الآية ٧٣ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٧٣ من سورة غافر

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ٧٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٣ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٣ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قوله تعالى "ثم قيل لهم أينما كنتم تشركون من دون الله" أي قيل لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله هل ينصرونكم اليوم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يقول: ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب, فإن المعبود يغيث من عبد وخدمه; وإنما يقال هذا لهم توبيخا وتقريعا على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطان, فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ضلوا عنا: يقول: عدلوا عنا, فأخذوا غير طريقنا, وتركونا في هذا البلاء, بل ما ضلوا عنا, ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئا: أي لم نكن نعبد شيئا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله وهذا تقريع وتوبيخ .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ويقال { لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } هل نفعوكم، أو دفعوا عنكم بعض العذاب؟.

{ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا } أي: غابوا ولم يحضروا، ولو حضروا، لم ينفعوا، ثم إنهم أنكروا فقالوا: { بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا } يحتمل أن مرادهم بذلك، الإنكار، وظنوا أنه ينفعهم ويفيدهم، ويحتمل -وهو الأظهر- أن مرادهم بذلك، الإقرار على بطلان إلهية ما كانوا يعبدون، وأنه ليس للّه شريك في الحقيقة، وإنما هم ضالون مخطئون، بعبادة معدوم الإلهية، ويدل على هذا قوله تعالى: { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } أي: كذلك الضلال الذي كانوا عليه في الدنيا، الضلال الواضح لكل أحد، حتى إنهم بأنفسهم، يقرون ببطلانه يوم القيامة، ويتبين لهم معنى قوله تعالى: { وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ } ويدل عليه قوله تعالى: { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } الآيات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم قيل لهم» تبكيا «أين ما كنتم تشركون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم قيل لهم توبيخًا، وهم في هذه الحال التعيسة: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله؟

هل ينصرونكم اليوم؟

فادعوهم؛ لينقذوكم من هذا البلاء الذي حلَّ بكم إن استطاعوا، قال المكذبون: غابوا عن عيوننا، فلم ينفعونا بشيء، ويعترفون بأنهم كانوا في جهالة من أمرهم، وأن عبادتهم لهم كانت باطلة لا تساوي شيئًا، كما أضل الله هؤلاء الذين ضلَّ عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله، يضل الله الكافرين به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ) تبكيت وتأنيب لهم .أى : ثم قيل بعد هذا العذاب المهين لهم : أين تلك الآلهة التى كنتم تعبدونها من دون الله ، لكى تدفع عنكم شيئا من العذاب الأليم الذى نزل بكم؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى عاد إلى ذم الذين يجادلون في آيات الله فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يجادلون فِي ءايات الله أنى يُصْرَفُونَ ﴾ وهذا ذم لهم على أن جادلوا في آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعجب تعالى منهم بقوله: ﴿ أنى يُصْرَفُونَ ﴾ كما يقول الرجل لمن لا يبين: أنى يذهب بك تعجباً من غفلته، ثم بيّن أنهم هم ﴿ الذين كَذَّبُواْ بالكتاب ﴾ أي بالقرآن ﴿ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ﴾ من سائر الكتب، فإن قيل سوف للاستقبال، وإذ للماضي فقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغلال فِي أعناقهم ﴾ مثل قولك: سوف أصوم أمس قلنا المراد من قوله: ﴿ إِذْ ﴾ هو إذاً، لأن الأمور المستقبلة لما كان في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعاً بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال، هذا لفظ صاحب الكشاف.

ثم إنه تعالى وصف كيفية عقابهم فقال: ﴿ إِذِ الأغلال فِي أعناقهم والسلاسل يُسْحَبُونَ فِي الحميم ﴾ والمعنى: أنه يكون في أعناقهم الأغلال والسلاسل، ثم يسحبون بتلك السلاسل في الحميم، أي في الماء المسخن بنار جهنم ﴿ ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ ﴾ والسجر في اللغة الإيقاد في التنور، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ  ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلْأَفْـِٔدَةِ  ﴾ ﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله ﴾ فيقولون ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ أي غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا نستشفع بهم، ثم قالوا: ﴿ بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً ﴾ أي تبيّن أنهم لو لم يكونوا شيئاً، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئاً، كما تقول حسبت أن فلاناً شيء، فإذا هو ليس بشيء إذا جربته فلم تجد عنده خيراً، ويجوز أيضاً أن يقال إنهم كذبوا وأنكروا أنهم عبدوا غير الله، كما أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأنعام أنهم قالوا: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين ﴾ قال القاضي: معناه أنه يضلهم عن طريق الجنة، إذ لا يجوز أن يقال يضلهم عن الحجة إذ قد هداهم في الدنيا إليها، وقال صاحب الكشاف ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين ﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم، حتى أنهم لو طلبوا الآلهة أو طلبتم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر، ثم قال: ﴿ ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرض ﴾ أي ذلكم الإضلال بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح بغير الحق، وهو الشرك وعبادة الأصنام ﴿ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ ﴾ السبعة المقسومة لكم، قال الله تعالى: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ  ﴾ ، ﴿ خالدين فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين ﴾ والمراد منه ما قال في الآية المتقدمة في صفة هؤلاء المجادلين ﴿ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بالكتاب ﴾ بالقرآن ﴿ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ﴾ من الكتب.

فإن قلت: وهل قوله: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الاغلال فِي أعناقهم ﴾ إلى مثل قولك: سوف أصوم أمس؟

قلت: المعنى على إذا: إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعاً بها: عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال.

وعن ابن عباس: والسلاسل يسحبون بالنصب وفتح الياء، على عطف الجملة الفعلية على الإسمية.

وعنه: والسلاسل يسحبون بجر السلاسل.

ووجهه أنه لو قيل: إذْ أعناقهم في الأغلال مكان قوله: ﴿ إِذِ الاغلال فِي أعناقهم ﴾ لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين معتقبتين: حمل قوله: ﴿ والسلاسل ﴾ على العبارة الأخرى.

ونظيره: مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ** وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا كأنه قيل: بمصلحين.

وقرئ: ﴿ وبالسلاسل يسحبون ﴾ ﴿ فِى النار يُسْجَرُونَ ﴾ من سجر التنور إذا ملأه بالوقود.

ومنه: السجير، كأنه سجر بالحب، أي: ملئ.

ومعناه: أنهم في النار فهي محيطة بهم، وهم مسجورون بالنار مملوؤة بها أجوافهم.

ومنه قوله تعالى: ﴿ نَارُ الله الموقدة التى تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة ﴾ [الهمزة: 7] اللهم أجرنا من نارك فإنا عائذون بجوارك ﴿ ضَلُّواْ عَنَّا ﴾ غابوا عن عيوننا، فلا نراهم ولا ننتفع بهم.

فإن قلت: أما ذكرت في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] : أنهم مقرونون بآلهتهم، فكيف يكونون معهم وقد ضلوا عنهم؟

قلت: يجوز أن يضلوا عنهم إذا وبخوا وقيل لهم: إينما كنتم تشركون من دون الله فيغيثوكم ويشفعوا لكم، وأن يكونوا معهم في سائر الأوقات، وأن يكونوا معهم في جميع أوقاتهم؛ إلا أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم ضالون عنهم ﴿ بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً ﴾ أي: تبين لنا أنهم لم يكونوا شيئاً، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئاً كما تقول: حسبت أنّ فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء إذا خبرته فلم تر عنده خيراً ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين ﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم.، حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا ﴿ ذلكم ﴾ الإضلال بسبب ما كنا لكم من الفرح والمرح ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ وهو الشرك وعبادة الأوثان ﴿ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ ﴾ السبعة المقسومة لكم.

قال الله تعالى: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ ﴾ [الحجر: 44] .

﴿ خالدين ﴾ مقدّرين الخلود ﴿ فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين ﴾ عن الحق المستخفين به مثواكم أو جهنم.

فإن قلت: أليس قياس النظم أن يقال: فبئس مدخل المتكبرين، كما تقول: زر بيت الله فنعم المزار، وصل في المسجد الحرام فنعم المصلى؟

قلت: الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ ﴾ ظَرْفٌ لِـ يَعْلَمُونَ إذِ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ المُضِيِّ لِتَيَقُّنِهِ.

﴿ والسَّلاسِلُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( الأغْلالُ ) أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.

﴿ يُسْحَبُونَ ﴾ ﴿ فِي الحَمِيمِ ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُسْحَبُونَ بِها، وهو عَلى الأوَّلِ حالٌ.

وقُرِئَ «والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ» بِالنَّصْبِ وفَتْحَ الياءِ عَلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ وعَطْفِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، والسَّلاسِلِ بِالجَرِّ حَمْلًا عَلى المَعْنى إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ بِمَعْنى أعْناقُهم في الأغْلالِ، أوْ إضْمارًا لِلْباءِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِهِ.

﴿ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ يُحْرَقُونَ مِن سَجَرَ التَّنُّورَ إذا مَلَأهُ بِالوَقُودِ، ومِنهُ السَّجِيرُ لِلصَّدِيقِ كَأنَّهُ سُجِرَ بِالحُبِّ أيْ مُلِئَ.

والمُرادُ أنَّهم يُعَذَّبُونَ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ ويُنْقَلُونَ مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ.

﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا ﴾ غابُوا عَنّا وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُقْرَنَ بِهِمْ آلِهَتُهُمْ، أوْ ضاعُوا عَنّا فَلَمْ نَجِدْ ما كُنّا نَتَوَقَّعُ مِنهم.

﴿ بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ﴾ أيْ بَلْ تَبَيَّنَ لَنا أنّا لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ شَيْئًا بِعِبادَتِهِمْ فَإنَّهم لَيْسُوا شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ كَقَوْلِكَ: حَسِبْتُهُ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الضَّلالِ.

﴿ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ ﴾ حَتّى لا يَهْتَدُوا إلى شَيْءٍ يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ، أوْ يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ حَتّى لَوْ تَطالَبُوا لَمْ يَتَصادَفُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ} أي تقول لهم الخزنة {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ويَقُولُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، والسُّؤالُ لِلتَّوْبِيخِ، وضَلالُهم عَنْهم بِمَعْنى غَيْبَتِهِمْ مِن ضَلَّتْ دابَّتُهُ إذا لَمْ يَعْرِفْ مَكانَها، وهَذا لا يُنافِي ما يُشْعِرُ بِأنَّ آلِهَتَهم مَقْرُونُونَ بِهِمْ في النّارِ لِأنَّ لِلنّارِ طَبَقاتٍ ولَهم فِيها مَواقِفُ فَيَجُوزُ غَيْبَتُهم عَنْهم في بَعْضِها واقْتِرانُهم بِهِمْ في بَعْضٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَلالُهُمُ اسْتِعارَةً لِعَدَمِ النَّفْعِ فَحُضُورُهم كالعَدَمِ فَذُكِرَ عَلى حَقِيقَتِهِ في مَوْضِعٍ وعَلى مَجازِهِ في آخَرَ ﴿ بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ﴾ أيْ بَلْ تَبَيَّنَ لَنا اليَوْمَ ( أنّا ) لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ في الدُّنْيا شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ، وهو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِ الآلِهَةِ الباطِلَةِ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ عِنْدَهم أوْ لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ إلى أنَّها لَيْسَتْ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ.

وفِي ذَلِكَ اعْتِرافٌ بِخَطَئِهِمْ ونَدَمٌ عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ، وجَعَلَ الجَلَبِيُّ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ يَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ لِحَيْرَتِهِمْ واضْطِرابِهِمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ ﴾ أنَّهُ تَعالى يُحَيِّرُهم في أمْرِهِمْ حَتّى يَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ هو المُناسِبُ لِلسِّياقِ.

ومَعْنى هَذا مِثْلُ ذَلِكَ الإضْلالِ يَضِلُّ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا الكافِرِينَ حَتّى أنَّهم يَدَّعُونَ فِيها ما يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أوْ مِثْلُ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم في الآخِرَةِ نُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ فِيها حَتّى لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ وطَلَبَتْهم لَمْ يَلْقَ بَعْضُهم بَعْضًا أوْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّلالِ وعَدَمُ النَّفْعِ يُضِلُّ اللَّهُ تَعالى الكافِرِينَ حَتّى لا يَهْتَدُوا في الدُّنْيا إلى ما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ، وفي المَجْمَعِ كَما أضَلَّ اللَّهُ تَعالى أعْمالَ هَؤُلاءِ وأبْطَلَ ما كانُوا يُؤَمِّلُونَهُ كَذَلِكَ يَفْعَلُ بِأعْمالِ جَمِيعِ مَن يَتَدَيَّنُ بِالكُفْرِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِنها، فَإضْلالُ الكافِرِينَ عَلى مَعْنى إضْلالِ أعْمالِهِمْ أيْ إبْطالِها، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ في مَعْناهُ غَيْرُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أي: يجادلون في القرآن، أنه ليس منه، أَنَّى يُصْرَفُونَ يعني: من أين يصرفون عن القرآن، والإيمان من أين تعدلون عنه إلى غيره؟

ويقال: عن الحق، والتوحيد.

ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ أي: بالقرآن، وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا يعني: بالتوحيد.

ويقال: بالأمر، والنهي، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ماذا ينزل بهم في الآخرة.

ثم وصف ما ينزل بهم، فقال عز وجل: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ يعني: ترد أيمانهم إلى أعناقهم وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ يعني: تجعل السلاسل في أعناقهم، يُسْحَبُونَ، ويجرون، فِي الْحَمِيمِ يعني: في ماء حار، قد انتهى حره.

قال مقاتل يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ يعني: في حر النار.

وقال الكلبي: يعني: في الماء الحار.

ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ أي: يوقدون، فصاروا وقوداً.

وروي عن ابن عباس أنه قرأ: وَالسَّلاسِلُ بنصب اللام، يُسْحَبُونَ بنصب الياء، يعني: أنهم يسحبون السلاسل.

وقال: هو أشد عليهم.

وقراءة العامة وَالسَّلاسِلُ بضم اللام يُسْحَبُونَ بالضم على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

والمعنى: أن الملائكة يسحبونهم في السلاسل.

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أي: تقول لهم الخزنة: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ أي: تعبدون، مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأوثان، قالُوا ضَلُّوا عَنَّا يعني: اشتغلوا بأنفسهم عنا، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً وذلك أنهم يندمون على إقرارهم، وينكرون، ويقولون: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً في الدنيا.

ويقال: معناه بل لم نكن نعبد شيئاً ينفعنا.

يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ عن الحجة، ذلِكُمْ أي: ذلكم العذاب، بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ أي: تبطرون، وتتكبرون فِى الأرض بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أي: تعصون، وتستهزءون بالمسلمين، ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أي: فبئس مقام المتكبرين عن الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ أي: إليها سابقون، وهذا قول بعضهم في قوله: لَها، وقالت فرقةٌ: معناه وهم من أَجْلِها سابقون، وقال الطبريُّ عنِ ابن عباس: المعنى: سبقتْ لهم السعادَةُ في الأَزَلِ فهم لها «١» ، وَرَجَّحَهُ الطبريُّ «٢» بأنَّ اللام متمكنة في المعنى.

وقوله سبحانه: وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ أظهر ما قيل فيه أنَّه أراد كتابَ إحصاءِ الأعمال الذي ترفعه الملائكة، وقيل: الإشارة إلى القرآن، والأول أظهر.

وقوله سبحانه: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا اخْتُلِفَ في الإشارة بقوله: مِنْ هذا هل هي: إلى القرآن، أو إلى كتاب الإحصاءِ، أو إلى الدِّينِ بجملته، أو إلى النبي صلى الله عليه وسلّم؟

وَلَهُمْ أَعْمالٌ أي: من الفساد هُمْ لَها عامِلُونَ: في الحال والاستقبالِ، والمُتْرَفُ: المُنَعَّمُ في الدّنيا، الذي هو منها في سرف، ويَجْأَرُونَ معناه: يستغيثون بصياح كصياح البقر، وكَثُرَ استعمال الجُؤَار في البَشَرِ ومنه قول الأعشى: [المتقارب]

يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِيك ...

طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً جُؤَارَا «٣»

وقال ص: جأر الرجل إلى الله تعالى، أي: تَضَرَّعَ قاله الحُوفِيُّ، انتهى، وذهب مجاهد وغيره إلى أَنَّ هذا العذابَ المذكورَ هو الوعيدُ بيوم بَدْرٍ «٤» ، وقيل: غيرُ هذا.

وقوله سبحانه: لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ أي: يقال لهم يوم العذاب: لا تجأروا اليوم.

قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)

وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)

وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)

وقوله: قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني القرآن وتَنْكِصُونَ معناه: ترجعون وراءَكُم، وهذه استعارة للإعراض والإدبار عن الحقّ ومُسْتَكْبِرِينَ حال والضمير في بِهِ: عائد على الحَرَم والمسجد وإنْ لم يَتَقَدَّمْ له ذكر لشهرته، والمعنى: إنكم تعتقدون في نفوسكم أَنَّ لكم بالمسجد الحرام أعظَم الحقوق على الناسِ والمنزلةَ عند اللَّه، فأنتم تستكبرون لذلك، وليس الاستكبار من الحق.

وقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن والمعنى: يُحْدِثُ لكم سماعُ آياتي كبراً وطغيانا، وهذا قول جيّد، وذكر منذر بن سعيد: أن الضمير للنبي صلّى الله عليه وسلّم وهو مُتَعَلِّقٌ بما بعده، كأن الكلام تَمَّ في قوله: مُسْتَكْبِرِينَ ثم قال: بمحمد عليه السلام سامرا تهجرون، وسامِراً حال، وهو مفرد بمعنى الجمع يقال: قوم سُمَّرٌ وسَمَرةٌ وسَامِرٌ، ومعناهُ: سُهَّرُ الليل مأخوذ من السَّمَرِ وهو ما يقع على الأشخاص من ضوء القمر، وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث وهذا أَوْجَبَ معرفَتها بالنجوم لأَنَّها تجلس في الصحراء فترى الطوالِعَ من الغوارب، وقرأ أبو «١» رجاء: «سُمَاراً» وقرأ ابن عباس «٢» وغيره: «سمرا» وكانت قريش تَسْمُرَ حول الكعبة في أباطيلها وكفرها، وقرأ السبعة «٣» غيرَ نافع: «تَهْجُرُونَ» بفتح التاء

وضم الجيم قال ابن عباس «١» معناه: تهجرون الحَقَّ وذِكْرَ اللَّه، وتقطعونه من الهجران المعروف، وقال ابن زيد «٢» : هو من هجر المريض: إذا هذى، أي: تقولون اللغوَ من القول وقاله أبو حاتم، وقرأ نافع وحده: «تُهْجِرونَ» بضم التاء وكسر الجيم وهي قراءة أهل المدينة، ومعناه: تقولون الفُحْشَ والهجر من القول، وهذه إشارة إلى سبّهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه قال ابن عباس «٣» أيضاً وغيره، ثم وبخهم سبحانه بقوله: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ لأنهم بعد التدبر والنظر الفاسد/ قال بعضهم: شِعْرٌ، وبعضهم: سحر وغير ذلك، أم ٣٢ ب جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوَّلين أي: ليس بِبِدْعٍ بل قد جاء آباءهم الأَوَّلِينَ، وهم سالف الأمم الرُّسُلُ كنوح، وإبراهيم، وإسماعيلَ وغيرهم، وفي هذا التأويل من التَّجَوُّزِ أَنَّ جَعْلَ سالف الأمم، آباء إذِ الناس في الجملة آخِرُهم من أَوَّلِهِم.

أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ المعنى: ألم يعرفوا صدقه وأمانته مدَّةَ عمره صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله سبحانه: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ.

قال ابن جريج «٤» ، وأبو صالح: الحقُّ: اللَّه تعالى.

قال ع «٥» : وهذا ليس من نَمَطِ الآية، وقال غيرهما: الحق هنا: الصواب والمستقيم.

قال ع «٦» : وهذا هو الأحرى، ويستقيمُ على هذا فساد السموات والأرض ومن فيهن لو كان بحكم هوى هؤلاءِ وذلك أَنَّهُم جعلوا للَّه شركاءَ وأولاداً، ولو كان هذا حَقّاً لم تكن لله عز وجل الصفاتُ العِلَيَّةُ، ولو لم تكن له سبحانه- لم تكن الصَّنْعَةُ، ولا القُدْرَةُ كما هي، وكان ذلك فسادُ السمواتِ والأرض ومَنْ فيهن: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] .

وقوله سبحانه: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ قال ابن عباس «١» : بوعظهم، ويحتمل:

بشرفهم، وهو مَرْويٌّ.

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً الخَرْجُ والخراج بمعنًى، وهو: المال الذي يُجْبَى ويؤتى به لأوقات محدودة.

وقوله سبحانه: فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ يريد ثوابَهُ، ويحتمل أن يريد بخراج ربك:

رِزْقَه، ويُؤَيِّدُهُ قوله: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.

و «الصراط المستقيم» دين الإسلام، «وناكبون» : أَي: مجادلون ومُعْرِضُون، وقال البخاريُّ: لَناكِبُونَ: لعادلون، انتهى.

قال أبو حيان «٢» : يقال: نكب عن الطريقِ ونَكَّبَ بالتشديد، أي: عَدَلَ عنه، انتهى، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لو زال عنهم القَحْطُ، ومَنَّ اللَّه عليهم بالخصب، ورَحِمَهُم بذلك- لبقوا على كفرهم ولَجُّوا في طغيانهم، وهذه الآية نزلت في المُدَّةِ التي أصاب فيها قريشاً السِّنُونَ الجَدْبَةُ والجُوعُ الذي دعا به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيُ يُوسُفَ» «٣» الحديث.

وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، قال ابن عباس وغيره «٤» : هو الجوعُ والجَدْبُ حَتَّى أكلوا الجلود وما جرى مجراها، ورُوِيَ أَنَّهم لما بلغهم الجَهْدُ رَكِبَ أبو سفيانُ، وجاءَ إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة فقال: يا محمد، ألستَ تزعمُ أَنَّك بُعِثْتَ رحمةً للعالمين؟

قال: بلى، قَالَ: قَدْ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، واْلأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ، وَقَدْ أكلنا العلهز «٥» فنزلت «٦» الآية،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿ أنّى يُصْرَفُونَ ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟!

وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسْجَرُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] .

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و ﴿ المُبْطِلُونَ ﴾ : أصْحابُ الباطِلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى عَنْهُمْ ﴾ في "ما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ.

والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحاقَ بِهِمْ ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ.

والبَأْسُ: العَذابُ.

ومَعْنى ﴿ سُنَّتَ اللَّهِ ﴾ : أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿ وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ أنّى يُصْرَفُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴾ ﴿ فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النارِ يُسْجَرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهِ الكافِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضى أمْرًا ﴾ عِبارَةٌ عن إنْقاذِ الإيجادِ، وإخْراجِ المَخْلُوقِ مِنَ العَدَمِ، وإيجادُ المَوْجُوداتِ هو بِالقُدْرَةِ، واقْتِرانُ الأمْرِ بِذَلِكَ هو عَظَمَةٌ في المُلْكِ وتَخْضِيعٌ لِلْمَخْلُوقاتِ وإظْهارٌ لِلْقُدْرَةِ، والأمْرُ لِلْمُوجَدِ إنَّما يَكُونُ في حِينِ تَلَبُّسِ القُدْرَةِ بِإيجادِهِ، لا قَبْلَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يُخاطَبُ في مَعْنى الوُجُودِ والكَوْنِ، ولا بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما هو كائِنٌ لا يُقالُ لَهُ: كُنْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ ﴾ الآيَةُ.

ظاهِرُها أنَّها في الكُفّارِ المُجادِلِينَ في رِسالَةِ مُحَمَّدٍ  والكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ ﴾ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَيْرَيْنِ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى أهْلِ الأهْواءِ مِنَ الأُمَّةِ، ورَوَتْ هَذِهِ الفِرْقَةٌ في نَحْوِ هَذا حَدِيثًا، وقالُوا: هي في أهْلِ القَدَرِ ومَن جَرى مَجْراهُمْ، ويُلْزِمُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ أنْ يَجْعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ الآيَةُ..

كَلامًا مَقْطُوعًا مُسْتَأْنَفًا في الكُفّارِ، "الَّذِينَ" ابْتِداءٌ، وخَبُرُهُ ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ مَحْذُوفًا، والفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، والعامِلُ في الظَرْفِ ﴿ "يَعْلَمُونَ"، ﴾ وعَبَّرَ عن ظَرْفِ الِاسْتِقْبالِ بِظَرْفٍ لا يُقالُ إلّا في الماضِي، وذَلِكَ لَمّا تَيَقَّنَ وُقُوعَ الأمْرِ حَسُنَ تَأْكِيدِهِ بِالإخْراجِ في صِيغَةِ الماضِي، وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ اللهُ يا عِيسى  ﴾ ، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: لَمْ تُجْعَلِ السَلاسِلُ في أعْناقِ أهْلِ النارِ، لِأنَّهم أعْجَزُوا الرَبَّ تَعالى ولَكِنْ لِتَرَسُّبِهِمِ إذا أطْفاهُمُ اللهَبُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ [والسَلاسِلُ]﴾ رَفَعا عَطْفًا عَلى [الأغْلالُ]، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ: رَضِيَ اللهُ عنهُ [والسَلاسِلَ] بِالنَصْبِ [يَسْحَبُونَ] بِفَتْحِ الحاءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ وإيقاعِ الفِعْلِ عَلى السَلاسِلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: [والسَلاسِلِ] بِالخَفْضِ عَلى تَقْدِيرِ: إذْ أعْناقُهم في الأغْلالِ والسَلاسِلِ، فَعَطَفَ عَلى المُرادِ مِنَ الكَلامِ لا عَلى تَرْتِيبِ اللَفْظِ؛ إذْ تَرْتِيبُهُ فِيهِ قَلْبٌ، وهو عَلى حَدِّ قَوْلِ العَرَبِ: "أدْخَلْتَ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [وَفِي السَلاسِلِ يُسْحَبُونَ]، و[يُسْحَبُونَ] مَعْناهُ: يُجَرُّونَ، والسَحْبُ: الجَرُّ.

و"الحَمِيمُ": الذائِبُ الشَدِيدُ الحُرِّ مِنَ النارِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْماءِ السُخْنِ: حَمِيمٌ.

و ﴿ يُسْجَرُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: تُوقَدُ النارُ بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "سَجَرْتُ التَنُّورَ" إذا مَلَأتُها نارًا، وقالَ السَدِّيُّ: "يُسْجَرُونَ": يُحْرَقُونَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم يُوقَفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، فَيُقالُ لَهُمْ: أيْنَ الأصْنامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ في الدُنْيا؟

فَيَقُولُونَ: ضَلُّوا عَنّا، أيْ تَلَقُوا النارَ وغابُوا واضْمَحَلُّوا، ثُمَّ تَضْطَرِبُ أقْوالُهم ويَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ، فَيَقُولُونَ: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ شَيْئًا، ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الكافِرِينَ ﴾ ، أيْ كَهَذِهِ الصِفَةِ المَذْكُورَةِ وبِهَذا التَرْتِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

(ثمّ) هذه للتراخي الرتبي لا محالة لأن هذا القول يقال لهم قبل دخول النار، بدليل أن مما وقع في آخر القول: ﴿ ادخُلوا أبْوَابَ جَهَنَّم ﴾ ، ودخول أبواب جهنم قبل السحْب في حميمها والسَّجْرِ في نارها.

وهذا القيل ارتقاء في تقريعهم وإعلان خطَل آرائهم بين أهل المحشر وهو أشد على النفس من ألم الجسم، ولأن هذا القول مقدمة لتسليط العذاب عليهم لاشتماله على بيان سبب العذاب من عبادة الأصنام وازدهائهم في الأرض بكفرهم ومَرَحِهم، وهو أيضاً ارتقاء في وصف أحوالهم الدالة على نكالهم إذْ ارتقى من صفة جزائهم على إشراكهم وهو شيء غير مستغرب ترتُّبه على الشرك إلى وصف تحقيرهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها وذلك غريب من أحوالهم وأشدّ دلالة على بطلان إلهية أصنامهم وهو المقصد المهم من القوارع التي سلطت عليهم في هذه السورة.

فموقع المعطوف ب (ثمّ) هنا كموقع المعطوف بها في قول أبي نواس: قُل إن ساد ثم سادَ أبوه *** قَبله ثم سادَ من قبلُ جدُّه من حيث كانت سيادة جدّه أرسخت له سيادة أبيه وأعقبت سيادة نفسه، وهذا استعمال موجود بكثرة.

وصيغ (قيلَ) بصيغة المضيّ لأنه محقق الوقوع فكأنه وقع ومَضى وكذلك فعل ﴿ قَالُوا ضَلُّوا ﴾ .

والقائل لهم: ناطق بإذن الله.

و(أين) للاستفهام عن مكان الشيء المجهول المكان، والاستفهام هنا مستعمل في التنبيه على الغلط والفضيحة في الموقف فإنهم كانوا يزعمون أنهم يعبدون الأصنام ليكونوا شفعاء لهم من غضب الله فلما حق عليهم العذاب فلم يجدوا شفعاء ذكروا بما كانوا يزعمونه فقيل لهم ﴿ أيْنَ ما كُنْتُم تُشْرِكُون مِن دُوننِ الله ﴾ ، فابتدروا بالجواب قبل انتهاء المقالة طمعاً في أن ينفعهم الاعتذار.

فجملة ﴿ قَالُوا ضَلُوا عنا ﴾ معترضة في أثناء القول الذي قيل لهم، ومعنى ﴿ ضَلُوا ﴾ غابوا كقوله: ﴿ أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد ﴾ [السجدة: 10] أي غُيبنا في التراب، ثم عرض لهم فعلموا أن الأصنام لا تفيدهم.

فأضربوا عن قولهم: ﴿ ضَلُوا عَنَّا ﴾ وقالوا: ﴿ بَلْ لَمْ نَكُن نَدْعُوا مِن قَبْلُ شَيْئَاً ﴾ أي لم نكن في الدنيا ندعو شيئاً يغني عنا، فنفي دعاء شيء هنا راجع إلى نفي دعاء شيء يُعتدّ به، كما تقول: حسبتُ أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء، إن كنتَ خبرته فلم تر عنده خيراً.

وفي الحديث: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال: «ليسوا بشيء» أي ليسوا بشيء معتدّ به فيما يقصدهم الناس لأجله، وقال عباس بن مرداس: وقد كنت في الحرب ذا تدراء *** فلم أعط شيئاً ولم أمنع وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ﴾ في سورة [العقود: 68]، إذ ليس المعنى على إنكار أن يكونوا عبدوا شيئاً لمنافاته لقولهم: ﴿ ضَلُّوا عَنَّا ﴾ المقتضي الاعترافَ الضمني بعبادتهم.

وفسر كثير من المفسرين قولهم: ﴿ بَل لَّمْ نَكُن ندْعُوا من قَبْلُ شيئاً ﴾ أنه إنكار لعبادة الأصنام بعد الاعتراف بها لاضطرابهم من الرعب فيكون من نحو قوله تعالى: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [الأنعام: 23].

ويجوز أن يكون لهم في ذلك الموقف مقالان، وهذا كله قبل أن يحشروا في النار هم وأصنامهم فإنهم يكونون متماثلين حينئذٍ كما قال تعالى: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون اللَّه حصب جهنم ﴾ .

وجملة ﴿ كذلك يُضِلُّ الله الكافرين ﴾ تذييل معترض بين أجزاء القول الذي يقال لهم.

ومعنى الإِشارة تعجيب من ضلالهم، أي مثل ضلالهم ذلك يُضل الله الكافرين.

والمراد بالكافرين: عموم الكافرين، فليس هذا من الإِظهار في مقام الإِضمار.

والتشبيه في قوله: ﴿ كذلك يُضِلُّ الله الكافرين ﴾ يُفيد تشبيه إضلال جميع الكافرين بإضلاله هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، فتكون جملة ﴿ كذلك يُضِلُّ الله الكافرين ﴾ تذييلاً، أي مثل إضلال الذين يجادلون في آيات الله يُضل الله جميع الكافرين، فيكون إضلال هؤلاء الذين يجادلون مشبهاً به إضلال الكافرين كلهم، والتشبيه كناية عن كون إضلال الذين يجادلون في آيات الله بلغ قوة نوعه بحيث ينظّر به كل ما خفي من أصناف الضلال، وهو كناية عن كون مجادلة هؤلاء في آيات الله أشدُّ الكفر.

والتشبيه جار على أصله وهو إلحاق ناقص بكامل في وصف ولا يكون من قبيل ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ [البقرة: 143] ولا هو نظير قوله المتقدم ﴿ كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات اللَّه يجحدون ﴾ [غافر: 63].

وقوله: ﴿ ذلكم بما كنتم تفرحون ﴾ تكملة القيل الذي يقال لهم حينَ إِذْ الإِغلالُ في أعناقهم.

والإِشارة إلى ما هم فيه من العذاب.

و(مَا) في الموضعين مصدرية، أي ذلكم مسبب على فرحكم ومرحكم اللذين كانا لكم في الدنيا، والأرض: مطلقة على الدنيا.

والفرح: المسرة ورضى الإِنسان على أحواله، فهو انفعال نفساني.

والمرح ما يَظهر على الفارح من الحركات في مشيه ونظره ومعاملته مع الناس وكلامه وتكبره فهو هيئة ظاهرية.

و ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ يتنازعه كل من ﴿ تفرحون ﴾ و ﴿ تمرحون ﴾ أي تفرحون بما يسركم من الباطل وتزدهون بالباطل فمن آثار فرحهم بالباطل تطاولُهم على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن المرح بالباطل استهزاؤهم بالرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، قال تعالى: ﴿ وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين ﴾ [المطففين: 30، 31].

فالفرح كلما جاء منهياً عنه في القرآن فالمراد به هذا الصنف منه، كقوله تعالى: ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح إن اللَّه لا يحب الفرحين ﴾ [القصص: 76] لا كلُّ فَرح، فإن الله امتنّ على المؤمنين بالفرح في قوله: ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللَّه ﴾ [الروم: 4، 5].

وبين ﴿ تفرحون وتمرحون ﴾ الجناس المحرَّف.

وجملة ﴿ ادْخُلوا أبْوَابَ جَهَنَّم ﴾ يجوز أن تكون استنئافاً بيانياً لأنهم لما سمعوا التقريع والتوبيخ وأيقنوا بانتفاء الشفيع ترقبوا ماذا سيؤمر به في حقهم فقيل لهم ﴿ أدْخُلوا أبوَابَ جهنَّم ﴾ ، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من جملة ﴿ ذلكم بِمَا كنتم تفرحون ﴾ الخ، فإن مدلول اسم الإِشارة العذابُ المشاهد لهم وهو يشتمل على إدخالهم أبواب جهنم والخلودَ فيها.

ودخول الأبواب كناية عن الكون في جهنم لأن الأبواب إنما جعلت ليسلك منها إلى البيت ونحوه.

و ﴿ خالدين ﴾ حال مقدرة، أي مقدراً خلودكم.

وفرع عليه ﴿ فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكبرين ﴾ ، والمخصوص بالذم محذوف لأنه يدل عليه ذكر جهنم أي فبئس مثوى المتكبرين جهنمُ، ولم يتصل فعل (بئس) بتاء التأنيث لأن فاعله في الظاهر هو ﴿ مثوى ﴾ لأن العبرة بإسناد فعل الذم والمدح إلى الاسم المذكور بعدهما، وأما اسم المخصوص فهو بمنزلة البيان بعد الإِجمال فهو متبدأ خبره محذوف أو خبرُ مبتدإٍ محذوف، ولذلك عدّ باب نعم وبئس من طرق الإِطناب.

والمثوى: محل الثواء، والثواء: الإِقامة الدائمة، وأوثر لفظ ﴿ مثوى ﴾ دون (مُدخل) المناسببِ ل ﴿ ادخلوا ﴾ لأن المثوى أدل على الخلود فهو أولى بمساءتِهم.

والمراد بالمتكبرين: المخاطبون ابتداء لأنهم جادلوا في آيات الله عن كِبْر في صدورهم كما قال تعالى: ﴿ إنَّ الذين يجادلون في ءاياتت الله بِغَير سلطانن أتاهم إن في صُدُورهم إلاَّ كِبْرٌ مَا هُم ببالغيه ﴾ [غافر: 56] ولأن تكبرهم من فرحهم.

وإنما عدل عن ضميرهم إلى الاسم الظاهر وهو ﴿ المتكبرين ﴾ للإِشارة إلى أن من أسباب وقوعهم في النار تكبرهم على الرسل.

وليكون لكل موصوف بالكِبْر حظ من استحقاق العقاب إذا لم يتُب ولم تغلب حسناته على سيئاته إن كان من أهل الإِيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

في الفَرَحِ والمَرَحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفَرَحَ: السُّرُورُ والمَرَحَ: البَطَرُ، فَسُرُّوا بِاْلِإمْهالِ وبَطَرُوا بِالنِّعَمِ الثّانِي: الفَرَحُ والسُّرُورُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والمَرَحُ العُدْوانُ.

رَوى خالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعاذٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْغِضُ البَذِخِينَ الفَرِحِينَ المَرِحِينَ، ويُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ ويُبْغِضُ أهْلَ بَيْتِ لَحْمَيْنِ، ويُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ فَأمّا أهْلُ بَيْتِ لَحْمَيْنِ فَهُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ بِالغِيبَةِ، وأمّا الحَبْرُ السَّمِينُ فالمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ ولا يُخْبِرُ بِهِ النّاسَ، يَعْنِي المُسْتَكْثِرَ مِن عِلْمِهِ ولا يَنْفَعُ بِهِ النّاسَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون، في الحميم ثم في النار يسجرون ﴾ فقال: «لو أن رصاصة مثل هذه- وأشار إلى جمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة- لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً- الليل والنهار- قبل أن تبلغ أصلها أو قال قعرها» .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن يعلى بن منبه رضي الله عنه رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينشئ الله سحابة لأهل النار سوداء مظلمة يقال لها ولأهل النار أي شيء تطلبون؟

فيذكرون بها سحاب الدنيا فيقولون: يا ربنا الشراب، فتمطرهم أغلالاً تزيد في أعناقهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمراً يلتهب عليهم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ والسلاسل يسحبون، في الحميم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه وهو يصلي في شهر رمضان يردد هذه الآية ﴿ فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون، في الحميم ثم في النار يسجرون ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ يسحبون، في الحميم ﴾ فيسلخ كل شيء عليهم من جلد، ولحم، وعرق، حتى يصير في عقبه.

حتى ان لحمه قدر طوله ستون ذراعاً.

ثم يكسى جلداً آخر، ثم يسجر في الحميم، فيسلخ كل شيء عليهم من جلد ولحم وعرق.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يسجرون ﴾ قال: توقد بهم النار.

وفي قوله: ﴿ تمرحون ﴾ قال: تبطرون وتاشرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ ﴾ يعني كفار قريش، وقيل: هم أهل الأهواء كالقدرية وغيرهم، وهذا مردود بقوله: ﴿ الذين كَذَّبُواْ بالكتاب ﴾ إلا إن جعلته منقطعاً مما قبله وذلك بعيد ﴿ إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ ﴾ العامل في إذ يعملون وجعل الظرف الماضي من الموضع المستقبل لتحقيق الأمر به ﴿ إِذِ الأغلال ﴾ أي يجرون والحميم الماء الشديد الحرارة ﴿ يُسْحَبُونَ * فِي الحميم ﴾ أي يجرون في الحميم والماء الشديد الحرارة ﴿ ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ ﴾ هذا من قولك: سجرت التنور إذا ملأته بالنار، فالمعنى أنهم يدخلون فيها كما يدخل الحطب في التنور، ولذلك قال مجاهد في تفسيره: توقد بهم النار ﴿ تمرحون ﴾ من المرح وهو الأشر والبطر.

وقيل: الفخر والخيلاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا ينفع ﴾ على التذكير: نافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم ﴿ تتذكرون ﴾ بتاء الخطاب: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ ادعوني أستجب ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

﴿ سيدخلون ﴾ من الإدخال مجهولاً: ابن كثير ويزيد وعباس ورويس وحماد وأبو بكر غير الشموني ﴿ شيوخاً ﴾ بكسر الشين: ابن كثير وابن عامر وحمزة وعلي وهبيرة والأعشى ويحيى وحماد.

الوقوف ﴿ الأشهاد ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ يدل من الأول ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ه لا ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ والأبكار ﴾ ه ﴿ أتاهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ولا المسيء ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أستجب لكم ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده صفة شيء وخطؤه ظاهر ﴿ إلا هو ﴾ ز لابتداء الاستفهام ورجحان الوصل لفاء التعقيب ولتمام مقصود الكلام ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ شيوخاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ج لأجل الفاء مع الشرط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ في آيات الله ﴾ ط لانتهاء الاستفهام وابتداء آخر ﴿ يصرفون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ رسلنا ﴾ قف إن لم تقف على ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والسلاسل ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف.

وقيل: ﴿ والسلاسل ﴾ مبتدأ والعائد محذوف أي والسلاسل يجرون بها في الحميم ﴿ يسجرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تمرحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ حق ﴾ ه ﴿ للشرط ﴾ مع الفاء ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ نقصص عليك ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ج ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ز للآية مع العطف وشدّة اتصال المعنى ﴿ تحملون ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ولا وجه للعطف.

﴿ تنكرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والأخبار ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ بأسنا ﴾ الثاني ط ﴿ في عباده ﴾ ج لأن الفعل المعطوف عليه مضمر وهو سن ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: هذا من تمام قصة موسى وعود إلى مقام انجر الكلام منه وذلك أنه لما قيل ﴿ فوقاه الله ﴾ وكان المؤمن من أمة موسى علم منه ومما سلف مراراً أن موسى وسائر قومه قد نجوا وغلبوا على فرعون وقومه فلا جرم صرح بذلك فقال ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ الآية.

ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق وحصول الذكر الجميل واقتداء الناس بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم كما أن يحيى بن زكريا لما قتل قتل به سبعون ألفاً.

وأما نصرهم في الآخرة فمن رفع الدرجات والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين وقد مر باقي تفسير الأشهاد في أوائل "هود".

ثم بين أن يوم القيامة لا اعتذار فيه لأهل الظلم والغواية وإن فرض اعتذار فلا يقبل وسوء الدار عذاب الآخرة.

ثم أخبر عن إعطاء موسى التوراة وإيراثها قومه بعده.

والمراد بكون الكتاب هدى أنه دليل في نفسه، وبكونه ذكرى أن يكون مذكراً للشيء المنسيّ.

وحين فرغ من قصة موسى وما تعلق بها خاطب نبيه  مسلياً له بقوله ﴿ فاصبر إن وعد الله ﴾ بالنصر وإعلاء كلمة الحق ﴿ حق ﴾ كما قص عليك من حال موسى وغيره.

ثم أمره باستغفاره لذنبه وقد سبق البحث في مثله مراراً.

والعشيّ والإبكار صلاتا العصر والفجر أو المراد الدوام.

قوله ﴿ إن الذين يجادلون ﴾ عود إلى ما انجر الكلام إليه من أول السورة إلى ههنا.

وفيه بيان السبب الباعث لكفار قريش على هذا الجدال وهو الكبر والحسد وحب الرياسة، وأن يكون الناس تحت تصرفهم وتسخيرهم لا أن يكونوا تحت تصرف غيرهم فإن النبي  لا بد أن تكون الأمة تحت أمره ونهيه وذلك تخيل فاسد لأن الغلبة لدين الإسلام ولهذا قال ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ثم أمره أن يستعيذ في دفع شرورهم بالله السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم فيجازيهم على حسب ذلك.

ثم إنهم كانوا أكثر ما يجادلون في أمر البعث فاحتج الله  عليهم بقوله ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ ومن قدر على الأصعب في نظر المخالف وقياسه كان على الأسهل أقدر، فظاهر أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا برهان بل لمجرد الحسد والكبر بل لا يعرفون ما البرهان وكيف طريق النظر والاستدلال ولهذا قال ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .

ثم نبه على الفرق بين الجدال المستند على العناد والتقليد وبين الجدال المستند إلى الحجة والدليل قائلاً ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وحين بين التفاوت بين الجاهل والعالم أراد أن يبين التفاوت بين المحسن والمسيء ثم قال ﴿ قليلاً ما تتذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتقريع، وفيه أن هذا التفاوت مما يعثر عليه المكلف بأدنى تأمل لو لم يكن معانداً مصراً.

ثم صرح بوجود القيامة قائلاً ﴿ إن الساعة لآتية ﴾ أدخل اللام في الخبر بخلاف ما في "طه" لأن المخاطبين ههنا شاكون بخلاف المخاطب هناك وهو موسى، وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها.

ومعنى ﴿ لا يؤمنون ﴾ لا يصدّقون بالبعث.

ثم إنه كان من المعلوم أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بالطاعة فلا جرم أشار إليها بقوله ﴿ وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ﴾ أكثر المفسرين على أن الدعاء ههنا بمعنى العبادة، والاستجابة بمعنى الإنابة بقوله  ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً  ﴾ روى النعمان بن بشير أن رسول الله  قال: "الدعاء العبادة" وقرأ هذه الآية.

وجوّز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتي دعائي لأن الدعاء باب من العبادة يصدّقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء.

وقد مرّ تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان  ﴾ وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال: وحدوني أغفر لكم.

وفي الدعاء.

قال جار الله: وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد.

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين.

وقال أهل التحقيق: كل من دعا الله وفي قلبه مثقال ذرة من المال والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على غير الله.

وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجاباً ألبتة لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى الله.

ثم إنه  ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير الآية مراراً ولا سيما في أواخر "يونس" وأواسط "البقرة".

وكرر ذكر الناس نعياً عليهم وتخصيصاً لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات.

وأما وجه النظم فكأنه يقول: إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال؟

ففي تحريض على الدعاء.

وأيضاً الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعوّ فلذلك ذكر في عدّة آيات دلائل باهرة من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا هو ﴾ قد مر في "الأنعام".

قوله ﴿ كذلك يؤفك ﴾ أي كل من جحد بآيات الله ولم يكن طالباً للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا.

قوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله { ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ قوله ﴿ الحمد لله ربّ العالمين ﴾ إما استئناف مدح من الله  لنفسه، وإما بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد لله.

قوله ﴿ لما جاءني البينات ﴾ شامل لأدلة العقل والنقل جميعاً.

قوله ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا.

وأما قوله ﴿ ولتبلغوا أجلاً مسمى ﴾ فمتعلق بفعل آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى هو الموت أو القيامة، ورجاء منكم أن تعقلوا ما في ذلك من العبر.

وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه، ثم أشار بقوله ﴿ فإذا قضى ﴾ الخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار في شيء مّا إلى آلة وعدّة.

وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط، وذلك أن الحياة تحصل بتعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق، وكل من الأمرين يحصل في آن واحد.

ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى خلق الإنسان الأوّل وهو آدم كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون  ﴾ ثم عاد إلى ذم المجادلين وذكر وعيدهم قائلا ﴿ ألم تر ﴾ الآية والكتاب القرآن.

وما أرسل به الرسل سائر الكتب.

وقوله ﴿ فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ﴾ ليس كقول القائل: سوف أصوم أمس.

بناء على أن سوف للاستقبال وإذ للمضي، لأن "إذ" ههنا بمعنى "إذا" إلا أنه ورد على عادة أخبار الله نحو ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ وقال المبرد: إذ صارت زماناً قبل سوف لأن العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال.

والمعنى علموا من الأغلال الذي كانوا أو عدوه من بعد أن حق بالوجود.

ومعنى ﴿ يسجرون ﴾ قال جار الله: هو من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بها مملوءة أجوافهم منها.

والحاصل أنهم يعذبون مرة بالماء الشديد الحرارة ومرة بالنار.

وقال مقاتل: في الحميم يعني في حر النار ﴿ ثم قيل لهم ﴾ على سبيل التوبيخ ﴿ أينما كنتم ﴾ "ما" موصولة مبتدأ و "أين" خبرها.

ومعنى ﴿ ضلّوا ﴾ غابوا وضاعوا ولم يصل إلينا ما كنا نرجوه من النفع والشفاعة، وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً ﴾ يعتدّ به كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء أي ليس عنده خير.

ومن جوّز الكذب على الكفار لم يحتج إلى هذا التأويل وقال: إنهم أنكروا عبادة الأصنام.

ثم قال ﴿ كذلك يضل الله الكافرين ﴾ قالت الأشاعرة: أي عن الحجة والإيمان.

وقالت المعتزلة: عن طريق الجنة بالخذلان.

وقال في الكشاف: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.

واعترض عليه بأنهم مقرونون بآلهتهم في النار لقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ والجواب أن كون الجميع في النار لا ينافي غيبة أحدهما عن الآخر.

وأجاب في الكشاف باختلاف الزمان وبتفسير الضلال بعدم النفع.

﴿ ذلكم ﴾ العذاب بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح أي النشاط ﴿ بغير الحق ﴾ وهو الشرك وعبادة الصنم.

ويجوز أن يكون القول محذوفاً أي يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكل طائفة مقدّرين الخلود فيها ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ يعني الذين مر ذكرهم في قولهم ﴿ إن في صدوركم إلاّ كبر ﴾ والمخصوص بالذم محذوف وهو مثواكم أو جهنم.

قال جار الله: إنما لم يقل "فبئس مدخل المتكبرين" حتى يكون مناسباً لقوله ﴿ ادخلوا ﴾ كقولك: زر بيت الله فنعم المزار.

لأن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.

وحين زيف طريقة المجادلين مرة بعد مرة أمر رسوله بالصبر على إيذائهم وإيحاشهم إلى إنجاز الوعد بالنصرة قال ﴿ فإما نرينّك بعض الذي نعدهم ﴾ من عذاب الدنيا فذاك ﴿ أو نتوفينك فإلينا يرجعون ﴾ هذا التقدير ذكره جار الله، وقد مر في "يونس" مثله.

وأقول: لا بأس أن يعطف قوله ﴿ أو نتوفينك ﴾ على ﴿ نرينك ﴾ ويكون الرجوع إلى الله جزاء لهما جميعاً ومعناه: إنا نجازيهم على أعمالهم يوم القيامة سواء عذبوا في الدنيا أو لم يعذبوا.

ثم سلاه بحال الأنبياء السابقة ليقتدي بهم في الصبر والتماسك فقال ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

ذهب بعض المفسرين إلى أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.

وقيل: ثمانية آلاف، نصف ذلك من بني إسرائيل والباقي من سائر الناس.

ولعل الأصح أن عددهم لا يعلمه إلا الله لقوله  ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله  ﴾ لكن الإيمان بالجميع واجب.

عن علي  .

بعث الله نبياً أسود لم يقص علينا قصته.

ثم إن قريشاً كانوا يقترحون آيات تعنتاً كما مر في أواخر "سبحان" وأول "الفرقان" وغيرهما فلا جرم قال الله  ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله ﴾ بعذاب الدنيا أو بالقيامة.

وقال ابن بحر: أمر الله الآية التي اقترحوها وذلك أنه يقع الاضطرار عندها ﴿ وخسر هنالك ﴾ أي في ذلك الوقت استعير المكان للزمان ﴿ المبطلون ﴾ وهم أهل الأديان الباطلة.

ثم عاد إلى نوع آخر من دلائل التوحيد قائلاً ﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا ﴾ قال جار الله: ظاهر النظم يقتضي إدخال لام الغرض في القرائن الأربع أو خلو الكل عنها فيقال: لتركبوا ولتأكلوا ولتصلوا إلى منافع ولتبلغوا.

أو يقال: منها تركبون ومنها تأكلون وتصلون وتبلغون إلا أنه ورد على ما ورد لأن الركوب قد يجب كما في الحج والغزو، وكذلك السفر من بلد إلى بلد لهجرة أو طلب علم لا أقل من الندب فصح أن يكونا غرضين.

وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا تتعلق به إرادته كثير تعلق شرعاً.

وإنما قال ﴿ على الفلك ﴾ ولم يقل " وفي الفلك" مع صحته إذ هي كالوعاء إزدواجاً لقوله ﴿ وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] والحمل محمول على الظاهر.

وقيل: هو من قول العرب: حملت فلاناً على الفرس إذا وهب له فرساً.

ثم وبخهم بقوله ﴿ ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ﴾ .

ثم حرضهم وزاد توبيخهم بقوله ﴿ أفلم يسيروا ﴾ الآية.

وقد سبق.

وقوله ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ "ما" نافية أو استفهامية ومحلها النصب.

وقوله ﴿ ما كانوا ﴾ مصدرية أو موصولة أي كسبهم أو الذي كسبوا.

قوله ﴿ فرحوا ﴾ لا يخلو إما أن يكون الضمير عائداً إلى الكفار أو إلى الرسل.

وعلى الأول فيه وجوه منها: أنه تهكم بعلمهم الذي يزعمون كقولهم ﴿ وما أظن الساعة قائمة  ﴾ ﴿ أئذا كنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد  ﴾ ومنها أنه أراد بذلك شبهات الدهرية وبعض الفلاسفة كقولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وحقروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم كما يحكى عن سقراط أنه سمع بموسى  فقيل له: لو هاجرت إليه؟

فقال: نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا.

ويروى أن جالينوس قال لعيسى  : بعثت لغيرنا.

ومنها أن يراد علمهم بظاهر المعاش كقوله ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا  ﴾ وذلك مبلغهم من العلم فرحوا به وأعرضوا عن علم الديانات.

وعلى الثاني يكون معناه أن الرسل لما رأوا جهل قومهم وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.

ووجه آخر وهو أن يكون ضمير ﴿ فرحوا ﴾ للكفار وضمير ﴿ عندهم ﴾ للرسل أي فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء.

ثم بين أن إيمان البأس وهو حالة عيان العذاب أو أمارات نزول سلطان الموت غير نافع وقد مر مراراً.

ومعنى ﴿ فلم يك ينفعهم ﴾ لم يصح ولم يستقم لأن الإلجاء ينافي التكليف.

وترادف الفاءات في قوله ﴿ فما أغني ﴾ ﴿ فلما جاءتهم ﴾ ﴿ فلما رأوا ﴾ ﴿ فلم يك ﴾ لترتيب الأخبار ولتعاقب المعاني من غير تراخٍ.

وقال جار الله: فما أغنى نتيجة قوله ﴿ كانوا أكثر منهم ﴾ وقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ جار مجرى البيان والتفسير لقوله ﴿ فلما أغنى ﴾ وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ تابع لقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ كأنه قال: فكفروا كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء.

وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ آمنوا وكذلك ﴿ فلم يك ﴾ تابع لإيمانهم بعد البأس.

قال أهل البرهان: وإنما قال ههنا ﴿ وخسر هنالك الكافرون ﴾ وفيما قبل ﴿ المبطلون ﴾ لأنه قال هناك ﴿ قضى بالحق ﴾ ونقيض الحق الباطل، وههنا ذكر أن إيمان البأس غير مجد ونقيضه الكفر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ هو على حقيقة الرؤية والنظر.

ويحتمل ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ : ألم تعلم، معناه: ألم تعلم سفه الذين يجادلون في آيات الله، أو جهل الذين يجادلون في آيات الله، أي: في دفع آيات الله والطعن فيها بلا حجة على ما تقدم ذكره في قوله: ﴿ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ  ﴾ فعلى ذلك هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ ﴾ .

أي: آية، أي: حجة تصرفهم أو صرفتهم عن آيات الله، أو من أين يصرفون ويعرضون عن آيات الله بعد ما تقرر عندهم أنها آيات الله؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ﴾ تفسير مجادلتهم التي ذكر في دفع آيات الله.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ ﴾ : الذي آتاهم الرسل وكذبوا بما أرسلنا به رسلنا، أي: كذبوا - أيضاً - بما أمرهم الرسل بالوحي من غير كتاب؛ إذ الوحي نوعان: متلو، وغير متلو، فلم يكن قوله: ﴿ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا ﴾ تفسيراً للكتاب، وعلى التأويل الأول قوله: ﴿ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ﴾ أي: الكتاب؛ فيكون تفسيراً له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

وعيد لهم، أي: سوف يعلمون علم عيان بعدما علموا علم خبر، والله أعلم.

وقوله - عز جل -: ﴿ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيم ﴾ .

ذكر في أن السلاسل ثلاث لغات: الرفع والنصب والخفض.

فمن رفعها يقول: معناه: إذ جعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم يسحبون بها في الحميم.

ومن قال بالخفض فتأويله: إذ الأغلال في أعناقهم وفي السلاسل، أي: يجعل الأغلال في السلاسل، فيسحبون بها في الحميم.

ومن قال بالنصب كأنه قرأه: ﴿ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلَ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيم ﴾ أي: يسحبون السلاسل في الحميم.

وقوله: ﴿ يُسْحَبُونَ ﴾ أي: يجرون، والحميم: قد مر تأويله، وهو ما يشرب منه [و]قد انتهى حره غايته.

وقوله: ﴿ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ أي: يوقدون، ذكر ما يسقون فيها وهو الحميم، وذكر ما يحرقون به.

قال أبو عوسجة: ﴿ يُسْحَبُونَ ﴾ أي: يجرون، وصرفه: [أسحب]، يسحب إسحاباً، أي: جرّاً.

وقوله: ﴿ يُسْجَرُونَ ﴾ أي: يوقدون بهم، يقال: سجرت، أي: أوقدت فيه، وصرفه: سجر يسجر سجراً.

وقوله: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .

ظاهر هذه الآية: أن هذا القول لهم بعدما دخلوا النار؛ لأنه ذكر على أثر قوله: ﴿ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ ، فظاهرها أن قوله: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ بعد دخولهم النار، وظاهر قوله بعد هذا متصلا به: ﴿ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ - على أن ذلك القول إنما يقال لهم قبل أن يدخلوا النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً ﴾ .

هذا القول منهم يخرج على وجهين: أحدهما: على إنكارهم وجحودهم عبادة الأصنام التي عبدوها في الدنيا وأشركوها إياه في ألوهيته؛ وهو كقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 23]، وقوله: ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ  ﴾ أنكروا ما كان منهم، وأقسموا على ذلك، وهذا يدل على أن الآية لا تضطر أهلها إلى قبول الآيات والتصديق لها؛ لأنهم أنكروا أن يكونوا مشركين بعدما عاينوا العذاب وظهر لهم خطؤهم وكونهم على الباطل، ثم لم يمنعهم ما عاينوا من الكذب.

والثاني: قوله: ﴿ بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً...

﴾ ليس على الإنكار والجحود، ولكن لما رأوا أن عبادتهم الأصنام لم تنفعهم يومئذ ولم تغنهم عما نزل بهم فقالوا عند ذلك: بل لم نكن ندعو شيئاً من قبل، أي: الذي كنا نعبده في الدنيا كان باطلا، لم يك شيئاً؛ حيث لم ينفعنا ذلك في هذا اليوم.

فإن كان تأويل الآية هذا، فهذا يدل على أن قوله: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ  ﴾ بعدما دخلوا النار.

وإن كان تأويله الأول على الإنكار والجحود، فذلك يدل على [أن] ذلك القول قبل أن يدخلوا النار حين يشهد عليهم الجوارح، وذلك يقرر قوله: ﴿ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ﴾ ، والله  أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: هكذا يضل الله من علم منه اختيار الكفر والضلال يضله؛ وهو كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم  ﴾ ، أي: إذ علم منهم اختيار الانصراف صرفهم، وكذلك قوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ أي: إذ علم منهم أنهم يختارون الزيغ أزاغهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ﴾ .

أي: ذلك جزيتكم من النار بما كنتم تسرون في الدنيا بالباطل؛ إذ هم كانوا كذلك في الدنيا يفرحون ويسرون على كونهم على الباطل.

وقيل: ﴿ تَفْرَحُونَ ﴾ أي: تبطرون، لكن هو على الفرح والرضاء بما اختاروا لأنفسهم.

وقوله: ﴿ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ﴾ .

أي: وبما كنتم تتكبرون، كذلك كانوا يسرون ويرضون بكونهم على الباطل، وينكرون بذلك على رسول الله  والمؤمنين، والمرح: التكبر؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً  ﴾ أي: تكبراً.

وقوله: ﴿ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية.

قد ذكرناه فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم قيل لهم تَبْكِيتًا لهم وتوبيخًا: أين الآلهة المزعومة التي أشركتم بعبادتها؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.rjJv5"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله