الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٤٦ من سورة الزمر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٦ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر من المذمة ، لهم في حبهم الشرك ، ونفرتهم عن التوحيد ( قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ) أي : ادع أنت الله وحده لا شريك له ، الذي خلق السماوات والأرض وفطرها ، أي : جعلها على غير مثال سبق ، ( عالم الغيب والشهادة ) أي : السر والعلانية ، ( أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون ) أي : في دنياهم ، ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم ، وقيامهم من قبورهم .
وقال مسلم في صحيحه : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا عمر بن يونس ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال : سألت عائشة [ - رضي الله عنها - ] بأي شيء كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح صلاته إذا قام من الليل ؟
قالت : كان إذا قام من الليل افتتح صلاته : " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، وأخبرنا سهيل بن أبي صالح وعبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من قال : اللهم فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، وأن محمدا عبدك ورسولك ، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير ، وإني لا أثق إلا برحمتك ، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد ، إلا قال الله - عز وجل - لملائكته يوم القيامة : إن عبدي قد عهد إلي عهدا فأوفوه إياه ، فيدخله الله الجنة " .
قال سهيل : فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن أن عونا أخبر بكذا وكذا ؟
فقال : ما في أهلنا جارية إلا وهي تقول هذا في خدرها .
انفرد به الإمام أحمد .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني حيي بن عبد الله ; أن أبا عبد الرحمن حدثه قال : أخرج لنا عبد الله بن عمرو قرطاسا وقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا يقول : " اللهم فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت رب كل شيء ، وإله كل شيء ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، وحدك لا شريك لك ، وأن محمدا عبدك ورسولك ، والملائكة يشهدون ، أعوذ بك من الشيطان وشركه ، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي إثما ، أو أجره إلى مسلم " .
قال أبو عبد الرحمن : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمه عبد الله بن عمرو أن يقول ذلك حين يريد أن ينام .
تفرد به أحمد أيضا .
وقال [ الإمام ] أحمد أيضا : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا ابن عياش ، عن محمد بن زياد الألهاني ، عن أبي راشد الحبراني قال : أتيت عبد الله بن عمرو فقلت له : حدثنا ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فألقى بين يدي صحيفة فقال : هذا ما كتب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظرت فيها فإذا فيها أن أبا بكر الصديق قال : يا رسول الله ، علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت .
فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا أبا بكر ، قل اللهم فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، لا إله إلا أنت ، رب كل شي ومليكه ، أعوذ بك من شر نفسي ، وشر الشيطان وشركه ، أو أقترف على نفسي سوءا ، أو أجره إلى مسلم " .
ورواه الترمذي ، عن الحسن بن عرفة ، عن إسماعيل بن عياش ، به ، وقال : حسن غريب من هذا الوجه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، حدثنا شيبان ، عن ليث ، عن مجاهد قال : قال أبو بكر الصديق : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت ، وإذا أخذت مضجعي من الليل : " اللهم فاطر السماوات والأرض " إلى آخره .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد, الله خالق السموات والأرض ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) الذي لا تراه الأبصار, ولا تحسه العيون والشهادة الذي تشهده أبصار خلقه, وتراه أعينهم ( أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ ) فتفصل بينهم بالحق يوم تجمعهم لفصل القضاء بينهم ( فِيمَا كَانُوا فِيهِ ) في الدنيا( يَخْتَلِفُونَ ) من القول فيك, وفي عظمتك وسلطانك, وغير ذلك من اختلافهم بينهم, فتقضي يومئذ بيننا وبين هؤلاء المشركين الذين إذا ذكرت وحدك اشمأزّت قلوبهم, إذا ذكر مَنْ دونك استبشروا بالحقّ.
وبنحو ذلك قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) فاطر: قال خالق.
وفي قوله ( عَالِمُ الْغَيْبِ ) قال: ما غاب عن العباد فهو يعلمه,( وَالشَّهَادَةِ ) : ما عرف العباد وشهدوا, فهو يعلمه.
قوله تعالى : قل اللهم فاطر السماوات والأرض نصب لأنه نداء مضاف ، وكذا عالم الغيب ولا يجوز عند سيبويه أن يكون نعتا .
أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون وفي صحيح مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال : سألت عائشة رضي الله عنها : بأي شيء كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتح صلاته إذا قام من الليل ؟
قالت : كان إذا قام من الليل افتتح صلاته : اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون [ ص: 237 ] اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ولما بلغ الربيع بن خيثم قتل الحسين بن علي - رضي الله عنهم قرأ : قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون .
وقال سعيد بن جبير : إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه ، قوله تعالى : قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون .
ولهذا قال { قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: خالقهما ومدبرهما.
{ عَالِمَ الْغَيْبِ } الذي غاب عن أبصارنا وعلمنا { وَالشَّهَادَةِ } الذي نشاهده.{ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } وإن من أعظم الاختلاف اختلاف الموحدين المخلصين القائلين: إن ما هم عليه هو الحق، وإن لهم الحسنى في الآخرة دون غيرهم، والمشركين الذين اتخذوا من دونك الأنداد والأوثان، وسووا فيك من لا يسوى شيئا، وتنقصوك غاية التنقص، واستبشروا عند ذكر آلهتهم، واشمأزوا عند ذكرك، وزعموا مع هذا أنهم على الحق وغيرهم على الباطل، وأن لهم الحسنى.قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } وقد أخبرنا بالفصل بينهم بعدها بقوله: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } إلى أن قال: { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } وقال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } ففي هذه الآية، بيان عموم خلقه تعالى وعموم علمه، وعموم حكمه بين عباده،.فقدرته التي نشأت عنها المخلوقات، وعلمه المحيط بكل شيء، دال على حكمه بين عباده وبعثهم، وعلمه بأعمالهم، خيرها وشرها، وبمقادير جزائها، وخلقه دال على علمه { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ }
( قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون ) ، أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو نعيم الإسفراييني ، أخبرنا أبو عوانة ، حدثنا السلمي ، حدثنا النضر بن محمد ، حدثنا عكرمة بن عمار ، أخبرنا يحيى بن أبي كثير ، حدثنا أبو سلمة قال : سألت عائشة رضي الله عنها بم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة من الليل ؟
قالت : كان يقول : " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " .
«قل اللهم» بمعنى يا الله «فاطر السماوات والأرض» مبدعهما «عالم الغيب والشهادة» ما غاب وما شوهد «أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون» من أمر الدين اهدني لما اختلفوا فيه من الحق.
قل: اللهم يا خالق السموات والأرض ومبدعهما على غير مثال سبق، عالم السر والعلانية، أنت تفصل بين عبادك يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون من القول فيك، وفي عظمتك وسلطانك والإيمان بك وبرسولك، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراط مستقيم.
وكان هذا مِن دعائه صلى الله عليه وسلم، وهو تعليم للعباد بالالتجاء إلى الله تعالى، ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يلتجئ إلى خالقه وحده من شرور هؤلاء المشركين ، وأن يفوض أمره إليه ، فقال - تعالى - ( قُلِ اللهم فَاطِرَ السماوات والأرض عَالِمَ الغيب والشهادة أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) .ولفظ : ( اللهم ) أصله يا الله .
فلما استعمل دون حرف النداء .
عوض عنه بالميم المشددة التى فى آخره .ولفظ " فاطر ، عالم " منصوبان على النداء .أى : قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الاستعاذة والاعتزال لما عليه هؤلاء المشركون من جهل وسفه ، يا الله ، يا خالق السموات والأرض ويا عالم الغائب والمشاهد والخفى والظاهر من أمور خلقك ، أنت وحدك الذى تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فى الدنيا ، فتجازى كل نفس بما تستحقه من ثواب أو عقاب .وما دام الأمر كذلك ، فاهدنى إلى صراط المستقيم ، وجنبنى الشرك والمشركين .فالمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما فعله المشركون معه ، وإرشاده إلى ما يعصمه من كيدهم .
وتعليم العباد وجوب الالتجاء إلى الله - تعالى - وحده - لدفع كيد أعدائه عنهم .وقد ساق الإِملام ابن كثير عند تفسير لهذه الآية جملة من الأحاديث ، منها ما رواه الإِمام مسلم فى صحيحه عن أبى مسلمة بن عبد الرحمن قال : سألت عائشة : بأى شئ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟قالت : كان إذا قام من الليل افتتح صلاته بقوله : " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض .
عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، أهدنى لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم .
.
.
" .وقال صاحب الكشاف : " بعل - بكسر العين - أى : دهش وفزع رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة شكيمتهم فى الكفر ، فقيل له : " ادع الله بأسمائه الحسنى ، وقل : أنت وحدك تقدر على الحكم بينى وبينهم ، ولا حيلة لغيرك فيهم " وفيه وصف حالهم ، وإعذار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له ، ووعيد لهم .
.
اعلم أن هذا نوع آخر من الأعمال القبيحة للمشركين، وهو أنك إذا ذكرت الله وحده تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ظهرت آثار النفرة من وجوههم وقلوبهم، وإذا ذكرت الأصنام والأوثان ظهرت آثار الفرح والبشارة في قلوبهم وصدورهم، وذلك يدل على الجهل والحماقة، لأن ذكر الله رأس السعادات وعنوان الخيرات، وأما ذكر الأصنام التي هي الجمادات الخسيسة، فهو رأس الجهالات والحماقات، فنفرتهم عن ذكر الله وحده واستبشارهم بذكر هذه الأصنام من أقوى الدلائل على الجهل الغليظ والحمق الشديد، قال صاحب الكشاف وقد يقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما غاية في بابه لأن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سروراً حتى يظهر أثر ذلك السرور في بشرة وجهه ويتهلل، والاشمئزاز أن يعظم غمه وغيظه فينقبض الروح إلى داخل القلب فيبقى في أديم الوجه أثر الغبرة والظلمة الأرضية، ولما حكى عنهم هذا الأمر العجيب الذي تشهد فطرة العقل بفساده أردفه بأمرين أحدهما: أنه ذكر الدعاء العظيم، فوصفه أولا بالقدرة التامة وهي قوله: ﴿ قُلِ اللهم فَاطِرَ السموات والأرض ﴾ وثانياً بالعلم الكامل وهو قوله تعالى: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ ، وإنما قدم فذكر القدرة على ذكر العلم لأن العلم بكونه تعالى قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً، ولما ذكر هذا الدعاء قال: ﴿ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم عند سماع الشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل، ومع ذلك، القوم قد أصروا عليه، فلا يقدر أحد على إزالتهم عن هذا الاعتقاد الفاسد والمذهب الباطل إلا أنت.
عن أبي سلمة قال: سألت عائشة بم كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته بالليل؟
قالت: «كان يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك وانك لتهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم ذلك المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء أولها: أن هؤلاء الكفار لو ملكوا كل ما في الأرض من الأموال وملكوا مثله معه لجعلوا الكل فدية لأنفسهم من ذلك العذاب الشديد.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ أي ظهرت لهم أنواع من العقاب لم تكن في حسابهم، وكما أنه صلى الله عليه وسلم قال في صفة الثواب في الجنة: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» فكذلك في العقاب حصل مثله وهو قوله: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ .
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾ ومعناه ظهرت لهم آثار تلك السيئات التي اكتسبوها أي ظهرت لهم أنواع من العقاب آثار تلك السيئات التي اكتسبوها.
ثم قال: ﴿ وَحَاقَ بِهِم ﴾ من كل الجوانب جزاء ما كانوا يستهزئون به، فنبه تعالى بهذه الوجوه على عظم عقابهم.
<div class="verse-tafsir"
بَعِل رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وبشدة شكيمتهم في الكفر والعناد، فقيل له: ادع الله بأسمائه العظمى، وقل: أنت وحدك تقدر على الحكم بيني وبينهم، ولا حيلة لغيرك فيهم.
وفيه وصف لحالهم وإعذار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له ووعيد لهم.
وعن الربيع بن خثيم وكان قليل الكلام.
أنه أخبر بقتل الحسين- رضي الله عنه، وسخط على قاتله- وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال: آه أو قد فعلوا؟
وقرأ هذه الآية.
وروى أنه قال على أثره: قتل من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسه في حجره ويضع فاه على فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ التَجِئْ إلى اللَّهِ بِالدُّعاءِ لَمّا تَحَيَّرْتَ في أمْرِهِمْ وضَجِرْتَ مِن عِنادِهِمْ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى الأشْياءِ والعالِمُ بِالأحْوالِ كُلِّها.
﴿ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فَأنْتَ وحْدَكَ تَقْدِرُ أنْ تَحْكُمَ بَيْنِي وبَيْنَهم.
<div class="verse-tafsir"
{قُلِ اللهم فَاطِرَ السماوات والأرض} أي يا فاطر وليس بوصف كما يقوله المبرد والفراء {عالم الغيب والشهادة} السر والعلانية {أَنتَ تَحْكُمُ}
تقضى {بين عبادك فيما كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الهدى والضلالة وقيل هذه محاكمة من النبي للمشركين إلى الله وعن ابن المسيب لا أعرف آية قرئت فدعي عندها إلا أجيب سواها وعن الربيع بن خيثم وكان قليل
الزمر (٤٩ - ٤٧)
الكلام أنه أخبر بقتل الحسين رضى الله عنه وقالوا الآن يتكلم فما زاد أن قال آه أو قد فعلوا وقرأ هذه الآية ورُوي أنه قال على أثره قتل من كان صلى الله عليه وسلم يجلسه في حجره ويضع فاه على فيه
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أمْرٌ بِالدُّعاءِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى لِما قاساهُ في أمْرِ دَعْوَتِهِمْ ونالَهُ مِن شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ فَإنَّهُ تَعالى القادِرُ عَلى الأشْياءِ بِجُمْلَتِها والعالَمُ بِالأحْوالِ بِرُمَّتِها، والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِذَلِكَ بَيانُ حالِهِمْ ووَعِيدِهِمْ وتَسْلِيَةُ حَبِيبِهِ الأكْرَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنَّ جِدَّهُ وسَعْيَهُ مَعْلُومٌ مَشْكُورٌ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ وتَعْلِيمُ العِبادِ الِالتِجاءَ إلى اللَّهِ تَعالى والدُّعاءَ بِأسْمائِهِ العُظْمى، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ فَإنَّهُ لِما سُئِلَ عَنْ قَتْلِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَأوَّهَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَإذا ذُكِرَ لَكَ شَيْءٌ مِمّا جَرى بَيْنَ الصَّحابَةِ قُلْ: ﴿ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ ﴾ ..
إلَخْ.
فَإنَّهُ مِنَ الآدابِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تُحْفَظَ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في ﴿ أنْتَ تَحْكُمُ ﴾ لِلْحَصْرِ أيْ أنْتَ تَحْكُمُ وحْدَكَ بَيْنَ العِبادِ فِيما اسْتَمَرَّ اخْتِلافُهم فِيهِ حُكْمًا يُسَلِّمُهُ كُلُّ مُكابِرٍ مُعانِدٍ ويَخْضَعُ لَهُ كُلُّ عاتٍ مارِدٍ وهو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ أوِ الأُخْرَوِيُّ، والمَقْصُودُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ الحُكْمُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى للنبي : قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صار نصباً بالنداء.
يعني: يا خالق السموات والأرض، عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني: عالماً بما غاب عن العباد، وما لم يغب عنهم.
ويقال: عالماً بما مضى، وما لم يمض، وما هو كائن.
ويقال: عالم السر والعلانية.
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ يعني: أنت تقضي في الآخرة بين عبادك، فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين.
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي: كفروا مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ أي: مثل ما في الأرض، لَافْتَدَوْا بِهِ أي: لفادوا به أنفسهم مِنْ سُوءِ الْعَذابِ أي: من شدة العذاب يَوْمَ الْقِيامَةِ.
وفي الآية مضمر.
أي: لا يقبل منهم ذلك.
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ أي: ظهر لهم حين بعثوا من قبورهم، مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ في الدنيا أنه نازل بهم.
يعني: يعلمون أعمالاً يظنون أن لهم فيها ثواباً، فلم تنفعهم مع شركهم، فظهرت لهم العقوبة مكان الثواب، وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا أي: عقوبات ما عملوا، وَحاقَ بِهِمْ أي: نزل بهم عقوبة، مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: باستهزائهم بالمسلمين.
ويقال: باستهزائهم بالرسول، والكتاب، والعذاب.
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا يعني: أصاب الكافر شدة، وبلاء، وهو أبو جهل.
ويقال: جميع الكفار دعانا أي: أخلص في الدعاء ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ أي: بدلنا، وأعطيناه مكانها عافية، نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ أي: على علم عندي.
يعني: أعطاني ذلك، لأنه علم أني أهل لذلك.
ويقال: معناه على علم عندي بالدواء.
بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ أي: بلية، وعطية، يبتلى بها العبد ليشكر، أو ليكفر، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن إعطائي ذلك بلية، وفتنة، قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: قال تلك الكلمة: الذين من قبل كفار مكة، مثل قارون، وأشباهه.
فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: لم ينفعهم ما كانوا يجمعون من الأموال، فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا أي: عقوبات ما عملوا.
قوله: وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ يعني: من أهل مكة سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا يعني: عقوبات ما عملوا، مثل ما أصاب الذين من قبلهم، وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي: غير فائتين من عذاب الله، أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أي: يوسع الرزق لمن يشاء، وَيَقْدِرُ أي: يقتر على من يشاء، إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في القبض والبسط لَآياتٍ أي: لعلامات لوحدانيتي لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: يصدقون بتوحيد الله.
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: أسرفوا بالذنوب على أنفسهم.
قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر، قُلْ يا عِبادِيَ بفتح الياء، والباقون بالإرسال.
وهما لغتان، ومعناهما واحد، لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أي: لا تيأسوا من مغفرة الله، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً الكبائر، وغير الكبائر إذا تبتم، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ لمن تاب، الرَّحِيمُ بعد التوبة لهم.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة.
قال: أصاب قوم في الشرك ذنوباً عظاماً، فكانوا يخافون أن لا يغفر الله لهم، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا.
وقال مجاهد: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ بقتل الأنفس في الجاهلية.
وقال في رواية الكلبي: نزلت الآية في شأن وحشي.
يعني: أسرفوا على أنفسهم بالقتل، والشرك، والزنى.
لا تيأسوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمن تاب.
وقال ابن مسعود: أرجى آية في كتاب الله هذه الآية.
وهكذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص.
وروي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: فيها عظة.
<div class="verse-tafsir"
في هذه الآيةِ: هُوَ عُمْرُ كُلِّ إنْسَانٍ، والضمائرُ في قوله تعالى: أَوَلَوْ كانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ: للأصنام.
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)
وقوله تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ...
الآية، قال مجاهد وغيره «١» نزلت في قراءة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سورةُ النَّجم عِنْدَ الكَعْبَةِ بِمَحْضَرٍ من الكُفَّارِ، وقرأ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ...
[النجم: ١٩] الآية، وألقى الشيطانُ يَعْنِي في أسْمَاعِ الكفارِ (تلك الغَرِانِقَةَ العلى) عَلَى مَا مَرَّ في سُورَةِ الحَج، فَاسْتَبْشَرُوا، واشمأَزَّتْ نُفُوسُهُمْ: معناه: تَقَبَّضَتْ كِبْراً وأَنَفَةً وكَرَاهِيَةً ونَفُوراً.
وقوله/ تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ ...
الآية، أَمْرٌ لنبيهِ- عليه السلام- بالدعاءِ إليه وَرَدِّ الحُكْم إلى عَدْلِهِ، ومعنى هذا الأَمْرِ تَضمُّنُ الإجابةِ.
وقوله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ قال الثعلبيُّ: قال السُّدِّيُّ:
ظَنُّوا أشياءَ أَنَّهَا حسناتٌ فبدَتْ سَيِّئاتٍ «٢» ، قال ع: قال سفيانُ الثوريُّ: ويلٌ لأهل الرياءِ مِن هذه الآية «٣» ، وقال عكرمة بن عَمَّار: جَزع محمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عند الموت، فقيل
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: انْقَبَضَتْ عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: اسْتَكْبَرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: نَفَرَتْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ يَفْرَحُونَ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الأنْعامِ: ١٤، ٧٣،البَقَرَةِ: ١١٣، الرَّعْدِ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ: ظَنُّوا أنَّ أعْمالَهم حَسَناتٍ، فَبَدَتْ لَهم سَيِّئاتٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: عَمِلُوا أعْمالًا ظَنُّوا أنَّها تَنْفَعُهُمْ، فَلَمْ تَنْفَعْ مَعَ شِرْكِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: ظَهَرَ لَهم حِينَ بَعَثُوا ما لَمْ يَحْتَسِبُوا أنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ؛ فَهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ القُرْبَ مِنَ اللَّهِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَلَمّا عُوقِبُوا عَلَيْها، بَدا لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.
والثّانِي: أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ.
ورُوِيَ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ أنَّهُ جَزَعَ عِنْدَ المَوْتِ وقالَ: أخْشى هَذِهِ الآَيَةَ أنْ يَبْدُوَ لِي ما لا أحْتَسِبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحاقَ بِهِمْ ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ ﴿ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أيْ: ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ ويُكَذِّبُونَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِن اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ ﴿ وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالدُعاءِ إلَيْهِ، ورَدِّ الحُكْمِ إلى عَدْلِهِ، ومَعْنى هَذا الأمْرِ تَضَمُّنُ إجابَةٍ، و"اللهُمَّ" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُنادى، وكَذَلِكَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، إلّا أنَّهُ خالَفَهم في هَذِهِ المِيمِ المُشَدَّدَةِ، فَقالَ سِيبَوَيْهِ: هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ النِداءِ المَحْذُوفِ إيجازًا، وهي دِلالَةٌ عَلى أنَّ ثَمَّ ما حَذْفٌ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: بَلْ هو فِعْلٌ اتَّصَلَ بِالمَكْتُوبَةِ، وهو "أمَّ" ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا، فَكَأنَّ مَعْنى اللهُمَّ: يا اللهُ أُمَّ بِرَحْمَتِكَ وفَضْلِكَ و"فاطِرَ" مُنادى مُضافٌ، أيْ: يا فاطِرَ السَماواتِ، و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ البَشَرِ، و"الشَهادَةِ"؛ ما شاهَدُوهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّ ما يَنْزِلُ بِهِمْ لَوْ قَدَرُوا عَلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِضَعْفِ الدُنْيا بِأسْرِها لَفَعَلُوا، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَبَدا لَهم مِنَ اللهِ ﴾ الآيَةُ.
أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُنْيا مُتَفَرِّقَةً مُتَنَوِّعَةً حَسْبَ ضَلالَتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ، فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ وقَصُرَتْ بِهِ حالاتُهم ظَهَرَ لِكُلِّ واحِدٍ خِلافُ ما كانَ يَظُنُّ.
وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ ؛ ويْلٌ لِأهْلِ الرِياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ ابْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ المَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟
فَقالَ: أخافُ هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "وَحاقَ" ﴾ مَعْناهُ: نَزَلَ وثَبَتَ ولَزِمَ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما كانُوا ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: وحاقَ بِهِمْ جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون.
<div class="verse-tafsir"
لما كان أكثر ما تقدم من السورة مشعراً بالاختلاف بين المشركين والمؤمنين، وبأن المشركين مصممون على باطلهم على ما غمرهم من حجج الحق دون إغناء الآيات والتدبر عنهم أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم عقب ذلك بأن يقول هذا القول تنفيساً عنه من كدر الأسى على قومه، وإعذاراً لهم بالنذارة، وإشعاراً لهم بأن الحق في جانبهم مضاع، وأن الأجدر بالرسول صلى الله عليه وسلم متاركتهم وأن يفوّض الحكم في خلافهم إلى الله.
وفي هذا التفويض إشارة إلى أن الذي فوّض أمره إلى الله هو الواثق بحقّيه دينه المطمئن بأن التحكيم يُظهر حقه وباطل خصمه.
وابتدئ خطابُ الرسول صلى الله عليه وسلم ربَّه بالنداء لأن المقام مقام توجيه وتحاكم.
وإجراء الوصفين على اسم الجلالة لما فيهما من المناسبة بخضوع الخلق كلهم لحكمه وشمول علمه لدخائلهم من مُحقّ ومُبطل.
وَالفاطر: الخالق، وفاطر السماوات والأرض فاطر لما تحتوي عليه.
ووصف ﴿ فاطِرَ السموات والأرض ﴾ مشعر بصفة القدرة، وتقديمُه قبل وصف العِلم لأن شعور الناس بقدرته سابق على شعورهم بعلمه، ولأن القدرة أشدّ مناسبة لطلب الحكم لأن الحكم إلزام وقهر فهو من آثار القدرة مباشرةً.
والغيب: ما خفي وغاب عن علم الناس، والشهادة: ما يَعلمه الناس مما يدخل تحت الإِحساس الذي هو أصل العلوم.
والعدول عن الإِضمار إلى الاسم الظاهر في قوله: ﴿ بَيْنَ عبادِكَ ﴾ دون أن يقول: بيننا، لما في ﴿ عِبَادِك ﴾ من العموم لأنه جمع مضاف فيشمل الحكم بينهم في قضيتهم هذه والحكمَ بين كل مختلِفين لأن التعميم أنسب بالدعاء والمباهلة.
وجملة ﴿ أنت تحكم بين عبادك ﴾ خبر مستعمل في الدعاء.
والمعنى: احكم بيننا.
وفي تلقين هذا الدعاء للنبيء صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أنه الفاعل الحق.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفِعْلي في قوله: ﴿ أنت تحكم ﴾ لإِفادة الاختصاص، أي أنت لا غيرك.
وإذ لم يكن في الفريقين من يعتقد أن غير الله يحكم بين الناس في مثل هذا الاختلاف فيكونَ الرد عليه بمفاد القصر، تعين أن القصر مستعمل كناية تلويحية عن شدة شكيمتهم في العناد وعدم الإِنصاف والانصياع إلى قواطع الحجج، بحيث إن من يتطلب حاكماً فيهم لا يجد حاكماً فيهم إلا الله تعالى.
وهذا أيضاً يؤمئ إلى العذر للرسول صلى الله عليه وسلم في قيامه بأقصى ما كُلّف به لأن هذا القول إنما يصدر عمن بذل وُسعه فيما وجب عليه، فلما لَقَّنه ربه أن يقوله كان ذلك في معنى: أنك أبلغتَ وأديتَ الرسالة فلم يبق إلا ما يدخل تحت قدرة الله تعالى التي لا يعجزها الألدَّاء أمثال قومك، وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه وعيد للمعاندين.
والحكم يصدق بحكم الآخرة وهو المحقق الذي لا يخلف، ويشمل حكم الدنيا بنصر المحق على المبطل إذا شاء الله أن يعجل بعض حكمه بأن يُعجل لهم العذاب في الدنيا.
والإِتيان بفعل الكون صلة ل ﴿ مَا ﴾ الموصولة ليدُل على تحقق الاختلاف، وكونُ خبر (كان) مضارعاً تعريض بأنه اختلاف متجدد إذ لا طماعية في ارعواء المشركين عن باطلهم.
وتقديم ﴿ فِيهِ ﴾ على ﴿ يَخْتلفون ﴾ للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بالأمر المختلَف فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: السِّرُّ والعَلانِيَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
﴿ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ مِنَ الهُدى والضَّلالَةِ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: مِنَ التَّحاكُمِ إلَيْهِ في الحُقُوقِ والمَظالِمِ.
قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إنِّي لَأعْرِفُ مَوْضِعَ آيَةٍ ما قَرَأها أحَدٌ فَسَألَ اللَّهَ شَيْئًا إلّا أعْطاهُ، قَوْلُهُ ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ ﴿ عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ اهدني لما اختلفت من الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ ﴾ الآية: معناها أن الكفار يكرهون توحيد الله ويحبون الإشراك به، ومعنى ﴿ اشمأزت ﴾ انقبضت من شدة الكراهية وروي أن هذه الآية نزلت حين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم، فألقى الشيطان في أمنيته حسبما ذكرنا في الحج، فاستبشر الكفار بما ألقى الشيطان من تعظيم اللات والعزى، فلما أذهب الله ما ألقى الشيطان استكبروا واشمأزوا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عباده ﴾ على الجمع: يزيد وحمزة وعلي وخلف.
﴿ أرادني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة.
﴿ كاشفات ﴾ بالتنوين ﴿ ضره ﴾ بالنصب وهكذا ﴿ ممسكات رحمته ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون: بالإضافة فيهما ﴿ قضى عليها ﴾ مجهولاً ﴿ الموت ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا ﴾ بسكون الياء: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وسهل ويعقوب، والوقف للجميع بالياء لا غير.
﴿ يا حسرتاي ﴾ بياء بعد الف: يزيد.
الآخرون: بالألف وحدها ﴿ وينجي الله ﴾ بالتخفيف: روح ﴿ بمفازاتهم ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ تأمروني ﴾ بتشديد النون وفتح الياء: ابن كثير ﴿ تأمرونني ﴾ بنونين وسكون الياء: ابن عامر ﴿ تأمروني ﴾ بنون واحدة وفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بتشديد النون وسكون الياء.
﴿ لنحبطن ﴾ بالنون من الإحباط ﴿ عملك ﴾ بالنصب: يزيد.
الآخرون: على الغيبة وفتح العين ﴿ عملك ﴾ بالرفع ﴿ وسيق ﴾ بضم السين وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس ﴿ فتحت ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل في الحرفين.
الوقوف: ﴿ إذ جاءه ﴾ ط ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بمحذوف كما يجيء.
﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ عبده ﴾ ط ﴿ من دونه ﴾ ط ﴿ من هاد ﴾ ه ج ﴿ مضل ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ حسبي الله ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للابتداء بالنفي مع العطف ﴿ بوكيل ﴾ ه ج ﴿ في منامها ﴾ ج ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شفعاء ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط بناء على أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ بالآخرة ﴾ ط ج فصلاً بين الجملتين مع اتفاقهما نظماً ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ يحتسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ دعانا ﴾ ز فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ منا ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ على علم ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ ما كسبوا ﴾ الأولى ط ﴿ ما كسبوا ﴾ الثانية لا لأن الواو للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ لا تشعرون ﴾ ه لا ﴿ الساخرين ﴾ ه لا ﴿ المتقين ﴾ ه لا ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مسودّة ﴾ ط ﴿ للمتكبرين ﴾ ه ﴿ بمفازتهم ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ز للفصل بين الوصفين تعظيماً مع اتفاق الجملتين ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ الجاهلون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لحق القسم المحذوف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بيمينه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ج بياناً لتراخي النفخة الثانية عن الأولى مع اتفاق الجملتين ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ نشاء ﴾ ج ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولاحتمال جعله حالاً وقد قضى بين الزمرين ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: لما ضرب لعبدة الأصنام مثلاً أشار إلى نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو أنهم يضمون على كذبهم على الله بإضافة الشريك والولد إليه تكذيبهم بالصدق يعني الأمر الذي هو الصدق بعينه أي القرآن.
ومعنى ﴿ إذ جاءه ﴾ أنه لم يراع طريقة أهل الإنصاف والتدبر لكنه لما سمع به فاجأه بالتكذيب.
واللام في قوله ﴿ للكافرين ﴾ لهؤلاء المعهودين الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق.
قال جار الله: ويحتمل أن يكون للعموم فيشملهم وغيرهم من الكفرة.
وحين بين وعيدهم عقبه بوعد الصادقين المصدّقين وهم الرسول وأصحابه.
وقيل: الرسول وأبو بكر والتعميم أولى لقوله ﴿ أولئك هم المتقون ﴾ قوله ﴿ ليكفر ﴾ ظاهره تعلقه بـ ﴿ يشاؤن ﴾ فتكون لام العاقبة.
ويحتمل تعلقه بمحذوف أي جزاؤهم وإكرامهم لأجل ذلك.
قال جار الله: الأسوأ ههنا ليس للتفضيل وإنما هو كقولهم: الأشج أعدل بني مروان.
وفائدة صيغة التفضيل استعظامهم المعصية حتى إن الصغائر عندهم أسوأ أعمالهم.
وقال بعض المفسرين: أراد به الكفر السابق الذي يمحوه الإيمان.
واستدل مقاتل ـ وكان شيخ المرجئة ـ بهذه الآية فإنها تدل على أن من صدّق الأنبياء فإنه يكفر عنه أسوأ الأعمال التي أتى بها بعد الإيمان والوصف بالتقوى وفيه نظر.
ثم إنهم كانوا يخوّفون المؤمنين والنبي برفض آلهتهم وتحقيرها.
ويروى أنه بعث خالداً إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إن لها شدّة.
فعمد خالد إليها فهشم أنفها فأنزل الله ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ أي نبيه بدليل قوله ﴿ ويخوّفونك ﴾ ومن قرأ على الجمع فهي للعموم.
والآيات إلى قوله ﴿ بوكيل ﴾ ظاهرة مع أنها تعلم مما سبق ذكرها مراراً.
والعذاب الخزي عذاب يوم بدر، والعذاب المقيم العذاب الدائم في الآخرة، ومدار هذه الآي على تسلية النبي ، ثم أكد كون الهداية والضلال من الله بقوله ﴿ الله يتوفى الأنفس ﴾ وذلك أن الحياة واليقظة تشبه الهداية، والموت والنوم يضاهي الضلال.
فكما أن الحياة والموت واليقظة والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله وتكوينه فكذلك الهداية والضلال، والعارف بهذه الدقيقة عارف بسر الله في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، ففيه تسلية أخرى للنبي .
وقيل في وجه النظم: إنه تعالى أراد أن يذكر حجة أخرى على إثبات الإله العليم القدير ليعلم أنه أحق بالعبادة من كل ما سواه فضلاً عن الأصنام.
ومعنى الآية أن الله يتوفى الأنفس حين موتها.
قال جار الله: أراد بالأنفس الجملة كما هي لأنها هي التي تنام وتموت ﴿ و ﴾ يتوفى الأنفس ﴿ التي لم تمت في منامها ﴾ أي يتوفاها حيت تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى كقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والحاصل أنه يتوفى الأنفس مرتين، مرة عند موتها ومرة عند نومها فتكون "في" متعلقة بـ ﴿ يتوفى ﴾ والتوفي مستعمل في الأول حقيقة وفي الثاني مجازاً، ولم يجوّزه كثير من أئمة الأصول.
وقال الفراء: "في" متعلقة بالموت وتقديره: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها.
ثم بين الفرق بين الحالين بقوله ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الآخرى إلى أجل مسمى ﴾ من غير غلط.
وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها وهو الحياة واليقظة.
وأما في وقت النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس الحياة التي بها النفس وعمل القوى البدنية في الباطن ويفنى ما به التمييز والعقل، وإذا انقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا من القدير الخبير الذي لا شريك له في ملكه ولا نظير، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ ثم كان لمشرك أن يقول: إنما نعبد الأصنام لأنها تماثيل أشخاص كانوا عند الله مقربين فنحن نرجو شفاعتهم فأنكر الله عليهم بقوله ﴿ أم اتخذوا من دون الله ﴾ أي من دون إذنه ﴿ شفعاء ﴾ و "أم" بمعنى "بل"، والهمزة الإنكارية وتقرير الإنكار أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في شفاعة تلك التماثيل وإما في شفاعة من هذه التماثيل تماثيلهم.
والأول باطل لأن هذه الأصنام جمادات لا تملك شيئاً ولا تعقل وأشار إلى هذا المعنى بقوله ﴿ قل أولو كانوا ﴾ يعني أيشفعون ولو كانوا بحيث ﴿ لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ﴾ والثاني أيضاً مستحيل لأن يوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذن الله وهو المراد بقوله ﴿ قل لله الشفاعة ﴾ وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ على الحال.
ولو كان تأكيداً للشفاعة لقيل جمعاء.
وحين قرر أن لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله برهن على ذلك بقوله ﴿ له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ﴾ يوم القيامة ولا ملك في ذلك اليوم إلا له.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال المشركين فقال ﴿ وإذا ذكر الله وحده ﴾ أي منفرداً ذكره عن ذكر آلهتهم ﴿ اشمأزت ﴾ أي نفرت وانقبضت منه ﴿ قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دون ﴾ سواء ذكر الله معهم أو لم يذكر ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ أي فاجأ وقت ذكر آلهتهم وقت استبشارهم.
وفي الآية طباق ومقابلة لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى يظهر أثره في بشرته.
والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه وذلك لاحتباس الروح الحيواني في القلب.
وقيل: معنى الآية أنه إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم.
وفي بعض التفاسير أن هذا إشارة إلى ما روي "أنه لما قرأ سورة النجم وسوس الشيطان إليه بقوله تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فاستبشر المشركون وسجدوا" .
ولما حكى عنهم هذا الجهل الغليظ والحمق الشديد وهو الاشمئزاز عن ذكره من ذكره رأس السعادات وعنوان الخيرات والاستبشار بذكر أخس الأشياء وهي الجمادات، أمر رسوله بهذا الدعاء ﴿ اللهم فاطر السموات والأرض ﴾ وهو وصفه بالقدرة التامة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ وهو نعته بالعلم الكامل.
وإنما قدم وصفه بالقدرة على وصفه بالعلم لأن العلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً كما بين في أصول الدين وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف ﴿ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم بالشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل فلا حيلة في إزالته إلا باستعانة القدير العليم.
عن عائشة أن رسول الله كان يفتتح صلاته بالليل فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم.
وعن الربيع بن خثيم.
وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أوقد فعلوا وقرأه هذه الآية.
وروي أنه قال على أثره: قتل من كان النبي يجلسه في حجره ويضع فاه في فيه.
ثم ذكر وعيدهم على ذلك المذهب الباطل بقوله ﴿ ولو أن للذين ظلموا ﴾ أي بالشرك وقد مر نظير الآية مراراً أوّلها في آل عمران وفيه قوله ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ نظير قوله في أهل الوعد ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ وقيل: عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات.
يروى أن محمد بن المنكدر جزع عند موته فقيل له في ذلك فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم يكن في حسباني.
وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء.
ثم صرح بما أبهم قائلاً ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا ﴾ و "ما" موصولة أو مصدرية أي ظهرت لهم سيئات أعمالهم التي اكتسبوها، أو سيئات كسبهم وذلك عند عرض الصحائف أو غير ذلك من المواقف.
وجوّز أهل البيان أن يراد بالسيئات جزاء أفعالهم كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة ﴾ وإنما قال في الجاثية ﴿ سيئات ما عملوا ﴾ لمناسبة ألفاظ العمل، وههنا قد وقع من ألفاظ الكسب.
ثم حكى نوعاً آخر من قبيح أعمالهم قائلاً ﴿ فإذا مسّ الإنسان ﴾ وقد مر مثله في مواضع أقر بها أول السورة إلا أنه ذكر ههنا بفاء التعقيب لأن هذا مناقض لما حكى عنهم عن قريب وهو أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده فكيف التجأوا إليه وحده عند ضر يصيبهم.
ومعنى ﴿ أوتيته على علم ﴾ أوتيته على علم لله بكوني مستحقاً لذلك أو على علم عندي صار سبباً لهذه المزية ككسب وصنعة ونحو ذلك.
ولا شك أن هذا نوع من الغرور فلهذا قال ﴿ بل هي فتنة ﴾ بلاء واختبار يتميز بها الشاكر عن الكافر.
ذكر الضمير أوّلاً بتأويل المخوّل وأنثه ثانياً بتأويل النقمة.
ثم أشار بقوله ﴿ قد قالها ﴾ أي مجموع الكلمة التي صدرت عنهم و ﴿ الذين من قبلهم ﴾ هم قارون وقومه حيث ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي ﴾ وقومه راضون بها فكأنهم قالوها.
ويجوز أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها ﴿ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ من الأموال أو من المعاصي وأشار بقوله ﴿ هؤلاء ﴾ إلى أهل مكة أصابهم قتل في يوم بدر وغيره وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم: أولم يعلموا أن الباسط والقابض هو الله وحده؟
وذلك أن انتهاء الحوادث المتسلسلة يجب أن يكون إلى إرادته ومشيئته، ولا ينافي هذا توسيط عالم الأسباب وأن يكون للكواكب كلها تأثيرات في عالمنا هذا بإذن مبدعها وفاطرها.
وقول الشاعر: فلا السعد يقضي به المشتري *** ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السماء *** وقاضي القضاة وجل كلام من غير تبين واستبصار بسر القدر.
والذي يشكك به الإمام فخر الدين الرازي من أنه قد يولد إنسانان في طالع واحد ثم يصير أحدهما في غاية السعادة والآخر في غاية الشقاوة كلام غير محقق، لأنا لو سلمنا وقوع ذلك فلاختلاف القابل، وليس تأثير العامل السماوي في طالع ولد السلطان مثله في طالع ولد الحمامي، وكذا اختلافات أخر لا نهاية لها.
نعم لو ادعى عسر إدراك جميع الجزئيات فلا نزاع في ذلك إلا المنتفع بما ينتفع به عليه أن يقنع بما يصل إليه فهمه فلكل شيء حد وفوق كل ذي علم عليم.
وحين أطنب في الوعيد أردفه ببيان كمال رحمته ومغفرته فقال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبدالأوثان وقتل النفس التي حرم الله لن يغفر له ونحن قد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس فأنزل الله هذه الآية.
وعن ابن عمر: نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم عذبوا فارتدوا فنزلت فيهم، وكان عمر كاتباً فكتبها إلى عياش والوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.
وقيل: نزلت بالمدينة في وحشيّ وقد سبق.
ثم إن قلنا: العباد عام فالإسراف على النفس يعم الشرك، ولا نزاع أن عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطاً بالتوبة والإيمان.
وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختص بالمؤمنين فالإسراف إما بالصغائر ولا خلاف في أنها مكفرة ما اجتنبت الكبائر، وأما بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين.
فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو وقد مر مراراً.
عن رسول الله : "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟
فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات" رواه في الكشاف.
وعلى هذا يكون مخصوصاً بشرط الإيمان.
ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات الرحمة: أوّلها تسمية المذنب عبداً والعبودية تشعر بالاختصاص مع الحاجة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضة الجود والرحمة على المساكين.
وثانيها من جهة الإضافة الموجبة للتشريف.
وثالثها من جهة وصفهم بقوله ﴿ الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ كأنه قال يكفيهم من تلك الذنوب عود مضرتها عليهم لا عليّ.
ورابعها نهاهم عن القنوط، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم.
وخامسها قوله ﴿ من رحمة الله ﴾ مع إمكان الاقتصار على الضمير بأن يقول "من رحمتي" فإيراد أشرف الأسماء في هذا المقام يدل على أعظم أنواع الكرم واللطف.
وسادسها تكرير اسم الله في قوله ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ مع تصدير الجملة بـ "إن"، ومع إيراد صيغة المضارع المنبئة عن الاستمرار، ومع تأكيد الذنوب بقوله ﴿ جميعاً ﴾ أي حال كونها مجموعة.
وسابعها إرداف الجملة بقوله ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ ومع ما فيه من أنواع المؤكدات ومع جميع ذلك لم يخل الترغيب عن الترهيب ليكون رجاء المؤمن مقروناً بخوفه فقال ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ وذلك أن الأشاعرة أيضاً يجوّزون أن يدخل صاحب الكبيرة النار مدة ثم يخرج منها.
ومع احتمال هذا العذاب يجب الميل إلى الإنابة والإخلاص لله في العمل على أن الخوف للتقصير في الطاعة يكفي عن الخوف للتصريح بالمعصية، وللصديقين في الأول مندوحة عن الثاني.
وقال بعضهم: إن الكلام قد تم على الآية الأولى، ثم خاطب الكفار بهذه الآيات من قوله ﴿ وأنيبوا ﴾ والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا كما للأمم السابقة، وإما الموت لأنه أول أهوال الآخرة.
وقوله ﴿ أحسن ما أنزل إليكم ﴾ كقوله ﴿ يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ وقد مر الأقوال فيه.
وحين خوّفهم بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون؟
فذكر ثلاثة أنواع من الكلمات: الأوّل أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول أو لئلا.
تقول.
قال جار الله: إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم.
وجوز أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله "رب وفد أكرمته".
﴿ يا حسرتا على ما فرّطت ﴾ أي قصرت.
والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدّم ﴿ في جنب الله ﴾ واعلم أن بعض أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله ولا يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل.
والصحيح ما ذهب إليه علماء البيان أن هذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله: إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج وتقول: لمكانك فعلت كذا.
أي لأجلك.
وفي الحديث "من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل" ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر، وللمفسرين فيه عبارات.
قال ابن عباس: أي ضيعت من ثواب الله.
وقال مقاتل: ضيعت من ذكر الله.
وقال مجاهد: في أمر الله.
وقال الحسن: في طاعة الله.
وعن سعيد بن جبير: في حق الله.
وقيل: في قرب الله من الجنة من قوله ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ وقال ابن جبير: في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد جانب وجنب.
والتحقيق في المسألة أن الشيء الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه كأنه حدّ من حدوده وجانب من جوانبه، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في الآية على أحد هذه المضافات.
قال الشاعر وهو سابق البربري: أما لتقين الله في جنب عاشق.
*** له كبد حرّى عليك تقطع؟
ثم زاد في التحسر بقوله ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ أي المستهزئين بالقرآن والنبي والمؤمنين.
"إن" مخففة، واللام فارقة، والواو تحتمل العطف والحال.
قال قتادة.
لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدّقين.
النوع الثاني من كلمات النفس المعذبة ﴿ لو أن الله هداني ﴾ يجوز أن يقول مرة هذا ومرة ذلك، أو يكون قائل كل من الكلمتين بعد أخرى والمعنى لو أرشدني إلى دينه.
﴿ لكنت من المتقين ﴾ النوع الثالث قوله عند رؤية العذاب ﴿ لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ قال جار الله: لما حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب وهو الثاني، صح أن تقع "بلى" جواباً له مع أنه غير منفي، لأن قوله ﴿ لو أن الله هداني ﴾ في معنى ما هديت.
قلت: هذا يصلح جواباً للقولين الثاني والثالث أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة، فإن عدم القابلية وكونه واقعاً في جانب القهر لن يزول عنه.
ثم صرح ببعض أنواع العذاب قائلاً ﴿ ويوم القيامة نرى الذين كذبوا على الله ﴾ وقوله ﴿ وجوههم مسودّة ﴾ مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال.
والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله ﴿ فكذبت بها ﴾ ويشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد، ونسبته إلى العجز عن الإعادة، ونسبة القرآن إلى كونه مختلفاً ونحو ذلك.
وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل فريق إسلامي ولا سيما الفروعية، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم.
وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من زرقة العيون وغيره، وإن كان المراد به الخجل وشدّة الحياء ونحو ذلك فالله أعلم بمراده.
ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحوهما أنوار كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ﴾ .
ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلاً ﴿ وينجي الله الذين اتقوا ﴾ الشرك أو المعاصي كبائر وصغائر ﴿ بمفازتهم ﴾ هي "مفعلة" من الفوز.
فمن وحد فلأنه مصدر، ومن جمع فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح.
ولا شك أن الباء هي التي في نحو قولك "كتبتُ بالقلم".
فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟
فقيل: ﴿ لا يمسهم السوء ﴾ أي في أبدانهم.
﴿ ولا هم يحزنون ﴾ يتألمون قلباً على ما فات.
وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح، وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة.
ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها.
وعلى هذه الوجوه يكون قوله ﴿ لا يمسهم ﴾ منصوباً على الحال.
وعن الماوردي أن المفازة ههنا البرية أي بما سلكوا مفازة الطاعات الشاقة وهو غريب.
وحين تمم الوعد والوعيد أتبعه شيئاً من دلائل المالكية قائلاً ﴿ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾ وقد مر في "الأنعام".
ثم أكده بقوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ وهو كقوله في "الأنعام" ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ والمقاليد المفاتيح أيضاً فقيل: لا واحد لها من لفظها.
وقيل: مقليد أو مقلد أو إقليد.
والظاهر أنه في الأصل فارسي والتعريب جعله من قبيل العربي.
ويروى أنه سأل عثمان رسول الله عن تفسير الآية فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسير المقاليد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وقال العلماء: يعني أن هذه الكلمات مفاتيح خيرات السموات والأرض وقد يوحد الله بها ويمجد.
قال أهل العرفان: بيده مفاتيح خزائن اللطف والقهر، فيفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فتخرج ينابيع الحكمة وجواهر الأخلاق الحسنة وللآخر بالضد.
قال في الكشاف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ متصل بقوله ﴿ وينجي ﴾ وما بينهما اعتراض دل على أنه خالق الأشياء كلها مهيمن عليها، لا يخفى عليه أعمال المكلفين وجزاؤها فإن كل شيء في السموات والأرض فإن مفتاحه بيده.
هذا والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التقدير البعيد حتى يعطف جملة اسمية على جملة فعلية.
والأقرب أنه لما وصف نفسه بصفات المالكية والقدرة ذكر بعده ﴿ والذين كفروا ﴾ بدلائل ملكه وملكه مع كونها ظاهرة باهرة فلا أخسر منهم لأنهم عمي في الدارين فاقدون لأشرف المطالب ولذلك وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أفغير الله ﴾ أي قل لهم بعد هذا البيان أفغير الله وهو منصوب ﴿ بأعبد ﴾ و ﴿ تأمروني ﴾ اعتراض والمعنى أفغير الله ﴿ أعبد ﴾ بأمركم.
وذلك أن المشركين دعوه إلى دين آبائه.
وجوز جار الله: أن ينصب بما يدل عليه جملة قوله ﴿ تأمروني أعبد ﴾ لأنه في معنى تعبدونني غير الله وتقولون لي اعبد.
والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل.
ويمكن أن يعترض عليه بأن صلة "أن" كيف تتقدّم عليه.
ويحتمل أن يجاب بأن العامل هو ما دل عليه الجملة كما قلنا لا قوله ﴿ أن أعبد ﴾ وقيل: التقدير أفبعبادة غير الله تأمروني؟
وقوله ﴿ أيها الجاهلون ﴾ لا يكون أليق بالمقام منه لأنه لا جهل أشدّ من جهل من نهى عن عبادة أشرف الأشياء وأمر بعبادة أخس الأشياء.
ثم هددّ الأمة على الشرك مخاطباً نبيه بقوله ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ من الأنبياء مثله ﴿ لئن أشركت ﴾ فاقتصر على الأول ويجوز أن يراد ولقد أوحى إليك وإلى كل واحد ممن قبلك لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة أي كل واحد منا وقد مر نظير هذه الآية بقوله ﴿ ولئن أتبعت أهواءهم ﴾ وبينا أن ذلك على سبيل الفرض والشرطية لا حاجة في صدقها إلى صدق جزأيها، أو المراد الأمة كما قلنا.
وفي قوله ﴿ ولتكونن من الخاسرين ﴾ إشارة إلى أن منصب النبوة الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من الله إذا بدل بضدّه الذي هو البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك.
ثم ردّه إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص الله بالعبادة فقال ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾ على ذلك لأن توفيق العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم.
ثم بين أنهم لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا الله حق معرفته وقد مر في "الأنعام" و "الحج".
ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلاً ﴿ والأرض جميعاً قبضته ﴾ قال جار الله: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز.
وكذلك حكم ما يروى عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى النبي فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك.
فضحك رسول الله تعجباً مما قال وأنزل الله الآية تصديقاً له.
وقال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه، ثم ذكر كلاماً آخر طويلاً.
واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا.
وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن يؤوّل الآية بما شاء.
وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل.
ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح لله فوجب المصير إلى التأويل صوناً للنص عن التعطيل.
ولا تأويل إلا أن يقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال: فلان في قبضة فلان.
وقال ﴿ وما ملكت أيمانهم ﴾ ويقال: هذه الدار في يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد.
وأنا أقول: هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي، والذي ذكره جار الله طريق بياني، وأنهم يحيلون كثيراً من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما.
ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر.
ولنرجع إلى الآية.
قوله ﴿ والأرض ﴾ قالوا: المراد بها الأرضون لوجهين: أحدهما قوله ﴿ جميعا ﴾ فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله ﴿ كل الطعام ﴾ وقوله ﴿ والنخل باسقات ﴾ والثاني قوله ﴿ والسموات ﴾ ولقائل أن يقول: كل ما هو ذو أجزاء حساً أو حكماً فإنه يصح تأكيده بالجميع.
وعطف السموات على الأرض في القرآن كثير.
نعم قيل: إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد.
والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعاً مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته.
وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ ﴿ والسموات مطويات بيمينه ﴾ كقوله ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ﴾ وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك.
وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة.
وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسموات وتبديلها.
وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله { وتعالى عما يشركون} ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ الظاهر أن نفخ الصور مرتان، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في "النمل"، والثانية للموت وهو معنى الصعق، والثالثة للإعادة.
والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين، وقد مر في "النمل" تفسير باقي الآية.
قال جار الله: تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان.
ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينظرون ماذا يفعل بهم.
ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيراً.
ثم وصف أرض القيامة بقوله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ الظاهر أن هذا نور تجليه .
وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وفي غيره من المواضع.
وقال علماء البيان: افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم.
ويقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره.
وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق الله في ذلك اليوم للأرض نوراً مخصوصاً.
وقيل: أراد أرض الجنة.
ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله ﴿ ووضع الكتاب ﴾ إلى آخره.
وكل ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل.
والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس.
﴿ وجيء بالنبيين ﴾ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون.
والمراد بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح والمكان والزمان أيضاً.
وقيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله ولعله ليس في تخصيصهم بالذكر فائدة.
وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار، وختم السورة بذكر أهل الجنة فقال: ﴿ وسيق ﴾ وهو على عادة إخبار الله .
والزمر الأفواج المتفرقة واحدها زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى الجنة أو النار، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب والطبقات، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة جماعة.
والخزنة جمع خازن، والمراد بكلمة العذاب قوله ﴿ لأملأن جهنم ﴾ أو علم الله السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل على الكافرين ليعلم سبب العذاب.
سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل الجنة؟
الجواب من وجوه: قال جار الله: المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا، وحثها إسراع لهم إلى دار الكرامة والرضوان: وقيل: طباق.
وقيل: أكثر أهل الجنة البله فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم.
وقيل: إنهم يقولون لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة.
وقال أهل العرفان: المتقون قد عبدوا الله لله لا للجنة فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يفتقرون إلى السوق.
وقال الحكيم: كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك معنى السوق.
سؤال آخر: لم قيل في صفة أهل النار ﴿ فتحت أبوابها ﴾ من غير واو وفي صفة أهل الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ بالواو؟
والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له واو الثمانية قد مر في قوله ﴿ التائبون العابدون ﴾ وفي سورة الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا: إن أبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ﴾ فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها، وعلى هذا فجواب ﴿ حتى إذا ﴾ محذوف وحق موقعه ما بعد ﴿ خالدين ﴾ أي كان ما كان من أصناف الكرامات والسعادات.
وقيل: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها أي مع فتح أبوابها.
وقيل: لأهل التأويل أن يقولوا: إن أبواب الجنة وهي أسباب حصول الكمالات مفتوحة بمعنى أنها غير ممنوع عنها بل مندوب إليها مرغب فيها، وأبواب جهنم مغلقة بمعنى أن أسبابها ممنوع عنها على لسان الشرع والعقل جميعاً.
ومعنى تسليم الخزنة الإكرام والتهنئة بأنهم سلموا من أحوال الدنيا وأهوال القيامة.
ومعنى ﴿ طبتم ﴾ قيل: إخبارهم عن كونهم طيبين في الدنيا بالأفعال الصالحة والأخلاق الفاضلة، أو طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها.
وقيل: إن أهل الجنة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عنده عينين تجريان من ساق شجرة فيتطهرون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير أبشارهم بعدها أبداً، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى فيقول لهم الخزنة: طبتم.
وقال جار الله: أرادوا طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا، ولهذا عقبه بقوله ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ ليعلم أن الطهارة عن المعاصي هي السبب في دخول الجنة والخلود فيها لأنها دار طهرها الله من دنس فلا يدخلها إلا من هو موصوف بصفتها رزقنا الله بعميم فضله وحسن توفيقه نسبة توجب ذلك.
ثم حكى قول المتقين في الجنة فقال ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴾ أي الوعد بدخول الجنة ﴿ وأورثنا الأرض ﴾ أرض الجنة عبر عن التمليك بالإيراث وقد مرّ مراراً ﴿ نتبوّأ منها حيث نشاء ﴾ لأن لكل متق جنة توصف سعة فيتبوّأ من جنته كما يريد من غير منازع.
وقال حكماء الإسلام: الجنات الجسمانية كذلك، أما الروحانية فلا مانع فيها من المشاركة وأن يحصل لغيره ما يحصل لبعض الأشخاص.
ثم وصف مآب الملائكة المقربين بعد بعثهم فقال ﴿ وترى ﴾ أيها الرائي أو النبي ﴿ الملائكة حافين ﴾ محدّقين وهو نصب على الحال.
قال الفراء: لا واحد له لأنه لا بد فيه من الجمعية.
وأقول: لعله عني من حيث الاستعمال.
وقيل: الحاف بالشيء الملازم له.
وقوله ﴿ من حول العرش ﴾ "من" زائدة أو ابتدائية أي مبتدأ خوفهم من هناك إلى حيث شاء الله أو متصل بالرؤية ﴿ يسبحون بحمد ربهم ﴾ تلذذاً لا تعبداً.
وكان جوانب العرش دار ثواب الملائكة وإنها ملاصقة لجوانب الجنة.
والضمير في قوله ﴿ وقضي بينهم ﴾ للعباد كلهم لقرائن ذكر القيامة فإن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون الإقضاء بينهم بالحق والعدل.
وقيل: بين الأنبياء وأممهم.
وقيل: تكرار لقوله ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ﴾ وقيل: هو حال وقد مقدرة معه أي يسبحون بحمد ربهم وقد قضى بينهم يعني بين الملائكة على أن ثوابهم ليس على سنن واحد.
ويحتمل عندي أن يعود الضمير إلى البشر والملائكة جميعاً، والقضاء بينهم هو إنزال البشر مقامهم من الجنة أو النار، وإنزال الملائكة حول العرش.
ثم ختم السورة بقوله ﴿ وقيل الحمد لله ﴾ والقائل المقضي بينهم وهم جميع العباد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله ﴾ جميع الملائكة حمدوا الله على إنزال كلّ منزلته.
قوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ﴾ .
على ما ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن حرف الاستفهام والشك إذا أضيف إلى الله - عز وجل - فهو على الإيجاب والإلزام، ثم قال بعض أهل التأويل: إن قوله - عز وجل -: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ﴾ هم الملائكة الذين عبدوها لكنه بعيد؛ لأنه قال - عز وجل - بعد ذلك: ﴿ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ ، والملائكة أهل العقل والعلم، وإنهم يملكون ذلك إذا جعل لهم وملكوا، لكن الآية في الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله؛ على رجاء أن تشفع لهم وتقربهم عبادتهم إياها إلى الله زلفى؛ لقولهم ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، وقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ؛ فهو أشبه بالأصنام التي كانوا يعبدونها من الملائكة، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: بل اتخذوا بعبادة من عبدوه من دون الله شفعاء لأنفسهم، ولا يكونون شفعاء لهم، ولا يملكون ذلك ولا يفعلون.
والثاني: بل اتخذوا لأنفسهم من دون الله شفعاء، ولا يملك أحد جعل الشفاعة لأحد دون الله، إلا من جعل الله له الشفاعة، ولا يجعل الله لأحد الشفاعة إلا من كان له عند الله عهد، أو من ارتضى له الشفاعة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ ، يدل على هذا قوله؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .
[وقوله:] ﴿ قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ﴾ .
هو ما ذكرنا: هو المالك الشفاعة جميعاً، لا يملك أحد سواه إلا من جعل الله له الشفاعة وارتضى له، فأمّا أن يملك أحد سواه اتخاذ الشفاعة لنفسه، أو جعل الشفاعة لنفسه فلا، والله الموفق.
وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .
في البعث، أو يرجعون إلى ما أعد الله لهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إذا ذكر النبي توحيد الله في القرآن ﴿ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ أي: نفرت؛ كقوله - عز وجل - في بني إسرائيل: ﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً ﴾ ، وإذا ذكر النبي الذين عبدوا من دونه الآلهة؛ كقوله في سورة النجم؛ حيث قال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ ، وألقى الشيطان في فمه: "تلك الغرانيق العلا، منها الشفاعة لترتجى"؛ ففرح الكفار حين سمعوا أن لها شفاعة: إلى هذا يذهب مقاتل وغيره، لكنه ليس كذا، وغير هذا كأنه أولى به وأقرب، وهو أن قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ ﴾ ، أي: إذا ذكر النبي توحيد الله وألوهيته، أو ذكر هذا أهل التوحيد وهذا الألوهية ممن عبدوا دونه ﴿ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أي: نفرت وأنكرت؛ كقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ : وإذا ذكر أهل الكفر الذين عبدوا من دونه عبادتهم إياها وخلوتهم بها إذا هم يفرحون ويستبشرون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱشْمَأَزَّتْ ﴾ ، قال بعضهم: أبغضت ونفرت.
وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ ٱشْمَأَزَّتْ ﴾ : أنكرت وذعرت، ويقال في الكلام: ما لي أراك مشمئزا؟
أي: مذعوراً، ويقال: اشمأز المكان، أي: بعد.
وقال بعضهم: ﴿ ٱشْمَأَزَّتْ ﴾ : استكبرت وكفرت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
أمر رسوله أن يقول لهم، وهو كلام التوحيد.
وقوله: ﴿ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل: مبدئ، ويحتمل: مبدع، أو خالق السماوات والأرض، والله أعلم.
وقوله: ﴿ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ ما أشهد الخلق بعضهم على بعض، هو عالم ذلك كله.
أو الغيب: ما غاب عن الخلق كلهم، والشهادة ما شهده الخلق.
أو أن يكون قوله: ﴿ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ ، أي: عالم ما يكون أنه يكون، والشهادة: ما قد كان، يعلم ذلك كله: يعلم ما يكون أنه يكون، وما كان يعلمه كائناً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .
يوم القيامة؛ كقوله: ﴿ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ...
﴾ الآية [النساء: 141].
أو أن يكون قوله: ﴿ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ : في هذه الدنيا، فهو يخرج على وجوه: أحدها: ما جعل الله في خلقتهم إثبات الصانع وشهادة الوحدانية لله - عز وجل - وألوهيته.
والثاني: بما أنزل الله من الكتب والرسل، وبين لهم فيها ما لهم وما عليهم.
ثم إن كان في الآخرة فجائز ألا يكون يحكم بيننا فيما وسع علينا الحكم في الأمر في الدنيا، ويرتفع المحنة به في الآخرة من نحو الأحكام التي سبيل معرفتها بالاجتهاد، ولا يحكم بيننا بشيء من ذلك، وأما ما كان غير موسع علينا في الدنيا ترك ذلك، وهو مما لا يرتفع المحنة به في الدارين جميعاً: من نحو التوحيد والدين فذلك يحكم بيننا في الآخرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
كأنه - والله أعلم - يذكر لرسول الله ليصبره على أذاهم إياه، وأن يشفق عليهم بما ينزل بهم في الآخرة؛ لأنه أخبر عن عظيم ما ينزل بهم: أنهم مع بخلهم وضنهم بهذه الدنيا لو كان ما في الأرض من الأموال، وضعف ذلك أيضاً لهم، لافتدوا بذلك كله من سوء ما ينزل بهم من العذاب، وكذلك ما ذكر من قوله: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ يخبر عن سوء معاملتهم ربهم، على علم منه أنهم يؤذون رسوله وأن ذلك يشتد عليه ويشق؛ لينظر أنهم كيف عاملوا ربهم من سوء المعاملة؛ ليصبر هو على سوء معاملتهم إياه ولا يترك الرحمة والشفقة عليهم بما ينزل بهم في الآخرة من سوء العذاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : من شهادة الجوارح عليهم والنطق ما لم يكونوا يحتسبون ذلك، ولكن غير هذا كأنه أقرب: بدا لهم من الهوان والعذاب لهم في الآخرة ما لم يكونوا يحتسبون.
ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: أنهم كانوا يقولون: حيث فضلنا الله في هذه الدنيا بفضول الأموال والكرامة؛ فعلى ذلك نكون في الآخرة مفضلين عليهم كما كنا في الدنيا؛ ولذلك قالوا: ﴿ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ ونحوه؛ فبدا لهم وظهر في الآخرة ما لم يكونوا يحتسبون ما ذكرنا من الهوان لهم والعذاب.
والثاني: كانوا ينكرون رسالة نبينا ويقولون: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ، وقالوا: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا...
﴾ الآية [ص: 8]، ونحو ذلك من الكلام؛ كقولهم - أيضاً -: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ : لا يرون الرسالة توضع إلا في العظيم من أمر الدنيا؛ فأخبر أنه يبدو لهم ما [لم] يكونوا يحتسبون؛ لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بَدَا ﴾ ، أي: ظهر لهم جميع ما صنعوا في الدنيا في الآخرة؛ حتى حفظوا وذكروا ذلك كله.
والثاني: بدا لهم ما حسبوا حسنات سيئات، والله أعلم.
أو أن يكون ذلك في الجزاء، أي: بدا لهم وظهر جزاء ما كسبوا؛ يدل على ذلك قوله: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول-: اللَّهُمَّ خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، عالم ما غاب وما حضر، لا يخفى عليك شيء من ذلك، أنت وحدك تفصل بين عبادك يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، فتبين المحق والمبطل، والسعيد والشقي.
<div class="verse-tafsir" id="91.yj5r6"