الآية ٤٠ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ٤٠ من سورة الصافات

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخاطبا للناس : ( إنكم لذائقو العذاب الأليم .

وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين ، كما قال تعالى ( والعصر .

إن الإنسان لفي خسر .

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ العصر : 1 - 3 ] .

وقال : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم .

ثم رددناه أسفل سافلين .

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ التين : 4 - 6 ] ، وقال : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا .

ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) [ مريم : 71 ، 72 ] ، وقال : ( كل نفس بما كسبت رهينة .

إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] ولهذا قال هاهنا : ( إلا عباد الله المخلصين ) أي : ليسوا يذوقون العذاب الأليم ، ولا يناقشون في الحساب ، بل يتجاوز عن سيئاتهم ، إن كان لهم سيئات ، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) يقول: إلا عباد الله الذين أخلصهم يوم خلقهم لرحمته، وكتب لهم السعادة في أم الكتاب، فإنهم لا يذوقون العذاب، لأنهم أهل طاعة الله، وأهل الإيمان به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) قال: هذه ثَنِية الله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إلا عباد الله المخلصين استثناء ممن يذوق العذاب .

وقراءة أهل المدينة والكوفة المخلصين بفتح اللام ، يعني الذين أخلصهم الله لطاعته ودينه وولايته .

الباقون بكسر اللام ، أي : الذين أخلصوا لله العبادة .

وقيل : هو استثناء منقطع ، أي : إنكم أيها المجرمون ذائقو العذاب ، لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } فإنهم غير ذائقي العذاب الأليم، لأنهم أخلصوا للّه الأعمال، فأخلصهم، واختصهم برحمته، وجاد عليهم بلطفه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إلا عباد الله المخلصين ) الموحدين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إلا عباد الله المخلصين» أي المؤمنين استثناء منقطع، أي ذكر جزائهم في قوله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إلا عباد الله تعالى الذين أخلصوا له في عبادته، فأخلصهم واختصهم برحمته؛ فإنهم ناجون من العذاب الأليم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وكعادة القرآن الكرمي فى المقارنة بين مصير الأشرار ومصير الأخيار - ليهلك ن هكل عن بينة ويحيا من حى عن بينة - أتبع - سبحانه - الحديث عن سوء عاقبة الكافرين - بالحديث عن حسن عاقبة المؤمنين ، فقال - تعالى - :( إِلاَّ عِبَادَ الله .

.

.

) .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين ) استثناء منقطع من ضمير ( ذائقو ) وما بينهما اعتراض جئبه مسارعة إلى تحقيق الحق .

ببيان أن ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلا .

فإلا مؤولة بلكن .فالمعنى : إنكم - أيها المشركون - لذائقو العذاب الأليم ، لكن عباد المخلصين - ليسو كذلك - أولئك لهم رزق معلوم .

.ولفظ ( المخلصين ) قرأه بعض القراء السبعة - بفتح اللام - أى : لكن عباد الله - تعالى - الذين أخلصهم الله - تعالى - لطاعته وتوحيده ليسوا كذلك .وقرأه البعض الآخر بكسر اللام .

أى : لكن عباد الله الذين أخلصوا له العبادة والطاعة ، لا يذوقون حر النار كالمشركين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن الله تعالى لما حكى عنهم أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون شرح كيفية ذلك التساؤل فقال: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين ﴾ وهذا قول الأتباع لمن دعاهم إلى الضلالة، وفي تفسير اليمين وجوه: الأول: أن لفظ اليمين هاهنا استعارة عن الخيرات والسعادات، وبيان كيفية هذه الاستعارة، أن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر لوجوه: أحدها: اتفاق الكل على أن أشرف الجانبين هو اليمين والثاني: لا يباشرون الأعمال الشريفة إلا باليمين مثل مصافحة الأخيار والأكل والشرب وما على العكس منه يباشرونه باليد اليسرى الثالث: أنهم كانوا يتفاءلون وكانوا يتيمنون بالجانب الأيمن ويسمونه بالبارح الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء الخامس: أن الشريعة حكمت بأن الجانب الأيمن لكاتب الحسنات والأيسر لكاتب السيئات السادس: أن الله تعالى وعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه، والمسيء أن يؤتى كتابه بيساره، فثبت أن الجانب الأيسر، وإذا كان كذلك لا جرم، استعير لفظ اليمين للخيرات والحسنات والطاعات، فقوله: ﴿ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين ﴾ يعني أنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون لنا أن مقصودكم من الدعوة إلى تلك الأديان نصرة الحق وتقوية الصدق والوجه الثاني: في التأويل أنه يقال فلان يمين فلان، إذا كان عنده بالمنزلة الحسنة، فقال هؤلاء الكفار لأئمتهم الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون لنا، أننا عندكم بمنزلة اليمين، أي بالمنزلة الحسنة، فوثقنا بكم وقبلنا عنكم الوجه الثالث: أن أئمة الكفار كانوا قد حلفوا لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فوثقوا بإيمانهم وتمسكوا بعهودهم التي عهدوها لهم، فمعنى قوله: ﴿ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين ﴾ أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا الوجه الرابع: أن لفظ اليمين مستعار من القوة والقهر، لأن اليمين موصوفة بالقهر وبها يقع البطش، والمعنى أنكم كنتم تأتوننا عن القوة والقهر، وتقصدوننا عن السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتعيرونا عليه، ثم حكى الله تعالى عن الرؤساء أنهم أجابوا الأتباع من وجوه: الأول: أنهم قالوا لهم ﴿ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يعني أنكم ما كنتم موصوفين بالإيمان حتى يقال إنا أزلناكم عنه الثاني: قولهم: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مّن سلطان ﴾ يعني لا قدرة لناعليكم حتى نقهركم ونجبركم الثالث: ﴿ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طاغين ﴾ أي ضالين غالين في معصية الله الرابع: قولهم: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ﴾ والمعنى أن الله تعالى لما أخبر عن وقوعنا في العذاب، فلو لم يحصل وقوعنا في العذاب لما كان خبر الله حقاً، بل كان باطلاً، ولما كان خبر الله أمراً واجباً لا جرم، كان الوقوع في العذاب الأليم لازماً، قال مقاتل قوله تعالى: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا ﴾ إشارة إلى قول الله لإبليس: ﴿ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا لَذَائِقُونَ ﴾ يعني لما وجب أن يحق علينا قول ربنا وجب أن نكون ذائقين لهذا العذاب الخامس قولهم: ﴿ فأغويناكم إِنَّا كُنَّا غاوين ﴾ والمعنى أنا إنما أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية، وفيه دقيقة أخرى، كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب إغوائنا فغوايتنا إن كانت بسبب إغواء غاوٍ آخر ولزم التسلسل وذلك محال، فعلمنا أن حصول الغواية والرشاد ليس من قبلنا، بل من قبل غيرنا، وذلك الغير هو الذي ذكره فيما قبل، وهو قوله: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا ﴾ ولما حكى الله تعالى كلام الأتباع للرؤساء وكلام الرؤساء للأتباع قال بعده: ﴿ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ ﴾ يعني فالمتبوع والتابع والمخدوم والخادم مشتركون في الوقوع في العذاب كما كانوا في الدنيا مشتركين في الغواية، ثم قال أيضاً: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين ﴾ وعنى بالمجرمين هاهنا الكفار بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الكلمة: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ والضمير في قوله: ﴿ إِنَّهُمْ ﴾ عائد إلى المذكور السابق وهو قوله: ﴿ بالمجرمين ﴾ وهذا يدل على أن لفظ المجرم المطلق مختص في القرآن بالكافر، ثم بين تعالى أنهم إنما وقعوا في ذلك العذاب لأنهم كانوا مكذبين بالتوحيد وبالنبوة، أما التكذيب بالتوحيد فهو قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يعني ينكرون ويتعصبون لإثبات الشرك ويستنكفون عن الإقرار بالتوحيد.

وأما التكذيب بالنبوة فهو قولهم: ﴿ أئنا لَتَارِكُوا ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُون ﴾ ويعنون محمداً، ثم إنه تعالى كذبهم في ذلك الكلام فقال: ﴿ بَلْ جَاء بالحق وَصَدَّقَ المرسلون ﴾ وتقرير هذا الكلام أنه جاء بالدين الحق لأنه ثبت بالعقل أنه تعالى منزه عن الضد والند والشريك فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بتقرير هذه المعاني كان مجيئه بالدين الحق، قرأ ابن كثير ﴿ أَيُّنَا لتاركوا ءالِهَتِنَا ﴾ بهمزة وياء بعدها خفيفة ساكنة بلا مد، وقرأ نافع في رواية قالون وأبو عمرو على هذا التفسير يمدان والباقون بهمزتين بلا مد وقوله تعالى: ﴿ وَصَدَقَ المرسلون ﴾ يعني صدقهم في مجيئهم بالتوحيد ونفي الشريك، وهذا تنبيه على أن القول بالتوحيد دين لكل الأنبياء، ولما حكى الله عنهم تكذيبهم بالتوحيد والنبوة نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور فقال: ﴿ إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا العذاب الأليم ﴾ كأنه قيل فكيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عباده فأجاب عنه بقوله: ﴿ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ والمعنى أن الحكم يقتضي الأمر بالحسن والطاعة والنهي عن القبيح والمعصية والأمر والنهي لا يكمل المقصود منهما إلا بالترغيب في الثواب والترهيب بالعقاب وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحقيقه صوناً للكلام عن الكذب، فلهذا السبب وقعوا في العذاب ثم قال: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين ﴾ يعني ولكن عباد الله (المخلصين ناجون وهو) من الاستثناء المنقطع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلاَّ عِبَادَ الله ﴾ ولكن عباد الله، على الاستثناء المنقطع.

فسر الرزق المعلوم بالفواكه: وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوّت لحفظ الصحة، يعني أن رزقهم كله فواكه، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات، بأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه يأكلونه على سبيل التلذذ.

ويجوز أن يراد: رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها: من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر.

وقيل: معلوم الوقت، كقوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ [مريم: 62] وعن قتادة: الرزق المعلوم الجنة وقوله ﴿ فِي جنات ﴾ يأباه وقوله: ﴿ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴾ هو الذي يقوله وعن العلماء في حدّ الثواب على سبيل المدح والتعظيم، وهو من أعظم ما يجب أن تتوق إليه نفوس ذوي الهمم، كما أنّ من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هوان أهل النار وصغارهم.

التقابل: أتم للسرور وآنس.

وقيل: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.

ويقال للزجاجة فيها الخمر: كأس، وتسمى الخمر نفسها كأساً، قال: وَكَاسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وكذا في تفسير ابن عباس ﴿ مّن مَّعِينٍ ﴾ من شراب معين.

أو من نهر معين، وهو الجاري على وجه الأرض، الظاهر للعيون: وصف بما يوصف به الماء، لأنه يجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء، قال الله تعالى: ﴿ وأنهار مّنْ خَمْرٍ ﴾ [محمد: 15] ﴿ بَيْضَاء ﴾ صفة للكأس ﴿ لَذَّةٍ ﴾ إمّا أن توصف باللذة كأنها نفس اللذة وعينها: أو هي تأنيث اللذة، يقال: لذ الشيء فهو لذ ولذيذ.

ووزنه: فعل، كقولك: رجل طب، قال: وَلَذٌ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ** بِأَرْضِ الْعِدَا مِنْ خَشْيَةِ الْحَدَثَانِ يريد النوم.

الغول: من غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وأفسده.

ومنه: الغول الذي في تكاذيب العرب.

وفي أمثالهم: الغضب غول الحلم، و ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ على البناء للمفعول، من نزف الشاربُ إذا ذهب عقله.

ويقال للسكران: نزيف ومنزوف.

ويقال للمطعون: نزف فَمات إذا خرج دمه كله.

ونزحت الركية حتى نزفتها: إذا لم تترك فيها ماء.

وفي أمثالهم: أجبن من المنزوف ضرطاً.

وقرئ: ﴿ ينزفون ﴾ أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه.

قال: لَعَمْرِي لَئِنْ أَنْزَفْتُمُو أَوْ صَحَوْتُمُو ** لَبِئْسَ النَّدَامَى كُنْتُمُو آلَ أَبجرَا ومعناه: صار ذا نزف.

ونظيره: أقشع السحاب، وقشعته الريح، وأكب الرجل وكببته، وحقيقتهما: دخلا في القشع والكب.

وفي قراءة طلحة بن مصرف: وينزفون: بضم الزاي، من نزف ينزف كقرب يقرب، إذا سكر.

والمعنى: لا فيها فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك، ولا هم يسكرون، وهو أعظم مفاسدها فأفرزه وأفرده بالذكر ﴿ قاصرات الطرف ﴾ قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ، لا يمددن طرفاً إلى غيرهم، كقوله تعالى: ﴿ عُرُباً ﴾ [الواقعة: 37] والعين: النجل العيون شبهنّ ببيض النعام المكنون في الأداحي، وبها تشبه العرب النساء وتسميهنّ بيضات الخدور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ إلّا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ( تُجْزَوْنَ ) لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ فَيَكُونَ اسْتِثْناؤُهم عَنْهُ بِاعْتِبارِ المُماثَلَةِ، فَإنَّ ثَوابَهم مُضاعَفٌ والمُنْقَطِعُ أيْضًا بِهَذا الِاعْتِبارِ.

﴿ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ ﴾ خَصائِصُهُ مِنَ الدَّوامِ، أوْ تَمَحُّضِ اللَّذَّةِ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَواكِهُ ﴾ فَإنَّ الفاكِهَةَ ما يُقْصَدُ لِلتَّلَذُّذِ دُونَ التَّغَذِّي والقُوتُ بِالعَكْسِ، وأهْلُ الجَنَّةِ لَمّا أُعِيدُوا عَلى خِلْقَةٍ مُحْكَمَةٍ مَحْفُوظَةٍ عَنِ التَّحَلُّلِ كانَتْ أرْزاقُهم فَواكِهَ خالِصَةً.

﴿ وَهم مُكْرَمُونَ ﴾ في نَيْلِهِ يَصِلُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ تَعَبٍ وسُؤالٍ كَما عَلَيْهِ رِزْقُ الدُّنْيا.

﴿ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ في جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا النَّعِيمُ، وهو ظَرْفٌ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ( مُكْرَمُونَ )، أوْ خَبَرٌ ثانٍ ( لِأُولَئِكَ ) وكَذَلِكَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين} بفتح اللام كوفي ومدني وكذا ما بعده أي لكن عباد الله على الاستثناء المنقطع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنها.

﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ ”ذائِقُو“ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ مُسارَعَةً إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّ ذَوْقَهُمُ العَذابَ لَيْسَ إلّا مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ أصْلًا فَـ”إلّا“ مُؤَوَّلَةٌ بِـ ”لَكِنَّ“ وما بَعْدُ كَخَبَرِها فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ وفَواكِهُ إلَخْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وقِيلَ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ تُجْزَوْنَ ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى تَجْزُونَ بِمِثْلِ ما عَمِلْتُمْ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ يَجْزُونَ أضْعافًا مُضاعَفَةً بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَمِلُوا.

ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مِن ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِتَعْمِيمِ الخِطابِ في ”تُجْزَوْنَ“ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ لِما فِيهِ مَعَ احْتِياجِهِ إلى التَّكَلُّفِ الَّذِي في سابِقِهِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمائِرِ، و ﴿ المُخْلَصِينَ ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ حَيْثُ كانَتِ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ يعني: صيحة ونفخة واحدة، ولا يحتاج إلى الأخرى فَإِذا هُمْ يعني: الخلائق يَنْظُرُونَ يعني: يخرجون من قبورهم، وينظرون إلى السماء كيف غيرت؟

والأرض كيف بدلت؟

فلما عاينوا البعث، ذكروا قول الرسل: إن البعث حق.

وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ يعني: يوم الحساب.

ويقال: يوم الجزاء.

فردت عليهم الحفظة.

ويقولون: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ أنه لا يكون.

ثم ينادي المنادي: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: سوقوا الذين كفروا وَأَزْواجَهُمْ يعني: وأشباههم.

ويقال: وقرناءهم، وضرباءهم.

ويقال: وأشياعهم، وأعوانهم.

ويقال: وأمثالهم وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: من الشياطين الذين أضلوهم.

ويقال: كل معبود، وكل من يطاع في المعصية فَاهْدُوهُمْ يعني: ادعوهم جميعاً.

ويقال: اذهبوا بهم، وسوقوهم جميعاً إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ يعني: إلى طريق الجحيم، والجحيم ما عظم من النار.

ويقال: إلى وسط الجحيم.

فلما انطلق بهم إلى جهنم أرسل الله عز وجل ملكاً يقول: وَقِفُوهُمْ أي: احبسوهم إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ عن ترك قول لا إله إلا الله.

ويقال: في الآية تقديم.

يعني: يقال لهم قفوا قبل ذلك.

فحبسوا، أو سئلوا.

ثم يساق بهم إلى الجحيم فيقال لهم: مَا لَكُمْ لاَ تَناصَرُونَ يعني: لم ينصر بعضكم بعضاً، ولا يدفع بعضكم عن بعض كما كنتم تفعلون في الدنيا.

قوله عز وجل: بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ أي: خاضعون ذليلون وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يعني: يسأل ويخاصم بعضهم بعضاً القادة والسفلة، والعابد، والمعبود، ومتابعي الشيطان للشيطان.

ويقال: يَتَساءَلُونَ يعني: يتلاومون قالُوا يعني: السفلة للرؤساء إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ يعني: من قبل الحق أي: الدين فزينتم لنا ضلالتنا.

وروي عن الفراء أنه قال: الْيَمِينِ في اللغة القوة والقدرة.

ومعناه إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا بأقوى الحيل، وكنتم تزينون علينا أعمالنا.

وقال الضحاك: تقول السفلة للقادة: إنكم قادرون وظاهرون علينا.

ونحن ضعفاء أذلاء في أيديكم.

روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ عن الحق.

يعني: الكفار يقولون: للشيطان.

وقال القتبي: إنما يقول هذا: المشركون لقرنائهم من الشياطين إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ يعني: عن أيماننا لأن إبليس قال: لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الأعراف: 17] وقال المفسرون: من أتاه الشيطان من قبل اليمين، أتاه من قبل الدين، وليس عليه الحق.

ومن أتاه من قبل الشمال، أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من بين يديه، أتاه من قبل التكذيب بالقيامة، ومن أتاه من خلفه خوفه الفقر على نفسه، وعلى من يخلف بعده، فلم يصل رحماً، ولم يؤد زكاة.

وقال المشركون لقرنائهم: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ في الدنيا من جهة الدين يعني: أضللتمونا قالُوا لهم قرناؤهم بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي: لم تكونوا على حق، فتشبه عليكم، ونزيلكم عنه إلى الباطل وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ يعني: من قدرة فنقهركم.

ويقال: من ملك فنجبركم عليه بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ يعني: كافرين عاصين فَحَقَّ عَلَيْنا يعني: وجب علينا جميعاً قَوْلُ رَبِّنا وهو السخط.

ويقال: قَوْلُ رَبِّنا يوم قال لإبليس لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) [ص: 85] إِنَّا لَذائِقُونَ يعني: العذاب جميعاً في النار.

قوله عز وجل: فَأَغْوَيْناكُمْ يعني: أضللناكم عن الهدى إِنَّا كُنَّا غاوِينَ يعني: ضالين.

يقول الله تعالى: فَإِنَّهُمْ يعني: الكفار والشياطين يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ يعني: شركاء في النار، وفي العذاب يوم القيامة إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ يعني: هكذا نفعل بمن أشرك، فنجمع بينهم وبين الذين أضلّوهم في النار.

ثم أخبر عنهم فقال: إِنَّهُمْ كانُوا يعني: في الدنيا إِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يعني: قولوا لا إله إلا الله يَسْتَكْبِرُونَ عنها، ولا يقولونها وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا يعني: أنترك عبادة آلهتنا لِشاعِرٍ يعني: لقول شاعر مَجْنُونٍ أي: مغلوب على عقله.

يقول الله تعالى: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ يعني: بالقرآن.

ويقال: بأمر التوحيد.

ويقال: جاء ببيان الحق وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ الذين قبله.

قال مقاتل: يعني: صدق محمد  بالمرسلين الذين قبله.

وقال الكلبي: وبتصديق المرسلين الذين قبله.

ومعناهما واحد.

ويقال: معناه جاء محمد-  - بموافقة المرسلين- عليهم السلام- إِنَّكُمْ يعني: العابد والمعبود لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ يعني: لتصيبوا العذاب الوجيع الدائم وَما تُجْزَوْنَ في الآخرة إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي والشرك.

ثم استثنى المؤمنين فقال عز وجل: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يعني: الموحدين ويقال: إِلَّا بمعنى لكن عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

«صحيحه» ، واللفظ لابن حبّان، وعنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «وقول لاَ إله إلاَّ اللَّهُ/ لاَ تَتْرُكُ ذَنْبَاً وَلاَ يُشْبِهُهَا عَمَلٌ» «١» ، رواه الحاكم في «المستدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» وقال صحيحٌ الإسنَاد، انتهى من «السّلاح» ، والطائفة التي قالت: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ هي قريشٌ وإشارتهم بالشاعر إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بقوله: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ الذينَ تَقَدَّمُوهُ، ثم أَخْبَرَ تعالى مخاطبا لهم بقوله: إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ الآية.

وقوله تعالى: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناءٌ مُنْقَطِعٌ وهؤلاءِ المؤمنون.

وقوله: مَعْلُومٌ معناه: عندهُمْ.

وقوله: بَيْضاءَ يَحْتَملُ أَنْ يعودَ على الكأسِ، ويحتملُ أنْ يعودَ على الخَمْرِ، وهو أظهرُ، قال الحسنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أَشَدُّ بياضاً مِنَ اللَّبَنِ «٢» ، وفي قراءة ابن مسعود «٣» :

«صفراء» فهذا وصفُ الخمرِ وحدَها، والغَوْلُ: اسمٌ عامٌّ في الأذى، وقال ابن عباس وغيره: الغَوْلُ: وَجَعٌ في البطْنِ «٤» ، وقال قتادةُ هو صُدَاعٌ في الرأس «٥» ويُنْزَفُونَ من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الإنْسُ عَلى الشَّياطِينِ.

والثّانِي: الأتْباعُ عَلى الرُّؤَساءِ ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ تَساؤُلُ تَوْبِيخٍ وتَأْنِيبٍ ولَوْمٍ، فَيَقُولُ الأتْباعُ لِلرُّؤَساءِ: [لِمَ] غَرَّرْتُمُونا؟

ويَقُولُ الرُّؤَساءُ: لِمَ قَبِلْتُمْ مِنّا؟

فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ قالُوا ﴾ يُعْنى الأتْباعُ لِلْمَتْبُوعِينَ ﴿ إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: كُنْتُمْ تَقْهَرُونَنا بِقُدْرَتِكم عَلَيْنا، لِأنَّكم كُنْتُمْ أعَزَّ مِنّا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مِن قِبَلِ الدِّينِ فَتُضِلُّونا عَنْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَأْتُونَنا مِن قِبَلِ الدِّينِ فَتَخْدَعُونا بِأقْوى الأسْبابِ.

والثّالِثُ: كُنْتُمْ تُوَثِّقُونَ ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ بِأيْمانِكُمْ، فَتَأْتُونَنا مِن قِبَلِ الأيْمانِ الَّتِي تَحْلِفُونَها، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

فَيَقُولُ المَتْبُوعُونَ لَهُمْ: ﴿ بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: لَمْ تَكُونُوا عَلى حَقٍّ فَنُضِلُّكم عَنْهُ إنَّما الكُفْرُ مِن قِبَلِكم.

﴿ وَما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القَهْرُ.

والثّانِي: الحُجَّةُ.

فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن قُوَّةٍ نَقْهَرُكم بِها.

وَنُكْرِهْكم عَلى مُتابَعَتِنا، وعَلى الثّانِي: لَمْ نَأْتِكم بِحُجَّةٍ عَلى ما دَعَوْناكم إلَيْهِ كَما أتَتِ الرُّسُلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا ﴾ أيْ: فَوَجَبَتْ عَلَيْنا كَلِمَةُ العَذابِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ  ﴾ ﴿ إنّا لَذائِقُونَ ﴾ العَذابَ جَمِيعًا نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿ فَأغْوَيْناكُمْ ﴾ أيْ، أضْلَلْناكم عَنِ الهُدى بِدُعائِكم إلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ إنّا كُنّا غاوِينَ ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ ، والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ، ﴿ إنَّهم كانُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ ﴾ أيْ: قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ ﴿ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: يَتَعَظَّمُونَ عَنْ قَوْلِها، ﴿ وَيَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا ﴾ المَعْنى: أنَتْرُكُ عِبادَةَ آَلِهَتِنا ﴿ لِشاعِرٍ ﴾ أيْ: لِاتِّباعِ شاعِرٍ؟!

يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ بَلْ ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا، بَلْ ﴿ جاءَ بِالحَقِّ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآَنُ، ﴿ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ ﴾ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ؛ والمَعْنى أنَّهُ أتى بِما أتَوْا بِهِ.

ثُمَّ خاطَبَ المُشْرِكِينَ بِما يَعِدُ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّكم لَذاهِبُونَ إلّا زَيْدًا.

وفي ما اسْتَثْناهم مِنهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِنَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، فالمَعْنى: إنّا لا نُؤاخِذُهم بِسُوءِ أعْمالِهِمْ، بَلْ نَغْفِرُ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مِن دُونِ العَذابِ؛ فالمَعْنى: فَإنَّهم لا يَذُوقُونَ العَذابَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الرِّزْقُ في الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

فَعَلى هَذا، في مَعْنى "مَعْلُومٍ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمِقْدارِ الغَداةِ والعَشِيِّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّهم حِينَ يَشْتَهُونَهُ يُؤْتَوْنَ بِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ الرِّزْقِ فَقالَ: ﴿ فَواكِهُ ﴾ \[وَهِيَ جُمَعُ فاكِهَةٍ\] وهي الثِّمارُ كُلُّها، رُطَبُها ويابِسُها ﴿ وَهم مُكْرَمُونَ ﴾ بِما أعْطاهُمُ اللَّهُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الحِجْرِ: ٤٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ ذُكِرَتْ في القُرْآَنِ، فَإنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ، [قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكَأْسُ: الإناءُ بِما فِيهِ، والمُعَيَّنُ: الماءُ الطّاهِرُ الجارِي.

قالَ الزَّجّاجُ: الكَأْسُ: الإناءُ الَّذِي فِيهِ الخَمْرُ]، ويَقَعُ الكَأْسُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَعَ شَرابِهِ، فَإنْ كانَ فارِغًا فَلَيْسَ بِكَأْسٍ.

والمُعَيَّنُ: الخَمْرُ تَجْرِي كَما يَجْرِي الماءُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ العُيُونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيْضاءَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالكَأْسِ الخَمْرَ، أنَّهُ قالَ: "بَيْضاءَ"، فَأنَّثَ، ولَوْ أرادَ الإناءَ عَلى انْفِرادِهِ، أوِ الإناءَ والخَمْرَ، لَقالَ: أبْيَضُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ: "بَيْضاءَ" الكَأْسَ، ولِتَأْنِيثِ الكَأْسِ أُنِّثَتِ البَيْضاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذَّةٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَذِيذَةً، يُقالُ: شَرابُ لِذاذٌ: إذا كانَ طَيِّبًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ.

﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: لَيْسَ فِيها صُداعٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَيْسَ فِيها وجَعُ بَطْنٍ، [رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ] .

والثّالِثُ: لَيْسَ فِيها صُداعُ رَأْسٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: لَيْسَ فِيها أذًى ولا مَكْرُوهٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: لا تَغْتالُ عُقُولَهُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَغْتالُ عُقُولَهم فَتَذْهَبُ بِها ولا يُصِيبُهم مِنها وجَعٌ.

والسّادِسُ: لَيْسَ فِيها إثْمٌ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والسّابِعُ: لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الآَفاتِ، لِأنَّ كُلَّ مَن نالَهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الآَفاتِ، قِيلَ: قَدْ غالَتْهُ غَوْلٌ، فالصَّوابُ أنَّ يَكُونَ نَفْيُ الغَوْلِ عَنْها يَعُمُّ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، هَذا اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِ الزّايِ هاهُنا وفي [الواقِعَةِ: ١٩] .

وفَتَحَ عاصِمٌ الزّايَ هاهُنا، وكَسَرَها في [الواقِعَةِ: ١٩] .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، .

وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الزّايِ في السُّورَتَيْنِ.

قالَ الفَرّاءُ: فَمَنَ فَتَحَ، فالمَعْنى: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِشُرْبِها.

يُقالُ لِلسَّكْرانِ: نَزِيفٌ ومَنزُوفٌ؛ "وَمَن" كَسَرَ، فَفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: لا يُنْفِدُونَ شَرابَهُمْ، أيْ: هو دائِمٌ أبَدًا.

والثّانِي: لا يَسْكَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ: لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آَلَ أبْجَرا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُنَّ النِّساءُ قَدْ قَصَرْنَ طَرْفُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ فَلا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ.

وأصْلُ القَصْرِ: الحَبْسُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المَرْأةَ مِنهُنَّ لَتَقُولُ لِزَوْجِها: وعِزَّةُ رَبِّي ما أرى في الجَنَّةِ شَيْئًا أحْسَنَ مِنكَ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي زَوْجَكَ وجَعَلَكَ زَوْجِيَ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ قَدْ قَصَرْنَ طَرْفَ الأزْواجِ عَنْ غَيْرِهِنَّ، لِكَمالِ حُسْنِهِنَّ، سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشّابِ النَّحْوِيِّ.

وَفِي العَيْنِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: حِسانُ العُيُونِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: عِظامُ الأعْيُنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: كِبارُ العُيُونِ حِسانُها، وواحِدَتُهُنَّ عَيْناءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ في المُرادِ بِالبَيْضِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اللُّؤْلُؤُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: بَيْضُ النَّعامِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، والزَّجّاجُ.

قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: والعَرَبُ تُشْبِهُ المَرْأةَ الحَسْناءَ في بَياضِها وحُسْنُ لَوْنِها بَيْضَةُ النَّعامَةِ، وهو أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وهو أنْ تَكُونَ المَرْأةُ بَيْضاءَ مُشَرَّبَةً صُفْرَةً.

والثّالِثُ: أنَّهُ البَيْضُ حِينَ يُقَشَّرُ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُ الأيْدِي، قالَهُ السُّدِّيُّ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جَرِيرٍ.

فَأمّا المَكْنُونُ، فَهو المَصُونُ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: هو مَكْنُونٌ في صَدَفِهِ، وعَلى الثّانِي: هو مَكْنُونٌ بِرِيشِ النَّعامِ، وعَلى الثّالِثُ: هو مَكْنُونٌ بِقِشْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ ﴿ بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ ﴾ ﴿ وَما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ﴾ هَؤُلاءِ أهْلُ الجُرْمِ الَّذِينَ جَهِلُوا اللهَ سُبْحانَهُ، وعَظَّمُوا أصْنامًا وأوثانًا، فَإذا قِيلَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ" - وهي كَلِمَةُ الحَقِّ والعُرْوَةِ الوُثْقى - أصابَهم كِبْرٌ، وعَظُمَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم وأصْنامَ آبائِهِمْ، ونَحْوُ هَذا كانَ قِيلَ «عن أبِي طالِبٍ إذْ قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : "أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ"، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المَطَّلِبِ؟

فَقالَ آخِرَ ما قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المَطَّلِبِ.» وبِعَرْضِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَوْلَ لا إلَهَ إلّا اللهُ جَرَتِ السُنَّةُ في تَلْقِينِ المَوْتى المُحْتَضَرِينَ لِيُخالِفُوا الكَفَرَةَ ويَخْضَعُوا لَها.

وأمّا الطائِفَةُ الَّتِي قالَتْ: ﴿ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ فَهي مِن قُرَيْشٍ، وإشارَتُهم بِالشاعِرِ المَجْنُونِ هي إلى مُحَمَّدٍ  ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا مِن أنَّهُ شاعِرٌ، بَلْ جاءَ بِالحَقِّ مِن عِنْدِ اللهِ، وصَدَّقَ الرُسُلَ المُتَقَدِّمَةَ لَهُ كَمُوسى وعِيسى وإبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُخاطِبًا لَهم - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَأْوِيلُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ -: ﴿ إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ ﴾ ، وقَرَأ قَوْمٌ (العَذابَ)، نَصْبًا ووَجْهُها أنَّهُ أرادَ: "لَذائِقُونَ"، فَحَذَفَ النُونَ تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ قَدْ لُحِنَتْ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: [لَذائِقٌ] بِالتَنْوِينِ، [العَذابَ] بِالنَصْبِ.

و"الألِيمُ": المُؤْلِمُ.

ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ جَزاءً لَهم بِأعْمالِهِمْ واكْتِسابِهِمْ، ثُمَّ اسْتَثْنى عِبادَ اللهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللهُ تَعالى لِنَفْسِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللامِ مِنَ "المُخْلَصِينَ"، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ، وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ اللامِ، وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الَّتِي في الصافّاتِ عَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ اللامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استثناء منقطع في معنى الاستدراك، والاستدراك تعقيب الكلام بما يضاده، وهذا الاستدراك تعقيب على قوله: ﴿ فإنَّهم يومئذٍ في العذاببِ مشتركونَ ﴾ [الصافات: 33] فإن حال عبَاد الله المخلصين تام الضدية لحال الذين ظلموا، وليس يلزم في الاستدراك أن يكون رفعَ توهّم وإنما ذلك غالب، فقول بعض العلماء في تعريفه هو: تعقيب الكلام برفع ما يُتوهم ثبوتُه أو نفيُه، تعريف أغلبي، أو أريد أدنى التوهم لأن الاستثناء المنقطع أعمّ من ذلك، فقد يكون إخراجاً من حكم لا من محكوم عليه ضرورة أنهم صرحوا بأن حرف الاستثناء في المنقطع قائم مقام لكن، ولذلك يقتصرون على ذكر حرف الاستثناء والمستثنى بل يردفونه بجملة تُبين محلّ الاستدراك كقوله تعالى: ﴿ فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ﴾ [الأعراف: 11] وقوله: ﴿ إلا إبليس أبى ﴾ [البقرة: 34]، وكذلك قوله هنا: ﴿ إلاَّ عِبَادَ الله المُخلصين أُولئِكَ لهم رزقٌ معلومُ ﴾ .

ولو كان المعنى على الاستثناء لما أتبع المستثنى بأخبار عنه لأنه حينئذٍ يثبت له نقيض حكم المستثنى منه بمجرد الاستثناء، فإن ذلك مُفاد ﴿ أفأنت تنقذ من في النار لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ الآية في سورة [الزُّمَر: 19- 20].

وذِكر المؤمنين بوصف العبودية المضافة لله تعالى تنويه بهم وتقريب، وذلك اصطلاح غالب في القرآن في إطلاق العبدِ والعبادِ مضافاً إلى ضميره تعالى كقوله: ﴿ واذكر عبدنا داود ذا الأيد ﴾ [ص: 17] ﴿ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴾ [ص: 45] ﴿ يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ﴾ [الزخرف: 68]، وربما أطلق العبد غير مضاف مراداً به التقريب أيضاً كقوله: ﴿ ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد ﴾ [ص: 30]، أي العبد لله، ألا ترى أنه لما أريد ذكر قوم من عباد الله من المشركين لم يؤت بلفظ العباد مضافاً كما في قوله تعالى: ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ [الإسراء: 5] إلاّ بقرينة مقام التوبيخ في قوله: ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ﴾ [الفرقان: 17] لأن صفة الإِضلال قرينة على أن الإِضافة ليست للتقريب، وقوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ [الحجر: 42] فقرينة التغليب هي مناط استثناء الغاوين من قوله ومما زادني شَرفاً وفخراً *** وكِدْتُ بأَخمَصي أَطأُ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن أرسلتَ أحمدَ لي نبيا والمراد بهم هنا الذين آمنوا بالنبي فإنهم الذين يخطرون بالبال عند ذكر أحوال المشركين الذين كفروا به وقالوا فيه ما هو منه بريء خطورَ الضد بذكر ضده.

والمُخلَصين} صفة عباد الله وهو بفتح اللام إذا أريد الذين أخلصهم الله لولايته، وبكسرها أي الذين أخلصوا دينهم لله.

فقرأه نافع وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف بفتح اللام.

وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بكسر اللام.

و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى ﴿ عِبادَ الله ﴾ قصد منه التنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإِشارة لأجل مما أُثبت لهم من صفة الإِخلاص كما ذلك من مقتضيات تعريف المسند إليه بالإِشارة كقوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] بعد قوله: ﴿ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ﴾ الآية في سورة [البقرة: 2- 3].

والرزق: الطعام قال تعالى: ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ [آل عمران: 37]، وقال: ﴿ لا يأتيكما طعام ترزقانه ﴾ [يوسف: 37].

والمعلوم: الذي لا يتخلف عن ميعاده ولا ينتظره أهله.

و ﴿ فَواكِهُ ﴾ عطف بيان من ﴿ رِزْقٌ.

﴾ والمعنى: أن طعامهم كله من الأطعمة التي يتفكه بها لا مما يؤكل لأجل الشبع.

والفواكه: الثمار والبقول اللذيذة.

﴿ وهُم مُكْرمُونَ ﴾ عطف على ﴿ لهم رزق معلوم، ﴾ أي يعاملون بالحفاوة والبهجة فإنه وسط في أثناء وصف ما أعد لهم من النعيم الجسماني أن لهم نعيم الكرامة وهو أهم لأن به انتعاش النفس مع ما في ذلك من خلوص النعمة ممن يكدرها وذلك لأن الإِحسان قد يكون غير مقترن بمدح وتعظيم ولا بأذى وهو الغالب، وقد يكون مقترناً بأذى وذلك يكدِّر من صَفوه، قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ [البقرة: 264] فإذا كان الإِحسان مع عبارات الكرامة وحسن التلقّي فذلك الثواب.

و ﴿ سُرر ﴾ : جمع سرير وهو ككرسيّ واسع يمكن الاضطجاع عليه، وكان الجلوس على السرير من شعار الملوك وأضرابهم، وذلك جلوس أهل النعيم لأن الجالس على السرير لا يجد مَللاً لأنه يُغيّر جِلسته كيف تتيسّر له.

و ﴿ مُتَقابِلِينَ ﴾ كل واحد قُبالة الآخر.

وهذا أتم للأُنس لأن فيه أنس الاجتماع وأنس نظر بعضهم إلى بعض فإن رؤية الحبيب والصديق تؤنس النفس.

والظاهر: أن معنى كونهم متقابلين تقابل أفراد كل جماعة مع أصحابهم، وأنهم جماعات على حسب تراتيبهم في طبقات الجنة، وأن أهل كل طبقة يُقسمون جماعات على حسب قرابتهم في الجنة كما قال تعالى: ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ [يس: 56] وكثرة كل جماعة لا تنافي تقابلهم على السرر والأرائك وتحادثهم لأن شؤون ذلك العالم غير جارية على المتعارف في الدنيا.

ومعنى ﴿ يُطَافُ ﴾ يدار عليهم وهم في مجالسهم.

والكأس (بهمزة بعد الكاف): إناء الخمر، مؤنث، وهي إناء بلا عُروة ولا أنبوب واسعة الفم، أي محل الصب منها، تكون من فضة ومن ذهب ومن خزف ومن زجاج، وتسمى قَدَحاً وهو مذكر.

وجمع كأس: كاسات وكؤوس وأكؤس.

وكانت خاصة بسقي الخمر حتى كانت الكأس من أسماء الخمر تسمية باسم المحلّ، وجعلوا منه قول الأعشى: وكأسسٍ شربتُ على لَذة *** وأخرى تداوَيت منها بها وقد قيل: لا يسمى ذلك الإِناء كأساً إلا إذا كانت فيه الخمر وإلا فهو قَدَح.

والمعنيُّ بها في الآية الخمرُ لأنه أفرد الكأس مع أن المَطُوف عليهم كثيرون، ولأنها وُصفت بأنها ﴿ من مَعين ﴾ .

وروى ابن أبي شيبة والطبري عن الضحّاك أنه قال: كل كأس في القرآن إنما عني بها الخمر.

وروي مثله عن ابن عباس وقال به الأخفش.

و ﴿ مَعِين ﴾ بفتح الميم، قيل أصله: مَعْيون.

فقيل: ميمه أصلية، وهو مشتق من مَعَنَ يقال: ماء مَعْنٌ، فيكون ﴿ مَعِين ﴾ بوزن فَعيل مثال مبالغة من المَعْن وهو الإِبعاد في الفعل شبّه جريه بالإِبعاد في المشي، وهذا أظهر في الاشتقاق.

وقيل: ميمه زائدة وهو مشتق من عانَهُ، إذا أبصره لأنه يظهر على وجه الأرض في سيلانه فوزنه مَفْعول، وأصله مَعْيُون فهو مشتق من اسم جامد وهو اسم العَين، وليس فعل عَانَ مستعملاً استغنوا عنه بفعل عَايَن.

و ﴿ بَيْضَاءَ ﴾ صفة ل«كأس».

وإذ قد أريد بالكأس الخمر الذي فيها كان وصف ﴿ بَيْضَاءَ ﴾ للخمر.

وإنما جرى تأنيث الوصف تبعاً للتعبير عن الخمر بكلمة كأس، على أن اسم الخمر يذكر ويؤنث وتأنيثها أكثر.

روى مالك عن زيد بن أسلم: لونها مشرق حسن فهي لا كخمر الدنيا في منظرها الرديء من حُمرة أو سواد.

واللذة: اسم معناه إدراك ملائم نفس المدرك، يقال: لذّهُ ولذّ به، والمصدر: اللذة واللذاذة.

وفعله من باب فرح، تقول: لذذت بالشيء ويقال: شيء لَذٌّ، أي لذيذ فهو وصف بالمصدر فإذا جاء بهاء التأنيث كما في هذه الآية فهو الاسم لا محالة لأن المصدر الوصف لا يؤنث بتأنيث موصوفه، يقال: امرأة عدل ولا يقال: امرأة عدلة.

ووصف الكأس بها كالوصف بالمصدر يفيد المبالغة في تمكن الوصف، فقوله تعالى: ﴿ لَذَّةٍ ﴾ هو أقصى مما يؤدي شدة الالتذاذ بكلمة واحدة، لأنه عُدل به عن الوصف الأصلي لقصد المبالغة، وعُدل عن المصدر إلى الاسم لما في المصدر من معنى الاشتقاق.

وجملة ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ صفة رابعة لكأس باعتبار إطلاقه على الخمر.

والغَول، بفتح الغيْن: ما يعتري شارب الخمر من الصداع والألم، اشتق من الغَول مصدرِ غاله، إذا أهلكه.

وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ لا يصدعون عنها ﴾ [الواقعة: 19].

وتقديم الظرف المسند على المسند إليه لإِفادة التخصيص، أي هو منتففٍ عن خمر الجنة فقط دونَ ما يعرف من خمر الدنيا، فهو قصر قلب.

ووقوع ﴿ غَوْلٌ ﴾ وهو نكرة بعد ﴿ لا ﴾ النافية أفاد انتفاء هذا الجنس من أصله، ووجب رفعه لوقوع الفصل بينه وبين حرف النفي بالخبر.

وجملة ﴿ ولا هم عنها يُنزفون ﴾ معطوفة على جملة وقدّم المسند عليه على المسند، والمسند فعل ليفيد التقديم تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلي، أي بخلاف شاربي الخمر من أهل الدنيا.

و يُنزَفُونَ } مبني للمجهول في قراءة الجمهور يقال: نُزف الشارب، بالبناء للمجهول إذا كان مجرداً (ولا يُبنى للمعلوم) فهو منزوف ونزيف، شبهوا عقل الشارب بالدم يقال: نُزف دمُ الجريح، أي أُفرغ.

وأصله من: نَزفَ الرجُلُ مَاءَ البئر متعدياً، إذا نَزحه ولم يُبق منه شيئاً.

وقرأه حمزة والكسائي وخلف ﴿ يُنزِفُونَ ﴾ بضم اليَاء وكسر الزاي من أُنزف الشاربُ، إذا ذهب عقله، أي صار ذَا نَزَف، فالهمزة للصيرورة لا للتعدية.

و ﴿ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ أي حابسات أنظارهن حياء وغَنجاً.

والطرف: العين، وهو مفرد لا جمع له من لفظه لأن أصل الطرف مصدر: طَرَفَ بعينه من باب ضَرب، إذا حرّك جفنيه، فسُميّت العين طرفاً، فالطرف هنا الأعين، أي قاصرات الأعين، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ في سورة [إبراهيم: 43]، وقوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ في سورة [النمل: 40].

وذكر «عند» لإِفادة أنهن ملابسات لهم في مجالسهم التي تُدار عليهم فيها كأس الجنة، وكان حضور الجواري مجالس الشراب من مكملات الأنس والطرب عند سادة العرب، قال طرفة: نَداماي بيض كالنجوم وقَينة *** تروحُ علينا بين برد ومِجْسَد و ﴿ عِينٌ ﴾ جمع: عَيْنَاء، وهي المرأة الواسعة العين النجلاوتها.

والبَيْض المكنون: هو بيض النعام، والنعام يُكنّ بيضَه في حُفر في الرمل ويفرش لها من دقيق ريشه، وتسمى تلك الحُفر: الأَداحِيَّ، واحدتها أُدّحية بوزن أُثفية.

فيكون البَيض شديد لمعان اللون وهو أبيض مشوب بياضه بصفرة وذلك اللون أحسن ألوان النساء، وقديماً شبهوا الحسان بِبيض النعام، قال امرؤ القيس: وبيضةِ خدر لا يُرام خباؤها *** تمتعت من لَهْو بها غيرَ مُعْجَل <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ مَعِينٍ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الجارِي; قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، حَكاهُ جُوَيْبِرٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لَمْ يُعْصَرْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ الخَمْرُ بِعَيْنِهِ الَّذِي لَمْ يُمْزَجْ بِغَيْرِهِ.

وَفِي المَعِينِ مِنَ الماءِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الظّاهِرُ لِلْعَيْنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: ما مَدَّتْهُ العُيُونُ فاتَّصَلَ ولَمْ يَنْقَطِعْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الجَرْيِ مِن قَوْلِهِمْ أمْعَنَ في كَذا إذا اشْتَدَّ دُخُولُهُ فِيهِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الكَثِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَعِينِ وهو الشَّيْءُ الكَثِيرُ.

الخامِسُ: أنَّهُ المُنْتَفَعُ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنَ الماعُونِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ يَعْنِي أنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ بَيْضاءُ اللَّوْنِ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "صَفْراءَ".

وَيَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بَيْضاءَ الكَأْسِ صَفْراءَ اللَّوْنِ فَيَكُونَ اخْتِلافُ لَوْنِهِما في مَنظَرِهِما قالَ الشّاعِرُ: فَكَأنَّ بَهْجَتَها وبَهْجَةَ كَأْسِها نارٌ ونُورٌ قُيِّدا بِوِعاءٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ لَيْسَ فِيها صُداعٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَيْسَ فِيها وجَعُ البَّطْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: لَيْسَ فِيها أذًى، قالَهُ الفَرّاءُ وعِكْرِمَةُ وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ لِاشْتِقاقِ الغَوْلِ مِنَ الغائِلَةِ.

الرّابِعُ: لَيْسَ فِيها إثْمٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الخامِسُ: أنَّها لا تَغْتالُ عُقُولَهُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وهَذا مِنَ الغِيلَةِ أنْ ∗∗∗ يَصْرَعَ واحِدٌ واحِدًا ﴿ وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَنْزِفُ العَقْلَ ولا تُذْهِبُ الحِلْمَ بِالسُّكْرِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا الثّانِي: لا يَبُولُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى الضَّحّاكُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في الخَمْرِ أرْبَعُ خِصالٍ: السُّكْرُ والصُّداعُ والقَيْءُ والبَوْلُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خَمْرَ الجَنَّةِ فَنَزَّهَها عَنْ هَذِهِ الخِصالِ.

الثّالِثُ: أيْ لا تُفْنى مَأْخُوذٌ مِن نَزْفِ الرَّكِيَّةِ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: دَعِينِي لا أبا لَكِ أنْ تُطِيقِي ∗∗∗ لَحاكِ اللَّهُ قَدْ أنْزَفْتِ رِيقِي وَقَدْ يَخْتَلِفُ هَذا التَّأْوِيلُ بِاخْتِلافِ القِراءَةِ، فَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، يُنْزِفُونَ بِكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ يُنْزَفُونَ بِفَتْحِ الزّايِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الفَتْحَ مِن نَزَفَ فَهو مَنزُوفٌ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالسُّكْرِ، والكَسْرَ مِن أنْزَفَ فَهو مَنزُوفٌ إذا فَنِيَتْ خَمْرُهُ، وإنَّما صَرَفَ اللَّهُ تَعالى السُّكْرَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ لِئَلّا يَنْقَطِعَ عَنْهُمُ التِذاذُ نَعِيمِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ﴾ يَعْنِي بِقاصِراتِ الطَّرْفِ النِّساءَ اللّاتِي قَصَرْنَ أطْرافَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ فَلا يُرْدِنَ غَيْرَهم مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: قَدِ اقْتَصَرَ عَلى كَذا إذا اقْتَنَعَ بِهِ وعَدَلَ عَنْ غَيْرِهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا وَفِي العِينِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحِسانُ العُيُونِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.

الثّانِي: العِظامُ الأعْيُنِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقُطْرُبُ.

﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي اللُّؤْلُؤَ في صَدَفِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وهي بَيْضاءُ مِثْلَ لُؤْلُؤَةِ الغَوّا ∗∗∗ صِ مِيزَتْ مِن جَوْهَرٍ مَكْنُونٍ الثّانِي: يَعْنِي البَيْضَ المَعْرُوفَ في قِشْرِهِ، والمَكْنُونُ المَصُونُ.

وَفِي تَشْبِيهِهِمْ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَشْبِيهًا بِبَيْضِ النَّعامِ يُكَنُّ بِالرِّيشِ مِنَ الغُبارِ والرِّيحِ فَهو أبْيَضُ إلى الصُّفْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: تَشْبِيهًا بِبَطْنِ البَيْضِ إذا لَمْ تَمَسَّهُ يَدٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: تَشْبِيهًا بِبَياضِ البَيْضِ حِينَ يُنْزَعُ قِشْرُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: تَشْبِيهًا بِالسِّحاءِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ القِشْرَةِ العُلْيا ولُبابِ البَيْضِ، قالَهُ عَطاءٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ قال: لا تمانعون منا ﴿ بل هم اليوم مستسلمون ﴾ مسخرون ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ أقبل بعضهم يلوم بعضاً قال: الضعفاء للذين استكبروا ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ تقهروننا بالقدرة عليكم ﴿ قالوا بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ في علم الله ﴿ وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين ﴾ مشركين في علم الله ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ فوجب علينا قضاء ربنا لأنا كنا أذلاء، وكنتم أعزة ﴿ فإنهم يومئذٍ ﴾ قال: كلهم ﴿ في العذاب مشتركون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ قال: لا يدفع بعضكم بعضاً ﴿ بل هم اليوم مستسلمون ﴾ في عذاب الله ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ قال: الانس على الجن قالت الانس للجن ﴿ إنكم تأتوننا عن اليمين ﴾ قال: من قبل الخير أفتنهونا عنه.

قالت الجن للانس ﴿ بل لم تكونوا مؤمنين، فحق علينا قول ربنا ﴾ قال: هذا قول الجن ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوين ﴾ هذا قول الشياطين لضلال بني آدم ﴿ ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ بل جاء بالحق وصدق المرسلين ﴾ أي صدق من كان قبله من المرسلين ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم، وما تجزون إلا ما كنتم تعملون، إلا عباد الله المخلصين ﴾ قال: هذه ثنية الله ﴿ أولئك لهم رزق معلوم ﴾ قال: الجنة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ قال: ذلك إذا بعثوا في النفخة الثانية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ قال: كانوا يأتونهم عند كل خير ليصدوهم عنه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ تأتوننا عن اليمين ﴾ قال: عن الحق الكفار تقوله للشياطين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ لم تكونوا مؤمنين ﴾ قال: لو كنتم مؤمنين منعتم منا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأغويناكم ﴾ قال: الشياطين تقول ﴿ أغويناكم ﴾ في الدنيا ﴿ إنا كنا غاوين ﴾ ﴿ فإنهم يومئذ ﴾ ومن أغووا في الدنيا ﴿ في العذاب مشتركون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ قال: كانوا إذا لم يشرك بالله يستنكفون ﴿ ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ لا يعقل قال: فحكى الله صدقه فقال: ﴿ بل جاء بالحق وصدق المرسلين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله، ونفسه، إلا بحقه، وحسابه على الله.

وأنزل الله في كتابه، وذكر قوماً استكبروا فقال: ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ وقال: ﴿ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ [ الفتح: 26] وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله.

استكبر عنها المشركون يوم الحديبية.

يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية الهدنة» .

وأخرج البخاري في تاريخه عن وهب بن منبه رضي الله عنه أنه قيل له: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟

قال: بلى.

ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان، فمن جاء بأسنانه فتح له، ومن لا، لم يفتح له.

وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ إلا عباد الله المخلصين ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك لهم رزق معلوم ﴾ قال: في الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال مقاتل: ثم (١) ﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾ ، قال عطاء والكلبي عن ابن عباس: هم الموحدون (٢) (١) "تفسير مقاتل" 110/ ب.

(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس.

انظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "البغوي" 4/ 27، "زاد المسير" 7/ 55.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين ﴾ استثناء منقطع بمعنى لكن، وقرئ مخلصين بفتح اللام وكسرها في كل موضع، وقد تقدّم تفسيره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والصافات صفاً ﴾ وما بعدهما مدغماً: حمزة وأبو عمرو غير عباس ﴿ بزينة ﴾ منوناً: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ الكواكب ﴾ بالنصب: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالجر ﴿ لا يسمعون ﴾ بتشديد السين والميم وأصله "يتسمعون": حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم.

﴿ بل عجبت ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالفتح على الخطاب ﴿ آيذا ﴾ بالمد والياء ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة مكسورة: يزيد وقالون وزيد.

الباقون: مثل التي في "الرعد" وأما الثانية فمثل التي في "الرعد" ﴿ أو آباؤنا ﴾ مثل ﴿ أو أمن أهل القرى  ﴾ وكذلك في "الواقعة" ﴿ لا تناصرون ﴾ بالتشديد البزي وابن فليح ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئنك ﴾ ﴿ أئفكا ﴾ مثل ﴿ ائنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ ينزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الآخرون: بفتح الزاي ﴿ لترديني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ صفا ﴾ ه لا ﴿ زجراً ﴾ ه لا ﴿ لواحد ﴾ ه ط ﴿ المشارق ﴾ ه ط ﴿ الكواكب ﴾ ه لا ﴿ مارد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي.

وعليه بحث يجيء في التفسير ﴿ واصب ﴾ ه لا ﴿ ثاقب ﴾ ه ج ﴿ خلقنا ﴾ ط ﴿ لازب ﴾ ه ﴿ ويسخرون ﴾ ه ص ﴿ لا يذكرون ﴾ ه ص ﴿ يستسخرون ﴾ ه ص ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأوّلون ﴾ ه ط ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ مسؤولون ﴾ ه لا لأن المسؤول عنه قوله ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ ه ﴿ مستسلمون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج ﴿ سلطان ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ لذائقون ﴾ ه ﴿ غاوين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ يستكبرون ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ط ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ الأليم ﴾ ه ج ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ فواكه ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ مكرمون ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ج ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ للشارين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ ينزفون ﴾ ه ﴿ عين ﴾ ط ﴿ مكنون ﴾ ج ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ المصدّقين ﴾ ه ﴿ لمدينون ﴾ ه ﴿ مطلعون ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ لتردين ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ بميتين ﴾ ه لا ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ الزقوم ﴾ ه ﴿ للظالمين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة لشجرة ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ البطون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ج ﴿ ضالين ﴾ ه لا للعطف مع اتصال المعنى ﴿ يهرعون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ المجيبون ﴾ ه ز ﴿ العظيم ﴾ ه ز ﴿ الباقين ﴾ ه ز ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ في أوّل هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مرّ في أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله  ، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف.

قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، الا ترى أن التاء والصاد هما من طرف اللسان وأوصل الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟

وأيضاً الزاي مجهورة وفيها زيادة صفير.

ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثاً لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة.

وأما التقدير الأوّل ففيه وجوه الأوّل: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله  .

والصف ترتيب الشيء على نسق.

الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين.

قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفاً أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة.

والزجر سوق السحاب.

قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب.

وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم.

والتاليات الذين يتلون كتاب الله على الأبنياء.

والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية.

الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها.

أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً  ﴾ والزجرة والصيحة سواء.

والمراد رفع الصوت بزجر الخيل.

وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله.

يحكى عن علي بن أبي طالب  أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دماً فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء.

الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، وكلها مترتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات.

وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال: شعر شاعر.

والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه.

ويحتمل وإن لم يذكره جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله: الصابح فالغانم فالآيب *** كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب.

مثاله المصلون يقفون أوّلاً صفوفاً ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة.

وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات متغايرة؛ فالصافات الطير من قوله ﴿ والطير صافات  ﴾ والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله.

أو الصافات طائفة من الملائكة أو من الأشخاص الإِنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى.

وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه.

والفاء على هذه المعاني لترتب الموصوفات في الفضل.

ثم إنه  لو يقتصر في إثبات التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق ﴾ فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها.

وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ .

ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية الحفظ من الشيطان.

والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة لما تلاق به الدواة.

ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله  الكواكب وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط التي تنظم طائفة منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني عشر.

وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما يروق الناظر، ويجوز أن يقع ﴿ الكواكب ﴾ بياناً للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة.

ويجوز أن يراد بالزينة ما زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء.

ومن قرأ باتنوين ﴿ زينة ﴾ وجر ﴿ الكواكب ﴾ فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين ﴿ زينة ﴾ ونصب ﴿ الكواكب ﴾ فعلى أنه بدل من محل ﴿ بزينة ﴾ أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة.

قوله ﴿ وحفظاً ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه محمول على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين.

وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظاً من كل شيطان زيناها بالكواكب.

وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم.

تقول: افعل ذلك كرامة أي وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: وحفظناها حفظاً.

قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله الكواكب في زمن محمد  بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء في إصغائهم.

قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبحرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه.

وأيضاً إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟

وأيضاً مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟

والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضاً كالنادر.

فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان ناراً صرفاً، ولكن الناري غالب عليه.

ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن الله.

والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق.

والضمير في قوله ﴿ لا يسمعون ﴾ لكل شيطان لأنه في معنى الجمع.

والتسمع تكلف السماع سمع أو لم سمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى.

وقيل: معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي.

قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن يكون استئنافاً لأن سائلاً لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟

فأجيب بأنهم لا يسمعون.

لم يستقم فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع.

قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان مستأنفاً كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا.

ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم "أن" وأهدر عملها كما في قول القائل: ألا ايهذا الزاجري أحضر الوغى *** ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك "جئتك أن تكرمني" وحذف "أن" في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات.

قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضاً لا يصح إلا بتقدير اللام أو "من" مع "أن".

والملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات.

وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة.

وعنه: الكتبة من الملائكة.

والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجراً.

وقوله ﴿ من كل جانب ﴾ أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب.

وقيل: من كل الجوانب.

﴿ دحوراً ﴾ أي طرداً مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران كأنه قيل: يقذفون قذفاً أو يدحرون دحوراً.

ويجوز أن يكون مفعولاً له اي لأجل الدحور أو مصدراً في موضع الحال أي مدحورين كقوله ﴿ مذموماً مدحوراً  ﴾ ﴿ ولهم ﴾ أي للشياطين ﴿ عذاب واصب ﴾ دائم وقد مر في النحل في قوله ﴿ وله الدين واصباً  ﴾ يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب غير منقطع ﴿ إلا من خطف ﴾ في محل الرفع بدلاً من الواو في ﴿ لا يسمعون ﴾ أي لا يسمع إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة.

وقيل: وثب وثبة.

وقيل: الاستثناء منقطع خبره ﴿ فأتبعه ﴾ أي أتبعه ورمى في أثره ﴿ شهاب ثاقب ﴾ مضيء أو ماض فإذا قذفوا احترقوا.

وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون.

وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك.

وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة.

وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأوّل أن يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر فيقدر في الحالة الثانية.

أما الطريق الأوّل فاشار إليه بقوله ﴿ فاستفتهم ﴾ أي سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم.

وقيل: اراد عاداً وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية.

والقول الأول اقوى بدليل فاء التعقيب ولإطلاق قوله ﴿ خلقنا ﴾ إكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق، ومن هان عليه هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون.

وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ أي لازم والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين الحر.

وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن.

ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم يكن قابلاً للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أوّلاً فلا يبقى ريب في قبولها ثانياً، وقادرية الله  باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها.

وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق الأوّل، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة.

ثم بين أنهم مع قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال ﴿ بل عجبت ﴾ من قرأ بفتح التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث ﴿ و ﴾ هم ﴿ يسخرون ﴾ من تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه.

ومن قرأ بالضم فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام الشيء.

وقيل: هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء.

وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل عجبت.

سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله  غير منكر.

سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه  محمولة على النهايات كالمكر والاستهزاء والمعنى: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم  ﴾ .

عند من يرى أن العجب من الله.

وقد جاء في الحديث "يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة" .

وقال أيضاً: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته" .

والألّ التضرع.

ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون.

﴿ وإذا رأوا آية ﴾ بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات ﴿ يستسخرون ﴾ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر.

فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث.

قوله ﴿ أو آباؤنا ﴾ من قرأ بسكون الواو فمعطوف على محل اسم "أن"، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في ﴿ مبعوثون ﴾ وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى: أيبعث أيضاً آباؤنا؟

يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد.

وعلى الأوّل أرادوا إنكار أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله  بقوله ﴿ قل نعم ﴾ تبعثون ﴿ وأنتم داخرون ﴾ صاغرون أذلاء.

وإذا كان كذلك ﴿ فإنما هي ﴾ أي البعثة أو هو مبهم يوضحه خبره ﴿ زجرة ﴾ واحدة يعني صيحة النفخة الثانية ﴿ فإذا هم ينظرون ﴾ أراد أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم.

﴿ وقالوا يا ويلنا ﴾ الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله ﴿ تكذبون ﴾ يقوله الكفرة فيما بينهم.

وقيل: إن كلامهم يتم عند قوله ﴿ يا ويلنا ﴾ ثم قال الله أو الملائكة ﴿ هذا يوم الدين ﴾ الجزاء والحساب ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ القضاء والفرق بين المحسن والمسيء ﴿ احشروا الذين ظلموا ﴾ بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم.

وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه بعد البعث اي اجمعوهم ﴿ وأزواجهم ﴾ أي أشكالهم الذي على دينهم وسيرتهم؛ الزاني مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب.

وقيل: قرناءهم من الشياطين.

وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم.

﴿ وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ من الأصنام ﴿ فاهدوهم ﴾ ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم ﴿ إلى صراط الجحيم ﴾ وسطها أو طريقها لأنه قال بعد ذلك ﴿ وقفوهم ﴾ اي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا تهكماً وتوبيخاً بالعجز عن التناصر ﴿ ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ﴾ قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله.

وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة.

ثم حكى أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم ﴿ قالوا ﴾ لرؤسائهم ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعاً وعرفاً.

كان رسول الله يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيآت، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح.

فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصدّه عنه وأضله.

قال جار الله: من المجاز ما غلب عليه الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير.

ثم صار قولك "أتاه عن اليمين" مجازاً في المعنى المذكور.

الثاني: أن يقال: فلان يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم.

الثالث: اليمين الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم.

الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع البطش غالباً أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال.

وكما أن الضمير في ﴿ قالوا ﴾ الأول كان عائداً إلى الأتباع بقرينة الخطاب، فالضمير في ﴿ قالوا ﴾ الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة.

والمعنى بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا.

﴿ وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً ﴾ مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم  ﴾ ﴿ فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ﴾ قال مقاتل: أراد قوله: ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في العذاب وكان خبر الله حقاً فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب.

قال جار الله: لو حكى الوعيد كما هو لقال "إنكم لذائقون" ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوين ﴾ أي أقدمنا على أغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب أغوائنا فغوايتنا إن كانت بسب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضاً من الله كما مر في قوله ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ هذا تفسير أهل السنة.

وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: ﴿ بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة ﴿ فأغويناكم ﴾ فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين فاردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا.

وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله ﴿ فإنهم ﴾ جميعاً ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم القيامة ﴿ في العذاب مشتركون ﴾ كما كانوا مشتركين في الغواية.

ولعل للمتبوعين عذاباً زائداً للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء ﴿ إنا كذلك ﴾ أي مثل ذلك الفعل ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم أي كافر بدليل قوله ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ يأبون من قبوله، والجملة الشرطية خبر "كان" وهو مع الاسم والخبر خبر "إن" وإن ألغيت "كان" فالخبر ﴿ يستكبرون ﴾ و"إذا" ظرفه.

﴿ ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ عنوا محمداً  بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوّة جميعاً فردّ عليهم بقوله ﴿ بل جاء ﴾ متلبساً ﴿ بالحق وصدّق المرسلين ﴾ وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم في قولهم ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة قائلاً ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال ﴿ وما تجوزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحققه صوناً للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة اشبه.

والسنيّ يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل.

قال جار الله ﴿ إلا عباد الله ﴾ استثناء منقطع أي لكن عباد الله ﴿ المخلصين أولئك لهم رزق ﴾ قلت: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف.

ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله ﴿ إنكم ﴾ للمكلفين جميعاً فيصح الاستثناء المتصل مطلقاً أي تذوقون العذاب الأليم.

قوله ﴿ معلوم ﴾ قيل: أي معلوم الوقت كقوله ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر.

وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم.

وقيل: أراد أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع.

ثم فسر ذلك الرزق بأنه ﴿ فواكه ﴾ فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة.

وقيل: أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الطعام أولى بالحضور.

وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال ﴿ وهم مكرمون ﴾ إذ الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.

وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة جلوسهم فقال ﴿ في جنات النعيم على سرر متقابلين ﴾ وقد مر في "الحجر".

ثم وصف مشروبهم.

قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كاساً إلا إذا كان فيها خمر، وقد تسمى الخمر نفسها كأساً.

عن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر *** وكذا في تفسير ابن عباس: والمعين النهر الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء.

وقد يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جارياً قاله ثعلب.

وقيل: "فعيل" من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير أي بالغ فيه.

واشتدّ وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء.

وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن.

﴿ ولذة ﴾ إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي تأنيث.

اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال العقول.

يقال: غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وافسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ أي يسكرون.

وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر.

يقال: نزف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله.

والتركيب يدور على الفناء والنفاد ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء.

وأنزف مثله ومعناه صار ذا نزف.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ هو أن الشراب لا ينقطع عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار.

والأوّلون حملوه على المبالغة.

ثم وصف منكوحهم بقوله ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله ﴿ عرباً  ﴾ والعين جمع العيناء مؤنث الأعين وهو كبير العين.

ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، وذلك لأن فيها بياضاً يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور.

ثم عطف على قوله ﴿ يطاف ﴾ قوله قوله ﴿ فأقبل ﴾ وهو مضارع في المعنى إلا أنه على عادة الله  في الأخبار.

ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في تخاصم أهل النار.

والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة.

قال بعضهم: وما بقيت من اللذات إلا *** أحاديث الكرام على المدام وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ابتداء الحكاية ﴿ قال قائل منهم ﴾ أي من أهل الجنة ﴿ إني كان لي قرين ﴾ جليس أو شريك في الدنيا ﴿ يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ أي بيوم الدين ﴿ أئنا لمدينون ﴾ لمجزيون من دان يدين إذا جزى.

وقيل: لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه الحديث "الكيس من دان نفسه" وعن بعضهم: أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين  ﴾ ﴿ قال ﴾ يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ إلى النار اي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها.

عن ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ﴿ فاطلع ﴾ على أهل النار فرأى قرينه ﴿ في سواء الجحيم ﴾ وسطها ﴿ قال ﴾ لقرينه ﴿ تالله إن كدت لتردين ﴾ "إن" مخففة واللام فارقة.

والإرداء الإِهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدّي إلى الهلاك الحقيقي.

والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم  ﴾ إلى آخر الآية والله أعلم.

ثم شكر الله  على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل فقال ﴿ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ﴾ في النار مثلك أطلق إطلاقاً لأن الإِحضار يستعمل في الشر غالباً ولا سيما في اصطلاح القرآن.

وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قريناً له في الدنيا وهو الآن من أهل النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلاً ﴿ أفما نحن بميتين ﴾ وفيه قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أوّل دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب.

وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله  واغتباطاً بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول.

أفيدوم هذا لي؟

وإن كان على يقين من دوامه.

وايضاً إنه قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وليحكيه الله فيكون لنا لطفاً وزجراً.

احتج نفاة عذاب القبر بقوله ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ فإنه يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين.

وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾ يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعاً له وتوبيخاً وأن يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقاً لهم، وكذا قوله ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله عز وجل كأنه لما تمم قصة المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الزرق ﴿ خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ قال جار الله: أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل.

فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم والغم.

ويمكن أن يقال: النزل ما يقدّم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك.

وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة.

وقال غيره: إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ وذلك أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله  وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وقيل: إنما كانت فتنة لهم لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمداً يخوّفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر.

وذكروا أيضاً أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال: تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم.

وذكر بقية أوصاف الشجرة منها ﴿ إنها تخرج في أصل الجحيم ﴾ اي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.

وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر.

ومنها ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ قال جار الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك إذا كان يشبه الطلع شكلاً ولوناً.

وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال أحدها وهو الأقوى: إنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل النفوس إليه، وإذا كان الشيطان كله مستقبحاً فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في الجحيم.

الثاني أن الشيطان ههنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها أعراف ورؤوس قباح.

الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين.

الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة سود تكون حول مكة.

ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضاً يعود إلى الأول إلا أنه بعد التسمية كأنه صار أصلاً يشبه به.

ثم علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله ﴿ فإنهم لآكلون منها ﴾ أي من طلعها ﴿ فمالؤن منها البطون ﴾ أي بطونهم إما لأن شدّة الجوع تحملهم على تناول ذلك الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون باباً من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد الحرارة، وقد وصفه الله  في قوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه  ﴾ والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة ﴿ ومزاجه من تسنيم  ﴾ وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج بالحميم أو يسقون صديداً أو شراباً حاراً ممزوجاً بما هو أحر وهو الحميم.

ومعنى "ثم" التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلاً للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير.

قال مقاتل: معنى "ثم" في قوله ﴿ ثم إن مرجعهم ﴾ أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردّون إلى موضعهم أي من الجحيم فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار.

وقيل: هو كقولهم "فلان يرجع إلى مال ونعمة" أي هو فيها.

وقيل: "ثم" لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار.

وقيل: "ثم" مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم.

ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو التقليد.

والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقاً ولو لم يوجد في ذم التقليد إلا هذه الآية لكفى.

ثم اراد تسلية النبي  إجمالاً بقوله ﴿ ولقد ضل قبلهم ﴾ أي قبل قومك ﴿ أكثر الأوّلين ﴾ ثم استثنى من قوله ﴿ ولقد ضل ﴾ أو ﴿ من المنذرين ﴾ المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة.

ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلاً, وقدّم قصة نوح  لكونه أباً ثانياً ونداؤه في قوله ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ \[المؤمنون: 26\] أو قوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ واللام الداخلة على ﴿ نعم ﴾ جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في ﴿ فلنعم ﴾ دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقروناً بإجابة.

والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع الياس من إيمانهم وهذا أقرب.

وفي قوله ﴿ هم الباقين ﴾ بصيغة الحصر دلالة على أن كل ما سواه وسوى ذريته فقد فنوا.

روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذرّيته وهم سام وحام ويافث.

فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقاً وغرباً، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي ﴿ سلام على نوح ﴾ ومعنى ﴿ في العالمين ﴾ أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة.

ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسناً وهذا جزاء كل محسن.

ثم بين أن إحسانه كان مسبوقاً بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسناً.

وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال ﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ أعاذنا الله من الإغراق والإِحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمناً للنصر والفتوح.

التأويل: ﴿ والصافات ﴾ إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر ﴿ فالزاجرات ﴾ هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ هم الذين يذكرون الله في الخلوات بخلوص النيات.

رب سموات القلوب وأرض النفوس وما بينهما من صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد واقمار الطوالع ونجوم اللوامع.

السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية ﴿ طين لازب ﴾ أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام.

فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأوّلون أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف.

والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا االله فيسترها عليهم كما جاء ذكره في الحديث "إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم اي رب.

ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا!

وكذا!؟

فيقول: نعم.

ثم يقول: اي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم أي رب.

حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته" ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا موت، بل ينتقل من دار إلى دار.

﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ بل لمثل هذه الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر) على مثل ليلى يقتل المرء نفسه *** وإن بات من ليلى على اليأس والصدّ ثم أخبر بعد قصة الأولياء عن قصة الأعداء بقوله ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ وفي قوله ﴿ كأنه رؤوس الشياطين ﴾ دليل على أن أفعالهم كانت في قبح صفات الشياطين فكانت مكافأتهم من جنس صورة الشياطين ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ أنه  سلم على نوح الروح لأنه يحتاج إلى سلام الله ليعبر على الصراط المستقيم الذي هو أدقَ من الشعر وأحدّ من السيف، ولهذا يكون دعوة الرسل حينئذ رب "سلم سلم".

وإنما اختصوا بالصراط والعبور عليه ليؤدّوا الأمانة التي حملوها إلى أهلها وهو الله  وتعالى .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم استثنى المؤمنين حيث قال - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ ؛ فإنهم لا يذوقون العذاب الأليم، وإلا لو كانوا مستثنين من قوله: ﴿ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ أو لا؛ يكون لهذا حق الاستثناء من الأول، ولكن الابتداء ذلك جائز في اللغة سائغ في اللسان، والله أعلم.

ثم بين ما أعد للمخلصين فقال: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .

فإن قيل: كيف يجمع بين قوله: ﴿ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ  ﴾ ، وبين قوله: ﴿ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ﴾ ؟!

قال بعضهم من أهل التأويل: يعني المعلوم حين يشتهونه يؤتون به.

ويحتمل أن يكون للكثير الذي لا يحسب ولا يعد؛ لكثرته هو في نفسه معلوم محدود.

أو أن يريد بالمعلوم: أنه صار ما وعدوا في الدنيا لهم في الآخرة معلوماً معروفاً عند الوصول إليه كان ذلك لهم موعوداً، فإذا وصلوا إليه، صار معلوماً محدوداً.

وقوله: ﴿ فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴾ .

أي: معظمون مشرفون.

وقوله: ﴿ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ .

يخبر أن لهم في الجنة ما يستحبون ويختارون في الدنيا من الجلوس على السرر على المواجهة والمقابلة والشرب على ذلك، والكأس: قيل: كل إناء أو قدح فيه شراب فهو كأس.

وقوله: ﴿ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ .

المعين قال بعضهم: هو الجاري، وكأنه يخبر أن خمور أهل الجنة تجري في الأنهار؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ  ﴾ .

وقال بعضهم: المعين: هو الظاهر الذي يقع البصر عليه؛ كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ  ﴾ أي: ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ .

ذكر أن خمورهم في الآخرة بيضاء؛ لأن البياض يظهر كل ما فيه من الأذى والآفة ويرى، فأما في غيره من الألوان فإنه قلما يظهر وقلما يرى إلا يجهد، أو ذكر أنها بيضاء لأن البيضاء من الألوان المستحسن الطباع كلها؛ وهو المختار عندنا.

قال الزجاج: إن الخمر لذة للنفس الروحانية لا للجسدانية؛ ألا ترى أن الخمر يشربها الناس وتظهر كراهة ذلك في وجوههم من العبوسة وغيرها، ثم مع هذا يعودون ويشربون دل أنها لذة لا لهذه النفس الجسدانية، ولكن للنفس الروحانية أو كلام نحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ .

و ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ بنصب الياء وكسر الزاء، ورفعها ونصب الزاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: لا آفة ولا صد ولا أذى، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ من قرأها ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ برفع الياء ونصب الزاء يقول: لا تنزف الخمر عقولهم، أي: لا تذهب بها، أي: لا يسكرون كما يسكر بشرب خمور الدنيا.

ومن قرأها ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ أي يعني شرابهم.

وتأويل هذا الكلام: أن أهل الدنيا إذا أخذوا في الشراب لا يتركون شربهم إلا لإحدى الخلتين: إما لذهاب عقولهم وذلك عند شدة سكرهم، وإما لفناء الشراب، لإحدى هاتين الخلتين يتركون شربهم، فيخبر أن أهل الجنة لا يذهب عقولهم الخمر ولا يُفْنون شرابهم، ولا كان فيها آفة ولا ضرر، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: طاهر لا تحرك، ويقال: الجاري، ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: سكر ولا ضرر، ولا يكون الاغتيال إلا من الخديعة والقتل في الأولاد، [و]هي أن ترضع المرأة ولدها وفي بطنها آخر، والغلول: التلوُّن، وكذلك سميت الغول غولا؛ لأنها تتلوَّن، والغيلان: جميع، ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ قال: النزيف: السكران.

وقال القتبي: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: لا تغتال عقولهم فيذهب بها، يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، والغول: العدو، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ أي: لا يذهب خمرهم وينقطع و[لا] يذهب عقولهم، والخمر التي جعلها الله لأهل الجنة في الآخرة هي للذي لم يشربها في الدنيا ولم يتناول منها ولا تلذذ بها، والله أعلم.

وقيل: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ ، أي: غائلة لها، أي: الصداع، أي: لا يتجع منها الرأس، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ أي: لا يسكرون بنزف عقولهم فتذهب.

وفي قوله: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ بنصب اللام دلالة: أنه قد كان من الله - جل وعلا - لطف به استوجبوا الإخلاص والخصوصية، وهو ينقض على المعتزلة قولهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ .

أي: لا ينظرن إلى غير أزواجهن، جبل الله - عز وجل - البشر على الغيرة، ولا يستحب الرجال أن ينظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا النساء أن ينظر أزواجهن إلى غيرهن، فأخبر - عز وجل -: عن أزواجهم في الجنة: أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن؛ حبّاً لأزواجهن وطلباً لمرضاتهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ عِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: واسعات العيون في الجمال؛ لأن السعة في العين إذا جاوز الحد فحش ولا يكون فيه جمال، ولكن يكون فيه قبح، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ عِينٌ ﴾ ، أي: حسان العيون، والعين جماعة: العيناء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .

أي: مستور، لا يصيبه مطر ولا ريح ولا غبار ولا شمس ولا شيء مما يصيب في الدنيا؛ كقوله: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ  ﴾ ، والله أعلم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .

أي: قد خبى وكن من الحر والبرد والمطر فلم يتغير؛ وهو مثل الأول.

وقال بعضهم: ﴿ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ : هو كبيض النعام الذي يكنه الريش من الريح وغيره، فهو أبيض إلى الصفرة فكأنه ينزف؛ فذاك المكنون.

وقال بعضهم: شبهن بالبياض الذي يكون بين القشر وبين اللحا وهو أبيض شيء يكون، والله أعلم بذلك، لكن فيه وصفهن بالجمال والبهاء والحب لأزواجهن.

وقال بعضهم: البيض المكنون: هو المصون، هو وصفهن بالصون والصيانة؛ كقوله: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: في بعض القصة: أن رجلين شريكين كان لهما ثمانون ألف دينار، وذكر أنهما كانا أخوين ورثا ثمانين ألف دينار فاقتسما - وذكر أربعون ألف درهم - فعمد أحدهما إلى ماله فاشترى به قصوراً وبستاناً وفرشاً وجواري ونساء، فأنفقه في أمر الدنيا، وعمد الآخر إلى ماله فأنفقه في طاعة الله، وطلب مرضاته، وطلب بعمده [الحياة] الدائمة في الآخرة، وهذا مؤمن والآخر كافر طاغ، ثم أصاب الذي أنفقه في طاعة الله وطلب مرضاته حاجة شديدة، فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعله أن ينال منه بمعروف، فأتاه فسأله، فأبى أن يعطيه شيئاً، وقال له: ما شأنك وما فعلت بمالك؟

فأخبره بما فعله به، فقال له: ﴿ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ أي: محاسبون، فرجع فقضى لهما أن توفيا فنزلت فيهما: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ ﴾ وهو المؤمن حين أدخله الله الجنة ﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ﴾ بالبعث بعد الموت ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ ، أي: لمحاسبون ﴿ قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ ﴾ ، كأنه قال لأصحابه: هل أنتم مطلعون في النار لننظر ما حاله؟

ثم أخبر أنه اطلع ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ذكر اطلاعه، ولم يذكر اطلاع أصحابه؛ فجائز أن يكون أخبر عن اطلاع كل واحد منهم في نفسه: أنه اطلع ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أي: وسط الجحيم، وإن كانوا جميعاً مطلعين إليه فيها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ  ﴾ ، و ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ﴾ ، وإن كان خاطب إنساناً فإنما خاطب به كل إنسان في نفسه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ إنما أخبر عن اطلاع كل منهم - والله أعلم - وكانوا جميعاً مطلعين.

ثم في الآية شيئان عجيبان: أحدهما: ما ذكر من اطلاع أهل الجنة على أهل النار أنها تكون قريبة من الجنة حتى ينظر بعضهم إلى بعض فيرون.

أو تكون بعيدة منها، إلا أن إبصار أهل الجنة يكون أبعد وأبصر مما يكون في الدنيا، فجائز أن يجعل الله - عز وجل - أبصار أهل الآخرة أبصر وأحد؛ حتى لا يحجبه ولا يمنعه بعد المسافة والمكان عن النظر والرؤية، والله أعلم.

والثاني: أن كيف يعرفه في النار مما يحرقه ويفني وجهه ولونه وجميع أعلامه وسيماه، لكن جائز أن يكون الله - عز وجل - يعرفه بأعلام تجعل له؛ فيعرفه بتلك الأعلام، وذلك على الله - عز وجل - يسير هين.

وأهل التأويل يقولون: يجعل الله - عز وجل - لأهل الجنة كوى منها إذا أرادوا أن ينظر أحدهم إلى من في النار، فتح الله له كوة ينظر إلى من شاء من مقعده إلى النار، فيزداد بذلك شكرا، وهو قوله: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أي: في وسط الجحيم؛ كقوله: - عز وجل -: ﴿ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ ، أي: وسطه.

فقال: ﴿ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ ، أي: هممت لتغوين، وكذلك في حرف ابن مسعود: [مكان] ﴿ لَتُرْدِينِ ﴾ : ﴿ لتُغْوِيَن ﴾ .

وقال الكسائي: تالله، وبالله، ووالله، والله - بغير واو - لغات.

يخبر أن بالله يكون على الأسف مرجعهما إلى سفاه يقول: لولا أن الله أنعم على الهدى، ولولا أن الله رحمني فهداني؛ المعنى واحد.

يقول له: اترك دينك واتبعني، وقال: ﴿ لَتُرْدِينِ ﴾ أي: لتهلكني، يقال: رديت فلاناً، أي: أهلكته، والردى: الموت والهلاك؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.

وقوله: ﴿ لَمَدِينُونَ ﴾ .

قال بعضهم: لمحاسبون.

وقال أبو عوسجة والقتبي: لمجزيون، والدين: الجزاء.

وقال: ﴿ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ : مستور، لا يصيبه غبار ولا وسخ.

وقوله: ﴿ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ أي: هممت، وأردت [أن] تهلكني وتغويني لو أجبتك واتبعتك فيما [دعوتني] إليه وسألتني.

ثم أخبر أنه ﴿ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ﴾ معه، وهذا على المعتزلة لقولهم: إن عليه هداية كل أحد ما لو منعه عنه كان جائرا في منع ذلك، وهذا الرجل أخبر أنه بنعمته ورحمته اهتدى ما اهتدى، وأنه لو لم يكن منه إليه نعمة، لكان من المحضرين فيها، فهو أعرف بربه من المعتزلة، وكذلك الشيطان وجميع الكفرة أعرف بنعمة ربهم من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ  ﴾ ، ﴿ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ  ﴾ ومثله كثير في القرآن: أنهم جميعاً رأوا الهداية لهم من الله نعمة ورحمة ولم يعط الكفرة ذلك، والمعتزلة يقولون: بل هدى كل كافر ومشرك لكنه لم يهتد، وأهل الجنة قالوا أيضاً: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ  ﴾ ، وقالوا: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا  ﴾ ، ومثله كثير في القرآن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ على الإيجاب والإلزام، ليس على الاستفهام، وسؤال بعضهم بعضاً: ألا نموت فيها ولا نعذب، وإذ لم نمت ولم نعذب فيها، فإذن كان ذلك فوزاً عظيماً؛ ولذلك ذكر أبو معاذ عن الكسائي: أن هذا استفهام تعيين وفي القرآن كثير مثله، وقال: قد يكون الاستفهام على التعجيب، ويكون على التعيين، ويكون على الجهالة، ويكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ ﴾ أي: بعد موتتنا الأولى؛ لأنه بعد إذاقتهم الموتة الأولى؛ فإنهم لا يذوقون ثانياً.

وقوله: ﴿ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ ﴾ .

أي: لمثل هذه العاقبة التي أعطينا نحن وظفرنا بها، فليعمل العاملون، لا لمثل ما فيه صاحبه الذي في النار.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لكن عباد الله المؤمنين الذين أخلصهم الله لعبادته، واخلصوا له العبادة، هم بمنجاة من هذا العذاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.6NZm9"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله