الآية ٣ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ٣ من سورة الصافات

فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْرًا ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٣ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( فالتاليات ذكرا ) هي : الملائكة .

وكذا قال ابن عباس ، ومسروق ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد ، والسدي ، وقتادة ، والربيع بن أنس .

قال قتادة : الملائكة صفوف في السماء .

وقال مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن ربعي ، عن حذيفة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء " .

وقد روى مسلم أيضا ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه من حديث الأعمش ، عن المسيب بن رافع ، عن تميم بن طرفة ، عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم ؟

" قلنا : وكيف تصف الملائكة عند ربهم ؟

قال - صلى الله عليه وسلم - : " يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف " .

وقال السدي وغيره : معنى قوله ( فالزاجرات زجرا ) أنها تزجر السحاب .

وقال الربيع بن أنس : ( فالزاجرات زجرا ) : ما زجر الله عنه في القرآن .

وكذا روى مالك ، عن زيد بن أسلم .

( فالتاليات ذكرا ) قال السدي : الملائكة يجيئون بالكتاب ، والقرآن من عند الله إلى الناس .

وهذه الآية كقوله تعالى : ( فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا ) [ المرسلات : 5 ، 6 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) يقول: فالقارئات كتابا.

واختلف أهل التأويل في المعني بذلك، فقال بعضهم: هم الملائكة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (فالتاليات ذكرا) قال: الملائكة.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي (فالتاليات ذكرا) قال: هم الملائكة.

وقال آخرون: هو ما يُتلى في القرآن من أخبار الأمم قبلنا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) قال: ما يُتلى عليكم في القرآن من أخبار الناس والأمم قبلكم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فالتاليات ذكرا الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى ، قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير والسدي .

وقيل : المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع ; لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع .

وقال قتادة : المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه .

وقيل : هي آيات القرآن ، وصفها بالتلاوة كما قال تعالى : إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات ; لأن بعض الحروف يتبع بعضا ، ذكره القشيري .وذكر الماوردي : أن المراد بالتاليات الأنبياء يتلون الذكر على أممهم .

فإن قيل : ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات ؟

قيل له : إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود ، كقوله : [ سلمة بن ذهل ] :يا لهف زيابة للحارث الص ابح فالغانم فالآيبكأنه قال : الذي صبح فغنم فآب .

وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك : خذ الأفضل فالأكمل ، واعمل الأحسن فالأجمل .

وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله : رحم الله المحلقين فالمقصرين .

فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات ، قاله الزمخشري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا } وهم الملائكة الذين يتلون كلام اللّه تعالى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فالتاليات ذكرا ) هم الملائكة يتلون ذكر الله عز وجل .

وقيل : هم جماعة قراء القرآن ، وهذا كله قسم أقسم الله تعالى به

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فالتاليات» أي قراء القرآن يتلونه «ذكرا» مصدر من معنى التاليات.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أقسم الله تعالى بالملائكة تصف في عبادتها صفوفًا متراصة، وبالملائكة تزجر السحاب وتسوقه بأمر الله، وبالملائكة تتلو ذكر الله وكلامه تعالى.

إن معبودكم -أيها الناس- لواحد لا شريك له، فأخلصوا له العبادة والطاعة.

ويقسم الله بما شاء مِن خلقه، أما المخلوق فلا يجوز له القسم إلا بالله، فالحلف بغير الله شرك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

و ( التاليات ) : من التلاوة ، بمعنى القراءة فى تدبر وتأمل .وأكثر المفسرين على أن المراد بالصفات والزاجرات والتاليات : جماعة من الملائكة موصوفة بهذه الصفات .فيكون المعنى : وحق الملائكة الذين يصفون أنفسهم صفا لعبادة الله - تعالى - وطاعته ، أو الذين يصفون أجنحتهم فى السماء انتظاراً لأمر الله ، والذين يزجرون غيرهم عن ارتكاب المعاصى ، أو يزجرون السحاب إلى الجهات التى كلفهم الله - تعالى - بدفعه إليها ، والذين يتلون آيات الله المنزلة على أنبيائه تقربا إليه - تعالى - وطاعة له .وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون فى قوله - تعالى - فى السورة نفسها : ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون .

وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون ) كما جاء وصفهم بذلك فيما رواه مسلم فى صحيحه عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض مسجدا .

وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء " .وفى حديث آخر رواه مسلم وغيره عن جابر بن سَمُرَه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم "؟

قلنا : وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟

قال : " يتمون الصفوف المتقدم’ ، ويتراصون فى الصف " " .وجاء وصفهم بما يدل على أنهم يلقون الذكر على غيرهم من الأنبياء ، لأجل الإِعذار والإِنذار به .

كما فى قوله - تعالى - فى أوائل المرسلات : ( فالملقيات ذِكْراً .

عُذْراً أَوْ نُذْراً ) قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( فالتاليات ذِكْراً ) هم الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس ، وهذه الآية كقوله - تعالى - : ( فالملقيات ذِكْراً .

عُذْراً أَوْ نُذْراً ) ومنهم من يرى أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات هنا : العلماء الذين يصفون أقدامهم عند الصلاة وغيرها من الطاعات ، ويزجرون غيرهم عن المعاصى ، ويتلون كلام الله - تعالى - .ومنهم من يرى أن المراد بالصافات : الطيور التى تصف أجنحتها فى الهواء بالزاجرات وبالتاليات : جماعات الغزاة فى سبيل الله ، الذين يزجرون أعداء الله - تعالى - : ويكثرون من ذكره .ويبدو لنا أن القول الأول هو الأظهر والأرجح ، لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى سقناها قبل ذلك تؤيده ، ويؤيده - أيضا - ما يجئ بعد ذلك من أوصاف للملائكة كما فى قوله - تعالى - :( لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ) والمراد بالملأ الأعلى هنا .

والملائكة .ولأن هذا القول هو المأثور عن جماعة من الصحابة والتابعين ، كابن مسعود وابن عباس ، ومسروق ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ومجاهد .وإنما أقسم الله - تعالى - هنا بالملائكة ، لشرفهم ، وسمو منزلتهم وامتثالهم لأوامره - سبحانه - امتثالا تاما وله - تعالى - أن يقسم بما شاء من خلقه ، تنويها بشأن المقسم ، ولفتا لأنظار الناس إلى ما فيه من منافع .ولفظ ( الصافات ) مفعوله محذوف .

والتقدير ، وحق الملائكة الصافات نفوسها أو أجنحتها طاعة وامتثالا لأمر الله - تعالى - .والترتيب بالفاء فى هذه الصفات ، على سبيل الترقى ، إذ الأولى كمال ، والثانية أكمل ، لتعدى منفعتها إلى الغير ، والثالثة أكمل وأكمل ، لتضمنها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والتخلى عن الرذائل ، والتحلى بالفضائل .وقوله " صفا ، وزجرا " وذكرا " مصادر مؤكدة لما قبلها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وحمزة ﴿ والصافات صَفَّا ﴾ بإدغام التاء فيما يليه، وكذلك في قوله: ﴿ فالزجرات زَجْراً فالتاليات ذِكْراً ﴾ والباقون بالإظهار، وقال الواحدي رحمه الله: إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا يسمعان في الهمس، ولامدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير، وإدغام الأنقص في الأزيد حسن، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً في الأنقص، وأيضاً إدغام التاء في الزاي في قوله: ﴿ فالزجرات زَجْراً ﴾ حسن لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد، وأيضاً حسن إدغام التاء في الذي في قوله: ﴿ فالتاليات ذِكْراً ﴾ لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج، والله أعلم.

المسألة الثانية: في هذه الأشياء الثلاثة المذكورة المقسم بها يحتمل أن يتكون صفات ثلاثة لموصوف واحد، ويحتمل أن تكون أشياء ثلاثة متباينة، أما على التقدير الأول ففيه وجوه: الأول: أنها صفات الملائكة، وتقديره أن الملائكة يقفون صفوفاً.

إما في السموات لأداء العبادات كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون  ﴾ وقيل إنهم يصفون أجنحتهم في الهواء يقفون منتظرين وصول أمر الله إليهم، ويحتمل أيضاً أن يقال معنى كونهم صفوفاً أن لكل واحد منهم مرتبة معينة ودرجة معينة في الشرف والفضيلة أو في الذات والعلية وتلك الدرجة المرتبة باقية غير متغيرة وذلك يشبه الصفوف.

وأما قوله: ﴿ فالزجرات زَجْراً ﴾ فقال الليث: يقال زجرت البعير فأنا أزجره زجراً إذا حثثته ليمضي، وزجرت فلاناً عن سوء فانزجر أي نهيته فانتهى، فعلى هذا الزجر للبعير كالحث وللإنسان كالنهي، إذا عرفت هذا فنقول في وصف الملائكة بالزجر وجوه: الأول: قال ابن عباس يريد الملائكة الذي وكلوا بالسحاب يزجرونها بمعنى أنهم يأتون بها من موضع إلى موضع الثاني: المراد منه أن الملائكة لهم تأثيرات في قلوب بني آدم على سبيل الإلهامات فهم يزجرونهم عن المعاصي زجراً الثالث: لعل الملائكة أيضاً يزجرون الشياطين عن التعرض لبني آدم بالشر والإيذاء، وأقول قد ثبت في العلوم العقلية أن الموجودات على ثلاثة أقسام مؤثر لا يقبل الأثر وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الموجودات ومتأثر لا يؤثر وهم عالم الأجسام وهو أخس الموجودات وموجود يؤثر في شيء ويتأثر عن شيء آخر وهو عالم الأرواح وذلك لأنها تقبل الأثر عن عالم كبرياء الله، ثم إنها تؤثر في عالم الأجسام، واعلم أن الجهة التي باعتبارها تقبل الأثر من عالم كبرياء الله غير الجهة التي باعتبارها تستولي على عالم الأجسام وتقدر على التصرف فيها وقوله: ﴿ فالتاليات ذِكْراً ﴾ إشارة إلى الأشرف من الجهة التي باعتبارها تقوى على التأثير في عالم الأجسام إذا عرفت هذا فقوله: ﴿ والصافات صَفَّا ﴾ إشارة إلى وقوفها صفاً صفاً في مقام العبودية والطاعة بالخشوع والخضوع وهي الجهة التي باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسية أصناف الأنوار الإلهية والكمالات الصمدية وقوله تعالى: ﴿ فالزجرات زَجْراً ﴾ إشارة إلى تأثير الجواهر الملكية في تنوير الأرواح القدسية البشرية وإخراجها من القوة إلى الفعل، وذلك لما ثبت أن هذه الأرواح النطقية البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس، وأن هذه الأرواح البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس، وأن هذه الأرواح البشرية إنما تنتقل من القول إلى الفعل في المعارف الإلهية والكمالات الروحانية بتأثيرات جواهر الملائكة ونظيره قوله تعالى: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فالملقيات ذِكْراً  ﴾ إذا عرفت هذا فنقول في هذه الآية دقيقة أخرى وهي أن الكمال المطلق للشيء إنما يحصل إذا كان تاماً وفوق التام والمراد بكونه تاماً أن تحصل جميع الكمالات اللائقة به حصولاً بالفعل والمراد بكونه فوق التام أن تفيض منه أصناف الكمالات والسعادات على غيره، ومن المعلوم أن كونه كاملاً في ذاته مقدم على كونه مكملاً لغيره، إذا عرفت هذا فقوله: ﴿ والصافات صَفَّا ﴾ إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها وقت وقوفها في مواقف العبودية وصفوف الخدمة والطاعة وقوله تعالى: ﴿ فالزجرات زَجْراً ﴾ إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي عن جواهر الأرواح البشرية وقوله تعالى: ﴿ فالتاليات ذِكْراً ﴾ إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الناطقة البشرية، فهذه مناسبات عقلية واعتبارات حقيقية تنطبق عليها هذه الألفاظ الثلاثة، قال أبو مسلم الأصفهاني: لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة مبرءون عن هذه الصفة، والجواب من وجهين: الأول: أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة ثم يجمع على صافات والثاني: أنهم مبرءون عن التأنيث المعنوي، أما التأنيث في اللفظ فلا، وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة في هذا الوجه الثاني: أن تحمل هذه الصافات على النفوس البشرية الطاهرة المقدسة المقبلة على عبودية الله تعالى الذين هم ملائكة الأرض وبيانه من وجهين: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ والصافات صَفَّا ﴾ المراد الصفوف الحاصلة عند أداء الصلوات بالجماعة وقوله: ﴿ فالزجرات زَجْراً ﴾ إشارة إلى قراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كأنهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشياطين عن إلقاء الوساوس في قلوبهم في أثناء الصلاة وقوله: ﴿ فالتاليات ذِكْراً ﴾ إشارة إلى قراءة القرآن في الصلاة وقيل: ﴿ فالزجرات زَجْراً ﴾ إشارة إلى رفع الصوت بالقراءة كأنه يزجر الشيطان بواسطة رفع الصوت، روى أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بيوت أصحابه في الليالي فسمع أبا بكر يقرأ بصوت منخفض وسمع عمر يقرأ بصوت رفيع فسأل أبا بكر لم تقرأ هكذا؟

فقال: المعبود سميع عليم وسأل عمر: لم تقرأ هكذا؟

فقال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان الوجه الثاني: في تفسير هذه الألفاظ الثلاث في هذه الآية أن المراد من قوله: ﴿ والصافات صَفَّا ﴾ الصفوف الحاصلة من العلماء المحقين الذين يدعون إلى دين الله تعالى والمراد من قوله: ﴿ فالزجرات زَجْراً ﴾ اشتغالهم بالزجر عن الشبهات والشهوات، والمراد من قوله تعالى: ﴿ فالتاليات ذِكْراً ﴾ اشتغالهم بالدعوة إلى دين الله والترغيب في العمل بشرائع الله الوجه الثالث: في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نحملها على أحوال الغزاة والمجاهدين في سبيل الله فقوله: ﴿ والصافات صَفَّا ﴾ المراد منه صفوف القتال لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِي سَبِيلِهِ صَفّاً  ﴾ وأما (الزاجرات زجراً) فالزجرة والصيحة سواء، والمراد منه رفع الصوت بزجر الخيل، وأما (التاليات ذكراً) فالمراد اشتغال الغزاة وقت شروعهم في محاربة العدو بقراءة القرآن وذكر الله تعالى بالتهليل والتقديس الوجه الرابع: في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نجعلها صفات لآيات القرآن فقوله: (والصافات صفاً) المراد آيات القرآن فإنها أنواع مختلفة بعضها في دلائل التوحيد وبعضها في دلائل العلم والقدرة والحكمة وبعضها في دلائل النبوة وبعضها في دلائل المعاد وبعضها في بيان التكاليف والأحكام وبعضها في تعليم الأخلاق الفاضلة، وهذه الآيات مرتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فهذه الآيات تشبه أشخاصاً واقفين في صفوف معينة قولوه: ﴿ فالزجرات زَجْراً ﴾ المراد منه الآيات الزاجرة عن الأفعال المنكرة وقوله: ﴿ فالتاليات ذِكْراً ﴾ المراد منه الآيات الدالة على وجوب الإقدام على أعمال البر والخير وصف الآيات بكونها تالية على قانون ما يقال شعر شاعر وكلام قائل قال تعالى: ﴿ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ  ﴾ وقال: ﴿ يسٓ  وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ  ﴾ قيل الحكيم بمعنى الحاكم فهذه جملة الوجوه المحتملة على تقدير أن تجعل هذه الألفاظ الثلاثة صفات لشيء واحد وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد بهذه الثلاثة أشياء متغايرة فقيل المراد بقوله: ﴿ والصافات صَفَّا ﴾ الطير من قوله تعالى: ﴿ والطير صافات  ﴾ (والزاجرات) كل ما زجر عن معاصي الله (والتاليات) كل ما يتلى من كتاب الله وأقول فيه وجه آخر وهو أن مخلوقات الله إما جسمانية وإما روحانية، أما الجسمانية فإنها مرتبة على طبقات ودرجات لا تتغير ألبتة، فالأرض وسط العالم وهي محفوفة بكرة الماء والماء محفوف بالهواء، والهواء محفوف بالنار، ثم هذه الأربعة محفوفة بكرات الأفلاك إلى آخر العالم الجسماني فهذه الأجسام كأنها صفوف واقفة على عتبة جلال الله تعالى، وأما الجواهر الروحانية فهي على اختلاف درجاتها وتباين صفاتها مشتركة في صفتين أحدهما التأثير في عالم الأجسام بالتحريك والتصريف وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فالزجرات زَجْراً ﴾ فإنا قد بينا أن المراد من هذا الزجر السوق والتحريك، والثاني الإدراك والمعرفة والاستغراق في معرفة الله تعالى والثناء عليه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ فالتاليات ذِكْراً ﴾ ولما كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المستقلة فالتصرف في الجسمانيات أدون منزلة من الأرواح المستغرقة في معرفة جلال الله المقبلة على تسبيح الله كما قال: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  ﴾ لا جرم بدأ في المرتبة الأولى بذكر الأجسام فقال: ﴿ والصافات صَفَّا ﴾ ثم ذكر في المرتبة الثانية الأرواح المدبرة لأجسام هذا العالم ثم ذكر في هذه المرتبة الثالثة أعلى الدرجات وهي الأرواح المقدسة المتوجهة بكليتها إلى معرفة جلال الله والاستغراق في الثناء عليه، فهذه احتمالات خطرت بالبال، والعالم بأسرار كلام الله تعالى ليس إلا الله.

المسألة الثالثة: للناس في هذا الموضع قولان الأول: قول من يقول المقسم به هاهنا خالق هذه الأشياء لا أعيان هذه الأشياء، واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلف بغير الله فكيف يليق بحكمة الله أن يحلف بغير الله والثاني: أن الحلف بالشيء في مثل هذا الموضع تعظيم عظيم للمحلوف به، ومثل هذا التعظيم ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا  وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا  وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا  ﴾ ، والقول الثاني: قول من يقول إن القسم واقع بأعيان هذه الأشياء واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن القسم وقع بهذه الأشياء بحسب ظاهر اللفظ فالعدول عنه خلال الدليل والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ والسماء وَمَا بناها ﴾ فعلق لفظ القسم بالسماء، ثم عطف عليه القسم بالباني للسماء، فلو كان المراد من القسم بالسماء القسم بمن بنى السماء لزم التكرار في موضع واحد وأنه لا يجوز الثالث: أنه لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم من الله تعالى بهذه الأشياء التنبيه على شرف ذواتها وكمال حقائقها، لا سيما إذا حملنا هذه الألفاظ على الملائكة فإنه تكون الحكمة في القسم بها التنبيه على جلالة درجاتها وكمال مراتبها، والله أعلم، فإن قيل ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجوه: الأول: أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أوعند الكافر والأول باطل لأن المؤمن مقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل، فهذا الحلف عديم الفائدة على كل التقديرات الثاني: أنه تعالى حلف في أول هذه السورة على أن الإله واحد، وحلف في أول سورة والذاريات على أن القيامة حق فقال: ﴿ والذريات ذَرْواً ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرْوًا  فَٱلْحَٰمِلَٰتِ وِقْرًا  فَٱلْجَٰرِيَٰتِ يُسْرًا  فَٱلْمُقَسِّمَٰتِ أَمْرًا  إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ  وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌ  ﴾ وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف واليمين لا يليق بالعقلاء، والجواب من وجوه: الأول: أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في سائر السور بالدلائل اليقينية، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها فذكر القسم تأكيداً لما تقدم لا سيما والقرآن إنما أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب والوجه الثاني: في الجواب أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى: ﴿ إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ ﴾ ذكر عقيبه ما هو كالدليل اليقيني في كون الإله واحداً، وهو قوله تعالى: ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المشارق ﴾ وذلك لأنه تعالى بين في قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ أن انتظام أحوال السموات والأرض يدل على أن الإله واحد، فهاهنا لما قال: ﴿ إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ ﴾ أردفه بقوله: ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المشارق ﴾ كأنه قيل قد بينا أن النظر في انتظام هذا العالم دل على كون الإله واحداً فتأملوا في ذلك الدليل ليحصل لكم العلم بالتوحيد الوجه الثالث: في الجواب أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة، والله أعلم.

المسألة الرابعة: أما دلالة أحوال السموات والأرض على وجود الإله القادر العالم الحكيم، وعلى كونه واحداً منزهاً عن الشريك فقد سبق تقريرها في هذا الكتاب مراراً وأطواراً وأما قوله تعالى: ﴿ وَرَبُّ المشارق ﴾ فيحتمل أن يكون المراد مشارق الشمس قال السدي: المشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً وكذلك المغارب فإنه تطلع الشمس كل يوم من مشرق وتغرب كل يوم في مغرب، ويحتمل أن يكون المراد مشارق الكواكب لأن لكل كوكب مشرقاً ومغرباً، فإن قيل لم أكتفى بذكر المشارق؟

قلنا لوجهين: الأول: أنه اكتفى بذكر المشارق كقوله: ﴿ تَقِيكُمُ الحر  ﴾ والثاني أن الشرق أقوى حالاً من الغروب وأكثر نفعاً من الغروب فذكر الشرق تنبيهاً على كثرة إحسان الله تعالى على عباده، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم عليه السلام بالمشرق فقال: ﴿ فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق  ﴾ .

المسألة الخامسة: احتج الأصحاب بقوله تعالى: ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ على كونه تعالى خالقاً لأعمال العباد، قالوا: لأن أعمال العباد موجود فيما بين السموات والأرض، وهذه الآية دالة على أن كل ما حصل بين السموات والأرض فالله ربه ومالكه، فهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله، وإن قالوا: الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السموات والأرض لأن هذا الوصف إنما يليق بما يكون حاصلاً في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك، قلنا: إنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السموات والأرض فهي أيضاً حاصلة بين السماء والأرض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أقسم الله سبحانه بطوائف الملائكة أو بنفوسهم الصافات أقدامها في الصلاة، من قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون ﴾ [الصافات: 165] أو أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله ﴿ فالزجرات ﴾ السحاب سوقاً ﴿ فالتاليات ﴾ لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها.

وقيل: ﴿ والصافات ﴾ : الطير، من قوله تعالى: ﴿ والطير صافات ﴾ [النور: 41] والزاجرات: كل ما زجر عن معاصي الله.

والتاليات: كل من تلا كتاب الله، ويجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات فالزجرات بالمواعظ والنصائح فالتاليات آيات الله والدراسات شرائعه أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك لا تشغلها عنه تلك الشواغل، كما يحكى عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

فإن قلت: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟

قلت: إما أن تدلّ على ترتب معانيها في الوجود، كقوله: يَا لَهْفَ زيابة لِلْحَرْثِ الصَّا ** بِحِ فَالغَانِمِ فَالآيِبِ كأنه قيل: الذي صبح فغنم فآب.

وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل.

وإما على ترتيب موصوفاتها في ذلك، كقوله: (رحم الله المحلقين فالمقصرين) فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات فإن قلت: فعلى أي هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟

قلت: إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على أن ترتب الصفات في التفاضل، وإن ثلثته، فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه، بيان ذلك: إنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة وجعلتهم جامعين لها، فعطفها بالفاء، يفيد ترتباً لها في الفضل: إما إن يكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة وإما على العكس، وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة.

وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر، فقد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل، أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل والزاجرات أفضل، والتاليات أبهر فضلاً، أو على العكس، وكذلك إذا أردت بالصافات: الطير، وبالزاجرات: كل ما يزجر عن معصية.

وبالتاليات: كل نفس تتلو الذكر؛ فإن الموصوفات مختلفة.

وقرئ: بإدغام التاء في الصاد والزاي والذال ﴿ رَّبُّ السماوات ﴾ خبر بعد خبر.

أو خبر مبتدأ محذوف.

و ﴿ المشارق ﴾ ثلثمائة وستون مشرقاً، وكذلك المغارب: تشرق الشمس كل يوم في مشرق وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين.

فإن قلت: فماذا أراد بقوله: ﴿ رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين ﴾ [الرحمن: 17] ؟

قلت: أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وآياتُها مِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والصّافّاتِ صَفًّا ﴾ ﴿ فالزّاجِراتِ زَجْرًا ﴾ ﴿ فالتّالِياتِ ذِكْرًا ﴾ أقْسَمَ بِالمَلائِكَةِ الصّافِّينَ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ، عَلى مَراتِبَ بِاعْتِبارِها تَفِيضُ عَلَيْهِمُ الأنْوارُ الإلَهِيَّةُ، مُنْتَظِرِينَ لِأمْرِ اللَّهِ الزّاجِرِينَ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ بِالتَّدْبِيرِ المَأْمُورِ بِهِ فِيها، أوِ النّاسَ عَنِ المَعاصِي بِإلْهامِ الخَيْرِ، أوِ الشَّياطِينَ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمُ التّالِينَ آياتِ اللَّهِ وجَلايا قُدْسِهِ عَلى أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، أوْ بِطَوائِفَ الأجْرامِ المُرَتَّبَةِ كالصُّفُوفِ المَرْصُوصَةِ والأرْواحِ المُدَبِّرَةِ لَها والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ المُسْتَغْرِقَةِ في بِحارِ القُدْسِ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ أوْ بِنُفُوسِ العُلَماءِ الصّافِّينَ في العِباداتِ الزّاجِرِينَ عَنِ الكُفْرِ والفُسُوقِ بِالحُجَجِ والنَّصائِحِ التّالِينَ آياتِ اللَّهِ وشَرائِعَهُ، أوْ بِنُفُوسِ الغُزاةِ الصّافِّينَ في الجِهادِ الزّاجِرِينَ الخَيْلَ، أوِ العَدُوَّ التّالِينَ ذِكْرَ اللَّهِ لا يَشْغَلُهم عَنْهُ مُباراةُ العَدُوِّ والعَطْفُ لِاخْتِلافِ الذَّواتِ، أوِ الصِّفاتِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ ∗∗∗ ابِحِ فالغانِمِ فالآئِبِ فَإنَّ الصَّفَّ كَمالٌ والزَّجْرَ تَكْمِيلٌ بِالمَنعِ عَنِ الشَّرِّ، أوِ الإشاقَةِ إلى قَبُولِ الخَيْرِ والتِّلاوَةَ إفاضَتُهُ أوِ الرُّتْبَةُ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ»،غَيْرَ أنَّهُ لِفَضْلِ المُتَقَدِّمِ عَلى المُتَأخِّرِ وهَذا لِلْعَكْسِ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ التّاءاتِ فِيما يَلِيها لِتَقارُبِها فَإنَّها مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)

{والصافات صفا فالزاجرات زَجْراً فالتاليات ذِكْراً} أقسم سبحانه وتعالى بطوائف الملائكة أو بنفوسهم الصافات أقدامها في الصلاة فالزاجرات السحاب سوقاً أو عن المعاصي بالإلهام فالتاليات لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها وهو قول ابن عباس وابن مسعود ومجاهد أو بنفوس العلماء العمال الصفات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات فالزاجرات بالمواعظ والنصائح فالتاليات آيات الله والدارسات شرائعه أو بنفوس الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل للجهاد وتتلوا الذكر مع ذلك وصفا مصدر مؤكد وكذلك زَجْراً والفاء تدل على ترتيب الصفات في التفاضل فتفيد الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو على العكس وجواب القسم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَحْكُوا في ذَلِكَ خِلافًا وهي مِائَةٌ وإحْدى وثَمانُونَ آيَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ومِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وفِيها تَفْصِيلُ أحْوالِ القُرُونِ المُشارِ إلى إهْلاكِها في قَوْلِهِ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ﴾ ، وفِيها مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ أعْدائِهِمُ الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ما هو كالإيضاحِ لِما في تِلْكَ السُّورَةِ مِن ذَلِكَ، وذُكِرَ فِيها شَيْءٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالكَواكِبِ لَمْ يُذْكَرْ فِيما تَقَدَّمَ، ولِمَجْمُوعِ ما ذُكِرَ ذُكِرَتْ بَعْدَها.

وفي البَحْرِ مُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ سُورَةِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهُمْ، وأنَّهُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - هُنا وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ إيجادًا وإعْدامًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والصّافّاتِ صَفًّا ﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وأبى أبُو مُسْلِمٍ ذَلِكَ وقالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ - وكَذا ما بَعْدُ - عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالتَّأْنِيثِ والمَلائِكَةُ مُبَرَّأُونَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وفِيهِ أنَّ هَذا في مَعْنى جَمْعِ الجَمْعِ فَهو جَمْعُ صافَّةٍ أيْ طائِفَةٍ أوْ جَماعَةٍ صافَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْنِيثَ المُفْرَدِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ ذاتٌ ونَفْسٌ، والتَّأْنِيثُ المَعْنَوِيُّ هو الَّذِي لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِمْ، وأمّا اللَّفْظِيُّ فَلا مانِعَ مِنهُ، كَيْفَ وهُمُ المُسَمَّوْنَ بِالمَلائِكَةِ!

والوَصْفُ المَذْكُورُ مُنَزَّلٌ مُنَزَّلَةَ اللّازِمِ عَلى أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَفْعُولِ أيِ الفاعِلاتِ لِلصُّفُوفِ أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ الصّافّاتِ أنْفُسَها أيِ النّاظِماتِ لَها في سَلْكِ الصُّفُوفِ بِقِيامِها في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ تُقَدُّمِ الرُّتْبَةِ والقُرْبِ مِن حَظِيرَةِ القُدْسِ، أوِ الصّافّاتِ أنْفُسَها القائِماتِ صُفُوفًا لِلْعِبادَةِ، وقِيلَ: الصّافّاتِ أقْدامَها لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: الصّافّاتِ أجْنِحَتَها في الهَواءِ مُنْتَظَراتٍ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ الطَّيْرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والطَّيْرُ صافّاتٍ ﴾ ولا يُعَوَّلُ عَلى ذَلِكَ، و ﴿ صَفًّا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وكَذا ﴿ زَجْرًا ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فالزّاجِراتِ زَجْرًا ﴾ وقِيلَ: صَفًّا مَفْعُولٌ بِهِ وهو مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ أيِ الصّافّاتِ صُفُوفَها ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ بِالزّاجِراتِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْضًا عِنْدَ الجُمْهُورِ، والزَّجْرُ في الأصْلِ الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسَلُّطٍ وصِياحٍ وأنْشَدُوا: زَجَرَ أبِي عُرْوَةَ السُّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى السَّوْقُ والحَثِّ وبِمَعْنى المَنعِ والنَّهْيِ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِياحٌ، والوَصْفُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيِ الفاعِلاتِ لِلزَّجْرِ، أوِ الزّاجِراتِ ما نِيطَ بِها زَجْرُهُ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وغَيْرِها عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِالمَزْجُورِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ زَجْرُ العِبادِ عَنِ المَعاصِي بِإلْهامِ الخَيْرِ وزَجْرِ الشَّياطِينِ عَنِ الوَسْوَسَةِ والإغْواءِ وعَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَنْ قَتادَةَ المُرادُ بِالزّاجِراتِ آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِها النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَعُوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، وكَذا المُرادُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالتّالِياتِ ذِكْرًا ﴾ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

و(ذِكْرًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو بِمَعْنى المَذْكُورِ المَتْلُوِّ، وفُسِّرَ بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ أبُو صالِحٍ: هُمُ المَلائِكَةُ يَجِيئُونَ بِالكِتابِ والقُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلى النّاسِ فالمُرادُ بِتِلاوَتِهِ تِلاوَتُهُ عَلى الغَيْرِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالآياتِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والمَلائِكَةُ يَتْلُونَهُما عَلى الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في بابِ الإشارَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِتِلاوَةِ المَلائِكَةِ ذَلِكَ عَلى الأوْلِياءِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، وقالَ بَعْضٌ: أيْ فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وكُتُبَهُ المُنَزَّلَةَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وغَيْرَها مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ، ولَعَلَّ التِّلاوَةَ عَلى هَذا أعَمُّ مِنَ التِّلاوَةِ عَلى الغَيْرِ وغَيْرِها، وقِيلَ (ذِكْرًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ اللَّفْظِ لِتَكُونَ المَنصُوباتُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿ فالتّالِياتِ ذِكْرًا ﴾ بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كِتابَهُ تَعالى المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ الصّافّاتِ أنْفُسَها في صُفُوفِ الجَماعاتِ أوْ أقْدامَها في الصَّلَواتِ، الزّاجِراتِ بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ، التّالِياتِ آياتِ اللَّهِ تَعالى، الدّارِساتِ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، أوْ بِطَوائِفِ قُوّادِ الغُزاةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَصُفُّ الصُّفُوفَ في مُواطِنِ الحُرُوبِ، الزّاجِراتِ الخَيْلَ لِلْجِهادِ سَوْقًا أوِ العَدُوَّ في المَعارِكِ طَرْدًا، التّالِياتِ آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وذِكْرَهُ وتَسْبِيحَهُ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ المُرَتَّبَةِ كالصُّفُوفِ المَرْصُوصَةِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والنُّفُوسِ المُدَبِّرَةِ لِتِلْكَ الأجْرامِ بِالتَّحْرِيكِ ونَحْوِهِ، والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ المُسْتَغْرِقَةِ في بِحارِ القُدْسِ يَسْبَحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ الكَرُوبِيُّونَ ونَحْوُهُمْ، وهَذا بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ الصّالِحِ بَلْ عَنْ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مُطْلَقًا كَما لا يَخْفى، والفاءُ العاطِفَةُ لِلصِّفاتِ قَدْ تَكُونُ لِتَرْتِيبِ مَعانِيها الوَصْفِيَّةِ في الوُجُودِ الخارِجِيِّ إذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِها واحِدَةً كَما في قَوْلِهِ: يا لَهَفَ زَيابَةَ لِلْحادِثِ السْـ ∗∗∗ سابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ أيِ الَّذِي سَبَحَ فَغَنِمَ فَآبَ ورَجَعَ، أوْ لِتَرْتِيبِ مَعانِيها في الرُّتْبَةِ إذا كانَتِ الذّاتُ واحِدَةً أيْضًا كَما في قَوْلِكَ: أتَمُّ العَقْلِ فِيكَ إذا كُنْتَ شابًّا فَكَهْلًا، أوْ لِتَرْتِيبِ المَوْصُوفاتِ بِها في الوُجُودِ كَما في قَوْلِكَ: وقَفْتُ كَذا عَلى بَنِيَّ بَطْنًا فَبَطْنًا، أوْ في الرُّتْبَةِ نَحْوُ رَحِمَ اللَّهُ تَعالى المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ، وكِلاهُما مَعَ تَعَدُّدِ المَوْصُوفِ، والتَّرْتِيبُ الرُّتْبِيُّ إمّا بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي أوْ بِاعْتِبارِ التَّدَلِّي، وهي إذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِالصِّفاتِ هُنا واحِدَةً وهُمُ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأسْرِهِمْ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي؛ فالصَّفُّ في الرُّتْبَةِ الأُولى لِأنَّهُ عَمَلٌ قاصِرٌ، والزَّجْرُ أعْلى مِنهُ لِما فِيهِ مِن نَفْعِ الغَيْرِ، والتِّلاوَةِ أعْلى وأعْلى لِما فِيها مِن نَفْعِ الخاصَّةِ السّارِي إلى نَفْعِ العامَّةِ بِما فِيهِ صَلاحُ المَعاشِ والمَعادِ، أوْ لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ مِن حَيْثُ وُجُودُ ذَواتِ الصِّفاتِ؛ فالصَّفُّ يُوجَدُ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ كَمالٌ لِلْمَلائِكَةِ في نَفْسِها، ثُمَّ يُوجَدُ بَعْدَهُ الزَّجْرُ لِلْغَيْرِ لِأنَّهُ تَكْمِيلٌ لِلْغَيْرِ يَسْتَعِدُّ بِهِ الشَّخْصُ ما لَمْ يَكْمُلْ في نَفْسِهِ لا يَتَأهَّلُ لِأنْ يُكْمِلَ غَيْرَهُ، ثُمَّ تُوجَدُ التِّلاوَةُ بِناءً عَلى أنَّها إفاضَةٌ عَلى الغَيْرِ المُسْتَعِدِّ لَها وذا لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ الَّذِي هو مِن آثارِ الزَّجْرِ، وإذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِها مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَعَدِّدَةً بِمَعْنى أنَّ صِنْفًا مِنهم كَذا وصِنْفًا آخَرَ كَذا، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي كَما في الشِّقِّ الأوَّلِ، فالجَماعاتُ الصّافّاتُ كامِلُونَ، والزّاجِراتُ أكْمَلُ مِنها، والتّالِياتُ أكْمَلُ وأكْمَلُ كَما يُعْلَمُ مِمّا سَبَقَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِعَكْسِ ذَلِكَ بِأنْ يُرادَ بِالصّافّاتِ جَماعاتٌ مِنَ المَلائِكَةِ صافّاتٌ مِن حَوْلِ العَرْشِ قائِماتٌ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ وهُمُ الكُرُوبِيُّونَ المُقَرَّبُونَ أوْ مَلائِكَةٌ آخَرُونَ يُقالُ لَهم كَما ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ المُهَيَّمُونَ مُسْتَغْرِقُونَ بِحُبِّهِ تَعالى لا يَدْرِي أحَدُهم أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - خَلَقَ غَيْرَهُ، وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِاسْتِغْراقِهِمْ بِهِ تَعالى وأنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالعالِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ ﴾ ، وبِالزّاجِراتِ جَماعاتٌ أُخَرُ أُمِرَتْ بِتَسْخِيرِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِياتِ وتَدْبِيرِها لِما خُلِقَتْ لَهُ وهي في الفَضْلِ عَلى ما لَها مِنَ النَّفْعِ لِلْعِبادِ دُونَ الصّافّاتِ، وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا جَماعاتٌ أُخَرُ أُمِرَتْ بِتِلاوَةِ المَعارِفِ عَلى خَواصِّ الخَلْقِ وهي لِخُصُوصِ نَفْعِها دُونَ الزّاجِراتِ، أوِ المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزّاجِراتُ النّاسَ عَنِ القَبِيحِ بِإلْهامِ جِهَةِ قُبْحِهِ وما يُنَفِّرُ عَنِ ارْتِكابِهِ وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا المُلْهِماتِ لِلْخَيْرِ والجِهاتِ المُرَغِّبَةِ فِيهِ، ولِكَوْنَ دَفْعِ الضُّرِّ أوْلى مِن جَلْبِ الخَيْرِ ودَرْأِ المَفاسِدِ أهَمَّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ؛ ولِذا قِيلَ التَّخْلِيَةُ بِالخاءِ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ - كانَتِ التّالِياتُ دُونَ الزّاجِراتِ، وحالُ الفاءِ عَلى سائِرِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في الصِّفاتِ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ، ويَجُوزُ عِنْدِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنْ يُرادَ بِالصّافّاتِ المُصْطَفُّونَ لِلْعِبادَةِ مِن صَلاةٍ ومُحارَبَةِ كَفَرَةٍ - مَثَلًا - مَلائِكَةً كانُوا أمْ أناسِيَّ أمْ غَيْرَهُما، وبِالزّاجِراتِ الزّاجِرُونَ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي بِأقْوالِهِمْ أوْ أفْعالِهِمْ كائِنِينَ مَن كانُوا، وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا التّالُونَ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى الغَيْرِ لِلتَّعْلِيمِ أوْ نَحْوِهِ كَذَلِكَ، ولا عِنادَ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ فَتَجْتَمِعُ في بَعْضِ الأشْخاصِ، ولَعَلَّ التَّرْتِيبَ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي بِاعْتِبارِ نَفْسِ الصِّفاتِ فالِاصْطِفافُ لِلْعِبادَةِ كَمالٌ، والزَّجْرُ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي أكْمَلُ، والتِّلاوَةُ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّعْلِيمِ لِتَضَمُّنِهِ الأمْرَ بِالطّاعاتِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والتَّخَلِّي عَنِ الرَّذائِلِ والتَّحَلِّي بِالمَعارِفِ إلى أُمُورٍ أُخَرَ أكْمَلُ وأكْمَلُ، وجَعْلُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى ما مَرَّ بِأنَّ تَكُونَ جَماعاتٌ مِنهم صافّاتٍ بِمَعْنى صافّاتٍ أنْفُسَها في سِلْكِ الصُّفُوفِ بِالقِيامِ في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ أوِ القائِماتِ صُفُوفًا لِلْعِبادَةِ وتالِياتٍ ذِكْرًا بِمَعْنى تالِياتٍ الآياتِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ فِيما أرى، عَلى أنَّ تَعَدُّدَ المَلائِكَةِ التّالِينَ لِلْوَحْيِ سَواءٌ كانَ صِنْفًا مُسْتَقِلًّا أمْ لا مِمّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الأمِينَ عَلى الوَحْيِ التّالِي لِلذِّكْرِ عَلى الأنْبِياءِ هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا غَيْرَ، نَعَمْ مِنَ الآياتِ ما يَنْزِلُ مُشَيَّعًا بِجَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ونَطَقَ الكِتابُ الكَرِيمُ بِالرَّصْدِ عِنْدَ إبْلاغِ الوَحْيِ، وهَذا أمْرٌ والتِّلاوَةُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أمْرٌ آخَرُ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ، وفي المُرادِ بِالصِّفاتِ المُتَناسِقَةِ احْتِمالاتٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ فَلا تَغْفُلْ.

وأيًّا ما كانَ فالقَسَمُ بِتِلْكَ الجَماعاتِ أنْفُسِها ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَلَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ورَبِّ الصّافّاتِ مَثَلًا، والآيَةُ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في مِثْلِ ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ ﴿ والنَّهارِ إذا تَجَلّى ﴾ مِن أنَّ الواوَ الثّانِيَةَ وما بَعْدَها لِلْعِطْفِ خِلافًا لِمَذْهَبِ غَيْرِهِما مِن أنَّها لِلْقَسَمِ لِوُقُوعِ الفاءِ فِيها مَوْقِعَ الواوِ إلّا أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ.

وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَ فِيما يَلِيها لِلتَّقارُبِ فَإنَّها مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي مائة واثنتان وثمانون آية مكية قوله تبارك وتعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا قال ابن عباس-  ما- في قوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا قال: أقسم الله تعالى بصفوف الملائكة الذين في السموات، كصفوف المؤمنين في الصلاة.

ويقال: يعني: صفوف الغزاة في الحرب، كقوله عز وجل: صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: 4] ويقال: بصفوف الأمم يوم القيامة لقوله عز وجل: صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: 4] ويقال: بصفوف الأمم يوم القيامة لقوله عز وجل: وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا [الكهف: 48] ويقال: صف الطيور بين السماء والأرض صافات بأجنحتها لقوله: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ [النور: 41] ويقال: صفوف الجماعات في المساجد.

وفي الآية بيان فضل الصفوف، حيث أقسم الله بهن.

ثم قال عز وجل: فَالزَّاجِراتِ زَجْراً يعني: الملائكة الذين يزجرون السحاب، ويؤلفونه، ويسوقونه إلى البلد الذي لا مطر بها.

ويقال: فَالزَّاجِراتِ يعني: فالدافعات وهم الملائكة الذين يدفعون الشر عن بني آدم، موكلون بذلك.

ويقال: الزاجرات يعني: ما زجر الله تعالى في القرآن بقوله: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا [آل عمران: 130] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء: 2] ويقال: هي التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وما كان من عند الله من كتب.

ويقال: فَالزَّاجِراتِ زَجْراً يعني: هم الأنبياء، والرسل، والعلماء، يزجرون الناس عن المعاصي، والمناهي، والمناكر فَالتَّالِياتِ ذِكْراً يعني: الملائكة وهو جبريل يتلو القرآن على الأنبياء.

ويقال: هم المؤمنون الذين يقرءون القرآن.

ويقال: فَالتَّالِياتِ ذِكْراً قال: هم الصبيان يتلون في الكتاب من الغدوة إلى العشية.

كان الله تعالى يحول العذاب عن الخلق، ما دامت تصعد هذه الأربعة إلى السماء.

أولها أذان المؤذنين، والثاني تكبير المجاهدين، والثالث تلبية الملبين، والرابع صوت الصبيان في الكتاب.

وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود-  - أنه قال: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا قال: الملائكة فَالزَّاجِراتِ زَجْراً قال: الملائكة فَالتَّالِياتِ ذِكْراً قال: الملائكة وهكذا قال مجاهد: قد أقسم الله بهذه الأشياء إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ويقال: أقسم بنفسه فكأنه يقول: وخالق هذه الأشياء إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ يعني: ربكم، وخالقكم، ورازقكم، لواحد.

رَبُّ السَّماواتِ يعني: الذي خلق السموات وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من خلق وَرَبُّ الْمَشارِقِ يعني: مشرق كل يوم.

وقال في آية أخرى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) [الرحمن: 17] أي: مشرق الشتاء، ومشرق الصيف.

وقال في هذه السورة رَبُّ الْمَشارِقِ أي: مشرق كل يوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «الصافّات»

وهي مكّيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله عز وجل: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا الآية، أقْسَمَ تعالى في هذه الآية بأشْيَاءَ مِنْ مخلوقاتِه، قالَ ابنُ مسعودٍ وغيرُه: «الصافات» هي الملائكة تَصُفُّ في السماءِ في عبادة الله عز وجل «١» .

وقالت فرقة: المرادُ: صفوفُ بني آدم في القتال في سبيل اللَّهِ، قال ع «٢» :

واللفظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُمَّ هذه المذكوراتِ كلَّها، قال مجاهد: «وَالزاجِرات» هي الملائكة تَزْجُرُ السحابَ وغير ذلك من مخلوقاتِ اللَّه تعالى «٣» ، وقال قتادة: «الزاجرات» هي آيات القرآن «٤» ، وفَالتَّالِياتِ ذِكْراً معناه: القارئات، قال مجاهد: أراد الملائكة التي تتلو ذكره «٥» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الصّافّاتِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والصّافّاتِ صَفًّا ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ صُفُوفٌ في السَّماءِ، لا يَعْرِفُ مَلَكٌ مِنهم مَن إلى جانِبِهِ، لَمْ يَلْتَفِتْ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

وقِيلَ: هي المَلائِكَةُ تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً إلى أنْ يَأْمُرَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِما يَشاءُ.

والثّانِي: أنَّها الطَّيْرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ والطَّيْرُ صافّاتٍ  ﴾ ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَفِي الزّاجِراتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها المَلائِكَةُ الَّتِي تَزْجُرُ السَّحابَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّها زَواجِرُ القُرْآَنِ وكُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي ( التاليات ذِكْرًا ) ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ تَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ تَعالى: قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: [والحَسَنُ]، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ما يُتْلى في القُرْآَنِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَهَذا قَسَمٌ بِهَذِهِ الأشْياءِ، وجَوابُهُ: ﴿ إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ ﴾ .

وقِيلَ: مَعْناهُ: ورَبِّ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّهُ واحِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّ المَشارِقِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: المَشارِقُ ثَلاثَمِائَةٌ وسُتُّونَ مَشْرِقًا، والمَغارِبُ مِثْلُها، عَلى عَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ تَرَكَ ذِكْرَ المَغارِبِ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَشارِقَ تَدُلُّ عَلى المَغارِبِ، لِأنَّ الشُّرُوقَ قَبْلَ الغُرُوبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الصافّاتِ هِيَ مَكِّيَّةٌ، وعَدُّها في المَدَنِيِّ والشامِيِّ والكُوفِيِّ مِائَةُ آيَةٍ وآيَتانِ وثَمانُونَ آيَةً.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والصافّاتِ صَفًّا ﴾ ﴿ فالزاجِراتِ زَجْرًا ﴾ ﴿ فالتالِياتِ ذِكْرًا ﴾ ﴿ إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ ﴾ ﴿ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ ﴾ ﴿ إنّا زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ ﴾ ﴿ وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقُ، وقَتادَةُ: هي المَلائِكَةُ الَّتِي تُصَفُّ في السَماءِ في عِبادَةِ اللهِ تَعالى وذِكْرِهِ صُفُوفًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ كُلَّ مَن يُصَفُّ مِن بَنِيآدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللهِ، أو في صَلاةِ وطاعَةِ، والتَقْدِيرُ: والجَماعاتِ الصافّاتِ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُمَّ هَذِهِ المَذْكُوراتِ.

"الزاجِراتُ زَجْرًا"، قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: المَلائِكَةُ الَّتِي تَزْجُرُ السَحابَ وغَيْرَهُ مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ، وقالَ قَتادَةُ: هي آياتُ القُرْآنِ المُتَضَمِّنَةُ النَواهِيَ الشَرْعِيَّةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فالتالِياتِ ذِكْرًا ﴾ مَعْناهُ: القارِئاتُ، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: أرادَ المَلائِكَةَ الَّتِي تَتْلُو ذِكْرَهُ، وقالَ قَتادَةُ: أرادَ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ يَتْلُونَ كُتُبَهُ المُنَزَّلَةَ، وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: [والصافّاتِ صَفًّا] بِالإدْغامِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٍ، والأعْمَشِ.

وقَرَأ الباقُونَ وجُمْهُورُ الناسِ بِالإظْهارِ، وكَذَلِكَ في كُلِّها، قالَ أبُو حاتِمٍ: "والإظْهارُ اخْتِيارُنا"، وأمّا "الحامِلاتِ وِقْرًا" و"الجارِياتِ يُسْرًا" فَلا يَجُوزُ فِيهِما الإدْغامُ لِبُعْدِ التاءِ مِنَ الحَرْفَيْنِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى المُقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّهُ تَوْحِيدُهُ، وأنَّهُ واحِدٌ، أيْ: مُتَّحِدٌ في جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُفَكِّرُ.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وذَكَرَ ﴿ "المَشارِقِ" ﴾ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والعُيُونِ بِها أكْلَفُ، وفي ذِكْرِها غُنْيَةٌ عن ذِكْرِ المَغارِبِ؛ إذْ مُعادَلَتُها لَها مَفْهُومَةٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي لُبٍّ، وأرادَ تَبارَكَ وتَعالى مَشارِقَ الشَمْسِ وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَنَةِ فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَنَةِ إلى أقْصَرِها، ثُمَّ أخْبَرَ عن قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتَظَمَ في ذَلِكَ التَزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِرْزًا مِنَ الشَياطِينِ المَرَدَةِ، وهم مُسْتَرَقُو السَمْعِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ "الزِينَةِ" إلى "الكَواكِبِ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ) وخَفْضِ (الكَواكِبِ) عَلى البَدَلِ مِنها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٍ - بِخِلافٍ عنهُ - وأبِي زُرْعَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "بِزِينَةٍ" بِالتَنْوِينِ [الكَواكِبَ] بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وأبِي عَمْرٍو، والأعْمَشِ، ومَسْرُوقٍ، وهَذا في الإعْرابِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ  ﴾ ﴿ يَتِيمًا ذا  ﴾ وحَكى الزَهْراوِيُّ قِراءَةً بِتَنْوِينِ: "زِينَةٍ" ورَفْعِ "الكَواكِبُ".

و"المارِدُ": المُتَجَرِّدُ لِلشَّرِّ، ومِنهُ: شَجَرَةٌ مَرْداءُ، أيْ: لا ورَقَ عَلَيْها، ومِنهُ: الأمْرَدُ.

وخَصَّ تَعالى السَماءَ الدُنْيا بِالذِكْرِ لِأنَّها الَّتِي تُباشَرُ بِأبْصارِنا، وأيْضًا فالحِفْظُ مِنَ الشَيْطانِ إنَّما هو فِيها وحْدَها.

و"حِفْظًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والواوُ زائِدَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

القسم لتأكيد الخبر مَزيدَ تأكيد لأنه مقتضى إنكارهم الوحدانية، وهو قسم واحد والمقسم به نوع واحد مختَلف الأصناف، وهو طوائف من الملائكة كما يقتضيه قوله: ﴿ فالتَّالِيَاتِ ذِكْراً ﴾ .

وعطف «الصِّفات» بالفاء يقتضي أن تلك الصفات ثابتة لموصوف واحد باعتبار جهة ترجع إليها وحدته، وهذا الموصوف هو هذه الطوائف من الملائكة فإن الشأن في عطف الأوصاف أن تكون جارية على موصوف واحد لأن الأصل في العطف بالفاء اتصال المتعاطفات بها لما في الفاء من معنى التعقيب ولذلك يعطفون بها أسماء الأماكن المتصللِ بعضها ببعض كقول امرئ القيس: بِسِقط اللِّوَى بين الدَّخول فَحَوْمَل *** فتُوضِحَ فالمقرةِ البيت.

وكقول لبيد: بمشارق الجبليين أو بمحجر *** فتضمنتها فَردَه فمرخاها فصدائق إن أيْمَنت فمظنة *** البيت.

ويعطفون بها صفاتتِ موصوف واحد كقول ابن زيَّابة: يا لهف زيَّابة للحارث ال *** صابح فالغَانم فالآيب يريد صفات للحارث، ووصفه بها تهكماً به.

فعن جماعة من السلف: أن هذه الصفات للملائكة.

وعن قتادة أن «التاليات ذكراً» الجماعة الذين يتلون كتاب الله من المسلمين.

وقسَمُ الله بمخلوقاته يُومئ إلى التنويه بشأن المقسم به من حيث هو دَالّ على عظيم قدرة الخالق أو كونه مشرّفاً عند الله تعالى.

وتأنيث هذه الصفات باعتبار إجرَائها على معنى الطائفة والجماعة ليدل على أن المراد أصناف من الملائكة لا آحادٌ منهم.

و ﴿ الصافات ﴾ جمع: صافة، وهي الطائفة المصطفّ بعضها مع بعض.

يقال: صف الأمير الجيش، متعدياً إذا جعله صفاً واحداً أو صفوفاً، فاصطفوا.

ويقال: فَصَفُّوا، أي صاروا مصطفِّين، فهو قاصر.

وهذا من المطاوع الذي جاء على وزن فعله مثل قول العجاج: قد جَبر الدينَ الإِله فجَبَر *** وتقدم قوله: ﴿ فاذكروا اسم اللَّه عليها صَوافّ ﴾ في سورة [الحج: 36]، وقوله: ﴿ والطير صافات ﴾ [النور: 41].

ووصف الملائكة بهذا الوصف يجوز أن يكون على حقيقته فتكون الملائكة في العالم العلوي مصطفّة صفوفاً، وهي صفوف متقدم بعضها على بعض باعتبار مراتب الملائكة في الفضل والقرب.

ويجوز أن يكون كناية عن الاستعداد لامتثال ما يلقى إليهم من أمر الله تعالى قال تعالى، حكاية عنهم في هذه السورة ﴿ وإنَّا لنحن الصَّافونَ وإنَّا لنحنُ المُسَبِحُونَ ﴾ [الصافات: 165، 166].

والزجرُ: الحث في نهي أو أمر بحيث لا يُترك للمأمور تباطؤ في الإِتيان بالمطلوب، والمراد به: تسخير الملائكة المخلوقاتتِ التي أمرهم الله بتسخيرها خلقاً أو فعلاً، كتكوين العناصر، وتصريف الرياح، وإزجاء السحاب إلى الآفاق.

و«التاليات ذكراً» المترددون لكلام الله تعالى الذي يتلقونه من جانب القدس لتبليغ بعضهم بعضاً أو لتبليغه إلى الرسل كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾ [سبأ: 23].

وبيّنه قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قضى الله الأمر في السماء ضَربت الملائكةُ بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله كأنَّه سلسلة على صفوان فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟

قالوا: الذي قال الحق " والمراد ب«التاليات» ما يتلونه من تسبيح وتقديس لله تعالى لأن ذلك التسبيح لما كان ملقناً من لدن الله تعالى كان كلامهم بها تلاوة.

والتلاوة: القراءة، وتقدمت في قوله تعالى: ﴿ واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ﴾ في [البقرة: 102]، وقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته في ﴾ [الأنفال: 2].

والذكر ما يتذكر به مِن القرآن ونحوه، وتقدم في قوله: ﴿ وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر ﴾ في سورة [الحجر: 6].

(وما تفيده الفاء من ترتيب معطوفها يجوز أن يكون ترتيباً في الفضل بأن يراد أن الزجر وتلاوة الذكر أفضل من الصَّف لأن الاصطفاف مقدمة لها ووسيلة والوسيلة دون المتوسَّل إليه، وأن تلاوة الذكر أفضل من الزجر باعتبار ما فيها من إصلاح المخلوقات المزجورة بتبليغ الشرائع إن كانت التلاوة تلاوة الوحي الموحَى به للرسل، أو بما تشتمل عليه التلاوة من تمجيد الله تعالى فإن الأعمال تتفاضل تارة بتفاضل متعلقاتها.

وقد جعل الله الملائكة قِسْماً وسَطاً من أقسام الموجودات الثلاثة باعتبار التأثير والتأثر.

فأعظم الأقسام المؤثر الذي لا يتأثر وهو واجب الوجود سبحانه، وأدناها المتأثر الذي لا يُؤثر وهو سائر الأجسام، والمتوسط الذي يؤثر ويتأثر وهذا هو قسم المجرَّدات من الملائكة والأرواح فهي قابلة للأثر عن عالم الكبرياء الإِلهية وهي تباشر التأثير في عالم الأجسام.

وجِهةُ قابليتها الأثر من عالم الكبرياء مغايِرةٌ لجهة تأثيرها في عالم الأجسام وتصرفها فيها، فقوله: فالزاجِراتتِ زَجْراً } إشارة إلى تأثيرها، وقوله: ﴿ فالتالِياتتِ ذِكراً ﴾ إشارة إلى تأثرها بما يلقى إليها من أمر الله فتتلوه وتتعبّد بالعمل به.

وجملة ﴿ إنَّ إلهكم لَواحِدٌ ﴾ جواب القسم ومناط التأكيد صفة «واحد» لأن المخاطبين كانوا قد علموا أن لهم إلها ولكنهم جعلوه عدة آلهة فأبطل اعتقادهم بإثبات أنه واحد غير متعدد، وهذا إنما يقتضي نفي الإلهية عن المتعددين وأما اقتضاؤه تعيين الإلهية لله تعالى فذلك حاصل بأنهم لا ينكرون أن الله تعالى هو الربّ العظيم ولكنهم جعلوا له شركاء فحصل التعدد في مفهوم الإله فإذا بطل التعدد تعيّن انحصار الإلهية في ربّ واحد هو الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الصّافاتِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والصّافّاتِ صَفًّا ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهم عُبّادُ السَّماءِ، قالَهُ الضَّحّاكُ ورَواهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم جَماعَةُ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا في صُفُوفِهِمْ لِلصَّلاةِ، حَكاهُ النَّقّاشُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ  ﴾ .

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها صُفُوفُ المُجاهِدِينَ في قِتالِ المُشْرِكِينَ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ الصّافّاتُ المَلائِكَةُ في تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّها صُفُوفٌ في السَّماءِ، قالَهُ مَسْرُوقٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: لَأنَّها تَصَفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِما يُرِيدُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: لِصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فالزّاجِراتِ زَجْرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: آياتُ القُرْآنِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الثّالِثُ: الأمْرُ والنَّهْيُ الَّذِي نَهى اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ عَنِ المَعاصِي، حَكاهُ النَّقّاشُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها قَتْلُ المُشْرِكِينَ وسَبْيُهم.

واخْتَلَفَ مَن قالَ إنَّ الزّاجِراتِ المَلائِكَةُ في تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فالتّالِياتِ ذِكْرًا ﴾ أيْ فالقارِئاتِ كِتابًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المَلائِكَةُ تَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: ما يُتْلى في القُرْآنِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى قَوْمِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ ﴾ كُلُّ هَذا قَسَمٌ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، وقِيلَ: إنَّ القَسَمَ بِاللَّهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ ورَبِّ الصّافّاتِ ولَكِنْ أضْمَرَهُ تَعْظِيمًا لِذِكْرِهِ.

ثُمَّ وصَفَ الإلَهَ الواحِدَ فَقالَ: ﴿ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّانِي: مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما.

الثّالِثُ: مُدَبِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما.

﴿ وَرَبُّ المَشارِقِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ قَتادَةُ: ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، والمَغارِبُ مِثْلُ ذَلِكَ، تَطْلُعُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ، وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّها مِائَةٌ وثَمانُونَ مَشْرِقًا تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ في مَطْلِعٍ حَتّى تَنْتَهِي إلى آخِرِها ثُمَّ تَعُودُ في تِلْكَ المَطالِعِ حَتّى تَعُودَ إلى أوَّلِها، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، ولا يَذْكُرُ المَغارِبَ لِأَّنَ المَشارِقَ تَدُلُّ عَلَيْها، وخَصَّ المَشارِقَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الشُّرُوقَ قَبْلَ الغُرُوبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ والصافات صفاً ﴾ قال: الملائكة ﴿ فالزاجرات زجراً ﴾ قال: الملائكة ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة رضي الله عنه، مثله.

وأخرج سعيد بن منصور عن مسروق رضي الله عنه قال: كان يقال في الصافات، والمرسلات، والنازعات هي الملائكة.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والصافات صفاً، فالزاجرات زجراً ﴾ قال: هم الملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ فالزاجرات زجراً ﴾ قال: ما زجر الله عنه في القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ قال: الملائكة يجيئون بالكتاب، والقرآن، من عند الله إلى الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والصافات صفاً ﴾ قال: الملائكة صفوف في السماء ﴿ فالزاجرات زجراً ﴾ قال: ما زجر الله عنه في القرآن ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ قال: ما يتلى في القرآن من أخبار الأمم السالفة ﴿ إن إلهكم لواحد ﴾ قال: وقع القسم على هذا.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ورب المشارق ﴾ قال: المشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً ﴿ والمغارب ﴾ ثلاثمائة وستون مغرباً في السنة قال: (والمشرقان) مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، (والمغربان) مغرب الشتاء، ومغرب الصيف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: ﴿ المشارق ﴾ ثلاثمائة وستون مشرقاً ﴿ والمغارب ﴾ مثل ذلك، تطلع الشمس كل يوم من مشرق، وتغرب في مغرب.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ورب المشارق ﴾ قال: عدد أيام السنة، كل يوم مطلع، ومغرب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ﴾ قال ابن مسعود ومسروق ومجاهد ومقاتل: هم الملائكة (١) قال ابن عباس: يريد ملائكة يتلون ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- (٢) وقال مقاتل: هو جبريل يتلو القرآن على الأنبياء من ربهم، وهو الملقيات ذكرًا يلقي الذكر على الأنبياء (٣) (٤) وقال السدي: هم الملائكة يتلون الذكر على الأنبياء (٥) وقال الكلبي: هو قراءة الكتاب (٦) قال أبو إسحاق: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3)﴾ جائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلون ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- (٧) قال قتادة: (التاليات ذكرًا) ما يتلى من أي القرآن (٨) (٩) وذكر صاحب النظم أن الفاء هاهنا جواب وما قبله سبب له، كما تقول قام فمر، واضطجع فنام، فالقيام سبب للمرور والاضطجاع سبب للنوم.

وتأويل الآية: والتي تصف صفًّا فتزجر زجرًا، فالصف سبب الزجر والزجر سبب التلاوة.

قال: ويدل على هذا قوله: ﴿ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا  ﴾ ، ثم استأنف قسمًا آخر منقطعًا مما قبله غير منسوق عليه بالواو فقال: ﴿ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ﴾ وهذه الواو واو قسم، وعلى ما ذكره يجب أن يكون الصافات والزاجرات والتاليات جنسًا واحدًا وعصبة من الملائكة اجتمعت فيهم هذه الصفات (١٠) (١١) وأما التاءات التي في الصافات والزاجرات والتاليات فإنها تقرأ بالإظهار، وأدغمها حمزة فيما بعدها، وهو قراءة عبد الله.

وإدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنها من طرف اللسان وأصول الثنايا، ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير، وحسن أن يدغم الأنقص في الأزيد، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً في الأنقص.

وإدغام التاء في الزاي حسن أيضًا، لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة.

وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد.

وكذلك حسن إدغام التاء في الذال في قوله: ﴿ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ﴾ لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا.

وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج، وأن المدغم فيه ليس بلازم، فلم يدغموا لتباين المخارج وانتفاء اللزوم، ألا ترى أنهم يثبتون نحو [أفعلَ] (١٢) (١٣) (١) انظر: "الطبري" 23/ 34، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.

(٢) انظر: المصادر السابقة.

(٣) "تفسير مقاتل" 109 ب.

(٤) انظر: "القرطبي" 15/ 92، "فتح القدير" 4/ 386.

(٥) انظر: "الطبري" 23/ 34، "بحر العلوم" 3/ 110، "مجمع البيان" 8/ 684.

(٦) انظر: "الوسيط" 3/ 521.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 297.

(٨) انظر: "الطبري" 23/ 34، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.

(٩) انظر: "الكشاف" 3/ 295.

(١٠) في (أ): (الصافات).

(١١) في (ب) تقديم وتأخير هكذا: (الصافات غير الزاجرات ...).

(١٢) ما بين المعقوفتين مطموس في جميع النسخ، وما أثبت من الحجة لأبي علي لأن الكلام قد يكون بنصه منقولًا عنها من قوله: وأما التاءات التي في الصافات.

"الحجة" 6/ 49 - 50.

(١٣) انظر: "الحجة" 6/ 49، "علل القراءات" 2/ 573، "الحجة في القراءات السبع" ص 300.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والصافات صَفَّا ﴾ تقديره والجماعات الصافات ثم اختلف فيها فقيل: هي الملائكة التي تصف في السماء صفوفاً لعبادة الله، وقيل: هو من يصف من بني آدم في الصلوات والجهاد، والأول أرجح لقوله حكاية عن الملائكة [الآية: 165] ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون ﴾ ﴿ فالزاجرات زَجْراً ﴾ هي الملاكئة تزجر السحاب وغيرها، وقيل: الزاجرون بالمواعظ من بني آدم، وقيل: هي آيات القرآن المتضمنة للزجر عن المعاصي ﴿ فالتاليات ذِكْراً ﴾ هي الملائكة تتلو القرآن والذكر، وقيل: هم التالون للقرآن والذكر من بني آدم، وهي كلها أشياء أقسم الله بها على أنه واحد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والصافات صفاً ﴾ وما بعدهما مدغماً: حمزة وأبو عمرو غير عباس ﴿ بزينة ﴾ منوناً: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ الكواكب ﴾ بالنصب: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالجر ﴿ لا يسمعون ﴾ بتشديد السين والميم وأصله "يتسمعون": حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم.

﴿ بل عجبت ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالفتح على الخطاب ﴿ آيذا ﴾ بالمد والياء ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة مكسورة: يزيد وقالون وزيد.

الباقون: مثل التي في "الرعد" وأما الثانية فمثل التي في "الرعد" ﴿ أو آباؤنا ﴾ مثل ﴿ أو أمن أهل القرى  ﴾ وكذلك في "الواقعة" ﴿ لا تناصرون ﴾ بالتشديد البزي وابن فليح ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئنك ﴾ ﴿ أئفكا ﴾ مثل ﴿ ائنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ ينزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الآخرون: بفتح الزاي ﴿ لترديني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ صفا ﴾ ه لا ﴿ زجراً ﴾ ه لا ﴿ لواحد ﴾ ه ط ﴿ المشارق ﴾ ه ط ﴿ الكواكب ﴾ ه لا ﴿ مارد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي.

وعليه بحث يجيء في التفسير ﴿ واصب ﴾ ه لا ﴿ ثاقب ﴾ ه ج ﴿ خلقنا ﴾ ط ﴿ لازب ﴾ ه ﴿ ويسخرون ﴾ ه ص ﴿ لا يذكرون ﴾ ه ص ﴿ يستسخرون ﴾ ه ص ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأوّلون ﴾ ه ط ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ مسؤولون ﴾ ه لا لأن المسؤول عنه قوله ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ ه ﴿ مستسلمون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج ﴿ سلطان ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ لذائقون ﴾ ه ﴿ غاوين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ يستكبرون ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ط ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ الأليم ﴾ ه ج ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ فواكه ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ مكرمون ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ج ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ للشارين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ ينزفون ﴾ ه ﴿ عين ﴾ ط ﴿ مكنون ﴾ ج ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ المصدّقين ﴾ ه ﴿ لمدينون ﴾ ه ﴿ مطلعون ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ لتردين ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ بميتين ﴾ ه لا ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ الزقوم ﴾ ه ﴿ للظالمين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة لشجرة ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ البطون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ج ﴿ ضالين ﴾ ه لا للعطف مع اتصال المعنى ﴿ يهرعون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ المجيبون ﴾ ه ز ﴿ العظيم ﴾ ه ز ﴿ الباقين ﴾ ه ز ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ في أوّل هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مرّ في أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله  ، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف.

قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، الا ترى أن التاء والصاد هما من طرف اللسان وأوصل الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟

وأيضاً الزاي مجهورة وفيها زيادة صفير.

ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثاً لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة.

وأما التقدير الأوّل ففيه وجوه الأوّل: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله  .

والصف ترتيب الشيء على نسق.

الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين.

قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفاً أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة.

والزجر سوق السحاب.

قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب.

وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم.

والتاليات الذين يتلون كتاب الله على الأبنياء.

والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية.

الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها.

أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً  ﴾ والزجرة والصيحة سواء.

والمراد رفع الصوت بزجر الخيل.

وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله.

يحكى عن علي بن أبي طالب  أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دماً فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء.

الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، وكلها مترتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات.

وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال: شعر شاعر.

والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه.

ويحتمل وإن لم يذكره جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله: الصابح فالغانم فالآيب *** كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب.

مثاله المصلون يقفون أوّلاً صفوفاً ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة.

وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات متغايرة؛ فالصافات الطير من قوله ﴿ والطير صافات  ﴾ والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله.

أو الصافات طائفة من الملائكة أو من الأشخاص الإِنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى.

وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه.

والفاء على هذه المعاني لترتب الموصوفات في الفضل.

ثم إنه  لو يقتصر في إثبات التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق ﴾ فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها.

وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ .

ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية الحفظ من الشيطان.

والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة لما تلاق به الدواة.

ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله  الكواكب وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط التي تنظم طائفة منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني عشر.

وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما يروق الناظر، ويجوز أن يقع ﴿ الكواكب ﴾ بياناً للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة.

ويجوز أن يراد بالزينة ما زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء.

ومن قرأ باتنوين ﴿ زينة ﴾ وجر ﴿ الكواكب ﴾ فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين ﴿ زينة ﴾ ونصب ﴿ الكواكب ﴾ فعلى أنه بدل من محل ﴿ بزينة ﴾ أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة.

قوله ﴿ وحفظاً ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه محمول على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين.

وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظاً من كل شيطان زيناها بالكواكب.

وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم.

تقول: افعل ذلك كرامة أي وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: وحفظناها حفظاً.

قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله الكواكب في زمن محمد  بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء في إصغائهم.

قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبحرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه.

وأيضاً إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟

وأيضاً مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟

والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضاً كالنادر.

فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان ناراً صرفاً، ولكن الناري غالب عليه.

ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن الله.

والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق.

والضمير في قوله ﴿ لا يسمعون ﴾ لكل شيطان لأنه في معنى الجمع.

والتسمع تكلف السماع سمع أو لم سمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى.

وقيل: معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي.

قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن يكون استئنافاً لأن سائلاً لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟

فأجيب بأنهم لا يسمعون.

لم يستقم فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع.

قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان مستأنفاً كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا.

ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم "أن" وأهدر عملها كما في قول القائل: ألا ايهذا الزاجري أحضر الوغى *** ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك "جئتك أن تكرمني" وحذف "أن" في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات.

قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضاً لا يصح إلا بتقدير اللام أو "من" مع "أن".

والملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات.

وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة.

وعنه: الكتبة من الملائكة.

والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجراً.

وقوله ﴿ من كل جانب ﴾ أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب.

وقيل: من كل الجوانب.

﴿ دحوراً ﴾ أي طرداً مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران كأنه قيل: يقذفون قذفاً أو يدحرون دحوراً.

ويجوز أن يكون مفعولاً له اي لأجل الدحور أو مصدراً في موضع الحال أي مدحورين كقوله ﴿ مذموماً مدحوراً  ﴾ ﴿ ولهم ﴾ أي للشياطين ﴿ عذاب واصب ﴾ دائم وقد مر في النحل في قوله ﴿ وله الدين واصباً  ﴾ يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب غير منقطع ﴿ إلا من خطف ﴾ في محل الرفع بدلاً من الواو في ﴿ لا يسمعون ﴾ أي لا يسمع إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة.

وقيل: وثب وثبة.

وقيل: الاستثناء منقطع خبره ﴿ فأتبعه ﴾ أي أتبعه ورمى في أثره ﴿ شهاب ثاقب ﴾ مضيء أو ماض فإذا قذفوا احترقوا.

وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون.

وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك.

وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة.

وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأوّل أن يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر فيقدر في الحالة الثانية.

أما الطريق الأوّل فاشار إليه بقوله ﴿ فاستفتهم ﴾ أي سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم.

وقيل: اراد عاداً وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية.

والقول الأول اقوى بدليل فاء التعقيب ولإطلاق قوله ﴿ خلقنا ﴾ إكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق، ومن هان عليه هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون.

وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ أي لازم والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين الحر.

وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن.

ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم يكن قابلاً للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أوّلاً فلا يبقى ريب في قبولها ثانياً، وقادرية الله  باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها.

وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق الأوّل، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة.

ثم بين أنهم مع قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال ﴿ بل عجبت ﴾ من قرأ بفتح التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث ﴿ و ﴾ هم ﴿ يسخرون ﴾ من تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه.

ومن قرأ بالضم فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام الشيء.

وقيل: هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء.

وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل عجبت.

سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله  غير منكر.

سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه  محمولة على النهايات كالمكر والاستهزاء والمعنى: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم  ﴾ .

عند من يرى أن العجب من الله.

وقد جاء في الحديث "يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة" .

وقال أيضاً: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته" .

والألّ التضرع.

ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون.

﴿ وإذا رأوا آية ﴾ بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات ﴿ يستسخرون ﴾ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر.

فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث.

قوله ﴿ أو آباؤنا ﴾ من قرأ بسكون الواو فمعطوف على محل اسم "أن"، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في ﴿ مبعوثون ﴾ وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى: أيبعث أيضاً آباؤنا؟

يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد.

وعلى الأوّل أرادوا إنكار أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله  بقوله ﴿ قل نعم ﴾ تبعثون ﴿ وأنتم داخرون ﴾ صاغرون أذلاء.

وإذا كان كذلك ﴿ فإنما هي ﴾ أي البعثة أو هو مبهم يوضحه خبره ﴿ زجرة ﴾ واحدة يعني صيحة النفخة الثانية ﴿ فإذا هم ينظرون ﴾ أراد أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم.

﴿ وقالوا يا ويلنا ﴾ الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله ﴿ تكذبون ﴾ يقوله الكفرة فيما بينهم.

وقيل: إن كلامهم يتم عند قوله ﴿ يا ويلنا ﴾ ثم قال الله أو الملائكة ﴿ هذا يوم الدين ﴾ الجزاء والحساب ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ القضاء والفرق بين المحسن والمسيء ﴿ احشروا الذين ظلموا ﴾ بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم.

وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه بعد البعث اي اجمعوهم ﴿ وأزواجهم ﴾ أي أشكالهم الذي على دينهم وسيرتهم؛ الزاني مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب.

وقيل: قرناءهم من الشياطين.

وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم.

﴿ وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ من الأصنام ﴿ فاهدوهم ﴾ ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم ﴿ إلى صراط الجحيم ﴾ وسطها أو طريقها لأنه قال بعد ذلك ﴿ وقفوهم ﴾ اي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا تهكماً وتوبيخاً بالعجز عن التناصر ﴿ ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ﴾ قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله.

وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة.

ثم حكى أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم ﴿ قالوا ﴾ لرؤسائهم ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعاً وعرفاً.

كان رسول الله يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيآت، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح.

فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصدّه عنه وأضله.

قال جار الله: من المجاز ما غلب عليه الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير.

ثم صار قولك "أتاه عن اليمين" مجازاً في المعنى المذكور.

الثاني: أن يقال: فلان يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم.

الثالث: اليمين الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم.

الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع البطش غالباً أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال.

وكما أن الضمير في ﴿ قالوا ﴾ الأول كان عائداً إلى الأتباع بقرينة الخطاب، فالضمير في ﴿ قالوا ﴾ الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة.

والمعنى بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا.

﴿ وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً ﴾ مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم  ﴾ ﴿ فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ﴾ قال مقاتل: أراد قوله: ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في العذاب وكان خبر الله حقاً فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب.

قال جار الله: لو حكى الوعيد كما هو لقال "إنكم لذائقون" ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوين ﴾ أي أقدمنا على أغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب أغوائنا فغوايتنا إن كانت بسب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضاً من الله كما مر في قوله ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ هذا تفسير أهل السنة.

وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: ﴿ بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة ﴿ فأغويناكم ﴾ فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين فاردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا.

وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله ﴿ فإنهم ﴾ جميعاً ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم القيامة ﴿ في العذاب مشتركون ﴾ كما كانوا مشتركين في الغواية.

ولعل للمتبوعين عذاباً زائداً للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء ﴿ إنا كذلك ﴾ أي مثل ذلك الفعل ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم أي كافر بدليل قوله ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ يأبون من قبوله، والجملة الشرطية خبر "كان" وهو مع الاسم والخبر خبر "إن" وإن ألغيت "كان" فالخبر ﴿ يستكبرون ﴾ و"إذا" ظرفه.

﴿ ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ عنوا محمداً  بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوّة جميعاً فردّ عليهم بقوله ﴿ بل جاء ﴾ متلبساً ﴿ بالحق وصدّق المرسلين ﴾ وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم في قولهم ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة قائلاً ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال ﴿ وما تجوزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحققه صوناً للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة اشبه.

والسنيّ يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل.

قال جار الله ﴿ إلا عباد الله ﴾ استثناء منقطع أي لكن عباد الله ﴿ المخلصين أولئك لهم رزق ﴾ قلت: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف.

ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله ﴿ إنكم ﴾ للمكلفين جميعاً فيصح الاستثناء المتصل مطلقاً أي تذوقون العذاب الأليم.

قوله ﴿ معلوم ﴾ قيل: أي معلوم الوقت كقوله ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر.

وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم.

وقيل: أراد أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع.

ثم فسر ذلك الرزق بأنه ﴿ فواكه ﴾ فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة.

وقيل: أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الطعام أولى بالحضور.

وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال ﴿ وهم مكرمون ﴾ إذ الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.

وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة جلوسهم فقال ﴿ في جنات النعيم على سرر متقابلين ﴾ وقد مر في "الحجر".

ثم وصف مشروبهم.

قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كاساً إلا إذا كان فيها خمر، وقد تسمى الخمر نفسها كأساً.

عن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر *** وكذا في تفسير ابن عباس: والمعين النهر الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء.

وقد يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جارياً قاله ثعلب.

وقيل: "فعيل" من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير أي بالغ فيه.

واشتدّ وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء.

وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن.

﴿ ولذة ﴾ إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي تأنيث.

اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال العقول.

يقال: غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وافسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ أي يسكرون.

وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر.

يقال: نزف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله.

والتركيب يدور على الفناء والنفاد ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء.

وأنزف مثله ومعناه صار ذا نزف.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ هو أن الشراب لا ينقطع عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار.

والأوّلون حملوه على المبالغة.

ثم وصف منكوحهم بقوله ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله ﴿ عرباً  ﴾ والعين جمع العيناء مؤنث الأعين وهو كبير العين.

ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، وذلك لأن فيها بياضاً يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور.

ثم عطف على قوله ﴿ يطاف ﴾ قوله قوله ﴿ فأقبل ﴾ وهو مضارع في المعنى إلا أنه على عادة الله  في الأخبار.

ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في تخاصم أهل النار.

والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة.

قال بعضهم: وما بقيت من اللذات إلا *** أحاديث الكرام على المدام وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ابتداء الحكاية ﴿ قال قائل منهم ﴾ أي من أهل الجنة ﴿ إني كان لي قرين ﴾ جليس أو شريك في الدنيا ﴿ يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ أي بيوم الدين ﴿ أئنا لمدينون ﴾ لمجزيون من دان يدين إذا جزى.

وقيل: لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه الحديث "الكيس من دان نفسه" وعن بعضهم: أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين  ﴾ ﴿ قال ﴾ يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ إلى النار اي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها.

عن ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ﴿ فاطلع ﴾ على أهل النار فرأى قرينه ﴿ في سواء الجحيم ﴾ وسطها ﴿ قال ﴾ لقرينه ﴿ تالله إن كدت لتردين ﴾ "إن" مخففة واللام فارقة.

والإرداء الإِهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدّي إلى الهلاك الحقيقي.

والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم  ﴾ إلى آخر الآية والله أعلم.

ثم شكر الله  على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل فقال ﴿ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ﴾ في النار مثلك أطلق إطلاقاً لأن الإِحضار يستعمل في الشر غالباً ولا سيما في اصطلاح القرآن.

وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قريناً له في الدنيا وهو الآن من أهل النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلاً ﴿ أفما نحن بميتين ﴾ وفيه قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أوّل دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب.

وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله  واغتباطاً بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول.

أفيدوم هذا لي؟

وإن كان على يقين من دوامه.

وايضاً إنه قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وليحكيه الله فيكون لنا لطفاً وزجراً.

احتج نفاة عذاب القبر بقوله ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ فإنه يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين.

وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾ يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعاً له وتوبيخاً وأن يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقاً لهم، وكذا قوله ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله عز وجل كأنه لما تمم قصة المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الزرق ﴿ خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ قال جار الله: أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل.

فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم والغم.

ويمكن أن يقال: النزل ما يقدّم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك.

وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة.

وقال غيره: إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ وذلك أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله  وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وقيل: إنما كانت فتنة لهم لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمداً يخوّفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر.

وذكروا أيضاً أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال: تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم.

وذكر بقية أوصاف الشجرة منها ﴿ إنها تخرج في أصل الجحيم ﴾ اي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.

وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر.

ومنها ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ قال جار الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك إذا كان يشبه الطلع شكلاً ولوناً.

وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال أحدها وهو الأقوى: إنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل النفوس إليه، وإذا كان الشيطان كله مستقبحاً فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في الجحيم.

الثاني أن الشيطان ههنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها أعراف ورؤوس قباح.

الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين.

الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة سود تكون حول مكة.

ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضاً يعود إلى الأول إلا أنه بعد التسمية كأنه صار أصلاً يشبه به.

ثم علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله ﴿ فإنهم لآكلون منها ﴾ أي من طلعها ﴿ فمالؤن منها البطون ﴾ أي بطونهم إما لأن شدّة الجوع تحملهم على تناول ذلك الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون باباً من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد الحرارة، وقد وصفه الله  في قوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه  ﴾ والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة ﴿ ومزاجه من تسنيم  ﴾ وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج بالحميم أو يسقون صديداً أو شراباً حاراً ممزوجاً بما هو أحر وهو الحميم.

ومعنى "ثم" التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلاً للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير.

قال مقاتل: معنى "ثم" في قوله ﴿ ثم إن مرجعهم ﴾ أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردّون إلى موضعهم أي من الجحيم فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار.

وقيل: هو كقولهم "فلان يرجع إلى مال ونعمة" أي هو فيها.

وقيل: "ثم" لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار.

وقيل: "ثم" مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم.

ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو التقليد.

والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقاً ولو لم يوجد في ذم التقليد إلا هذه الآية لكفى.

ثم اراد تسلية النبي  إجمالاً بقوله ﴿ ولقد ضل قبلهم ﴾ أي قبل قومك ﴿ أكثر الأوّلين ﴾ ثم استثنى من قوله ﴿ ولقد ضل ﴾ أو ﴿ من المنذرين ﴾ المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة.

ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلاً, وقدّم قصة نوح  لكونه أباً ثانياً ونداؤه في قوله ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ \[المؤمنون: 26\] أو قوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ واللام الداخلة على ﴿ نعم ﴾ جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في ﴿ فلنعم ﴾ دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقروناً بإجابة.

والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع الياس من إيمانهم وهذا أقرب.

وفي قوله ﴿ هم الباقين ﴾ بصيغة الحصر دلالة على أن كل ما سواه وسوى ذريته فقد فنوا.

روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذرّيته وهم سام وحام ويافث.

فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقاً وغرباً، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي ﴿ سلام على نوح ﴾ ومعنى ﴿ في العالمين ﴾ أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة.

ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسناً وهذا جزاء كل محسن.

ثم بين أن إحسانه كان مسبوقاً بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسناً.

وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال ﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ أعاذنا الله من الإغراق والإِحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمناً للنصر والفتوح.

التأويل: ﴿ والصافات ﴾ إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر ﴿ فالزاجرات ﴾ هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ هم الذين يذكرون الله في الخلوات بخلوص النيات.

رب سموات القلوب وأرض النفوس وما بينهما من صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد واقمار الطوالع ونجوم اللوامع.

السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية ﴿ طين لازب ﴾ أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام.

فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأوّلون أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف.

والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا االله فيسترها عليهم كما جاء ذكره في الحديث "إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم اي رب.

ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا!

وكذا!؟

فيقول: نعم.

ثم يقول: اي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم أي رب.

حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته" ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا موت، بل ينتقل من دار إلى دار.

﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ بل لمثل هذه الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر) على مثل ليلى يقتل المرء نفسه *** وإن بات من ليلى على اليأس والصدّ ثم أخبر بعد قصة الأولياء عن قصة الأعداء بقوله ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ وفي قوله ﴿ كأنه رؤوس الشياطين ﴾ دليل على أن أفعالهم كانت في قبح صفات الشياطين فكانت مكافأتهم من جنس صورة الشياطين ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ أنه  سلم على نوح الروح لأنه يحتاج إلى سلام الله ليعبر على الصراط المستقيم الذي هو أدقَ من الشعر وأحدّ من السيف، ولهذا يكون دعوة الرسل حينئذ رب "سلم سلم".

وإنما اختصوا بالصراط والعبور عليه ليؤدّوا الأمانة التي حملوها إلى أهلها وهو الله  وتعالى .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الصافات هي الطير إذا صفت أجنحتها بين السماء والأرض.

وذكر عن ابن مسعود قال: الصافات والزاجرات والتاليات كلهم الملائكة، قال: الملائكة الصافات اصطفت الملائكة صفّاً لعبادة الله - عز وجل -: وتسبيحه، وكذلك ذكر عن ابن عباس وغيره إلا أن غيره يفسر الزاجرات والتاليات أي ملائكة هم؟

ولسنا نذكر عن ابن مسعود وابن عباس التفسير.

وقال بعضهم: ﴿ فَٱلزَّاجِرَاتِ ﴾ : هم الملائكة الذين يزجرون السحاب والأمطار، ﴿ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ هم الملائكة يتلون القرآن والوحي على الرسل والأنبياء، عليهم السلام.

وقال قتادة: ﴿ وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا ﴾ أقسم الله - عز وجل - بخلق ممن خلق، قال: ﴿ وَٱلصَّافَّاتِ ﴾ : الملائكة صفوف في السماء، ﴿ فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً ﴾ : ما ذكر الله في القرآن من زواجر عن المعاصي والمساوي، ﴿ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ قال: ما يتلى عليكم في القرآن من أخبار الرسل - عليهم السلام - وأنباء الأمم التي كانت قبلكم.

وجائز أن يكون ﴿ وَٱلصَّافَّاتِ ﴾ : هم الملائكة الذي يصلون لله - عز وجل - صفوفاً على ما ذكروا، ﴿ فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً ﴾ : هم الملائكة الموكلون بأرزاق الخلق وسوقها إليهم يسوقون إليهم سوقاً، ﴿ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ : هم الملائكة الموكلون بالتسبيح والتحميد وجميع الأذكار.

ثم وجه القسم بالملائكة الذين ذكر - والله أعلم -: أنه عز وجل قد عظم شأن الملائكة وأمرهم في قلوب أولئك الكفرة حتى قالوا: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ  ﴾ ، وقول فرعون: ﴿ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ ، وما وصفهم الله - عز وجل -: أنهم ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6]، ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ الآية [الأعراف: 206]، وقوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 20]، عظم الله - عز وجل - أمر الملائكة عليهم و[عظم] شأنهم في قلوب أولئك الكفرة وصدقهم عندهم؛ لذلك أقسم بهم على وحدانيته بقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴾ على هذا وقع القسم.

ثم أخبر عن صنع ذلك الواحد الذي هو إلهكم وإله الخلق جميعاً، وذكر نعته، فقال - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ ﴾ .

يخبر عن وحدانيته وتفرده حيث أنشأ السماوات وأنشأ الأرض وما ذكر، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما، ومنافع المشارق متصلة بمنافع المغارب على بعد ما بينهما، ولو كان فعل عدد لمنع اتصال منافع بعض ببعض على ما يكون من فعل ذوي عدد وغلبة بعض على بعض، فإذا لم يمتنع ذلك، بل اتصل بعض ببعض؛ دل أنه فعل واحد لا شريك له.

ثم تخصيص ذكر السماوات والأرض وما ذكر دون غيره من الخلائق؛ لما عظم قدر السماء في قلوبهم؛ لنزول ما ينزل منها من الأمطار والبركات وغيرها، والأرض بخروج ما يخرج منها من الأنزال والأرزاق؛ ولذلك يخرج ذكرهما - والله أعلم - فيما ذكر حيث قال فيهما: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ  ﴾ فلعظم قدرهما في قلوبهم ودوامهما عندهم خرج ذكرهما، وإن كانتا تفنيان ولا تدومان أبداً، والله أعلم.

ثم قال - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ قال بعض المعتزلة - وهو جعفر بن حرب -: فإن قال لنا قائل من قوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ : إنه رب أعمالنا وأفعالنا، فنقول له: إن أردت أنه رب أعمالنا وأفعالنا فبلى، ثم قال: فيقال لهم: أتقولون: إنه خالق الكفر وخالق الشر ونحوه، وفي أفعال الخلق الكفر والشر ونحوه؟!

قيل له: لا يقال ذلك على الإطلاق: إنه خالق الكفر وخالق شر، وإن كان يقال في الجملة: خالق أفعال الخلق، ورب كل شيء، وخالق كل شيء؛ لأن ذكره على الجملة يخرج على تعظيم ذلك الشيء؛ نحو ما يقال: رب محمد، ورب البيت، إنما هو لتعظيم محمد  وتعظيم ذلك البيت خاصة؛ فعلى ذلك وصفنا إياه بالجملة أنه خالق أفعال العباد وخالق كل شيء يخرج على وصف البيت بالعظمة والجلال، وعلى الإشارة التي تبني منها، والتخصيص على تعظيم ذلك الشيء خاصة؛ لذلك جاز أن يوصف أنه خالق أفعال العباد جملة؛ لما ذكرنا أنه يخرج على المدح والتعظيم وعلى الإشارة على المنة له في تعظيم ذلك الشيء؛ لذلك افترقا، والله الموفق.

ثم يقال لهم: قولكم: إنه مالك لها وليس بخالق هل يقال لأحد: إنه مالك كذا إلا لما ينشئ ذلك أو لتمليك من يملكه، فإذا ثبت أنه مالك الأعمال والأفعال ثبت أنه خالقها؛ إذ لا يقال: مالك كذا إلا للقدرة على ذلك أو لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إن للشمس ثلاثمائة وستين مشرقاً تطلع كل يوم من كوة، وكذلك يقولون في المغارب: إنها تغرب كل يوم من كوة، لكن يشبه أن يكون أراد بالمشارق والمغارب كل شيء يشرق وكل شيء غارب من الشمس والقمر والنجوم والكواكب وغيرها؛ [وعلى ذلك] يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ  ﴾ .

وأما أهل التأويل فإنهم يقولون: مشرق الشتاء والصيف وكذلك مغربهما.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأقسم بالملائكة الذين يتلون كلاَم الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.4zW3O"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله