الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٦١ من سورة الزمر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 80 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦١ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ) أي : مما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله ، ( لا يمسهم السوء ) أي : يوم القيامة ، ( ولا هم يحزنون ) أي : ولا يحزنهم الفزع الأكبر ، بل هم آمنون من كل فزع ، مزحزحون عن كل شر ، مؤملون كل خير .
القول في تأويل قوله تعالى : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) يقول تعالى ذكره: وينجي الله من جهنم وعذابها, الذين اتقوه بأداء فرائضه, واجتناب معاصيه في الدنيا, بمفازتهم: يعني بفوزهم, وهي مفعلة منه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل, وإن خالفت ألفاظ بعضهم اللفظة التي قلناها في ذلك.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ) قال: بفضائلهم.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ) قال: بأعمالهم, قال: والآخرون يحملون أوزارهم يوم القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ .
واختلفت القرّاء في ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة, وبعض قرّاء مكة والبصرة: ( بِمَفَازَتِهِمْ ) على التوحيد.
وقرأته عامة قرّاء الكوفة: " بمفازاتهم " على الجماع.
والصواب عندي من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان, قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, لاتفاق معنييهما، والعرب توحد مثل ذلك أحيانا وتجمع بمعنى واحد, فيقول أحدهم: سمعت صوت القوم, وسمعت أصواتهم, كما قال جل ثناؤه: إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ , ولم يقل: أصوات الحمير, ولو جاء ذلك كذلك كان صوابا.
وقوله: ( لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) يقول تعالى ذكره: لا يمس المتقين من أذى جهنم شيء, وهو السوء الذي أخبر جل ثناؤه أنه لن يمسهم, ولا هم يحزنون، يقول: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا, إذ صاروا إلى كرامة الله ونعيم الجنان.
قوله تعالى : وينجي الله الذين اتقوا وقرئ : " وينجي " أي : من الشرك والمعاصي .
[ ص: 245 ] بمفازتهم على التوحيد قراءة العامة لأنها مصدر .
وقرأ الكوفيون : " بمفازاتهم " وهو جائز كما تقول بسعاداتهم .
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة ، قال : ( يحشر الله مع كل امرئ عمله ، فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة وأطيب ريح ، فكلما كان رعب أو خوف قال له : لا ترع فما أنت بالمراد به ولا أنت بالمعني به .
فإذا كثر ذلك عليه قال : فما أحسنك فمن أنت ؟
فيقول : أما تعرفني ؟
أنا عملك الصالح ، حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك ولأدفعن عنك فهي التي قال الله : وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون .
ولما ذكر حالة المتكبرين، ذكر حالة المتقين، فقال: { وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ } أي: بنجاتهم، وذلك لأن معهم آلة النجاة، وهي تقوى اللّه تعالى، التي هي العدة عند كل هول وشدة.
{ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ } أي: العذاب الذي يسوؤهم { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } فنفى عنهم مباشرة العذاب وخوفه، وهذا غاية الأمان.فلهم الأمن التام، يصحبهم حتى يوصلهم إلى دار السلام، فحينئذ يأمنون من كل سوء ومكروه، وتجري عليهم نضرة النعيم، ويقولون { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ }
( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ) قرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر : " بمفازاتهم " بالألف على الجمع أي : بالطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة ، وقرأ الآخرون : " بمفازتهم " على الواحد لأن المفازة بمعنى الفوز ، أي : ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة .
قال المبرد : المفازة مفعلة من الفوز ، والجمع حسن كالسعادة والسعادات .
( لا يمسهم السوء ) لا يصيبهم المكروه ( ولا هم يحزنون ) .
«وينجَّي الله» من جهنم «الذين اتقوْا» الشرك «بمفازتهم» أي بمكان فوزهم من الجنة بأن يجعلوا فيه «لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون».
وينجي الله من جهنم وعذابها الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه واجتناب نواهيه بفوزهم وتحقق أمنيتهم، وهي الظَّفَر بالجنة، لا يمسهم من عذاب جهنم شيء، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
ثم بين - سبحانه - حال المؤمنين يوم القيامة ، بعد بيانه لحال الذين كذبوا على الله فقال : ( وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السواء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .ومفازتهم : اسم مصدر .
أو مصدر ميمى .
من فاز فلان بكذا ، إذا ظفر به ، ونال مراده منه .أى؛ وينجى الله - تعالى - بفضله ورحمته ، ( الذين اتقوا ) الشرك والمعاصى من عذاب جهنم ، ( بِمَفَازَتِهِمْ ) أى : بسبب فوزهم برضا الله - تعالى - ورحمته ، جزاء إيمانهم وتقواهم ، وقرأ حمزة والكسائى ( بِمَفَازَتِهِمْ ) بالجمع .ويصح أن تكون الباء فى قوله : ( بِمَفَازَتِهِمْ ) للملابسة ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو حال من الذين اتقوا .
أى ينجيهما حالة كونهم متلبسين .وقوله : ( لاَ يَمَسُّهُمُ السواء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) يجوز أن يكون تفسيراً لذلك الفوز ، كأنه قيل : وما مظاهر فوزهم فكان الجواب : لا يمسهم السوء الذى يصيب غيرهم من الكافرين والعصاة ، ولا هم يحزنون على شئ تركوه خلفهم فى الدنيا .ويجوز أن يكون حالا من الذين اتقوا .
أى : ينجيهم بسبب مفازتهم ، حال كونهم لا يمسهم السوء ، أى : لا يمسهم شئ مما يكره لا فى الحال ولا فى الاستقبال ، ولا هم يحزنون على ما كان منهم فى الماضى .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد كرم المتقين تكريما عظيما ، حيث نجاهم من عذاب جهنم ، وجعلهم آمنين من كل ما يغمهم فى كل زمان أو مكان .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : هذه آية جامعة ، لأن الإِنسان إذا علم أنه لا يمسه السوء ، كان فراغ البال بحسب الحال ، وإذا علم أنه لا يحزن كان هادئ النفس عما وقع فى قلبه بسبب فوات الماضى ، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل الآفات .وقد دلت الآية على أن المؤمنين ، لا ينالهم الخوف والرعب فى القيامة ، وتأكد هذا بقوله : ( لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر .
.
) .
اعلم أن هذا نوع آخر من تقرير الوعيد والوعد، أما الوعيد فقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ وفيه بحثان: أحدهما: أن هذا التكذيب كيف هو؟
والثاني: أن هذا السواد كيف هو؟.
البحث الأول: عن حقيقة هذا التكذيب، فنقول: المشهور أن الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، ومنهم من قال هذا القدر لا يكون كذباً بل الشرط في كونه كذباً أن يقصد الإتيان بخبر يخالف المخبر عنه، إذا عرفت هذا الأصل فنذكر أقوال الناس في هذه الآية: قال الكعبي: ويرد الجبر بأن هذه الآية وردت عقيب قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى ﴾ يعني أنه ما هداني بل أضلني، فلما حكى الله عن الكفار ثم ذكر عقيبه ﴿ تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ وجب أن يكون هذا عائداً إلى ذلك الكلام المتقدم، ثم روي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما بال أقوام يصلون ويقرأون القرآن، يزعمون أن الله كتب الذنوب على العباد، وهم كذبة على الله، والله مسود وجوههم».
واعلم أن أصحابنا قالوا آخر الآية يدل على فساد هذا التأويل لأنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْمُتَكَبّرِينَ ﴾ وهذا يدل على أن أولئك الذين صارت وجوههم مسودة أقوام متكبرون، والتكبر لا يليق بمن يقول أنا لا أقدر على الخلق والإعادة والإيجاد، وإنما القادر عليه هو الله سبحانه وتعالى، أما الذين يقولون إن الله يريد شيئاً وأنا أريد بضده، فيحصل مرادي ولا يحصل مراد الله، فالتكبر بهذا القائل أليق، فثبت أن هذا التأويل الذي ذكروه فاسد، ومن الناس من قال إن هذا الوعيد مختص باليهود والنصارى، ومنهم من قال إنه مختص بمشركي العرب، قال القاضي يجب حمل الآية على الكل من المشبهة والمجبرة وكذلك كل من وصف الله بما لا يليق به نفياً وإثباتاً، فأضاف إليه ما يجب تنزيهه عنه أو نزهه عما يجب أن يضاف إليه، فالكل منهم داخلون تحت هذه الآية، لأنهم كذبوا على الله، فتخصيص الآية بالمجبرة والمشبهة أو اليهود والنصارى لا يجوز، واعلم أنا لو أجرينا هذه الآية على عمومها كما ذكره القاضي لزمه تكفير الأمة، لأنك لا ترى فرقة من فرق الأمة إلا وقد حصل بينهم اختلاف شديد في صفات الله تعالى، ألا ترى أنه حصل الاختلاف بين أبي هاشم وأهل السنة في مسائل كثيرة من صفات الله تعالى، ويلزم على قانون قول القاضي تكفير أحدهما، فثبت أنه يجب أن يحمل الكذب المذكور في الآية على ما إذا قصد الإخبار عن الشيء، مع أنه يعلم أنه كاذب فيما يقول، ومثال هذا كفار قريش فإنهم كانوا يصفون تلك الأصنام بالإلهية مع أنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنها جمادات، وكانوا يقولون إن الله تعالى حرم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، مع أنهم كانوا ينكرون القول بأن الله حرم كذا وأباح كذا، وكان قائله عالماً بأنه كذب وإذا كان كذلك فإلحاق مثل هذا الوعيد بهذا الجاهل الكذاب الضال المضل (يكون) مناسباً، أما من لم يقصد إلا الحق والصدق لكنه أخطأ يبعد إلحاق هذا الوعيد به.
البحث الثاني: الكلام في كيفية السواد الحاصل في وجوههم، والأقرب أنه سواد مخالف لسائر أنواع السواد، وهو سواد يدل على الجهل بالله والكذب على الله، وأقول إن الجهل ظلمة، والظلمة تتخيل كأنها يواد فسواد قلوبهم أوجب سواد وجوههم، وتحت هذا الكلام أسرار عميقة من مباحث أحوال القيامة، فلما ذكر الله هذا الوعيد أردفه بالوعد فقال: ﴿ وَيُنَجّى الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ الآية، قال القاضي المراد به من اتقى كل الكبائر إذ لا يوصف بالاتقاء المطلق إلا من كان هذا حاله، فيقال له: أمرك عجيب جداً فإنك قلت لما تقدم قوله تعالى: ﴿ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى لَكُنتُ مِنَ المتقين ﴾ وجب أن يحمل قوله: ﴿ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ﴾ على الذين قالوا: ﴿ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى ﴾ فعلى هذا القانون لما تقدم قوله: ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ .
ثم قال تعالى بعده: ﴿ وَيُنَجّى الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ وجب أن يكون المراد هم الذين اتقوا ذلك الكذب، فهذا يقتضي أن كل من لم يتصف بذلك الكذب أنه يدخل تحت ذلك الوعد المذكور بقوله: ﴿ وَيُنَجّى الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ وأن يكون قولك ﴿ الذين اتقوا ﴾ المراد منه من اتقى كل الكبائر فاسداً، فثبت أن التعصب يحمل الرجل العاقل على الكلمات المتناقضة، بل الحق أن تقول المتقي هو الآتي بالاتقاء والآتي بالاتقاء في صورة واحدة آت بمسمى الاتقاء، وبهذا الحرف قلنا الأمر المطلق لا يفيد التكرار، ثم ذلك الاتقاء غير مذكور بعينه في هذه اللفظة فوجب حمله على الاتقاء عن الشيء الذي سبق ذكره وهذا هو الكذب على الله تعالى، فثبت أن ظاهر الآية يقتضي أن من اتقى عن تلك الصفة وجب دخوله تحت هذا الوعد الكريم.
ثم قال تعالى: ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بمفازاتهم على الجمع، والباقون بمفازتهم على التوحيد، وحكى الواحدي عن الفرّاء أنه قال: كلاهما صواب، إذ يقال في الكلام قد تبين أمر القوم وأمور القوم، قال أبو علي الفارسي: الإفراد للمصدر ووجه الجمع أن المصادر قد تجمع إذا اختلفت أجناسها، كقوله تعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا ﴾ ولا شك أن لكل متق نوعاً آخر عن المفازة.
المسألة الثانية: المفازة مفعلة من الفوز وهو السعادة، فكأن المعنى أن النجاة في القيامة حصلت بسبب فوزهم في الدنيا بالطاعات والخيرات، فعبر عن الفوز بأوقاتها ومواضعها.
ثم قال: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ السوء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ والمراد أنه كالتفسير لتلك النجاة، كأنه قيل كيف ينجيهم؟
فقيل: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ السوء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وهذه كلمة جامعة لأنه إذا علم أنه لا يمسه السوء كان فارغ البال بحسب الحال عما وقع في قله بسبب فوات الماضي، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل الآفات، ونسأل الله الفوز بهذه الدرجات بمنه وكرمه.
المسألة الثالثة: دلت الآية على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف والرعب في القيامة، وتأكد هذا بقوله: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ ينجي ﴾ و ﴿ ينجي ﴾ ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ بفلاحهم، يقال: فاز بكذا إذا أفلح به وظفر بمراده منه.
وتفسير المفازة قوله: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ السواء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ كأنه قيل: ما مفازتهم؟
فقيل: لا يمسهم السوء، أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم.
أو بسبب منجاتهم، من قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب ﴾ [آل عمران: 188] أي بمنجاة منه؛ لأنّ النجاة من أعظم الفلاح، وسبب منجاتهم العمل الصالح ولهذا فسر ابن عباس رضي الله عنهما المفازة بالأعمال الحسنة، ويجوز: بسبب فلاحهم؛ لأنّ العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة.
ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه: مفازة؛ لأنه سببها.
وقرئ: ﴿ بمفازاتهم ﴾ على أن لكل متّق مفازة.
فإن قلت: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ ﴾ ما محله من الإعراب على التفسيرين؟
قلت: أما على التفسير الأوّل فلا محل له؛ لأنه كلام مستأنف.
وأما على الثاني فمحله النصب على الحال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ ﴾ بِأنْ وصَفُوهُ بِما لا يَجُوزُ كاتِّخاذِ الوَلَدِ.
﴿ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ﴾ بِما يَنالُهم مِنَ الشِّدَّةِ أوْ بِما يُتَخَيَّلُ عَلَيْها مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ، والجُمْلَةُ حالٌ إذِ الظّاهِرُ أنَّ تَرى مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ واكْتَفى فِيها بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ.
﴿ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى ﴾ مَقامٌ.
﴿ لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ وهو تَقْرِيرٌ لِأنَّهم يَرَوْنَ كَذَلِكَ.
﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ وقُرِئَ «وَيُنْجِي» .
﴿ بِمَفازَتِهِمْ ﴾ بِفَلاحِهِمْ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وتَفْسِيرُها بِالنَّجاةِ تَخْصِيصُها بِأهَمِّ أقْسامِهِ وبِالسَّعادَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ إطْلاقٌ لَها عَلى السَّبَبِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ غَيْرَ حَفْصٍ بِالجَمْعِ تَطْبِيقًا لَهُ بِالمُضافِ إلَيْهِ والباءُ فِيها لِلسَّبَبِيَّةِ صِلَةٌ لِـ يُنَجِّي أوْ لِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ وهو حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المَفازَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَيُنَجِّى الله} وَيُنَجّى روح {الذين اتقوا} من الشرك {بِمَفَازَتِهِمْ} بفلاحهم يقال فاز بكذا إذا أفلح به وظفر بمراده منه وتفسير المفازة {لاَ يَمَسُّهُمُ السوء} النار {وَلاَ هُمْ يحزنون} كأنه قيل وما مفازتهم فقيل لا يمسهم السوء أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم أي لا يمس أبدانهم أذى ولا قلوبهم خزي أو بسبب منجاتهم من قوله تعالى فلا نحسبنهم بمفازة من العذاب أي بمنجاة منه لأن النجاة من أعظم الفلاح وسبب منجاتهم العمل الصالح ولهذا فسر ابن عباس رضى الله عنهما المفازة بالأعمال الحسنة ويجوز بسبب فلاحهم لأن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لانه سببها ولا محل للايمسهم على التفسير الأول لأنه كلام مستأنف ومحله النصب على الحال على الثاني بمفازاتهم كوفي غير حفص
﴿ ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ ما اتَّصَفَ بِهِ أُولَئِكَ المُتَكَبِّرُونَ مِن جَهَنَّمَ.
وقُرِئَ «يُنْجِي» بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْجاءِ ﴿ بِمَفازَتِهِمْ ﴾ اسْمُ مَصْدَرٍ كالفَلاحِ عَلى ما في الكَشْفِ أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ عَلى ما في غَيْرِهِ مِن فازَ بِكَذا إذا أفْلَحَ بِهِ وظَفَرَ بِمُرادِهِ مِنهُ، وقالَ الرّاغِبُ: هي مَصْدَرُ فازَ أوِ اسْمُ الفَوْزِ ويُرادُ بِها الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ كالفَلاحِ وبِهِ فَسَّرَها السُّدِّيُّ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ مُفِيدَةٌ لِمُقارَنَةِ تَنْجِيَتِهِمْ مِنَ العَذابِ لِنَيْلِ الثَّوابِ أيْ يُنْجِيهِمُ اللَّهُ تَعالى مِن جَهَنَّمَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ لِتَقْواهم مِمّا اتَّصَفَ المُتَكَبِّرُونَ بِهِ مُلْتَبِسِينَ بِفَلاحِهِمْ وظَفَرِهِمْ بِالبُغْيَةِ وهي الجَنَّةُ، ومَآلُهُ يُنْجِيهِمْ مِنَ النّارِ ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، وكَوْنُ الجَنَّةِ بُغْيَةَ المُتَّقِي كائِنًا مَن كانَ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ.
نَعَمْ هي بُغْيَةٌ لِبَعْضِ المُتَّقِينَ مِن حَيْثُ إنَّها مَحَلُّ رُؤْيَةِ مَحْبُوبِهِمُ الَّتِي هي غايَةُ مَطْلُوبِهِمْ ولَكَ أنْ تُعَمِّمَ البُغْيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا إمّا مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿ بِمَفازَتِهِمْ ﴾ مُفِيدَةً لِكَوْنِهِمْ مَعَ التَّنْجِيَةِ أوِ الفَوْزِ مَنفِيًّا عَنْهم عَلى الدَّوامِ مِساسَ جِنْسِ السُّوءِ والحُزْنِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الحالَ مُقَدَّرَةٌ، وقِيلَ: إنَّها مُقارَنَةٌ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ تَنْجِيَتِهِمْ أوْ مَفازَتِهِمْ بِالجَنَّةِ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ بِمِساسِ العَذابِ والحُزْنِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَتَسَنّى بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ المُتَّقِينَ إذْ مِنهم مَن يَمَسُّهُ العَذابُ ويَحْزَنُ لا مَحالَةَ، وعَدَّ وُجُودَ ذَلِكَ لِقِلَّتِهِ وانْقِطاعِهِ كَلا وُجُودَ تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَفازَةِ الفَلاحُ ويُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ( لا يَمَسُّهُمُ ) ..
إلَخْ.
اسْتِئْنافًا لِبَيانِها كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَفازَتُهم ؟
فَقِيلَ: لا يَمَسُّهم..
إلَخْ.
.
والباءُ حِينَئِذٍ عَلى ما في الكَشْفِ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُنَجِّي أيْ يُنْجِيهِمْ بِنَفْيِ السُّوءِ والحُزْنِ عَنْهم.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ في جَعْلِ عَدَمِ الحُزْنِ وعَدَمِ السُّوءِ سَبَبَ النَّجاةِ تَكَلُّفًا فَهُما مِنَ النَّجاةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَوْ جُعِلَتِ الباءُ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا لِلْمُلابَسَةِ لا يَرُدُّ ذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ المَفازَةِ اسْمَ مَكانٍ أيْ مَحَلُّ الفَوْزِ، وفَسُّرَتْ بِالمَنجاةِ مَكانَ النَّجاةِ، وصَحَّ ذَلِكَ لِأنَّ النَّجاةَ فَوْزٌ وفَلاحٌ، وجُعِلَتِ الباءُ عَلَيْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ وهُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ باءِ السَّبَبِيَّةِ وإنَّ المَنجاةَ لا تَصْلُحُ سَبَبًا أيْ يُنْجِيهِمْ بِسَبَبِ مَنجاتِهِمْ وهو الإيمانُ، وهو كالتَّصْرِيحِ بِما اقْتَضاهُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِالمَوْصُولِ السّابِقِ، وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَوّاهُ بِما حَكاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِيُتِمَّ مَذْهَبَهُ أوْ لا مُضافَ بَلْ هُناكَ مَجازٌ بِتِلْكَ القَرِينَةِ مِن إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، والجُمْلَةُ بَعْدُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في هَذا الوَجْهِ حالٌ ولا يَخْفى أنَّ المَفازَةَ بِمَعْنى المَنجاةِ مَكانَ النَّجاةِ هي الجَنَّةُ والإيمانُ أوِ العَمَلُ الصّالِحُ لَيْسَ سَبَبًا لَها نَفْسَها وإنَّما هو سَبَبُ دُخُولِها فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِهِ فَلا تَغْفُلْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَفازَةُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا مِن فازَ مِنهُ أيْ نَجا مِنهُ يُقالُ: طُوبى لِمَن فازَ بِالثَّوابِ وفازَ مِنَ العِقابِ أيْ ظَفَرَ بِهِ ونَجا، والباءُ إمّا لِلْمُلابَسَةِ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلْمَفازَةِ أيْ يُنْجِيهِمُ اللَّهُ تَعالى مُلْتَبِسِينَ بِنَجاتِهِمُ الخاصَّةِ لَهم أيْ بِنَفْيِ السُّوءِ والحُزْنِ عَنْهم، ولا يَخْفى رَكاكَةُ هَذا المَعْنى، وإمّا لِلسَّبَبِيَّةِ إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ أوِ التَّجَوُّزِ نَظِيرَ ما مَرَّ آنِفًا، ولا يَحْتاجُ هُنا إلى اعْتِبارِ الدُّخُولِ كَما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا.
وجُوِّزَ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ تَعَلُّقُ ﴿ بِمَفازَتِهِمْ ﴾ بِما بَعْدَهُ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وبِالجُمْلَةِ الِاحْتِمالاتُ العَقْلِيَّةُ في الآيَةِ كَثِيرَةٌ لِأنَّ المَفازَةَ إمّا اسْمُ مَصْدَرٍ أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ مِن فازَ بِهِ ظَفَرَ أوْ مِن فازَ مِنهُ نَجا والباءُ إمّا لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلِاسْتِعانَةِ، وهي إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها أوْ بِما بَعْدَها وهَذِهِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ احْتِمالًا وإذا ضَمَمْتَ إلَيْها احْتِمالَ حَذْفِ المُضافِ في بِمَفازَتِهِمْ بِمَعْنى مَنجاتِهِمْ أوْ نَجاتِهِمْ واحْتِمالَ التَّجَوُّزِ فِيهِ كَذَلِكَ وكَذا احْتِمالَ كَوْنِ جُمْلَةِ لا ( يَمَسُّهُمُ ) ..
إلَخْ.
حالًا مِنَ المَوْصُولِ واحْتِمالَ كَوْنِها حالًا مِن ضَمِيرِ - مَفازَتِهِمْ - واحْتِمالَ كَوْنِ الحالِ مُقَدَّرَةً وكَوْنَها مُقارَنَةً زادَتْ كَثِيرًا، ولا يَخْفى أنَّ فِيها المَقْبُولَ ودُونَهُ بَلْ فِيها ما لا يَتَسَنّى أصْلًا فَأمْعِنِ النَّظَرَ ولا تَجْمُدْ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ والأعْرَجُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ «بِمَفازاتِهِمْ» جَمْعًا لِتَكُونَ عَلى طِبْقِ المُضافِ إلَيْهِ في الدَّلالَةِ عَلى التَّعَدُّدِ صَرِيحًا <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ يعني: ارجعوا له، وأقبلوا إلى طاعة ربكم وَأَسْلِمُوا لَهُ يعني: أخلصوا، وأقروا بالتوحيد، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ أي: لا تمنعون مما نزل بكم، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ قال الكلبي: هذا القرآن أحسن ما أنزل إليهم يعني: اتبعوا ما أمرتم به.
ويقال: أحلوا، وحرموا حرامه، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً أي: فجأة، وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ بنزوله، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يعني: لكي لا تقول نفس.
ويقال: معناه اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم من ربكم خوفاً، قبل أن تصيروا إلى حال الندامة.
وتقول نفس: يَا حَسْرَتى يعني: يا ندامتا، عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ يعني: تركت، وضيعت من طاعة الله.
وقال مقاتل: يعني: ما ضيعت من ذكر الله.
ويقال: يا ندامتاه على ما فرطت في أمر الله.
وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ يعني: وقد كنت من المستهزئين بالقرآن في الدنيا.
ويقال: وقد كنت من اللاهين.
وقال أبو عبيدة: في جنب الله، وذات الله واحد.
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي يعني: قبل، أو تقول: لو أن الله هداني بالمعرفة، لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي: من الموحدين.
يعني: لو بيّن لي الحق من الباطل، لكنت من المؤمنين، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ يعني: من قبل أن تقول: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً أي: رجعة إلى الدنيا فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يعني: من الموحدين.
يقول الله تعالى: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي يعني: القرآن، فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ أي: تكبرت، وتجبرت عن الإيمان بها، وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ.
قرأ عاصم الجحدري: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي يعني: القرآن.
فَكَذَّبْتَ بِها، وَاسْتَكْبَرْتَ، وَكُنْتِ، كلها بالكسر.
وهو اختيار ابن مسعود، وصالح، ومن تابعه من قراء سمرقند.
وإنما قرأ بالكسر، لأنه سبق ذكر النفس، والنفس تؤنس.
وقراءة العامة كلها بالنصب، لأنه انصرف إلى المعنى.
يعني: يقال للكافر: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ يعني: قالوا: بأن لله شريكاً، وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ صار وجوههم رفعاً بالابتداء.
ويقال: معناه مسودة وجوههم أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ أي: مأوى للّذين تكبروا عن الإيمان، وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ يعني: ينجي الله الذين اتقوا الشرك من جهنم.
قال مقاتل، والكلبي: بأعمالهم الحسنة لا يصيبهم العذاب.
وقال القتبي: بمنجاتهم.
قرأ حمزة، والكسائي: بِمَفَازَاتِهم بالألف، وكذلك عاصم في رواية أبي بكر.
والباقون بِمَفازَتِهِمْ بغير ألفِ والمفازة الفوز، والسعادة، والفلاح، والمفازات جمع.
لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ أي: لا يصيبهم العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ معناه: أن القرآن العزيزَ تضمَّنَ عقائدَ نيرةً وأوامرَ ونواهيَ مَنْجِيَةً وَعِدَاتٍ على الطاعاتِ، والبِرِّ، وتضمَّن أيضاً حدوداً على المعاصِي وَوَعِيداً على بَعْضِها/ فالأحسنُ للمرءِ أنْ يسلك طَريق الطاعةِ والانتهاءِ عن المعصيةِ والعفوِ في الأمورِ ونحوِ ذلك مِنْ أنْ يسلكَ طريقَ الغَفْلَةِ والمعصيةِ فَيُحَدُّ أو يَقَعَ تَحْتَ الوعيدِ، فهذا المعنى هو المقصود ب أَحْسَنَ، وليس المعنى: أنَّ بعضَ القرآن أحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ منْ حيثُ هو قرآن، ت: وروى أبو بكرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال:
قال رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: في قولِ اللَّهِ- عزَّ وجَلَّ-: يَا حَسْرَتى قال: الحسرةُ أن يرى أهلُ النارِ منازِلَهُمْ من الجنة، قال: فهي الحسرةُ «١» ، انتهى.
وقوله: فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في جِهَةِ طاعتهِ وتضييعِ شريعتِه والإيمانِ به، وقال مجاهدٌ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في أمر اللَّه «٢» ، وقولُ الكافِر: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ نَدَامَةً على استهزائه بِأَمْرِ اللَّهِ- تعالى-، و «كرة» مصدرٌ مِنْ كَرّ يَكُرُّ، وهذا الكونُ في هذه الآيةِ داخلٌ في التَّمَنِّي، وباقي الآيةِ أنوارُهُ لائحةٌ، وحُجَجُهُ واضحةٌ، ثم خاطبَ تعالى نبيَّه بِخَبَرِ مَا يَرَاهُ يومَ القيامةِ من حالَةِ الكُفّار، وفي ضِمْنِ هذَا الخبرِ وَعِيدٌ بَيِّنٌ لمعاصريه- عليه السلام- فقال: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ تَرَى من رؤيةِ العينِ، وظاهرُ الآية أنَّ وجوههم تسودّ حقيقة.
وقوله سبحانه: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ ...
الآية، ذَكَر تعالى حَالَةَ المُتَّقينَ ونجاتهم لِيُعَادِلَ بِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ من شَقَاوَةِ الكَافِرِينَ، وفي ذلك تَرْغِيبٌ في حالةِ المتقين لأن الأشياء تَتَبَيَّنُ بِأضْدَادِها، و «مفازتهم» مصدَرٌ مِن الفَوْزِ، وفي الكلام حَذْفُ مضافٍ، تقديرُهُ: ويُنَجِّي اللَّهُ الذين اتقوا بأسْبَابِ مفازَتِهِمْ، وال مَقالِيدُ: المفاتيح وقاله
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ ﴾ فَزَعَمُوا أنَّ لَهُ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ﴾ .
وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنْ شِئْنا فَعَلْنا، وإنْ شِئْنا لَمْ نَفْعَلْ.
وباقِي الآَيَةِ قَدْ ذَكَرْناهُ آَنِفًا [الزُّمَرِ: ٣٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنِ عاصِمٍ: "بِمَفازاتِهِمْ" .
قالَ الفَرّاءُ: وهو كَما تَقُولُ: قَدْ تَبَيَّنَ أمْرُ القَوْمِ وأُمُورَهُمْ، وارْتَفَعَ الصَّوْتُ والأصْواتُ، والمَعْنى واحِدٌ.
وفِيها لِلْمُفَسِّرِينَ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: بِفَضائِلِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: بِفَوْزِهِمْ مِنَ النّارِ.
قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ: مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ، كَقَوْلِكَ: السَّعادَةُ والسَّعاداتُ، والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ، أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ ﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِن الخاسِرِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ ونَجاتَهم لِيُعادِلَ بِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الكَفَرَةِ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ في حالَةِ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ الأشْياءَ تَتَبَيَّنُ بِأضْدادِها.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ [بِمَفازَتِهِمْ]﴾ وذَلِكَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وهو مَصْدَرٌ مِنَ الفَوْزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: [بِمَفازاتِهِمْ] عَلى الجَمْعِ، مِن حَيْثُ النَجاةُ لِأنْواعٍ، ولِأسْبابٍ مُخْتَلِفَةٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ.
وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ويُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِأسْبابٍ أو بِدَواعِي مَفازَتِهِمْ.
قالَ السُدِّيُّ: "بِمَفازَتِهِمْ" بِفَضائِلِهِمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بِأعْمالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ دالٌّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وهو عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ عَلى الأمْرِ، الزَعِيمُ بِإكْمالِهِ وتَتْمِيمِهِ.
و"المَقالِيدُ": المَفاتِيحُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، واحِدُها: مِقْلادٌ، مِثْلَ مِفْتاحٍ، وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: واحِدُ المَقالِيدِ: إقْلِيدٌ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، كَما تَقُولُ: بِيَدِكَ يا فُلانُ مِفْتاحُ هَذا الأمْرِ؛ إذا كانَ قَدِيرًا عَلى السَعْيِ فِيهِ، وقالَ السُدِّيُّ: المَقالِيدُ: الخَزائِنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ غَيْرُ جَيِّدَةٍ، ويُشْبِهُ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: المَقالِيدُ إشارَةٌ إلى الخَزائِنِ أو دالَّةٌ عَلَيْها فَيُسَوِّغُ هَذا القَوْلَ، كَما أنَّ الخَزائِنَ أيْضًا في جِهَةِ اللهِ إنَّما تَجِيءُ اسْتِعارَةً، بِمَعْنى: اتِّساعِ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ يَبْتَدِعُ ويَخْتَرِعُ، ويُشْبِهُ أنْ يُقالَ فِيما قَدْ أوجَدَ مِنَ المَخْلُوقاتِ كالماءِ والنارِ وغَيْرِ ذَلِكَ: إنَّها في خَزائِنِهِ سُبْحانَهُ، وهَذا كُلُّهُ تَجَوُّزٌ عَلى جِهَةِ التَقْرِيبِ والتَفْهِيمِ لِلسّامِعِينَ، وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِذِكْرِ الخَزائِنِ، ووَقَعَتْ في الحَدِيثِ الصَحِيحِ في قَوْلِهِ : « "وَما فَتَحَ اللَيْلَةَ مِنَ الخَزائِنِ"،» والحَقِيقَةُ في هَذا غَيْرُ بَعِيدَةٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِزانِ حاجَةٍ ولا قِلَّةَ قُدْرَةٍ كَما هو اخْتِزانُ البَشَرِ.
«وَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: سَألَتُ رَسُولَ اللهِ عن مَقالِيدِ السَماواتِ والأرْضِ فَقالَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وسُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، هو الأوَّلُ والآخِرُ، والظاهِرُ والباطِنُ، يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".» وَقَوْلُهُ: ﴿ "أفَغَيْرَ" ﴾ مَنصُوبٌ بِـ"أعْبُدُ"، كَأنَّهُ قالَ: أفَغَيَّرَ اللهِ أعْبُدُ فِيما تَأْمُرُونِي؟
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِـ"تَأْمُرُونِّي" عَلى إسْقاطِ "أنْ"، تَقْدِيرُهُ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أنْ أعْبُدَ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: [تَأْمُرُونَنِي] بِنُونَيْنِ، وهَذا هو الأصْلُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ ساكِنَةٍ، وهَذا عَلى حَذْفِ النُونِ الواحِدَةِ، وهي المُوطِئَةُ لِياءِ المُتَكَلِّمِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ النُونِ الأُولى، وهو لَحْنٌ لِأنَّها عَلامَةُ رَفْعِ الفِعْلِ، وفَتْحَ نافِعٌ الياءَ عَلى الحَذْفِ فَقَرَأ: "تَأْمُرُونِيَ"، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّ النُونِ وبِسُكُونِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، كَأنَّهُ قالَ: "وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكَتْ لِيُحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ عَلى وجْهِها، المَعْنى: ولَقَدْ أُوحِيَ إلى كُلِّ نَبِيٍّ لَئِنْ أشْرَكَتْ لِيُحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، و"حَبِطَ": مَعْناهُ: بَطَلَ وسَقَطَ.
وبِهَذِهِ الآيَةِ بَطَلَتْ أعْمالُ المُرْتَدِّ مِن صَلاتِهِ وحَجِّهِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ﴾ [الزمر: 60] إلى آخرها، أي وينجي الله الذين اتقوا من جهنم لأنهم ليسوا بمتكبرين.
وهذا إيذان بأن التقوى تنافي التكبر لأن التقوى كمال الخُلق الشرعي وتقتضي اجتناب المنهيات وامتثال الأمر في الظاهر والباطن، والكبرَ مرض قلبي باطني فإذا كان الكبر ملقياً صاحبه في النار بحكم قوله: ﴿ أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ﴾ [الزمر: 60] فضد أولئك ناجون منها وهم المتقون إذ التقوى تحول دون أسباب العقاب التي منها الكبر، فالذين اتقوا هم أهل التقوى وهي معروفة، ولذلك ففعل ﴿ اتَّقوا ﴾ منزل منزلة اللازم لا يقدَّر له مفعول.
والمفازة يجوز أن تكون مصدراً ميمياً للفوز وهو الفلاح، مثل المتاب وقوله تعالى: ﴿ إن للمتقين مفازاً ﴾ [النبأ: 31]، ولحاق التاء به من قبيل لحاق هاء التأنيث بالمصدر في نحو قوله تعالى: ﴿ ليس لوقعتها كاذبة ﴾ [الواقعة: 2].
وتقدم ذلك في اسم سورة الفاتحة وعند قوله تعالى: ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ﴾ في [آل عمران: 188]، والباء للملابسة، أي متلبسين بالفوز أو الباء للسببية، أي بسبب ما حصلوا عليه من الفوز.
ويجوز أن تكون المفازة اسماً للفلاة، كما في قول لبيد: لِوِرْدٍ تقلص الغيطان عنه *** يبذ مفازة الخِمس الكمال سميت مفازة باسم مكان الفوز، أي النجاة وتأنيثها بتأويل البقعة، وسموها مفازة باعتبار أن من حل بها سلم من أن يلحقه عدوّه، كما قال العُديل: ودون يد الحجاج من أن تنالني *** بساطٌ بأيدي أنا عجات عريض وقول النابغة: تدافع الناس عنا حين نركبها *** من المظالم تدعى أمّ صبار وعلى هذا المعنى فالباء بمعنى (في).
والمفازة: الجنة.
وإضافة مفازة إلى ضميرهم كناية عن شدة تلبسهم بالفوز حتى عُرف بهم كما يقال: فاز فوز فلان.
وقرأ الجمهور ﴿ بمفازتهم ﴾ بصيغة المفرد.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ﴿ بمَفَازاتهم بصيغة الجمع وهي تجري على المعنيين في المفازة لأن المصدر قد يجمع باعتبار تعدد الصادر منه، أو باعتبار تعدد أنواعه، وكذلك تعدد أمكنة الفوز بتعدد الطوائف، وعلى هذا فإضافة المفازة إلى ضمير الذين اتقوا ﴾ لتعريفها بهم، أي المفازة التي علمتم أنها لهم وهي الجنة، وقد عُلم ذلك من آيات وأخبار منها قوله تعالى: ﴿ إن للمقتين مفازاً حدائق وأعناباً وكواعب أتراباً ﴾ [النبأ: 31، 33].
(وجملة ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ مبيِّنة لجملة ﴿ وينجّي الله الذين اتقوا بمفازتهم ﴾ لأن نفي مسّ السوء هو إنجاؤهم ونفي الحزن عنهم نفي لأثر المس السوء.
وجيء في جانب نفي السوء بالجملة الفعلية لأن ذلك لنفي حالة أهل النار عنهم، وأهل النار في مسَ من السوء متجددٍ.
وجيء في نفي الحزن عنهم بالجملة الاسمية لأن أهل النار أيضاً في حزن وغم ثابت لازم لهم.
ومن لطيف التعبير هذا التفنن، فإن شأن الأسواء الجسدية تجدد آلامها وشأن الأكدار القلبية دوام الإحساس بها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ.
الثّانِي: بِما فازُوا بِهِ مِنَ الطّاعَةِ.
الثّالِثُ: بِما ظَفَرُوا مِنَ الإدارَةِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: بِما سَلَكُوا فِيهِ مَفازٌ، الطّاعاتُ الشّاقَّةُ، مَأْخُوذٌ مِن مَفازَةِ السَّفَرِ.
﴿ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ﴾ لِبَراءَتِهِمْ مِنهُ ﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَحْزَنُونَ، بِألّا يَخافُوا سُوءَ العَذابِ.
الثّانِي: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِن ثَوابِ الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب والترمذي وحسنه والنسائي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان.
يساقون إلى سجن في جهنم.
يشربون من عصارة أهل النار طينة الخبال» .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المتكبرين يوم القيامة يجعلون في توابيت من نار، يطبق عليهم ويجعلون في الدرك الأسفل من النار» .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال: يحشر المتكبرون يوم القيامة رجالاً في صور الذر.
يغشاهم الذل من كل مكان.
يسلكون في نار الأنيار.
يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار.
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجاء بالجبارين والمتكبرين رجالاً في صور الذر يطؤهم الناس من هوانهم على الله حتى يقضى بين الناس، ثم يذهب بهم إلى نار الأنيار.
قيل يا رسول الله وما نار الأنيار؟
قال: عصارة أهل النار» .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ﴾ قال: باعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ﴾ في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهية أن تقول نفس وإنما ذكر النفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكفار ﴿ فِي جَنبِ الله ﴾ أي في حق الله وقيل: في أمر الله وأصله من الجنب بمعنى الجانب ثم استعير لهذا المعنى ﴿ الساخرين ﴾ أي المستهزئين ﴿ بلى ﴾ جواب للنفس التي حكى كلامها ولا يجاوب ببلى إلا النفي وهي هنا جواب لقوله: ﴿ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين ﴾ ؛ لأنه في معنى النفي، لأن لو حرف امتناع.
وتقرير الجواب بل قد جاءك الهدى من الله بإرساله الرسل وإنزاله الكتب.
وقال ابن عطية: هي جواب لقوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً ﴾ فإن معناه يقتضي أن العمر يتسع للنظر فقيل له ﴿ بلى ﴾ على وجه الرد عليه، والأول أليق بسياق الكلام لأن قوله: ﴿ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي ﴾ تفسير لما تضمنته بلى ﴿ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ يحتمل أن يريد سواد اللون حقيقة أو يكون عبارة عن شدة الكرب ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ أصله من الفوز والتقدير بسبب فوزهم، وقيل معناه: بفضائلهم ﴿ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ أي قائم بتدبير كل شيء.
﴿ مَقَالِيدُ ﴾ مفاتيح وقيل خزائن واحدها إقليد، وقيل لا واحد لها من لفظها وأصلها كلمة فارسية، وقال عثمان بن عفان: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقاليد السموات والأرض فقال: هي لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير.
فإن صح هذا الحديث فمعناه أن من قال هذه الكلمات صادقاً مخلصاً نال الخيرات والبركات من السموات والأرض لأن هذه الكلمات توصل إلى ذلك فكأنها مفاتيح له ﴿ والذين كَفَرُو ﴾ الآية قال الزمخشري: إنها متصلة بقوله: ﴿ وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ وما بينهما من الكلام اعتراض.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عباده ﴾ على الجمع: يزيد وحمزة وعلي وخلف.
﴿ أرادني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة.
﴿ كاشفات ﴾ بالتنوين ﴿ ضره ﴾ بالنصب وهكذا ﴿ ممسكات رحمته ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون: بالإضافة فيهما ﴿ قضى عليها ﴾ مجهولاً ﴿ الموت ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا ﴾ بسكون الياء: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وسهل ويعقوب، والوقف للجميع بالياء لا غير.
﴿ يا حسرتاي ﴾ بياء بعد الف: يزيد.
الآخرون: بالألف وحدها ﴿ وينجي الله ﴾ بالتخفيف: روح ﴿ بمفازاتهم ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ تأمروني ﴾ بتشديد النون وفتح الياء: ابن كثير ﴿ تأمرونني ﴾ بنونين وسكون الياء: ابن عامر ﴿ تأمروني ﴾ بنون واحدة وفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بتشديد النون وسكون الياء.
﴿ لنحبطن ﴾ بالنون من الإحباط ﴿ عملك ﴾ بالنصب: يزيد.
الآخرون: على الغيبة وفتح العين ﴿ عملك ﴾ بالرفع ﴿ وسيق ﴾ بضم السين وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس ﴿ فتحت ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل في الحرفين.
الوقوف: ﴿ إذ جاءه ﴾ ط ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بمحذوف كما يجيء.
﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ عبده ﴾ ط ﴿ من دونه ﴾ ط ﴿ من هاد ﴾ ه ج ﴿ مضل ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ حسبي الله ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للابتداء بالنفي مع العطف ﴿ بوكيل ﴾ ه ج ﴿ في منامها ﴾ ج ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شفعاء ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط بناء على أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ بالآخرة ﴾ ط ج فصلاً بين الجملتين مع اتفاقهما نظماً ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ يحتسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ دعانا ﴾ ز فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ منا ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ على علم ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ ما كسبوا ﴾ الأولى ط ﴿ ما كسبوا ﴾ الثانية لا لأن الواو للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ لا تشعرون ﴾ ه لا ﴿ الساخرين ﴾ ه لا ﴿ المتقين ﴾ ه لا ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مسودّة ﴾ ط ﴿ للمتكبرين ﴾ ه ﴿ بمفازتهم ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ز للفصل بين الوصفين تعظيماً مع اتفاق الجملتين ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ الجاهلون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لحق القسم المحذوف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بيمينه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ج بياناً لتراخي النفخة الثانية عن الأولى مع اتفاق الجملتين ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ نشاء ﴾ ج ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولاحتمال جعله حالاً وقد قضى بين الزمرين ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: لما ضرب لعبدة الأصنام مثلاً أشار إلى نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو أنهم يضمون على كذبهم على الله بإضافة الشريك والولد إليه تكذيبهم بالصدق يعني الأمر الذي هو الصدق بعينه أي القرآن.
ومعنى ﴿ إذ جاءه ﴾ أنه لم يراع طريقة أهل الإنصاف والتدبر لكنه لما سمع به فاجأه بالتكذيب.
واللام في قوله ﴿ للكافرين ﴾ لهؤلاء المعهودين الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق.
قال جار الله: ويحتمل أن يكون للعموم فيشملهم وغيرهم من الكفرة.
وحين بين وعيدهم عقبه بوعد الصادقين المصدّقين وهم الرسول وأصحابه.
وقيل: الرسول وأبو بكر والتعميم أولى لقوله ﴿ أولئك هم المتقون ﴾ قوله ﴿ ليكفر ﴾ ظاهره تعلقه بـ ﴿ يشاؤن ﴾ فتكون لام العاقبة.
ويحتمل تعلقه بمحذوف أي جزاؤهم وإكرامهم لأجل ذلك.
قال جار الله: الأسوأ ههنا ليس للتفضيل وإنما هو كقولهم: الأشج أعدل بني مروان.
وفائدة صيغة التفضيل استعظامهم المعصية حتى إن الصغائر عندهم أسوأ أعمالهم.
وقال بعض المفسرين: أراد به الكفر السابق الذي يمحوه الإيمان.
واستدل مقاتل ـ وكان شيخ المرجئة ـ بهذه الآية فإنها تدل على أن من صدّق الأنبياء فإنه يكفر عنه أسوأ الأعمال التي أتى بها بعد الإيمان والوصف بالتقوى وفيه نظر.
ثم إنهم كانوا يخوّفون المؤمنين والنبي برفض آلهتهم وتحقيرها.
ويروى أنه بعث خالداً إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إن لها شدّة.
فعمد خالد إليها فهشم أنفها فأنزل الله ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ أي نبيه بدليل قوله ﴿ ويخوّفونك ﴾ ومن قرأ على الجمع فهي للعموم.
والآيات إلى قوله ﴿ بوكيل ﴾ ظاهرة مع أنها تعلم مما سبق ذكرها مراراً.
والعذاب الخزي عذاب يوم بدر، والعذاب المقيم العذاب الدائم في الآخرة، ومدار هذه الآي على تسلية النبي ، ثم أكد كون الهداية والضلال من الله بقوله ﴿ الله يتوفى الأنفس ﴾ وذلك أن الحياة واليقظة تشبه الهداية، والموت والنوم يضاهي الضلال.
فكما أن الحياة والموت واليقظة والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله وتكوينه فكذلك الهداية والضلال، والعارف بهذه الدقيقة عارف بسر الله في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، ففيه تسلية أخرى للنبي .
وقيل في وجه النظم: إنه تعالى أراد أن يذكر حجة أخرى على إثبات الإله العليم القدير ليعلم أنه أحق بالعبادة من كل ما سواه فضلاً عن الأصنام.
ومعنى الآية أن الله يتوفى الأنفس حين موتها.
قال جار الله: أراد بالأنفس الجملة كما هي لأنها هي التي تنام وتموت ﴿ و ﴾ يتوفى الأنفس ﴿ التي لم تمت في منامها ﴾ أي يتوفاها حيت تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى كقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والحاصل أنه يتوفى الأنفس مرتين، مرة عند موتها ومرة عند نومها فتكون "في" متعلقة بـ ﴿ يتوفى ﴾ والتوفي مستعمل في الأول حقيقة وفي الثاني مجازاً، ولم يجوّزه كثير من أئمة الأصول.
وقال الفراء: "في" متعلقة بالموت وتقديره: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها.
ثم بين الفرق بين الحالين بقوله ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الآخرى إلى أجل مسمى ﴾ من غير غلط.
وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها وهو الحياة واليقظة.
وأما في وقت النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس الحياة التي بها النفس وعمل القوى البدنية في الباطن ويفنى ما به التمييز والعقل، وإذا انقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا من القدير الخبير الذي لا شريك له في ملكه ولا نظير، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ ثم كان لمشرك أن يقول: إنما نعبد الأصنام لأنها تماثيل أشخاص كانوا عند الله مقربين فنحن نرجو شفاعتهم فأنكر الله عليهم بقوله ﴿ أم اتخذوا من دون الله ﴾ أي من دون إذنه ﴿ شفعاء ﴾ و "أم" بمعنى "بل"، والهمزة الإنكارية وتقرير الإنكار أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في شفاعة تلك التماثيل وإما في شفاعة من هذه التماثيل تماثيلهم.
والأول باطل لأن هذه الأصنام جمادات لا تملك شيئاً ولا تعقل وأشار إلى هذا المعنى بقوله ﴿ قل أولو كانوا ﴾ يعني أيشفعون ولو كانوا بحيث ﴿ لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ﴾ والثاني أيضاً مستحيل لأن يوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذن الله وهو المراد بقوله ﴿ قل لله الشفاعة ﴾ وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ على الحال.
ولو كان تأكيداً للشفاعة لقيل جمعاء.
وحين قرر أن لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله برهن على ذلك بقوله ﴿ له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ﴾ يوم القيامة ولا ملك في ذلك اليوم إلا له.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال المشركين فقال ﴿ وإذا ذكر الله وحده ﴾ أي منفرداً ذكره عن ذكر آلهتهم ﴿ اشمأزت ﴾ أي نفرت وانقبضت منه ﴿ قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دون ﴾ سواء ذكر الله معهم أو لم يذكر ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ أي فاجأ وقت ذكر آلهتهم وقت استبشارهم.
وفي الآية طباق ومقابلة لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى يظهر أثره في بشرته.
والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه وذلك لاحتباس الروح الحيواني في القلب.
وقيل: معنى الآية أنه إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم.
وفي بعض التفاسير أن هذا إشارة إلى ما روي "أنه لما قرأ سورة النجم وسوس الشيطان إليه بقوله تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فاستبشر المشركون وسجدوا" .
ولما حكى عنهم هذا الجهل الغليظ والحمق الشديد وهو الاشمئزاز عن ذكره من ذكره رأس السعادات وعنوان الخيرات والاستبشار بذكر أخس الأشياء وهي الجمادات، أمر رسوله بهذا الدعاء ﴿ اللهم فاطر السموات والأرض ﴾ وهو وصفه بالقدرة التامة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ وهو نعته بالعلم الكامل.
وإنما قدم وصفه بالقدرة على وصفه بالعلم لأن العلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً كما بين في أصول الدين وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف ﴿ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم بالشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل فلا حيلة في إزالته إلا باستعانة القدير العليم.
عن عائشة أن رسول الله كان يفتتح صلاته بالليل فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم.
وعن الربيع بن خثيم.
وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أوقد فعلوا وقرأه هذه الآية.
وروي أنه قال على أثره: قتل من كان النبي يجلسه في حجره ويضع فاه في فيه.
ثم ذكر وعيدهم على ذلك المذهب الباطل بقوله ﴿ ولو أن للذين ظلموا ﴾ أي بالشرك وقد مر نظير الآية مراراً أوّلها في آل عمران وفيه قوله ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ نظير قوله في أهل الوعد ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ وقيل: عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات.
يروى أن محمد بن المنكدر جزع عند موته فقيل له في ذلك فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم يكن في حسباني.
وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء.
ثم صرح بما أبهم قائلاً ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا ﴾ و "ما" موصولة أو مصدرية أي ظهرت لهم سيئات أعمالهم التي اكتسبوها، أو سيئات كسبهم وذلك عند عرض الصحائف أو غير ذلك من المواقف.
وجوّز أهل البيان أن يراد بالسيئات جزاء أفعالهم كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة ﴾ وإنما قال في الجاثية ﴿ سيئات ما عملوا ﴾ لمناسبة ألفاظ العمل، وههنا قد وقع من ألفاظ الكسب.
ثم حكى نوعاً آخر من قبيح أعمالهم قائلاً ﴿ فإذا مسّ الإنسان ﴾ وقد مر مثله في مواضع أقر بها أول السورة إلا أنه ذكر ههنا بفاء التعقيب لأن هذا مناقض لما حكى عنهم عن قريب وهو أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده فكيف التجأوا إليه وحده عند ضر يصيبهم.
ومعنى ﴿ أوتيته على علم ﴾ أوتيته على علم لله بكوني مستحقاً لذلك أو على علم عندي صار سبباً لهذه المزية ككسب وصنعة ونحو ذلك.
ولا شك أن هذا نوع من الغرور فلهذا قال ﴿ بل هي فتنة ﴾ بلاء واختبار يتميز بها الشاكر عن الكافر.
ذكر الضمير أوّلاً بتأويل المخوّل وأنثه ثانياً بتأويل النقمة.
ثم أشار بقوله ﴿ قد قالها ﴾ أي مجموع الكلمة التي صدرت عنهم و ﴿ الذين من قبلهم ﴾ هم قارون وقومه حيث ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي ﴾ وقومه راضون بها فكأنهم قالوها.
ويجوز أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها ﴿ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ من الأموال أو من المعاصي وأشار بقوله ﴿ هؤلاء ﴾ إلى أهل مكة أصابهم قتل في يوم بدر وغيره وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم: أولم يعلموا أن الباسط والقابض هو الله وحده؟
وذلك أن انتهاء الحوادث المتسلسلة يجب أن يكون إلى إرادته ومشيئته، ولا ينافي هذا توسيط عالم الأسباب وأن يكون للكواكب كلها تأثيرات في عالمنا هذا بإذن مبدعها وفاطرها.
وقول الشاعر: فلا السعد يقضي به المشتري *** ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السماء *** وقاضي القضاة وجل كلام من غير تبين واستبصار بسر القدر.
والذي يشكك به الإمام فخر الدين الرازي من أنه قد يولد إنسانان في طالع واحد ثم يصير أحدهما في غاية السعادة والآخر في غاية الشقاوة كلام غير محقق، لأنا لو سلمنا وقوع ذلك فلاختلاف القابل، وليس تأثير العامل السماوي في طالع ولد السلطان مثله في طالع ولد الحمامي، وكذا اختلافات أخر لا نهاية لها.
نعم لو ادعى عسر إدراك جميع الجزئيات فلا نزاع في ذلك إلا المنتفع بما ينتفع به عليه أن يقنع بما يصل إليه فهمه فلكل شيء حد وفوق كل ذي علم عليم.
وحين أطنب في الوعيد أردفه ببيان كمال رحمته ومغفرته فقال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبدالأوثان وقتل النفس التي حرم الله لن يغفر له ونحن قد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس فأنزل الله هذه الآية.
وعن ابن عمر: نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم عذبوا فارتدوا فنزلت فيهم، وكان عمر كاتباً فكتبها إلى عياش والوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.
وقيل: نزلت بالمدينة في وحشيّ وقد سبق.
ثم إن قلنا: العباد عام فالإسراف على النفس يعم الشرك، ولا نزاع أن عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطاً بالتوبة والإيمان.
وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختص بالمؤمنين فالإسراف إما بالصغائر ولا خلاف في أنها مكفرة ما اجتنبت الكبائر، وأما بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين.
فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو وقد مر مراراً.
عن رسول الله : "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟
فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات" رواه في الكشاف.
وعلى هذا يكون مخصوصاً بشرط الإيمان.
ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات الرحمة: أوّلها تسمية المذنب عبداً والعبودية تشعر بالاختصاص مع الحاجة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضة الجود والرحمة على المساكين.
وثانيها من جهة الإضافة الموجبة للتشريف.
وثالثها من جهة وصفهم بقوله ﴿ الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ كأنه قال يكفيهم من تلك الذنوب عود مضرتها عليهم لا عليّ.
ورابعها نهاهم عن القنوط، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم.
وخامسها قوله ﴿ من رحمة الله ﴾ مع إمكان الاقتصار على الضمير بأن يقول "من رحمتي" فإيراد أشرف الأسماء في هذا المقام يدل على أعظم أنواع الكرم واللطف.
وسادسها تكرير اسم الله في قوله ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ مع تصدير الجملة بـ "إن"، ومع إيراد صيغة المضارع المنبئة عن الاستمرار، ومع تأكيد الذنوب بقوله ﴿ جميعاً ﴾ أي حال كونها مجموعة.
وسابعها إرداف الجملة بقوله ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ ومع ما فيه من أنواع المؤكدات ومع جميع ذلك لم يخل الترغيب عن الترهيب ليكون رجاء المؤمن مقروناً بخوفه فقال ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ وذلك أن الأشاعرة أيضاً يجوّزون أن يدخل صاحب الكبيرة النار مدة ثم يخرج منها.
ومع احتمال هذا العذاب يجب الميل إلى الإنابة والإخلاص لله في العمل على أن الخوف للتقصير في الطاعة يكفي عن الخوف للتصريح بالمعصية، وللصديقين في الأول مندوحة عن الثاني.
وقال بعضهم: إن الكلام قد تم على الآية الأولى، ثم خاطب الكفار بهذه الآيات من قوله ﴿ وأنيبوا ﴾ والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا كما للأمم السابقة، وإما الموت لأنه أول أهوال الآخرة.
وقوله ﴿ أحسن ما أنزل إليكم ﴾ كقوله ﴿ يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ وقد مر الأقوال فيه.
وحين خوّفهم بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون؟
فذكر ثلاثة أنواع من الكلمات: الأوّل أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول أو لئلا.
تقول.
قال جار الله: إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم.
وجوز أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله "رب وفد أكرمته".
﴿ يا حسرتا على ما فرّطت ﴾ أي قصرت.
والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدّم ﴿ في جنب الله ﴾ واعلم أن بعض أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله ولا يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل.
والصحيح ما ذهب إليه علماء البيان أن هذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله: إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج وتقول: لمكانك فعلت كذا.
أي لأجلك.
وفي الحديث "من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل" ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر، وللمفسرين فيه عبارات.
قال ابن عباس: أي ضيعت من ثواب الله.
وقال مقاتل: ضيعت من ذكر الله.
وقال مجاهد: في أمر الله.
وقال الحسن: في طاعة الله.
وعن سعيد بن جبير: في حق الله.
وقيل: في قرب الله من الجنة من قوله ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ وقال ابن جبير: في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد جانب وجنب.
والتحقيق في المسألة أن الشيء الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه كأنه حدّ من حدوده وجانب من جوانبه، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في الآية على أحد هذه المضافات.
قال الشاعر وهو سابق البربري: أما لتقين الله في جنب عاشق.
*** له كبد حرّى عليك تقطع؟
ثم زاد في التحسر بقوله ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ أي المستهزئين بالقرآن والنبي والمؤمنين.
"إن" مخففة، واللام فارقة، والواو تحتمل العطف والحال.
قال قتادة.
لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدّقين.
النوع الثاني من كلمات النفس المعذبة ﴿ لو أن الله هداني ﴾ يجوز أن يقول مرة هذا ومرة ذلك، أو يكون قائل كل من الكلمتين بعد أخرى والمعنى لو أرشدني إلى دينه.
﴿ لكنت من المتقين ﴾ النوع الثالث قوله عند رؤية العذاب ﴿ لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ قال جار الله: لما حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب وهو الثاني، صح أن تقع "بلى" جواباً له مع أنه غير منفي، لأن قوله ﴿ لو أن الله هداني ﴾ في معنى ما هديت.
قلت: هذا يصلح جواباً للقولين الثاني والثالث أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة، فإن عدم القابلية وكونه واقعاً في جانب القهر لن يزول عنه.
ثم صرح ببعض أنواع العذاب قائلاً ﴿ ويوم القيامة نرى الذين كذبوا على الله ﴾ وقوله ﴿ وجوههم مسودّة ﴾ مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال.
والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله ﴿ فكذبت بها ﴾ ويشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد، ونسبته إلى العجز عن الإعادة، ونسبة القرآن إلى كونه مختلفاً ونحو ذلك.
وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل فريق إسلامي ولا سيما الفروعية، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم.
وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من زرقة العيون وغيره، وإن كان المراد به الخجل وشدّة الحياء ونحو ذلك فالله أعلم بمراده.
ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحوهما أنوار كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ﴾ .
ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلاً ﴿ وينجي الله الذين اتقوا ﴾ الشرك أو المعاصي كبائر وصغائر ﴿ بمفازتهم ﴾ هي "مفعلة" من الفوز.
فمن وحد فلأنه مصدر، ومن جمع فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح.
ولا شك أن الباء هي التي في نحو قولك "كتبتُ بالقلم".
فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟
فقيل: ﴿ لا يمسهم السوء ﴾ أي في أبدانهم.
﴿ ولا هم يحزنون ﴾ يتألمون قلباً على ما فات.
وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح، وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة.
ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها.
وعلى هذه الوجوه يكون قوله ﴿ لا يمسهم ﴾ منصوباً على الحال.
وعن الماوردي أن المفازة ههنا البرية أي بما سلكوا مفازة الطاعات الشاقة وهو غريب.
وحين تمم الوعد والوعيد أتبعه شيئاً من دلائل المالكية قائلاً ﴿ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾ وقد مر في "الأنعام".
ثم أكده بقوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ وهو كقوله في "الأنعام" ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ والمقاليد المفاتيح أيضاً فقيل: لا واحد لها من لفظها.
وقيل: مقليد أو مقلد أو إقليد.
والظاهر أنه في الأصل فارسي والتعريب جعله من قبيل العربي.
ويروى أنه سأل عثمان رسول الله عن تفسير الآية فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسير المقاليد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وقال العلماء: يعني أن هذه الكلمات مفاتيح خيرات السموات والأرض وقد يوحد الله بها ويمجد.
قال أهل العرفان: بيده مفاتيح خزائن اللطف والقهر، فيفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فتخرج ينابيع الحكمة وجواهر الأخلاق الحسنة وللآخر بالضد.
قال في الكشاف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ متصل بقوله ﴿ وينجي ﴾ وما بينهما اعتراض دل على أنه خالق الأشياء كلها مهيمن عليها، لا يخفى عليه أعمال المكلفين وجزاؤها فإن كل شيء في السموات والأرض فإن مفتاحه بيده.
هذا والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التقدير البعيد حتى يعطف جملة اسمية على جملة فعلية.
والأقرب أنه لما وصف نفسه بصفات المالكية والقدرة ذكر بعده ﴿ والذين كفروا ﴾ بدلائل ملكه وملكه مع كونها ظاهرة باهرة فلا أخسر منهم لأنهم عمي في الدارين فاقدون لأشرف المطالب ولذلك وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أفغير الله ﴾ أي قل لهم بعد هذا البيان أفغير الله وهو منصوب ﴿ بأعبد ﴾ و ﴿ تأمروني ﴾ اعتراض والمعنى أفغير الله ﴿ أعبد ﴾ بأمركم.
وذلك أن المشركين دعوه إلى دين آبائه.
وجوز جار الله: أن ينصب بما يدل عليه جملة قوله ﴿ تأمروني أعبد ﴾ لأنه في معنى تعبدونني غير الله وتقولون لي اعبد.
والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل.
ويمكن أن يعترض عليه بأن صلة "أن" كيف تتقدّم عليه.
ويحتمل أن يجاب بأن العامل هو ما دل عليه الجملة كما قلنا لا قوله ﴿ أن أعبد ﴾ وقيل: التقدير أفبعبادة غير الله تأمروني؟
وقوله ﴿ أيها الجاهلون ﴾ لا يكون أليق بالمقام منه لأنه لا جهل أشدّ من جهل من نهى عن عبادة أشرف الأشياء وأمر بعبادة أخس الأشياء.
ثم هددّ الأمة على الشرك مخاطباً نبيه بقوله ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ من الأنبياء مثله ﴿ لئن أشركت ﴾ فاقتصر على الأول ويجوز أن يراد ولقد أوحى إليك وإلى كل واحد ممن قبلك لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة أي كل واحد منا وقد مر نظير هذه الآية بقوله ﴿ ولئن أتبعت أهواءهم ﴾ وبينا أن ذلك على سبيل الفرض والشرطية لا حاجة في صدقها إلى صدق جزأيها، أو المراد الأمة كما قلنا.
وفي قوله ﴿ ولتكونن من الخاسرين ﴾ إشارة إلى أن منصب النبوة الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من الله إذا بدل بضدّه الذي هو البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك.
ثم ردّه إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص الله بالعبادة فقال ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾ على ذلك لأن توفيق العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم.
ثم بين أنهم لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا الله حق معرفته وقد مر في "الأنعام" و "الحج".
ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلاً ﴿ والأرض جميعاً قبضته ﴾ قال جار الله: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز.
وكذلك حكم ما يروى عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى النبي فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك.
فضحك رسول الله تعجباً مما قال وأنزل الله الآية تصديقاً له.
وقال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه، ثم ذكر كلاماً آخر طويلاً.
واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا.
وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن يؤوّل الآية بما شاء.
وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل.
ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح لله فوجب المصير إلى التأويل صوناً للنص عن التعطيل.
ولا تأويل إلا أن يقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال: فلان في قبضة فلان.
وقال ﴿ وما ملكت أيمانهم ﴾ ويقال: هذه الدار في يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد.
وأنا أقول: هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي، والذي ذكره جار الله طريق بياني، وأنهم يحيلون كثيراً من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما.
ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر.
ولنرجع إلى الآية.
قوله ﴿ والأرض ﴾ قالوا: المراد بها الأرضون لوجهين: أحدهما قوله ﴿ جميعا ﴾ فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله ﴿ كل الطعام ﴾ وقوله ﴿ والنخل باسقات ﴾ والثاني قوله ﴿ والسموات ﴾ ولقائل أن يقول: كل ما هو ذو أجزاء حساً أو حكماً فإنه يصح تأكيده بالجميع.
وعطف السموات على الأرض في القرآن كثير.
نعم قيل: إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد.
والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعاً مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته.
وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ ﴿ والسموات مطويات بيمينه ﴾ كقوله ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ﴾ وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك.
وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة.
وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسموات وتبديلها.
وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله { وتعالى عما يشركون} ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ الظاهر أن نفخ الصور مرتان، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في "النمل"، والثانية للموت وهو معنى الصعق، والثالثة للإعادة.
والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين، وقد مر في "النمل" تفسير باقي الآية.
قال جار الله: تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان.
ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينظرون ماذا يفعل بهم.
ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيراً.
ثم وصف أرض القيامة بقوله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ الظاهر أن هذا نور تجليه .
وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وفي غيره من المواضع.
وقال علماء البيان: افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم.
ويقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره.
وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق الله في ذلك اليوم للأرض نوراً مخصوصاً.
وقيل: أراد أرض الجنة.
ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله ﴿ ووضع الكتاب ﴾ إلى آخره.
وكل ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل.
والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس.
﴿ وجيء بالنبيين ﴾ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون.
والمراد بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح والمكان والزمان أيضاً.
وقيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله ولعله ليس في تخصيصهم بالذكر فائدة.
وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار، وختم السورة بذكر أهل الجنة فقال: ﴿ وسيق ﴾ وهو على عادة إخبار الله .
والزمر الأفواج المتفرقة واحدها زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى الجنة أو النار، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب والطبقات، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة جماعة.
والخزنة جمع خازن، والمراد بكلمة العذاب قوله ﴿ لأملأن جهنم ﴾ أو علم الله السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل على الكافرين ليعلم سبب العذاب.
سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل الجنة؟
الجواب من وجوه: قال جار الله: المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا، وحثها إسراع لهم إلى دار الكرامة والرضوان: وقيل: طباق.
وقيل: أكثر أهل الجنة البله فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم.
وقيل: إنهم يقولون لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة.
وقال أهل العرفان: المتقون قد عبدوا الله لله لا للجنة فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يفتقرون إلى السوق.
وقال الحكيم: كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك معنى السوق.
سؤال آخر: لم قيل في صفة أهل النار ﴿ فتحت أبوابها ﴾ من غير واو وفي صفة أهل الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ بالواو؟
والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له واو الثمانية قد مر في قوله ﴿ التائبون العابدون ﴾ وفي سورة الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا: إن أبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ﴾ فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها، وعلى هذا فجواب ﴿ حتى إذا ﴾ محذوف وحق موقعه ما بعد ﴿ خالدين ﴾ أي كان ما كان من أصناف الكرامات والسعادات.
وقيل: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها أي مع فتح أبوابها.
وقيل: لأهل التأويل أن يقولوا: إن أبواب الجنة وهي أسباب حصول الكمالات مفتوحة بمعنى أنها غير ممنوع عنها بل مندوب إليها مرغب فيها، وأبواب جهنم مغلقة بمعنى أن أسبابها ممنوع عنها على لسان الشرع والعقل جميعاً.
ومعنى تسليم الخزنة الإكرام والتهنئة بأنهم سلموا من أحوال الدنيا وأهوال القيامة.
ومعنى ﴿ طبتم ﴾ قيل: إخبارهم عن كونهم طيبين في الدنيا بالأفعال الصالحة والأخلاق الفاضلة، أو طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها.
وقيل: إن أهل الجنة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عنده عينين تجريان من ساق شجرة فيتطهرون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير أبشارهم بعدها أبداً، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى فيقول لهم الخزنة: طبتم.
وقال جار الله: أرادوا طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا، ولهذا عقبه بقوله ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ ليعلم أن الطهارة عن المعاصي هي السبب في دخول الجنة والخلود فيها لأنها دار طهرها الله من دنس فلا يدخلها إلا من هو موصوف بصفتها رزقنا الله بعميم فضله وحسن توفيقه نسبة توجب ذلك.
ثم حكى قول المتقين في الجنة فقال ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴾ أي الوعد بدخول الجنة ﴿ وأورثنا الأرض ﴾ أرض الجنة عبر عن التمليك بالإيراث وقد مرّ مراراً ﴿ نتبوّأ منها حيث نشاء ﴾ لأن لكل متق جنة توصف سعة فيتبوّأ من جنته كما يريد من غير منازع.
وقال حكماء الإسلام: الجنات الجسمانية كذلك، أما الروحانية فلا مانع فيها من المشاركة وأن يحصل لغيره ما يحصل لبعض الأشخاص.
ثم وصف مآب الملائكة المقربين بعد بعثهم فقال ﴿ وترى ﴾ أيها الرائي أو النبي ﴿ الملائكة حافين ﴾ محدّقين وهو نصب على الحال.
قال الفراء: لا واحد له لأنه لا بد فيه من الجمعية.
وأقول: لعله عني من حيث الاستعمال.
وقيل: الحاف بالشيء الملازم له.
وقوله ﴿ من حول العرش ﴾ "من" زائدة أو ابتدائية أي مبتدأ خوفهم من هناك إلى حيث شاء الله أو متصل بالرؤية ﴿ يسبحون بحمد ربهم ﴾ تلذذاً لا تعبداً.
وكان جوانب العرش دار ثواب الملائكة وإنها ملاصقة لجوانب الجنة.
والضمير في قوله ﴿ وقضي بينهم ﴾ للعباد كلهم لقرائن ذكر القيامة فإن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون الإقضاء بينهم بالحق والعدل.
وقيل: بين الأنبياء وأممهم.
وقيل: تكرار لقوله ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ﴾ وقيل: هو حال وقد مقدرة معه أي يسبحون بحمد ربهم وقد قضى بينهم يعني بين الملائكة على أن ثوابهم ليس على سنن واحد.
ويحتمل عندي أن يعود الضمير إلى البشر والملائكة جميعاً، والقضاء بينهم هو إنزال البشر مقامهم من الجنة أو النار، وإنزال الملائكة حول العرش.
ثم ختم السورة بقوله ﴿ وقيل الحمد لله ﴾ والقائل المقضي بينهم وهم جميع العباد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله ﴾ جميع الملائكة حمدوا الله على إنزال كلّ منزلته.
قوله: ﴿ قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إن الآية نزلت في شأن الوحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب في الجاهلية أنه أراد أن يسلم الوحشي؛ فذكر ما كان منه من قتله [حمزة] - - فظن أنه لا يقبل منه؛ لعظم جنايته؛ فنزلت الآية على رسول الله ؛ لينبئه، وأخبر أنه لا يقبل منه بعد ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم: لا؛ ولكن ناساً قد أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية من نحو القتل والزنا وكبائر؛ فأشفقوا ألا يتاب عليهم؛ فأنزل الله هذه الآية يدعوهم إلى التوبة والإسلام، وأطمع لهم القبول منهم والتجاوز عما كان منهم، وهو كأنه أولى؛ لأن الوحشي من كان حتى ينزل الله الآية بشأنه خاصة؟!
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: ﴿ يٰعِبَادِيَ ﴾ الذين جنوا على أنفسهم، وأوردوها المهالك بارتكاب ما ارتكبوا من الإسراف والكبائر ﴿ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فإن قنوطكم من رحمة الله وإياسكم منه لا يغفر ولا يجاوز وذلك أعظم وأفظع؛ إذ رجع أحدهما إلى أنفسهم والآخر إلى رحمة الله وفضله.
والثاني: يقول: إنكم وإن أسرفتم فيما ارتكبتم من الكبائر والفواحش، وأعرضتم عن أمر الله فلا تقنطوا من رحمة الله بعد إذ تبتم عما كنتم فيه، ورجعتم عما كان منكم [وأما] في الوقت الذي خرجت أنفسكم من أيديكم؛ فلا يقبل ذلك منكم، وهو وقت نزول العذاب بهم وإشرافه عليهم؛ لأن التوبة في ذلك الوقت توبة اضطرار وتوبة دفع العذاب عن أنفسكم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ ، ثم أخبر أنه لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت الذي خرجت أنفسهم من أيديهم؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾ .
لمن يشاء.
﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
وذكر عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية، وذكر أن سورة الزمر كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية، فإنها نزلت بالمدينة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ...
﴾ الآية.
كأنها صلة ما تقدم من قوله: ﴿ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ﴾ بعد إذ أقبلتم إلى قبول ما دعيتم إليه ورجعتم عما كان منكم، ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ : قال بعضهم: أنيبوا بقلوبكم إلى طاعة ربكم، وأخلصوا له تلك الطاعة، ولا تشركوا فيها غيره.
قيل: ﴿ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ ﴾ ، أي: ارجعوا إلى ما أمركم ربكم، ﴿ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ ، أي: أخلصوا له التوحيد، أو أن يقول: اجعلوا كل شيء منكم له.
وأصل الإنابة: هو الرجوع إلى طاعة الله والنزوع عما كان عليه لأمر الله، يقول - عز وجل -: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ...
﴾ الآية [الروم: 31].
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ يقول - والله أعلم - على الصلة بالأول: أن أنيبوا له وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب؛ فلا يقبل منكم الإنابة والتوبة؛ إذ أقبل عليكم العذاب.
﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ثم لا تنصرون بإنابتكم إلى الله - عز وجل - في ذلك الوقت الذي أقبل عليكم العذاب [فيه]، على ما ذكرنا، أي: لا تخافون من ذلك الوقت.
والثاني: لا تنصرون بعبادة من عبدتموه من الأصنام والأوثان؛ على رجاء أن يشفع لكم ويدفع عنكم العذاب.
أي: أنيبوا إلى عبادة الله الحق قبل نزول العذاب بكم؛ فإنكم إن كنتم على عبادة من تعبدون دونه لا تنصرون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: أحدها: كأنه يقول: اتبعوا ما أمركم ربكم، وانتهوا عما نهاكم ربكم عنه.
والثاني: اتبعوا ما في القرآن وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه واجتنبوه، يقول: اعملوا به وبادروا في العمل به من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة.
والثالث: أن الله - عز وجل - قد بين السبيلين جميعاً: سبيل الخير والشر على الإبلاغ؛ فيقول: اتبعوا سبيل الخير منه، ولا تتبعوا سبيل الشر؛ فيكون تأويل هذا كأنه يقول: اتبعوا الحسن منه، ولا تتبعوا غيره، ونحو ذلك، وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ .
كأنه موصول بالأول، يقول: لا يؤخرون الإنابة إليه والتوبة، فإن العذاب لعله سينزل بكم في وقت لا تشعرون أنتم به، ولا تقدرون أن ترجعوا إليه وتنيبوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ ﴾ .
هذا وما بعده من الآيات كأنه موصول بقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ من قبل ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
وقبل أن تقول: ﴿ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وقبل أن تقولن ﴿ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، كأن كل ذلك صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ ، ﴿ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ ﴾ من قبل أن يقول ما ذكر، في وقت لا ينفعه ذلك القول ولا يغنيه من عذاب الله، ولا يدفعه.
ثم قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: في ذات الله.
وقال بعضهم: ما فرطت وضيعت من أمر الله، وأمثال ذلك، ولسنا نحتاج إلى تفسير قول ذلك الرجل الذي كان منه حتى قال ذلك، وهو تضييع توحيد الله أو تضييع حد الله، أو ما كان فيه من تكذيب البعث؛ يتأسف على ما كان منه من تضييع ما ذكرنا: من توحيد الله وحدوده، أو كفران نعمه، أو إنكاره ما ذكرنا من البعث، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ ﴾ : من القرآن.
وقال بعضهم: من أهل توحيد الله.
قال قتادة: لم يكتف أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر من أهل طاعته، وقال: هذا قول صنف منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ...
﴾ إلى آخره.
قول صنف منهم جائز ما قال: إن كل قول من ذلك قول صنف، على ما قال قتادة.
وجائز أن يكون كل ذلك من كل كافر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
ذلك الكافر الذي قال هذا القول أعرف بهداية الله من المعتزلة؛ وكذلك ما قال أولئك الكفرة لأتباعهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ يقولون: لو وفقنا الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن حيث علم منّا: اختيار الضلال والغواية، وترك الرغبة إلى الهدى والاستخفاف به - أضلنا وخذلنا ولم يوفقنا.
والمعتزلة يقولون: بل هداهم الله وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا.
فإن قيل: هذا قول أهل الكفر؛ فلا دلالة فيه لما تذكرون.
قيل: وإن كان ذلك قول الكفرة، فذلك القول منهم عند معاينة العذاب؛ فلو كان على خلاف ما ذكروا لكان الله يكذبهم في ذلك؛ كما كذبهم في أشياء قالوها؛ حيث قالوا: ﴿ فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً ﴾ ؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ ، ونحوه، والله أعلم.
والأصل في الهداية: أن عند الله لطفاً: من أعطى ذلك اهتدى، وهو التوفيق والعصمة، ومن حرم ذلك ولم يعطه، ضل وغوى، ويكون استيجاب العذاب وما ذكر؛ لتركه الرغبة في ذلك، والاستخفاف به، وتضييعه واشتغاله بضده؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : الشرك أو المهالك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً ﴾ .
أي: رجوعاً: ﴿ فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
قيل: من الموحدين.
ويحتمل كل إحسان وطاعة، والله أعلم.
وقد كذبه - عز وجل - في قوله هذا؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ ، ثم كذبهم في قولهم: ﴿ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وفي قولهم: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ؛ حيث قال الله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: بلى قد جاءتك آياتي، وبينت لك الهداية من الغواية، وسبيل الحق من الباطل، والخير من الشر، والكذب من الصدق، ومكنت من اختيار الهداية على الغواية، ومكن لهم اختيار الحق على الباطل والصدق على الكذب، ولكن تركتم ذلك، وضيعتم واستخففتم به، واشتغلتم بضد ذلك؛ فإنما جاء ذلك التضييع من قبلكم لا من قبل الله - عز وجل - قد أتى بالحجج والآيات والبيان في ذلك غاية ما يجب أن يؤتى ما لم يكن لأحد عذر في الجهل في ذلك والترك، والله أعلم.
وأكثر القراءات على التذكير في قوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي...
﴾ إلى آخره: على إرادة المخاطبة، وقد يقرأ بالتأنيث؛ على إرادة النفس التي تقدم ذكرها والخبر عنها، ويروى في ذلك خبر عن رسول الله أنه قرأ بالتأنيث: ﴿ بلى قد جاءتْكِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ .
كذبهم على الله يحتمل وجوهاً: أحدها: في التوحيد؛ حيث قالوا بالولد والشركاء.
ويحتمل ما قال - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ وكان الله - عز وجل - لم يأمرهم بذلك، فكذبوا على الله - عز وجل - أنه أمرهم بذلك.
أو ما قالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .
أو أن يكون كذبهم على الله هو إنكارهم البعث، وقولهم: إن الله لا يقدر على البعث والإحياء بعد الموت، ونحو ذلك، والله أعلم.
والمعتزلة يقولون في قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ : هم المجبرة.
فيجيء أن يكونوا هم أقرب في كونهم في وعيد هذه الآية من المجبرة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يأمر أحداً بشيء إلا بعد أن أعطى جميع ما يعمل ويقتضي به؛ حتى لا يبقى عنده شيء من ذلك، ثم قال ذلك، ثم يسأل ربه المعونة والعصمة؛ فهو بالسؤال كاتم لما أعطاه، وهو كفران النعمة؛ لأنه يسأل ما قد أعطاه ربه، أو أن يكون هازئاً به؛ لأنه يسأل وليس عنده ما يسأل على قولهم على ما ذكرنا من مذهبهم، وكل من يسأل [من] يعلم أنه ليس عنده ذلك ولا يملك ذلك - فهو يهزأ به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ .
على توحيد الله - أو متكبرين على رسول الله ، والمتكبر هو الذي لا يرى لنفسه نظيراً ولا شكلا؛ ولذلك يوصف الله - عز وجل - بالكبرياء؛ لأنه لا نظير له ولا شكل، ولا يجوز لغيره؛ لأن غيره ذا أشكال وأمثال، ولا قوة إلا بالله.
وفي حرف ابن مسعود وحفصة - ما -: ﴿ على ما فرطت من ذكر ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود أيضاً في قوله: ﴿ بلى قد جاءته آياتنا من قبل فكذب واستكبر وكان من الكافرين ﴾ ، والله أعلم.
والمثوى: المقام، ﴿ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً ﴾ من ذلك، أي: مقيماً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ كأنه يقول - عز وجل -: لو رأيتهم يا محمد يوم القيامة لرحمتهم، وأشفقت عليهم مما هزئوا به، وما نزل بهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ ، و ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ أي: بالأعمال والأسباب التي فازوا بها على أشكالهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ ﴾ بعد المفازة والنجاة، وإلا قبل ذلك قد يمسهم السوء ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وهو على الجهمية وعلى أبي الهذيل العلاف إمام المعتزلة.
أما على الجهمية: لقولهم: إن الجنة تفنى وينقطع أهلها ولذَّاتها، فإذا كان ما ذكروا مسهم السوء والحزن.
وعلى قول أبي الهذيل أيضاً كذلك؛ لأنه يقول: إن أهل الجنة يصيرون بحال حتى إذا أراد الله أن يزيد لهم شيئاً أو لذة لم يملك ذلك، فإن كان ما ذكر هو مسهم السوء والحزن - أيضاً - فالبلاء على قوله: إن السوء والحزن، إنما مس رب العالمين، فنعوذ بالله من مقال يعقب كفراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على إبطال قول أولئك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ويُسلِّم الله الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من العذاب بإدخالهم مكان فوزهم وهو الجنة، يمسُّهم العذاب، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الحظوظ الدنيوية.
<div class="verse-tafsir" id="91.wwXWB"