الآية ٨٩ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ٨٩ من سورة الصافات

فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ ٨٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 213 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٩ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٨٩ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه "فتولوا عنه مدبرين" قال قتادة والعرب تقول لمن تفكر نظر في النجوم يعني قتادة أنه نظر إلى السماء متفكرا فيما يلهيهم به فقال "إني سقيم" أي ضعيف فأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله تعالى قوله "إني سقيم" وقوله "بل فعله كبيرهم إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك ، ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم ، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم ، فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها ، فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر ، فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه ، ( فتولوا عنه مدبرين ) قال قتادة : والعرب تقول لمن تفكر : نظر في النجوم : يعني قتادة : أنه نظر في السماء متفكرا فيما يلهيهم به ، فقال : ( إني سقيم ) أي : ضعيف .

فأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو أسامة ، حدثني هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لم يكذب إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، غير ثلاث كذبات : ثنتين في ذات الله ، قوله : ( إني سقيم ) ، وقوله ( بل فعله كبيرهم هذا ) [ الأنبياء : 62 ] ، وقوله في سارة : هي أختي " فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ، ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله ، حاشا وكلا وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزا ، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني ، كما جاء في الحديث : " إن [ في ] المعاريض لمندوحة عن الكذب " وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال : " ما منها كلمة إلا ماحل بها عن دين الله تعالى ، فقال : ( إني سقيم ) ، وقال ( بل فعله كبيرهم ) ، وقال للملك حين أراد المرأة : هي أختي " .

قال سفيان في قوله : ( إني سقيم ) يعني : طعين .

وكانوا يفرون من المطعون ، فأراد أن يخلو بآلهتهم .

وكذا قال العوفي عن ابن عباس : ( فنظر نظرة في النجوم .

فقال إني سقيم ) ، فقالوا له وهو في بيت آلهتهم : اخرج .

فقال : إني مطعون ، فتركوه مخافة الطاعون .

وقال قتادة عن سعيد بن المسيب : رأى نجما طلع فقال : ( إني سقيم ) كابد نبي الله عن دينه ( فقال إني سقيم ) .

وقال آخرون : فقال : ( إني سقيم ) بالنسبة إلى ما يستقبل ، يعني : مرض الموت .

وقيل : أراد ( إني سقيم ) أي : مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله - عز وجل - .

وقال الحسن البصري : خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم ، فأرادوه على الخروج ، فاضطجع على ظهره وقال : ( إني سقيم ) ، وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها .

رواه ابن أبي حاتم .هذا" وقوله في سارة هي أختي" فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا ولما إنما أطلق الكذب على هذا تجوزا وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات إبراهيم عليه الصلاة والسلام الثلاث التي قال "ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله تعالى فقال "إني سقيم" وقال "بل فعله كبيرهم هذا" وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي" قال سفيان في قوله "إني سقيم" يعني طعين وكانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلو بآلهتهم وكذا قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم" فقالوا له وهو في بيت آلهتهم: أخرج فقال إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون وقال قتادة عن سعيد بن المسيب رأى نجما طلع فقال "إني سقيم" كابد نبي الله عن دينه فقال "إني سقيم" وقال آخرون "فقال إني سقيم" بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت وقيل أراد "إني سقيم" أي مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج فاضطجع على ظهره وقال "إني سقيم" وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها ورواه ابن أبي حاتم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( إِنِّي سَقِيمٌ ) : أي طعين، أو لسقم كانوا يهربون منه إذا سمعوا به، وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه، ليبلغ من أصنامهم الذي يريد.

واختلف في وجه قيل إبراهيم لقومه: ( إِنِّي سَقِيمٌ ) وهو صحيح، فروي عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إلا ثَلاثَ كَذَبَاتٍ" .

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله قال: " وَلَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ غَيْرَ ثَلاثَ كَذَبَاتٍ ، ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ الله ، قوله ( إِنِّي سَقِيمٌ ) وقَوْلِهِ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ، وقَوْلِهِ فِي سارَة: هِي أُخْتِي" .

حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إلا فِي ثَلاثٍ" ثم ذكر نحوه .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن المسيب بن رافع، عن أبي هريرة، قال: " ما كذب إبراهيم غير ثلاث كذبات، قوله ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ، وإنما قاله موعظة، وقوله حين سأله الملك، فقال أختي لسارَة، وكانت امرأته ".

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أيوب، عن محمد، قالَ: " إن إبراهيم ما كذب إلا ثلاث كذبات ، ثنتان في الله، وواحدة في ذات نفسه; فأما الثنتان فقوله ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وقصته في سارَة، وذكر قصتها وقصة الملك ".

وقال آخرون: إن قوله ( إِنِّي سَقِيمٌ ) كلمة فيها مِعْراض، ومعناها أن كل من كان في عقبة الموت فهو سقيم، وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر، والخبر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخلاف هذا القول، وقول رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الحقّ دون غيره.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فقال إني سقيم وقال الضحاك : معنى سقيم سأسقم سقم الموت ; لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت ، وهذا تورية وتعريض ، كما قال للملك لما سأله عن سارة : هي أختي ، يعني أخوة الدين .

وقال ابن عباس وابن جبير والضحاك أيضا : أشار لهم إلى مرض وسقم يعدي كالطاعون ، وكانوا يهربون من الطاعون ، " ف " لذلك [ ص: 85 ] تولوا عنه مدبرين أي : فارين منه خوفا من العدوى .وروى الترمذي الحكيم قال : حدثنا أبي قال : حدثنا عمرو بن حماد ، عن أسباط ، عن السدي ، عن أبي مالك وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن سمرة عن الهمداني عن ابن مسعود قال : قالوا لإبراهيم : إن لنا عيدا لو خرجت معنا لأعجبك ديننا .

فلما كان يوم العيد خرجوا إليه وخرج معهم ، فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه ، وقال إني سقيم أشتكي رجلي ، فوطئوا رجله وهو صريع ، فلما مضوا نادى في آخرهم وتالله لأكيدن أصنامكم قال أبو عبد الله : وهذا ليس بمعارض لما قال ابن عباس وابن جبير ; لأنه يحتمل أن يكون قد اجتمع له أمران .قلت : وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لم يكذب إبراهيم النبي - عليه السلام - إلا ثلاث كذبات .

.

.

الحديث .

وقد مضى في سورة [ الأنبياء ] وهو يدل على أنه لم يكن سقيما ، وإنما عرض لهم .

وقد قال - جل وعز - : إنك ميت وإنهم ميتون فالمعنى إني سقيم فيما أستقبل ، فتوهموا هم أنه سقيم الساعة .

وهذا من معاريض الكلام على ما ذكرنا ، ومنه المثل السائر [ كفى بالسلامة داء ] وقول لبيد :فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ليصحني فإذا السلامة داءوقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس فقالوا : مات وهو صحيح!

فقال أعرابي : أصحيح من الموت في عنقه!

فإبراهيم صادق ، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم واصطفائهم عد هذا ذنبا ، ولهذا قال : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وقد مضى هذا كله مبينا والحمد لله .

وقيل : أراد سقيم النفس لكفرهم .

والنجوم يكون جمع نجم ويكون واحدا مصدرا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ } في الحديث الصحيح: "لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: قوله { إِنِّي سَقِيمٌ } وقوله { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } وقوله عن زوجته "إنها أختي" والقصد أنه تخلف عنهم، ليتم له الكيد بآلهتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ) قال ابن عباس : كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه ، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة ، وكان لهم من الغد عيد ومجمع ، وكانوا يدخلون على أصنامهم [ ويقربون لهم القرابين ] ، ويصنعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم - زعموا - للتبرك عليه فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه ، فقالوا لإبراهيم : ألا تخرج غدا معنا إلى عيدنا ؟

فنظر إلى النجوم فقال : إني سقيم .

قال ابن عباس : مطعون ، وكانوا يفرون من الطاعون فرارا عظيما .

قال الحسن : مريض .

وقال مقاتل : وجع .

وقال الضحاك : سأسقم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فقال إني سقيم» عليل أي سأسقم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فنظر إبراهيم نظرة في النجوم متفكرًا فيما يعتذر به عن الخروج معهم إلى أعيادهم، فقال لهم: إني مريض.

وهذا تعريض منه.

فتركوه وراء ظهورهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال لهم معتذرا عن الخروج معهم - ليخلوا بالأصنام فيحطمها - : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أى مريض مرضا بمنعنى من مصاحبتكم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله من شيعته إلى ماذا يعود؟

فيه قولان: الأول: وهو الأظهر أنه عائد إلى نوح عليه السلام أي من شيعة نوح أي من أهل بيته وعلى دينه ومنهاجه لإبراهيم، قالوا: وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح، وروى صاحب الكشاف أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة الثاني: قال الكلبي المراد من شيعة محمد لإبراهيم بمعنى أنه كان على دينه ومنهاجه فهو من شيعته وإن كان سابقاً له والأول أظهر، لأنه تقدم ذكر نوح عليه السلام، ولم يتقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فعود الضمير إلى نوح أولى.

المسألة الثانية: العامل في ﴿ إِذْ ﴾ ما دل عليه قوله: ﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ ﴾ من معنى المشايعة يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم.

أما قوله: ﴿ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ قولان: الأول: قال مقاتل والكلبي يعني خالص من الشرك، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله والثاني: قال الأصوليون المراد أنه عاش ومات على طهارة القلب من كل دنس من المعاصي، فيدخل فيه كونه سليماً عن الشرك وعن الشك وعن الغل والغش والحقد والحسد.

عن ابن عباس أنه كان يحب للناس ما يحب لنفسه، وسلم جميع الناس من غشه وظلمه وأسلمه الله تعالى فلم يعدل به أحداً، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بأنه تعالى ذكر بعد هذه الكلمة إنكاره على قومه الشرك بالله، وهو قوله: ﴿ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾ واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأن اللفظ مطلق فلا يقيد بصفة دون صفة، ويتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالمين  ﴾ مع أنه تعالى قال: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين  ﴾ فإن قيل ما معنى المجيء بقلبه ربه؟

قلنا معناه أنه أخلص لله قلبه، فكأنه أتحف حضرة الله بذلك القلب، ورأيت في التوراة أن الله قال لموسى أجب إلهك بكل قلبك.

واعلم أنه تعالى لما ذكر أن إبراهيم جاء ربه بقلب سليم ذكر أن من جملة آثار تلك السلامة أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد فقال: ﴿ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾ والمقصود من هذا الكلام تهجين تلك الطريقة وتقبيحها.

ثم قال: ﴿ أئفكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ ﴾ قال صاحب الكشاف أئفكا مفعول له تقديره أتريدون آلهة من دونه إفكاً، وإنما قدم المفعول على الفعل للعناية وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يقرر عندهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم، ويجوز أن يكون إفكاً مفعولاً به يعني أتريدون إفكاً، ثم فسر الإفك بقوله: ﴿ آلهة دُونَ الله ﴾ على أنها إفك في أنفسها، ويجوز أن يكون حالاً بمعنى تريدون آلهة من دون الله آفكين.

ثم قال: ﴿ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبّ العالمين ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أتظنون برب العالمين أنه يجوز جعل هذه الجمادات مشاركة له في المعبودية.

وثانيها: أتظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها مساوية له في المعبودية فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء.

ثم قال: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم * فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ عن ابن عباس أنهم كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم على مقتضى عادتهم، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه فأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خالياًفي بيت الأصنام فيقدر على كسرها وهاهنا سؤالان الأول: أن النظر في علم النجوم غير جائز فكيف أقدم عليه إبراهيم والثاني: أنه عليه السلام ما كان سقيماً فلما قال إني سقيم كان ذلك كذباً، واعلم أن العلماء ذكروا في الجواب عنهما وجوهاً كثيرة الأول: أنه نظر نظرة في النجوم في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه سقامة كالحمى في بعض ساعات الليل والنهار، فنظر ليعرف هل هي في تلك الساعة وقال: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ فجعله عذراً في تخلفه عن العيد الذي لهم وكان صادقاً فيما قال، لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت، وإنما تخلف لأجل تكسير أصنامهم الوجه الثاني: في الجواب أن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا أصحاب النجوم يعظمونها ويقضون بها على غائب الأمور، فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي في علوم النجوم وفي معانيه لا أنه نظر بعينه إليها، وهو كما يقال فلان نظر في الفقه وفي النحو وإنما أراد أن يوهمهم أنه يعلم ما يعلمون ويتعرف من حيث يتعرفون حتى إذا قال: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ سكنوا إلى قوله.

أما قوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ فمعناه سأسقم كقوله: ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ  ﴾ أي ستموت الوجه الثالث: أن قوله: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم ﴾ هو قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل رَأَى كَوْكَباً  ﴾ إلى آخر الآيات وكان ذلك النظر لأجل أن يتعرف أحوال هذه الكواكب هل هي قديمة أو محدثة، وقوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ يعني سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ الوجه الرابع: قال ابن زيد كان له نجم مخصوص، وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض إبراهيم ولأجل هذا الاستقراء لما رآه في ذلك الوقت طالعاً على تلك الصفة المخصوصة قال: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ أي هذا السقم واقع لا محالة الوجه الخامس: أن قوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ أي مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك، قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ  ﴾ الوجه السادس: في الجواب أنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بمقايستها حرام، لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بقوة وبخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص، فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل.

وأما الكذب فغير لازم لأنه ذكر قوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة، إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم.

الوجه السابع: قال بعضهم ذلك القول عن إبراهيم عليه السلام كذبة ورووا فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» قلت لبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز فقال ذلك الرجل فكيف يحكم بكذب الرواة العدول؟

فقلت لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى، ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد بكونه كذباً خبراً شبيهاً بالكذب؟

والوجه الثامن: أن المراد من قوله: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم ﴾ أي نظر في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم، فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال إنها منجمة أي متفرقة ومنه نجوم الكتابة، والمعنى أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها كي يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذراً أحسن من قوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ والمراد أنه لابد من أن أصير سقيماً كما تقول لمن رأيته على أوقات السفر إنك مسافر.

واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما قال: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ تولوا عنه معرضين فتركوه وعذروه في أن لا يخرج اليوم فكان ذلك مراده ﴿ فَرَاغَ إلى ءالِهَتِهِمْ ﴾ يقال: راغ إليه إذا مال إليه في السر على سبيل الخفية، ومنه روغان الثعلب.

وقوله: ﴿ أَلا تَأْكُلُونَ ﴾ يعني الطعام الذي كان بين أيديهم، وإنما قال ذلك استهزاء بها، وكذا قوله: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً ﴾ فأقبل عليهم مستخفياً كأنه قال فضربهم ضرباً لأن راغ عليهم في معنى ضربهم أو فراغ عليهم ضرباً بمعنى ضارباً.

وفي قوله: ﴿ باليمين ﴾ قولان الأول: معناه بالقوة والشدة لأن اليمين أقوى الجارحتين والثاني: أنه أتى بذلك الفعل بسبب الحلف، وهو قوله تعالى عنه: ﴿ وتالله لاكِيدَنَّ أصنامكم  ﴾ ثم قال: ﴿ فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ قرأ حمزة ﴿ يَزِفُّونَ ﴾ بضم الياء والباقون بفتحها وهما لغتان، قال ابن عرفة من قرأ بالنصب فهو من زف يزف، ومن قرأ بالضم فهو من أزف يزف، قال الزجاج: يزفون يسرعون وأصله من زفيف النعامة وهو ابتداء عدوها، وقرأ حمزة يزفون أي يحملون غيرهم على الزفيف، قال الأصمعي يقال أزففت الإبل إذا حملتها على أن تزف، قال وهو سرعة الخطوة ومقاربة المشي والمفعول محذوف على قراءته كأنهم حملوا دوابهم على الإسراع في المشي، فإن قيل مقتضى هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما كسرها عدوا إليه وأخذوه، وقال في سورة أخرى في عين هذه القصة: ﴿ قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ  قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ  ﴾ وهذا يقتضي أنهم في أول الأمر ما عرفوه فبين هاتين الآيتين تناقض؟

قلنا لا يبعد أن يقال إن جماعة عرفوه فعمدوا إليه مسرعين.

والأكثرون ما عرفوه فتعرفوا أن ذلك الكاسر من هو، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى النجوم ﴾ في علم النجوم أو في كتابها أو في أحكامها، وعن بعض الملوك أنه سئل عن مشتهاه فقال: حبيب أنظر إليه ومحتاج أنظر له، وكتاب أنظر فيه.

كان القوم نجامين، فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم النجوم على أنه يسقم ﴿ فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل.

فإن قلت: كيف جاز له أن يكذب؟

قلت: قد جوّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب والتقية، وإرضاء الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين.

والصحيح: أن الكذب حرام إلاّ إذا عرّض وورّى، والذي قاله إبراهيم عليه السلام: معراض من الكلام، ولقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم.

ومنه المثل: كفى بالسلامة داء.

وقول لبيد: فَدَعَوْتُ رَبِّي بالسَّلاَمَةِ جَاهِدا ** لِيُصِحَّنِي فَإذَا السَّلاَمَةُ دَاءُ وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس وقالوا: مات وهو صحيح، فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه.

وقيل: أراد: إني سقيم النفس لكفركم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ ﴾ فَرَأى مَواقِعَها واتِّصالاتِها، أوْ في عِلْمِها أوْ في كِتابِها، ولا مَنعَ مِنهُ مَعَ أنَّ قَصْدَهُ إيهامُهم وذَلِكَ حِينَ سَألُوهُ أنْ يَعْبُدَ مَعَهم.

﴿ فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ أراهم أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِها لِأنَّهم كانُوا مُنَجِّمِينَ عَلى أنَّهُ مُشارِفٌ لِلسَّقَمِ لِئَلّا يُخْرِجُوهُ إلى مَعْبَدِهِمْ، فَإنَّهُ كانَ أغْلَبُ أسْقامِهِمُ الطّاعُونَ وكانُوا يَخافُونَ العَدْوى، أوْ أرادَ إنِّي سَقِيمُ القَلْبِ لِكُفْرِكُمْ، أوْ خارِجَ المِزاجِ عَنِ الِاعْتِدالِ خُرُوجًا قَلَّ مَن يَخْلُو مِنهُ أوْ بِصَدَدِ المَوْتِ ومِنهُ المَثَلُ: كَفى بِالسَّلامَةِ داءً، وقَوْلُ لَبِيدٍ: فَدَعَوْتُ رَبِّي بِالسَّلامَةِ جاهِدًا ∗∗∗ لِيُصِحَّنِي فَإذا السَّلامَةُ داءُ ﴿ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾ هارِبِينَ مَخافَةَ العَدْوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ} أي مشارف للسقم وهو الطاعون وكان أغلب

الإسقام عليهم وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد ففعل بالأصنام مافعل وقالوا علم النجوم كان حقاً ثم نسخ الاشتغال بمعرفته والكذب حرام إلا إذا عرّض والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام أي سأسقم أو من الموت في عنقه سقيم ومنه المثل كفى بالسلامة داء ومات رجل فجأة فقالوا مات وهو صحيح فقال أعرابي أصحيح مَن الموت في عنقه أو أراد إني سقيم النفس لكفركم كما يقال انا مريض القلب من

الصافات (١٠٢ - ٩٠)

كذا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَقالَ ﴾ أيْ لَهم ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ أرادَ أنَّهُ سَيَسْقَمُ، ولَقَدْ صَدَقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّ كُلَّ إنْسانٍ لا بُدَّ أنْ يَسْقَمَ، وكَفى بِاعْتِلالِ المِزاجِ أوَّلَ سَرَيانِ المَوْتِ في البَدَنِ سِقامًا، وقِيلَ: أرادَ مُسْتَعِدٌّ لِلسَّقَمِ الآنَ، أوْ خارِجُ المِزاجِ عَنِ الِاعْتِدالِ خُرُوجًا قَلَّ مَن يَخْلُو عَنْهُ، أوْ سَقِيمُ القَلْبِ لِكَفْرِكُمْ، والقَوْمُ تَوَهَّمُوا أنَّهُ أرادَ قُرْبَ اتِّصافِهِ بِسَقَمٍ لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الخُرُوجَ مَعَهم إلى مَعِيدِهِمْ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ وابْنِ جُبَيْرٍ سَقَمُ الطّاعُونِ، فَإنَّهُما فَسَّرا ﴿ سَقِيمٌ ﴾ بِمَطْعُونٍ، وكانَ - كَما قِيلَ - أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا شَدِيدِي الخَوْفِ مِنهُ لِاعْتِقادِهِمُ العَدْوى فِيهِ، وهَذا وكَذا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا ﴾ وقَوْلُهُ في زَوْجَتِهِ سارَّةَ هي أُخْتِي مِن مَعارِيضِ الأقْوالِ كَقَوْلِ نَبِيِّنا  لِمَن قالَ لَهُ في طَرِيقِ الهِجْرَةِ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟

مِن ماءٍ، حَيْثُ أرادَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذِكْرَ مَبْدَأِ خَلْقِهِ، فَفَهِمَ السّائِلُ أنَّهُ بَيانُ قَبِيلَتِهِ، وكَقَوْلِ صاحِبِهِ الصِّدِّيقِ وقَدْ سُئِلَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في ذاكَ أيْضًا: هو هادٍ يَهْدِينِي، حَيْثُ أرادَ شَيْئًا وفَهِمَ السّائِلُ آخَرَ ولا يُعَدُّ ذَلِكَ كَذِبًا في الحَقِيقَةِ.

وتَسْمِيَتُهُ بِهِ في بَعْضِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالنَّظَرِ لِما فَهِمَ الغَيْرُ مِنهُ لا بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَصَدَهُ المُتَكَلِّمُ، وجَعْلُهُ ذَنْبًا في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ قِيلَ لِأنَّهُ يَنْكَشِفُ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ كانَ مِنهُ خِلافَ الأُولى لا أنَّ كَلَّ تَعْرِيضٍ هو كَذَلِكَ، فَإنَّهُ قَدْ يَجِبُ والإمامُ لِضِيقِ مِحْرابِهِ ومَجالِهِ يُنْكِرُ الحَدِيثَ الوارِدَ في ذَلِكَ، وهو في الصَّحِيحَيْنِ، ويَقُولُ: إسْنادُ الكَذِبِ إلى راوِيهِ أهْوَنُ مِن إسْنادِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: كانَتْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حُمّى لَها نَوْبَةٌ مُعَيَّنَةٌ في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي تِلْكَ السّاعَةُ، فَإذا هي قَدْ حَضَرَتْ، فَقالَ لَهُمْ: إنِّي سَقِيمٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِنَ المَعارِيضِ، ونَحْوُهُ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: أرْسَلَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَلِكَهم فَقالَ: إنَّ غَدًا عِيدُنا فاخْرُجْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ فَقالَ: إنَّ ذا النَّجْمَ لَمْ يَطْلُعْ قَطُّ إلّا طَلَعَ بِسَقَمٍ لِي.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النَّظَرَ المَعْدى بِـ”فِي“ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، والنَّظَرُ المُشارُ إلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَعْنى نَظَرَ وتَفَكَّرَ في النُّجُومِ لِيَسْتَدِلَّ بِأحْوالِها عَلى حُدُوثِها وأنَّها لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ آلِهَةً فَقالَ: إنِّي سَقِيمٌ أيْ سَقِيمُ النَّظَرِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ كَمالُ اليَقِينِ.

انْتَهى.

وهَذا - لَعَمْرِي - يَسْلُبُ - فِيما أرى - عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الإسْلامَ، وفِيهِ مِنَ الجَهْلِ بِمَقامِ الأنْبِياءِ - لا سِيَّما الخَلِيلَ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - ما يَدُلُّ عَلى سَقَمِ نَظَرِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن خِذْلانِهِ ومَكْرِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ ”نظر نظرة في النجوم“ كَلِمَةٌ مِن كَلامِ العَرَبِ تَقُولُ إذا تَفَكَّرَ الشَّخْصُ: نَظَرَ في النُّجُومِ، وعَلَيْهِ فَلَيْسَ هو مِنَ المَعارِيضِ، بَلْ قَوْلُهُ ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ فَقَطْ مِنها، وهَذا - إنْ أيَّدَهُ نَقْلٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ - حَسَنٌ جِدًّا، وقِيلَ: المَعْنى نَظَرَ في أحْوالِ النُّجُومِ أوْ في عِلْمِها أوْ في كُتُبِها وأحْكامِها لِيَسْتَدِلَّ عَلى ما يَحْدُثُ لَهُ، والنَّظَرُ فِيها لِلِاسْتِدْلالِ عَلى بَعْضِ الأُمُورِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ شَرْعًا إذا كانَ بِاعْتِقادِ إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها عَلّامَةً عَلَيْهِ، والمَمْنُوعُ الِاسْتِدْلالُ بِاعْتِقادِ أنَّها مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها، والجَزْمُ بِكُلِّيَّةِ أحْكامِها، وقَدْ ذَكَرَ الكِرْمانِيُّ في مَناسِكِهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لِرَجُلٍ أرادَ السَّفَرَ في آخِرِ الشَّهْرِ أتُرِيدُ أنْ تَخْسَرَ صَفْقَتَكَ ويَخِيبَ سَعْيُكَ؟

اصْبِرْ حَتّى يُهِلَّ الهِلالُ!» انْتَهى.

وهَذا البَحْثُ مِن أهَمِّ المَباحِثِ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُعْتَرَكَ العُلَماءِ والفَلاسِفَةِ الحُكَماءِ، وقَدْ وعَدْنا بِتَحْقِيقِ الحَقِّ فِيهِ وبَيانِ كَدِرِهِ وصافِيهِ فَنَقُولُ وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ إلى سُلُوكِ أقْوَمِ طَرِيقٍ: اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ النّاسِ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرٌ في هَذا العالَمِ غَيْرَ وُجُودِ الضِّياءِ في المَواضِعِ الَّتِي تَطْلُعَ عَلَيْها الشَّمْسُ والقَمَرُ وعَدَمِهِ فِيما غابا عَنْهُ وما جَرى هَذا المَجْرى، وهَذا خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ وسُلُوكٌ في مَسالِكِ الجَوْرِ والِاعْتِسافِ، وبَعْضُهم قالُوا: إنَّ لَها تَأْثِيرًا ما يَجْرِي عَلى الأمْرِ الطَّبِيعِيِّ مِثْلَ أنْ يَكُونَ البَلَدُ القَلِيلُ العَرَضِ ذا مِزاجٍ مائِلٍ عَنِ الِاعْتِدالِ إلى الحَرِّ واليُبْسِ وكَذا مِزاجُ أهْلِهِ، وتَكُونُ أجْسامُهم ضَعِيفَةً وألْوانُهم سُودٌ وصُفْرٌ كالنُّوبَةِ والحَبَشَةِ، وأنْ يَكُونَ البَلَدُ الكَثِيرُ العَرَضِ ذا مِزاجٍ مائِلٍ عَنِ الِاعْتِدالِ إلى البَرْدِ والرُّطُوبَةِ وكَذا مِزاجُ أهْلِهِ وتَكُونُ أجْسامُهم عَبْلَةً وألْوانُهم بِيضٌ وشُعُورُهم شُقْرٌ مِثْلُ التُّرْكِ والصَّقالِبَةِ، ومِثْلُ نُمُوِّ النَّباتِ واشْتِدادِهِ ونُضْجِ ثَمَرِهِ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُدْرَكُ بِالحِسِّ، ولا بَأْسَ في نِسْبَتِهِ إلى الكَوْكَبِ، عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيهِ قُوَّةً مُؤَثِّرَةً فَأثَّرَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما يُنْسَبُ الإحْراقُ إلى النّارِ والرَّيُّ إلى الماءِ - مَثَلًا - عَلى مَعْنى ذَلِكَ، وهو مَذْهَبُ السَّلَفِ عَلى ما قالَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في جَمِيعِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ وصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الماتُرِيدِيَّةِ، أوْ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ولَيْسَ فِيهِ قُوَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ مُطْلَقًا عَلى ما يَقُولُهُ الأشاعِرَةُ في كُلِّ سَبَبٍ ومُسَبِّبٍ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ الماءِ والنّارِ مَثَلًا عِنْدَهم في أنَّهُ لَيْسَ في كُلٍّ قُوَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ما يَتَرَتَّبُ، وإنَّما الفَرْقُ في أنَّهُ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَخْلُقَ الإحْراقَ دُونَ الرَّيِّ عِنْدَ النّارِ دُونَ الماءِ ويَخْلُقُ الرَّيَّ دُونَ الإحْراقِ عِنْدَ الماءِ دُونَ النّارِ ولَيْسَ لِلنّارِ والماءِ مَدْخَلٌ في الأثَرِ مِنَ الإحْراقِ والرَّيِّ سِوى أنْ كُلًّا مُقارِنٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى الأثَرَ بِلا واسِطَةٍ.

وظَواهِرُ الأدِلَّةِ مَعَ الأوَّلِينَ ولا يُنافِي مَذْهَبُهم تَوْحِيدَ الأفْعالِ وأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ كَما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ.

وبَعْضُهم زَعَمَ أنَّ لَها تَأْثِيرًا يَعْرِفُهُ المُنَجِّمُ غَيْرَ ذَلِكَ كالسَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ وطُولِ العُمْرِ وقَصْرِهِ وسَعَةِ العَيْشِ وضِيقِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ أحْكامِ طَوالِعِ المَوالِيدِ وطَوالِعِ السِّنِينَ والكُسُوفِ والخُسُوفِ والأعْمالِ ونَحْوِها، وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أوْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ أوْ نَقْلِيٌّ بَلِ الأدِلَّةُ قائِمَةٌ عَلى بُطْلانِهِ مُتَكَفِّلَةٌ بِهَدْمِ أرْكانِهِ، والقائِلُونَ بِهِ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ والإعْطاءَ والمَنعَ وما أشْبَهَ ذَلِكَ يَكُونُ في العالَمِ بِالكَواكِبِ عَلى حَسَبِ السُّعُودِ والنُّحُوسِ وكَوْنِها في البُرُوجِ المُنافَرَةِ لَها أوِ المُوافَقَةِ وحَسَبَ نَظَرِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِالتَّسْدِيسِ والتَّرْبِيعِ والتَّثْلِيثِ والمُقابَلَةِ، وحَسَبَ كَوْنِها في شَرَفِها وهُبُوطِها ووَبالِها ورَجْعَتِها واسْتِقامَتِها وإقامَتِها اخْتَلَفُوا في كَثِيرٍ مِنَ الأُصُولِ، وتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ يَضْحَكُ مِنهُ أرْبابُ العُقُولِ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ؟

فَزَعَمَ قَوْمٌ مِنهم أنَّ فِعْلَها بِطَبائِعِها، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِعْلًا لَها لَكِنَّها تَدُلُّ عَلَيْهِ بِطَبائِعِها، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّها تَفْعَلُ في البَعْضِ بِالعَرَضِ وفي البَعْضِ بِالذّاتِ، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّها تَفْعَلُ بِالِاخْتِيارِ لا بِالطَّبْعِ، إلّا أنَّ السَّعْدَ مِنها لا يَخْتارُ إلّا الخَيْرَ والنَّحْسَ لا يَخْتارُ إلّا الشَّرَّ، وهَذا مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّها قَدْ تَتَّفِقُ عَلى الخَيْرِ وقَدْ تَتَّفِقُ عَلى الشَّرِّ مِمّا يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّها لا تَفْعَلُ بِالِاخْتِيارِ بَلْ تَدُلُّ بِهِ وهو كَلامٌ لا يُعْقَلُ مَعْناهُ.

واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مِنَ الكَواكِبِ ما هو سَعْدٌ ومِنها ما هو نَحْسٌ وهي تُسْعِدُ غَيْرَها وتَنْحَسُهُ.

وقالَتْ أُخْرى: هي في أنْفُسِها طَبِيعَةٌ واحِدَةٌ وإنَّما تَخْتَلِفُ دَلالَتُها عَلى السُّعُودِ والنُّحُوسِ، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ مِنهم إنَّ لِلْفَلَكِ طَبِيعَةً مُخالِفَةً لِطَبِيعَةِ الأُسْتَقْصاتِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ وأنَّها لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ ولا يابِسَةٌ ولا رَطْبَةٌ، ولا سَعْدَ ولا نَحْسَ فِيها وإنَّما يَدُلُّ بَعْضُ أجْرامِها وبَعْضُ أجْزائِها عَلى الخَيْرِ والبَعْضُ عَلى الشَّرِّ، وارْتِباطُ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعْدِ والنَّحْسِ بِها ارْتِباطُ المَدْلُولاتِ بِأدِلَّتِها لا ارْتِباطُ المَعْلُولاتِ بِعِلَلِها، وهو أعْقَلُ مِن أصْحابِ القَوْلِ بِالِاقْتِضاءِ الطَّبِيعِيِّ والعَلِيَّةِ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ أيْضًا عِنْدَ بَعْضِ الأجِلَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الدَّلالَةَ الحِسِّيَّةَ لا تَخْتَلِفُ ولا تَتَناقَضُ.

واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَتْ فِرْقَةٌ تَفْعَلُ في الأبْدانِ والأنْفُسِ جَمِيعًا وهو قَوْلُ بَطْلَيْمُوسَ وأتْباعِهِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: تَفْعَلُ في الأنْفُسِ دُونَ الأبْدانِ، ولَعَلَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ، واخْتَلَفَ رُؤَساؤُهم بَطْلَيْمُوسُ ودُورُوسُوسُ وأنْطِيقُوسُ ورِيمَسُ وغَيْرُهم مِن عُلَماءِ الرُّومِ والهِنْدِ وبابِلَ في الحُدُودِ وغَيْرِها، وتَضادُّوا في المَواضِعِ الَّتِي يَأْخُذُونَ مِنها دَلِيلَهُمْ، ومِن ذَلِكَ اخْتِلافُهم في أمْرِ سَهْمِ السَّعادَةِ فَزَعَمَ بَطْلَيْمُوسُ أنَّهُ يُعْلَّمُ بِأنْ يُؤْخَذَ أبَدًا العَدَدُ الَّذِي يَحْصُلُ مِن مَوْضِعِ الشَّمْسِ إلى مَوْضِعِ القَمَرِ ويُبْتَدَئُ مِنَ الطّالِعِ فَيُرْصَدُ مِنهُ مِثْلُ ذَلِكَ العَدَدِ عَلى التَّوالِي فَمُنْتَهى العَدَدِ مَوْضِعُ السَّهْمِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يُبْتَدَئُ مِنَ الطّالِعِ فَيُعَدُّ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ التَّوالِي، وزَعَمَ بَعْضُ الفُرْسِ أنَّ سَهْمَ السَّعادَةِ يُؤْخَذُ بِاللَّيْلِ مِنَ القَمَرِ إلى الشَّمْسِ وبِالنَّهارِ مِنَ الشَّمْسِ إلى القَمَرِ، وزَعَمَ أهْلُ مِصْرَ في الحُدُودِ أنَّها تُؤْخَذُ مِن أرْبابِ البُيُوتِ وزَعَمَ الكَلْدانِيُّونَ أنَّها تُؤْخَذُ مِن مُدَبِّرِي المُثَلَّثاتِ، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَرَتَّبَتْ طائِفَةٌ البُرُوجَ المُذَكَّرَةَ والمُؤَنَّثَةَ مِنَ الطّالِعِ فَعَدُّوا واحِدًا مُذَكَّرًا وآخَرَ مُؤَنَّثًا وصَيَّرُوا الِابْتِداءَ بِالمُذَكَّرِ، وقَسَّمَتْ طائِفَةٌ أُخْرى البُرُوجَ أرْبَعَةَ أجْزاءٍ وجَعَلُوا المُذَكَّرَةَ هي الَّتِي مِنَ الطّالِعِ إلى وسَطِ السَّماءِ والَّتِي تُقابِلُها مِنَ الغارِبِ إلى وتِدِ الأرْضِ وجَعَلُوا الرُّبْعَيْنِ الباقِيَيْنِ مُؤَنَّثَيْنِ، ومِمّا يُضْحِكُ العُقَلاءَ أنَّهم جَعَلُوا البُرُوجَ قَسَمَيْنِ حارَّ المِزاجِ وبارِدَةً وجَعَلُوا الحارَّ مِنها ذِكْرًا والبارِدَ أُنْثى وابْتَدَأُوا بِالحَمَلِ فَقالُوا: هو ذَكَرٌ حارٌّ والَّذِي بَعْدَهُ مُؤَنَّثٌ بارِدٌ وهَكَذا إلى آخِرِها فَصارَتْ سِتَّةٌ ذُكُورًا وسِتَّةٌ إناثًا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: الأوَّلُ ذَكَرٌ والثَّلاثَةُ بَعْدَهُ إناثٌ والخامِسُ ذَكَرٌ والثَّلاثَةُ بَعْدَهُ إناثٌ والتّاسِعُ ذَكَرٌ وما بَعْدَهُ إناثٌ، فالذُّكُورُ ثَلاثَةٌ وبَعْدَ كُلِّ ذَكَرٍ إناثٌ ثَلاثٌ مُخالَفَةٌ لَهُ في الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ ذاتِيَّةٌ لِلْبُرُوجِ، ولَها قِسْمَةٌ ثانِيَةٌ بِالعَرْضِ وهي أنَّهم يَبْدَأُونَ مِنَ الطّالِعِ إلى الثّانِيَ عَشَرَ فَيَأْخُذُونَ واحِدًا ذَكَرًا وآخَرَ أُنْثى.

وبَعْضُهم يَقُولُ هي أرْبَعَةُ أقْسامٍ فَمِن وتِدِ المَشْرِقِ إلى وتِدٍ العاشِرِ ذَكَرٌ شَرْقِيٌّ مُجَفِّفٌ سَرِيعٌ، ومِن وتِدِ العاشِرِ إلى وتِدٍ الغارِبِ مُؤَنَّثٌ جَنُوبِيٌّ مُحْرِقٌ وسَطٌ، ومِن وتِدِ الغارِبِ إلى وتِدِ الرّابِعِ ذَكَرٌ مُعْتَلٌّ رَطْبٌ غَرْبِيٌّ بَطِيءٌ، ومِن وتِدِ الرّابِعِ إلى الطّالِعِ مُؤَنَّثٌ ذَلِيلٌ مُبَرِّدٌ شَمالِيٌّ وسَطٌ، وبَعْضُ الأوائِلِ مِنهم لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ بَلِ ابْتَدَأ بِالدَّرَجَةِ الأُولى مِنَ الحَمَلِ فَقالَ: هي ذَكَرٌ والدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ أُنْثى، وهَكَذا إلى آخِرِ الحُوتِ، ولِبَطْلَيْمُوسَ هَذَيانٌ آخَرُ فَإنَّهُ ابْتَدَأ بِأوَّلِ دَرَجَةٍ كُلَّ بُرْجٍ ذَكَرٍ، فَنَسَبَ مِنها إلى تَمامِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَرَجَةً ونِصْفٍ إلى الذُّكُورِيَّةِ ومِنهُ إلى تَمامِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً إلى الأُنُوثِيَّةِ، ثُمَّ قَسَّمَ باقِيَ البُرُوجِ إلى قِسْمَيْنِ، فَنَسَبَ النِّصْفَ الأوَّلَ إلى الذَّكَرِ والآخَرَ إلى الأُنْثى، وفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ في كُلِّ بُرْجٍ أُنْثى، ولِدُورُوسُوسَ هَذَيانٌ آخَرُ أيْضًا، فَإنَّهُ يُقَسِّمُ البُرُوجَ كُلَّ بُرْجٍ ثَمانِيَةً وخَمْسِينَ دَقِيقَةً ومِائَةً وخَمْسِينَ دَقِيقَةً، ثُمَّ يَنْظُرُ إلى الطّالِعِ فَإنْ كانَ بُرْجًا ذَكَرًا أعْطى القِسْمَةَ الأُولى لِلذَّكَرِ ثُمَّ الثّانِيَةَ لِلْأُنْثى، إلى أنْ يَأْتِيَ عَلى البُرُوجِ كُلِّها، وإنْ كانَ أُنْثى أعْطى القِسْمَةَ الأُولى لِلْأُنْثى ثُمَّ الثّانِيَةَ لِلذَّكَرِ إلى أنْ يَأْتِيَ عَلى آخِرِها، وما لَهم في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ دَلِيلٌ، مَعَ أنَّ قَوْلَهم بِبَساطَةِ الفَلَكِ يَأْبى اخْتِلافَ أجْزائِهِ بِالحَرارَةِ والبُرُودَةِ والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، ومِثْلُ هَذَيانِهِمْ في قِسْمَةِ الأجْزاءِ الفَلَكِيَّةِ إلى ما ذُكِرَ قِسْمَتُهُمُ الكَواكِبَ إلى ذَلِكَ، فَزَعَمُوا أنَّ القَمَرَ والزُّهْرَةَ مُؤَنَّثانِ، وأنَّ الشَّمْسَ وزُحَلَ والمُشْتَرِيَ والمِرِّيخَ مُذَكَّرَةٌ، وإنَّ عُطارِدَ ذَكَرٌ أُنْثى، وأنَّ سائِرَ الكَواكِبِ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ بِسَبَبِ الأشْكالِ الَّتِي تَكُونُ لَها بِالقِياسِ إلى الشَّمْسِ، وذَلِكَ أنَّها إذا كانَتْ مُشْرِقَةً مُتَقَدِّمَةً عَلى الشَّمْسِ فَهي مُذَكَّرَةٌ، وإنْ كانَتْ مُغْرِبَةً تابِعَةً كانَتْ مُؤَنَّثَةً، وإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَها بِالقِياسِ إلى أشْكالِها مِنَ الأُفُقِ، وذَلِكَ أنَّها إذا كانَتْ في الأشْكالِ الَّتِي مِنَ المَشْرِقِ إلى وسَطِ السَّماءِ مِمّا تَحْتَ الأرْضِ فَهي مُذَكَّرَةٌ، وإذا كانَتْ في الرُّبْعَيْنِ الباقِيَيْنِ فَهي مُؤَنَّثَةٌ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ انْقِلابُ المُذَكَّرِ مُؤَنَّثًا والمُؤَنَّثِ مُذَكَّرًا.

وأجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذا الهَذَيانِ أنَّهُ لا مانِعَ مِنِ اتِّصافِ شَيْءٍ بِأمْرٍ بِالقِياسِ إلى شَيْءٍ وبِضِدِّهِ بِالقِياسِ إلى آخَرَ، وهو في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِشَيْءٍ مِنهُما؛ كالأدْكَنِ فَإنَّهُ يُقالُ فِيهِ أبْيَضُ بِالقِياسِ إلى الأسْوَدِ وأسْوَدُ بِالقِياسِ إلى الأبْيَضِ وهو في نَفْسِهِ لا أسْوَدُ ولا أبْيَضُ، فَكَذا الكَواكِبُ يُقالُ إنَّها ذُكْرانٌ وإناثٌ بِالقِياسِ إلى الأشْكالِ - أعْنِي الجِهاتِ - والجِهاتُ إلى الرِّياحِ كالصَّبا والدَّبُورِ، والرِّياحُ إلى الكَيْفِيّاتِ لا أنَّها ذُكْرانٌ وإناثٌ في أنْفُسِها، وهو تَلْبِيسٌ فَإنَّ الأدْكَنَ فِيهِ شائِبَةُ بَياضٍ وسَوادٍ فَمُقْتَضى التَّشْبِيهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في الكَوْكَبِ شائِبَةُ ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ، وأيْضًا الظّاهِرُ أنَّ الِانْقِسامَ المَذْكُورَ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ والتَّأْثِيرِ والتَّأثُّرِ، ولا يَكادُ يُعْرَفُ انْقِلابُ الحَقِيقَةِ والطَّبِيعَةِ بِحَسَبِ المَوْضِعِ والقُرْبِ والبُعْدِ، ومِنهُ يُعْلَمُ فَسادُ ما قالُوا: إنَّ القَمَرَ مِن أوَّلِ ما يُهِلُّ إلى وقْتِ انْتِصافِهِ الأوَّلِ في الضَّوْءِ يَكُونُ فاعِلًا لِلرُّطُوبَةِ خاصَّةً، ومِن ذَلِكَ إلى وقْتِ الِامْتِلاءِ يَكُونُ فاعِلًا لِلْحَرارَةِ، ومِنهُ إلى وقْتِ الِانْتِصافِ الثّانِي في الضَّوْءِ يَكُونُ فاعِلًا لِلْيُبْسِ، ومِن ذَلِكَ إلى وقْتِ خَفائِهِ يَكُونُ فاعِلًا لِلْبُرُودَةِ، وقاسُوا ذَلِكَ عَلى تَأْثِيراتِ الشَّمْسِ في الفُصُولِ، والفَرْقُ مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الشَّهْرِ الواحِدِ ذا فُصُولٍ، والحِسُّ يَدْفَعُهُ، وأيْضًا كَلامُهم هَذا يُخالِفُ ما قالُوهُ مِن أنَّ قُوَّةَ القَمَرِ التَّرْطِيبُ لِقُرْبِ فَلَكِهِ مِنَ الأرْضِ وقَبُولِهِ لِلْبُخاراتِ الرَّطْبَةِ الَّتِي تَرْتَفِعُ مِنها إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ في نَفْسِهِ لِما أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ازْدِيادُ رُطُوبَةِ القَمَرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَوْ سُلِّمَ تَصاعُدُ البُخاراتِ الرَّطْبَةِ إلَيْهِ وتَأثُّرُهُ مِنها، كَذا القَوْلُ بِأنَّ قُوَّةَ زُحَلَ أنْ يُبَرِّدَ ويُجَفِّفَ تَجْفِيفًا يَسِيرًا لِبُعْدِهِ عَنْ حَرارَةِ الشَّمْسِ والبُخاراتِ الرَّطْبَةِ، وإنَّ قُوَّةَ المِرِّيخِ مُجَفِّفَةٌ مُحْرِقَةٌ لِمُشاكَلَةِ لَوْنِهِ لَوْنَ النّارِ ولِقُرْبِهِ مِنَ الشَّمْسِ، وكَوْكَبُ الدُّبِّ الأكْبَرِ كالمِرِّيخِ، وإنَّ عُطارِدًا مُعْتَدِلٌ في التَّجْفِيفِ والتَّرْطِيبِ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنِ الشَّمْسِ بُعْدًا كَثِيرًا ولا وضْعُهُ فَوْقَ كُرَةِ القَمَرِ.

ومِنَ العَجائِبِ اسْتِدْلالُ فُضَلائِهِمْ عَلى اخْتِلافِ طَبائِعِ الكَواكِبِ بِاخْتِلافِ ألْوانِها حَيْثُ قالُوا: لَمّا كانَ لَوْنُ زُحَلَ الغُبْرَةَ والكُمُودَةَ حَكَمْنا بِأنَّهُ عَلى طَبْعِ السَّوْداءِ، وهو البَرْدُ واليُبْسُ، فَإنَّ لَها مِنَ الألْوانِ الغُبْرَةَ، ولَمّا كانَ لَوْنُ المِرِّيخِ كَلَوْنِ النّارِ قُلْنا طَبْعُهُ حارٌّ يابِسٌ، والحَرارَةُ واليُبْسُ في الشَّمْسِ ظاهِرَتانِ، ولَمّا كانَ لَوْنُ الزُّهْرَةِ كالمُرَكَّبِ مِنَ البَياضِ والصُّفْرَةِ - والبَياضُ أظْهَرُ فِيها - قُلْنا طَبْعُها البُرُودَةُ والرُّطُوبَةُ كالبَلْغَمِ، ولَمّا كانَ صُفْرَةُ المُشْتَرِي أكْثَرَ مِمّا في الزُّهْرَةِ كانَتْ سُخُونَتُهُ أكْثَرَ مِن سُخُونَةِ الزُّهْرَةِ، وكانَ في غايَةِ الِاعْتِدالِ، وأمّا القَمَرُ فَهو أبْيَضُ وفِيهِ كُمُودَةٌ فَيَدُلُّ بَياضُهُ عَلى البُرُودَةِ.

وأمّا عُطارِدٌ فَتَخْتَلِفُ ألْوانُهُ، فَرُبَّما رَأيْناهُ أخْضَرَ، ورُبَّما رَأيْناهُ أغْبَرَ، ورُبَّما رَأيْناهُ عَلى خِلافِ هَذَيْنِ اللَّوْنَيْنِ، وذَلِكَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الأُفُقِ عَلى ارْتِفاعٍ واحِدٍ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ لَهُ طَبائِعُ مُخْتَلِفَةٌ؛ إلّا أنّا لَمّا وجَدْناهُ في الأغْلَبِ أغْبَرَ كالأرْضِ قُلْنا هو مِثْلُها في الطَّبْعِ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُشارَكَةَ في بَعْضِ الصِّفاتِ لا تَقْتَضِي المُشارَكَةَ في الطَّبِيعَةِ ولا في صِفَةٍ أُخْرى، وأنَّ دَلالَةَ مُجَرَّدِ اللَّوْنِ عَلى الطَّبِيعَةِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا لِاشْتِراكِ الكَثِيرِ في لَوْنٍ مَعَ اخْتِلافِ الطَّبائِعِ، وأيْضًا الزُّرْقَةُ أظْهَرُ في الزُّهْرَةِ، واخْتِلافُ ألْوانُ عُطارِدٍ لِأنّا نَراهُ قَرِيبَ الأُفُقِ فَيَكُونُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ بُخاراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقالَ أبُو مَعْشَرٍ: إنَّ القَمَرَ لا يُنْسَبُ لَوْنُهُ إلى البَياضِ إلّا مِن عَدَمِ قُوَّةِ الحِسِّ البَصَرِيِّ، وفِيهِ بُعْدُ ما فِيهِ، ولَوْ سُلِّمَ جَمِيعُ ما قالُوهُ مِنِ اخْتِلافِ طَبائِعِ البُرُوجِ والكَواكِبِ بِالحَرارَةِ والبُرُودَةِ والرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ فَقُصارى ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ما نَجِدُهُ مِنَ اخْتِلافِ الأقالِيمِ حَرارَةً وبُرُودَةً مَثَلًا، واخْتِلافِ أشْجارِها وأثْمارِها، واخْتِلافِ أجْسامِ أهْلِها وألْوانِهِمْ، واخْتِلافِ حَيَواناتِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ، ومَعَ هَذا نَقُولُ: إنَّ الكَواكِبَ جُزْءُ السَّبَبِ في ذَلِكَ؛ لَكِنْ مِن أيْنَ لَهُمُ القَوْلُ بِأنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ خَيْرِها وشَرِّها وصَلاحِها وفَسادِها، وجَمِيعَ أشْخاصِهِ وأنْواعِهِ وصُوَرِهِ وقُواهُ، ومُدَدَ بَقاءِ أشْخاصِهِ، وجَمِيعَ أحْوالِها العارِضَةِ لَها، وتَكَوُّنَ الجَنِينِ ومُدَّةَ لُبْثِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ، وخُرُوجَهُ إلى الدُّنْيا، وعُمْرَهُ، ورِزْقَهُ، وشَقاوَتَهُ، وحُسْنَهُ، وقُبْحَهُ، وأخْلاقَهُ، وحِذْقَهُ، وبَلادَتَهُ، وجَهْلَهُ، وعِلْمَهُ، إلى ما لا يُحْصى مِن أحْوالِهِ، وانْقِسامَ الحَيَوانِ إلى الطَّيْرِ وأصْنافِهِ، وإلى الحَيَوانِ البَحْرِيِّ وأنْواعِهِ، والبَرِّيِّ وأقْسامِهِ، واخْتِلافَ صُوَرِ الحَيَواناتِ وأفْعالِها وأخْلاقِها، وثُبُوتَ العَداوَةِ بَيْنَ أفْرادِ نَوْعٍ وأفْرادِ نَوْعٍ آخَرَ مِنها كالذِّئابِ والغَنَمِ، وثُبُوتَ الصَّداقَةِ كَذَلِكَ وكَذا ثُبُوتُ العَداوَةِ أوِ الصَّداقَةِ بَيْنَ أفْرادِ النَّوْعِ الواحِدِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ في العالَمِ - لا يَكُونُ إلّا بِتَأْثِيرِ الكَواكِبِ، وهو مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ؛ لِأنَّ طَرِيقَ صِحَّتِهِ إمّا الخَبَرُ الصّادِقُ أوِ الحِسُّ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ النّاسُ، أوْ ضَرُورَةُ العَقْلِ أوْ نَظَرُهُ، وشَيْءٌ مِن هَذا كُلِّهِ غَيْرُ مَوْجُودٍ، ولا يُمْكِنُ الأحْكامِيِّينِ أنْ يَدَّعُوا واحِدًا مِنَ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وغايَتُهم أنْ يَدَّعُوا أنَّ التَّجْرِبَةَ قادَتْهم إلى ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ أقَلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ فِيها أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ، والوَضْعُ المُعَيَّنُ لِمَجْمُوعِ الكَواكِبِ لا يَتَكَرَّرُ أصْلًا، أوْ يَتَكَرَّرُ بَعْدَ أُلُوفِ أُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ وعُمْرُ الإنْسانِ الواحِدِ بَلْ عُمْرُ البَشَرِ لا تَفِي بِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم لِذَلِكَ أنَّ مَجْمُوعَ الِاتِّصالاتِ ونِسَبَ الكَواكِبِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ غَيْرُ شَرْطٍ في التَّأْثِيرِ لِتَتَوَقَّفَ التَّجْرِبَةُ عَلى تَكْرارِهِ؛ بَلْ يَكْفِي بَعْضُ الِاتِّصالاتِ، وقَدْ يَكْفِي واحِدٌ مِنها، وذَلِكَ يَتَكَرَّرُ في أزْمِنَةٍ قَلِيلَةٍ فَتَتَأتّى التَّجْرِبَةُ، مَثَلًا رَداءَةُ السَّفَرِ وقَدْ نَزَلَ القَمَرُ بُرْجَ العَقْرَبِ يَسْتَنِدُ إلى هَذا النُّزُولِ بِالتَّجْرِبَةِ؛ فَإنّا وجَدْنا تَكَرُّرَ ذَلِكَ وتَرَتُّبَ الرَّداءَةِ عَلَيْهِ كُلَّ مَرَّةٍ، وهَذا هو التَّجْرِبَةُ، وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّجارِبَ الَّتِي دَلَّتْ عَلى كَذِبِ ما يَقُولُونَ بِوُقُوعِ خِلافِهِ أضْعافُ التَّجارِبِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى صِدْقِهِ، فَقَدْ أجْمَعَ حُذّاقُهم سَنَةَ سَبْعٍ وثَلاثِينَ عامَ خُرُوجِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - إلى صِفِّينَ عَلى أنَّهُ يُقْتَلُ ويُقْهَرُ جَيْشُهُ، فانْتَصَرَ عَلى أهْلِ الشّامِ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّخَلُّصِ إلّا بِالحِيلَةِ، وإنْ لَمْ يُسَلَّمْ هَذا الإجْماعُ فَإجْماعُهم عَلى مِثْلِهِ في خُرُوجِهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِحَرْبِ الخَوارِجِ حَيْثُ كانَ القَمَرُ في العَقْرَبِ، وقَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: نَخْرُجُ ثِقَةً بِاللَّهِ تَعالى وتَوَكُّلًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَكْذِيبًا لِقَوْلِ المُنَجِّمِ، ونُصْرَتُهُ الخارِجَةُ عَنِ القِياسِ مِمّا شاعَ وذاعَ ولَوْ قِيلَ بِتَواتُرِهِ لَمْ يَبْعُدْ، وأجْمَعُوا سَنَةَ سِتٍّ وسِتِّينَ عَلى غَلَبَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيادٍ وقَدْ سارَ بِنَحْوٍ مِن ثَمانِينَ ألْفَ مُقاتِلٍ عَلى المُخْتارِ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ فَلَقِيَهُ إبْراهِيمُ بْنُ الأشْتَرِ صاحِبُ المُخْتارِ بِأرْضِ نَصِيبِينَ فِيما دُونَ سَبْعَةِ آلافِ مُقاتِلٍ فَقَتَلَ مِن عَسْكَرِهِ نَحْوًا مِن ثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ ألْفًا وضَرَبَهُ وهو لا يَعْرِفُهُ فَقَتَلَهُ ولَمْ يُقْتَلْ مِن أصْحابِهِ أكْثَرُ مِن مِائَةٍ.

وأجْمَعُوا يَوْمَ أُسِّسَتْ بَغْدادُ سَنَةَ سِتٍّ وأرْبَعِينَ ومِائَةٍ عَلى أنَّ طالِعَها يَقْضِي بِأنَّهُ لا يَمُوتُ فِيها خَلِيفَةٌ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى قالَ بَعْضُ شُعَراءِ المَنصُورِ مُهَنِّئًا لَهُ: يُهْنِيكَ مِنها بَلْدَةً تَقْضِي لَنا أنَّ المَماتَ بِها عَلَيْكَ حَرامُ لَمّا قَضَتْ أحْكامُ طالِعِ وقْتِها ∗∗∗ أنْ لا يُرى فِيها يَمُوتُ إمامُ فَأوَّلُ ما ظَهَرَ كَذِبُ ذَلِكَ بِقَتْلِ الأمِينِ بِشارِعِ بابِ الأنْبارِ فَقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ: كَذِبَ المُنَجِّمُ في مَقالَتِهِ الَّتِي ∗∗∗ كانَ ادَّعاها في بِنا بَغْدانِ قَتْلُ الأمِينِ بِها لَعَمْرِي يَقْتَضِي ∗∗∗ تَكْذِيبَهم في سائِرِ الحُسْبانِ ثُمَّ ماتَ فِيها جَماعَةٌ مِنَ الخُلَفاءِ كالواثِقِ والمُتَوَكِّلِ والمُعْتَضِدِ والنّاصِرِ وغَيْرِهِمْ، إلى أُمُورٍ أُخَرَ لا تَكادُ تُحْصى أجْمَعُوا فِيها عَلى حُكْمٍ وتَبَيَّنَ كَذِبُهم فِيهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لَهُمْ: المُؤَثِّرُ في السُّعُودِ والنُّحُوسِ ونَحْوِهِما هَلْ هو الكَوْكَبُ وحْدَهُ أوِ البُرْجُ وحْدَهُ أوِ الكَوْكَبُ بِشَرْطِ حُصُولِهِ في البُرْجِ؟

فَإنْ قالُوا بِأحَدِ الأمْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ لَزِمَهم دَوامُ الأثَرِ لِدَوامِ المُؤَثِّرِ، وإنْ قالُوا بِالثّالِثِ لَزِمَهُمُ القَوْلُ بِاخْتِلافِ البُرُوجِ في الطَّبِيعَةِ وإلّا لاتَّحَدَتْ آثارُ الكَوْكَبِ فِيها، وكُلُّهم مَجْمُوعُونَ عَلى أنَّ الفَلَكَ بَسِيطٌ لا تَرْكِيبَ فِيهِ، والتِزامُ التَّرْكِيبِ مِن طَبائِعَ مُخْتَلِفَةٍ يُنافِي قَوْلَهم بِامْتِناعِ الِانْحِلالِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها تَفْعَلُ ما تَفْعَلُ بِالِاخْتِيارِ يَسْتَدْعِي إلْغاءَ أمْرِ الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ والمُقارَنَةِ والهُبُوطِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وكَوْنُ ما ذُكِرَ شَرْطًا لِلِاخْتِيارِ لا يَخْفى حالُهُ، والقَوْلُ بِأنَّها تَسْتَدْعِي مِن حَيْثُ طَبِيعَةُ أشِعَّتِها التَّسْخِينَ والتَّبْرِيدَ وهُما يُوجِبانِ اخْتِلافَ أمْزِجَةِ الأبْدانِ واخْتِلافُها يُوجِبُ اخْتِلافَ أفْعالِ النَّفْسِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنّا نَرى التَّسْخِينَ مَثَلًا يَقْتَضِي حَرارَةً وحِدَّةً في المِزاجِ يَفْعَلُ بِها شَخْصٌ غايَةَ الخَيْرِ والأفْعالِ الحَمِيدَةِ وآخَرُ غايَةَ الشَّرِّ والأفْعالِ الخَبِيثَةِ، فَلا بُدَّ لِهَذا الِاخْتِلافِ مِن مُوجِبٍ غَيْرِ التَّسْخِينِ، وأيْضًا هم يَقُولُونَ: جَمِيعُ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ مُسْتَنِدٌ إلى الكَواكِبِ، وحَدِيثُ التَّسْخِينِ والتَّبْرِيدِ واسْتِلْزامُهُما اخْتِلافَ أفْعالِ النَّفْسِ لا يَتِمُّ بِهِ هَذا الغَرَضُ، وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ المُثْبِتِينَ لِعِلْمِ الأحْكامِ والتَّأْثِيراتِ - أيْ مِنَ الإسْلامِيِّينَ - احْتَجُّوا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى بِآياتٍ وهي أنْواعٌ، الأوَّلُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى تَعْظِيمِ الكَواكِبِ فَمِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ ﴾ ﴿ الجَوارِ الكُنَّسِ ﴾ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ هو الكَواكِبُ الَّتِي تَصِيرُ راجِعَةً تارَةً ومُسْتَقِيمَةً أُخْرى، ومِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ﴾ ﴿ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ وقَدْ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِتَعْظِيمِ هَذا القَسَمِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ جَلالَةِ مَواقِعِ النُّجُومِ ونِهايَةِ شَرَفِها، ومِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ والسَّماءِ والطّارِقِ ﴾ ﴿ وما أدْراكَ ما الطّارِقُ ﴾ ﴿ النَّجْمُ الثّاقِبُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الثّاقِبُ هو زُحَلُ لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ السَّماواتِ السَّبْعِ، ومِنها قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ إلَهِيَّتَهُ بِكَوْنِ هَذِهِ الكَواكِبِ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وتَسْخِيرِهِ، النَّوْعُ الثّانِي ما يَدُلُّ عَلى وصْفِهِ تَعالى بَعْضَ الأيّامِ بِالنُّحُوسَةِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ ﴾ النَّوْعُ الثّالِثُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ لَها تَأْثِيرًا في هَذا العالَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فالمُقَسِّماتِ أمْرًا ﴾ قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ هَذِهِ الكَواكِبُ.

الرّابِعُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ وخَلْقَها عَلى وجْهٍ يُنْتَفَعُ بِها في مَصالِحِ هَذا العالَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا ﴾ .

النَّوْعُ الخامِسُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ تَمَسَّكَ بِعِلْمِ النُّجُومِ فَقالَ سُبْحانَهُ ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ ﴾ ﴿ فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ السّادِسُ أنَّهُ تَعالى قالَ ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ولا يَكُونُ المُرادُ كِبَرَ الجُثَّةِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ كِبَرَ القَدْرِ والشَّرَفِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها لِيَسْتَدِلَّ بِتَرْكِيبِها وتَأْلِيفِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ؛ لِأنَّ هَذا القَدْرَ حاصِلٌ في تَرْكِيبِ البَعُوضَةِ، ودَلالَةُ حُصُولِ الحَياةِ في بِنْيَةِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ أقْوى مِن دَلالَةِ تَرْكِيبِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الحَياةَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ تَعالى، وجِنْسُ التَّرْكِيبُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الغَيْرُ فَلَمّا خَصَّها - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا التَّشْرِيفِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ عَلِمْنا أنَّ في تَخْلِيقِها أسْرارًا عالِيَةً وحِكَمًا بالِغَةً تَتَقاصَرُ عُقُولُ البَشَرِ عَنْ إدْراكِها، ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ لِأنَّ كَوْنَها دالَّةً عَلى الِافْتِقارِ إلى الصّانِعِ أمْرٌ ثابِتٌ لَها لِذاتِها، لِأنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ مُحْدَثٌ وكُلَّ مُحْدَثٍ مُفْتَقِرٌ إلى الفاعِلِ، فَثَبَتَ أنَّ دَلالَةَ المُتَحَيِّزاتِ عَلى وُجُودِ الفاعِلِ أمْرٌ ثابِتٌ لَها لِذَواتِها وأعْيانِها، وما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ الفِعْلِ والجَعْلِ، فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ.

النَّوْعُ السّابِعُ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَيّامِ كانَ يَقْرَأُ كِتابَ المَجَسْطِي عَلى أُسْتاذِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ واحِدٌ مِنَ المُتَفَقِّهَةِ فَقالَ: ما تَقُومُونَ؟

فَقالَ عُمَرُ: نَحْنُ في تَفْسِيرِ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى ﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ فَنَحْنُ نَنْظُرُ كَيْفَ خَلَقَ السَّماءَ وكَيْفَ بَناها وكَيْفَ صانَها عَنِ الفُرُوجِ.

الثّامِنُ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا اسْتَدَلَّ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ قالَ لَهُ نُمْرُوذُ: أتَدَّعِي أنَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ بِواسِطَةِ الطَّبائِعِ والعَناصِرِ أوْ لا بِواسِطَتِها؟

فَإنِ ادَّعَيْتَ الأوَّلَ فَذَلِكَ مِمّا لا تَجِدُهُ البَتَّةَ لِأنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ في هَذا العالَمِ فَهو بِواسِطَةِ العَناصِرِ والحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ، وإنِ ادَّعَيْتَ الثّانِيَ فَمِثْلُ هَذا الإحْياءِ والإماتَةِ حاصِلٌ مِنِّي ومِن كُلِّ أحَدٍ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ ﴾ ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُنازِعْ في كَوْنِ هَذِهِ الحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ مُرْتَبِطَةً بِالحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ، بَلْ أجابَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُبْدِئُ لِتِلْكَ الحَرَكاتِ فَيَكُونُ الفِعْلُ مِنهُ سُبْحانَهُ حَقِيقَةً، والواحِدُ مِنّا لا يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ عَلى خِلافِ التَّحْرِيكِ الإلَهِيِّ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ ﴾ وإذا عَرَفْتَ نَهْجَ الكَلامِ في هَذا البابِ عَرَفْتَ أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ مَمْلُوءٌ مِن تَعْظِيمِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ وتَشْرِيفِ الكُراتِ الكَوْكَبِيَّةِ، وأمّا الأخْبارُ فَكَثِيرَةٌ مِنها ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَهى عَنِ اسْتِقْبالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ واسْتِدْبارِهِما عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ، ومِنها أنَّهُ «لَمّا ماتَ ولَدُهُ  إبْراهِيمُ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقالَ النّاسُ: إنَّما انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْراهِيمَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ“،» ومِنها ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «إذا ذُكِرَ القَدْرُ فَأمْسَكُوا وإذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسَكُوا وإذا ذُكِرَ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا» .

ومِنَ النّاسِ مَن يَرْوِي أنَّهُ  قالَ: «لا تُسافِرُوا والقَمَرُ في العَقْرَبِ”،» ومِنهم مَن يَرْوِيهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإنْ كانَ المُحَدِّثُونَ لا يَقْبَلُونَهُ، وأمّا الآثارُ فَكَثِيرَةٌ أيْضًا فَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَجُلًا أتاهُ آخِرَ الشَّهْرِ فَقالَ: أُرِيدُ الخُرُوجَ في تِجارَةٍ فَقالَ: تُرِيدُ أنْ يَمْحَقَ اللَّهُ تَعالى تِجارَتَكَ؟

اسْتَقْبِلْ هِلالَ الشَّهْرِ بِالخُرُوجِ!

وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ يَهُودِيًّا مُنَجِّمًا قالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ!

تُخْبِرُ النّاسَ بِما لا تَدْرِي؟

فَقالَ: إنَّ لَكَ ابْنًا في المَكْتَبِ يُحَمُّ غَدًا ويَمُوتُ في اليَوْمِ العاشِرِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَتى تَمُوتُ أنْتَ؟

قالَ: عَلى رَأْسِ السَّنَةِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ولا تَمُوتُ أنْتَ حَتّى تَعْمى، فَكانَ كُلَّ ذَلِكَ.

وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ:“قالَ أبُو الدَّرْداءِ لَقَدْ فارَقَ رَسُولُ اللَّهِ  وتَرَكَنا ولا طائِرَ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا ونَحْنُ نَدَّعِي فِيهِ عِلْمًا”.

ولَيْسَتِ الكَواكِبُ مُوَكَّلَةً بِالفَسادِ والصَّلاحِ ولَكِنْ فِيها دَلِيلُ بَعْضِ الحَوادِثِ، عُرِفَ ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ، وجاءَ في الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن أُعْطِيَ هَذا العِلْمَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذَلِكَ أنَّهُ عاشَ حَتّى أدْرَكَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أرْبَعِينَ ألْفَ أهْلِ بَيْتٍ وتَفَرَّقُوا عَنْهُ في الأرْضِ، وكانَ يَغْتَمُّ لِخَفاءِ خَبَرِهِمْ، فَأكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا العِلْمِ، فَكانَ إذا أرادَ أنْ يَعْرِفَ حالَ أحَدِهِمْ نَظَرَ في النُّجُومِ فَعَرَفَهُ.

وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ قالَ: إيّاكم والتَّكْذِيبَ بِالنُّجُومِ فَإنَّهُ مِن عِلْمِ النُّبُوَّةِ، ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالنُّجُومِ، وجاءَ لِبَعْضِ جِيرانِهِ ولَدٌ فَحَكَمَ لَهُ بِأنَّ هَذا الوَلَدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى عُضْوِهِ الفُلانِيِّ خالٌ صِفَتُهُ كَذا وكَذا فَوُجِدَ الأمْرُ كَما قالَ، ورَوى ابْنُ إسْحاقَ أنَّ المُنَجِّمِينَ أخْبَرُوا فِرْعَوْنَ أنَّهُ سَيَجِيءُ ولَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكُونُ هَلاكُهُ عَلى يَدِهِ.

وكَذا كانَ كَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى ﴿ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ هَذا العِلْمَ ما خَلَتْ عَنْهُ مِلَّةٌ مِنَ المِلَلِ ولا أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، ولَمْ يَزالُوا مُشْتَغِلِينَ بِهِ مُعَوِّلِينَ عَلَيْهِ في مَعْرِفَةِ المَصالِحِ، ولَوْ كانَ فاسِدًا بِالكُلِّيَّةِ لاسْتَحالَ إطْباقُ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مِن أوَّلِ بِناءِ العالَمِ إلى آخِرِهِ عَلَيْهِ، والتَّجارِبُ في هَذا البابِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى اهـ كَلامُهُ.

ولَعَمْرِي لَقَدْ نَثَرَ الكِنانَةَ، ونَفَضَ الجَعْبَةَ، واسْتَفْرَغَ الوُسْعَ، وبَذَلَ الجُهْدَ، ورَوَّجَ وبَهْرَجَ، وقَعْقَعَ وفَرْقَعَ ومِن غَيْرِ طِحْنٍ جَعْجَعَ، وجَمَعَ بَيْنَ ما يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ كَذِبٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وعَلى أصْحابِهِ وما يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ خَطَأٌ في تَأْوِيلِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ مُرادِهِ سُبْحانَهُ، ولا يَرُوجُ ما ذَكَرَهُ إلّا عَلى مُفْرِطٍ في الجَهْلِ أوْ مُقَلِّدٍ لِأهْلِ الباطِلِ مِنَ المُنَجِّمِينَ، وإنْ أرَدْتَ الإيضاحَ وأحْبَبْتَ الِاتِّضاحَ فاسْمَعْ لِما نَقُولُ: ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِدْلالاتِ أوْهى مِن بُيُوتِ العَناكِبِ، وأشْبَهُ شَيْءٍ بِنارِ الحُباحِبِ، فَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ ﴾ ﴿ الجَوارِ الكُنَّسِ ﴾ فَفِيهِ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ هُناكَ قَسَمًا بِالنُّجُومِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ المُرادَ بِالخُنَّسِ بَقَرُ الوَحْشِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّها المَلائِكَةُ، وإذا سُلِّمَ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَأيُّ دَلالَةٍ فِيهِ عَلى التَّأْثِيرِ؟

وقَدْ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ والضُّحى ومَكَّةَ والوالِدِ وما ولَدَ والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ والشَّفْعِ والوَتْرِ والسَّماءِ والأرْضِ واليَوْمِ المَوْعُودِ وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ والمُرْسِلاتِ والعاصِفاتِ والنّاشِراتِ والفارِقاتِ والنّازِعاتِ والنّاشِطاتِ والسّابِحاتِ والسّابِقاتِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ الإقْسامُ بِشَيْءٍ دَلِيلًا عَلى تَأْثِيرِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ما أقْسَمَ بِهِ تَعالى مُؤَثِّرًا، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا فالِاسْتِدْلالُ بِهِ باطِلٌ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ﴾ وقَدْ فَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ مَواقِعَ النُّجُومِ بِمَنازِلِ القُرْآنِ ونُجُومِهِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ  في مُدَّةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وكَذا الِاسْتِدْلالُ بُقُولِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ والسَّماءِ والطّارِقِ ﴾ .

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ فَلَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وعُلَماءِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ إقْسامٌ بِالنُّجُومِ؛ فَهَذا ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ وابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهم قالُوا: إنَّ المُرادَ بِالمُدَبِّراتِ أمْرًا المَلائِكَةُ حَتّى قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أحْفَظُ خِلافًا في ذَلِكَ، وكَذَلِكَ ﴿ فالمُقَسِّماتِ أمْرًا ﴾ فَتَفْسِيرُهُما بِالنُّجُومِ تَفْسِيرُ المُنَجِّمِينَ ومَن سَلَكَ سَبِيلَهُمْ، وهو تَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وأمّا وصْفُهُ تَعالى بَعْضَ الأيّامِ بِالنُّحُوسَةِ كَما في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها فَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَأْثِيرِ الكَواكِبِ ونُحُوسَتِها بِحَسَبِ ما يَزْعُمُ المُنَجِّمُ، بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَذَّبَ أعْداءَهُ فِيها، فَهي أيّامٌ مَشائِيمُ عَلى الأعْداءِ، فَوَصْفُ تِلْكَ الأيّامِ بِنَحِساتٍ كَوَصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ عَسِيرٌ عَلى الكافِرِينَ.

وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ ولَيْسَ ﴿ مُسْتَمِرٍّ ﴾ فِيهِ صِفَةَ ﴿ يَوْمِ ﴾ بَلْ هو صِفَةُ ﴿ نَحْسٍ ﴾ أيْ نَحْسٍ دائِمٍ لا يُقْلِعُ عَنْهم كَما تُقْلِعُ مَصائِبُ الدُّنْيا عَنْ أهْلِها، والقَوْلُ بِأنَّهُ صِفَةُ ﴿ يَوْمِ ﴾ وإنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ أرْبِعاءَ آخِرِ الشَّهْرِ وأنَّهُ نَحْسٌ أبَدًا غَلَطٌ، ولا يَكادُ المُنَجِّمُ يَزْعُمُ نُحُوسَةَ يَوْمِ أرْبِعاءَ آخِرِ الشَّهْرِ ولَوْ شَهْرُ صَفَرٍ أبَدًا، بَلْ كَثِيرًا ما يَحْكُمُ بِغايَةِ سَعْدِهِ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الأوْضاعُ الفَلَكِيَّةُ فِيهِ بِزَعْمِهِ.

وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وضَعَ حَرَكاتِ هَذِهِ الأجْرامِ عَلى وجْهٍ يُنْتَفَعُ بِها في مَصالِحِ هَذا العالَمِ فَمِنَ الطَّرائِفِ؛ إذِ الألْيَقُ - لَوْ صَحَّ زَعْمُ المُنَجِّمِ - أنْ يَذْكُرَ في الآيَةِ ما تَقْتَضِيهِ النُّجُومُ مِنَ السَّعْدِ والنَّحْسِ وتُعْطِيهِ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وتَهَبُهُ مِنَ الأعْمارِ والأرْزاقِ والعُلُومِ والمَعارِفِ وسائِرِ ما في العالَمِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَإنَّ العِبْرَةَ بِذَلِكَ أعْظَمُ مِنَ العِبْرَةِ بِمُجَرَّدِ الضِّياءِ والنُّورِ ومَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، وأمّا ما ذَكَرَ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أنَّهُ تَمَسَّكَ بِعِلْمِ النُّجُومِ حِينَ قالَ ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ فَسَقِيمٌ جِدًّا، وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ في الآيَةِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ بِإمامِ الحُنَفاءِ وشَيْخِ الأنْبِياءِ وخَلِيلِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ أنَّهُ كانَ يَتَعاطى عِلْمَ النُّجُومِ ويَأْخُذُ مِنهُ أحْكامَ الحَوادِثِ، ولَوْ فُتِحَ هَذا البابُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ أخْبارِهِمْ عَنِ المُسْتَقْبِلاتِ مِن أوْضاعِ النُّجُومِ لا مِنَ الوَحْيِ، وهو كَما تَرى، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ﴾ ، وأنَّ المُرادَ بِهِ كِبَرُ القَدْرِ والشَّرَفُ لا كِبَرُ الجُثَّةِ - فَفي غايَةِ الفَسادِ فَإنَّ المُرادَ مِنَ الخَلْقِ هاهُنا الفِعْلُ لا المَفْعُولُ، والآيَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى المَعادِ، أيْ أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ - وخَلْقُهُما أكْبَرُ مِن خَلْقِكم - كَيْفَ يُعْجِزُهُ أنْ يُعِيدَكم بَعْدَ المَوْتِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴾ وأيْنَ هَذا مِن بَحْثِ أحْكامِ النُّجُومِ وتَأْثِيراتِها، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى وُجُودِ فاطِرِهِما وكَمالِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وانْفِرادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ومَن سَوّى بَيْنَهُما وبَيْنَ البَقَّةِ فَقَدْ كابَرَ، ولِذا تَرى الأشْياءَ الضَّعِيفَةَ كالبَعُوضَةِ والذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ إنَّما تُذْكَرُ في سِياقِ ضَرْبِ الأمْثالِ مُبالَغَةً في الِاحْتِقارِ والضَّعْفِ، ولا تُذْكَرُ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظَمَةِ ذِي الجَلالِ جَلَّ شَأْنُهُ، عَلى أنَّ الآيَةَ لَوْ دَلَّتْ عَلى أنَّ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرًا لَدَلَّتْ عَلى أنَّ لِلْأرْضِ تَأْثِيرًا أيْضًا كالكَواكِبِ وهم لَمْ يَقُولُوا بِهِ، وما ذَكَرَهُ بَعْدُ مِن أنَّ دَلالَةَ حُصُولِ الحَياةِ في أبْدانِ الحَيَواناتِ أقْوى مِن دَلالَةِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى آخِرِ ما قالَ في حَيِّزِ المَنعِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ﴾ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرًا، وغايَةُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ونَظائِرُها أنَّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ فِيها حِكَمٌ ومَصالِحُ ولَيْسَتْ باطِلَةً أيْ خالِيَةً عَنْ ذَلِكَ، ونَحْنُ نَقُولُ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَكِنْ لا نَقُولُ بِأنَّ تِلْكَ الحِكَمَ هي الإسْعادُ والإشْقاءُ وهِبَةُ الأعْمارِ والأرْزاقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ، بَلْ هي الآثارُ الظّاهِرَةُ في عالَمِ الطَّبِيعَةِ - عَلى ما سَمِعْتَ - ونَحْوُها، كالدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَثِيرٍ مِن صِفاتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - الَّتِي يُنْكِرُها الكَفَرَةُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى كَذا لِتَظْهَرَ دَلالَتُهُ عَلى كَذا، ولا تَتَعَيَّنُ العِبارَةُ الَّتِي ذَكَرَها، عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِها عِنْدَ تَدْقِيقِ النَّظَرِ، ولَعَلَّ ما قالَهُ مِن فُرُوعِ كَوْنِ الماهِيّاتِ غَيْرَ مَجْعُولَةٍ، والكَلامُ فِيهِ شَهِيرٌ، وأمّا ما ذَكَرَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَيّامِ فَهو عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في مُحاجَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقْرِيرِ المُناظَرَةِ عَلى ما قَرَّرَهُ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ سَلَفِهِمْ وخَلَفِهِمْ، بَلْ قَدْ يَقْطَعُ بِأنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِقَلْبِ المُشْرِكِ النّاظِرِ وما هو إلّا تَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ والتَّشَهِّي نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ، وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِما رُوِيَ مِن نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ اسْتِقْبالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ فَبَعِيدٌ عَنْ حاجَتِهِ، بَلْ لا دَلالَةَ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ عَلى تَأْثِيرِ الكَواكِبِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ وإلّا لَدَلَّ النَّهْيُ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ عَلى أنَّ لَها تَأْثِيرًا، عَلى أنَّ بَعْضَ الأجِلَّةِ قَدْ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لا بِإسْنادٍ صَحِيحٍ ولا ضَعِيفٍ ولا مُتَّصِلٍ ولا مُرْسَلٍ، وإنَّما قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في آدابِ التَّخَلِّي: ولا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، فَقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغَ في التَّسَتُّرِ، وقِيلَ: لِأنَّ نُورَهُما مِن نُورِهِ تَعالى، وقِيلَ: لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى مَكْتُوبٌ عَلَيْهِما.

وأمّا ما ذَكَرَ مِن حَدِيثِ كُسُوفِ الشَّمْسِ يَوْمَ مَوْتِ إبْراهِيمَ وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما قالَ فَصَحِيحٌ لَكِنْ لا يَدُلُّ عَلى ما يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ، وصَدْرُ الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ ولَيْسا بِرَبَّيْنِ ولا إلَهَيْنِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّصَرُّفِ عَنْهُما، وفي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «“لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ» قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّ مَوْتَ أحَدٍ وحَياتَهُ لا يَكُونانِ سَبَبًا لِانْكَسافِهِما، وثانِيهُما أنَّهُ لا يَحْصُلُ عَنِ انْكَسافِهِما مَوْتٌ ولا حَياةٌ، وإنَّما ذَلِكَ تَخْوِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ، أجْرى العادَةَ بِحُصُولِهِ في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ بِالحِسابِ لِطُلُوعِ الهِلالِ وإبْدارِهِ وسِرارِهِ، فَأمّا سَبَبُ كُسُوفِ الشَّمْسِ فَتَوَسُّطُ القَمَرِ بَيْنَ جِرْمِ الشَّمْسِ وأبْصارِنا كَسَحابَةٍ تَمُرُّ تَحْتَها فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ عُرْضٌ سَتَرَ عَنّا كُلَّ الشَّمْسِ، وإنْ كانَ لَهُ عُرْضٌ فَبِقَدْرِ ما يُوجِبُهُ عُرْضُهُ، وأمّا سَبَبُ خُسُوفِ القَمَرِ فَهو تَوَسُّطُ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ حَتّى يَصِيرَ مَمْنُوعًا مِنَ اكْتِسابِ النُّورِ مِنَ الشَّمْسِ، ويَبْقى ظَلامُ ظَلِّ الأرْضِ المَخْرُوطِ في مَمَرِّهِ، فَقَدْ يَقَعُ كُلُّهُ في المَخْرُوطِ وقَدْ يَقَعُ بَعْضُهُ فِيهِ ويَبْقى بَعْضُهُ الآخَرُ خارِجًا إلى آخِرِ ما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ، ولَيْسَ في الشَّرْعِ ما يَأْباهُ، والوُقُوفُ عَلى وقْتِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ ومِقْدارِهِما أمْرٌ سَهْلٌ ولا يَلْزَمُ مِن صِدْقِ المُنَجِّمِ في ذَلِكَ صِدْقُهُ فِيما يَزْعُمُ مِنَ التَّأْثِيراتِ، وما الإخْبارُ بِهِما إلّا كالإخْبارِ بِوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ في يَوْمِ كَذا في ساعَةِ كَذا وكالإخْبارِ بِوَقْتِ الهِلالِ والإبْدارِ والسِّرارِ، ثُمَّ إنّا لا نُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْدِثُ عِنْدَ الكُسُوفَيْنِ مَن أقَضَيْتِهِ وأقْدارِهِ ما يَكُونُ بَلاءً لِقَوْمٍ ومُصِيبَةً لَهُمْ، ويَجْعَلُ الكُسُوفَ سَبَبًا لِذَلِكَ ولِهَذا أمَرَ  عِنْدَ الكُسُوفِ بِالفَزَعِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والصَّلاةِ والعَتاقَةِ والصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَكُونُ سَبَبًا لِدَفْعِ مُوجِبِ الكَسْفِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى سَبَبًا لِما جَعَلَهُ، فَلَوْلا انْعِقادُ سَبَبِ التَّخْوِيفِ لَما أمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِدَفْعِ مُوجِبِهِ بِهَذِهِ العِباداتِ، ولِلَّهِ تَعالى في أيّامِ دَهْرِهِ أوْقاتٌ يُحْدِثُ فِيها ما يَشاءُ مِنَ البَلاءِ والنَّعْماءِ، ويَقْضِي مِنَ الأسْبابِ بِما يَدْفَعُ مُوجِبَ تِلْكَ الأسْبابِ لِمَن قامَتْ بِهِ أوْ يُقَلِّلُهُ أوْ يُخَفِّفُهُ، فَمَن فَزِعَ إلى تِلْكَ الأسْبابِ أوْ بَعْضِها انْدَفَعَ عَنْهُ الشَّرُّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الكُسُوفَ سَبَبًا لَهُ أوْ بَعْضِهِ، ولِهَذا قَلَّ ما يَسْلَمُ أطْرافُ الأرْضِ حَيْثُ يَخْفى الإيمانُ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فِيها - مِن شَرٍّ عَظِيمٍ يَحْصُلُ بِسَبَبِ الكُسُوفِ، ويَسْلَمُ مِنهُ الأماكِنُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها نُورُ النُّبُوَّةِ والقِيامِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ أوْ يَقِلُّ فِيها جِدًّا.

وقَدْ جاءَ أنَّهُ  «لَمّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ في عَهْدِهِ قامَ فَزِعًا مُسْرِعًا يَجُرُّ رِداءَهُ، ونادى في النّاسِ: ”الصَّلاةُ جامِعَةٌ“،» وخَطَبَهم بِتِلْكَ الخُطْبَةِ البَلِيغَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يَرَ كَيَوْمِهِ ذَلِكَ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وأمَرَهم عِنْدَ حُصُولِ مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ بِالعَتاقَةِ والصَّدَقَةِ والصَّلاةِ والتَّوْبَةِ وما ذَلِكَ إلّا لِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أعْلَمَ الخَلْقِ بِاللَّهِ تَعالى وبِأمْرِهِ وشَأْنِهِ وتَصْرِيفِهِ أُمُورَ مَخْلُوقاتِهِ وتَدْبِيرِهِ، وأنْصَحَهم لِلْأُمَّةِ وأشْفَقَهم عَلى العِبادِ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أسْبابَ الكُسُوفَيْنِ وحِسابَهُما لِأنَّ الجَهْلَ بِذَلِكَ لا يَضُرُّ والعِلْمَ بِهِ لا يَنْفَعُ نَفْعَ العِلْمِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وقَدْ يُقالُ: الأمْرُ بِالصَّلاةِ عِنْدَهُما كالأمْرِ بِالصَّلاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ والغُرُوبِ والزَّوالِ مَعَ تَضَمُّنِ ذَلِكَ رَفْعَ مُوجِبِهِما الَّذِي جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى سَبَبًا لَهُ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ الكُسُوفانِ سَبَبَيْنِ لِشَيْءٍ مِنَ البَلاءِ أصْلًا وأنَّ سَبَبَ حُصُولِهِما لَيْسَ ما أطالَ الكَلامَ فِيهِ المُنَجِّمُونَ - ومَرَّ بَعْضُهُ - بَلِ السَّبَبُ هو تَجَلِّي اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِما لِما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ، والإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ  فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ حَتّى أتى المَسْجِدَ فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتّى انْجَلَتْ ثُمَّ قالَ: إنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَنْكَسِفانِ إلّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنَ العُظَماءِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ.

إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، فَإذا تَجَلّى اللَّهُ لِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ،» وإنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ لِظُهُورِ آثارِ تَجَلِّي الجَلالِ في هَذَيْنِ الجِرْمَيْنِ العَظِيمَيْنِ، أوْ هو كالأمْرِ بِالصَّلاةِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِ الفَجْرِ مَثَلًا، وحِكْمَتُهُ كَحِكْمَتِهِ، والقائِلُونَ بِهَذا مُكابِرُونَ لِلْفَلاسِفَةِ في أشْياءَ لا يَنْبَغِي المُكابَرَةُ فِيها، ولَعَلَّها تَضُرُّ بِالدِّينِ وتَصِيرُ سَبَبًا لِطَعْنِ المُلْحِدِينَ فَيُكابِرُونَ في كَوْنِ الأفْلاكِ مُسْتَدِيرَةً، والأرْضِ كُرَيَّةً وأنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن ضِياءِ الشَّمْسِ وأنَّ الكُسُوفَ القَمَرِيَّ عِبارَةٌ عَنِ انْمِحاءِ نُورِ القَمَرِ بِتَوَسُّطِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ مِن حَيْثُ إنَّ نُورَهُ مُقْتَبَسٌ مِنها وأنَّ الكُسُوفَ الشَّمْسِيَّ عِبارَةٌ عَنْ وُقُوعِ جِرْمِ القَمَرِ بَيْنَ النّاظِرِ والشَّمْسِ عِنْدَ اجْتِماعِهِما في العُقْدَتَيْنِ عَلى دَقِيقَةٍ واحِدَةٍ، وقَوْلُهم بِتَأْثِيرِ الأسْبابِ المَحْسُوسَةِ في مُسَبِّباتِها وإثْباتِ القُوى والطَّبائِعِ والأفْعالِ والِانْفِعالاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقُومُ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ اليَقِينِيَّةُ ولا تُعارِضُهُ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ القَطْعِيَّةُ، وما ذَكَرُوهُ مِنَ الحَدِيثِ تَعَقَّبَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ فَقالَ: إنْ زِيادَةً فَإنَّ اللَّهَ إلَخْ لَمْ يَصِحَّ نَقْلًا، فَيَجِبُ تَكْذِيبُ قائِلِها ولَوْ صَحَّتْ لَكانَ تَأْوِيلُها أهْوَنَ مِن مُكابَرَةِ أُمُورٍ قَطْعِيَّةٍ، فَكَمْ مِن ظَواهِرَ أُوِّلَتْ بِالأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ في الوُضُوحِ إلى هَذا الحَدِّ، وأعْظَمُ ما يَفْرَحُ بِهِ المُلْحِدَةُ أنْ يُصَرِّحَ ناصِرُ الشَّرْعِ بِأنَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى خِلافِ الشَّرْعِ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إبْطالُ الشَّرْعِ إنْ كانَ شَرْطُهُ أمْثالَ ذَلِكَ اهـ.

ولَيْسَ الأمْرُ في هَذِهِ كَما قالَ مِن عَدَمِ الصِّحَّةِ فَإنَّ إسْنادَها لا مَطْعَنَ فِيهِ، فابْنُ ماجَهْ يَرْوِي الحَدِيثَ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُثَنّى وأحْمَدَ بْنِ ثابِتٍ وحُمَيْدِ بْنِ الحَسَنِ، وهم يَرْوُونَهُ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، وكُلُّ هَؤُلاءِ ثِقاتٌ حُفّاظٌ نَعَمِ الحَدِيثُ الخالِي عَنْها رَواهُ بِضْعَةَ عَشَرَ صَحابِيًّا مِنهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وأسْماءُ أُخْتُها وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ وقَبِيصَةُ الهِلالِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ومِن هُنا خافَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنْ تَكُونَ مُدْرَجَةً في الحَدِيثِ، لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: إنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يُوجِبُ لَهُما ضَعْفَ سُلُطاتِهِما وبَهائِهِما، وذَلِكَ يُوجِبُ لَهُما مِنَ الخُشُوعِ والخُضُوعِ لِرَبِّ العالَمِينَ وعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ سُبْحانَهُ ما يَكُونُ سَبَبًا لِتَجَلِّيهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُما، ولا يُسْتَنْكَرُ أنْ يَكُونَ تَجَلِّي اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُما في وقْتٍ مُعَيَّنٍ كَما يَدْنُو سُبْحانَهُ مِن أهْلِ المَوْقِفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وكَما يَنْزِلُ - تَبارَكَ وتَعالى - كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا عِنْدَ مُضِيِّ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَيُحْدِثُ لَهُما ذَلِكَ التَّجَلِّي خُشُوعًا آخَرَ لَيْسَ هو الكُسُوفَ، فَإنَّهُ إنَّما حَدَثَ بِالسَّبَبِ الَّذِي عَرَفْتَ، ولَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ  إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا تَجَلّى لَهُما انْكَسَفا بَلْ قالَ فَإذا تَجَلّى اللَّهُ لِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ، وفي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ «إذا بَدا اللَّهُ لِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ» فَهَهُنا خُشُوعانِ: خُشُوعٌ أوْجَبَهُ كُسُوفُهُما الحادِثُ مِن وضْعِهِما الخاصِّ، وخُشُوعٌ أوْجَبَهُ تَجَلِّيهِ تَعالى لَهُما لِذَلِكَ الخُشُوعِ الَّذِي أوْجَبَهُ الكُسُوفِ.

وهَذا تَوْجِيهٌ لَطِيفُ المَنزَعِ يَقْبَلُهُ العَقْلُ المُسْتَقِيمُ والفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَفِيهِ - عَلى ما قِيلَ - أنَّ الحَدِيثَ لَوْ ثَبَتَ لَكانَ حُجَّةً عَلَيْهِ لا لَهُ، إذْ لَوْ كانَ عِلْمُ النُّجُومِ حَقًّا لَمْ يَأْمُرْ  بِالإمْساكِ عِنْدَ ذِكْرِ النُّجُومِ فالظّاهِرُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ إلّا لِأنَّ الخَوْضَ في ذَلِكَ خَوْضٌ فِيما لا عِلْمَ لِلْخائِضِ بِهِ فَتَأمَّلْ.

وأمّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ السَّفَرِ والقَمَرُ في العَقْرَبِ فَصَحِيحٌ مِن كَلامِ المُنَجِّمِينَ دُونَ رَسُولِ رَبِّ العالَمِينَ  ، ورِوايَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَذِبٌ أيْضًا، والمَشْهُورُ عَنْهُ خِلافُ ذَلِكَ كَما سَمِعْتَ في قِصَّةِ خُرُوجِهِ لِقِتالِ الخَوارِجِ، وأمّا ما احْتَجَّ بِهِ مِنَ الأثَرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَجُلًا أتاهُ إلَخْ؛ فَلا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والكَذّابُونَ كَثِيرًا ما يُنْفِقُونَ سِلَعَهُمُ الباطِلَةَ بِنِسْبَتِها إلَيْهِ أوْ إلى أهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ عَنْهُ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِثُبُوتِ أحْكامِ النُّجُومِ بِوَجْهٍ وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ قالَ: «اللَّهُمَّ بارِكْ لِأُمَّتِي في بُكُورِها» ونِسْبَةُ أوَّلِ الشَّهْرِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ أوَّلِ النَّهارِ إلَيْهِ، وكانَ صَخْرٌ راوِي الحَدِيثِ إذا بَعَثَ تِجارَةً لَهُ بَعَثَها في أوَّلِ النَّهارِ، فَأثْرى وكَثُرَ مالُهُ.

ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ السَّنَةِ كَأوَّلِ النَّهارِ أيْضًا، فَلِلْأوائِلِ مَزِيَّةُ القُوَّةِ كَما هو مُشاهَدٌ في الشَّبابِ والشَّيْخُوخَةِ، ولِلَّهِ تَعالى تَجَلِّياتٌ في الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والأشْخاصِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن تَأْثِيرِ الكَواكِبِ في شَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا يُقالُ فِيما ذَكَرَهُ الكِرْمانِيُّ، وقَدْ مَرَّ ما ذَكَرَهُ عَنِ اليَهُودِيِّ الَّذِي أخْبَرَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ، وإنْ سَلِمَ ذَلِكَ فَهو مِن جِنْسِ إخْبارِ الكُهّانِ بِشَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ، وقَدْ أخْبَرَ ابْنُ الصَّيّادِ النَّبِيَّ  بِما أخْبَرَ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَهُ «إنَّما أنْتَ مِن إخْوانِ الكُهّانِ”».

وعِلْمُ مُقَدِّمَةِ المَعْرِفَةِ لا يَخْتَصُّ بِما ذَكَرَهُ المُنَجِّمُونَ بَلْ لَهُ عِدَّةُ أسْبابٍ يُصَدَّقُ الحُكْمُ مَعَها ويُكَذَّبُ، مِنها الكِهانَةُ ومِنها المَناماتُ ومِنها الفَأْلُ والزَّجْرُ وضَرْبُ الحَصى والخَطُّ والكَتِفُ والكَشْفُ المُسْتَنِدُ إلى الرِّياضَةِ؛ وهو كَشْفٌ جُزْئِيٌّ عَنْ بَعْضِ الحَوادِثِ، ويَشْتَرِكُ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ ومِنها غَيْرُ ذَلِكَ، ولِلْعُمّالِ في البَحْرِ والسُّعاةِ ونَحْوِهِمْ في البِرِّ عَلاماتٌ يَعْرِفُونَ بِها أوْقاتَ المَطَرِ والصَّحْوِ والبَرَدِ والرِّيحِ وغَيْرِها، وقَلَّما يُخْطِئُونَ في أخْبارِهِمْ بَلْ صَوابُهم في ذَلِكَ أكْثَرُ مِن صَوابِ المُنَجِّمِ.

وأمّا ما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ فالمَحْفُوظُ فِيهِ: «“تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ  وتَرَكَنا وما طائِرٌ يُقَلِّبُ جَناحَيْهِ إلّا وقَدْ ذَكَرَ لَنا مِنهُ عِلْمًا» وفِيهِ رِواياتٌ أُخَرُ صَحِيحَةٌ أيْضًا وكُلُّها لَيْسَ فِيها ”ولَيْسَتِ الكَواكِبُ...“ إلَخْ، فَهو مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى بُطْلانِ دَعْوى المُنَجِّمِينَ؛ إذْ لَمْ يَذْكُرْ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أحْكامِ النُّجُومِ شَيْئًا البَتَّةَ، وقَدْ عَلَّمَهم عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى الخِراءَةَ.

وأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ جاءَ في الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن أُعْطِيَ هَذا العِلْمَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَخْ، فَكَذِبٌ وافْتِراءٌ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ عَمِلَ هَذا الكاذِبُ المُفْتَرِي بِالمَثَلِ السّائِرِ: إذا كَذَبْتَ فَأبْعِدْ شاهِدَكَ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ.

وأمّا ما نُسِبَ إلى الشّافِعِيِّ فَهو بَعْضٌ مِن حِكايَةٍ ذَكَرَها أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ فِيما ألَّفَهُ في مَناقِبِهِ، والحِكاياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْهُ في أحْكامِ النُّجُومِ ثَلاثٌ، إحْداها: قالَ الحاكِمُ: قُرِئَ عَلى أبِي يَعْلى حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ العَلَوِيِّ، وأكْثَرُ ظَنِّي أنِّي حَضَرْتُهُ، ثَنا أبُو إسْحاقَ إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ العَبّاسِ الأزْدِيُّ في آخَرِينَ قالُوا: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي يَعْقُوبَ الجَوّالُ الدِّينَوَرِيُّ، ثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ البَلَوِيُّ، حَدَّثَنِي خالِي عِمارَةُ بْنُ زَيْدٍ قالَ: كُنْتُ صَدِيقًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ يَوْمًا عَلى هارُونَ الرَّشِيدِ فَسَألَهُ، ثُمَّ إنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ وهو يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إدْرِيسَ يَزْعُمُ أنَّهُ لِلْخِلافَةِ أهْلٌ، قالَ: فاسْتَشاطَ هارُونُ مِن قَوْلِهِ غَضَبًا، ثُمَّ قالَ: عَلَيَّ بِهِ!

فَلَمّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أطْرَقَ ساعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَيْهِ فَقالَ: أيُّها!

قالَ الشّافِعِيُّ: ما أيُّها أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أنْتَ الدّاعِي وأنا المَدْعُوُّ، وأنْتَ السّائِلُ وأنا المُجِيبُ؟!

فَذَكَرَ حِكايَةً طَوِيلَةً سَألَهُ فِيها عَنِ العُلُومِ ومَعْرِفَتِهِ بِها إلى أنْ قالَ: كَيْفَ عِلْمُكَ بِالنُّجُومِ؟

قالَ: أعْرِفُ الفَلَكَ الدّائِرَ، والنَّجْمَ السّائِرَ، والقُطْبَ الثّابِتَ، والمائِيَّ والنّارِيَّ، وما كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّيهِ الأنْواءَ، ومَنازِلَ النَّيِّرَيْنِ، والِاسْتِقامَةَ والرُّجُوعَ، والنُّحُوسَ والسُّعُودَ، وهَيْئاتِها وطَبائِعَها وما أسْتَدِلُّ بِهِ في بَرِّي وبَحْرِي، وأسْتَدِلُّ في أوْقاتِ صَلاتِي، وأعْرِفُ ما مَضى مِنَ الأوْقاتِ في إمْسائِي وإصْباحِي، وظَعْنِي في أسْفارِي، ثُمَّ ساقَ العُلُومَ عَلى هَذا النَّحْوِ، ومَن لَهُ عِلْمٌ بِالمَنقُولاتِ يَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ وإفْكٌ مُفْتَرًى عَلى الشّافِعِيِّ، والبَلاءُ فِيها مِن عِنْدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَلَوِيِّ؛ فَإنَّهُ كَذّابٌ وضّاعٌ، وهو الَّذِي وضَعَ رِحْلَةَ الشّافِعِيِّ وذَكَرَ فِيها مُناظَرَتَهُ لِأبِي يُوسُفَ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ ولَمْ يَرَ الشّافِعِيُّ أبا يُوسُفَ ولا اجْتَمَعَ بِهِ قَطُّ، وإنَّما دَخَلَ بَغْدادَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ويَشْهَدُ بِكَذِبِها أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا وشى بِالشّافِعِيِّ إلى الرَّشِيدِ وأرادَ قَتْلَهُ، ومُحَمَّدٌ أجَلُّ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ، وتَعْظِيمُهُ لِلشّافِعِيِّ ومَحَبَّتُهُ إيّاهُ هو المَعْرُوفُ، كَتَعْظِيمِ الشّافِعِيِّ لَهُ وثَنائِهِ عَلَيْهِ، وفِيها شَواهِدُ أُخَرُ عَلى الكَذِبِ يَعْرِفُها العالِمُ بِالمَنقُولِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْها كُلِّها.

وثانِيَتُها: وهي الَّتِي أخَذْتُ مِنها ما ذَكَرَها الإمامُ، قالَ الحاكِمُ: أخْبَرَنا أبُو الوَلِيدِ الفَقِيهُ قالَ: حُدِّثْتُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ، عَنْ حَرْمَلَةَ قالَ: كانَ الشّافِعِيُّ يُدِيمُ النَّظَرَ في كُتُبِ النُّجُومِ، وكانَ لَهُ صَدِيقٌ وعِنْدَهُ جارِيَةٌ قَدْ حَبِلَتْ فَقالَ: إنَّها تَلِدُ إلى سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، ويَكُونُ في فَخِذِ الوَلَدِ الأيْسَرِ خالٌ أسْوَدُ، ويَعِيشُ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَمُوتُ، فَكانَ الأمْرُ كَما قالَ، فَأحْرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ تِلْكَ الكُتُبَ وما عاوَدَ النَّظَرَ في شَيْءٍ مِنها، وهَذا الإسْنادُ رِجالُهُ ثِقاتٌ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِيمَن حَدَّثَ أبا الوَلِيدِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ، أوْ فِيمَن حَدَّثَ الحَسَنَ عَنْ حَرْمَلَةَ، ويَدُلُّ عَلى كَذِبِ الحِكايَةِ أنَّها لَوْ صَحَّتْ لَوَجَبَ أنَّ تُثْنى الخَناصِرُ عَلى هَذا العِلْمِ، وتُشَدَّ بِهِ الأيْدِي لا أنْ تُحْرَقَ كُتُبُهُ ولا يُعاوَدَ النَّظَرُ في شَيْءٍ مِنها.

وإنَّ الطّالِعَ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ طالِعانِ: طالَعُ مَسْقَطِ النُّطْفَةِ، وهو الطّالِعُ الأصْلِيُّ الَّذِي يَزْعُمُونَ دَلالَتَهُ عَلى وقْتِ الوِلادَةِ، والحِكايَةُ لَمْ تَتَضَمَّنْ أنَّ الشّافِعِيَّ نَظَرَ فِيهِ، ولَوْ كانَ لَتَضَمَّنَتْهُ.

وطالَعُ الوِلادَةِ، وإخْبارُ الشّافِعِيِّ قَبْلَها ضَرُورَةُ أنَّهُ قالَ: إنَّها تَلِدُ إلى سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا.

وثالِثَتُها: قالَ الحاكِمُ: أنْبَأنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَسَنِ القاضِي أنَّ زَكَرِيّا بْنَ يَحْيى السّاجِيَّ حَدَّثَهم قالَ: أخْبَرَنِي أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ بِنْتِ الشّافِعِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: كانَ الشّافِعِيُّ وهو حَدَثٌ يَنْظُرُ في النُّجُومِ، وما نَظَرَ في شَيْءٍ إلّا فاقَ فِيهِ، فَجَلَسَ يَوْمًا وامْرَأةٌ تَلِدُ فَحَسَبَ فَقالَ: تَلِدُ جارِيَةً عَوْراءَ عَلى فَرْجِها خالٌ أسْوَدُ وتَمُوتُ إلى كَذا وكَذا، فَوُلِدَتْ فَكانَ كَما قالَ؛ فَجَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ لا يَنْظُرَ فِيهِ أبَدًا، وأمْرُ هَذِهِ الحِكايَةِ كالَّتِي قَبْلَها؛ فَإنَّ ابْنَ بِنْتِ الشّافِعِيِّ لَمْ يَلْقَ الشّافِعِيَّ ولا رَآهُ، والشَّأْنُ فِيمَن حَدَّثَ بِها عَنْهُ، وأيْضًا طالِعُ مَسْقَطِ النُّطْفَةِ لَمْ يُؤْخَذْ، والخَبَرُ قَبْلَ تَحَقُّقِ طالِعِ الوِلادَةِ، ثُمَّ إنَّ تَحَقُّقَ هَذِهِ الحِكايَةِ إنْ كانَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الحِكايَةِ الَّتِي قَبْلَها لَمْ تَكَدْ تَحَقَّقُ، وإنْ كانَ تَحَقُّقُ تِلْكَ قَبْلُ لَمْ تَكَدْ هَذِهِ تَحَقَّقُ، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، والَّذِي صَحَّ عَنِ الشّافِعِيِّ في أمْرِ النُّجُومِ أنَّهُ كانَ يَعْرِفُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ مِن عِلْمِ المَنازِلِ والِاهْتِداءِ بِالنُّجُومِ في الطُّرُقاتِ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي يَزْعُمُها المُنَجِّمُونَ فَلا، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَدِيدَ الإنْكارِ عَلى المُتَكَلِّمِينَ مُزْرِيًا بِهِمْ، حُكْمُهُ فِيهِمْ أنْ يُضْرَبُوا بِالجَرِيدِ، ويُطافَ بِهِمْ في القَبائِلِ، فَما تُراهُ يَرى في المُنَجِّمِينَ الَّذِينَ شاعَ هَذَيانُهُمْ، وقَبُحَ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ شَأْنُهُمْ، نَعَمْ، كانَتْ لَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - اليَدُ الطُّولى في عِلْمِ الفِراسَةِ، وقَدْ خَرَجَ إلى اليَمَنِ لِجَمْعِ كُتُبِهِ، فَجَمَعَ مِنها ما جَمَعَ، ولَهُ فِيها حِكاياتٌ يُقْضى مِنها العَجَبُ، ولَعَلَّ إخْبارَهُ بِأمْرِ المَوْلُودِ - لَوْ صَحَّ - مِن ذَلِكَ العِلْمِ، والنّاقِلُ لِجَهْلِهِ أوْ لِأمْرٍ آخَرَ أسْنَدَهُ لِلنَّظَرِ في أحْكامِ النُّجُومِ وقالَ ما قالَ.

وأمّا ما ذَكَرَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ مِن أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لِإخْبارِ المُنَجِّمِينَ إيّاهُ بِأنَّهُ سَيُولَدُ لَهم مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُهُ عَلى يَدِهِ، فَهو كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ، ومُخالِفٌ لِرِواياتِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، فَإنَّهم أحالُوا ذَلِكَ عَلى أخْبارِ الكُهّانِ.

ورَوى بَعْضُهم أنَّ قَوْمَهُ أخْبَرُوهُ بِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَزْعُمُونَ أنَّهُ يُولَدُ مِنهم مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدَيْهِ، وفي أخْبارِ الكُهّانِ ما هو أعْجَبُ مِن ذَلِكَ.

ومِنها خَبَرُهم بِظُهُورِ خاتَمِ الرُّسُلِ  وانْتِشارِ أمْرِهِ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ عِلْمَ تَقْدِمَةِ المَعْرِفَةِ بِأسْبابٍ مُفْضِيَةٍ إلى مِثْلِ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ قُوى النّاسِ في إدْراكِها وتَحْصِيلِها، وإنَّما كَلامُنا مَعَ المُنَجِّمِينَ في أُصُولِ عِلْمِ الأحْكامِ وبَيانِ فَسادِها وكَذِبِ أكْثَرِ الأحْكامِ الَّتِي يُسْنِدُونَها إلَيْها، وأمّا ما ذَكَرَهُ في الِاسْتِدْلالِ بِالمَعْقُولِ مِن أنَّهُ ما خَلَتْ عَنْ هَذا العِلْمِ مِلَّةٌ مِنَ المِلَلِ ولا أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، وأنَّهم لَمْ يَزالُوا مُشْتَغِلِينَ بِهِ مُعَوِّلِينَ في مَعْرِفَةِ المَصالِحِ عَلَيْهِ إلى آخَرِ ما قالَ - فَفِرْيَةٌ مِن غَيْرِ مِرْيَةٍ، ويا عَجَبًا مِن دَعْواهُ إطْباقَ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مَن أوَّلِ بِناءِ العالَمِ إلى آخِرِهِ عَلَيْهِ، وهم يَقُولُونَ: إنَّما أُسِّسَتْ أُصُولُهُ وأوْضاعُهُ في زَمَنِ هُرْمُسِ الهَرامِسَةِ يَعْنُونَ بِهِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو بَعْدَ بِناءِ العالَمِ بِكَثِيرٍ، وأيْضًا قَدْ رَدَّهُ كَثِيرٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ وجَمْعٌ غَفِيرٌ مِن أساطِينِ الإسْلامِ، حَتّى إنَّهُ قَدْ أُلِّفَ ما يَزِيدُ عَلى مِائَةِ مُصَنَّفٍ في رَدِّهِ وإبْطالِهِ، وقَدْ قالَ أبُو نَصْرٍ الفارابِيُّ: اعْلَمْ أنَّكَ لَوْ قَلَبْتَ أوْضاعَ المُنَجِّمِينَ فَجَعَلْتَ الحارَّ بارِدًا والبارِدَ حارًّا، والسَّعْدَ نَحْسًا والنَّحْسَ سَعْدًا، والذَّكَرَ أُنْثى والأُنْثى ذَكَرًا، ثُمَّ حَكَمْتَ؛ لَكانَتْ أحْكامُكَ مَن جِنْسِ أحْكامِهِمْ تُصِيبُ تارَةً وتُخْطِئُ تاراتٍ، وقَدْ زَيَّفَ أمْرَهُمُابْنُ سِينا في كِتابَيْهِ ”الشِّفاءِ“، و”النَّجاةِ“، وكَذا أبُو البَرَكاتِ البَغْدادِيُّ في كِتابِ ”التَّعْبِيرِ“ لَهُ، هَذا ما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الرَّدِّ عَلى المُنَجِّمِينَ؛ وأعُودُ فَأقُولُ: الَّذِي أُراهُ في هَذا المَقامِ ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي مِن كَلامِ العُلَماءِ الأعْلامِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا باطِلًا خالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ ومَنفَعَةٍ، بَلْ خَلَقَ الأشْياءَ عُلْوِيَّها وسُفْلِيَّها، جَلِيلَها ودَنِيَّها مُشْتَمِلَةً عَلى حِكَمٍ لا تُحْصى، ومَنافِعَ لا تُسْتَقْصى وإنْ تَفاوَتَتْ في أفْرادِها قِلَّةً وكَثْرَةً، وخَصَّ كُلًّا مِنها بِخاصَّةٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِها مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وعَلِمِهِ وقُدْرَتِهِ: ولِلَّهِ في كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ∗∗∗ وتَسْكِينَةٍ أبَدًا شاهِدُ وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ فالأجْرامُ العُلْوِيَّةُ مُشْتَرِكَةٌ في هَذِهِ الدَّلالَةِ، مُخْتَصٌّ كُلٌّ مِنها بِخاصَّةٍ، وشَأْنُ الكَواكِبِ في خَواصِّها وتَأْثِيراتِها كَشَأْنِ النَّباتاتِ والمَعْدِنِيّاتِ والحَيَوانِيّاتِ في خَواصِّها وتَأْثِيراتِها، فَمِنها ما خاصَّتُهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ، ومِنها ما خاصَّتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ، ومِنها ما إذا ضُمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ أسْقَطَ خاصَّتَهُ، وأبْطَلَ مَنفَعَتَهُ، ومِنها ما يُعْقَلُ وجْهُ تَأْثِيرِهِ ومِنها ما لا يُعْقَلُ، ومِنها ما يُؤَثِّرُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ وزَمانٍ دُونَ زَمانٍ، ومِنها ما يُؤَثِّرُ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ، وكَوْنُها زِينَةً لِلسَّماءِ لا يَسْتَدْعِي نَفْيَ أنْ يَكُونَ فِيها مَنفَعَةٌ أُخْرى عَلى حَدِّ ما في الأرْضِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ مَعَ اشْتِمالِ الأزْهارِ وغَيْرِها عَلى ما تَعْلَمُ وما لا تَعْلَمُ مِنَ المَنافِعِ، وكَذَلِكَ كَوْنُها عَلاماتٍ يُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، وكَوْنُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ.

ولا أقُولُ بِبَساطَةِ الأفْلاكِ ولا بِبَساطَةِ الكَواكِبِ ولا بِانْحِصارِها فِيما يُشاهَدُ بِبَصَرٍ أوْ رَصْدٍ، ولا بِذُكُورَةِ بَعْضٍ وأُنُوثَةِ آخَرَ إلى كَثِيرٍ مِمّا يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ، وأقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ في بَعْضِها تَأْثِيرًا حَسَبَما أوْدَعَ في أزْهارِ الأرْضِ ونَحْوِها، وإنَّها لا تُؤَثِّرُ إلّا بِإذْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما هو مَذْهَبُ السَّلَفِ في سائِرِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ كَما قالَ الأشاعِرَةُ فِيها، وأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُها عَلاماتٍ لِإحْداثِهِ تَعالى أُمُورًا لا بِواسِطَتِها في أحَدِ العالَمَيْنِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ يَعْرِفُها مَن يُوقِفُهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها مِن مَلائِكَتِهِ وخَواصِّ عِبادِهِ، وارْتِباطُ كَثِيرٍ مِنَ السُّفْلِيّاتِ بِالعُلْوِيّاتِ مِمّا قالَ بِهِ الأكابِرُ ولا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، ولا أنْسُبُ أثَرًا مِنَ الآثارِ إلى كَوْكَبٍ بِخُصُوصِهِ عَلى القَطْعِ؛ لِاحْتِمالِ شَرِكَةِ كَوْكَبٍ أوْ أمْرٍ آخَرَ، نَعَمِ الظّاهِرُ يَقْتَضِي كَثْرَةَ مَدْخَلِيَّةِ بَعْضِ الكَواكِبِ في بَعْضِ الآثارِ، كالقَمَرِ في مَدِّ البِحارِ وجَزْرِها، فَإنَّ مِنها ما يَأْخُذُ في الِازْدِيادِ حِينَ يُفارِقُ القَمَرُ الشَّمْسَ إلى وقْتِ الِامْتِلاءِ، ثُمَّ إنَّهُ يَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ ولا يَزالُ نُقْصانُهُ يَسْتَمِرُّ بِحَسَبِ نُقْصانِ القَمَرِ إلى المُحاقِ، ومِنها ما يَحْصُلُ فِيهِ المَدُّ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَعَ طُلُوعِ القَمَرِ وغُرُوبِهِ، كَبَحْرِ فارِسَ وبَحْرِ الهِنْدِ وبَحْرِ الصِّينِ، وكَيْفِيَّتُهُ أنَّهُ إذا بَلَغَ القَمَرُ مَشْرِقًا مِن مَشارِقِ البَحْرِ ابْتَدَأ البَحْرُ بِالمَدِّ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرَ القَمَرُ في وسَطِ سَماءِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَإذا زالَ عَنْ مَغْرِبِ ذَلِكَ المَوْضِعِ؛ ابْتَدَأ المَدُّ مِن تَحْتِ الأرْضِ، ولا يَزالُ زائِدًا إلى أنْ يَصِلَ القَمَرُ إلى وتِدِ الأرْضِ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَهِي المَدُّ مُنْتَهاهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الجَزْرُ ثانِيًا ويَرْجِعُ الماءُ كَما كانَ، ومِثْلُ المَدِّ والجَزْرِ بُحْراناتُ الأمْراضِ، فَإنَّها بِحَسَبِ زِيادَةِ القَمَرِ ونُقْصانِهِ، عَلى مَعْنى كَثْرَةِ مَدْخَلِيَّةِ ذَلِكَ ظاهِرًا فِيها إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ولا أقُولُ: إنَّ لِكَوْكَبٍ تَأْثِيرًا في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ونَحْوِهِما، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ كَوْكَبٌ أوْ كَواكِبُ - بِاعْتِبارِ بَعْضِ الأحْوالِ - عَلامَةً لِنَحْوِ ذَلِكَ، يُعَرِّفُها بَعْضُ الخَواصِّ، ولا وُثُوقَ بِما قالَهُ الأحْكامِيُّونَ، وكُلُّ ما يَقُولُونَهُ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْهِ، وهم فِيما أسَّسُوا عَلَيْهِ أحْكامَهم مُتَناقِضُونَ، وفي المَذاهِبِ مُخْتَلِفُونَ؛ فَلِلْبابِلِيِّينَ مَذْهَبٌ، ولِلْفُرْسِ مَذْهَبٌ، ولِأهْلِ الهِنْدِ مَذْهَبٌ، ولِأهْلِ الصِّينِ مَذْهَبٌ، وقَدْ رَدَّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وشَهِدَ بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ بِفَسادِ أُصُولِهِمْ ومَبْنى أحْكامِهِمْ، فَقَدْ كانَ أوائِلُهم مِنَ الأقْدَمِينَ وكِبارُ رُصّادِهِمْ مِن عَهْدِ بَطْلَيْمُوسَ وطَيْمُوحارِسَ ومانالارِسَ قَدْ حَكَمُوا حُكْمًا في الكَواكِبِ واتَّفَقُوا عَلى صِحَّتِهِ، وأقامَ النّاسُ عَلى تَقْلِيدِهِمْ، وبِناءِ الأمْرِ عَلى ما قالُوهُ أكْثَرَ مِن سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، فَجاءَ مِن بَعْدِهِمْ خالِدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ المَرْوَزِيُّ، وحَسَنٌ صاحِبُ الزِّيجِ المَأْمُونِيِّ، ومُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ ويَحْيى بْنُ أبِي مَنصُورٍ، فامْتَحَنُوا ما قالُوا فَوَجَدُوهم غالِطِينَ وأجْمَعُوا عَلى غَلَطِهِمْ وسَمَّوْا رَصْدَهُمُ الرَّصْدَ المُمْتَحَنَ.

ثُمَّ حَدَّثَتْ بَعْدَهم بِنَحْوِ سِتِّينَ سَنَةً طائِفَةٌ أُخْرى زَعِيمُهم أبُو مَعْشَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ وبَيَّنَ خَطَأهم كَما ذَكَرَهُ أبُو سَعِيدٍ شاذانُ المُنَجِّمُ في كِتابِ ”أسْرارِ النُّجُومِ“ لَهُ، وفِيهِ: قُلْتُ لِأبِي مَعْشَرٍ: الذَّنَبُ بارِدٌ يابِسٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّأْنِيثِ؟

فَقالَ: هَكَذا قالُوا، قُلْتُ: فَقَدْ قالُوا إنَّهُ لَيْسَ بِصادِقِ اليُبْسِ، لَكِنَّهُ بارِدٌ عَفِنٌ، مُلْتَوٍ، كُلُّ الأعْراضِ الغائِيَّةِ تَوَهُّمٌ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها يَقِينِيًّا، وإنَّما يَكُونُ تَوَهُّمٌ أقْوى مِن تَوَهُّمٍ.

ومَن تَأمَّلَ أحْوالَ القَوْمِ عَلِمَ أنَّ ما مَعَهم تَفَرُّسٌ يُصِيبُونَ مَعَهُ ويُخْطِئُونَ، ثُمَّ حَدَّثَتْ بَعْدَهم طائِفَةٌ أُخْرى بِنَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً، مِنهم أبُو الحُسَيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ المَعْرُوفُ بِالصُّوفِيِّ، فَرَدَّ عَلى مَن قَبْلَهُ وغَلَّطَهُ وألَّفَ كِتابًا بَيَّنَ فِيهِ مِنَ الأغْلاطِ ما بَيَّنَ، وحَمَلَهُ إلى عَضُدِ الدَّوْلَةِ ابْنُ بُوَيْهٍ فاسْتَحْسَنَهُ وأجْزَلَ ثَوابَهُ، ثُمَّ جاءَتْ بَعْدَ نَحْوِ ثَلاثِينَ سَنَةً طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم كُوشِيارُ الدَّيْلَمِيُّ فَألَّفَ ”المُجْمَلُ في الأحْكامِ“ وجَهَّلَ فِيهِ مَن يَحْتَجُّ لِلْأحْكامِ مِنَ الأحْكامِيِّينَ، وقالَ عَنْ صِناعَةِ التَّنْجِيمِ: هي صِناعَةٌ غَيْرُ مُبَرْهَنَةٍ ولِلْخَواطِرِ والظُّنُونِ فِيها مَجالٌ؛ إلى أنْ قالَ: ومِنَ المُنْفَرِدِينَ بِعِلْمِ الأحْكامِ مَن يَأْتِي عَلى جُزْئِيّاتِهِ بِحُجَجٍ عَلى سَبِيلِ النَّظَرِ والجَدَلِ فَيَظُنُّ أنَّها بَراهِينُ لِجَهْلِهِ بِطَرِيقِ البُرْهانِ وطَبِيعَتِهِ.

ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم مُنَجِّمُ الحاكِمِ بِالدِّيارِ المِصْرِيَّةِ المَعْرُوفُ بِالفِكْرِيِّ، فَوَضَعَ هو وأصْحابُهُ رَصْدًا آخَرَ سَمَّوْهُ الرَّصْدَ الحاكِمِيَّ، فَخالَفُوا فِيهِ أصْحابَ الرَّصْدِ المُمْتَحَنِ وبَنَوْا أمْرَ الأحْكامِ عَلَيْهِ.

ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم أبُو الرَّيْحانِ البَيْرُوتِيُّ مُؤَلِّفُ كِتابِ ”التَّفْهِيمُ إلى صِناعَةِ التَّنْجِيمِ“ وكانَ بَعْدَ كُوشِيارَ بِنَحْوِ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَخالَفَ مَن تَقَدَّمَهُ، وأتى مِن مُناقَضاتِهِمْ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِما هو دالٌّ عَلى فَسادِ صِناعَتِهِمْ، وخَتَمَ كِتابَهُ بُقُولِهِ في الخَبْءِ والضَّمِيرِ: ما أكْثَرَ افْتِضاحَ المُنَجِّمِينَ فِيهِ، وما أكْثَرَ إصابَةَ الزّاجِرِينَ بِما يُسْتَعْمَلُ مِنَ الكَلامِ وقْتَ السُّؤالِ ويَرَوْنَهُ بادِيًا مِنَ الآثارِ والأفْعالِ عَلى السّائِلِ إلى آخِرِ ما قالَ، ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرى مِنهم أبُو الصَّلْتِ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الأنْدَلُسِيُّ وكانَ بَعْدَ البَيْرُوتِيِّ بِنَحْوِ ثَمانِينَ عامًا، وكانَ رَأْسًا في الصِّناعَةِ ومَعَ هَذا اعْتَرَفَ بِأنَّ قَوْلَ المُنَجِّمِينَ هَذَيانٌ، ثُمَّ حَدَّثَتْ طائِفَةٌ أُخْرىبِالمَغْرِبِ مِنهم أبُو إسْحاقَ الزِّرْقالِيُّ وأصْحابُهُ، وكانَ بَعْدَ أبِي الصَّلْتِ بِنَحْوِ مِائَةِ سَنَةٍ، فَخالَفَ الأوائِلَ والأواخِرَ في الصِّناعَتَيْنِ الرَّصْدِيَّةِ والأحْكامِيَّةِ.

وآخَرُ ما نَعْلَمُ حُدُوثَهُ زِيجُ لالِنْتْ والقُسِينِي وفِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأزْياجِ ما فِيهِ.

وقَدْ ذُكِرَ فِيهِ تَقْوِيمُ هِرْشِلَ ومِقْدارُ حَرَكَتِهِ، وهو كَوْكَبٌ سَيّارٌ ظَفَرَ بِهِ هِرْشِلُ أحَدُ فَلاسِفَةِ الإفْرِنْجِ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يَظْفَرْ بِهِ أحَدٌ قَبْلَهُ، وهَذا الزِّيجُ أضْبَطُ الأزْياجِ فِيما يَزْعُمُ المُنَجِّمُونَ اليَوْمَ، والإفْرِنْجُ - عَلى مَهارَةِ كَثِيرٍ مِنهم بِعِلْمِ الرَّصْدِ - لا يَقُولُونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُ بِهِ الأحْكامِيُّونَ الأوائِلُ والأواخِرُ، ويَسْخَرُونَ مِنهُمْ، وقَدْ ذَكَرَ مَن يُوثَقُ بِهِ وُجُوهًا تَدُلُّ عَلى فَسادِ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، وأنَّهُ لا يُوثَقُ بِهِ، الأوَّلُ: أنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيعِ المُؤَثِّراتِ الفَلَكِيَّةِ مِمّا لا تَتَأتّى، أمّا أوَّلًا؛ فَلِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الكَواكِبِ إلّا بِواسِطَةِ القُوى الباصِرَةِ، وإذا كانَ المَرْئِيُّ صَغِيرًا أوْ في غايَةِ البُعْدِ يَتَعَذَّرُ رُؤْيَتُهُ؛ فَإنَّ أصْغَرَ الكَواكِبِ الَّتِي في فَلَكِ الثَّوابِتِ وهو الَّذِي بِهِ قُوَّةُ البَصَرِ مِثْلَ كُرَةِ الأرْضِ بِضْعَةَ عَشَرَ مَرَّةً، وكُرَةُ الأرْضِ أعْظَمُ مِن كُرَةِ عُطارِدَ كَذا مَرَّةٍ، فَلَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ حَصَلَ في الفَلَكِ الأعْظَمِ كَواكِبُ كَثِيرَةٌ كُلٌّ مِنها كَعُطارِدَ حَجْمًا فَكَيْفَ تُرى، ونَفْيُ هَذا الِاحْتِمالِ لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ، ومَعَ قِيامِهِ لا يَحْصُلُ الجَزْمُ بِمَعْرِفَةِ جَمِيعِ المُؤَثِّراتِ، وإنْ قالُوا: جازَ ذَلِكَ إذْ إنَّ آثارَ هَذا الكَوْكَبِ لِصِغَرِهِ ضَعِيفَةٌ فَلا تَصِلُ إلى هَذا العالَمِ.

قُلْنا: صِغَرُ الجِرْمِ لا يُوجِبُ ضَعْفَ الأثَرِ، فَقَدْ أثْبَتُّمْ لِعُطارِدَ آثارًا قَوِيَّةً مَعَ صِغَرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ السَّيّاراتِ؛ بَلْ أثْبَتُّمْ لِلرَّأْسِ والذَّنَبِ وسَهْمِ السَّعادَةِ وسَهْمِ الغَيْبِ آثارًا قَوِيَّةً وهي أُمُورٌ وهْمِيَّةٌ، وأمّا ثانِيًا فالمَرْصُودُ مِنَ الكَواكِبِ المَرْئِيَّةِ أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المَرْصُودِ، فَمِن أيْنَ لَهُمُ الوُقُوفُ عَلى طَبِيعَةِ غَيْرِ المَرْصُودِ؟

وأما ثالِثًا فَلِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الوُقُوفُ عَلى طَبائِعِ جَمِيعِ المَرْصُودِ أيْضًا، وقَلَّما تَكَلَّمُوا في مَعْرِفَةِ غَيْرِ الثَّوابِتِ الَّتِي مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ والثّانِي، وأما رابِعًا فَآلاتُ الرَّصْدِ لا تَفِي بِضَبْطِ الثَّوانِي والثَّوالِثِ فَما فَوْقُ، ولا شَكَّ أنَّ الثّانِيَةَ الواحِدَةَ مِثْلُ الأرْضِ كَذا ألْفِ مَرَّةٍ أوْ أقَلُّ أوْ أكْثَرُ، ومَعَ هَذا التَّفاوُتِ العَظِيمِ، كَيْفَ الوُصُولُ إلى الغَرَضِ؟

وقَدْ قِيلَ: إنَّ الإنْسانَ الشَّدِيدَ الجَرْيِ بَيْنَ رَفْعِهِ رِجْلَهُ ووَضْعِهِ الأُخْرى، يَتَحَرَّكُ جِرْمُ الفَلَكِ الأقْصى ثَلاثَةَ آلافِ مِيلٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ ضَبْطُ هَذِهِ المُؤَثِّراتِ؟

وأما خامِسًا؛ فَبِتَقْدِيرِ أنَّهم عَرَفُوا طَبائِعَ هَذِهِ الكَواكِبِ حالَ بَساطَتِها فَهَلْ وقَفُوا عَلى طَبائِعِها حالَ امْتِزاجِ بَعْضِها بِبَعْضٍ ؟

والِامْتِزاجاتُ الحاصِلَةُ مِن طَبائِعِ ألْفِ كَوْكَبٍ أوْ أكْثَرَ - بِحَسَبِ الأجْزاءِ الفَلَكِيَّةِ - تَبْلُغُ في الكَثْرَةِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ العَقْلُ عَلى ضَبْطِها.

وأمّا سادِسًا؛ فَيُقالُ: هَبْ أنّا عَرَفْنا تِلْكَ الِامْتِزاجاتِ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ؛ فَلا رَيْبَ أنَّهُ لا يُمْكِنُنا مَعْرِفَةُ الِامْتِزاجاتِ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَهُ، مَعَ أنّا نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ الأشْكالَ السّالِفَةَ رُبَّما كانَتْ عائِقَةً ومانِعَةً عَنْ مُقْتَضَياتِ الأشْكالِ الحاصِلَةِ في الحالِ، ولا رَيْبَ أنّا نُشاهِدُ أشْخاصًا كَثِيرَةً مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ تَحْدُثُ مُقارِنَةً لِطالِعٍ واحِدٍ، مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُخالِفٌ لِلْآخَرِ في أكْثَرِ الأُمُورِ، وذَلِكَ أنَّ الأحْوالَ السّابِقَةَ في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ تَكُونُ مُخالِفَةً لِلْأحْوالِ السّابِقَةِ في حَقِّ الآخَرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا اعْتِمادَ عَلى مُقْتَضى طالِعِ الوَقْتِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الإحاطَةِ بِالطَّوالِعِ السّالِفَةِ، وذَلِكَ مِمّا لا وُقُوفَ عَلَيْهِ؛ فَإنَّهُ رُبَّما كانَتْ تِلْكَ الطَّوالِعُ دافِعَةً مُقْتَضَياتِ هَذا الطّالِعِ الحاضِرِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ عَوَّلَ ابْنُ سِينا في كِتابَيْهِ: ”الشِّفاءِ“، و”النَّجاةِ“ في إبْطالِ هَذا العِلْمِ.

الثّانِي: أنَّ تَأْثِيرَ الكَواكِبِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أقْدارِها، فَما كانَ مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ أثَّرَ بِوُقُوعِهِ عَلى الدَّرَجَةِ، وإنْ لَمْ تُضْبَطِ الدَّقِيقَةُ.

وما كانَ مِنَ القَدْرِ الأخِيرِ لَمْ يُؤَثِّرْ إلّا بِضَبْطِ الدَّقِيقَةِ، ولا رَيْبَ بِجَهالَةِ مَقادِيرِ جَمِيعِ الكَواكِبِ، فَكَيْفَ تُضْبَطُ الآثارُ.

الثّالِثُ: فَسادُ أُصُولِهِمْ، وتَناقُضُ آرائِهِمْ، واخْتِلافُهُمُ اخْتِلافًا عَظِيمًا مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ومَتى تَعارَضَتِ الأقْوالُ وتَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ فِيما بَيْنَها؛ لا يُعَوَّلُ عَلى شَيْءٍ مِنها.

الرّابِعُ: أنَّ أرْصادَهم لا تَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ خَلَلٍ، وهي مَبْنى أحْكامِهِمْ، وقَدْ صَنَّفَ أبُو عَلِيِّ بْنُ الهَيْثَمِ رِسالَةً بَلِيغَةً في أقْسامِ الخَلَلِ الواقِعِ في آلاتِ الرَّصْدِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِ الإنْسانِ دَفْعُهُ وإزالَتُهُ، وإصابَتُهم في أوْقاتِ الخُسُوفِ والكُسُوفِ مَعَ ذَلِكَ الخَلَلِ لا تَسْتَدْعِي إصابَتَهم في غَيْرِها مَعَهُ.

الخامِسُ: أنّا نُشاهِدُ عالَمًا كَثِيرًا يُقْتَلُونَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ في حَرْبٍ، وخَلْقًا كَثِيرًا يَغْرَقُونَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، مَعَ اخْتِلافِ طَوالِعِهِمْ واقْتِضائِها أحْوالًا مُخْتَلِفَةً عِنْدَكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ ما اعْتَبَرْتُمُوهُ أوَّلًا.

فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ الطَّوالِعَ قَدْ يَكُونُ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، فَلَعَلَّ طالِعَ الوَقْتِ أقْوى مِن طالِعِ الأصْلِ، فَكانَ الحُكْمُ.

قُلْنا: هَذا بِعَيْنِهِ يُبْطِلُ عَلَيْكُمُ اعْتِبارَ طالِعِ المَوْلُودِ، فَإنَّ الطَّوالِعَ بَعْدَهُ مُخْتَلِفَةٌ كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ بَعْضَها أقْوى مِنهُ؛ فَلا يُفِيدُ اعْتِبارُهُ شَيْئًا.

السّادِسُ: أنَّ العَقْلَ لا مَساغَ لَهُ في اقْتِضاءِ كَوْكَبٍ مُعَيَّنٍ أوْ وضْعٍ مُعِيَّنٍ تَأْثِيرًا خاصًّا، والتَّجْرِبَةُ عَلى قُصُورِها مُعارَضَةٌ بِتَجْرِبَةٍ اقْتَضَتْ خِلافَها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوُجُوهِ.

وأبُو البَرَكاتِ البَغْدادِيُّ - وإنْ زَيَّفَ ما هم عَلَيْهِ - إلّا أنَّهُ يُقِرُّ بِقَبُولِ بَعْضِ الأحْكامِ، فَإنَّهُ قالَ - بَعْدَ ذِكْرِ شَيْءٍ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْها -: وهَذِهِ أقْوالٌ قالَها قائِلٌ، فَقَبِلَها قابِلٌ، ونَقَلَها ناقِلٌ، فَحَسُنَ بِها ظَنُّ السّامِعِ، واغْتَرَّ بِها مَن لا خِبْرَةَ لَهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى النَّظَرِ، ثُمَّ حَكَمَ بِحَسَبِها الحاكِمُونَ بِجَيِّدٍ ورَدِيءٍ، وسَلْبٍ وإيجابٍ، وسَعْدٍ ونُحُوسٍ، فَصادَفَ بَعْضُهُ مُوافَقَةَ الوُجُودِ، فَصَدَقَ، فاغْتَرَّ بِهِ المُغْتَرُّونَ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى كَذِبٍ فِيهِ، بَلْ عَذَرُوهُ وقالُوا: هو مُنَجِّمٌ، ما هو نَبِيٌّ حَتّى يَصْدُقَ في كُلِّ ما يَقُولُ.

واعْتَذَرُوا لَهُ بِأنَّ العِلْمَ أوْسَعُ مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ، ولَوْ أحاطَ بِهِ لَصَدَقَ في كُلِّ شَيْءٍ.

ولَعَمْرُ اللَّهِ - تَعالى - إنَّهُ لَوْ أحاطَ بِهِ عِلْمًا صادِقًا؛ لَصَدَقَ، والشَّأْنُ أنْ يُحِيطَ بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، لا عَلى أنْ يَفْرِضَ فَرْضًا، ويَتَوَهَّمَ وهْمًا، فَيَنْقُلَهُ إلى الوُجُودِ، ويُثْبِتَهُ في المَوْجُودِ، ويَنْسُبَ إلَيْهِ، ويَقِيسَ عَلَيْهِ، وبِالَّذِي يَصِحُّ مِنهُ ويَلْتَفِتُ إلَيْهِ العُقَلاءُ هي أشْياءُ غَيْرُ هَذِهِ الخُرافاتِ الَّتِي لا أصَلَ لَها مِمّا حَصَلَ بِتَوْقِيفٍ أوْ تَجْرِبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، كالقِراناتِ والِانْتِقالاتِ والمُقابَلَةِ، ومَمَرِّ كَوْكَبٍ مِنَ المُتَحَيِّرَةِ تَحْتَ كَوْكَبٍ مِنَ الثّابِتَةِ، وما يَعْرِضُ لِلْمُتَحَيِّرَةِ مِن رُجُوعٍ، واسْتِقامَةٍ، ورُجُوعٍ في شَمالٍ، وانْخِفاضٍ في جَنُوبٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَأنِّي أُرِيدُ أنْ أخْتَصِرَ الكَلامَ هاهُنا، وأُوافِقَ إشارَتَكَ، وأعْمَلَ بِحِسَبِ اخْتِيارِكَ رِسالَةً في ذَلِكَ، أذْكُرُ ما قِيلَ فِيها مِن عِلْمِ أحْكامِ النُّجُومِ، مِن أُصُولٍ حَقِيقِيَّةٍ أوْ مَجازِيَّةٍ، أوْ وهْمِيَّةٍ أوْ غَلَطِيَّةٍ، وفُرُوعِ نَتائِجَ أُنْتِجَتْ عَنْ تِلْكَ الأُصُولِ، وأذْكُرُ الجائِزَ مِن ذَلِكَ والمُمْتَنِعَ، والقَرِيبَ والبَعِيدَ، فَلا أرُدُّ عِلْمَ الأحْكامِ مِن كُلِّ وجْهٍ كَما رَدَّهُ مَن جَهِلَهُ، ولا أقْبَلُ فِيهِ كُلَّ قَوْلٍ كَما قَبِلَهُ مَن لَمْ يَعْقِلْهُ، بَلْ أُوَضِّحُ مَوْضِعَ القَبُولِ والرَّدِّ، ومَوْضِعَ التَّوْقِيفِ والتَّجْوِيزِ، والَّذِي مِنَ المَنجِّمِ، والَّذِي مِنَ التَّنْجِيمِ، والَّذِي مِنهُما، وأُوَضِّحُ لَكَ أنَّهُ لَوْ أمْكَنَ الإنْسانَ أنْ يُحِيطَ بِشَكْلِ كُلِّ ما في الفَلَكِ عِلْمًا؛ لَأحاطَ بِكُلِّ ما يَحْوِيهِ الفَلَكُ؛ لِأنَّ مِنهُ مَبادِئَ الأسْبابِ، لَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ، ويَبْعُدُ عَنِ الإمْكانِ بُعْدًا عَظِيمًا، والبَعْضُ المُمْكِنُ مِنهُ لا يَهْدِي إلى بَعْضِ الحُكْمِ؛ لِأنَّ البَعْضَ الآخَرَ المَجْهُولَ قَدْ يُناقِضُ المَعْلُومَ في حُكْمِهِ، ويُبْطِلُ ما يُوجِبُهُ، فَنِسْبَةُ المَعْلُومِ إلى المَجْهُولِ مِنَ الأحْكامِ كَنِسْبَةِ المَعْلُومِ إلى المَجْهُولِ مِنَ الأسْبابِ، وكَفى بِذَلِكَ بُعْدًا.

انْتَهى.

وفِيهِ مِنَ التَّأْيِيدِ لِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْجُهِ ما فِيهِ.

وأنا أقُولُ: إنَّ الإحاطَةَ بِالأسْرارِ المُودَعَةِ في الأجْرامِ لا يَبْعُدُ أنْ تَحْصُلَ لِبَعْضِ الخَواصِّ ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ، لَكِنْ بِطَرِيقِ الكَشْفِ أوْ نَحْوِهِ، دُونَ الِاسْتِدْلالِ الفِكْرِيِّ والأعْمالِ الرَّصْدِيَّةِ مَثَلًا، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ -، قالَ في البابِ الثّالِثِ والسَّبْعِينَ مِنَ (الفُتُوحاتِ): ومِنَ الأوْلِياءِ النُّقَباءِ وهُمُ اثْنا عَشَرَ نَقِيبًا في كُلِّ زَمانٍ، لا يَزِيدُونَ ولا يَنْقُصُونَ، عَلى عَدَدِ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، كُلُّ نَقِيبٍ عالِمٌ بِخاصِّيَّةِ كُلِّ بُرْجٍ، وبِما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في مَقامِهِ مِنَ الأسْرارِ والتَّأْثِيراتِ، وما يُعْطى لِلنُّزَلاءِ فِيهِ مِنَ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ.

ثُمَّ قالَ: ومِنهُمُ النُّجَباءُ، وهم ثَمانِيَةٌ في كُلِّ زَمانٍ.

.

.

إلى أنْ قالَ: ولَهُمُ القَدَمُ الرّاسِخَةُ في عِلْمِ تَسْيِيرِ الكَواكِبِ مِن جِهَةِ الكَشْفِ والِاطِّلاعِ، لا مِن جِهَةِ الطَّرِيقَةِ المَعْلُومَةِ عِنْدَ العُلَماءِ بِهَذا الشَّأْنِ.

والنُّقَباءُ هُمُ الَّذِينَ حازُوا عِلْمَ الفَلَكِ التّاسِعِ، والنُّجَباءُ حازُوا عِلْمَ الثَّمانِيَةِ الأفْلاكِ الَّتِي دُونَهُ، وهي كُلُّ فَلَكٍ فِيهِ كَوْكَبٌ، ويُفْهَمُ مِن هَذا القَوْلِ بِالتَّأْثِيراتِ، وأنَّها مُفاضَةٌ مِنَ البُرْجِ عَلى النّازِلِ فِيهِ مِنَ الكَواكِبِ.

وقَدْ تَكَرَّرَتِ الإشارَةُ مِنهُ إلى ذَلِكَ، فَفي الفَصْلِ الثّالِثِ مِنَ البابِ الحادِي والسَّبْعِينَ والثَّلاثِمِائَةِ مِنَ (الفُتُوحاتِ) أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في جَوْفِ الكُرْسِيِّ جِسْمًا شَفّافًا مُسْتَدِيرًا - يَعْنِي الفَلَكَ الأطْلَسَ - قَسَّمَهُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا هي البُرُوجُ، وأسْكَنَ كُلَّ بُرْجٍ مِنها مَلَكًا.

.

.

إلى أنْ قالَ: وجَعَلَ لِكُلِّ نائِبٍ مِن هَؤُلاءِ الأمْلاكِ الِاثْنَيْ عَشَرَ في كُلِّ بُرْجٍ مَلَّكَهُ إيّاهُ ثَلاثِينَ خِزانَةً، تَحْتَوِي كُلُّ خِزانَةٍ مِنها عَلى عُلُومٍ شَتّى، يَهَبُونَ مِنها لِمَن نَزَلَ بِهِمْ ما تُعْطِيهِ مَرْتَبَتُهُ، وهي الخَزائِنُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿ وإن منْ شيء إلا عندنا خزائنه وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ ، وهَذِهِ الخَزائِنُ تُسَمّى عِنْدَ أهْلِ التَّعالِيمِ دَرَجاتِ الفَلَكِ، والنّازِلُونَ بِها هُمُ الجَوارِي، والمَنازِلُ وعَيُّوقاتُها مِنَ الثَّوابِتِ، والعُلُومُ الحاصِلَةُ مِن هَذِهِ الخَزائِنِ الإلَهِيَّةِ هي ما يَظْهَرُ في عالَمِ الأرْكانِ مِنَ التَّأْثِيراتِ؛ بَلْ ما يَظْهَرُ في مُقَعَّرِ فَلَكِ الثَّوابِتِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ لِهَؤُلاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَظَرًا في الجِنانِ وأهْلِها وما فِيها مُخْلَصًا مِن غَيْرِ حِجابٍ، فَما في الجِنانِ مِن حُكْمٍ فَهو عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ بِنُفُوسِهِمْ تَشْرِيفًا لِأهْلِ الجَنَّةِ، وأمّا أهْلُ الدُّنْيا وأهْلُ النّارِ فَما يُباشِرُونَ ما لَهم مِنَ الحُكْمِ إلّا بِالنُّوّابِ وهُمُ النّازِلُونَ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ ذَكَرْناهم.

وقالَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الفَصْلِ الرّابِعِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ قِطْعًا في الفَلَكِ الأطْلَسِ؛ لِيَحْصُلَ مِن تِلْكَ الخَزائِنِ الَّتِي في بُرُوجِهِ وبِأيْدِي مَلائِكَتِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِن عُلُومِ التَّأْثِيرِ ما تُعْطِيهِ حَقِيقَةُ كُلِّ كَوْكَبٍ وجَعَلَها عَلى حَقائِقَ مُخْتَلِفَةٍ.

انْتَهى المُرادُ مِنهُ.

ولَهُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - كَلامٌ غَيْرُ هَذا أيْضًا، وقَدَ صَرَّحَ بِنَحْوِ ما صَرَّحَ بِهِ المُنَجِّمُونَ، مِنِ اخْتِلافِ طَبائِعِ البُرُوجِ، وأنَّ كُلَّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ في المِزاجِ، وأنا لا أزِيدُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ لِلْأجْرامِ العُلْوِيَّةِ -كَواكِبِها وأفْلاكِها- أسْرارًا وحِكَمًا وتَأْثِيراتٍ غَيْرَ ذاتِيَّةٍ، بَلْ مُفاضَةٍ عَلَيْها مِن جانِبِ الحَقِّ والفَيّاضِ المُطْلَقِ - جَلَّ شَأْنُهُ، وعَظُمَ سُلْطانُهُ - ومِنها ما هو عَلامَةٌ لِما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَتِمُّ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ ما ذُكِرَ ولا يُعْلَمُ كَمِّيَّةُ ذَلِكَ ولا كَيْفِيَّتُهُ، ولا أنَّ تَأْثِيرَ كَذا مِن كَوْكَبِ كَذا أوْ كَوْكَبِ كَذا عَلامَةٌ لِكَذا في نَفْسِ الأمْرِ إلّا اللَّهُ تَعالى العَلِيمُ البَصِيرُ ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ يُطْلِعُ بَعْضَ خَواصِّ عِبادِهِ مِنَ البَشَرِ والمَلَكِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُطْلِعَ - سُبْحانَهُ - البَعْضَ عَلى الكُلِّ، ووُقُوعُ ذَلِكَ لِنَبِيِّنا  مِمّا لا أكادُ أشُكُّ فِيهِ.

وقَدْ نَصَّ بَعْضُ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ - قُدِّسَتْ أسْرارُهم، وأشْرَقَتْ عَلَيْنا أنْوارُهم - عَلى أنَّ عُلُومَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّتِي وُهِبَتْ لَهُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: نَوْعٌ أوْجَبَ عَلَيْهِ إظْهارَهُ وتَبْلِيغَهُ، وهو عِلْمُ الشَّرِيعَةِ والتَّكالِيفِ الإلَهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ﴾ ناظِرٌ إلى ذَلِكَ دُونَ العُمُومِ المُطْلَقِ، أوْ خُصُوصِ خِلافَةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - كَما يَقُولُهُ الشِّيعَةُ.

ونَوْعٌ أوْجَبَ عَلَيْهِ كِتْمانَهُ، وهو عِلْمُ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لا تَتَحَمَّلُها قُوَّةٌ غَيْرَ قُوَّتِهِ القُدْسِيَّةِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَكَما أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِلْمًا اسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ كَذَلِكَ لِحَبِيبِهِ الأعْظَمِ  عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ بِهِ بَعْدَ رَبِّهِ - سُبْحانَهُ - لَكِنَّهُ مُفاضٌ مِنهُ - تَعالى - عَلَيْهِ، ولَعَلَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى ﴾ وقَدْ يَكُونُ بَيْنَ المُحِبِّ والمَحْبُوبِ مِنَ الأسْرارِ ما يُضَنُّ بِهِ عَلى الأغْيارِ، ومِن هُنا قِيلَ: ومُسْتَخْبِرٍ عَنْ سِرِّ لَيْلى تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِعَمْياءَ مِن لَيْلى بِغَيْرِ يَقِينِ يَقُولُونَ: خَبِّرْنا؛ فَأنْتَ أمِينُها ∗∗∗ وما أنا إنْ خَبَّرْتُهم بِأمِينِ ونَوْعٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهَذا مِنهُ ما أظْهَرَهُ لِمَن رَآهُ أهْلًا لَهُ، ومِنهُ ما لَمْ يُظْهِرْهُ لِأمْرٍ ما، فَلَعَلَّ ما وُهِبَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ العِلْمِ بِدَقائِقِ أسْرارِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وحِكَمِها وما أرادَ اللَّهُ تَعالى بِها مِمّا لَمْ يُظْهِرْهُ لِلنّاسِ كَعِلْمِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهُ مِمّا لا يُضْبَطُ بِقاعِدَةٍ، وتَفْصِيلُ الأمْرِ فِيهِ لا يَكادُ يَتَيَسَّرُ، والبَعْضُ مُرْتَبِطٌ بِالبَعْضِ، ومَعَ هَذا لا يَسْتَطِيعُ العالِمُ بِهِ أنْ يُحَمِّلَ الإقامَةَ سَفَرًا، ولا الهَزِيمَةَ ظَفَرًا، ولا العَقْدَ فَلًّا، ولا الإبْرامَ نَقْضًا، ولا اليَأْسَ رَجاءً، ولا العَدُوَّ صَدِيقًا، ولا البَعِيدَ قَرِيبًا، ولا.

.

ولا.

.

.

ويُوشِكُ لَوِ انْتَشَرَ أمْرُهُ، وظَهَرَ حُلْوُهُ ومُرُّهُ؛ أنْ يَضْعُفَ تَوَكُّلُ كَثِيرٍ مِنَ العَوامِّ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِانْقِطاعُ إلَيْهِ، والرَّغْبَةُ فِيما عِنْدَهُ، وأنْ يَلْهُوا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، ويَنْبِذُوا ما سِواهُ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ لِأجْلِهِ، فَكُلٌّ يَتَمَنّى أنْ يَعْلَمَ الغَيْبَ، ويَطَّلِعَ عَلَيْهِ، ويُدْرِكَ ما يَكُونُ في غَدٍ، أوْ يَجِدَ سَبِيلًا إلَيْهِ، بَلْ رُبَّما يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِبَعْضِ الأشْخاصِ مُفْضِيًا إلى الِاعْتِقادِ القَبِيحِ والشِّرْكِ الصَّرِيحِ، وقَدْ كانَ في العَرَبِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَلَوْ فُتِحَ هَذا البابُ؛ لاتَّسَعَ الخَرْقُ، وعَظُمَ الشَّرُّ.

وقَدْ تَرَكَ  هَدْمَ الكَعْبَةِ وتَأْسِيسَها عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِنَحْوِ هَذِهِ المُلاحَظَةِ.

فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: ”لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ وأسَّسْتُها عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ“» ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إظْهارُ ذَلِكَ وعِلْمُ النّاسِ بِهِ سَبَبًا لِتَعَطُّلِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ ومُنافِيًا لِلْحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ فَأوْجَبَ عَلى رَسُولِهِ  كَتْمَهُ وتَرْكَ تَعْلِيمِهِ كَما عَلِمَ الشَّرائِعَ.

ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ  أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِنَ العُلُومِ الوَهْبِيَّةِ الَّتِي يَمُنُّ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وأنَّ مَن وهَبَ سُبْحانَهُ لَهُ مِن أُمَّتِهِ قُوَّةً قُدْسِيَّةً يَهَبُ سُبْحانَهُ لَهُ ما تَتَحَمَّلُهُ قُوَّتُهُ مِنهُ، وقَدْ سَمِعْتَ ما سَمِعْتَ في النُّقَباءِ والنُّجَباءِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلَّمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذَلِكَ أمْثالَهم ومَن هو أعْلى قَدَرا مِنهم كالأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ التَّعْلِيمِ ومِنها الإفاضَةُ الَّتِي يَذْكُرُها بَعْضُ أهْلِ الطَّرائِقِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ سِرَّ البِعْثَةِ إنَّما هو إرْشادُ الخَلْقِ إلى ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ زُلْفى، ولَيْسَ في مَعْرِفَةِ التَّأْثِيراتِ الفَلَكِيَّةِ والحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ قُرْبٌ إلى اللَّهِ تَعالى، والنَّبِيُّ  لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في دَعْوَةِ الخَلْقِ وإرْشادِهِمْ إلى ما يُقَرِّبُهم لَدَيْهِ سُبْحانَهُ ويَنْفَعُهم يَوْمَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ النُّجُومِ في أُمُورِ دِياناتِهِمْ كَمَعْرِفَةِ القِبْلَةِ وأوْقاتِ العِباداتِ قَدْ أرْشَدَ إلَيْهِ مَن أرْشَدَ مِنهُمْ، وتَرَكَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ في أُمُورِ دُنْياهم كالزِّراعَةِ إلى عاداتِهِمْ وما جَرَّبَهُ كُلُّ قَوْمٍ في أماكِنِهِمْ، وأشارَ إشارَةً إجْمالِيَّةً إلى بَعْضِ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ لِبَعْضِ الكَواكِبِ في بَعْضِ أحْوالِها كَما في حَدِيثِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ السّابِقِ، وأرْشَدَهم إلى ما يَنْفَعُهم إذا ظَهَرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويَتَضَمَّنُ الإشارَةَ الإجْمالِيَّةَ أيْضًا أمْرُهُ تَعالى بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ القَمَرِ في بَعْضِ حالاتِهِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ ﴿ من شر ما خلق ﴾ ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ عَلى ما جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، ويَقْرُبُ في بَعْضِ الوُجُوهِ مِن شَأْنِهِ  شَأْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أمْرِ النَّباتاتِ ونَحْوِها فَبَيَّنَ لَهم ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِن ذَلِكَ، وأشارَ إلى مَنفَعَةِ بَعْضِ الأشْياءِ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، ولَمْ يُفَصِّلِ القَوْلَ في الخَواصِّ، وتَرَكَ النّاسَ فِيما يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ مِمّا هو حَلالٌ عَلى عاداتِهِمْ إلّا أنَّهُ قالَ: ”كلوا واشربوا ولا تسرفوا“ .

نَعَمْ؛ نَهى  عَنِ الخَوْضِ في عِلْمِ النُّجُومِ لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ بِواسِطَةِ الأوْضاعِ المُتَوَقِّفِ - بِزَعْمِ المُنَجِّمِينَ - عَلى مَعْرِفَةِ الطَّبائِعِ سَدًّا لِبابِ الشَّرِّ والوُقُوعِ في الباطِلِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ لَيْسَتْ كَسْبِيَّةً كَمَعْرِفَةِ خَواصِّ النَّباتاتِ ونَحْوِها، والمَعْرِفَةُ الكَسْبِيَّةُ الَّتِي يَزْعُمُها المُنَجِّمُونَ لَيْسَتْ بِمَعْرِفَةٍ؛ وإنَّما هي ظُنُونٌ لا دَلِيلَ لَهم عَلَيْها كَما تَقَدَّمَ وصَرَّحَ بِهِ أرَسْطالِيسُ أيْضًا؛ فَإنَّهُ قالَ في أوَّلِ كِتابِهِ السَّماعِ الطَّبِيعِيِّ: إنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اليَقِينِ بِمَعْرِفَةِ تَأْثِيرِ الكَواكِبِ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ بَطْلَيْمُوسَ، وكَوْنُ المَنهِيِّ عَنْهُ ذَلِكَ هو الَّذِي صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ وعَلَيْهِ حُمِلَ خَبَرُ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ «”مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ“».

وأمّا الخَوْضُ في عِلْمِ النُّجُومِ لِتَحْصِيلِ ما يُعْرَفُ بِهِ أوْقاتُ الصَّلَواتِ وجِهَةُ القِبْلَةِ وكَمْ مَضى مِنَ اللَّيْلِ أوِ النَّهارِ وكَمْ بَقِيَ وأوائِلُ الشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ ونَحْوُ ذَلِكَ، ومِنهُ - فِيما أرى - ما يُعْرَفُ بِهِ وقْتُ الكُسُوفِ والخُسُوفِ فَغَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ؛ بَلِ العِلْمُ المُؤَدِّي لِبَعْضِ ما ذُكِرَ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، بَلْ إنْ كانَ عِلْمُ النُّجُومِ عِبارَةً عَنِ العِلْمِ الباحِثِ عَنِ النُّجُومِ بِاعْتِبارِ ما يَعْرِضُ لَها مِنَ المُقارَنَةِ والمُقابَلَةِ والتَّثْلِيثِ والتَّسْدِيسِ، وكَيْفِيَّةِ سَيْرِها ومِقْدارِ حَرَكاتِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُبْحَثُ عَنْهُ في الزِّيجِ، أوْ كانَ عِبارَةً عَمّا يَعُمُّ ذَلِكَ، والعِلْمُ الَّذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَعْرِفَةِ ارْتِفاعِ الكَوْكَبِ وانْخِفاضِهِ ومَعْرِفَةِ الماضِي مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ومَعْرِفَةِ الأطْوالِ والأعْراضِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَهُ عِلْمُ الأسْطُرْلابِ والرُّبْعِ المُجِيبِ ونَحْوِهِما، فَهو مِمّا لا أرى بَأْسًا في تَعَلُّمِهِ مُطْلَقًا وإنْ كانَ عِبارَةً عَنِ العِلْمِ الباحِثِ عَنْ أحْكامِها وتَأْثِيراتِها الَّتِي تَقْتَضِيها بِاعْتِبارِ أوْضاعِها وطَبائِعِها عَلى ما يَزْعُمُهُ الأحْكامِيُّونَ فَهَذا الَّذِي اخْتُلِفَ في أمْرِهِ؛ فَقالَ بَعْضُهم بِحُرْمَةِ تَعَلُّمِهِ لِحَدِيثِ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ السّابِقِ، والقائِلُ بِهَذا قائِلٌ بِحُرْمَةِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ، وهو أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ فِيها الإفْراطُ والتَّفْرِيطُ، ثانِيها أنَّهُ مَكْرُوهٌ، ثالِثُها أنَّهُ مُباحٌ، رابِعُها أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، خامِسُها أنَّهُ كَفْرٌ.

والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ؛ ولِأنَّ فِيهِ تَرْوِيجَ الباطِلِ وتَعْرِيضَ الجَهَلَةِ لِاعْتِقادِ أنَّ أحْكامَ النُّجُومِ المَعْرُوفَةِ بَيْنَ أهْلِها حَقٌّ، والكَواكِبَ مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها، وقِيلَ: يَحْرُمُ تَعَلُّمُهُ لِأنَّهُ مَنسُوخٌ، فَقَدْ قالَ الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ: كانَ عِلْمُ النُّجُومِ عِلْمًا نَبَوِيًّا فَنُسِخَ.

وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّهُ لا مَعْنى لِنَسْخِ العِلْمِ نَفْسِهِ، وإنْ حُمِلَ الكَلامُ عَلى مَعْنى: ”كانَ تَعَلُّمُهُ مُباحًا فَنُسِخَ ذَلِكَ إلى التَّحْرِيمِ“ كانَ في الِاسْتِدْلالِ مُصادَرَةٌ!

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حُرْمَةَ في تَعَلُّمِهِ؛ إنَّما الحُرْمَةُ في اعْتِقادِ صِحَّةِ الأحْكامِ وتَأْثِيراتِ الكَواكِبِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَقُولُهُ جَهَلَةُ الأحْكامِيِّينَ لا مُطْلَقًا، وأُجِيبَ عَنِ الخَبَرِ السّابِقِ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى تَعَلُّمِ شَيْءٍ مِن عِلْمِ النُّجُومِ عَلى وجْهِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ - اقْتَبَسَ- وذَلِكَ لا يَتِمُّ بِدُونِ اعْتِقادِ صِحَّةِ حُكْمِهِ وأنَّ الكَواكِبَ مُؤَثِّراتٌ، وتَعَلُّمُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ حَرامٌ وبِدُونِهِ مُباحٌ وفِيهِ بَحْثٌ.

وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّ الخَبَرَ فِيمَنِ ادَّعى عِلْمًا بِحُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ آخِذًا لَهُ مِنَ النُّجُومِ قائِلًا: الأمْرُ كَذا ولا بُدَّ لِأنَّ النَّجْمَ يَقْتَضِيهِ البَتَّةَ وهو لا شَكَّ في إثْمِهِ وحُرْمَةِ دَعْواهُ الَّتِي قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى كَذِبِها وهو كَما تَرى، وكَلامُ بَعْضِ أجِلَّةِ العُلَماءِ صَرِيحٌ في إباحَةِ تَعَلُّمِهِ مَتى اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى العادَةَ بِوُقُوعِ كَذا عِنْدَ حُلُولِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ مَنزِلَةَ كَذا مَثَلًا مَعَ جَوازِ التَّخَلُّفِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضٌ حُرْمَةَ التَّعَلُّمِ مُطْلَقًا مَتى كانَ فِيهِ إغْراءُ الجَهَلَةِ بِذَلِكَ العِلْمِ وإيقاعُهم في مَحْذُورِ اعْتِقادِ التَّأْثِيرِ، أوْ كانَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَفاسِدِ، وكَراهَتُهُ - إنْ سَلِمَ مِن ذَلِكَ - لِما فِيهِ مِن تَضْيِيعِ الأوْقاتِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ، ومَبْناهُ ظُنُونٌ وأوْهامٌ وتَخَيُّلاتٌ، ولا يَبْعُدُ القَوْلُ بِأنَّهُ يُباحُ لِلْعالَمِ الرّاسِخِ النَّظَرُ في كُتُبِهِ لِلِاطِّلاعِ عَلى ما قالُوا والوُقُوفِ عَلى مُناقَضاتِهِمْ واخْتِلافاتِهِمُ الَّتِي سَمِعْتَ بَعْضًا مِنها لِيُنَفِّرَ عَنْها النّاسَ ويَرُدَّ العاكِفِينَ عَلَيْها، كَما يُباحُ لَهُ النَّظَرُ في كُتُبِ سائِرِ أهْلِ الباطِلِ كاليَهُودِ والنَّصارى لِذَلِكَ؛ بَلْ لَوْ قِيلَ بِسُنِّيَّتِهِ لِهَذا الغَرَضِ لَمْ يَبْعُدْ؛ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّلَفَ الصّالِحَ لَمْ يَحُومُوا حَوْلَ شَيْءٍ مِنهُ بِسِوى ذَمِّهِ وذَمِّ أهْلِهِ، ولَمْ يَتَطَلَّبُوا كِتابًا مِن كُتُبِهِ لِيَنْظُرُوا فِيهِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ النَّظَرُ، ونِسْبَةُ خِلافِ ذَلِكَ إلى أحَدٍ مِنهم لا تَصِحُّ فالحَزْمُ اتِّباعُهم في ذَلِكَ وسُلُوكُ مَسْلَكِهِمْ فَهو لَعَمْرِي أقُومُ المَسالِكِ، وهَذا واعْتُرِضَ القَوْلُ بِاطِّلاعِهِ  عَلى ما ذُكِرَ مِن شَأْنِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ بِأنَّ فِيهِ فَتْحَ بابِ الشُّبْهَةِ في كَوْنِ إخْبارِهِ  بِالغُيُوبِ مِنَ الوَحْيِ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ مِن أحْكامِ النُّجُومِ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الشُّبْهَةَ إنَّما تَتَأتّى لَوْ ثَبَتَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَصَدَ - ولَوْ مَرَّةً - كَوْكَبًا مِنَ الكَواكِبِ وحَقَّقَ مَنزِلَتَهُ وأخْبَرَ بِغَيْبٍ إذْ مُجَرَّدُ العِلْمِ بِأنَّ لِكَوْكَبِ كَذا حُكْمَ كَذا إذا حَلَّ بِمَنزِلَةِ كَذا لا يُقَيَّدُ بِدُونِ مَعْرِفَةِ أنَّهُ حَلَّ في تِلْكَ المَنزِلَةِ، فَحَيْثُ لَمْ يُثْبِتُ أنَّهُ  فَعَلَ ذَلِكَ لا يَفْتَحُ بابَ الشُّبْهَةِ وفِيهِ بَحْثٌ ظاهِرٌ، وبِأنَّ عِلْمَهُ  بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأوْضاعُ عِنْدَ القائِلِينَ بِهِ لَيْسَ إلّا عَنْ وحْيٍ فَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى تِلْكَ الشُّبْهَةِ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ بِالغَيْبِ بِواسِطَةِ عِلْمِ أحْكامِ النُّجُومِ الَّذِي عَلِمَهُ بِالوَحْيِ وأيُّ خَلَلٍ يَحْصُلُ مِن هَذا في نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَلْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ تَسْتَدْعِي كَوْنَهُ نَبِيًّا كَما أنَّ عَدَمَها كَذَلِكَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَتى سُلِّمَ أنَّ لِلْأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ دَلالَةً عَلى الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ وأنَّهُ  يَعْلَمُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ يَقَعُ الِاشْتِباهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِن عُلَماءِ ذَلِكَ العِلْمِ المُخْبِرِينَ بِالغَيْبِ إذا وقَعَ كَما أخْبَرُوا، والتَّفْرِقَةُ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ دُونَ الغَيْرِ فَرْعُ كَوْنِهِ نَبِيًّا وهو أوَّلُ المَسْألَةِ، واخْتِيرَ في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ إخْبارَهُ  بِالغَيْبِ إنْ كانَ بَعْدَ ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ بِمُعْجِزٍ غَيْرِ ذَلِكَ لا تَتَأتّى الشُّبْهَةُ إنْ أفْهَمَ أنَّ خَبَرَهُ بِواسِطَةِ الوَحْيِ، ولا تَضِرُّ إنْ لَمْ يُفْهِمْ؛ إذْ غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ نَبِيٌّ لِظُهُورِ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ قَبْلَ أنْ أخْبَرَ بِغَيْبٍ بِواسِطَةِ وضْعٍ فَلَكِيٍّ وشارَكَهُ غَيْرُهُ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ قَبْلَ ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ بِمُعْجِزٍ غَيْرَهُ بِأنْ كانَ التَّحَدِّي بِذَلِكَ الخَبَرِ ووُقُوعِ ما أخْبَرَ بِهِ فالَّذِي يُدْفَعُ الشُّبْهَةَ حِينَئِذٍ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى المُعارَضَةِ، فَلا يَسْتَطِيعُ مُنَجِّمٌ أنْ يُخْبِرَ صادِقًا بِمِثْلِ ذَلِكَ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ بِالأوْضاعِ ومُقْتَضَياتِها فَتَدَبَّرْ!

ثُمَّ الظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في النُّقَباءِ والنُّجَباءِ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - اطِّلاعًا عَلى ذَلِكَ إذْ رُتْبَةُ النَّبِيِّ فَوْقَ رُتْبَةِ الوَلِيِّ وعِلْمُهُ فَوْقَ عِلْمِهِ إذْ هو الرَّكْنُ الأعْظَمُ في الفَضْلِ.

ولا حُجَّةَ في قِصَّةِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى خِلافِهِ، أمّا عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّةِ الخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى القَوْلِ بِوِلايَتِهِ وأنَّهُ فَعَلَ ما فَعَلَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ نَبِيٍّ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِوِلايَتِهِ وأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِعِلْمٍ أُوتِيَهُ بِلا واسِطَةِ نَبِيٍّ فَلِأنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى فِقْدانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - العِلْمَ بِتِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وعِلْمِ الخَضِرِ بِها، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الخَضِرُ أعْلَمَ مِنهُ مُطْلَقًا، وهو ظاهِرٌ، وعَلى هَذا جُوِّزَ إبْقاءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها فَيَكُونُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ نَظَرَ في النُّجُومِ حَسَبَما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ المَلَكُوتِ الأعْلى واسْتَدَلَّ عَلى أنَّهُ سَيَسْقَمُ بِما اسْتَدَلَّ، ولَعَلَّ نَظَرَهُ كانَ في طالِعِ الوَقْتِ أوْ نَحْوِهِ أوْ طالِعِ وِلادَتِهِ أوْ طالِعِ سُقُوطِ النُّطْفَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنها، والعِلْمُ بِهِ بِالوَحْيِ أوْ بِواسِطَةِ العِلْمِ بِطالِعِ الوِلادَةِ، والِاعْتِراضُ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَقْوِيَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ في أمْرِ النُّجُومِ - وارِدٌ أيْضًا عَلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى التَّعْرِيضِ، والجَوابُ هو الجَوابُ، هَذا وإذا أحَطْتَ خَبَرًا بِجَمِيعِ ما ذَكَرْتُ لَكَ في هَذا المَقامِ، فَأحْسِنِ التَّأمُّلَ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ النَّقْضِ والإبْرامِ!

وقَدْ جَمَعْتُ لَكَ ما لَمْ أعْلَمْ أنَّهُ جُمِعَ في تَفْسِيرٍ، ولا أُبَرِّئُ نَفْسِي عَنِ الخَطَأِ والسَّهْوِ والتَّقْصِيرِ واللَّهُ سُبْحانَهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ وبِيَدِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أزِمَّةُ التَّحْقِيقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ يعني: أضلّ إبليس قبلهم أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ يعني: من الأمم الخالية.

ولم يذكر إبليس لأن في الكلام دليلاً عليه، فاكتفى بالإشارة.

ومثل هذا كثير في القرآن.

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ يعني: رسلاً ينذرونهم كما أرسلناك إلى قومك، فكذبوهم بالعذاب كما كذبك قومك، فعذبهم الله تعالى في الدنيا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يعني: آخر أمر من أنذر فلم يؤمن إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يعني: الموحدين، المطيعين، فإنهم لم يعذبوا.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ يعني: دعا نوح ربه على قومه، وهو قوله: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر: 10] فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ يعني: نعم المجيب أنا وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ يعني: من الهول الشديد، وهو الغرق.

قوله: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ لأن الذي حمل معه من الناس ثمانون رجلاً وامرأة غرقوا كلهم، ولم يبق إلا ولده سام وحام ويافث قال الفقيه أبو الليث- رحمه الله-: حدثنا أبو جعفر.

قال: حدّثنا أبو القاسم الصفار بإسناده عن سمرة بن جندب.

قال: إن النبي  قال: «سَام أبُو العَرَبِ، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم» .

ثم قال تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ يعني: أبقينا عليه ذكراً حسناً في الباقين من الأمم، وهذا قول القتبي: وقال مقاتل: يعني: أثنينا على نوح بعد موته ثناء حسناً.

ثم قال عز وجل: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ يعني: السعادة والبركة على نوح من بين العالمين إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: هكذا نجزي كل من أحسن إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين بالتوحيد ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ يعني: قومه الكافرين.

قوله عز وجل: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ قال مقاتل: يعني: إبراهيم من شيعة نوح-  - وعلى ملته.

وقال الكلبي يعني: من شيعة محمد  إبراهيم، وعلى دينه، ومنهاجه.

وذكر عن الفراء أنه قال: هذا جائز.

وإن كان إبراهيم قبله كما قال: حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ [يس: 41] .

يعني: آباءهم ذريته الذين هو منهم.

قوله عز وجل: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يعني: إبراهيم دعا ربه بقلب سليم.

أي: خالص ويقال: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي: مخلص سليم من الشرك إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ يعني: إيش الذي تعبدون.

ويقال: معناه لماذا تعبدون هذه الأوثان؟.

قوله عز وجل: أَإِفْكاً آلِهَةً يعني: أكذباً آلهة دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ عبادتها فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ إذا عبدتم غيره، فما ظنّكُم به إذ لقيتموه؟

فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ قال مقاتل: يعني: في الكواكب.

ويقال: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ أي: في أمر النجوم.

ثم تفكر بالعين وبالقلب وذلك أنه رأى كوكباً قد طلع فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ أي: سأسقم.

ويقال: مطعوناً.

وهو قول سعيد بن جبير، والضحاك.

وقال القتبي: نظر في الحساب لأنه لو نظر إلى الكواكب لقال: نظر نظرة إلى النجوم.

وإنما يقال: نظر فيه إذا نظر في الحساب.

فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ أي: سأمرض غداً، وكانوا يتطيرون من المريض.

فلما سمعوا ذلك منه هربوا، فذلك قوله تعالى: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ قال الفقيه أبو الليث- رحمه الله- حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدّثنا خزيمة.

قال: حدّثنا عيسى بن إبراهيم.

قال: حدّثنا ابن وهب عن جرير بن حازم، عن أيوب السجستاني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: «لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمَ قَطُّ إلاَّ ثَلاثَ كَذِباتٍ، ثِنْتَانِ فِي ذَاتِ الله قوله: إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: 63] وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَّةَ، ذلك أنَّهُ قَدِمَ أرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَّةُ، وَكَانَتْ أحْسَنَ النِّسَاءِ فَقَالَ لَهَا: إنَّ هذا الجَبَّارَ إنْ عَلِمَ أنَّكِ امْرَأَةٌ، يَغْلِبنِي عَلَيْكِ.

فَإنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أنَّكِ أُخْتِي فِي الإسْلامِ، فإنِّي لا أعْلَمُ فِي الأرْضِ مُسْلِماً غَيْرِي وَغَيْرَكِ.

فَلّمَا دَخَلَ الأرْضَ، رَآهَا بَعْضُ أهْلِ الجَبَّارِ، فأتَاهُ.

فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ دَخَلَ الْيَوْمَ أرْضَكَ امْرَأَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ إلاَّ لَكَ؟

فَأَرْسَلَ إلَيْهَا.

فَأُتِي بِهَا.

فَقَامَ إبْرَاهِيمُ إلَى الصَّلاةِ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أنْ بَسَطَ يَدَهُ إلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدَهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً.

فَقَالَ لَهَا ادْعِي الله أنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلا أضُرُّكِ.

فَفَعَلَتْ.

فَعَادَ، فَقُبِضَتْ يَدُهُ أشَدَّ مِنَ القَبْضَةِ الأُولَى.

فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ.

فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أشَدَّ مِنَ القَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي الله أنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَكِ عَلَيَّ ألاَّ أضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، فَأُطْلِقَتْ يَدُهُ.

فَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ: إنَّكَ أتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بإنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أرْضِي، وَأعْطَاهَا هَاجَرَ، فَأقْبَلَتْ تَمْشِي حَتَّى جَاءَتْ إلَى إبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا رَآهَا إبْرَاهِيمُ انْصَرَفَ مِنَ الصَّلاةِ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ يَعْنِي مَا الخَبَرُ؟

فَقَالَتْ: خَيْراً كُفِيتُ الفَاجِرَ، وأخْدَمَنِي خَادِماً» .

فقال أبو هريرة: فتلك أمُّكم يا بني ماء السماء.

يعني: نسل العرب منها.

لأنه روي في الخبر أنها وهبت هاجر لإبراهيم، فولد منها إسماعيل.

ويقال: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ يعني: أعرضوا عنه ذاهبين إلى عيدهم.

قوله عز وجل: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ يعني: مال إلى أصنامهم.

ويقال: دخل بيوت الأصنام، فرأى بين أيديهم طعاماً فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ فلم يجيبوه، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ يعني: أقبل يضربهم بيمينه.

ويقال: يضربهم باليمين التي حلف، وهو قوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: 57] ويقال: بِالْيَمِينِ.

يعني: يضربهم بالقوة.

واليمين كناية عنها، لأن القوة في اليمين فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ يعني: يسرعون قالَ إبراهيم أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ بأيديكم من الأصنام.

قرأ حمزة: يُزِفون بضم الياء.

وقرأ الباقون: بالنصب.

فمن قرأ بالنصب فأصله من زفيف النعام، وهو ابتداء عدوه.

ومن قرأ بالضم أي: يصيروا إلى الزفيف، ويدخلون في الزفيف، وكلا القراءتين يرجع إلى معنى واحد، وهو الإسراع في المشي.

ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ يعني: وما تنحتون به بأيديكم من الأصنام.

ومعناه: تتركون عبادة من خلقكم، وخلق ما تعملون، وتعبدون غيره قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً يعني: أتوناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ يعني: في النار العظيمة فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً يعني: أرادوا حرقه وقتله فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ يعني: الآخرين.

ويقال: الأذلين.

وعلاهم إبراهيم فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى أهلكهم الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ قال ابنُ عبَّاسٍ وغيره: الضميرُ عائِدٌ على نوحٍ «١» ، والمعنى: في الدينِ والتَّوْحيدِ، وقَال الطبريُّ وغيره عن الفَرَّاءِ: الضميرُ عائِدٌ عَلى محمدٍ، والإشَارَةُ إليه.

وقوله: أَإِفْكاً استفهام بمعنى التقرير، أي: أكذبا ومحالا، آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ.

وقوله: فَما ظَنُّكُمْ تَوْبِيخٌ وتحذير وتوعّد.

وقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إليه فدعوا إبراهيم ع إلى الخروجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حينَئِذٍ، واعتَذَرَ بِالسُّقْمِ، وأرادَ البَقَاءَ لِيُخَالِفَهُمْ إلى الأصْنَامِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُّجُومِ كانَ عندَهم مَنْظُوراً فِيه مُسْتَعْمَلاً فأوْهَمَهُم هو من تلكَ الجهة، قالت فرقة: وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ من المعاريض الجائزة.

فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥)

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)

فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)

وقوله تعالى: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ «راغ» معناه: مَالَ.

وقوله: أَلا تَأْكُلُونَ هو على جِهَةِ الاسْتِهْزَاءِ بِعَبَدَةِ تلكَ الأصْنَامِ، ثم مَالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى ضَرْبِ/ تلك الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتَّى جَعَلَها جُذَاذاً، واخْتُلِفَ في معنى قوله: بِالْيَمِينِ فقال ابن عَبَّاس: أراد يمنى يَدَيْهِ «٢» ، وَقِيلَ: أرادَ بِقُوَّتِه لأنَّه كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ مَعاً بِالفَأْسِ، وقيل: أراد باليمينِ، القَسَمَ في قوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧] ، والضميرُ

في «أقبلوا» لكفّار قومه ويَزِفُّونَ معناه: يُسْرَعُونَ، واختلف المتأَوِّلُونَ في قوله: وَما تَعْمَلُونَ فَمَذْهَبُ جماعةٍ من المفسرين: أن «ما» مصدرية، والمعنى: أنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وأَعْمَالَكُمْ، وهذه الآيةُ عندهُمْ قَاعِدَةٌ في خَلْقِ اللَّهِ تعالى أفْعَالَ العِبَادِ وهو مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ «١» ، وقالت فرقة: «ما» بمعنى: الّذي، و «البنيان» قيل: كان في موضع إيقاد النار،

وقيل: بَلْ كَان لِلْمَنْجَنِيقِ الذي رُمِي عَنْه، والله أعلم.

وقوله: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي ...

الآية، قالتْ فرقة: كان قولُهُ هذا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النَّارِ، وأنَّه أَشَارَ بِذَهَابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِنْ [أَرْضِ] «١» بَابِلَ حَيْثُ كَانَتْ مملكةُ نُمْرُودَ، فَخَرَجَ إلى الشَّامِ، وقالت فِرْقَةٌ: قال هذه المقالةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ فِي النَّارِ وإنما أراد لِقَاءَ اللَّهِ لأنَّه ظَنَّ أنَّ النَّارَ سَيَمُوتُ فِيها، وقال: سَيَهْدِينِ أي: إلى الجَنَّةِ نَحَا إلى هذَا المعنى قتادةُ «٢» ، قال ع «٣» : وللعارفينَ بهذَا الذَّهَابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجَاجٌ في الصَّفَاءِ، وهُو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في إِنِّي ذاهِبٌ وحْدَهُ، والتأويلُ الأولُ أظْهِرَ في نَمَطِ الآيةِ، بما يأتي بَعْدُ لأنَّ الهدايةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُّعَاءُ في الوَلَدِ كذلك، ولاَ يَصِحُّ مَعَ ذَهَابِ المَوْتِ، وباقي الآيةِ تَقَدَّمَ قَصَصُهَا، وأَنَّ الراجحَ أنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إسْمَاعِيلُ، وذَكَرَ الطبريُّ «٤» أنَّ ابن عباس قال:

الذبيحُ، إِسماعيل «٥» ، وتَزْعُمُ اليهودُ أنَّهُ إسْحَاقُ، وكَذَبَتِ اليهُودُ، وذُكِرَ أيضاً أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العزيزِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَجُلاً يهوديًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسلامُه، فَقَال: الذَّبِيحُ هُوَ إسْمَاعِيلُ «٦» ، وإن اليهودَ لَتَعْلَمُ ذلكَ، ولكنهمْ يحسدونكم معشر العرب: أن تكون هذه

الآيَاتُ وَالْفَضْلُ وَاللَّهِ في أَبِيكُمْ، والسَّعْيُ في هذه الآيةِ: العَمَلُ والعبادةُ والمَعُونَةُ، قاله ابن عَبَّاسٍ «١» وغيرُهُ، وقال قتادةُ: السَعْيُ على القَدَمِ يريدُ سَعْيَاً مُتَمَكِّنِاً «٢» ، وهذا في المعنى نَحْوُ الأوَّلِ.

وقوله: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ ...

الآية، يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ رأى ذلِكَ بِعَيْنِهِ ورُؤيا الأنبياءِ وَحْيٌ، وعُيِّنَ لَهُ وقتُ الامْتِثَالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّه أُمِرَ في نومِه بِذَبْحِهِ، فَعبَّر عَنْ ذلكَ بقوله: إِنِّي أَرى أي: أرى ما يوجبُ أنْ أذْبَحَكَ، قال ابن العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» :

واعلم أن رُؤيا الأنبياءِ وَحْيٌ فَمَا أُلْقِيَ إليهم، ونَفَثَ بهِ المَلَكُ في رُوعِهِمْ، وضَرَبَ المثَلَ لَه عَلَيْهِم- فَهُو حَقٌّ ولذلكَ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا كُنْتُ أَظُنُّ أنَّهُ يُنْزلُ فِيَّ قُرْآنٌ يتلى، ولكني رَجَوْتُ أنْ يرى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا حقيقةَ الرُّؤيا، وأن البَارِيَ- تعالى- يَضْرِبُهَا مثَلاً للناسِ، فمنها أسماءٌ وكُنًى، ومنها رُؤْيَا تَخْرُج بِصِفَتِهَا، ومنها رُؤيا تَخْرُجُ بتأويلٍ، وهُوَ كُنْيَتُهَا.

ولما اسْتَسْلَمَ إبراهيمُ وولدُه إسماعيلُ- عليهما السلام- لقضاءِ اللَّهِ، أُعْطِيَ إبراهيمُ ذَبِيحاً فِدَاءً، وقيل له: هذا فداءُ وَلَدِكَ، فامْتَثِلْ فِيه مَا رَأَيْتَ فإنَّه حقيقةُ مَا خاطبناك/ فيه، وهُو كِنَايَةٌ لاَ اسم، وجَعَلَهُ مُصَدِّقاً للرؤيا بمبادَرةِ الامْتِثَال، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ ﴾ أيْ: مِن أهْلِ دِينِهِ ومِلَّتِهِ.

والهاءُ في "شِيعَتِهِ" عائِدَةٌ عَلى نُوحٍ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: تَعُودُ إلى مُحَمَّدٍ  ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ مِن شِيعَتِهِ، وهو قَبْلَهُ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ  ﴾ ، فَجَعَلَها ذُرِّيَّتَهم وقَدْ سَبَقَتْهُمْ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا فِيما مَضى [يس: ٤١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ جاءَ رَبَّهُ ﴾ أيْ: صَدَقَ اللَّهُ وآَمَنَ بِهِ ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وكُلُّ دَنَسٍ، وفِيهِ أقْوالٌ ذَكَرْناها في [الشُّعَراءِ: ٨٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماذا تَعْبُدُونَ ﴾ ؟

هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، كَأنَّهُ وبَّخَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

﴿ أإفْكًا ﴾ أيْ: أتَأْفِكُونَ إفْكًا وتَعْبُدُونَ آَلِهَةً سِوى اللَّهِ؟!

﴿ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ؟!

كَأنَّهُ قالَ: فَما ظَنُّكم أنْ يَصْنَعَ بِكُمْ؟

﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] نَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ، وكانَ القَوْمُ يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ، فَعامَلَهم مِن حَيْثُ هُمْ، وأراهم أنِّي أعْلَمُ مِن ذَلِكَ ما تَعْلَمُونَ، لِئَلّا يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: رَأى نَجْمًا طالِعًا، فَقالَ: إنِّي مَرِيضٌ غَدًا.

والثّانِي: أنَّهُ نَظَرَ إلى النُّجُومِ، لا في عِلْمِها.

فَإنْ قِيلَ: فَما كانَ مَقْصُودُهُ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ كانَ لَهم عِيدٌ، فَأرادَ التَّخَلُّفَ عَنْهم لِيَكِيدَ أصْناهُمْ، فاعْتَلَّ بِهَذا القَوْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: سَأسْقُمُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أعْلَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَمْتَحِنُهُ بِالسَّقَمِ إذا طَلَعَ نَجْمٌ يَعْرِفُهُ، فَلَمّا رَأى النَّجْمَ، عَلِمَ أنَّهُ سَيَسْقُمُ.

والثّانِي: أنِّي سَقِيمُ القَلْبِ عَلَيْكم إذْ تَكَهَّنْتُمْ بِنُجُومٍ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سَقَمٌ لِعِلَّةٍ عَرَضَتْ لَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّهُ خَرَجَ مَعَهم إلى يَوْمِ عِيدِهِمْ، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ أشْتَكِي رِجْلِي، ﴿ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ ﴾ أيْ: مالَ إلَيْها -وَكانُوا قَدْ جَعَلُوا بَيْنَ يَدَيْها طَعامًا لِتُبارِكَ فِيهِ عَلى زَعْمِهِمْ- ﴿ فَقالَ ﴾ إبْراهِيمُ اسْتِهْزاءً بِها ﴿ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ ؟

.

وَقَوْلُهُ: ﴿ ضَرْبًا بِاليَمِينِ ﴾ في اليَمِينِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّها اليَدُ اليُمْنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: بِاليَمِينِ الَّتِي سَبَقَتْ مِنهُ، وهي قَوْلُهُ: "وَتاللَّهِ لِأكِيدَنَّ أصْنامَكم " [الأنْبِياءِ: ٥٧]، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: "ضَرْبًا" مَصْدَرٌ؛ والمَعْنى: فَمالَ عَلى الأصْنامِ يَضْرِبُها ضَرْبًا بِاليَمِينِ؛ وإنَّما قالَ: "عَلَيْهِمْ"، وهي أصْنامٌ، لِأنَّهم جَعَلُوها بِمَنزِلَةِ ما يُمَيِّزُ.

﴿ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "يَزُفُّونَ" بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والضَّحّاكُ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَخْفِيفِ الفاءِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو نَهْيِكٍ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الزّايِ وتَخْفِيفِ الفاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: أعْرَبُ القِراءاتِ فَتْحُ الياءِ وتَشْدِيدُ الفاءِ، وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامِ، وهو ابْتِداءُ عَدُوُّ النَّعامِ، يُقالُ: زَفَّ النَّعامَ يَزِفُّ؛ وأمّا ضَمُّ الياءِ، فَمَعْناهُ: يَصِيرُونَ إلى الزَّفِيفِ، وأنْشَدُوا: [تَمَنّى حَصِينٌ أنْ يَسُودَ جِذاعَهُ] فَأضْحى حَصِينٌ قَدْ أذَلَّ وأقْهَرا أيْ: صارَ إلى القَهْرِ.

وأمّا كَسْرُ الزّايِ مَعَ تَخْفِيفِ الفاءِ، فَهو مِن: وزُفَّ يَزُفُّ، بِمَعْنى أسْرَعَ يُسْرِعُ، ولَمْ يَعْرِفْهُ الكِسائِيُّ ولا الفَرّاءُ، وعَرَفَهُ غَيْرُهُما.

قالَ المُفَسِّرُونَ: بَلَّغَهم ما صَنَعَ إبْراهِيمُ، فَأسْرَعُوا، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ، قالَ لَهم مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ: ﴿ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ﴾ بِأيْدِيكم ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ ﴾ ؟!، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في "ما" وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واللَّهُ خَلَقَكم و[عَمَلَكم.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، فَيَكُونُ المَعْنى: واللَّهُ خَلَقَكُمْ] وخَلْقَ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ بِأيْدِيكم مِنَ الأصْنامِ؛ وفي هَذِهِ الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ [لِلَّهِ] .

فَلَمّا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ ﴿ قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا ﴾ وقَدْ شَرَحْنا قِصَّتَهُ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٥٢ -٧٤]، وبَيَّنّا مَعْنى الجَحِيمِ في [البَقَرَةِ: ١١٩]، والكَيْدِ الَّذِي أرادُوا بِهِ: إحْراقَهُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ ﴾ أنَّ إبْراهِيمَ عَلاهم بِالحُجَّةِ حَيْثُ سَلَّمَهُ اللَّهُ مِن كَيْدِهِمْ وحَلَّ الهَلاكُ بِهِمْ.

﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمَ ﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ في هَذا الذِّهابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ذاهِبُ حَقِيقَةً، وفي وقْتِ قَوْلِهِ هَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حِينَ أرادَ هِجْرَةَ قَوْمِهِ؛ فالمَعْنى: إنِّي ذاهِبٌ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وجَلَّ ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي، وهو الشّامُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، قالَهُ سُلَيْمانُ بْنُ صُرَدٍ؛ فَعَلى هَذا، في المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ذاهِبٌ إلى اللَّهِ بِالمَوْتِ، سَيَهْدِينِ إلى الجَنَّةِ.

والثّانِي: [ذاهِبٌ] إلى ما قَضى [بِهِ] رَبِّي، سَيَهْدِينِ إلى الخَلاصِ مِنَ النّارِ.

والقَوْلُ الثّانِي: إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي بِقَلْبِي وعَمَلِي ونِيَّتِي، قالَهُ قَتادَةُ.

فَلَمّا قَدِمَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، سَألَ رَبَّهُ الوَلَدَ فَقالَ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: ولَدًا صالِحًا مِنَ الصّالِحِينَ، فاجْتَزَأ بِما ذَكَرَ عَمّا تَرَكَ، ومِثْلُهُ: ﴿ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ  ﴾ ، فاسْتَجابَ لَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ.

والثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ.

قالَ الزَّجّاجُ.

هَذِهِ البِشارَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُبَشَّرٌ بِابْنٍ ذِكْرٍ، وأنَّهُ يَبْقى حَتّى يَنْتَهِيَ في السِّنِّ ويُوَصَفُ بِالحِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ ﴾ ﴿ إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ ﴾ ﴿ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ ﴾ ﴿ فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شِيعَتِهِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ  ، والإشارَةُ إلَيْهِ.

وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ ﴾ ، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟

ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ.

﴿ فَما ظَنُّكُمْ ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ.

واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً.

وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ.

وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مفرع على جملة ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ [الصافات: 85] تفريع قصص بعطف بعضها على بعض.

والمقصود من هذه الجمل المتعاطفة بالفاءات هو الإِفضاء إلى قوله ﴿ فَراغَ إلى آلهتهم ﴾ وأما ما قبلها فتمهيد لها وبيان كيفية تمكنه من أصنامهم وكسرها ليظهر لعبدتها عجزها.

وقال ابن كثير في «تفسيره» «قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم، يعني قتادة: أنه نظر إلى السماء متفكراً فيما يُلهيهم به» ا ه.

وفي «تفسير القرطبي» عن الخليل والمبرد: يقال للرجل إذا فكر في شيء يدبره: نظر في النجوم، أي أنه نظر في النجوم، مما جرى مجرى المثل في التعبير عن التفكير لأن المتفكر يرفع بصره إلى السماء لئلا يشتغل بالمرئيات فيخلو بفكره للتدبر فلا يكون المراد أنه نظر في النجوم وهي طالعة ليلاً بل المراد أنه نظر للسماء التي هي قرار النجوم وذكر النجوم جرى على المعروف من كلامهم.

وجنح الحسن إلى تأويل معنى النجوم بالمصدر أنه نظر فيما نجم له من الرأي، يعني أن النجوم مصدر نجَم بمعنى ظهر.

وعن ثعلب: نظر هنا تفكر فيما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم ليدبر حجة.

والمعنى: ففكر في حيلة يخلو له بها بدّ أصنامهم فقال: ﴿ إني سقيمٌ ﴾ ليلزم مكانه ويفارقوه فلا يريهم بقاؤه حول بدّهم ثم يتمكن من إبطال معبوداتهم بالفعل.

والوجه: أن التعقيب الذي أفادته الفاء من قوله: ﴿ فنظَرَ ﴾ تعقيب عرفي، أي لكل شيء نحسبه فيفيد كلاماً مطوياً يشير إلى قصة إبراهيم التي قال فيها: ﴿ إني سقيم ﴾ والتي تفرع عليها قوله تعالى: ﴿ فراغ إلى أهله ﴾ [الذاريات: 26] الخ.

وتقييد النظرة بصيغة المرة في قوله: ﴿ نظرةً ﴾ إيماء إلى أن الله ألهمه المكيدة وأرشده إلى الحجة كما قال تعالى: ﴿ ولقد آتينا إبراهيم رشده ﴾ [الأنبياء: 51].

وقوله: ﴿ إني سقيمٌ ﴾ عذر انتحله ليتركوه فيخلو ببيت الأصنام ليخلص إليها عن كثب فلا يجد من يدفعه عن الإيقاع بها.

وليس في القرآن ولا في السنة بيان لهذا لأنه غني عن البيان.

وذكر المفسرون أنه اعتذر عن خروجه مع قومه من المدينة في يوم عيد يخرجون فيه فزعم أنه مريض لا يستطيع الخروج فافترض إبراهيم خروجهم ليخلو ببدّ الأصنام وهو الملائم لقوله: والسقيم: صفة مشبهة وهو المريض كما تقدم في قوله: ﴿ بقلبٍ سليمٍ ﴾ [الصافات: 84].

يقال: سَقِم بوزن مرِض، ومصدره السَّقم بالتحريك، فيقال: سقام وسقم بوزن قُفْل.

والتولي: الإِعراض والمفارقة.

لم ينطق إبراهيم فإن النجوم دلته على أنه سقيم ولكنه لما جعل قوله: ﴿ إني سقيمٌ ﴾ مقارناً لنظره في النجوم أوهم قومه أنه عرف ذلك من دلالة النجوم حسب أوهامهم.

و ﴿ مُدبرينَ ﴾ حال، أي ولَّوه أدبارهم، أي: ظهورهم.

والمعنى: ذهبوا وخلفوه وراء ظهورهم بحيث لا ينظرونه.

وقد قيل: إن ﴿ مُدْبرينَ ﴾ حال مؤكدة وهو من التوكيد الملازم لفعل التولي غالباً لدفع توهّم أنه تولّي مخالفة وكراهة دون انتقال.

وما وقع في التفاسير في معنى نظره في النجوم وفي تعيين سقمه المزعوم كلام لا يمتع بين موازين المفهوم، وليس في الآية ما يدل على أن للنجوم دلالة على حدوث شيء من حوادث الأمم ولا الأشخاص ومن يزعم ذلك فقد ضلّ ديناً، واختل نظراً وتخميناً.

وقد دوّنوا كذباً كثِيراً في ذلك وسموه علم أحكام الفلك أو النجوم.

وقد ظهر من نظم الآية أن قوله: ﴿ إني سقيمٌ ﴾ لم يكن مرضاً ولذلك جاء الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاثَ كَذَبات اثنتين منهن في ذات الله عزّ وجلّ " قوله: ﴿ إني سقيم، ﴾ وقوله: ﴿ بل فعله كبيرهم هذا ﴾ [الأنبياء: 63]، وبينَا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة فسأله عن سارة فقال: «هي أختي» الحديث، فورد عليه إشكال من نسبة الكذب إلى نبيء.

ودفع الإِشكال: أن تسمية هذا الكلام كذباً منظور فيه إلى ما يُفهمه أو يعطيه ظاهر الكلام وما هو بالكذب الصراح بل هو من المعاريض، أي أني مثل السقيم في التخلف عن الخروج، أو في التألم من كفرهم وأن قوله: «هي أختي» أراد أخوّةَ الإِيمان، وأنه أراد التهكم في قوله: ﴿ بل فعله كبيرهم هذا ﴾ [الأنبياء: 63] لظهور قرينة أن مراده التغليط.

وهذه الأجوبة لا تدفع إشكالاً يتوجه على تسمية النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام بأنه كذبات.

وجوابه عندي: أنه لم يكن في لغة قوم إبراهيم التشبيه البليغ، ولا المجازُ، ولا التهكّم، فكان ذلك عند قومه كذباً وأن الله أذِن له فعل ذلك وأعلمه بتأويله كما أذن لأيوب أن يأخذ ضغثاً من عِصيّ فيضرب به ضربةً واحدة ليُبرّ قسَمَه إذ لم تكن الكفارة مشروعة في دين أيوب عليه السلام.

وفعل «راغ» معناه: حاد عن الشيء، ومصدره الرَّوغ والروغان، وقد أطلق هنا على الذهاب إلى أصنامهم مخاتلة لهم ولأجل الإِشارة إلى تضمينه معنى الذهاب عدّي ب ﴿ إلى ﴾ .

وإطلاق الآلهة على الأصنام مراعىً فيه اعتقاد عبدتها بقرينة إضافتها إلى ضميرهم، أي إلى الآلهة المزعومة لهم.

ومخاطبة إبراهيم تلك الأصنام بقوله: ﴿ ألا تأكلونُ ما لكم لا تَنطقونَ ﴾ وهو في حال خلوة بها وعلى غير مسمع من عَبَدَتِها قصد به أن يثير في نفسه غضباً عليها إذ زعموا لها الإلهية ليزداد قوة عزم على كسرها.

فليس خطاب إبراهيم للأصنام مستعملاً في حقيقته ولكنه مستعمل في لازمه وهو تذكرُّ كذب الذين ألَّهوها والذين سَدَنوا لها وزعموا أنها تأكل الطعام الذي يضعونه بين يديها ويزعمون أنها تكلمهم وتخبرهم.

ولذلك عقب هذا الخطاب بقوله: ﴿ فراغَ عليهم ضرباً باليمينِ.

﴾ وقد استعمل فعل (راغ) هنا مضمّناً معنى (أقبل) من جهة مائلة عن الأصنام لأنه كان مستقبلها ثم أخذ يضربها ذات اليمين وذات الشمال نظير قوله تعالى: ﴿ فيميلون عليكم ﴾ [النساء: 102].

وانتصب ﴿ ضَرْباً باليمين ﴾ على الحال من ضمير ﴿ فراغَ ﴾ أي ضارباً.

وتقييد الضرب باليمين لتأكيد ﴿ ضَرْباً ﴾ أي ضرباً قوياً، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ [الحاقة: 45] وقول الشماخ: إذا ما رايةٌ رُفعت لمجد *** تَلقَّاها عَرابَةُ باليمين فلما علموا بما فعل إبراهيم بأصنامهم أرسلوا إليه من يُحضره في ملئِهم حول أصنامهم كما هو مفصّل في سورة الأنبياء وأجمل هنا.

فالتعقيب في قوله: ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ تعقيب نسبي وجاءه المرسلون إليه مسرعين ﴿ يزفون ﴾ أي يعْدون، والزَّف: الإِسراع في الجري، ومنه زفيف النعامة وزفها وهو عَدْوها الأول حين تنطلق.

وقرأ الجمهور ﴿ يَزِفُّونَ ﴾ بفتح الياء وكسر الزاي على أنه مضارع زفّ.

وقرأه حمزة وخلف بضم الياء وكسر الزاي، على أنه مضارع أزفّ، أي شرعوا في الزفيف، فالهمزة ليست للتعدية بل للدخول في الفعل، مثل قولهم: أَدنف، أي صار في حال الدنف، وهو راجع إلى كون الهمزة للصيرورة.

وجملة ﴿ قال أتعبدون ما تَنْحِتون ﴾ استئناف بيانيّ لأن إقبال القوم إلى إبراهيم بحالة تنذر بحنقهم وإرادة البطش به يثير في نفس السامع تساؤلاً عن حال إبراهيم في تلقّيه بأولئك وهو فاقد للنصير معرَّض للنكال فيكون ﴿ قال أتعبدون ما تنحتون ﴾ جواباً وبياناً لما يسأل عنه، وذلك منبئ عن رباطة جأش إبراهيم إذ لم يتلق القوم بالاعتذار ولا بالاختفاء، ولكنه لقِيهم بالتهكّم بهم إذ قال: ﴿ بل فعله كبيرهم ﴾ هذا كما في سورة [الأنبياء: 63].

ثم أنحى عليهم باللائمة والتوبيخ وتسفيه أحْلامهم إذ بلغوا من السخافة أن يعبدوا صوراً نحتوها بأيديهم أو نحتها أسلافهم، فإسناد النحت إلى المخاطبين من قبيل إسناد الفعل إلى القبيلة إذا فعله بعضها كقولهم: بَنو أسد قتلوا حُجْر بنَ عَمْرو أبا امرئ القيس.

والنحت: بري العُود ليصير في شكل يُراد، فإن كانت الأصنام من الخشب فإطلاق النحت حقيقة، وإن كانت من حجارة كما قيل، فإطلاق النحت على نقشها وتصويرها مجاز.

والاستفهام إنكاري والإِتيان بالموصول والصلة لما تشتمل عليه الصلة من تسلط فعلهم على معبوداتهم، أي أن شأن المعبود أن يكون فاعلاً لا منفعلاً، فمن المنكر أن تعبدوا أصناماً أنتم نحتموها وكان الشأن أن تكون أقلّ منكم.

والواو في ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ واو الحال، أي أتيتم منكراً إذ عبدتم ما تصنعونه بأيديكم والحال أن الله خلقكم وما تعملون وأنتم مُعرِضون عن عبادته، أو وأنتم مشركون معه في العبادة مخلوقاتتٍ دونكم.

والحال مستعملة في التعجيب لأن في الكلام حذفاً بعد واو الحال إذ التقدير: ولا تعبدون الله وهو خلقكم وخلق ما نحتموه.

و ﴿ ما ﴾ موصولة و ﴿ تَعملُونَ ﴾ صلة الموصول، والرابط محذوف على الطريقة الكثيرة، أي وما تعملونها.

ومعنى ﴿ تعملون ﴾ تنحتون.

وإنما عدل عن إعادة فعل ﴿ تنحتون ﴾ لكراهية تكرير الكلمة فلما تقدّم لفظ ﴿ تَنْحِتُونَ ﴾ علم أن المراد ب ﴿ ما تعملون ﴾ ذلك المعمول الخاص وهو المعمول للنحت لأن العمل أعمّ.

يقال: عملت قميصاً وعملتُ خاتماً.

وفي حديث صنع المنبر «أرسل رسوُل الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار أنْ مُري غلامك النجّارَ يعمَلْ لي أعواداً أُكلّم عليها الناس» وخلق الله إياها ظاهر، وخلقه ما يعملونها: هو خلق المادة التي تصنع منها من حجر أو خشب، ولذلك جمع بين إسناد الخلق إلى الله بواو العطف، وإسنادِ العمل إليهم بإسناد فعل {تعملُونَ.

وقد احتج الأشاعرة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بهذه الآية على أن تكون ما} مصدرية أو تكون موصولة، على أن المراد: ما تعملونه من الأعمال.

وهو تمسك ضعيف لما في الآية من الاحتمالين ولأن المقام يرجح المعنى الذي ذكرناه إذ هو في مقام المحاجّة بأن الأصنام أنفسها مخلوقة لله فالأولى المصير إلى أدلة أخرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ رَأى نَجْمًا طالِعًا، فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّ لَهُ إلَهًا خالِقًا، فَكانَ هَذا نَظَرَهُ في النُّجُومِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

الثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ مِن كَلامِ العَرَبِ إذا تَفَكَّرَ الرَّجُلُ في أمْرِهِ قالُوا قَدْ نَظَرَ في النُّجُومِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ نَظَرَ فِيما نَجَمَ مِن قَوْلِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

الرّابِعُ: أنَّ عِلْمَ النُّجُومِ كانَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَلَمّا حَبَسَ اللَّهُ تَعالى الشَّمْسَ عَلى يُوشَعِ بْنِ نُونٍ أبْطَلَ ذَلِكَ، فَنَظَرُ إبْراهِيمَ فِيها [كانَ] عِلْمًا نَبَوِيًّا، قالَهُ ابْنُ عائِشَةَ.

وَحَكى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ عِلْمَ النُّجُومِ كانَ باقِيًا إلى زَمَنِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ في مُوَضْعٍ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَقالَتْ لَهم مَرْيَمُ مِن أيْنَ عَلِمْتُمْ مَوْضِعَهُ؟

قالُوا: مِنَ النُّجُومِ، فَدَعا رَبَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقالَ: اللَّهُمَّ فَوَهِّمْهم في عِلْمِها فَلا يَعْلَمُ عِلْمَ النُّجُومِ أحَدٌ، فَصارَ حُكْمُها في الشَّرْعِ مَحْظُورًا وعِلْمُها في النّاسِ مَجْهُولًا.

قالَ الكَلْبِيُّ وكانُوا بِقَرْيَةٍ بَيْنَ البَصْرَةِ والكُوفَةِ يُقالُ لَها هُرْمُزْجَرْدُ وكانُوا يَنْظُرُونَ في النُّجُومِ.

﴿ فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِها عَلى وقْتِ حُمّى كانَتْ تَأْتِيهِ.

الثّانِي: سَقِيمٌ بِما في عُنُقِي مِنَ المَوْتِ.

الثّالِثُ: سَقِيمٌ بِما أرى مِن قُبْحِ أفْعالِكم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

الرّابِعُ: سَقِيمٌ لِشَكِّهِ.

الخامِسُ: لِعِلْمِهِ بِأنَّ لَهُ إلَهًا خالِقًا مَعْبُودًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

السّادِسُ: لِعِلَّةٍ عَرَضَتْ لَهُ.

السّابِعُ: أنَّ مَلِكَهم أرْسَلَ إلَيْهِ أنَّ غَدًا عِيدُنا فاخْرُجْ، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ فَقالَ: إنَّ ذا النَّجْمَ لَمْ يَطْلُعْ قَطُّ إلّا طَلَعَ بِسَقَمِي، فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كابَدَ نَبِيُّ اللَّهِ عَنْ دِينِهِ فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ.

وَقالَ سُفْيانُ: كانُوا يَفِرُّونَ مِنَ المَطْعُونِ فَأرادَ أنْ يَخْلُوَ بِآلِهَتِهِمْ فَقالَ: إنِّي سَقِيمٌ أيْ طَعِينٌ وهَذِهِ خَطِيئَتُهُ الَّتِي قالَ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ غَيْرَ ثَلاثٍ: ثِنْتَيْنِ في ذاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَوْلُهُ إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَةَ هي أُخْتِي"» .

﴿ فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذَهَبَ إلَيْهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مالَ إلَيْهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: صالَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الرّابِعُ: أقْبَلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وقُطْرُبٌ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ المَعْنَيَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.

﴿ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الثّانِي: أنَّهُ وجَدَهم حِينَ خَرَجُوا إلى عِيدِهِمْ قَدْ صَنَعُوا لِآلِهَتِهِمْ طَعامًا لِتُبارِكَ لَهم فِيهِ فَلِذَلِكَ قالَ لِلْأصْنامِ وإنْ كانَتْ لا تَعْقِلُ عَنْهُ الكَلامَ احْتِجاجًا عَلى جَهْلِ مَن عَبَدَها.

وَتَنْبِيهًا عَلى عَجْزِها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ ما لَكم لا تَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَدُهُ اليُمْنى.

قالَهُ الضَّحّاكُ، لِأنَّها أقْوى والضَّرْبُ بِها أشَدُّ.

الثّانِي: بِاليَمِينِ الَّتِي حَلَفَها حِينَ قالَ ﴿ وَتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ ﴾ حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: يَعْنِي بِالقُوَّةِ، وقُوَّةُ النُّبُوَّةِ أشَدُّ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.

﴿ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَخْرُجُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَسْعَوْنَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: يَتَسَلَّلُونَ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: يَرْعِدُونَ غَضَبًا، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الخامِسُ: يَخْتالُونَ وهو مَشْيُ الخُيَلاءِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، ومِنهُ أخْذُ زِفافِ العَرُوسِ إلى زَوْجِها، وقالَ الفَرَزْدَقُ: وجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ خَلَقَكم وخَلَقَ عَمَلَكم.

الثّانِي: خَلَقَكم وخَلَقَ الأصْنامَ الَّتِي عَمِلْتُمُوها.

﴿ فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا ﴾ يَعْنِي إحْراقَهُ بِالنّارِ الَّتِي أوْقَدُوها لَهُ.

﴿ فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الأسْفَلِينَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: الأسْفَلِينَ في دَحْضِ الحُجَّةِ، قالَ قَتادَةُ: فَما ناظَرُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى أُهْلِكُوا.

الثّالِثُ: يَعْنِي المُهْلَكِينَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَلاكِهِمْ.

الرّابِعُ: المَقْهُورِينَ لِخَلاصِ إبْراهِيمَ مِن كَيْدِهِمْ.

قالَ كَعْبٌ: فَما انْتَفَعَ بِالنّارِ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ مِنَ النّاسِ وما أحْرَقَتْ مِنهُ يَوْمَئِذٍ إلّا وثاقَهُ.

وَرَوَتْ أُمُّ سُبابَةَ الأنْصارِيَّةُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  حَدَّثَها «أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ كانَتِ الدَّوابُّ كُلُّها تُطْفِئُ عَنْهُ النّارَ إلّا الوَزَغَةَ فَإنَّها كانَتْ تَنْفُخُ عَلَيْها فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِقَتْلِها.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ﴾ قال: أجابه الله تعالى.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في بيتي، فمر بهذه الآية ﴿ ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ﴾ قال: «صدقت ربنا، أنت أقرب من دعي، وأقرب من يعطي، فنعم المدعي، ونعم المعطي، ونعم المسؤول، ونعم المولى، وأنت ربنا، ونعم النصير» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ﴾ قال: من غرق الطوفان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ قال: فالناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ قال: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ يقول: لم يبق إلا ذرية نوح عليه السلام ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ يقول: يذكر بخير.

وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ قال: سام، وحام، ويافث.

وأخرج ابن سعد وأحمد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن سمرة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم» .

وأخرج البزار وابن أبي حاتم والخطيب في تالي التلخيص عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث.

فولد سام العرب، وفارس، والروم، والخير فيهم.

وولد يافث يأجوج ومأجوج، والترك، والصقالبة، ولا خير فيهم.

وأما ولد حام القبط، والبربر، والسودان» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ قال: «ولد نوح ثلاثة: فسام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم» .

وأخرج الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه.

أن نوحاً عليه السلام اغتسل، فرأى ابنه ينظر إليه فقال: تنظر إلي وأنا أغتسل؟

حار الله لونك.

فاسود فهو أبو السودان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ قال: لسان صدق للأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ قال: هو السلام كما قال: ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ .

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ قال: الثناء الحسن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن من شيعته ﴾ قال: من أهل ذريته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن من شيعته لإِبراهيم ﴾ قال: من شيعة نوح إبراهيم.

على منهاجه وسننه ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ قال: ليس فيه شك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن من شيعته لإِبراهيم ﴾ قال: على دينه ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ من الشرك ﴿ أئفكا آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين ﴾ إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ فنظر نظرة في النجوم ﴾ قال: رأى نجماً طالعاً فقال: ﴿ إني سقيم ﴾ قال كايديني في النجوم قال: كلمة من كلام العرب، يقول الله عز دينه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فنظر نظرة في النجوم ﴾ قال: كلمة من كلام العرب، يقول إذا تفكر؛ نظر في النجوم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فنظر نظرة في النجوم ﴾ قال: في السماء ﴿ فقال إني سقيم ﴾ قال: مطعون.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ قال: مريض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ قال: مطعون.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ قال: مطعون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ قال: طعين، وكانوا يفرون من المطعون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: أرسل إليه ملكهم فقال: إن غدا عيدنا فاخرج قال: فنظر إلى نجم فقال: إن ذا النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي ﴿ فتولوا عنه مدبرين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فتولوا عنه مدبرين ﴾ قال: فنكصوا عنه منطلقين ﴿ فراغ ﴾ قال: فمال ﴿ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ﴾ يستنطقهم منطلقين ﴿ ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضرباً باليمين ﴾ أي فاقبل عليهم فكسرهم ﴿ فأقبلوا إليه يزفون ﴾ قال: يسعون ﴿ قال أتعبدون ما تنحتون ﴾ من الأصنام ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ قال: خلقكم وخلق ما تعملون بأيديكم ﴿ فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين ﴾ قال: فما ناظرهم الله بعد ذلك حتى أهلكهم ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي ﴾ قال: ذاهب بعمله، وقلبه، ونيته.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: خرج قوم إبراهيم عليه السلام إلى عيد لهم، وأرادوا إبراهيم عليه السلام على الخروج، فاضطجع على ظهره و ﴿ قال: إني سقيم ﴾ لا أستطيع الخروج، وجعل ينظر إلى السماء، فلما خرجوا أقبل على آلهتهم فكسرها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فأقبلوا إليه يزفون ﴾ قال: يجرون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فأقبلوا إليه يزفون ﴾ قال: ينسلون.

والزفيف النسلان.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يزفون ﴾ قال: يسعون.

وأخرج البخاري في خلق أفعال العباد والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله صانع كل صانع وصنعته.

وتلا عند ذلك ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ قال: فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعن حطباً لإِبراهيم، فلما جمعوا له، وأكثروا من الحطب حتى إن كانت الطير لتمر بها، فتحترق من شدة وهجها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء، والأرض، والجبال، والملائكة، إبراهيم يحرق فيك فقال: أنا أعلم به، وإن دعاكم فاغيثوه، وقال إبراهيم عليه السلام حين رفع رأسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض ولد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل فناداها ﴿ يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ [ الأنبياء: 69] .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ قال: حين هاجر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ قال: ولداً صالحاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: بولادة إسحاق عليه السلام.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: بشر بإسحاق قال: ولم يثن الله بالحلم على أحد إلا على إبراهيم، وإسحاق عليهما السلام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: هو إسماعيل عليه السلام قال: وبشره الله بنبوة إسحاق بعد ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق الزهري عن القاسم رضي الله عنه في قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما هو إسحاق عليه السلام، وكان ذلك بمنى.

وقال كعب رضي الله عنه: هو إسحاق عليه السلام، وكان ذلك ببيت المقدس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: إسماعيل عليه السلام.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: هو إسحاق عليه السلام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبيد بن عمير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: هو إسحاق عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ روي أن قومه كان لهم عيد يخرجون إليه فدعوه إلى الخروج معهم، فحينئذ قال: إن سقيم ليمتنع عن الخروج معهم، فيكسر أصنامهم إذا خرجوا ليعدهم وفي تأويل ذلك ثلاثة أقوال: الأول أنها كانت تأخذه الحمى في وقت معلوم، فنظر في النجوم ليرى وقت الحمى، واعتذر عن الخروج لأنه سقيم من الحمى، والثاني أن قومه كانوا منجمين وكان هو يعلم أحكام النجوم فأوهمهم أنه استدل بالنظر في علم النجوم أنه يسقم، فاعتذر بما يخاف من السقم عن الخروج معهم والثالث أن معنى نظر في النجوم أنه نظر وفكر فيما يكون من أمره معهم فقال: إني سقيم والنجوم على هذا ما ينجم من حاله معهم، وليست بنجوم السماء، وهذا بعيد وقوله: إني سقيم على حسب هذه الأقوال يحتمل أن يكون حقاً لا كذب فيه، ولا تجوّز أصلاً، ويعارض هذا ما ورد «عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات» ، أحدها: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ ويحتمل أن يكون كذبا صراحاً، وجاز له ذلك لهذا الاحتمال، لأنه فعل ذلك من أجل الله إذ قصد كسر الأصنام، ويحتمل أن يكون من المعارضين، فإن أراد أنه سقيم فيما يستقبل، لأن كل إنسان لابد له أن يمرض، أو أراد أنه سقيم النفس من كفرهم وتكذبيهم له، وهذان التأويلان أولى، لأن نفي الكذب بالجملة معارض للحديث، والكذب الصراح لا يجوز على الأنبياء، عند أهل التحقيق، أما المعاريض فهي جائزة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة.

الباقون: بفتح الياء ﴿ إني أرى ﴾ ﴿ إني أذبحك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابو عمرو.

﴿ وترى ﴾ بضم التاء وكسر الراء: علي وخلف وحمزة.

﴿ ستجدني ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وإن إلياس ﴾ موصولاً كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بكسر الهمزة ﴿ الله ربكم ورب ﴾ بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

الباقون: برفعها على الابتداء والخبر.

﴿ آل ياسين ﴾ ابن عامر ونافع ورويس.

الآخرون ﴿ إلياسين ﴾ كأنه جمع إلياس ﴿ لكاذبون اصطفى ﴾ موصلاً والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ورش الباقون: بفتحها في الحالين.

الوقوف: ﴿ لإبراهيم ﴾ ه ط لأن التقدير "واذكر".

وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف ﴿ سليم ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تريدون ﴾ ه ط لاستفهام آخر ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ في النجوم ﴾ ه لا للفاء واتحاد المعنى ﴿ سقيم ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ج للاستفهام مع الاتحاد كما مر ﴿ لا تنطقون ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه ﴿ يزفون ﴾ ه ﴿ تنحتون ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في الجحيم ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ماذا ترى ﴾ ط ﴿ ما تؤمر ﴾ ز للسين مع اتصال المقول ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ للجبين ﴾ ه ج لاحتمال أن الواو مقحمة ﴿ وناديناه ﴾ جواب "لما"، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه لا ﴿ الرؤيا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وهارون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ العظيم ﴾ ه ج لذلك ﴿ الغالبين ﴾ ه لا ﴿ المستبين ﴾ ه ج ﴿ المستقيم ﴾ ه ج ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ وهارون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصوداً فلهذا لم يكن الوقف لازماً.

﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الخالقين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالنصب ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ لمحضرون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ الياسين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه لا ﴿ وبالليل ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ المدحضين ﴾ ه ج لحق المحذوف مع الفاء ﴿ مليم ﴾ ه ﴿ من المسبحين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ سقيم ﴾ ه ج ﴿ يقطين ﴾ ه ج ﴿ أو يزيدون ﴾ ه ط ﴿ إلى حين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ شاهدون ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ ولد الله ﴾ لا تعجيلاً لتكذيبهم ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ البنين ﴾ ه ط لابتداء استفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ج لأن "أم" تصلح استئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعجيل أمر التعجيز ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ نسباً ﴾ ط ﴿ لمحضرون ﴾ ه لا لتعلق الاستثناء و ﴿ سبحان الله ﴾ معترض ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ بفاتنين ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ الصافون ﴾ ه ج للعطف مع الاتفاق ﴿ المسبحون ﴾ ه ج ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ من الأوّلين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولاً للكلمة ﴿ المنصورون ﴾ ه ص لعطف الجملتين المفقتين ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا للعطف ولشدة اتصال المعنى ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ عما يصفون ﴾ ه ج لعطف جملتين مختلفتين ﴿ المرسلين ﴾ ه ج للابتداء بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: الضمير في ﴿ شيعته ﴾ يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحاً على أصول الدين أو على التصلب في الدين.

وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً والأوّل لتقدّم ذكر نوح.

ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.

ومعنى ﴿ جاء ربه ﴾ أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له.

والقلب السليم قد مرّ في "الشعراء".

ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد.

ومعنى ﴿ ماذا تعبدون ﴾ أي شيء تعبدونه كقوله في "الشعراء" ﴿ وما تعبدون  ﴾ سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله ﴿ أئفكاً ﴾ هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل.

ويجوز أن يكون ﴿ إفكاً ﴾ حالاً معنى أو مفعولاً به ﴿ آلهة ﴾ بدل منه على أنها إفك في أنفسها.

﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ حتى جعلتم الجمادات أنداداً له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته.

وفي قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قولان: الأوّل أنه صدر منه كذباً لمصلحة رأى فيه، ولما جاء في الحديث "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعلهم كبيرهم ﴾ وقوله لسارة إنها أختي" وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء.

والثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة.

وأما الحديث فنسبه الراوي إلى الكذب أولى من نسبة نبي الله إلى ذلك.

وفي التوجيه وجوه: الأوّل إن النظر في النجوم يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه  خص كل واحد من الكواكب بقوّة وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا نيفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقماً كالحمى الثابتة، أو أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولا داء أعي منه.

الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ إلى آخر الآية.

أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة.

وقوله ﴿ إني سقيم ﴾ أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم النفس لكفركم.

الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحرياً منها ما فيه شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به.

وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذراً أحسن من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله  ﴿ فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم ﴾ ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها مراوغاً قومه من روغان الثعلب.

وقيل: راغ بقوله ﴿ إني سقيم ﴾ حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم.

وقوله ﴿ ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون ﴾ استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه.

وقيل: وضع الطعام ليبارك فيه.

وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق.

وإنما جاء في هذه السورة ﴿ فقال ألا تأكلون ﴾ بالفاء وفي "الذاريات" ﴿ قال ألا تأكلون ﴾ بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، وفي الذاريات" يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون فقال ألا تأكلون.

﴿ فراغ عليهم ﴾ عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا كان بطريق العنف والقهر وهذا كما يقال في المحبوب: مال إليه.

وفي المكروه: مال عليه.

وقوله ﴿ ضرباً ﴾ مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي بضرب ضرباً أو ضارباً.

ومعنى ﴿ باليمين ﴾ اي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو باقوّة مجازاً، أو بسبب الحلف وهو قوله ﴿ تالله لأكيدن أصنامكم ﴾ ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ أي إلى إبراهيم ﴿ يزفون ﴾ بمشون على سرعة.

وزفيف النعامة ابتداء عدوها.

ومن قرأ بضم الياء فإما لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعدٍ والمفعول محذوف أي يزفون دوابهم أو بعضهم بعضاً وقد مر نظيره في التوبة في قوله ﴿ ولأوضعوا خلالكم  ﴾ قال بعض الطاعنين، قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم.

وقوله في "الأنبياء" ﴿ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم  ﴾ دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض.

وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه.

على أن قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر.

وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم فـ ﴿ ـقال أتعبدون ما تنحتون ﴾ وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً لي صار بسبب تصرفي فيه معبوداً لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور الأشاعرة بقوله ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم.

وزيف بأن "ما" موصولة لتناسب قرينتها في قوله ﴿ ما تنحتون ﴾ وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم.

والصحيح أن الآية كقوله ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن  ﴾ أي فطر الأصنام: ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء و ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً ﴾ قال ابن عباس: بنوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون.

وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه ناراً وألقوه فيها.

والجحيم النار العظيمة.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فأرادوا ﴾ كقوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا  ﴾ كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ناراً وألقوه فنجيناه منها.

وقد صح أنهم أرادوا به كيداً ﴿ فجعلناهم الأسفلين ﴾ الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ الأسفلين ﴾ لأنه ذكر أنهم بنوا بنياناً عالياً فكان ذكر السفل في طباقه أنسب.

ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ إني مهاجر إلى ربي  ﴾ وإنما حكم بقوله ﴿ سيهدين ﴾ ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتماداً على فضل الله أو عرف ذلك بالوحي.

وحين هاجر إلى الرض المقدسة أراد الولد فقال ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ والله  بين استجابته بقوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وصف الغلام بالعلم في سورة الحجر وبالحلم ههنا.

فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه يكون حليماً، وأيّ حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه بالحلوم كما وصف به إبراهيم في قوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ .

وقيل: العليم إسحق لقوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة  ﴾ والحليم إسماعيل.

ثم حكى حديث ذبحه قائلاً ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ أي قوي على أن يمشي مع أبيه في حوائجه.

والظرف بيان كأنه قال أوّلاً ﴿ فلما بلغ السعي ﴾ فقيل: مع من؟

فأجيب مع أبيه.

ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدّم عليه ولا بقوله ﴿ بلغ ﴾ لأنهما لم يبلغا معاً حد السعي - والمعنى في اختصاص الأب إخراج الكلام مخرج الأغلب.

وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته.

يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع وفي طاعة الله.

اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل لقوله  "أنا ابن الذبيحين" فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله.

وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحداً منهم تقرباً، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد اتلله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها وسن الدية مائة.

وفي رواية أن أعرابياً قال للنبي  "يا ابن الذبيحين".

فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده.

فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه بمائة من الإبل.

حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت ابا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك؟

ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة.

وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله ﴿ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين  ﴾ وهو صبره على الذبح في قوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ووصفه بصدق الوعد ﴿ إنه كان صادق الوعد  ﴾ وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح فوفى به.

أخرى: ﴿ ومن وراء إسحق يعقوب  ﴾ فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه.

أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ ثم إنه ذكر عقيبة قصة الذبح.

وأيضاً قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ يجب أن يكون غير قوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وإلا لزم التكرار.

حجة أخرى: ان قرني الكبش كانا ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج.

وعن علي وابن مسعود وكعب الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما روي أن النبي  سئل اي النسب أشرف؟

فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.

وأجابوا عن قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ أنه بشر بغلام أوّلاً ثم بنبوته ثانياً.

وايضاً صرح بالمبشر به في قوله ﴿ فبشرناه بإسحق  ﴾ وفي قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ فيحمل عليه المبهم في قوله ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ وأيضاً لا نسلم أن البشارة بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتباراً بقراءة من قرأ ﴿ يعقوب  ﴾ بالرفع.

وأيضاً أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ هو مهاجرته إلى الشام ثم قال ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة.

وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح.

ويتفرع على اختلاف المفسرين في الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى أن الذبح كان بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا ان الذبح كان بالشام وخصه بعضهم ببيت المقدس.

إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله ﴿ يا بني إني أرى في المنام ﴾ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا الأنبياء وحي ثانٍ فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أني ناجٍ من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك.

ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه.

قال بعض المفسرين: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروّي في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية.

فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر.

وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له: أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي.

ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا تبصر من رأيك وتدبيرك.

وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ذلك ﴿ قال يا أبت افعل ما تؤمر ﴾ أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير.

اي أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: ﴿ فلما اسلما ﴾ أي انقادا وخضعا لأمر الله.

قال قتادة: اسلم هذا ابنه وهذا نفسه.

﴿ وتله ﴾ أي صرعه.

واللام في ﴿ للجبين ﴾ كهي في قوله ﴿ ويخرون للأذقان  ﴾ والجبين أحد جانبي الجبهة.

وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال له اذبحني وأنا ساجد.

يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا اضطرب واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك واسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون اسهل.

فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله.

ثم اقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إليّ حتى لا تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله.

قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ذلك من الثواب والثناء، وقد اشير إلى جميع ذلك بقوله ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا ﴾ الأمر الذي قد وقع ﴿ لهو البلاء المبين ﴾ الذي يتميز فيه المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه.

يروى أنه لما وصل موضع السجود منه الأرض جاء الفرج.

وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين وونودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا.

فنظر فإذا جبرائيل  معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه وذلك قوله  ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه،.

والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن.

وقوله ﴿ عظيم ﴾ أي سمين ضخم الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي.

قال  "استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" .

والاستشراف جعلها شريفة وكريمة.

وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً.

وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل.

وقيل: سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله  فداء عن ولد خليله.

وقيل: وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله.

وعن الحسن: أنه وعل أهبط عليه من ثبير.

وقال السدّي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم  فذبحه وخلى ابنه.

استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور وقته.

وقالت المعتزلة.

وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه  أمر إبراهيم في المنام بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر.

سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءاً فجزءاً فلهذا قيل له ﴿ قد صدّقت الرؤيا ﴾ .

والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلاً من عدم وقوع الذبح في الظاهر ولهذا قال ﴿ وفديناه ﴾ .

بإسناد الفداء إلى ذاته  .

والحق أن نسخ الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على الانقياد والطاعة أم لا.

وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف وتكريم ووضع سنة مؤكدة.

وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي.

وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر.

فقال الولد الذبيح: لا إله إلا الله واله أكبر.

فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد.

فبقي سنة.

قوله ﴿ وتركنا ﴾ إلى قوله ﴿ المؤمنين ﴾ قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل ههنا ﴿ في العالمين ﴾ اكتفاء بما علم في قصة نوح.

ولم يقل ههنا ﴿ إنا كذلك ﴾ بل اقتصر على ﴿ كذلك ﴾ لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض.

قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحق بعد إسماعيل.

ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوّته وقد كان بشر بمولده.

قوله ﴿ نبياً من الصالحين ﴾ كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدراً وعالماً وحاكماً بأنه نبي صالح.

وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه حال مقدرة من إسحق.

وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل.

﴿ وباركنا عليه ﴾ قيل: أي على الغلام المبشر به.

قيل: على إبراهيم: ﴿ وعلى إسحق ﴾ اي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا.

ومن جملة ذلك ما روي أنه أخرج من صلب غسحق ألفي نبي أوّلهم يعقوب وآخرهم عيسى وهم المشار إليهم بقوله ﴿ ومن ذريتهما محسن ﴾ ويعلم من قوله ﴿ وظالم لنفسه ﴾ أن البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب.

وأما قصة موسى فلا خفاء بها.

والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه.

وقيل: الغرق.

والضمير في ﴿ نصرناهم ﴾ لها ولقومهما.

والمستبين البليغ في بيانه وهو التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ.

والصراط المستقيم دين الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل.

وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون.

وقيل: هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم.

و"إذ" ظرف لمحذوف أي اذكر يا محمد لقومك ﴿ إذ قال لقومه ألا تتقون ﴾ الله.

قال الكلبي.

أي ألا تخافون عبادة غير الله.

وحين خوّفهم مجملاً ذكر سببه فقال ﴿ أتدعون ﴾ أي أتعبدون ﴿ بعلاً ﴾ وهم اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعاً وله اربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس.

قال الإمام فخر الدين الرازي  : لو جوّزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحاً في كثير من المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل.

قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوّة بمعجزات أخر.

وقيل: البعل الرب بلغة اليمن.

والمعنى أتبعدون بعض البعول وتتركون عبادة أحسن الخالقين.

ثم بين أجزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب غداً.

وباقي القصة ظاهر إلا قوله ﴿ إلياسين ﴾ فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي سلام على أهل ياسين.

وقيل: آل ياسين آل محمد  .

وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: سلام على من آمن بكتاب الله.

والوجه الأوّل هو أنسب الأقوال.

ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: أراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة.

وقيل: إنه لغة في إلياس.

قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا ههنا.

حكى الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان فيهم ملك يقال له "أحب" وله امرأة يقال لها "إزبيل" وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله  فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف.

فجاء فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟

فرمى إلياس إليه بكسائه من الجوّ وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل.

ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً.

وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من بني آدم.

وكان الحسن يقول: قد هلك إليا والخضر ولا نقول كما يقول الناس.

وقصة لوط مذكورة مراراً.

ومعنى ﴿ مصبحين وبالليل ﴾ أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشأم فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره.

وقصة يونس أيضاً مما سبق ذكرها، وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي  قال بعضهم: إنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله  .

فالإباق وهو هرب العبد من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله ﴿ وإن يونس لمن المرسلين ﴾ مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان الإرسال من الله  .

وأما الجواب عن إباقة فقد مر في قوله ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضباً  ﴾ قوله ﴿ المشحون ﴾ كالعلة لقوله ﴿ فساهم ﴾ والمساهمة المقارعة.

يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا.

قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة.

يروى أنه حين غضب على قومه خرج من بينهم حتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما رناه من غير ريح ولا سبب ظاهر.

وقد يزعم أهل البحر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس.

فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله.

ثم عادوا ثانياً وثالثاً فخرج سهمه فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى نفسه إلى الماء.

﴿ فالتقمه الحوت ﴾ أي ابتلعه كاللقمة ﴿ وهو مليم ﴾ داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم.

أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قيل: أي من المصلين.

قيل: أي من المصلين.

عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء.

وقيل: من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات.

والأظهر أن المراد منه ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ .

والضمير في ﴿ يبعثون ﴾ للخلائق بالقيرنة وقوله ﴿ للبث ﴾ في أقوال: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث.

والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه.

والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه.

واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن الحسن أنه لم يلبث إلا قليلاً.

وقيل: ثلاثة ايام.

وعن عطاء: سبعة.

وعن الضحاك: عشرون.

وقال الكلبي: أربعون.

روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً راسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.

عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال "سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة.

فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح.

قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل" وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له.

قال المبرد والزجاج: هو "يفعيل" من قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده وقيل لرسول الله  : إنك لتحب القرع.

قال: أجل هي شجرة أخي يونس.

قال الواحدي: في الآية دلالة أوّلاً على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته الله لأجله.

والآخر أن اليقطين كان قائماً بحيث يحصل له ظل.

قلت: الثاني مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم.

وقيل: هي التين.

وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى من ثمارها.

وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها.

وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعاً فأوحى إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه.

وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و"أو" في قوله ﴿ أو يزيدون ﴾ ليست للشك وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر.

ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث المعنى كأنه قيل: وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون.

وقيل: التقدير وأرسلناه إلى مائة ألف وارسلناه إلى قوم ثزيدون في الإيهام.

وكم الزائد؟

قيل: ثلاثون ألفاً.

عن ابن عباس.

وقيل: بضعة وثلاثون.

وقيل: بضعة وأربعون.

وقيل: سبعون.

وجاء مرفوعاً عشرون الفاً.

ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه يبقى فيهم مدة كما قال ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ هو انقضاء آجالهم.

وقيل: القيامة وقد مر.

ثم عطف قوله ﴿ فاستفتهم ﴾ على مثله في أول السورة.

والوجه فيه أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلاً بعضه ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله  قائلين الملائكة بنات الله مع كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين.

وحين استفتاهم على سبيل التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون حساً أو خبراً أو نظراً.

أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ﴾ وأما الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعاً وهؤلاء كذابون أفاكون وأشار إليه بقوله ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ﴾ وأما النظر فمفقود أياضً وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده لأنه  أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك قوله ﴿ أَصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون ﴾ من قرا اصطفى بفتح الهمزة فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة.

الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم وهو قوله ﴿ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  ﴾ وقوله ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من صفته الاحتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسباً لا يجوز عليه صفات الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله ﴿ إنهم لمحضرون ﴾ للكفرة.

والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون.

وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون بيزدان واهر من كما مر في "الأنعام" في قوله ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين.

روى عكرمة أنهم قالوا: سروات الجن بنات الرحمن.

وقال الكلبي: زعموا أن الله  تزوّج إلى الجن فخرج منها الملائكة.

والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة.

قال جار الله: الاستثناء في قوله ﴿ إلا عباد الله ﴾ منقطع معناه إنهم لمحضرون ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه.

وجوّز أن يكون الاستثناء من الضمير في ﴿ يصفون ﴾ اي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن من وصفه بما لا ينبغي.

وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بيّن أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق في علم الله بأنه من أهل النار.

وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.

وجوز جار الله أن تكون الواو في ﴿ وما تعبدون ﴾ بمعنى "مع" وجاز السكوت على ﴿ تعبدون ﴾ كما في قولهم "كل رجل وضيعته".

ثم قال ﴿ ما أنتم عليه ﴾ أي على ما تعبدون ﴿ بفاتنين إلا من هو صال ﴾ مثلكم.

وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن يكون قوله ﴿ سبحان الله ﴾ إلى قوله ﴿ المسبحون ﴾ من كلام الملائكة والمعنى: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين.

وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه إلا من كان مثلكم ممن علم الله عز وجل لكفرهم أنهم أهل النار.

وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السروة ونحن المسبحون وقال في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلا طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب درجتهم من درجة الملك فضلاً عن دعوى الأفضلية؟

قلت: لا شك أن هذا التركيب يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم.

وقيل: هذه الآيات من قول رسول الله  أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله.

ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه.

ثم حكى أن مشركي قريش ﴿ كانوا يقولون لو أن عندنا ذكراً ﴾ أي كتاباً من جملة كتب الأوّلين اي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف لأخلصنا العبادة لله.

وإن مخففة واللام فارقة ﴿ فكفروا به ﴾ الفاء للربط أي فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به ﴿ فسوف يعلمون ﴾ وخامة عاقبة التكذيب.

وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقول محمد  لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه.

ثم بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلاً وآجلاً، والأول أكثريّ والثاني تحقيق يقيني.

ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلاً ﴿ فتوّل عنهم ﴾ أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر.

عن السدي: أو إلى الموت والقيامة.

﴿ وأبصرهم ﴾ وما يقضى عليهم من السر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة فسوف يبصرونك وما يؤل غليه أمرك من النصر والثواب في الدارين.

وفي هذا الأمر تنفيس عن النبي  وتسلية له كأن الحالة الموعودة قدام عينيه قرباً وتحققاً.

و ﴿ سوف ﴾ في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه.

وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعدما أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشنّ الغارة عليهم.

وقيل: نزل في فتح مكة.

وعن أنس: لما أتى رسول الله  خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس.

ورجعوا إلى حصنهم فقال  : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم.

واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس.

وإنما ثنى وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية.

والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، وأطلق الفعل الثاني ايضاً اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة.

واعلم أن السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني.

ومعنى ﴿ رب العزة ﴾ كقوله ﴿ قل اللهم مالك الملك  ﴾ والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه.

عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ولكن كلام الله.

والظاهر أن قوله ﴿ عما يصفون ﴾ يتعلق ﴿ بسبحان ﴾ كما في قوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء من تحقيق هذه الحالة في آخر يس.

قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ عن علي  : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس ﴿ سبحان ربك رب العزة ﴾ إلى آخر السورة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ﴾ .

أي: إبراهيم -  - من شيعة نبينا محمد  يقول على دينه ومنهاجه.

وقال بعضهم: من شيعة نوح، أي: إبراهيم من شيعة نوح - عليهما السلام - على ما تقدم ذكر نوح - عليه الصلاة والسلام - حيث قال: ﴿ نَادَانَا نُوحٌ...

﴾ إلى آخر ذلك أن إبراهيم من شيعته على دينه ومنهاجه.

وقيل: لذكرها ﴿ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ : عن جميع ما يمنعه من الإجابة لربه فيما دعاه، والصبر على ما امتحنه وابتلاه، والله أعلم.

وعلى ذلك سماه الله - عز وجل - في كتابه الكريم: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ  ﴾ جميع ما أمر به وامتحن به، والله أعلم.

وجائز أن يكون ذلك في الآخرة يقول: ﴿ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ  ﴾ أخبر أنه في الآخرة يكون من الصالحين وذلك سلامة قلبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ ﴾ .

قد اختلف سؤال إبراهيم - صلوات الله عليه - بقوله مرة: قال لهم ﴿ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾ ، ثم ذكر في غير هذا الموضع إجابتهم إياه حيث قالوا: ﴿ نَعْبُدُ أَصْنَاماً  ﴾ ، وما قالوا: ﴿ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ  ﴾ ، ولم يذكر هاهنا شيئاً قالوه له، ثم معلوم أنه لا بهذا اللسان أجابوه بما أجابوه، ثم ذكره على اختلاف الألفاظ والحروف ليعلم أن تغيير الحروف والألفاظ لا يغير المعنى، وكذلك جميع القصص التي ذكرت في القرآن يذكرها مكررة معادة مختلفة الألفاظ والحروف والقصة واحدة؛ ليدل أن المأخوذ والمقصود من الكلام معناه لا لفظه وحروفه، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: إفكا أي: كذباً تمسككم بالأصنام التي تعبدونها من دونه، يقول: كذباً ذلك، ليست بآلهة دون الله [و]عبادته.

أو يقول: إفكا، أي: كذباً الآلهة التي اتخذتموها آلهة دون الله، يريدون أن يتخذوا آلهة وهو قريب [من] الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: فما ظنكم برب العالمين أن يفعل بكم إذا اتخذتم دونه آلهة، وصرفتم العبادة والشكر عنه إلى من دونه، وقد تعلمون أنه هو المنعم عليكم هذه [النعم] وهو أسدى إليكم هذا الإحسان وهو  أداها إليكم.

أو يقول: فما ظنكم برب العالمين أنه يرحمكم ويفعل بكم خيراً في الآخرة بعد تسميتكم الأصنام: آلهة، وعبادتكم إياها دون الله، بعد علمكم: أنه هو خالقكم، وهو سخر لكم جميع ما في الدنيا وهو أنشأها لكم، فما تظنون به أن يفعل بكم: أن يرحمكم ويسوق إليكم خيراً؟!

أي: لا تظنوا به ذلك، ولكن ظنوا جزاء صنيعكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ .

أي: سأسقم، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ  ﴾ للحال؛ فعلى ذلك قول إبراهيم  -: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ أي: سأسقم.

أو يقول: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ وهو صادق؛ إذ ليس من الخلق أحد إلا وبه سقم ومرض وإن قل، فعلى ذلك قول إبراهيم،  .

وقول من قال: إن إبراهيم -  - كذب ثلاثاً: أحدها: هذا ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ فذلك وحش من القول سمج، لا جائز أن ينسب الكذب إلى رسول الله  وهو من أنبيائه لا يقع قط في وجه من الوجوه، ويذكر أهل التأويل أن قومه أرادوا أن يخرجوا بإبراهيم إلى عيدهم، فنظر إبراهيم نظرة في النجوم فقال: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ ليخلفوه ويتركوه؛ ليكسر أصنامهم التي يعبدونها على ما فعل من الكسر والنحت، ويذكرون أنه إنما نظر في النجوم؛ لأن قومه كانوا يعملون بالنجوم ويستعملونها وعلم النجوم، فإن كان ذلك، فهو - والله أعلم - أراد أن يرى من نفسه الموافقة لهم ليلزمهم الحجة عند ذلك وهو ما ذكر في قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي  ﴾ و ﴿ هَـٰذَآ أَكْبَرُ  ﴾ ونحوه، قال ذلك على إظهار الموافقة لهم من نفسه؛ ليكون إلزام الحجة عليهم والصرف عما هم عليه أهون وأيسر؛ إذ هكذا الأمر بالمعروف في الخلق أن من أراد أن يصرف آخر عن مذهب أو دين أنه إذا أظهر من نفسه الموافقة له [كان ذلك أهون عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ ﴾ ] عليهم ضرباً باليمين أي: ضربهم ضرباً باليمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ .

أي: فراغ إلى ما اتخذوا هم، وسموها آلهة، ذكرها على ما عندهم وعلى ما اتخذوها هم وإلا لم يكونوا آلهة، وكذلك قول موسى: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ أي: انظر إلى إلهك الذي هو عندك، وإلا لم يكن هو إلهاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ﴾ .

كأن طعاماً [كان] موضوعاً بين يديها؛ لذلك قال: ألا تأكلون؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ ﴾ .

بحوائجكم، أو يشبه أن يكون قوله: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ ﴾ : أنه من فعل بها ما فعل؛ كقوله: ﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ  قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ عمن فعل بهم هذا، سفه قومه في عبادتهم الأصنام، وهي لا تأكل ولا تنطق ولا تملك دفع من قصد بها ضررا، فكيف تطمعون شفاعتها لكم في الآخرة وهي لا تملك ما ذكر؟!

والله أعلم؛ وهو كقوله: ﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ  أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ .

أي: مال ورجع عليهم.

وقوله: ﴿ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ضرباً مألوفاً ليمينه التي كانت منه حيث قال: ﴿ وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ بالقوة، وقد يعبر باليمين عن القوة كما يعبر باليد عن القوة.

وقال بعضهم: ﴿ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ ، أي: بيده اليمنى نفسها، على ما يعمل المرء أكثر أعماله باليمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ .

ظاهر هذا أنهم أقبلوا إليه وقت ما كسرها وفعل بها ما فعل، لكن في آية أخرى ما يدل أن إقبالهم إليه كان بعد ما خرج من عندها وغاب وكان بعد ذلك بزمان؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ * قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ...

﴾ الآية [الأنبياء: 59-60]، ولو كانوا أقبلوا إليه مزفين وهو عندها حاضر لم يحتاجوا إلى أن يقولوا: ﴿ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ  ﴾ ، بل يقولون: إن إبراهيم فعل ذلك بها، ولا كان لقول إبراهيم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ  ﴾ معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَزِفُّونَ ﴾ .

قال بعضهم: يمشون إليه.

وقال بعضهم: يسرعون؛ وهو قول أبي عوسجة.

وأصل التزفيف: كأنه المشي فيه سرعة، على ما يسرع المرء في المشي إذا أصابه شيء أو فعل به أمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴾ .

يسفههم بعبادتهم ما ينحتون بأيديهم ويتخذونها بأنفسهم، على علم منهم أنها لا تملك نفعاً ولا ضرّاً، والذي نحتها أولى بالعبادة له [أي:] أولى بأن يعبد - إن كان يجوز العبادة لمن دونه - من ذلك المنحوت؛ إذ هو يملك شيئاً من النفع والضر والمنحوت لا، فإذا لم تعبدوا الناحت لها والمتخذ وهو أقرب وأنفع، فكيف تعبدون ذلك المنحوت الذي لا يملك شيئاً وتركتم عبادة الذي خلقكم وخلق أعمالكم؟!

ثم من أصحابنا من احتج على المعتزلة بهذه الآية في خلق أفعال العباد؛ يقولون: أخبر -  - عن خلق أنفسهم وعن خلق أعمالهم حيث قال: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .

لكنهم يقولون: ليس فيه دلالة خلق أفعالهم؛ ألا ترى أنه قال  : ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴾ وهم لا يعبدون النحت إنما يعبدون ذلك المنحوت؛ فعلى ذلك لم يخلق أفعالهم وأعمالهم، ولكن خلق ذلك المعمول نفسه، والله أعلم.

لكن الاحتجاج عليهم من وجه آخر في ذلك كأنه أقرب وأولى وهو أن صير ذلك المعمول خلقا لله  بقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ؛ لأنهم إنما يعبدون ذلك المعمول [وهو] مخلوق لله دل أن عملهم الذي عملوا به مخلوق؛ لذلك قلنا: إن فيه دلالة خلق أعمالهم، والله أعلم.

وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ  ﴾ إنما صار التواب والمتطهر محبوباً لحبه التوبة والتطهر، وصار المعتدي غير محبوب لبغضه الاعتداء، فعلى ذلك المعمول صار مخلوقاً بخلقه عمله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً ﴾ .

كأنه قال بعضهم لبعض: ابنوا له بنياناً ليجمع فيه الحطب فتعظم فيه النار فيصير جحيماً، ثم ألقوا إبراهيم في الجحيم، والجحيم قد ذكرنا أنه معظم النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ ﴾ .

أي: هالكين، يقولون: ما تأخر الله بعد ذلك حتى أهلكهم.

ويشبه أن يكون ما ذكرنا والله أعلم، فإذا أرادوا إهلاك إبراهيم -  - فصاروا من الهالكين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فقال متعللًا عن الخروج مع قومه إلى عيدهم: إني مريض.

<div class="verse-tafsir" id="91.kxmvw"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله