيخاً وأن يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقاً لهم، وكذا قوله ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله عز وجل كأنه لما تمم قصة المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الزرق ﴿ خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ قال جار الله: أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل.

فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم والغم.

ويمكن أن يقال: النزل ما يقدّم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك.

وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة.

وقال غيره: إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ وذلك أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله  وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وقيل: إنما كانت فتنة لهم لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمداً يخوّفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر.

وذكروا أيضاً أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال: تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم.

وذكر بقية أوصاف الشجرة منها ﴿ إنها تخرج في أصل الجحيم ﴾ اي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.

وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر.

ومنها ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ قال جار الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك إذا كان يشبه الطلع شكلاً ولوناً.

وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال أحدها وهو الأقوى: إنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل النفوس إليه، وإذا كان الشيطان كله مستقبحاً فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في الجحيم.

الثاني أن الشيطان ههنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها أعراف ورؤوس قباح.

الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين.

الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة سود تكون حول مكة.

ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضاً يعود إلى الأول إلا أنه بعد التسمية كأنه صار أصلاً يشبه به.

ثم علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله ﴿ فإنهم لآكلون منها ﴾ أي من طلعها ﴿ فمالؤن منها البطون ﴾ أي بطونهم إما لأن شدّة الجوع تحملهم على تناول ذلك الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون باباً من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد الحرارة، وقد وصفه الله  في قوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه  ﴾ والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة ﴿ ومزاجه من تسنيم  ﴾ وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج بالحميم أو يسقون صديداً أو شراباً حاراً ممزوجاً بما هو أحر وهو الحميم.

ومعنى "ثم" التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلاً للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير.

قال مقاتل: معنى "ثم" في قوله ﴿ ثم إن مرجعهم ﴾ أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردّون إلى موضعهم أي من الجحيم فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار.

وقيل: هو كقولهم "فلان يرجع إلى مال ونعمة" أي هو فيها.

وقيل: "ثم" لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار.

وقيل: "ثم" مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم.

ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو التقليد.

والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقاً ولو لم يوجد في ذم التقليد إلا هذه الآية لكفى.

ثم اراد تسلية النبي  إجمالاً بقوله ﴿ ولقد ضل قبلهم ﴾ أي قبل قومك ﴿ أكثر الأوّلين ﴾ ثم استثنى من قوله ﴿ ولقد ضل ﴾ أو ﴿ من المنذرين ﴾ المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة.

ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلاً, وقدّم قصة نوح  لكونه أباً ثانياً ونداؤه في قوله ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ \[المؤمنون: 26\] أو قوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ واللام الداخلة على ﴿ نعم ﴾ جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في ﴿ فلنعم ﴾ دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقروناً بإجابة.

والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع الياس من إيمانهم وهذا أقرب.

وفي قوله ﴿ هم الباقين ﴾ بصيغة الحصر دلالة على أن كل ما سواه وسوى ذريته فقد فنوا.

روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذرّيته وهم سام وحام ويافث.

فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقاً وغرباً، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي ﴿ سلام على نوح ﴾ ومعنى ﴿ في العالمين ﴾ أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة.

ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسناً وهذا جزاء كل محسن.

ثم بين أن إحسانه كان مسبوقاً بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسناً.

وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال ﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ أعاذنا الله من الإغراق والإِحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمناً للنصر والفتوح.

التأويل: ﴿ والصافات ﴾ إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر ﴿ فالزاجرات ﴾ هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ هم الذين يذكرون الله في الخلوات بخلوص النيات.

رب سموات القلوب وأرض النفوس وما بينهما من صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد واقمار الطوالع ونجوم اللوامع.

السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية ﴿ طين لازب ﴾ أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام.

فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأوّلون أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف.

والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا االله فيسترها عليهم كما جاء ذكره في الحديث "إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم اي رب.

ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا!

وكذا!؟

فيقول: نعم.

ثم يقول: اي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم أي رب.

حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته" ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا موت، بل ينتقل من دار إلى دار.

﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ بل لمثل هذه الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر) على مثل ليلى يقتل المرء نفسه *** وإن بات من ليلى على اليأس والصدّ ثم أخبر بعد قصة الأولياء عن قصة الأعداء بقوله ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ وفي قوله ﴿ كأنه رؤوس الشياطين ﴾ دليل على أن أفعالهم كانت في قبح صفات الشياطين فكانت مكافأتهم من جنس صورة الشياطين ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ أنه  سلم على نوح الروح لأنه يحتاج إلى سلام الله ليعبر على الصراط المستقيم الذي هو أدقَ من الشعر وأحدّ من السيف، ولهذا يكون دعوة الرسل حينئذ رب "سلم سلم".

وإنما اختصوا بالصراط والعبور عليه ليؤدّوا الأمانة التي حملوها إلى أهلها وهو الله  وتعالى .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ﴾ .

قيل: هي السماوات والأرض والجبال، وقيل: الملائكة، وأكثرهم قالوا: قوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ﴾ ، أي: السماوات والأرض؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ...

﴾ الآية [غافر: 57]، يقول - والله أعلم -: سلهم أن خلقهم وإعادتهم أشدّ وأكبر وأعظم من خلق السماوات والأرض؟

وإذا أقررتم أنتم بقدرته على خلق السماوات والأرض كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم بعد ما متم، وكنتم تراباً ورفاتاً؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ ﴾ و ﴿ سَلْهُمْ  ﴾ ونحو ذلك مما أمر الله - عز وجل - رسوله أن يسألهم ويستفتيهم يخرج من الله - عز وجل - على وجوه: أحدها: على التقرير عندهم والتنبيه لهم.

أو على التعيير لهم والتوبيخ.

أو على التعليم حجة الحجاج والمناظرة فيما بينهم وبين خصومهم، وهكذا كل سؤال واستفتاء كان من خبير عليم لمن دونه يخرج على هذه الوجوه، وكل سؤال واستفتاء كان من الجهّال لخبير عليم يخرج على استرشاد وطلب الصواب.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ ﴾ و ﴿ سَلْهُمْ  ﴾ ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ...

﴾ الآية [الزخرف: 45]، و ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ...

﴾ كذا - هذا كله يخرج على التقرير والتنبيه، وعلى تعليم الكل حجة الحجاج والمناظرة لا على الأمر؛ لأنه لو كان [على] الأمر، لكان لا يقول ذلك المأمور بالتبليغ: سل، ولا قل، ولا شيء من ذلك، ولكن يبلغ إليه رسالته وأمره أنه يقول لكم: أن افعلوا كذا ولا تفعلوا؛ فدل أن ذلك الأمر للكل في أمر أنفسهم: أن قولوا لهم، وأن افعلوا بهم كذا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً...

﴾ الآية.

أمره أن يستفتيهم، ولم يذكر أنهم ما أفتوه؟

ولا أجابوه أو لا؟

ولا قال لهم: إنهم لو أجابوك وأفتوك بكذا فقل لهم كذا أو أجبهم بكذا؛ فجائز أن يكون الجواب ما ذكرنا: أنكم لو لم تشاهدوا خلق ما ذكر من السماوات والأرض وغيرها سوى خلق أنفسكم ثم شاهدتم خلقنا أعني ما ذكرنا من السماوات والأرض والجبال وغيرها - هل تنكرون قدرته على خلق ما شهدتم وعاينتم: أنه لم يخلقها إلا هو، كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم وبعثكم؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ .

فذكر - والله أعلم - ضعفهم وشدة ما خلق من سواهم أنكم تعلمون ضعف أنفسكم وعجزها، وشدة من سواكم وقوتها وصلابتها، ثم إنها مع شدتها وقوتها وصلابتها أخضع لله وأطوع منكم نحو ما ذكر من طاعتها له وخضوعها؛ حيث قال: - عز وجل -: ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك مما يكثر، والله أعلم.

أو أن يذكر لقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ بدء خلقهم وأصله الذي خلقوا هم منه، إنكم إنما عرفتم ابتداء خلقكم وأصلكم الذي منه خلقتم أنه تراب أو طين بإخبار الرسل، ويقول لهم: وأنتم يا أهل مكة ممن لا يؤمنون بالرسل، فكيف صدقتم الرسل بما أخبروا من أصلهم وبدء خلقكم، ولم تصدقوهم بما يخبرونكم من إعادتكم وبعثكم بعد موتكم؟!

فإذا صدقتموهم في ذلك لزمكم التصديق لهم في كل ما يخبرون ويقولون، والله أعلم.

أو يقول: إنه أنشأ من تلك النفس الواحدة التي خلقها من تراب من الخلق ما لو تركهم جميعاً لم يفنهم ولم يمتهم، لامتلأت الدنيا منها، فمن قدر على إنشاء ما تمتلئ الدنيا منه من نفس واحدة لا يحتمل أن يعجزه شيء من البعث والإعادة وغير ذلك، والله أعلم.

أو أن يقول في قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ ، أي: قد أنشأ من تلك النفس ومن ذلك الأصل قرناً وقرنا بعد قرن بعد إفناء كل قرن أنشأ قرناً آخر؛ فلا يحتمل أن يكون المقصود من إنشائهم الإنشاء ثم الإفناء والنقض، خاصة لا عاقبة تقصد بالإنشاء والإفناء؛ إذ في الشاهد من كان مقصوده في البناء الفناء والنقض خاصة كان غير حكيم، فإذا عرفتم الله - عز وجل - أنه حكيم؛ فلا يحتمل أن يكون مراده من إنشائكم وإفنائكم ذلك خاصة لا غير وذلك مزيل الحكمة، ويوجب السفه،  الله عن ذلك وجميع ما يصفه الملاحدة علوّاً كبيراً.

أو أن يقول: إنكم عرفتم أنه إنما أنشأكم من تلك النفس التي أنشأها من تراب أو طين على اتفاق منكم، فإذا متم وفنيتم صرتم تراباً أو طيناً، فكيف أنكرتم إعادته إياكم من تراب أو طين، وقد أقررتم أن أصلكم تراب أو طين - والله أعلم - على الوجوه التي ذكرنا يجوز أن يخرج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾ .

بالنصب يحتمل وجوهاً: أحدها: عجبت منهم إنكارهم ما أنكروا بعد كثرة قيام الآيات والحجج عليهم في ذلك وهم ينكرون ويسخرون.

أو يقول: عجبت ويسخرون؛ لما أنك بزعمهم لعظيم ما ينزل بهم من العذاب والشدائد وما يستقبلهم من الأمور المهمة وهم يسخرون، والله أعلم.

أو يقول: بل عجبت لما تدعوهم أنت إلى ما به نجاتهم وفلاحهم وهم يسخرون، ونحو ذلك يحتمل، والله أعلم بما كان يعجِّبه.

وفي بعض الحروف: ﴿ بل عجبتُ ﴾ بالرفع، وكذلك ذكر عن ابن مسعود -  - أنه كان يقرؤه بالرفع: ﴿ بل عجبتُ ﴾ فإن ثبت ذلك وصح إضافة العجب إلى الله فهو في الشاهد وإن كان لظهور عظيم مما قالوا خفيّاً عليهم مستتراً، عند ذلك يقع لهم العجبُ فهو في الله عز وجل، وإن كان لا يحتمل أن يخفى عليه شيء، فذلك لعظيم ما كان منهم من الإنكار من قدرته على الإنشاء والجحود في ذلك؛ فيكون ما ذكر من حرف العجب منه كناية عن الإنكار والدفع لقولهم، وذلك كما أضاف الامتحان إلى نفسه وإن كان في الشاهد لا يستعمل إلا في استظهار ما خفي عليهم واستتر منهم، فهو من الله يخرج على الأمر والنهي - أعني الامتحان - وإن كان في الشاهد بين الخلق لا يكون إلا لما ذكرنا، فعلى ذلك جائز إضافة العجب إلى الله على إرادة الإنكار منه عليهم والدفع لقولهم، والله أعلم.

ومن الناس من أنكر هذه القراءة وقال: لا يجوز إضافة التعجب إلى الله - عز وجل - لما هو لم يزل عالماً بما كان ويكون، وهو في الشاهد إنما يكون لظهور عظيم من الأمر قد جهلوه، لكن هذا وإن كان في الخلق ما ذكر فهو من الله على غير ذلك، على ما ذكرنا من إضافة الامتحان إليه والابتلاء وإن كان بين الخلق لما ذكرنا، وقد ظهرت إضافته إليه بقوله: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ  ﴾ وهو يخرج على الإنكار عليهم والرد على تعظيم إنكار ما قالوا وأنكروا، والله أعلم.

ومن الناس من قال في قوله عز وجل: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ﴾ فيما أضافه إلى رسول الله  : أي عجبت من هذا القرآن حين أعطاك إياه ويسخر منه أولئك الكفرة.

ويحتمل معنى [آخر]، وهو أن يقال: إن قوله عز وجل: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ﴾ أي: جعلت ما أنزلت عليك من القرآن والوحي أمراً عجباً، أو أن يقال: كان إنكارهم رسالتك وتكذيبهم الآيات أمراً عجباً وهم يسخرون، ونحوه، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ ﴾ .

ابن عباس يقول: وإذا وُعِظوا لا يتعظون، والموعظة والتذكير واحد.

وقتادة يقول: ﴿ وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ ﴾ أي: [لا] ينتفعون بالموعظة على ما ذكرنا في قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ أي: لا ينتفعون بتلك الحواس، وإن كانت لهم تلك، كمن لا حاسة له.

فعلى ذلك قول قتادة.

وجائز أن يكون على مرادفة التذكير ما نسوا من الآيات والحجج، يقول: إنهم وإن ذكروا ما نسوا وتركوا وغفلوا عنه لا يتذكرون، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ هذه الآيات وأمثالها ذكرها - والله أعلم - لقوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً [ ] ﴿ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر؛ يخبر عن عنادهم ومكابرتهم ...

الآيات، ويذكر سفههم.

ثم في ذكر ما ذكر من عنادهم وسفههم، وجعله آيات من القرآن تتلى أبداً وجهان من الحكمة: أحدهما: صيَّر ذلك آية لرسالته  لأنه معلوم أنهم كانوا على ما أخبر عنهم من العناد والسفه وعلى أن ختموا وقبضوا، دل أنه بالله عرف ذلك وبوحيه علم، والله أعلم.

والثاني: يخبر - والله أعلم - على ما رأى سلفنا من سفه أولئك وعنادهم وما قاسوا منهم وما لحق بهم من الأذى والضرر والسوء؛ لئلا يضيق صدرنا في سفه من تسفه علينا من أهل الفساد والفسق، وألا نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسفه السفيه، ولا لأذى المؤذي ولا سوء يقال، بل يجب علينا أن نتأسى بسلفنا ونقتدي بهم، وإذا أصابنا منهم ما أصاب أولئك من الأذى والسفه، وإن عاندوا أو كابروا وظهر منهم كل فسق وسوء على ما فعل أولئك، واحتملوا منهم ما كرهوا، فنحمل عن سفهائنا مثله - والله أعلم - وإلا لو لم يكن في ذكر سفههم وعنادهم ما ذكرنا من الحكمة كان لا معنى لذكر سفه أولئك وعنادهم.

وجائز أن يكون الشيء سفهاً باطلاً في نفسه ويكون حكمة ودليلاً لغيره - والله أعلم - على ما قال بعض الناس: إن الكذب نفسه يجوز أن يكون دليل الصدق، وكلام السفه والباطل دليل الصدق والحكمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ أي: وإذا أنزل عليهم آية على سؤال منهم يستسخرون ويستهزئون، يخبر عن سفههم أنهم وإن سألوا الآيات فإنهم لا يسألون سؤال استرشاد ولكن سؤال عناد وهزء؛ كقوله عز وجل : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ  لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقالوا: ﴿ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ كان هذا تلقيناً لأولئك الكفرة الرؤساء من الشيطان اللعين حتى يموِّهوا على أتباعهم عندما ظهر، وكثير من الآيات؛ لما كانوا يعلمون أن لا كل أحد يعرف السحر ويتهيأ إتيانه وفعله؛ يلبسون بذلك على أتباعهم ليقع عندهم أنها السحر لا الآية، والله أعلم.

ولو كان ذلك سحراً حقيقة لكان من آيات الرسالة، فكيف إذا كان آية لما كانوا يعلمون أنه لم يختلف إلى أحد ممن له معرفة بالسحر قط؟!

فدل أنه بالله عرف ذلك، على ما ذكرنا: أن ما أنبأ وأخبر عن أنباء الأمم الخالية وأخبارهم يدل على رسالته؛ لما علموا أنه لم يختلف إلى أحد ممن له المعرفة بتلك الأنباء والأخبار ولا ينظر في كتبهم ليعرف ذلك، ثم أخبر على ما كان في كتبهم، دل أنه بالله عرف ذلك وبوحى منه إليه علم، فعلى ذلك لو كان سحراً فكيف إذا كانت آية عظيمة معجزة؟!

وقال الزجاج: حرف العجب إنما يكون عند ظهور العجب من الأمر وعبرة عظيمة، فأما ما أضيف إلى الله فهو على الإنكار منه والرد على من أنكر عظيماً من الأمر ظاهراً، أو كلام نحوه، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ ﴾ قيل: دائم؛ كقوله عز وجل: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً  ﴾ أي دائماً، وقيل: ﴿ عَذابٌ وَاصِبٌ ﴾ أي: شديد.

وقوله عز وجل: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ قيل: ملتزق، وقيل ملتصق الذي يلتصق باليد إذا لمس.

وقوله: ﴿ دُحُوراً ﴾ قيل: طرداً، وهو مطرود.

وقوله: ﴿ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ قيل: مضيء، وقيل: هوى بضوئه.

ثم قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ قال بعضهم: يسخرون، وقال بعضهم: ﴿ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ : يطلبون من أتباعهم السخرية - يعني: القادة - على الآية.

والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ ﴾ : قد ذكرنا: أنهم يقولون ذلك وما تقدم على العناد والتعنت وعلم منهم أنهم لا يؤمنون أبداً وإن بين لهم جهة الإحياء والقدرة عليهم؛ لذلك اكتفى بقوله: ﴿ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ ﴾ ، قد ذكرنا أنهم كانوا يقولون ذلك، ولم يذكر شيئاً من الحجاج سوى قوله: ﴿ نَعَمْ ﴾ .

أي: صاغرون ذليلون؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ .

يحتمل قدر زجرة واحدة، يخبر عن سرعة قيامها ومرورها.

ويحتمل على حقيقة الزجرة، لكن يخبر عن خفة ذلك وهوانه عليه؛ كقوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ من غير أن كان منه كاف ونون أو شيء من ذلك، لكنه أخفّ كلام على الألسن يؤدى به المعنى، ويفهم به المراد من ذلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ إخباراً عن خفة ذلك عليه وهوانه، من غير أن جعل الزجرة سبب الإحياء أو سبباً من ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَنظُرُونَ ﴾ إلى ماذا يؤمرون؟

وعن ماذا ينهون؟

لأن الذي أصابهم في الآخرة إنما كان لتركهم الأمر في الدنيا، فإذا عاينوا ما كانوا يوعدون في الدنيا بتركهم الأمر عنه ينظرون إلى ماذا يؤمرون وينهون عنه؟

والله أعلم.

أو ينظرون كالمتحيرين؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث ويكذبونه، فإذا عاينوا تحيروا وتاهوا وضجروا، وهكذا الأمر المتعارف في الخلق أن من أنكر شيئاً أو كذبه، ثم أخبر به وأعلم حتى تيقن عنده ما أنكر تحير وضجر؛ فعلى ذلك هؤلاء لما أنكروا في الدنيا وكذبوه ثم عاينوا ذلك وتيقنوا به - تحيروا وضجروا به، ينظرون نظر المتحير الضجر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ .

هذا كلام يقال عند الوقوع في الهلاك.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ أي: يوم الحساب ويوم الجزاء، وكذلك قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ .

ويحتمل: هذا يوم الذي ينفع كل من معه الدين دينه، والدين المطلق هو دين الله، وكذلك السبيل المطلق هو سبيل الله، أي: هذا يوم الدين الذي ينفع من كان معه دين الله، وكذا السبيل المطلق هو سبيل الله.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: يوم القضاء والحكم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ  ﴾ أي: يقضي بينهم ﴿ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: يفصل ويفرق بينهم، أي: بين الكفار وأهل الإيمان، وبين الخبيث والطيب؛ كقوله -  -: ﴿ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً...

﴾ الآية [الأنفال: 38]، وقوله: ﴿ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ .

فالزوج: هو اسم لشكله واسم لضده اسم لهما جميعاً.

يحتمل قوله: ﴿ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ أي: أشكالهم وقرناؤهم من الجن والإنس والشياطين، يأمر الملائكة أن تجمع بين من كانوا يجتمعون في هذه الدنيا ويستحبون الاجتماع معهم أن يجمعوا في عذاب الآخرة، على ما كانوا يستحبون الاجتماع في الملاهي والطرب في هذه الدنيا ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يجمع بين أولئك وبين قرنائهم جهنم، ويقرن بعضهم إلى بعض في العذاب؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ  فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقال قتادة وغيره: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: يدان لبعض الناس من بعض في المظالم والحقوق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ﴾ .

يحتمل الوقف للحساب.

ويحتمل ﴿ مَّسْئُولُونَ ﴾ أي: محاسبون.

وعن ابن عباس قال: "إن دون الحساب يوم القيامة كذا كذا موقفاً، في كل موقف يوقفون مقدار كذا عاماً، ثم تلا هذه الآية".

ويحتمل [ليس] السؤال عما فعلوا، ولكن يسألون لماذا فعلوا؟

ويحتمل الوقوف فتنوا إلى بعضهم بعضاً، والمخاصمة فيما بينهم والمراجعة؛ كقوله: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ...

 ﴾ كذا، و ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ...

 ﴾ كذا؛ على ما أخبر أنه يجري فيما بينهم من الخصومة ومراجعة القول واللائمة.

وقوله: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ ﴾ .

أي: ما لكم لا تنصرون؟

أي: ما لكم لا ينصركم الأصنام التي عبدتموها في الدنيا رجاء النصر والشفاعة؛ كقوله: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

فيخبر عن إياسهم من نصر ما عبدوا على رجاء النصر لهم والشفاعة؛ كقوله: ﴿ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُون  ﴾ ، أي: خاضعون ذليلون لله، لما علموا ألا يكون النصر والعون إلا منه، فعند ذلك يستسلمون له.

وقال بعضهم: يستسلمون في عذابه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واحبسوهم قبل إدخالهم النار للحساب، فهم مسؤولون، ثم بعد ذلك سوقوهم إلى النار.

من فوائد الآيات تزيين السماء الدنيا بالكواكب لمنافع؛ منها: تحصيل الزينة، والحفظ من الشيطان المارد.

إثبات الصراط؛ وهو جسر ممدود على متن جهنم يعبره أهل الجنة، وتزل به أقدام أهل النار.

<div class="verse-tafsir" id="91.wrnKR"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد